أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سارة سامي - الحصان الأزرق














المزيد.....

الحصان الأزرق


سارة سامي
كاتبة وشاعرة عراقية


الحوار المتمدن-العدد: 6862 - 2021 / 4 / 7 - 00:26
المحور: الادب والفن
    


الحِصانُ الأزرق

قصة قصيرة

.
.
.

تعالَتْ أصواتُ الصِّغار في المدينة

-لقد وَصَلوا .. لقد وَصَلوا

أطلَّت من نافذَتِها خِلْسَةً تتأمَّلُ الزُّقاقَ فرَأَتْ عربةً بحصانٍ أزرق ماثلةً أمام باب المَذْخَر. لم يمضِ وقتٌ قصيرٌ حتَّى ترَجلَّ مِنها رجلٌ مُلتحٍ طويلُ القامةِ عريضُ المنكبين ببزةٍ حمراء عاليةِ القيافة.
بحركةٍ بانورامية دارَتْ عيناها حول سِرْبِ العربات الَّتي ما إنفكَّتْ تتوالى خلفَ عربتِه. كانت عرباتٍ مُلونَّة تقودُها أحصنةٌ مُزيَّنة. لَمَحها و هي بشُبّاكها ساهمةً تلتهمُ المنظرَ بعينيها. حين إلتقَتْ عيناهُما أشاحَتْ ببصرِها عنهُ و أغلقتِ الستائِر.

إقتربِ الصِّغارُ من العرباتِ و تجمَّعوا حول الحِصانِ الأزرق. كان حِصاناً غريباً يتوهجُّ بأشعةِ الشَّمس و في الظلِّ تفوحُ منه رائحةٌ كأنَّها المِسك. و كأنَّ الشمس و هي تلفحُ جلده تُحوِّلُ رمادَ ذرَّاته رحيقاً و شذا.
برأسِ الحصان تقولبَ لِسانٌ زهري و آخر أخضرَ لتظفرهُما مع بعضِهِما ألسنةٌ بألوانِ الطَّيف الشَّمسي فيتكونَ من حفلةِ إلتقائِهِم على رأسهِ قرناً من قوسِ قُزح.

- إنَّها حلوى.. إنَّها تتحولُ بيديَّ الى حلوى!

صرَخَ أحدُ الاولاد بعد أن مَسَح على جلدِ الحِصان و تكاثَفَ الشَّذا بيديهِ بلوراتٍ من السُكَّر. فتشجعَ غيرهُ من الصِّغار على لمسّ الحصانِ و لملمةِ البلوراتِ من على جِلده مما أفزَعهُ و أربكه فتعالى صهيلهُ فلاذَ الأولادُ بالفِرار.

حين سَمِعَت صهيلَ الحصانِ أطلَّت من نافذتها مُجدداً لترى النَّاسَ قد إحتشدوا من بعد أن أخبرهُم الصِّغارُ عن الحِصانِ الغريبِ الَّذي حلَّ بمدينتهم.

كلٌّ جاء لتقصِّي أخباره فمنظرُ العرباتِ ذاتِ الأحصنةِ المُلونة و الحُوذي ذي البزَّةِ الحمراء لفَتَ إنتباه من كان يقفُ في الأبوابِ و النَّوافذ.

إلا إنَّها أسدلَتْ على نافذتِها وإنصرفَتْ عن تأملِّ ما كان يدورُ خارج منزِلها و ألقت بنفسِها بحُجرةٍ مُضيئة حيثُ تصْطَفُ رُفوفٌ طويلة بأوانيها و دوارِقِها و بجوفِها أنواعُ الأعشابِ و الأزاهير المُجففة، لتنغمس في صُنع عقارٍ نافعٍ لجارتِها العجوز.
في تلك الأثناء سمعَتْ ضَوضاء فوقَ سطحِ منزلها فتَسارَعَتْ الى هُناك لتُشاهِد جَمعاً غَفيراً من الفراشات المُلوَّنة يَسرِقن خُيوط ثِيابها و فساتِينها المُعلَّقة تحت أشعَّةِ الشَّمس.

- ما هذا؟ ماذا تفْعَلْنَ بثِيابي؟

صَمَتَتْ و تَركتهُم يستولونَ عليها فقد أثارها الفُضول لمعرفةِ ماذا ستفعلِ الفراشات بما خاطَهُ خياطو المدينة و زركَشَتهُ جواريها من أقمشة مُلونة لَماعة.

من سطحِ منزلها بقِيَت عيناها تُتابِعُ أسراب الفراشات و ثيابُها المُلونَّة تطيرُ بأنحاءِ المدينة فشابَهَت ألوانَ قوسِ قزح بعد زخةِ مَطر.

