أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - موقع 30 عشت - أزمة الرأسمالية العالمية والصراع الطبقي البكتيريولوجي - وجهة نظر ماركسية لينينية - القسم الثالث والأخير















المزيد.....



أزمة الرأسمالية العالمية والصراع الطبقي البكتيريولوجي - وجهة نظر ماركسية لينينية - القسم الثالث والأخير


موقع 30 عشت

الحوار المتمدن-العدد: 6963 - 2021 / 7 / 19 - 12:45
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


بعد نشره للقسمين الأول والثاني، يقدم موقع 30 غشت القسم الثالث والأخير من دراسة "أزمة الرأسمالية العالمية والصراع الطبقي البكتيريولوجي ــ وجهة نظر ماركسية – لينينية ــ".
ــ ــ
القسم الثالث والأخير
الفلسفة
I - المادية البورجوازية وميزتها الأساسية:
سنعالج في هذا الجزء العديد من القضايا ذات الطبيعة الفلسفية تمس موضوع هذه الدراسة من جانبين مترابطين، جانب الفكر الفلسفي الذي تختبئ وراءه النظريات والمناهج العلمية البورجوازية، وجانب التطبيق العملي المؤدي إلى الكوارث المهددة للطبيعة وللإنسان. وذلك لتقديم السلاح العظيم الذي تقدمه الماركسية ــــ اللينينية لمواجهة الرأسمالية وجرائمها المدمرة للإنسان والطبيعة وتمظهراتها المختلفة كالأزمة الصحية العالمية والأزمة الإيكولوجية العالمية، وذلك في سياق طرح وتوضيح المفهوم الماركسي ــــ اللينيني لوحدة الإنسان والطبيعة المرتبط بالاشتراكية وصولا إلى الشيوعية.
في بدايتها كانت المادية البورجوازية إيديولوجية ثورية، لكنها ستتحول تدريجيا إلى براغماتية متطرفة ترفض الاعتراف بكرامة الواقع، ولا تعطي قيمة إلا للعرض العملي والإثبات. إن المادية البورجوازية تتصف بكونها محدودة وضيقة الفكر وميكانيكية، وسنأخذ مثالا من علم التشريح يظهر ضيق أفق الفكر المادي البورجوازي، وفي هذا الإطار تقول الأسطورة أن أحدهم قد قام بزيارة لديكارت وطلب من هذا الأخير أن يريه مكتبته، فأشار عليه برؤية عجل مفتوح.
إن هذا المثال ليعبر بشكل أساسي عن روح المادية البورجوازية، التي تعتبر أن كل شيء هو "أمامنا" ولا يمكن البحث عن شيء ما خارج ذلك. لقد شكل هذا الفكر في بدايتها تقدما هائلا فيما يخص فصل العلم عن الكنيسة وعن الدين، بمعنى آخر تقدما هائلا بالنسبة للميتافيزيقا والدين باعتباره نظاما مثاليا في التفكير. وفي نفس الوقت ستظهر هذه الطريقة طبيعتها المناهضة للعلم لأنها لا تعترف بكرامة الواقع، فإذا كانت المادية الجدلية تعترف بمبدأ القفزات النوعية، فالمادية البورجوازية لا ترى الأشياء إلا بشكل براغماتي، ومن ثمة سنراها لن تقبل أبدا باعتبار أن التشريح هو ممارسة بربرية، ومن هنا لن تقبل بمبدأ القفزة النوعية، التي تغير وضعية الحيوان في نظر الإنسان، وكذلك لا تستطيع المادية البورجوازية أن تقبل بمفهوم الثورة، سواء على المستوى المادي أو على مستوى الأفكار، إن خطاطات فكرها تسير في خط مستقيم، وعندما يحصل عدم الانسجام تتكلم عن "فوضى" وعن الصدفة.
وبالعودة إلى المادية البورجوازية وإلى أحد أكبر وجوهها، ونتحدث هنا عن مالبرانش (نيكولا مالبرانش: فيلسوف فرنسي (1638- 1715) وعن نظريته حول "الحيوان – الآلة" فبالنسبة لمالبرانش، فالكلب الذي يصرخ من الألم ليس سوى صرير آلة ("في البحث عن الحقيقة")، ويقول مالبرانش:
"إنه لمن المؤكد أن أغلب أخطائنا يكون سببها الأول هذا التطبيق القوي للروح على ما تتوصل به عن طريق الحواس، وهاته اللامبالاة، حيث بالنسبة للأشياء، التي يمثلها الإدراك (الفهم) الخالص".
هناك إذن رفض للحواس لصالح الإدراك ولصالح العرض تماما كما هو الحال عند ديكارت الذي يبرر العرض بقوله التالي: إن الله قد خلق العالم ونستطيع إيجاد قوانين هذا الأخير عن طريق مبادئ "منطقية" خالصة.
وفي نقده لهذا الفهم يقول لينين:
"إن الممارسة تعلو على المعرفة (النظرية) لأنها تتوفر ليس فقط على كرامة ما هو عام، بل كذلك الواقع المباشر" ("إشارات حول علم المنطق"، هيجل).
إن لينين هنا يعطي قيمة لواقع الوجود في العالم، بينما المادية البورجوازية لا تعطي معنى إلا ل "الإدراك".
لقد قام البورجوازيون عن طريق المادية البورجوازية بتحوير الأطروحة الأولى من أطروحات كارل ماركس حول فيورباخ، وذلك لتحييدها. وبالفعل، فماركس في أطروحته الأولى حول فيورباخ شرح العيب الرئيسي للمادية البورجوازية، وبين كيف سمحت لمناهضي المادية، باعتبارهم نشطاء ونشيطين، يقول ماركس:
"إن العيب الرئيسي، حتى الآن لمادية كل الفلاسفة بما فيها فلسفة فيورباخ، هو أن الموضوع، الواقع، العالم المحسوس لا يتم التقاطه إلا في شكل أشياء أو حدس وليس كنشاط إنساني ملموس، وكممارسة، بطريقة غير ذاتية. وهذا ما يفسر لماذا المظهر النشيط قد تم تطويره من طرف المثالية في تعارض مع المادية، لكن فقط بشكل مجرد لأن المثالية لا تعرف بشكل طبيعي النشاط الواقعي الملموس باعتباره كذلك"
هناك مشكل في المقتطف (الذي ترجمناه عن الفرنسية)، فمن أين أتت عبارة "بطريقة غير ذاتية".
إذا كنا نعمل بطريقة ملموسة وليس في ذهننا، وإذا كان الأمر يتعلق بالممارسة، إذن فإن وعينا يتوجه نحو الممارسة، وهنا نقول ما معنى المجيء بعبارة "بطريقة غير ذاتية"، فالمقتطف بالألمانية جاء فيه ما يلي:
"nicht aber als sinnlich menschliche Tätigkeit, Praxis nicht subjektiv"
وبالفرنسية:
« Et non pas en tant qu’activité sensorielle humaine, en tant que pratique, de manière subjective »

إن كلمة Nicht التي تعني النفي يتم تكرارها بالألمانية، لوضع موازنة، أو مقابل، ولا يتعلق الأمر بنفي تمت إضافته (كما تقوم بذلك التيارات التخريبية باسم "الماركسية" في ترجمتها لتلك الفقرة: " mais non en tant qu activité humaine concrète, en tant que pratique, de façon non subjective.")، فماركس يسطر بشكل واضح، جاعلا "بطريقة ذاتية" كمقابل لعبارة "باعتباره نشاطا إنسانيا حسيا"، باعتباره ممارسة.
كما أن استعمال "concret" بدل "sensoriel" (وهو ما قامت به كذلك ترجمات أخرى: " mais non en tant qu’activité humaine concrète, en tant que praxis, de façon subjective.")، يعني تلاعبا من حجم كبير ضد فكر ماركس، والهدف منه إدماج ماركس في المادية البورجوازية، ويصل الأمر عبر هذا المحو لماركس إلى حد نفي انجلز، انجلز جدلية الطبيعة.
II – حول علوم الطبيعة والتفاؤل كهوية: وجهة نظر شيوعية
لقد وضع ماركس وانجلز مبادئ عامة من أجل فهم البيئة، ومجموع هذه المبادئ تشكل نظرية يطلق عليها "ديالكتيك الطبيعة".
إن الشيوعية والاشتراكية عند ماركس وانجلز مرتبطة أشد الارتباط بهذا التصور عن الطبيعة. والطبيعة يحكمها قانون عام كوني، إنه قانون التناقض، ومن هنا، فبدون ديالكتيك الطبيعة فإن الاشتراكية كما الشيوعية تفقدان طابعهما العلمي، لتصبح مجرد اختيار، وقد سقط التحريفيون بقيادة برنشتاين في هذا المنحى، فكان عليهم أن يبحثوا عن مبرر للاشتراكية فاضطروا إلى اللجوء إلى الكانطية، ليجعلوا من الاشتراكية اختيارا أخلاقيا، ولذلك سموا بالكانطيين الجدد.
إن عمق الاستراتيجية التحريفية قام على مشروع فصل ماركس عن انجلز، فتم وضع انجلز جانبا ليصبح ماركس إنسانويا يسهل التحكم في فكره وتحويره عن مضمونه الحقيقي، فغاب عن العديد، أن الماركسية لا تعادي الطبيعة ولا تتوخى التقدم باعتباره إنتاجوية، بل تحقيق العدالة والتقدم الإنساني في توازن وانسجام مع الطبيعة.
يقول جورج بوليتزر:
"إن فلاسفة القرن 18، لم يعنوا انتقاد مؤسسات الإقطاعية من وجهة نظر البورجوازية الصاعدة، لقد قاموا بنقدهم كما نرى باسم العقل. لم يكونوا يريدون أن يكونوا بشكل واضح أبطال طبقة اجتماعية، بل أبطالا لتحرر الإنسانية جمعاء. ولذلك تبنوا فكرة المجتمع القائم على العقل والدولة القائمة على العقل. ومع ذلك فالمجتمع الذي انبثق عن الثورة الفرنسية سيكون مجتمعا بورجوازيا. لقد كان ذلك تقدما هائلا في تاريخ الإنسانية، لكن ليس البورجوازية التي تحررت هي التي ستحرر معها الإنسانية جمعاء، المجتمع البورجوازي لا يمكنه أن يكون سوى آخر شكل تناحري للمجتمع، الذي لا يحقق إلغاء استغلال الإنسان للإنسان، ويحقق الشروط المادية والقوى البشرية، التي تجعل ممكنا القيام بهذا الفعل التاريخي عبر تحطيم الرأسمالية.
لهذه الأسباب، كان انجلز يقول إن ملكوت العقل الذي تحدث عنه فلاسفة القرن 18 كان، كما يثبته التاريخ مجرد "ملكوت" مبالغ فيه للبورجوازية" (جورج بوليتزر).
