أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سارة سامي - مغناطيسية عطر















المزيد.....

مغناطيسية عطر


سارة سامي
كاتبة وشاعرة عراقية


الحوار المتمدن-العدد: 6850 - 2021 / 3 / 26 - 13:43
المحور: الادب والفن
    


س.س.

كنتُ أرتبُ حاجياتي القديمة حتى عثرتُ على صندوقٍ مُغلق. مسحتُ عنه غُبار سنواتٍ مضت و تركتُ أصابعي تتسابق لفتحه.
هناك كانت.. قنينةُ عطرٍ زجاجية طولية الشَّكل حمراءَ اللون. ما إن وقعت عيني عليها حتى تسرَّب العطرُ الى مساماتي فإتَّقدت ذاكرتي.
أتذكر إني خطوتُ نحو الباب و فتحته من مقبضه لتتجلى لي قاعةٌ دراسيةٌ ملأى بالطلاب. نظرتُ إليهم نظرةً خاطفة الى أن تعثَّر بصري بمقعدٍ فارغ يدعوني للجلوس.
لقد كانوا جميعاً من أصلٍ إسكندنافي. هكذا اخبرتني ملامحهم النَّاعمة و عظامهم الطويلة. إنتبهتُ الى إني كنتُ الوحيدة من بينهم من أصولٍ شرقية. و لسببٍ ما او لآخر كنت سعيدةً بذلك. فقد كان يعني ذلك بأني سأكون جزءً لا يتجزأ من نسيج هذا التجمع الأكاديمي، الذي يعِدُني بستِّ سنواتٍ من التلاقي اليومي.
إلتفتُّ من حولي.
من بين الوجوهِ الشاحبة كان وجهها الأكثر إشراقاً. وجهٌ يزهر بالإبتسامة و يزهو بالعُنفوان. منذ أول وهلة عرفتُ بأنَّها مختلفة، رغم إنَّ سماتها الأوروبية لم تكن يوماً محطَّ إنبهاري الكبير. فأنا لم أكن من أولئك الذين يحلمون بمصاهرةٍ غربية-شرقية فالرجل الأشقر ليس على لائحة الرجال الذين يحركون مشاعري. ذلك إن نصاعة البشرة و خلوها من مادة الميلانين الصبغية لا تزالُ بعيني من صفات الأطفال ووداعتهم. أمَّا هي فقد كانت أنثى. ملامحها الهادئة توحي بالبساطة و الطيبة وهنالك شيءٌ ما بها لم استطع يوماً ان أفسره، فهي المرأة الإسكندنافية الوحيدة التي ربطتني بها وشائج روحية، أشبهها بتلك الوشائج التي ربطتني بصديقة طفولتي. هكذا كنتُ أشعر.
أزلتُ صمام قنينة العطر ففاح شذاه أكثر فأكثر، خالجني ذاتُ الشعور وكأنني ولدتُ من جديد في مدينةٍ جديدة أعتلي بها منصة مرحلةٍ أولى من حياةٍ دراسيةٍ جديدة، لأشبِّه هذه الولادة بأيام تبرعمي كتوماليزا(1) عائمة على جدران الصف الأول الإبتدائي. و ربما لذلك كنت أشعر بأنِّي و "جولي" نعرف بعضنا جيداً ومنذ نعومة أظفارنا .
- من اي بلدٍ أنتِ؟
كان هذا السؤال الأول الذي دلنا الى أسئلةٍ أفقية و عمودية و مائلة حتى أصبحنا نتكلم في كل شيء و عن أي شيء. كنا نفترش الحشائش في حدائق الجامعة حتى تنطبع على سيقاننا بقايا خضراء من طين الدنمارك و حشيشه. أحببتُ كلَّ شيءٍ فيها. وجهها، ضحكتها و حتى مشيتها، رغم إنها لم تكن جداً جميلة، لكن عالمها كان جميلاً ومختلفاً. لوداعتها ورقتها كانت تترفق بالحيوانات وترفض أن يكونوا طعاماً على مائدتها. دعتني مراراً الى العشاء وكانت تطعمني العدس والبقول ولم أشعر يوماً بأن مائدتها ينقصها شيء.
كانت شقتها الكوبنهاغنية بحد ذاتها تيفولي (2) . شموعٌ في النافذة تنتظر من يتسائل ما قصتها؟ ففي ذوبانها تتراكم طبقات الشَّمع كفستانٍ من الدانتيلا البيضاء حول خصرِ راقصةِ باليه، حتى تخطف بصرك جداريةٌ تتسلَّق الحائط المقابل لشارعٍ أخضر يحتضنُ أشعةَ الشَّمس بضربات فرشاةٍ متقنة و كأنها ضرباتُ أصابع فنانٍ باريسي، الا إن التوقيع أسفلها يُفصحُ عن سرٍّ جديد عن صاحبة اللوحة. فلم تكتفِ صديقتي بأن تكون طباخةً ماهرة وطالبةً بكلية الطب بل تجاوزت ذلك لتكون رسامةً بارعة.

- ما أنتِ؟ كم تبدعين في صُنع أشيائك؟
-تعالي أريكِ فستان زفافي لقد خطته بنفسي.

لم تمض ثوانٍ حتى جلبت ألبوماً للصور. كانت في عرسها ترتدي فستاناً أبيضاً من قطعتين. و حذاء رياضة.

