أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال جمال بك - في التدوين الخامس للعمر














المزيد.....

في التدوين الخامس للعمر


كمال جمال بك

الحوار المتمدن-العدد: 7088 - 2021 / 11 / 26 - 01:36
المحور: الادب والفن
    


بعمق وجدان في كارثة، وبساطة سقوط برميل متفجّر فوق لا هدف في حارة شعبية، ومن آثار ألم ما بعد النسيان، ندخل في "التدوين الخامس للعمر" عبر فوهات الجحيم السوريالي الأرضي "إلى: أطفال سوريا"(ص٥) البوابة التي تختصر الحاضر الذي صار ماضيا، وهو نفسه المستقبل أيضاً، إذ ذاك يكتسب التعميم خصوصيّات الصّفة والهويّة والمكان:

"الأم السوريّة
تشبه الحمامة
تنجب الأطفال
تخبئهم في أعالي الشجر
تطعمهم بفمها الجائع
تقاتل ذكور الحمام لأجلهم
وحين يكبرون تعلّمهم الطيران
فيطيرون
وتفقدهم إلى الأبد"(ص11)

هنا ومع الشّاعر السوريّ الكرديّ محمد سليمان زاده، لا رفاهية للتعمية أوالتعتيم، ولا فسحة حتى للحاق بالتدقيق اللغويّ أحيانًا، وتاليا لا نزعة شعبوية في أكمام النصوص. هنا تنتفض الأعصاب لا من لسعة كهرباء، بل من انطفاء أرواح أهل في عرائهم هناك. لكأن المسافات بين أبناء القهر صارت محروقة، وكأن الأنا في ارتجاجها الوجودي صدى ترددات زلزالية متتابعة، وما من فرق إنقاذ أو طوارىء لها:

"هذا الصباح أيقظني
ضجيج عمال البناء الألمان
وهذا الصباح كتب لي أخي أنَّه لم ينم
من ضجيج القصف
صوت الموسيقى عال
ومذيع الأخبار بحّ صوته
وأنا لم أتأكد من رقم الشهداء
وطفلتي تكرّر السؤال للمرّة الخامسة
⁃ ماذا يعني دولة على ورق؟
وأنا أفهمها عرق
ومفتاح البيت عثرت عليه في الثّلاجة
آه يا سوريا
ماذا فعلت بنا؟!"(ص12).

في تفاصيل بلاد الخراب، وحدها المقابر الجماعية تكبر وتتّسع، وعلى أنقاض بيوت تجرَّع أهلوها سمَّ الاستبداد والاحتلال والمليشيات الظلامية بتواطؤ عربي وإقليمي ودولي، يحضر الشهداء بكامل أناقتهم وفجائعيتهم، ليرسموا بطباشيرهم وورودهم أفقاً أحمر للحرية، يمتد من الطفل حمزة الخطيب في درعا، إلى الطفلة فاطمة معلاج التي قطعوا رأسها في إدلب، مرورا بمجزرتي الحولة وبابا عمرو في حمص، وصولا إلى مجزرة الغرقى في حلب، وليس انتهاء بآخر أغنية سالت مدماة من حنجرة القاشوش في حماة، أو آخر قلب حبّ لبخاخ في أي بقعة سوريّة، أهداه لحبيبته قبل أن تغدر به رصاصة قنّاص. وعلى تلّة الكارثة يتربَّع الكرسيُّ في حالة فصام غير مكترث إلا باكتمال المشهد الدمويّ:


قالوا لي: أنت كرديّ
وقالوا لأخي: أنت عربيّ
وكأخوين
تقاسمنا إرث الوطن الضائع في المزاريب
أعطوني القمح
وأعطوه حجر الطواحين
وأخذوا لهم فخامة الكرسي
… واستطعنا أن نعيش
أنا وأخي في سجن واحد
أنا أزرع وهو يطحن
وفخامتهم يأكلون.. ويأكلون.. ويأكلون
إليكم يا فخامة الكرسيّ المبجَّل بالكراهية
يا فخامة اللصوص
أنا كرديّ ولن أقتل أخي"(ص27).