منذ القرن 19، ظهر للبشرية أن كل شيء له تاريخ: النظام الشمسي، الأرض، النبات، الحيوان، الإنسان (كل شيء يتحرك عير سيرورة ...). هكذا لم يعد ممكنا النظر إلى الطبيعة كآلة تدور حول نفسها. انطلاقا من هذه المكتسبات العلمية، لم تنبن مادية ماركس وانجلز فقط على تاريخ الإنسانية بشكل ضيق، تاريخ صراع الطبقات، بل انبنت على فهم صحيح للقانون الكوني الذي يحكم العالم، ونعني بذلك قانون التناقض، قانون "الواحد ينشطر إلى اثنين"، وفي هذا السياق يقول ماو تسي تونغ:
"إن تاريخ الإنسانية هو حركة دائمة من ملكوت الضرورة إلى ملكوت الحرية. إن هذه السيرورة لا نهاية لها، ففي مجتمع لا زالت فيه الطبقات لا يمكن أن يكون لصراع الطبقات نهاية، كما أن الصراع بين الجديد والقديم، بين الصواب والخطأ في مجتمع لا طبقي سيستمر بلا نهاية، وفي مجال النضال من أجل الإنتاج، والتجريب العلمي لن تتوقف الإنسانية عن التقدم والطبيعة كذلك عن التطور، فلن يتوقفا عن ذلك عند مستوى محدد. كذلك الإنسان عليه دائما أن يقوم بحصيلة لتجربته، وأن يكتشف ويخترع ويبدع ويتقدم، فوجهات النظر المتأثرة بالجمود والتشاؤم والإحساس بالعجز والأنانية والادعاء خاطئة، ذلك أنها لا تتوافق مع الواقع التاريخي لتطور المجتمع الإنساني منذ حوالي مليون سنة، ولا يوافق كذلك الواقع التاريخي للطبيعة، التي نعرفها لحد الآن (وكمثال، الطبيعة كما يعكسها تاريخ الأجسام السماوية، الأرض، الحياة، وعلوم الطبيعة الأخرى)" ("في التناقض"، ماو تسي تونغ).
على هذا الأساس، ندرك قيمة الطبيعة المتفائلة للشيوعيين بسبب إدراكهم ووعيهم للقانون الكوني، الذي يمثله قانون التناقض، إضافة إلى هذا، وعيهم بالحياة وبالمادة في تحولها الأبدي.
إن الكوكب هو نفسه محيط حيوي خاضع لمجموعة من القوانين، يشكل كلا متكونا من المادة، التي تنتمي إليها كذلك الإنسانية، التي تشكل مادة مفكرة.
إن هذه المقدمة وهذا الاعتبار هو منطلق المادية الجدلية التي تناقض المادية الميكانيكية أو المادية البورجوازية. لقد قام روني ديكارت بتعميم مفهوم المادية الميكانيكية عندما قال قولته الشهيرة: "أنا أفكر إذن أنا موجود". إن هذا التصور قائم على إنكار كرامة الواقع، بينما المادية الجدلية لا تنكر هذا الواقع، بل تعتبر أننا جزءا منه.
إن البعد المادي لوجودنا هو المظهر الرئيسي، بينما الفكر ليس سوى التعبير عن الواقع المادي، ليس هناك شيء أبدي، فكل شيء حركة و "كل حركة هي نفسها تناقض" كما يقول انجلز.
أن تكون ماديا عليك أن تعتبر أن العالم ليس إلا مادة، وأن هذه المادة في حركة تخضع لقانون التناقض، يقول ماو:
"إن العالم ليس سوى تناقضات، ليس هناك مكان لا توجد فيه تناقضات، وليس هناك إنسان لا يمكن أن يكون موضوع تحليل، والاعتقاد بأن هناك شخص لا يمكن إخضاعه للتحليل هو وجهة نظر ميتافيزيقية. انظروا إلى داخل الذرة فإنها مملوءة بوحدات من التناقضات، فنواة الذرة والإلكترونات تشكلان وحدة لضدين. وفي داخل النواة تشكل البروتونات والنترونات كذلك وحدة ضدين، وكذلك حينما يتعلق الأمر بالبروتونات والبروتونات المضادة، والنترونات والنترونات المضادة، باختصار هناك وحدة الأضداد كلية الوجود" (ماو تسي تونغ "في التناقض").
III – الإنسان في المنظور الشيوعي:
من منظور الفلسفة الماركسية، فإن الإنسان هو نتاج الطبيعة، وفي نفس الوقت نتاج لنشاطه الخاص في الطبيعة عبر العمل، وخصوصية الإنسان الوحيدة هي تلك القدرة على بناء رؤية شمولية للكون ولقانونه العام، وكما يقول انجلز:
" فهم وعقل هذا التمييز الهيجلي، حيث ليس بعقلاني سوى الفكر الديالكتيكي، له معنى مدقق.
من الأشياء المشتركة مع الحيوان، أن هناك نشاط للفهم: استنتاج، استنباط، وبالتالي كذلك ممارسة التجريد (مفهوم النوع عند ديدو ، الكلب الذي كان يرافق انجلز ) : ذوي القوائم الأربعة و ذوات القدمين، تحليل الأشياء المجهولة (فتكسير الجوز هو بداية لتحليل)، تعميم، وكوحدة بينهما، التجريب (في حالة عوائق جديدة وحالات مجهولة)، فحسب النوع فطرق العمل هاته أي كل وسائل البحث العلمي، التي يعترف بها المنطق العادي هي نفسها عند الكائن البشري والحيوانات الأكثر تطورا، وليس هناك اختلاف إلا من حيث درجة تطور كل طريقة معزولة. إن المميزات الأساسية للطريقة هي نفسها، وتأتي بنفس الشيء عند الإنسان وعند الحيوان، ما دام كلاهما يشتغل أو يبحث عن مخرج لنفسه بهذه الطرق البدائية.
إن الفكر الديالكتيكي بالتأكيد في تعارض مع هذا لأنه يضع كشرط البحث في طبيعة المفاهيم، وهذا غير ممكن إلا بالنسبة للإنسان، وهذا كذلك فقط انطلاقا من درجة أعلى من التطور بالمقارنة (البوذيون واليونانيون) ولا يصل إلى التطور الأكثر اكتمالا إلا بشكل متأخر مع الفلسفة الحديثة ...".
لقد غير الإنسان الطبيعة، أو حولها، وبنى ذاته في خضم هذا النشاط، فهو الذي سمح له بتطوير قوى الإنتاج، ومن ثمة نشوء الثقافة، فوعي الإنسان يتأسس في الثقافة، والثقافة تعتمد على نشاط الإنسان، الذي هو كائن طبيعي، ومن هنا، سمو فكرة ماركس القائلة:
"إن التاريخ هو التاريخ الطبيعي الحقيقي للإنسان".
إن الإنسان كائن طبيعي، وولادته هي التاريخ، وهذا التاريخ الإنساني الخاص ينتهي مع نهاية صراع الطبقات، مع الشيوعية، ويعني هذا أنه في المجتمع الشيوعي أن الإنسان ليس وحيدا مع نفسه، كما أنه في ظل هذا المجتمع لا يتصور الثقافة كنزاع مفتوح أو حرب شاملة مع الطبيعة، فالتعارض المجرد بين الثقافة والطبيعة ينتهي. ويعبر ماركس عن هذا المعنى في مخطوطات 1844، حينما يقوم بشرح هذا الطابع المزدوج للكائن الإنساني باعتباره طبيعي وثقافي، ويقول ماركس:
"إن الإنسان ليس فقط كائن طبيعي، إنه كذلك كائن طبيعي إنساني، أي كائن يوجد لذاته، أي كائن نوعي (جنريك) عليه أن يؤكد نفسه وأن يعلن عن نفسه باعتباره كذلك في كيانه ومعرفته. وبالتالي، فلا الأشياء الإنسانية تعتبر أشياء طبيعية عندما تقدم نفسها مباشرة، ولا المعنى الإنساني كما هو بشكل مباشر وموضوعي، إحساس إنساني وموضوعية إنسانية. فلا الطبيعة بالمعنى الموضوعي ولا بمعناها الذاتي توجدان بشكل مناسب وملائم من كائن إنساني.
وكما أن كل شيء طبيعي، عليه أن يولد، فالإنسان هو الآخر له عقد ازدياد، فهو عقد ازدياد يحذف نفسه بشكل واع. إن التاريخ هو التاريخ الطبيعي للكائن البشري".
VI - في الوحدة الأساسية بين الإنسان والطبيعة
اعتمدنا في بحثنا هذا، خاصة فيما يتعلق بالجانب الفلسفي على كتاب "إنذار بالكارثة" للقيادي الماركسي ـــــ اللينيني الألماني ستيفان إنجل، ولعل أهم خلاصة يخرج بها الكتاب هي كما جاء على لسان كاتبه:
"إن هذا الكتاب لا يدع مجالا للشك في أن: "على الإنسانية ألا تضع المسالة البيئية في يد النظام الاجتماعي السائد، وإلا ستنتهي في البربرية الرأسمالية".
إن تطور الأزمة البيئية منذ 1970، قد دخل مرحلة جديدة تتميز بتطور سيرورة تسير نحو كارثة إيكولوجية عالمية، تهدد بتحطيم كل أسس الوجود الإنساني، وتعود المسؤولية الكبرى إلى الاحتكارات العالمية الكبيرة التي تسيطر على مجموع الإنتاج العالمي والتجارة الدولية وكذلك السياسة والاقتصاد والعلوم في كل البلدان.
مقابل هذا التطور المخيف نشأ وعي إيكولوجي لكنه غير كاف لفهم كل نتائج هذا الخطر المهدد لوجود الإنسانية، ولا زال الوعي بالخطورة قاصرا وسط الرأي العام الذي يكتفي بإثارة نقاش حول بعض العوامل المعزولة للأزمة البيئية، وفي الواقع هناك تجاهل للروابط والتفاعلات التي تثيرها الأزمة البيئية في مستواها الراهن، سواء تعلق الأمر بتدمير الأنظمة البيئية في المحيطات أو في الغابات أو بالنسبة لاتساع ثقب الأوزون.
يطرح الكاتب مجموعة من الأسئلة الثاقبة، من قبيل هل بإمكان حجج مقنعة أن تدفع مسؤولي اقتصاد الربح الرأسمالي لتوقيف هذا التطور؟ وهل بإمكان الاحتكارات الدولية السائدة أن تتخلى هكذا عن سيطرتها بدون منازع وعن أرباحها الخيالية بمبرر واحد هو إنقاذ البيئة؟ ويجيب الكاتب عن أسئلته، عندما يرى أن ذلك لن يتحقق لأن أصحاب تلك الاحتكارات الكبرى، وهم يعلمون كل العلم بتلك المخاطر القاتلة، يستمرون في قيادة الأرض نحو كارثة إيكولوجية، وفي يومنا هذا، تدفع ظروف المنافسة الرأسمالية الاحتكارات الدولية إذا هي لم ترد خرابها، نحو الاستغلال المكثف للإنسان والطبيعة.
إن وجود هذا النظام الاجتماعي يقوم بالضرورة على قاعدة تهدد الإنسان والطبيعة، ولذلك أصبحت المسألة البيئية منذ زمن، مسألة سياسية بامتياز، فماذا تصنع الدوائر السياسية المسيطرة على العالم تجاه هذه المسألة. يقول الكاتب:
"إنهم يؤسسون نظاما بيئويا إمبرياليا وبورجوازيا صغيرا للتلاعب بالإنسانية بكاملها، وذلك عبر التهدئة والأكاذيب والإخفاء والحلول المزيفة، وذلك من أجل منع أو تحطيم معنوية المقاومة النشيطة للجماهير".