-ماهذا ؟ حذاء رياضة في عرسك يا جولي؟
-لا تضحكي فقد ذهبت الى حفل زفافي بالدراجة الهوائية فكيف تريديني أن أستقلها بكعبٍ عال!؟

بحفلةِ عيد ميلادها كنَّا حفنةَ بناتٍ تجمَّعنا حول مائدةِ فطور، نعم فهذه هي الطريقة الدنماركية للإحتفاء بصاحب الميلاد .حفلةُ فطور مع كراتِ الخبز و الزُبدة.
لا أبالغُ إن قلتُ بأنَّ كلَّ شيءٍ على مائدة الفطور تلك كان من أصلٍ نباتي، فحتى البيض لا تأكله جولي.
لشدة شغفها بالطبخ اللاحيواني كانت قد جمعت كلَّ وصفاتها النباتية بكتابٍ للطهي و قد وهبتني نسخةً منه. جبنٌ مصنوعٌ من حليب فول الصويا، أطباقٌ مستلهمة من المطبخ الهندي، و بدائل للبيض من الموز و حليب اللوز. فلكلِّ منتجٍ حيواني في ذلك الكتاب بدائلٌ نباتيةٌ صرفة.
لحُبِّها للنباتات أهديتها في عيد ميلادها كتاباً عن القيمة الغذائية لكلِّ نبتةٍ مأكولة و قد فرحت به كثيراً. الا إني أشكُّ بأنها تحتفظ به ليومنا هذا فجولي دنماركية الطباع الى حدٍ كبير. هذا يعني بأنها تكبُّ كلَّ شيء لا تحتاجه فقد سمعتُ منها مرة بأنها قد ألقت بكلِّ صور طفولتها و رسوماتها بمكبّ النفايات فلك أن تتخيل!
حين تتجول أكثر في شقة جولي ستعرف بأن التي أمامك مجنونة فهي تحتفظ بحليها على حائط الحمام بخيطٍ تتدلى منه أساورها و أقراطها الى الجانب من" المرحاض". و كأنَّ حائط الحمام واجهةُ محلٍّ للذهب. وحين تسألها عن ذلك مستغرباً تجيبك بأن الذي يدخل الى الحمام يحتاجُ أن يُسلِّي نظره بشيء.
اما سقف صالتها فقد كانت تتوسطهُ ثريةٌ مصنوعةٌ من حزم الجواربِ الشفافة التي تتدلى كضفائرٍ من السَّقف لتُظلِّل بألوانها الترابية وهج مصباحٍ ينصِّفها.

رششتُ من العطر على رقبتي. أتذكر إنها كانت تفوحُ به كلَّ صباح حتى سألتها عن إسمه فإبتعته أنا أيضا. عطرٌ فرنسي المنشأ شرقي النكهة يشبه بتطرفه "بوازون" من
سلسلة كريستيان ديور، غير إنه لم يكن ينتمي لهذه الفئة. كان مغناطيسياً بطريقته و كأنَّ حفنة توابل تتفجر بأنفك.

كان عالمها مليئاً بأشياء تُشبهها وخياراتها في الحياة بدت مُلوَّنة كعُلب التوابل الهندية التي تصطَّفُ على رفوف مطبخها، أكزودية(3) و لاذعة وفي تمازجها خلقت ما شابه في جماله فسيفساء من الزجاج الملون. تماما كما كانت تنتقي أصدقائها من كل شكلٍّ ولون، إلا إن شغفها بالداكن المعقوف كان جلياً، فحين قررتِ الإنجاب لم تنجب الا من رجلٍ هندي حالكِ السُحنة خشنِ الملامح، لمحتهما في صورةٍ معاً على سفوح الهمالايا.

-----------------------------------------------------------------------------------------

(1) توماليزا Tommelise شخصية من أقصوصة للاطفال كتبها الكاتب الدنماركي هانس كريستيان أندرسن عن فتاة صغيرة تولد من رحم زهرة.

(2) تيفولي Tivoli حديقة ترفيهية عريقة تتوسط العاصمة كوبنهاغن أنشأت عام ١٨٤٣ و تعدُّ ثالث أقدم حديقة و مدينة ألعاب في العالم.

(3) إكزودية من Exotic الشيء المائل للندرة و الغرابة

إلى "جولي مايفريد" الدنماركية السمراء.






أضواء على تاريخ ومكانة الحركة العمالية واليسارية في العراق،حوار مع الكاتب اليساري د.عبد جاسم الساعدي
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- مصر.. الكشف عن تطورات الحالة الصحية للفنان سمير غانم
- شاهد: الاستعدادات الأخيرة قبل فتح دور العرض السينمائي في فرن ...
- من أسرار رائدات الأعمال: أتقن بنفسك القيام بكل جوانب عمل شرك ...
- إيلين ديجينيريس تعلن نهاية برنامجها الحواري بعد 19 عاما من ا ...
- ساحل العاج ... جمعية مغربية توزع مساعدات غدائية لمهاجرين مغا ...
- يوميات رمضان من غزة مع الشاعر الفلسطيني سليم النفار
- مجلس الحكومة يصادق على إحداث الوكالة الوطنية للمياه والغابات ...
- المصادقة على مشروع مرسوم بتحديد التعويضات والمنافع الممنوحة ...
- الشعب يريد والأيام تريد...والله يفعل مايريد!
- رواية -رأيت رام الله- للشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سارة سامي - مغناطيسية عطر