في التدوين الخامس للعمر الصادرة عن "مومنت كتب رقمية" 2014 بلوحة للفنان يوسف بكر، 51 نصّا نثريّا باستثناءات قليلة بعضها يقترب أحياناً من محاكاة قصيدة التفعيلة من حيث توزّع الأسطر واعتماد القافية، من دون ضوابط إيقاعيّة في الوزن، ومثال ذلك نصّ "الحبر الأحمر" المقدّم بحسن مدخله:
"نفذ الحبر
وهذا البحر لا يكفي رغباتي
جدّي قال:
اكتب بدمك يا بنيّ
فالدم حبر واضح
تفهمه كلّ لغات العالم دون ترجمات"(ص70).

تجربة محمد سليمان زادة لا تحفل بالنحت في الجبال بل تغرف حبرها السريّ من نسغ الحياة اليومية، وفي أسلوبيتها ذات خصوصية السهل الممتنع، تجمع بين بساطة القول إلى حد الكلام المنساب، وبين عمق الإحساس أو الفكرة أو الموقف أو الحالة، إلى حد الغوص في الأعماق.

*محمد سليمان زادة شاعر ومسرحي سوري من مواليد قرية المعبطلي التابعة لمحافظة حلب 1970. مقيم في ألمانيا.
صدر له:
1_ تماثيل الظل، ديوان شعري عن دار الصداقة بحلب 1996 .
2_ أمراء الوهلة الأولى، نصوص شعرية 2000.
3_ التدوين الخامس للعمر، مومنت كتب رقمية، 2014 .
4_ تفاصيل الملل، 2014.
5- وله عملان مسرحيان وطن في غابة، واسمي على وزن عمران.
6_ عمل في الأخراج المسرحي وحاز على جائزة قطرية عن مسرحية (مدينة الممنوعات) في المهرجان القطري 1994.



#كمال_جمال_بك (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين
حوار مع المناضل الشيوعي الاردني سعود قبيلات حول الحرب الروسية - الاوكرانية وابعادها سياسيا واقتصاديا


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المنفى في جمع تكسير الأَصابع للشاعر حكمت شافي الأَسعد
- مورق يا حُبُّ في كلّ الفصول
- الحبُّ -يمشي كنهر دونما ضفاف- للشاعر عمر شبانة
- العطش والحرية في رواية - لا ماء يرويها - لنجاة عبد الصمد


المزيد.....




- بوريل باللغة العربية: أهداف مشتركة تجمع الاتحاد الأوروبي ودو ...
- فيلم -مدينة الرب-.. كاميرا برازيلية لإنقاذ الإنسانية
- هايدي بوخر .. إرثٌ فنيّ زاخرٌ بالتحوّلات لم يحظ بالاعتراف ال ...
- انتقادات لاذعة لنانسي عجرم بعد ظهورها المثير في شوارع بيروت ...
- من -نصفي الآخر- إلى -متلازمة المنقذ-.. كيف قدمت لنا السينما ...
- المؤرخة غنيمة الفهد تكشف للجزيرة نت أسرار اللهجة الكويتية
- نيجيرفان بارزاني يستقبل الفنان الايراني -شهرام ناظري-
- بدون تعليق: توم كروز يحصل على -سعفة ذهبية فخرية- في مهرجان ك ...
- أزمة الهوية الأوروبية.. الفيلسوف الألماني هابرماس يحذر بلاده ...
- مصر.. ابنة نجيب محفوظ تشن هجوما على الفنان أحمد حلمي


المزيد.....

- رواية راحلون رغما عن انوفهم - الجزاء الاول / صبيحة شبر
- من الشعر نفحات / عيسى بن ضيف الله حداد
- - شعر - قطوف من خارج المالوف / عيسى بن ضيف الله حداد
- المجموعة الشعرية الكاملة في الشعر السياسي / عيسى بن ضيف الله حداد
- المُلحد / عبد الباقي يوسف
- أمريكا كاكا / عبد الباقي يوسف
- حنين احلام مصادرة / رواية خماسية - رواية الجزء الاول ( هرو ... / أمين احمد ثابت
- ديوان شعر ( مترائي . . الثورة المفقودة ) / أمين احمد ثابت
- حزن الشرق / السعيد عبد الغني
- حتى أكون / رحمة شاذلي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال جمال بك - في التدوين الخامس للعمر