ويرى الكاتب أن الحل اليوم للمسألة البيئية، يكمن في النضال من أجل تحويل المجتمع عبر ثورة اشتراكية عالمية تعمل على حل المسألة الاجتماعية والإيكولوجية، لأنه في مجتمع اشتراكي تحرر من استغلال الإنسان للإنسان هو الوحيد الكفيل بإعادة بناء الوحدة بين الإنسان والطبيعة، ولن يكون ذلك ممكنا إلا في مجتمع شيوعي بدون طبقات، حيث تتحقق أنسنة الطبيعة وطبعنة الإنسان بالمعنى الذي حدده كارل ماركس.
وليتحقق هذا الهدف الكبير لابد أن تتوحد الحركة العمالية والحركة الإيكولوجية، وأن يتحول كلاهما، كما على الثوريين عبر العالم أن يتغيروا عن طريق إغناء استراتيجيتهم وتكتيكهم السياسي، وجعلهما في مستوى الوقائع الجديدة.
إن هذه الدراسة التي نعتمد عليها اليوم لتعميق النقاش في قضية مصيرية تهم الإنسانية جمعاء، هي نتاج عمل جماعي لمناضلين ينتمون إلى اختصاصات علمية مختلفة، هدفهم تقديم دراسة علمية وموضوعية لمسألة البيئة من منظور ماركسي، وقد اعتمد الكتاب، حصيلة هذا العمل الجماعي على منهجية تقوم على:
1 – الربط بين الطريقة الديالكتيكية المادية ونظرية الوحدة الأساسية للإنسان والطبيعة التي طورها ماركس وانجلز.
2 – رفض الإصلاحية التي ظهرت داخل الحركة العمالية في نهاية القرن 19، والتي رفضت أسس نظرية الوحدة الأساسية للإنسان والطبيعة عبر تجاهلها أو السكوت عنها، الشيء الذي تولد عليه تأثير سلبي على الحركة العمالية والشعبية، إلى يومنا هذا.
3 – التصدي عبر النقاش النقدي لمعاداة الشيوعية الحديثة في المسألة البيئية.
4 – النقد الإيديولوجي للأشكال المختلفة للخنوع والتتفيه والتبسيط والهلع الموجودة وسط الحركة الإيكولوجية.
1) جدلية الطبيعة:
بالمعنى العام، يتم اختزال مفهوم "الطبيعة" في ظواهر معزولة في بيئة الإنسان كالمناظر الطبيعية وعالم الحيوان والنبات، أو حالة الجو.
من وجهة نظر المادية الجدلية، فمفهوم "الطبيعة" يضم على العكس الواقع الكوني في شموليته.
فمما تتكون الطبيعة؟
إنها تتكون من مجموعة لا نهائية من أشكال الحركة المادية، وحالات المادة في حركة وتحول دائمين، وإن أشكال الحركة المعروفة أكثر هي تغيير المكان، الاحتكاك، الحرارة، الضوء، الكهرباء، المغنطيس، النشاط الإشعاعي، التفاعلات الكيميائية، عملية الأيض البيوكيميائي، والتركيب الضوئي ...
أما حالات المادة المعروفة أكثر فهي الغاز، المواد الصلبة، المواد السائلة.
إن هذه العناصر الطبيعية تتحدد ترابطيا فيما بينها، وفي نفس الوقت توجد في حالة صراع دائم. إن هذه الأشكال تتدرج من المادة المستمرة مرورا بجسيمات دون الذرية لا نهائية في العالم الصغير إلى عالم المجرات المترامي الأطراف، وإلى بنيات عليا أكبر أكثر في العالم الكبير.
لقد تبث الآن، بل وقد تمت البرهنة عليه عن طريق التحليل الطيفي أن المجرات والسديم والنجوم والكواكب كالأرض تتشكل من عناصر تكوينة متشابهة: الذرات، العناصر الكيميائية والجسيمات دون الذرية. إن كل تمظهرات ودرجات تطور المادة، تشكل نظاما لصيرورة وموت كونيين.
تنطلق المادية الجدلية، كما يقول الكاتب، من مبدأ أن الطبيعة مادية، وبأنها توجد بشكل موضوعي ومستقل عن وعي وإرادة الإنسان، كما أن حركات المادة تتبع قوانين الحركة الجدلية، وتعني كلمة الديالكتيك مجموع حركة المادة في شكلها الأكثر عمومية، وفي كل درجة من تطور المادة تظهر أشكال جديدة نوعيا، وكذلك قوانين جديدة للحركة يجب دراستها والتعرف عليها واستعمالها. إن التقدم المعرفي للإنسانية يظهر من خلال درجة معرفة ديالكتيك الطبيعة، وكذلك عبر القدرة على التطبيق الواعي للطريقة الجدلية في الطبيعة والمجتمع والفكر والإحساس والنشاط الإنساني.
2) الكوسمولوجيا البورجوازية:
تقوم هذه الكوسمولوجيا على نفي لا نهائية المادة، ولا تنظر إلا إلى الأشكال الملموسة للمادة وتعالجها كأشكال مطلقة، ولذلك تعمل الكوسمولوجيا البورجوازية بدون كلل وبدون نتيجة على البحث عن بداية ونهاية الكون (نموذج التأويلات لنظرية "الانفجار الكبير" الذي يؤول على أنه انطلاق من العدم).
إن المادية الجدلية تنظر إلى الظواهر الطبيعية الملموسة باعتبارها نهائية، ولكن في نفس الوقت فإن الحركة العامة للمادة هي لا نهائية. إن لا نهائية المادة، التي توجد في حركة هو ما يميز هويتها الكونية، سواء في الماكروكوزم أو الميكروكوزم، وبناء عليه، فإن الاعتقاد بأن أصل المادة والحركة انبثق من العدم لا يتوافق مع القوانين الخاصة بالطبيعة، فالمادة التي هي في حركة أو الحركة المادية، ليسا لا للخلق ولا للتحطيم. وقد كتب انجلز في هذا الشأن:
"كل الطبيعة التي تمكنا من معرفتها تشكل نظاما، مجموعة منسجمة من الأجسام، وبقبولنا أن ما نعنيه بالأجسام، تلك الحقائق المادية من النجم إلى الذرة، إلى جسيم الأثير في حدود إذا ما قبلنا بوجوده. إن واقع وجود هذه الأجسام في علاقة متبادلة تعني أنها تؤثر بعضها في بعض، وهذا الفعل المتبادل هو بوضوح الحركة، وهنا مسبقا يظهر أن المادة لا يمكن تصورها بدون وجود الحركة، وإذا كان أكثر من هذا، أن المادة تعرض نفسها لنا كشيء معطى، عصية عن الخلق كما هي عصية عن التدمير، ينتج عن هذا أن الحركة هي نفسها عصية عن الخلق أو التحطيم" ("ديالكتيك الطبيعة"، انجلز، المنشورات الاجتماعية، باريس 1975، ص76).
وفيما يخص التغييرات النوعية، يتساءل لينين:
"بماذا يتميز انتقال جدلي عن انتقال غير جدلي؟ يجيب لينين:
"بالقفزة، بالتناقض، بانقطاع التدرج" (لينين، "ملخص دروس تاريخ الفلسفة" لهيجل، الأعمال، باريس، موسكو 1971، مجلد 38، ص 267).
في الطبيعة، فإن شكلي الحركة، التطور والثورة، يتبادلان الشرط، فكلاهما تولد من الأخرى وتتحولان الواحدة إلى الأخرى في سيرورة مستمرة ولا نهائية. فالحركة التدريجية تهيئ التغيير الظاهر، أي القفزة النوعية، التي بدورها ستتحرك عن طريق قفزة في مستوى أعلى دائما.
إن دراسة وتعميم أشكال الحركة اللانهائية للمادة، والسيرورات اللانهائية للتحول من شكل للمادة إلى آخر، وانتزاع قوانين الحركة الملموسة من الطبيعة، التي تفعل فيها، وتطبيقها بعد ذلك، إن هذا ما يشكل القاعدة الإيديولوجية للفهم، الذي يتحسن باستمرار لوحدة الإنسان والطبيعة، وكذلك القدرة أكثر فأكثر على تغييرها. وفي نهاية المطاف، وحده نظام اجتماعي، يسترشد بمثل هذه الطريقة في التفكير العلمي البروليتاري، الاشتراكي والشيوعي، قادر على ضمان وحدة دائمة، في تطور مستمر، للإنسان والطبيعة.
3) التصور الميتافيزيقي المثالي للطبيعة:
فيما يخص قانون الجاذبية، والنظرة الميكانيكية التي تراها "كقوة انجذاب بين الأجسام السماوية"، يقوم انجلز بنقد هذه النظرة من وجهة نظر المادية الجدلية باعتبار أن النظرة الميكانيكية تجعل من هذا المظهر من الجاذبية أمرا مطلقا، يقول انجلز:
"كل السيرورات الطبيعية مزدوجة، فكلها تعتمد على العلاقة بين طرفين فاعلين على الأقل، الفعل ورد الفعل ... لكن الجذب والطرد هما كذلك غير منفصلين الواحد عن الآخر، كما الإيجابي والسلبي، ومن ثمة، وعلى قاعدة الديالكتيك نفسها، يمكننا أن نتنبأ مسبقا بأن النظرية الصحيحة عن المادة يجب عليها أن تعطي للطرد مكانة بنفس الأهمية التي تعطيها للجذب، كما أن نظرية عن المادة تعتمد فقط على الجذب فهي خاطئة وناقصة بعيدة عن الاعتبار ... كل نظرية الجاذبية تعتمد على التأكيد على أن الجذب هو جوهر المادة، وهذا بالضرورة خاطئ، وحيث هناك جذب فلابد أن يستكمل بالطرد" (نفس المرجع، ص 87).
وفي نفس الوقت كما يقول الكاتب:
"إن بنية الذرات تشكل حجة ممتازة لازدواجية الطبيعة، فكتلة الذرة تتمركز داخل النواة الذرية، التي، بسبب شحنتها الكهربائية الإيجابية تمارس قوة جذب على الإلكترونات ذات الشحنة السالبة للسحاب الإلكتروني. إن الطاقة السينيتيكية للإلكترونات تمنع هاته الأخيرة من السقوط في النواة الذرية ذات الشحنة الإيجابية، وتقوم بتحييدها. إن السحابة الإلكترونية تعمل كدرع نسبي بالعلاقة مع الحقل الكهربائي للنواة الذرية ذات الشحنة الإيجابية".
يضيف الكاتب في مكان آخر قائلا:
"أن الطريقة الميتافيزيقية تحل (تذيب) العلاقة الشاملة للسيرورات الأيضية بين الإنسان والطبيعة، وذلك في طوفان من المعارف المعزولة، فتكون النتائج عبارة عن تأويلات خاطئة وعن أخطاء عملية، تكون في أغلبها على حساب الإنسان والبيئة والطبيعة".
