أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - آراس بلال - تآزر التقنية والمعنى..في (من كينونة العطر)














المزيد.....

تآزر التقنية والمعنى..في (من كينونة العطر)


آراس بلال

الحوار المتمدن-العدد: 7103 - 2021 / 12 / 11 - 14:51
المحور: الادب والفن
    


يعتمد النجاح الادائي للنص على وجود فرضية ذهنية ونفسية، مقصودة أو غير مقصودة، واعية أو غير واعية، يكتشفها القارئ بحسب قدراته التأويلية وأدوات القراءة التي يمتلكها، ولذلك تتعدد القراءة بتعدد الوعي القرائي، وكل وعي هو ذات متساوية ومساوية، أي إنه ليس وعيا أدنى ولا وعيا أعلى، انما وعي موجود في عالم الكثرة والتنوع والتعدد، وهكذا لايستهان به او يهمل، ولذلك فإن النجاح الادائي للنص لا يكتمل الا بقدرته على توليد قراءة أو قراءات ناجحة نتيجة غوايته للقارئ واستدراجه لمحاولة التفاعل والفهم، اما الاستغلاق النصي على الفهم فيعني بشكل ما فشل في الايصال ولا عذر في ذلك بعدم قدرة القارئ على الفهم كما يشاع في الثقافة العربية وتحديدا فيما يخص القراءة الشعرية.
الايصال والتفاعل الشعري قد يكون متيسرا بشكل أكبر عندما يعمد الشاعر/ة الى طرح فكرة واضحة يبقيها في حدود العمل الفني غير الساذج في مباشريته وقصدتيه الارسالية، بل يعتمد على مشاغبة القارئ وادهاشه عبر احباط فرضية القراءة الاولى لديه، وهي الفرضية الاكثر سذاجة وبساطة عادة، كما يحدث في قصيدة (من كينونة العطر) للشاعرة جوانا إحسان ابلحد، فمطلع القصيدة:
كنتُ ذرَّة بزُجاجةِ عِطرِكَ..
وشاءتْ البخَّاتُ مِنْ يدِكَ اللاهيَة أنْ ألتصقَ على ياقتِكَ..
يدفع القارئ الى انه يقدم على قراءة نص عاطفي تكون فيه المرأة الطرف الاضعف الخاضع لمشاعره الجياشة، لكن المقطع اللاحق يهاجم القارئ ويصدمه:
ها قَدْ وصلنا معاً إلى الحفلِ السَّاهر
أنا الذرَّة الفارَّة مِنْ سجنِ القنينةِ العطريَّة
أنتَ مجموعُ الذرَّاتِ الأكبر بسجنٍ أكبر
أنا الذرَّة اللامرئيَّة..
حاسَّةُ الشَّمِ عندَ الآخرين لو اِشتغلتْ عليَّ، هي الدليلُ الأقوى على وجودِي العابق،
وسيظلُّ النكرة بالعِطرِ عندكَ..
أنتَ الكيانُ المرئيُّ..
القارئ يجد نفسه أمام حالة صراع وهجوم تشنه المرأة على رجلها، عبر الكشف عن ضآلة وجودها مقارنة بتضخم وجوده، وهو كشف تأنيبي لائم وليس اقرارا بالوضع، فالتفاوت هو القاعدة التي تهاجمها المرأة عبر فضح وجودها كشاعرة عبر قولها (وسيظلُّ المُعرَّف بالشِّعر عندي.. )، لتبدأ سلسلة انتقادات لاذعة للرجل الشريك، التي تصل حد السخرية والاهانة:
أراكَ تسحلُ نفسَكَ بحبلِ التظارُفِ - لإضحاكِ النواهد -
والحبلُ اِلتفَّ فوقَ الرُكبةِ بشبريْن،
بالتناص مَعَ الظاهرِ مِنْ سيقانِهنَّ..
أراكَ تشنقُ نفسكَ بحبلِ المُجاملات الأغلظ
والحبلُ اِلتفَّ تحتَ العُنقِ بنظرتيْن،
بالتناص مَعَ الظاهرِ مِنْ صدورهِنَّ..
ولا ينحصر النقد والسخرية بالرجل بل يمتد الى النساء اللواتي يزيفن اجسادهن بالتجميل، لخوض حرب مباهاة وتنافس وجذب واغواء، وهو ما ترفضه المرأة الشاعرة، بالقول:
بالقصيدة فقط أقوى أنْ أكُونَكَ.. وعلى سريرِ الدلالاتِ الكائنة بالشِّعر..
هكذا كُنْتُ ذرَّة مِنْ عِطركَ الثمين ليسَ إلَّا..
وما كانَ مِنْي..
لَمْ أُصَدِّقْ حتَّى اللحظة، أنَّهُ ( فعلٌ ماضٍ ناقص ) لامَحَلَ لهُ مِنْ العِطر..