لمحَ النَّاسُ قوسَ الفراشات و بقيوا يتهامسون من الدَّهشة. فلم يُلوِّن غَمامَ مدينتِهِم من قبلُ سوى الأبيضِ الرمادي فجاءت الفراشاتُ كقناديلَ مُزَيَنة تبعثُ البهجةَ بمدينةٍ كادَتْ تنطفئ.

فَقَد شاعَ عن هذهِ المدينة أنَّها أُصيبتْ بِلعنة. كانت النِّساءُ ترتدي السَّواد طيلة العام دونَ أن يُعرف سببٌ او مدعىً لذلك. لكن الأقاويل تكررت بأن ساحرةً شمطاء قد سحرت بزَّازي المدينة مُحوِّلةً كُلُّ قماشٍ مُلوَّنٍ بدكاكينهم أسودَ الَّلون.
كانت الساحرة تعشقُ السواد و تحبُّ أن تراه بكلِّ مكان إلا إنَّ قدراتها العجيبة لم تُسعفها لأكثر من أن تسحر الأنسجة و أن تُلبِّدَ السمَّاء بالغيم.

علَّقت الفراشات ثيابَ بُراق السَّماء على المنائرِ النَّائمة فإستيقظتْ من غفوتِها. و نَثَرتِ اللؤلؤ والزُمرد من أذيالِ الفساتين على الحُقول المُنبسطة فأنبتت قمحاً و ذُرة. و سَكبت لمعةَ الأقمشة على البُحيرات فتعبدَّت أبصالَ و زنابقَ ماء. حتى دكاكينُ المدينة بَطُل عنها السِّحر و عادَت لأقمشتِها الألوانُ و الزَّخارف.

فرحَ الناسُ بالتغييرِ الذي حصل بمدينتهم. فقرروا أن يحتفلوا فنَصبوا سُرادِقاً كبيراً بساحتها، و أعدُّوا لمهرجانٍ كبير و سباقٍ للخُيول.
تجمَعَتِ الأحصنةُ المُلونة من سربِ العربات و بدأ السِّباق.
راهَنَ الحُوذي على الحِصانِ الأزرق. و راهَنَ النَّاسُ على أحصنةٍ أخرى. كلٌّ حسب ما إرتأى و تصوَّر. تسابقتِ الخيول و صَدَحَ صوتُ الحوذي من تحتِ شُرفة بُراقِ السَّماء:

- لقد أسرجتُ كُلَّ خُيولي نحوك. سألتكِ بالشُموسِ و الأقمارِ ألا ترديني!

لكنَّها لم تسمعه.

وَسَط جَلجلةِ الحُشود و وَقْعِ حوافرِ الخيل تسارَعتِ الخُطى و تسارعَ التصفيقُ و التهليل، فتسارعِ نبضُ الحوذي، ليتناوبَ بصرهُ بين مكانين. تارةً على الحِصانِ الأزرق و أخرى على شُرفةِ بُراقِ السَّماء.

حتى وقَعَتْ عيناه على حِصانِه و هو يخسرُ السِّباق!
لقد خَسِر الحِصانُ الأزرق و خَسِر معهُ الحوذي الرِّهان. فلم يكن رُغم زُرقته و جماله فَرَساً أصيلاً بل حِصاناً خُرافياً ليس لهُ إلا أن يهِبَ الحلوى من طبقاتِ جِلده لكلِّ من لامَسَهْ.

بقلم: س. س.



#سارة_سامي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نيسان الكاذب
- مغناطيسية عطر


المزيد.....




- -السيد لا أحد ضد بوتين-.. فيلم قاد صاحبه إلى خانة -العملاء ا ...
- سوريا.. وفاة الفنان السوري عدنان قنوع
- وفاة الفنانة المصرية الشهيرة بـ-فاطمة كشري-
- وزارة الثقافة المغربية تتجه لوضع هندسة جديدة لمستقبل المسرح ...
- حفل توزيع جوائز الأوسكار يغادر هوليوود لهذا السبب
- شهوة الخلاص: لماذا يبحث الإنسان العربي عن نافذة نجاة؟
- بواقعية سينمائية.. إنفيديا تبدأ عصر -الذكاء التوليدي- في بطا ...
- إرث حضاري متجدد.. الجامعة العربية تحتفي بيوم الموسيقى العربي ...
- مساعد وزير الثقافة الإيراني: ترامب ونتنياهو يرتكبان الجرائم ...
- لإنقاذ تراث سينمائي متناثر: عمل جبّار ينتظر مؤسسة جان لوك غو ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سارة سامي - الحصان الأزرق