وإمعانا في تفسير حقيقة هذا التصور الميتافيزيقي، يضيف الكاتب قائلا:
"إن القوة المحركة الحاسمة للعلوم الطبيعية البورجوازية، والتحويل المباشر، وفي أسرع وقت ممكن للمعارف حول الطبيعة، إلى إنتاج للبضائع، التي تأتي بالربح الأقصى. إن هذا يمليه الصراع التنافسي الرأسمالي الحاد في مرحلة الإنتاج المعولم، إن هذا التحفيز القاصر والمحدود، يحد أكثر فأكثر أفق العلوم الطبيعية، وقاد إلى أزمة في تطور العلوم الطبيعية الحديثة".
إنه فقط، وبالتوافق مع قوانين الكامنة في الطبيعة يمكن بناء وحدة الإنسان والطبيعة بشكل واع، وتطويرها إلى مستوى أعلى.
يقول انجلز:
"إن الديالكتيك المسمى موضوعي يحكم كل الطبيعة، والديالكتيك المسمى ذاتي، الفكر الدياليكتيكي، لا يقوم سوى بعكس الحكم في الطبيعة الشاملة، للحركة عن طريق تعارض الأضداد، التي عن طريق صراعها الدائم، وتحولها النهائي، الواحدة في الأخرى، أو في أشكال عليا، تحدد بشكل واضح حياة الطبيعة" (نفس المرجع، 213)
ويرى الكاتب أن:
"يشكل الديالكتيك المادي بالنسبة لتطور العلوم الطبيعية الحديثة نمط التفكير الحاسم، إنه يشكل الطريقة الوحيدة، التي يمكن معها تفسير سيرورات التطور، العلاقات والانتقالات من حقل بحث إلى آخر في الطبيعة".
4) المحيط الحيوي أساس كل حياة إنسانية:
تعرف العلوم الطبيعية المحيط الحيوي باعتباره ذلك الجزء من الأرض الذي يجعل الحياة ممكنة، ويحتوي على أشكال مختلفة للحياة، وعموما، يحدد المحيط الحيوي في كتب العلوم الطبيعية بشكل أحادي، فمثلا بالنسبة لأستاذ الإيكولوجيا هارتموت بيك، فالمحيط الحيوي هو "فضاء كوكب الأرض الذي تسكنه الكائنات".
إن هذه النظرة الأحادية والتبسيطية خادعة، تنظر إلى العالم الحيوي واللاحيوي كضدين جامدين، وكظاهرتين معزولتين عن بعضهما البعض، والحال أن جوهر الحياة يتمظهر عن طريق أيض نشيط ودائم في علاقة مع العالم اللاحيوي.
من خلال نقده للطريقة الميتافيزيقية في النظر إلى الطبيعة يقول انجلز:
"ذلك أن لا شيء يحصل بشكل منعزل، فكل ظاهرة تؤثر على الأخرى، ولأنهم ينسون هذه الحركة وهذا الفعل الكوني المتبادل، لا يستطيع علماؤنا النظر بوضوح إلى الأشياء الأكثر بساطة" ("ديالكتيك الطبيعة" انجلز ص ص 178، 179).
لقد استطاع العالم السوفياتي فلاديمير إيفانوفيتش فيرنادسكي (1863 – 1945) أن يقدم تعريفا دقيقا لمفهوم المحيط الحيوي، إذ يقول أن كل الكائنات الحية الأرضية بما فيها المادة غير الحية التي تحيط بها، والتي توجد معها في علاقة أيض لانهائي، تساهم في تشكيله أو تكوينه و تترك عليه بصمتها.
إن فيرنادسكي يسطر على الدور النشيط للحياة في نظام المحيط الحيوي خاصة الدور الواعي للإنسان، إن الإنسان بإمكانه أن يغير ويحول بشكل دائم وعميق بيئته الحية والجامدة، ويتأثر بها كذلك، إنه جزء من المحيط الحيوي، بما يعني أنه بإمكانه أن يغير بشكل سلبي البيئة الطبيعية لدرجة تصبح معه الظروف الطبيعية للوجود الإنساني مشوهة بشكل كبير أو حتى مدمرة.
وإذا عدنا إلى مفهوم "تحطيم البيئة الطبيعية للإنسان" سنجد هذا المفهوم غير ذي طبيعة علمية من وجهة نظر الديالكتيك، لأن الطبيعة والكون لا يمكن لا خلقهما ولا تحطيمهما، بل فقط تغييرهما.
فيما يتعلق بنظام المحيط الحيوي: بعض المعطيات
إذا قمنا بمقارنته بالحجم الكامل للأرض، فإن المحيط الحيوي يعتبر غلافا رقيقا يمتد 60 كلم إلى الفوق و5 كلم تحت سطح الأرض، إذن، فالمحيط الحيوي يتضمن الطبقة العليا للقشرة الأرضية بما فيها نظام المساحات التي يحتلها الماء والطبقات السفلى للمحيط الحيوي.
لقد ظهرت الحياة منذ 3 مليارات و500 مليون سنة، وذلك نتيجة القدرة اللانهائية التي تتوفر عليها أشكال حركة المادة الحية والجامدة على التحول باستمرار.
في كتابه "الروح لم تسقط من السماء" وصف هويمار فون ديثفورت سيرورة نشأة الحياة الأولى:
"وبالتالي، فالخطوة الأولى للحياة كانت فعلا مستقلا للخروج من الوسط (انفصالا)، الذي سيصبح في نفس الوقت موضوعيا، العالم الخارجي ... إن هذه الفرضية، التي تبدو بديهية، تعارضها مع ذلك، بطريقة تتميز بالمفارقة، ضرورة تسير في الاتجاه المعاكس، والتي تطرح إكراه الإبقاء بدون توقف على الارتباط مع نفس هذا العالم الخارجي ... إن الحل لا يمكن أن يقوم إلا في إنشاء رابط بدرجة عالية من "الكفاءة" مع العالم الخارجي. يجب أن يكون رابطا انتقائيا يقيم الفرز" (ص 32، 33).
هكذا نرى أن استقلالية وانفصال الحياة عن محيطها، وكذلك الأيض الذي انطلق ما بين الكائنات الحية ومحيطها، كانت عبارة عن سيرورات ديالكتيكية تتطور بشكل لولبي إلى مستويات أعلى، منتقلة من أشكال الحياة الأولية إلى أشكال عليا.
في البداية، كان الغلاف الجوي للأرض لا يتوفر على الأوكسجين الصافي، كان الغلاف الجوي مملوءا ببخار الماء، ويتضمن كذلك، من ضمن أشياء أخرى الأمونياك والميتان والهيدروجين، وكذلك المونوكسيد وديوكسيد الكاربون.
"في يومنا هذا، تم النجاح، بعد خلق اصطناعي لظروف الغلاف الجوي البدائي، في خلق عناصر تكوينية للحياة (من بينها الأمينوسيدات والمونونكليوتيدات) وتم تجميعها في حمض نووي وبروتينات. بهذا تم إثبات النشأة الطبيعية للمكونات الأساسية للأيض العضوي وللوراثة".
عندما نتحدث عن الأيض أو عملية الأيض (التمثل الغذائي)، فهناك الحديث عن مجموع التفاعلات الكيميائية التي تجري داخل كائن حي، كي تسمح له خاصة البقاء على قيد الحياة والتكاثر والتطور والرد على محفزات محيطه. إن هذه التحولات البيوكيميائية تتم داخل الخلايا أو الكائن الحي.
يحدد انجلز الحياة "كنمط لوجود الأجسام الزلالية (بروتينات)، ونمط الوجود هذا يتمثل أساسا في التجدد الدائم بنفسها للمكونات الكيميائية لهذه الأجسام" ("أنتي دوهرينغ" المنشورات الاجتماعية، باريس، 1977، ص 112).
لقد جاءت العلوم الحديثة، خاصة في ميدان العلوم والأبحاث الجينية بالحجة، التي تثبت أن الجينات تتطور حسب قوانين نابعة منها، وفي علاقة جدلية مع المحيط المتطور باستمرار.
عموما يتم تقسيم المحيط الحيوي إلى ثلاثة أقسام وهي:
1 – الليتوسفير وهي طبقة المعادن والتربات.
2 – الهيدروسفير وهي مساحات الأرض المغمورة بالمياه.
3 – الأتموسفير وهي الغلاف الجوي المحيط بالأرض.
تشكل العناصر الثلاثة نظاما شاملا، يتضمن تفاعلات دياليكتيكة.
إن المادة الحية للمحيط الحيوي تتكون من كائنات حية، أي أنواعا كثيرة من النباتات والحيوانات بما فيها الإنسان، إنها تشكل مجموعات من نظام حياة (تكاثر حيوي: بيوسينوز) وتسكن وسطا ملموسا هو البيئة الحيوية (بيوطوب) ولها هوياتها الخاصة. وبين هاته الأنواع والمكونات الجامدة من المحيط الحيوي تقوم هناك علاقة قوية وتفاعلية، إنها تشكل نظاما بيئيا (إيكوسيستيم).
يتضمن النظام البيئي من حيث التفاعل البيوكيميائي ثلاث تقسيمات أو ثلاث مجموعات وهي:
- المنتجون
- المستهلكون
- المدمرون
إن النباتات تقوم بما يسمى بعملية التمثيل الضوئي، ويعني هذا خلقها لكلوكوز انطلاقا من غاز الكاربون والماء، وذلك باستغلالها للأشعة الشمسية، وعن طريق الأشعة الشمسية ينتج الكلوروفيل الضروري للنبات، فالطاقة الشمسية تصنع طاقة كيميائية (مركبات غنية بالطاقة) عن طريقها يتم تركيب السكر كمادة أساسية كونية، ضرورية لإنتاج الطاقة لدى الكائنات الحية.
وبالنسبة لأعماق البحار تم اكتشاف نظام بيئي مختلف، وذلك سنة 1912، ففي الأعماق التي تصل إلى 5000 متر تتحول المادة غير العضوية إلى مغذيات عضوية، ويتم هذا عبر تركيب كيميائي، حيث المزود بالطاقة هو الماء الذي تسخن عن طريق البراكين والمكونات الكبريتية.
V – النضال الإيديولوجي من أجل الوحدة الأساسية للإنسان والطبيعة
إن تاريخ الإنسانية منذ بدايته كان يرتكز على وحدة أكبر أكثر فأكثر للإنسان والطبيعة، إنها سيرورة اجتماعية ابتدأت مع المجتمع البدائي وستصل مرحلتها العليا في المجتمع الشيوعي.
لقد كتب ماركس في مخطوطات 1844 يقول:
"باعتبارها طبيعانية مكتملة، فالشيوعية هي إنسانية، وباعتبارها إنسانية مكتملة فهي طبيعانية. إنها الحل الحقيقي للتناقض بين الإنسان والطبيعة، وبين الإنسان والإنسان".
أما لينين فقد كتب في "المادية والمذهب النقدي التجريبي"، المجلد 14، ص 197 قائلا:
"إن السيطرة على الطبيعة، المحققة في الممارسة الإنسانية، تنتج عن تصور موضوعي دقيق في العقل الإنساني، للظواهر والسيرورات الطبيعية".
إن الرأسمالية فتحت الطريق لتطور العلوم الطبيعية الحديثة وللإنتاج الصناعي، لكنها في نفس الوقت، باعتبار اتجاهها الجوهري نحو البحث عن الربح الأقصى المباشر قامت بتدمير هذا التقدم الهائل، وتجاهلت النتائج السلبية على وحدة الإنسان والطبيعة.