وإذا كان هذا هو المعنى، وهو معنى متيسر مباح سهل المنال، فإن جمالية النص الشعري تحيل هذا السهل الى حركة صعبة ومغوية في نفس الوقت، عبر الصور السردية هنا، فالقارئ يشاهد احداثا في القصيدة ولا يقرأها فقط، وهذا مستوى من مستويات التآزر بين التقنية والمعنى، إذ يأخذ النص القارئ كمتفرج يرافق المرأة والرجل في حفلتهما.
ويستخدم النص السخرية السوداء كتقنية بلاغية تستعين بالصور الشعرية واللغة المستفزة (أراكَ تسحلُ نفسَكَ بحبلِ التظارُفِ - لإضحاكِ النواهد -)، (بالتناص مَعَ الظاهرِ مِنْ سيقانِهنَّ..)، (بالتناص مَعَ الظاهرِ مِنْ صدورهِنَّ..)، (كُنْتَ تُحدِّدُ طبيعة العلاقة -مَعَ إحداهنَّ- بخطِّ الكونتور العريض !)، لينجز النص انواعا من الطباق الصوري والتضاد اللغوي بين ما هو ثقافي معقد (التناص) وما هو مادي حسي تافه (سيقان، صدور، الكونتور)، بعدما مهدت لذلك بكلمة (تسحل) التي تستخدم في العامية بمعنى (إهانة)، فالرجل (يسحل نفسه) أي يهينها بالرضوخ للجذب الحسي من النساء المحيطات به بينما المرأة/الشاعرة (تسحله) في نصها وتعذبه عبر تذكيره بانشغالاتها الثقافية عندما تستخدم مصطلحات لغتها العليا (الشعر).
وتعيد تعريف (رجلها) بإنه ( فعلٌ ماضٍ ناقص ) لامَحَلَ لهُ مِنْ العِطر، فتضع الحد الفاصل بين انشغالاته (السيقان، الصدور، النواهد..) وانشغالاتها، لتميز بين عالمين، حسي – شعري.
الشاعرة جوانا إحسان ابلحد تنجز نصا نسويا بالمعنى النفسي والابداعي، وهي خلافا للتعريف السهل للنسوية ككشف واعلاء لجنس النساء، تقدم التدني النسوي ايضا، هي تعيد المرأة الى مستوى تعرف الذات والفرادة والتنوع، فالنساء مثل الرجال لسن على صعيد واحد ولا بهوية موحدة، النص يرفض الصورة الجمعية ويعيد للمرأة صورتها الفردية كواحدة من جنس تتباين شخصيات افراده ووعيهن، وهي ليست جزءا من (قطيع) النساء، بل في حالة تجاذب وحوار واختلاف مع افراد من هذا الجنس الذي تكون شخصيات عناصره اقرب لرجال فرادى فيه أيضا، وتبدو اللغة والانشغالات والاهتمامات هي ما توحد او تفرق بين الجنسين وبين افراد كل جنس أيضا.
ان التقنيات السردية واللغة الشعرية المتوافقة مع فرضية النص هي ما تساعد القارئ في اكتشاف جماليات المقروء وطبقات معناه.



#آراس_بلال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف تؤذي صديقك؟..معد فياض إنموذجا
- مقتدى وبرهم وثالثهما الكهرباء
- مسعود بارزاني بين سيادتين
- مقتدى يلعب بالكهرباء
- مصير رحلات بافل
- خبرة رئاسية مؤلمة


المزيد.....




-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...
- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...
- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...
- من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم ...
- -على طريقة الأفلام-.. كاميرات توثق اغتيال زعيم مافيا القوقاز ...
- -الحياة بعد الموت- يحصد الجائزة الكبرى في مهرجان -كوروتشي- ا ...
- بدل الأجراس.. يوم المعرفة في روسيا يبدأ بأغان شهيرة من الحقب ...
- مرشحة للرئاسة الأمريكية تدعو إلى تعزيز التبادل الثقافي مع رو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - آراس بلال - تآزر التقنية والمعنى..في (من كينونة العطر)