1) ردود الفعل العلمية المزيفة تجاه الأزمة الإيكولوجية:
يعتقد المدافعون عما يسمى ب "مراقبة المناخ"، وبإيمان ساذج أن وحدة الإنسان والطبيعة لا يمكن بشكل أساسي تدميرها لأن التقدم العلمي والتقني سيجد لديه دائما حلا منقذا (انظر كتاب "المناخ، نهاية العالم لن تكون" للفيزيائي جيرد كود فور).
حسب صاحب الكتاب، فإنهم: "لا يأخذون أبدا بعين الاعتبار العلاقات والتفاعلات المركبة بين تهديد كارثة مناخية وعناصر أخرى أساسية للأزمة الإيكولوجية العالمية. إن هذه التحاليل هي عبارة عن تقديم التماسات استثنائية ذات طابع علمي مزيف، وذلك من أجل الاستمرار في نمط الحياة في المجتمع الرأسمالي.
2) تنامي وعي الجماهير بالمسألة الإيكولوجية ومعيقات تطوره:
أمام تنامي الوعي بالمسألة من طرف الجماهير، التي بدأت تتحرك لمناهضة السياسات الامبريالية في هذا المجال، نشأت تيارات هدفها الأساسي هو ضرب هذا التنامي للوعي الإيكولوجي عن طريق خداع الجماهير. وكانعكاس لهذا النزاع نشأ داخل الحركة الإيكولوجية العالمية صراع إيديولوجي حول الطريقة التي يعالج بها الإنسان الطبيعة.
أ – وجهة النظر الدينية:
ومن بين وجهات النظر المثالية التي نشأت تلك التي يدافع عنها الفيلسوف النرويجي آرن نايس، وهو أحد اللذين خلقوا ما يسمى ب "الإيكولوجيا العميقة" أحد الآباء المنظرين الإيديولوجيين لحركة الخضر، يقول في استجواب له سنة 1999:
"إن الإيكولوجيا العميقة تنطلق من وجهة النظر الفلسفية أو "الدينية"، التي ترى أن كل الكائنات الحية لها قيمة، وبالتالي محتاجة إلى الحماية ضد التدمير من طرف ملايير البشر".
إن آرن نايس يرى الإنسان كمجرد مدعو إلى طبيعة عذراء مكتملة فيستغل مضيافية الطبيعة بشكل غير مسؤول، وعبر تصرفه غير المناسب يضع مضيفه، ذو القيمة الكبيرة، الطبيعة، في خطر. بطرحه هذا يتجاهل فيلسوفنا أن الإنسان نفسه جزء من الطبيعة، بل نتاجها الأسمى.
لتوجيه النقد لهذه النظرية المتسمة بالمثالية الدينية والوضعية، ولأطروحتها الأساسية، التي ترى مصالح "كوكب الأرض" ومصالح البشر كضدين جامدين، والنتيجة هي حماية أحدهما من الآخر.
إن أساس هذا الطرح هو القناعة الدينية التي ترى أن العالم قد خلقه الإله، وبالتالي فنفي استمرارية تطور هذا العالم منذ خلقه المزعوم، يفقد الإنسان أي مصداقية بالكامل باعتبار عمله "تدميرا"، والمقصود هنا تأثير الإنسان على تشكل البيئة الطبيعية الحالية.
بناء على هذا الطرح، يكون الإنسان غير قادر على تحمل مسؤوليته تجاه قدره، أي قادرا على تطوير بنفسه، وبشكل خلاق نحو مستوى أعلى محيطه الطبيعي. إنها نظرة دينية متشائمة لا ترى الحل إلا في أمل غامض يأتي من قوة عليا تحمي الطبيعة ضد الإنسان، وكذلك الإنسان ضد نفسه. إن هذا الطرح ليس في نهاية المطاف سوى امتداد ديني بمظهر إيكولوجي لمفهوم الخطيئة الأصلية الإنجيلي ولعجز الإنسان.
إن هذا التأكيد على العجز الإنساني له امتداد في بعض المنوعات "العلمية" الوضعية، وكما هو معلوم فقد انتشرت الوضعية بشكل واسع وساد تأثيرها على العلوم الطبيعية خلال القرن 20.
ب – وجهة النظر الوضعية:
إن وجهة النظر أعلاه، والتي تقر بالعجز الإنساني أمام الطبيعة لها امتداد، بل إحدى منوعاتها، التي تصطبغ بالصبغة "العلمية" وتجد هذا الصدى في الفلسفة الوضعية. وكما هو معلوم فقد انتشرت الوضعية بشكل كبير في ميدان العلوم الطبيعية خلال القرن 20، وحسب هذه الفلسفة ومنهجها، فعلى العلوم أن تبقى محدودة فيما يمكن تسميته بالمعطى الإيجابي، بمعنى آخر الاهتمام بالأشياء والسيرورات التي يمكن ملاحظتها، فالوضعية تعتبر مسألة البحث في الأسباب الأكثر عمقا والجواهر المتضمنة في الأشياء والروابط الكونية، مجرد تكهنات خالصة.
على المستوى الإيديولوجي تسقط الوضعية في الخلط بين المثالية والمادية، فهي لا تعارض وجود واقع موضوعي خارج تفكيرنا، لكنها تدعي فكرة أن الكائن البشري لا يستطيع أن يعرف الواقع الكوني ولا تحويل ذلك الواقع بشكل إبداعي، وهذا ما يطلق عليه بالفلسفة الثالثة، التي تزعم أنها فلسفة تقع بين المثالية والمادية، ويطلق عليها عموما اللاأدرية، وتعتبر الوضعية التجريدات الرياضية كطريقة علمية صائبة بشكل أساسي، وقد سبق للأستاذ والدكتور في الفيزياء برترام أن انتقد هذه الطريقة، خاصة في مجال التقليل من قيمة تأثير النشاط الإشعاعي على الإنسان، ويقول برترام :
"بالنسبة لتأثير النشاط الإشعاعي النووي على الأنظمة الحية، يتم استعمال نماذج لا تأخذ بالاعتبار، أو بشكل غير كاف التطور الفيزيائي والفيزيزلوجي الفعلي لتمظهرات تحطيم النسيج العضوي، ولتأثير الأنشطة الأيضية" ("بصدد النتائج القاتلة للخلط بين النموذج والواقع"، البروفيسور الدكتور رولف برترام).
ويرى مؤلف الكتاب أن الوضعيين والوضعية، يرون أن التصريحات العلمية حول الواقع الموضوعي، أو حول وجود قوانين موضوعية للطبيعة أمر غير ممكن، بل إنه أمر يتعلق بالإيمان، وتحاول الوضعية دحض وجهة النظر القائلة إن المعرفة الإنسانية بإمكانها أن تعرف أحسن فأحسن، بل أن تلتقط بشكل أكثر دقة، وتطبق بشكل أكثر انتقاء القوانين الموضوعية للطبيعة على أساس التجارب العملية، وذلك بمساعدة المنهج الديالكتيكي المادي.
لكل هذا، تخفي الوضعية عن الناس السبب الحقيقي المؤدي إلى التدمير الكارثي للبيئة، نعني الاقتصاد الرأسمالي القائم على الربح.
عموما، هناك تأثير كبير للوضعية داخل الحركة الإيكولوجية، ويتمظهر ذلك على شكل نمط تفكير بورجوازي صغير تشكيكي، ويتوجه هذا التفكير أساسا ضد الجماهير التي بدأت تعي قيمتها النضالية في هذا المجال من أجل توقيف التطور الكارثي الإيكولوجي، وذلك عبر نضال مشترك مع الحركة العمالية الثورية.
من نتائج الوضعية هو العزلة وقصر النظر والبراغماتية ونمط التفكير البورجوازي الصغير الإصلاحي، الذي لا يضع على جدول الأعمال سوى أهداف إصلاحية بالإمكان التقاطها بشكل مباشر وإدراكها، والحال أنه يجب تحليل العلاقات العامة بطريقة دياليكتيكية مادية، وجعل من الخلاصات التي يتم استنتاجها الخط الموجه للفكر والإحساس والنشاط الإنساني. لهذا السبب بالإمكان توقيف الانتقال داخل الكارثة الإيكولوجية الكونية في حالة إذا ما تم التغلب على التأثير الإيديولوجي للوضعية.
3) الأنتروبيا والقدرية:
من بين أنواع الميتافيزيقا والمثالية المنتشر في صفوف العلماء داخل الحركة الإيكولوجية، هناك ما يسمى بنظرية "الأنتروبيا"، فحسب هذه النظرية، فالواقع يحدده "قانون كوني للقدر". يشرح الدكتور كريستيان شوتز، رئيس التحرير السابق للجريدة اليومية الألمانية "سودنتش زيتونغ" قائلا:
"إن الأنتروبيا هي مجموع الطاقة غير المستعملة المسماة كذلك طاقة مرتبطة ... بتوفير عمل، تدخل الطاقة الحرة في كمية الأنتروبيا الأكثر استعمالا. هذه الأنتروبيا تصبح كبيرة أكثر فأكثر داخل نظام مغلق ... إن تدفق الطاقة يسير دائما في اتجاه وحيد نحو الحرارة ذات الدرجة المنخفضة، إن هذا يشكل جزءا من أساس نشاطنا الاقتصادي، ويشرح في نفس الوقت كل الإشكالية البيئية".
إن السؤال المطروح حسب الكاتب، هو هل بإمكان التيرموديناميك شرح كل شيء؟
إن قانون الأنتروبيا غير صالح إلا في حالة الأنظمة المغلقة، وفي الواقع، لا توجد أنظمة مغلقة بشكل قطعي لا تتبادل لا المادة ولا الطاقة مع محيطها. إن الكون كما يعتقده منظرو الانحدار، نظام مغلق قطعيا، يسير نحو حتفه أو ما يسميه أصحاب هذه النظرية موت الحرارة. وكما سبق أن قيل أعلاه، فعلى خلاف أشكال المادة، التي هي نهائية، فالكون هو مادة في حركة دائمة ومتطورة بدون بداية ولا نهاية.
لقد قام البروفيسور والتر تيرينغ بدحض ثاقب لصلاحية قانون الأنتروبيا على الصعيد الكوني:
"ليس فقط موت الحرارة لبولتزمان لم يتم، بل على العكس، طور الكون أكواما ساخنة، نجوم، وبالتالي بإمكاننا أن نستمتع بالشمس الغنية بالطاقة والفقيرة من حيث الأنتروبيا" ("استقرار المادة من الذرة إلى النجوم" والتر ترينغ، سبرينغر فيرلاغ، برلين 1991، ص 6).
إن نظرية "القانون الكوني للانحدار" تناقض واقع أن هناك تطور في الكون، وكذلك في الأرض، ففي نظامنا الشمسي، فالطاقة الشمسية هي ما يجعل ذلك ممكنا. ونظرية الأنتروبيا تتجاهل ببساطة قوة الشمس، التي تزود الأرض بالطاقة باستمرار، وبالدرجة الأولى بالطاقة الحرارية، وتقوم بفصل المعارف حول الأنتروبيا في مجال السيرورات المعزولة، والتي يمكن أن تكون هامة، عن السياق الشامل لقوانين الطبيعة، المؤثرة كونيا. وباعتبارها مفهوما للعالم، لا تصلح هذه النظرية سوى لتبرير القدرية.
إن فكرة الانحدار الدائم تنزع عن الحركة الإيكولوجية سلاحها، وتزرع موقفا استسلاميا أمام تعقد المشاكل.
"أن يهدي المرء نفسه بعض السنوات الجميلة" أو في أحسن الأحوال تأخير الاختفاء المحتوم، هما الشعاران لدى أصحاب النظرية القدرية ما دام الإنسان لا يمكنه في كل الأحوال أن يوقف تطور الكارثة الإيكولوجية، فليس صدفة أن تكون وجهة النظر هذه إلى العالم منتشرة بالأخص وسط الفئات الاجتماعية، التي، بحكم نمط حياتها البورجوازي الصغير لا تستطيع أن تتصور فكرة إمكانية إعادة النظر في النظام الاجتماعي الرأسمالي.
4) حول بعض التأويلات الدينية لوحدة الإنسان والطبيعة:
من وجهة النظر التاريخية، لم ينشأ وعي مستقل منفصل عن النشاط المباشر للإنسان إلا بعد نشوء وتطور الطبقات، وتقسيم العمل الاجتماعي إلى عمل مادي يدوي وعمل فكري، هكذا نشأ أناس من داخل المجتمع يفكرون ويعملون بشكل علمي، وعبر أعمال التجريد نشأت العلوم. فمع ظهور المجتمعات الطبقية، أخذت التفسيرات النظرية السائدة حول الطبيعة والمجتمع طابع المثالية الميتافيزيقية أو المادية الميكانكية، فكلاهما كان يبرر السيطرة الطبقية ومؤسساتها الاجتماعية لكل مرحلة تاريخية.
وتحت تأثير الديانات التوحيدية، استطاعت نظرية التعارض بين الفكر والمادة والإنسان والطبيعة والروح والجسد، أن تفرض نفسها.
تقوم الازدواجية (الثنوية) المسيحية وغيرها على ثنائية تقول ب:
- وجود الروح كعنصر غير مادي
- وجود الجسد كعنصر مادي
وحسب هذا الطرح تكون الأولوية للروح لأن أصلها يأتي من إرادة الله، فالإنسان هو صورة الله كما يقولون، سيد الوجود المادي في الطبيعة والمجتمع، وبالتالي دونية المادة مقارنة بسمو الروح وأولويتها.
عن طريق هذه النظرية استطاع الأسياد الإقطاعيون، سواء اللائكيون أو الدينيون، أن يحكموا أوروبا باعتبارهم حكاما للإله على الأرض، ومن ثمة برروا سيطرتهم الأوتوقراطية على الأرض والطبيعة.
وعندما نشأت العلوم الطبيعية الحديثة، حطمت منظور العالم السائد لحد الآن، وخاصة الأشكال البدائية للدين المناهضة للعلوم. ومع تطور الرأسمالية إلى امبريالية وسيادة الاحتكارات والرأسمال المالي على العالم، خاصة في يومنا هذا، انتعشت من جديد المذاهب الدينية حول القدر والخلاص، وأصبحت الديانات التوحيدية تقدم نفسها كسلطة للمجتمع المدني الحديث، كل هذا دون أن تقطع مع تاريخها الإجرامي وتكفيرها للعلوم ولكل التقدم العلمي، خاصة الإسلام.
لقد كتب رجل الدين المسيحي الكاثوليكي أوجين درويرمان، وذلك سنة 1981 كتابا تحت عنوان: "التقدم القاتل: تدمير الطبيعة والكائن البشري على ضوء إرث المسيحية":
"إن ما هيأ طريق هذا التطور بشكل حاسم هو عقلية أوروبا. ففي أعقاب المسيحية وإرثها المعلمن، وحدها هذه العقلية اعتبرت الكائن البشري ليس كجزء من الخلق، بل سيد الطبيعة مع قبول في الكائن البشري نفسه فقط قوة العقل وإرادة السيطرة" (ص 7 من المرجع).
إن هذا التصور قد اعتبر نوعا من مذهب "مركزية الإنسان" من طرف الكنيسة، فتم توقيف صاحب الكتاب ومنعه من التدريس.
ومن باب الملاحظات النقدية، يمكن القول:
1 – إن تركيز هذه النظرية على الأنتروبوسانتريزم يخفي الأسباب المجتمعية لتدمير أسس الوجود الإنساني، وذلك بتحميلها المسؤولية لنوع من العقلية أو الحضارة باعتبارها كذلك.
2 – إن أصحاب "الأنتروبوسانتريزم" يفترضون، أن على الكائن البشري أن يبتعد عن الطبيعة أكثر ما يمكن، وهذا يعني إنكارا بشكل مثالي للدور الخلاق للإنسان في الطبيعة.
إن الإسلام يعتمد على نفس الأرضية المثالية لدى المسيحية، فيضع الإنسان فوق كل كائن حي آخر، فعليه أن يسيطر على الأرض بتوجيه من الله الذي سخر له كل شيء في الأرض.
أما البوذية، فتعتبر أن هناك "طبيعة بوذا" مشتركة بين كل الكائنات الحية، فالقدرة الكونية ليصبح الإنسان "كائنا متنورا" تنطلق من أن الإنسان ليست له أنا لوحده متميزة عن الكائنات الحية الأخرى، ولذلك عليه أن يتصرف بطريقة رحيمة تجاه الكائنات الحية، وفي هذا تتميز البوذية عن زعم السيطرة من طرف الإنسان على الطبيعة، الذي يميز ديانات أخرى، لكن الوجه الآخر للعملة، يتمثل في التخلي عن التدخل النشيط للإنسان في الطبيعة والمجتمع، ولذلك، تعارض هذه الديانة كل تطور واع، وفي مستوى أعلى، لوحدة الإنسان والطبيعة.
5) عيوب الحركة الإيكولوجية:
بحكم توجهاتها السائدة، تتجاهل الحركة الإيكولوجية النظرية الثورية لتطور قوى الإنتاج كما تطرحها المادية التاريخية، وذلك باعتبارها أساس وحدة الإنسان والطبيعة. وتنضاف ملاحظة أخرى تتعلق بموقف الحركة، الذي يحتقر الحركة العمالية، التي تتبنى دورا قياديا في النضال من أجل إنقاذ البيئة الطبيعية وضمان استمرار التقدم الاجتماعي، ويعني هذا إنكار الحركة الإيكولوجية للمسألة الاجتماعية كأساس لحل المشكل البيئي، ومن ثمة تجد أقطابها يهاجمون صراع الطبقات، وهدف التغيير الثوري للمجتمع باعتبارها تقاليد لمراحل مضت. ومع ذلك عندما ننظر إلى اقتراحاتهم نجدهم يعودون للإنتاج الصغير، وإعادة تشكيل الرأسمالية بطريقة إيكولوجية مما يعني في النهاية نشر فكرة وحدة الإيكولوجيا والاقتصاد الرأسمالي.
نجد الكثير من الناطقين باسم هذه التيارات يحطون في الصالونات الوتيرة للمجتمع الرأسمالي، فتجدهم يأكلون بطريقة "بيو" ويسوقون سيارات باستعمال طاقة "بيو" ويسكنون منازل فردية مغطاة بالألواح الشمسية، إنهم لا يقومون إلا بوظيفة "الغسالة الخضراء" للمؤسسة السياسية البورجوازية، ويحاولون التمويه عن تحولهم أكثر فأكثر وبشكل واضح إلى مدافعين ملتزمين بالمجتمع البورجوازي عن طريق جماعات وشعارات مناهضة للشيوعية.
IV ـــــ المعالجة المادية الجدلية لوحدة الإنسان والطبيعة
لقد قدم انجلز وجهة النظر المادية الجدلية حول تفاعل الإنسان والطبيعة في مقاله الشهير: "دور العمل في تحول القرد إلى إنسان" يقول:
"باختصار، الحيوان يستعمل فقط الطبيعة الخارجية ويحدث داخلها تغييرات بحكم وجوده وسطها، بينما الإنسان، عن طريق التغييرات التي يأتي بها، يقودها إلى خدمة غاياته، أي يسيطر عليها ... وهكذا، فالوقائع تذكرنا في كل خطوة أننا لا نحكم أبدا الطبيعة كما يحكم غاز شعبا أجنبيا، أي كشخص يكون خارج الطبيعة، لكن نحن ننتمي إلى الطبيعة بلحمنا ودمنا ومخنا، نحن في وسطها، وسيطرتنا عليها تكمن في الأفضلية التي تكون لنا على باقي الكائنات باستطاعة معرفة قوانينها، وبقدرة استخدامها بشكل دقيق" ("دياليكتيك الطبيعة"، انجلز).
ويلاحظ انجلز، أن التحكم والضبط الكوني للتأثيرات الطبيعية والاجتماعية للنشاط الإنتاجي للناس غير ممكن، إلا إذا تم قلب نمط الإنتاج الرأسمالي، وبناء المجتمع الاشتراكي. يقول انجلز:
"إننا نتعلم شيئا فشيئا عبر تأدية ثمن تجربة طويلة، وغالبا قاسية، وبفضل مواجهة ودراسة المواد التاريخية، كيف نوضح النتائج الاجتماعية غير المباشرة والبعيدة لنشاطنا الإنتاجي، ومن هنا تتوفر لنا إمكانية السيطرة والضبط لتلك النتائج كذلك.
لكن للقيام بتوجيه بشكل جيد لهذه القواعد التنظيمية نحتاج أكثر، ليس فقط للمعرفة وحدها، بل يجب قلب كامل في نمط إنتاجنا الماضي ومعه كل نظامنا الاجتماعي الحالي" (انجلز "دياليكتيك الطبيعة"، ص 182).
1) النقد الأساسي ل "برنامج غوتا" من طرف كارل ماركس وفردريك انجلز:
يعتبر كارل ماركس وفردريك انجلز مؤسسا النظرة العلمية لمجتمع يتجاوز إشكالية استغلال الإنسان للإنسان، الشيء الذي يفترض تنظيم الناس لأنفسهم في علاقات مع الطبيعة بشكل واع ومحترم وكريم.
في سنوات الستينيات من القرن 19 كتب كارل ماركس في الكتاب الثالث من الرأسمال يقول:
"كما أن الإنسان البدائي اضطر إلى النضال ضد الطبيعة لتلبية حاجياته، من أجل البقاء على قيد الحياة ويتناسل، فالإنسان المتحضر مضطر هو الآخر للقيام بذلك، والقيام بذلك كيفما كانت بنية المجتمع ونمط الإنتاج. ومع تطوره، يتسع ميدان الضرورة الطبيعية لأن الحاجيات تتزايد، لكن، وفي نفس الوقت تتوسع القوى المنتجة من أجل تلبيتها. في هذا الميدان، فالحرية الوحيدة الممكنة هي أن الإنسان الاجتماعي والمنتجون المشتركون ينظمون بشكل عقلاني تبادلاتهم مع الطبيعة، التي يراقبونها جماعة بدل أن يكونوا تحت سيطرة قوتها العمياء، ويحققون هذه التبادلات بصرف القليل من القوة، وفي الظروف الأكثر كرامة، الأكثر توافقا مع طبيعتهم الإنسانية" ("الرأسمال"، الكتاب الثالث، المنشورات الاجتماعية، باريس 1974، ص 198 و199، كارل ماركس).
في القرن 19، كانت الإيديولوجية البورجوازية تتجاهل أهمية الطبيعة في العمل الاجتماعي، وفي هذا السياق قام ماركس بنقد آدام سميث، الاقتصادي البورجوازي الذائع الصيت. يقول كارل ماركس:
"بعد الإعلان تباعا أن الأشكال الخاصة للعمل الملموس، الفلاحة، المانيفاكتورة، الملاحة، التجارة ... هي المصادر الحقيقية للثروة، وقد أعلن آدام سميث أن العمل بشكل عام، العمل في مظهره الاجتماعي العام كتقسيم للعمل، كان هو المصدر الوحيد للثروة المادية أو للقيم الاستعمالية. هكذا، فاته بشكل كامل العنصر الطبيعي، وتابع ذلك في دائرة الثروة الاجتماعية الخالصة، أي القيمة التبادلية" ("مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي"، المنشورات الاجتماعية، باريس 1972، ص 35، كارل ماركس).
هكذا نجد أن الإيديولوجية البورجوازية تحط من قيمة الطبيعة وتبالغ بشكل مثالي في إمكانيات العمل، بفصلها عن ظروفها الطبيعية الأولية، فالبورجوازية تملكت بشكل خاص الطبيعة كمصدر للثروة، وحولت أكثر فأكثر الموارد الطبيعية إلى بضائع.
1 – في نقد "برنامج غوتا" للحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني:
في سنة 1875، انعقد بغوتا (مدينة ألمانية) مؤتمر التوحيد للحزب الاشتراكي الديموقراطي، الذي كان آنذاك لا يزال ثوريا، مع "الجمعية العامة الألمانية للعمال"، التي أسسها فرديناند لاسال. وكان برنامج الحزب الجديد، الذي سمي ببرنامج غوتا قد تمت بلورته تحت المسؤولية الرئيسية لويلهام لبنيخت (1826- 1900).
قبيل انعقاد المؤتمر، تم نشر مشروع البرنامج في الصحافة الاشتراكية الديموقراطية، وعن طريقها فقط علم كارل ماركس وفردريك انجلز اللذان كانا يعيشان في المنفى في انجلترا، بوجود الوثيقة، وبمجرد الاطلاع عليها توجه انجلز مباشرة إلى أوغوست بيبل مراسلا إياه قائلا:
"إن البرنامج قد تمت بلورته بطريقة، إذا ما تم قبوله، فلا ماركس ولا أنا بإمكاننا أن ننتمي إلى الحزب الجديد، المبني على مثل هذا الأساس ..." ("رسالة إلى بيبل 18 – 28 مارس 1875"، ماركس – انجلز، الأعمال المختارة، ثلاث مجلدات، المجلد الثالث، موسكو، 1976، ص 33).
بين منتصف أبريل ومنتصف ماي 1875، كتب ماركس بوليميكا علميا ضد مشروع برنامج غوتا، والذي أطلق عليه بتواضع عنوانا تحت اسم "حواشي هامشية على برنامج "الحزب العمالي الألماني" وسيصبح النص لاحقا معروفا ب "نقد برنامج غوتا" أحد الوثائق الأكثر أهمية والأكثر انتشارا في الماركسية ـــــ اللينينية داخل الحركة الشيوعية.
لقد وصف ماركس مشروع البرنامج ب "الانقلاب الفظيع ضد المفهوم المنتشر داخل جماهير الحزب" وكذلك ب "استخفاف إجرامي" وبعمل "سوء نية" ("نقد برامج غوتا" الأعمال المختارة، المجلد الثالث، موسكو 1976، ص 20، كارل ماركس).
لقد ارتكب ويلهام ليبنيخت خطأ أساسيا وفادحا عندما اعتبر النص وثيقة سرية، وحرم المؤتمر من الاطلاع عليها، لكن ماركس شك في المناورة، فكتب في 5 ماي 1877 قائلا:
"لقد أرادوا إخفاء كل نقد، ونبذ كل تفكير من داخل حزبنا" ("رسالة ماركس إلى براك في 5 ماي 1875، ماركس انجلز، الأعمال المختارة، المجلد الثالث، موسكو 1976، ص 8).
وبدون هوادة أو غموض عبر ماركس عن نقده الأساسي والمركزي بخصوص وحدة الإنسان والطبيعة:
"ليس العمل هو مصدر كل ثروة، فالطبيعة هي كذلك مصدر كل القيم الاستعمالية (التي تمثل الثروة الفعلية)، والعمل ليس في حد ذاته إلا التعبير عن قوة طبيعية، قوة عمل الإنسان ... فبقدر ما الإنسان بادئ ذي بدء يعمل كمالك تجاه الطبيعة، هذا المصدر الأول لكل وسائل ومواد العمل، فليس إلا عندما يعالجها كمادة يمتلكها، يصبح عمله مصدرا للقيم الاستعمالية، حاملا للثروة" ("برنامج غوتا"، ص).
بالنسبة لكارل ماركس، فالتأكيد على القول بأن العمل هو مصدر كل ثروة، هو أمر تحركه مسألة إدامة العلاقات الاستغلالية الرأسمالية، ويقول كارل ماركس في هذا الصدد:
"إن لدى البورجوازيين أسبابا جيدة لكي ينسبوا للعمل هذه القوة فوق الطبيعية للإبداع، ذلك أنه بكون العمل هو في تبعية للطبيعة، يتم استنتاج أن الإنسان، الذي لا يملك شيئا سوى قوة عمله، سيكون بقوة الواقع وبغض النظر عن كل حالة مجتمع وحضارة، عبدا لأناس آخرين انتصبوا كمالكين للظروف الطبيعية للعمل، ولذلك لا يستطيع العمل والعيش إلا بإذن هؤلاء الأخيرين" (المرجع السابق، ص 9).
إن اهتمام الرأسماليين بالطبيعة يختزل في وظيفة هذه الأخيرة باعتبارها وسيلة للإنتاج لأجل "استغلال الأرض" بغاية إعادة الإنتاج أو الاستخراج، - كما كتب ماركس في الكتاب الثالث ل "الرأسمال" (الكتاب الثالث، المجلد الثالث، المنشورات الاجتماعية، باريس 1974، ص 157) - أي استغلال الأرض للزيادة في الرأسمال عن طريق استخراج وتحويل المواد الأولية.
تعتبر الماركسية – اللينينية والاقتصاد السياسي الماركسي – اللينيني أن العمل والطبيعة تجمعهما وحدة أساسية، ومن ثمة فماركس وانجلز يفهمان الإنتاج الاجتماعي كعلاقة أساسية للبشر مع الطبيعة، ويقول كارل ماركس:
"من أجل أن ينتجوا (البشر) يدخلون في روابط وعلاقات محددة فيما بينهم، وليس إلا في حدود هذه الروابط وهذه العلاقات الاجتماعية يكون تأثيرهم على الطبيعة، الإنتاج" ("العمل المأجور والرأسمال"، المنشورات الاجتماعية، باريس 1969، ص 29، كارل ماركس).
إن دراسة "نقد برنامج غوتا" تقدم عدة مواقف تفتح آفاقا عديدة للشيوعيين، وذلك فيما يخص مسائل البرنامج الثوري، إضافة أن هذا النقد لذو قيمة تاريخية خاصة وضعت الوحدة الجدلية بين الإنسان والطبيعة كأحد الأسس البرنامجية للماركسية – اللينينية. وقد قام ماركس وانجلز بتعميق هذا الموقف الماركسي الأساسي في كتاب "الرأسمال" خاصة في الكتاب الثالث، وذلك بالاعتماد على المخطوطات الاقتصادية والفلسفية 1844 لكارل ماركس.
في خطاب حول البرنامج، في مؤتمر هال/ سهال في 1890 بعد 15 عاما من "نقد برنامج غوتا" هاجم ليبنخت ماركس وانجلز بدون ذكرهما مستفيدا من أن المؤتمرين لا يعرفون مؤلفا النقد وذلك بتشويه، وبوقاحة، الوقائع. جادل لبنيخت بجبن ضد أطروحات ماركس وانجلز معتبرا إياها "اقتصاد وطني بورجوازي وضيع" دون أن يغامر بذكر الانتقادات بأسماء أصحابها. يقول ليبنيخت:
"... لقد قيل إن العمل ليس المصدر الوحيد للثروة الاجتماعية، فالطبيعة هي الأخرى تساعد على خلقها ... من قال هذا – وهذا الرأي الخاطئ تمظهر عدة مرات – لم يقم فقط إلا بالتعبير عما قاله الاقتصاد الوطني البورجوازي العديم الطعم قبل زمن طويل ...لذا نعود دائما من جديد إلى العمل كمصدر لكل ثروة" ("بروطوكول مداولات مؤتمر الحزب الاشتراكي الديموقراطي" ص 160، 161).
في أفق نقاش من أجل بلورة برنامج جديد للحزب، اعتبر انجلز أن الوقت قد حان للتعريف ب "نقد برنامج غوتا" لكارل ماركس للحركة العمالية. وأمام كل معارضات قيادة الحزب تم نشره بعد 16 سنة في مجلة "الزمن الجديد" (مجلة الحزب)، فكان ذلك بمثابة موجة عاتية، وفي رسالة إلى بول لافارغ كتب انجلز في 10 فبراير 1891 يقول:
"إن مقالة ماركس أثارت الكثير من غضب القيادة واتفاق الكثير داخل الحزب نفسه عليها" (ماركس - انجلز، الأعمال، المجلد 38، ص 27، الطبعة الألمانية).
هكذا، لم يدمج برنامج إيرفورت لسنة 1891 تلك العبارة الشهيرة القائلة "العمل هو مصدر كل ثروة". وقد لخص انجلز الأمر كما يلي:
"إن المشروع الحالي يتميز بشكل إيجابي أكثر عن البرنامج القديم. إن بقايا تقليد متقادم - هي لاسالية خاصة، اشتراكية مبتذلة – قد تم إلغاؤها، وعلى المستوى النظري فالمشروع في مجموعه يقف على أرضية العلم الراهن، وبالإمكان مناقشته بالوقوف على هذه الأرضية" ("نقد مشروع برنامج الحزب الاشتراكي الديموقراطي، 1891"، ماركس – انجلز، الأعمال المختارة في ثلاث مجلدات، المجلد الثالث، موسكو 1976، ص 466).
لكن رغم كل هذا التقدم لم يقم الحزب بأي إعادة تقييم نقد ذاتي لحذف المواقف الثورية المتعلقة بوحدة الإنسان والطبيعة، لقد ظل ذلك طابوها داخل الاشتراكية الديموقراطية، بل على العكس سيقوم بيبل بتبرير ذلك سنة 1910 في سيرته الذاتية:
"إننا نرى أنه لم يكن سهلا التفاهم مع الشيخين في لندن، فما كان حسابا دقيقا وتكتيكا صائبا عندنا، كان لديهما ضعف ونقص في الحزم لا مسؤول، ففي الأخير كان الأهم هو أن تم التوحيد ("من حياتي" الجزء الثاني، ص 279، أوغوست بيبل).
2 – صراعات حول "جدلية الطبيعة":
في يونيو 1876، وفي أعقاب النقاش حول برنامج غوتا، استمر انجلز في دراسة المسألة البيئية، وبتشاور مع كارل ماركس، وعبر حوالي 200 نص مختلف، قام بتعميق مسألة الوحدة الأساسية بين الإنسان والطبيعة.
مرة أخرى، لم تنشر هذه النصوص إلا في سنة 1925 في شكل كتاب بالألمانية والروسية، وذلك في الاتحاد السوفياتي، تحت عنوان: "دياليكتيك الطبيعة".
في سياق تكريم للعمل في سلسلة "دراسات نظرية" قدمتها الكومنترن تحت عنوان "تحت راية الماركسية"، قام الكاتب توني ريازيف بالحديث عن الاحتقار الذي قامت به قيادة الاشتراكية الديموقراطية الألمانية تجاه هذا الكتاب:
"عندما نأخذ الكتاب، لا نعرف هل يجب الإعجاب بالعمل الممتاز للناشر أو يجب استنكار واقع كتاب يتميز بقيمة استثنائية لم يتم نشره إلا لاحقا، قد ظل على الهامش سنوات طويلة" ("تحت راية الماركسية"، السنة الأولى، مارس 1925 إلى يناير 1926، ص 459).
وقد قام الكاتب بمدح شروحات انجلز المتعلقة بالفيزياء، التي توافقت مع المعارف العلمية، فكتب يقول:
"بدون أن نتهم بالمبالغة، يمكننا أن نقول بشكل جيد أن هذا الكتاب الممتاز، الذي استطاع الرفيق ريازانوف انتشاله من تحت الغبار من 30 سنة في الأرشيف الاشتراكي الديموقراطي، سيقرأ دائما، ويعيد قراءته كل العلماء الماركسيين".
إن اختزال أهمية هذا الكتاب في مسائله العلمية فقط، يعتبر تبخيسا للمنهج الدياليكتيكي المادي، وقد كان لذلك أثر كبير على الحركة الشيوعية العالمية، فمثلا، سوف لن نجد في برامج الحزب الشيوعي الألماني في 1918 وفي 1922 وكذلك 1930، ولا في خطابات أو كتابات إرنست تالمان، أو في نداء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الألماني سنة 1945 من أجل إعادة تأسيس الحزب، صياغات برنامجية حول المسألة البيئية، خاصة الوحدة الجدلية للإنسان والطبيعة.
3 – في معالجة مسألة البيئة من طرف أحزاب الحركة الشيوعية القديمة:
بطبيعة الحال، يجب الأخذ بعين الاعتبار السياق العام لتلك المرحلة، التي لم تعرف إلا كوارث إيكولوجية إقليمية، دون أن تصل إلى مستوى أزمة إيكولوجية عالمية، بالإضافة إلى كون الوعي الإيكولوجي داخل المجتمع كان ضعيفا. إلا أنه لا يمكن ربط مسالة وحدة الإنسان والطبيعة بمرحلة محددة لأن المسألة تعتبر مسألة أساسية في الماركسية. إن هذا التبخيس على المستوى الإيديولوجي للمسألة يتناقض مع فكر لينين، الذي عالج دائما وحدة الإنسان والطبيعة كمسألة أساسية. ففي كتاباته الفلسفية اعتبرها خطا فاصلا بين المادية والمثالية، ويقول لينين:
"... ليست الطبيعة وامبراطورية الإنسان من تتوافق مع المبادئ، بل إن المبادئ لا تكون صحيحة إلا إذا كانت موافقة للطبيعة والتاريخ، فهذا هو المفهوم المادي الوحيد للمسألة". يتعلق الأمر هنا "بالتناقض بين المادية والمثالية، باختلاف الخطين الأساسيين للفلسفة" ("المادية والمذهب النقدي التجريبي" ص 14، لينين).
بعد انحطاط الأحزاب الشيوعية التحريفية وسقوطها، تلك التي كانت تنتمي إلى الحركة الشيوعية القديمة، نشأت أحزاب شيوعية ماركسية – لينينية جديدة ابتداء من سنة 1960، قامت بالتركيز على الدفاع عن الماركسية – اللينينية، ومن أجل بناء أحزاب شيوعية جديدة إلا أنها ظلت تحت تأثير إرث الأحزاب الشيوعية القديمة فيما يخص مسألة البيئة ومسألة وحدة الإنسان والطبيعة.
في نهاية القرن 19، كان الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني لا يزال ثوريا، لكن رفضه القيام بنقد ذاتي، وغياب المبادئ، التي أصبحت تعكس الانتهازية المنتشرة داخل الحزب في سياق تطور الرأسمالية الامبريالية وانعكاس ذلك على الطبقة العاملة، أصبح التخلي عن مواقف ماركس حول موضوع وحدة الإنسان والطبيعة بداية لإبعاد المسألة البيئية في الحركة العمالية العالمية.
في سنة 1914، أصبح الحزب الاشتراكي الديموقراطي حزبا إصلاحيا بورجوازيا، وأصبح موقفه من المسألة إحدى أسس خطه الإصلاحي، وسارت على نهجه النقابات التابعة للحزب.
إن خنق نقد ماركس لأطروحات الحزب في علاقة الإنسان بالطبيعة والمسألة البيئية عموما، سيترك آثارا إيديولوجية عميقة داخل الحزب، فالتأكيد على أن العمل هو "مصدر كل ثروة" سيصبح دوغما للإصلاحية، وفي 30 أبريل 1911، كتب رئيس الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني سيغمار غابرييل، وكذلك ميخائيل سومير رئيس النقابة التابعة للحزب بمناسبة فاتح ماي، مقالا مشتركا نشر في يومية "فرانكفونتر الجميم زيتونغ":
"منذ البداية ناضلت الحركة العمالية من أجل إعطاء التقدير للعمل كمصدر لكل ثروة وحضارة".
وعندما نشأت الجمهورية الديموقراطية الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية، تشكل الحزب الاشتراكي الموحد، الذي كان ثوريا في سنواته الأولى، لكن سرعان ما عاد إلى الأطروحات التحريفية، وقد جاء في إحدى كتاباته أن:
"في الشيوعية كما في كل مجتمع يظل العمل مصدرا لكل القيم" ("الكون، الأرض، الإنسان"، الطبعة 19 المنقحة 1971، برلين، ص 495).
إن الطابع الاقتصادوي واحتقار المسألة البيئية من طرف هذه الأطروحة الإصلاحية والتحريفية قد نزل بكلكله وترك تأثيره الكبير على الحركة الشيوعية إلى يومنا هذا، وقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للأطروحة الماركسية الأصلية كما صاغها ماركس في "المخطوطات ..." وفي الكتاب الثالث من "الرأسمال"، وخاصة في "نقد برنامج غوتا" ومساهمة انجلز في كتابه القيم "دياليكتيك الطبيعة" إضافة إلى الإسهام العظيم لفلاديمير لينين في كتابه الفلسفي "المادية والمذهب النقدي التجريبي".

وليد الزرقطوني
ــــــــ ـــــــــ
النص موجود بصيغة ب.د.ف. على موقع 30 غشت
http://www.30aout.info






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي
حوار مع أحمد بهاء الدين شعبان الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري، حول افاق اليسار في مصر والعالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- - ما يجب أن يعرفه كل ثوري عن القمع - فيكتور سيرج - الحلقة ال ...
- الحلقة الخامسة: - ما يجب أن يعرفه كل ثوري عن القمع - فيكتور ...
- الحلقة السادسة والأخيرة: منظمة -إلى الأمام- الماركسية الليني ...
- الحلقة الرابعة: - ما يجب أن يعرفه كل ثوري عن القمع - فيكتور ...
- أزمة الرأسمالية العالمية والصراع الطبقي البكتيريولوجي - وجهة ...
- في الذكرى 45 ليوم الأرض الفلسطيني - بيان هام
- الحلقة الثالثة: - ما يجب أن يعرفه كل ثوري عن القمع - فيكتور ...
- أزمة الرأسمالية العالمية والصراع الطبقي البكتيريولوجي - وجهة ...
- الحلقة الخامسة: منظمة -إلى الأمام- الماركسية اللينينية المغ ...
- الحلقة الثانية: - ما يجب أن يعرفه كل ثوري عن القمع - فيكتور ...
- أزمة الرأسمالية العالمية والصراع الطبقي البكتيريولوجي - وجهة ...
- - ما يجب أن يعرفه كل ثوري عن القمع - فيكتور سيرج - الفصل الأ ...
- الحلقة الرابعة: منظمة -إلى الأمام- الماركسية اللينينية المغر ...
- -ما يجب أن يعرفه كل ثوري عن القمع-
- وثيقة تاريخية بمناسبة الذكرى 48 لحظر -الاتحاد الوطني لطلبة ا ...
- الذكرى 43 لاستشهاد المناضلة الماركسية اللينينية الثورية الم ...
- الحلقة الثالثة: منظمة -إلى الأمام- الماركسية اللينينية المغ ...
- الحلقة الثانية: منظمة -إلى الأمام- الماركسية ــ اللينينية ال ...
- منظمة -إلى الأمام-: كرونولوجيا سياسية محاولة تفصيلية وشاملة
- جريدة -إلى الأمام-: عدد 19 - يناير 1974 - من وثائق المرحلة ا ...


المزيد.....




- بلاغ صادر عن المجلس الاستشاري للحزب الشيوعي العراقي
- رائد فهمي: لن نشترك في انتخابات لا تفتح أفقا لانقاذ البلاد م ...
- تونس: حزب حركة الشعب يدعم قرارات الرئيس سعيد.. والتيار الديم ...
- افتتاح مشاريع وطنية تابعة لمنظمة حماية البيئة واخرى للمناطق ...
- تونس الشرطة تشتبك مع متظاهرين تجمعوا أمام مكتب حركة النهضة ب ...
- شاهد: الحزب الشيوعي العراقي يعلن انسحابه من الانتخابات المقب ...
- حول حجب صور المتفوقات
- سحر الكلام
- مفاهيم لحماية الحركة النقابية
- نعال النوخذة المقتطع من تاريخ الغوص


المزيد.....

- حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي / سعود قبيلات
- من المُلام؟ كيف نشأ الخلاف بين قادة الصين الماويين، والاتحاد ... / مالك ابوعليا
- ملاحظات حول تطور البروليتاريا الصناعية 1 & 2 / تامر خرمه
- دروس كومونة باريس، 1871: الذكرى 150 لكومونة باريس! / دنيس هورمان
- شظايا كتاب: ما لم تنهه حنّة أرنت عن كارل ماركس / محمود الصباغ
- تاريخ موجز للنيوليبرالية / سوزان جورج
- النيوليبراليّة – الأيديولوجيّة في أساس مشاكلنا كلّها / جورج مونبيوت
- هل الربيع العربي الثورة، قراءة يسارية / محمد علي مقلد
- الرغبة القومية و المطلب الاوليكارشي / نجم الدين فارس
- تاريخ الدين: المسيحية / مالك ابوعليا


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - موقع 30 عشت - أزمة الرأسمالية العالمية والصراع الطبقي البكتيريولوجي - وجهة نظر ماركسية لينينية - القسم الثالث والأخير