أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الفقي - تسليع البطولة في مسلسل (الفتيان)















المزيد.....

تسليع البطولة في مسلسل (الفتيان)


محمد الفقي
ناقد وروائي

(Mohamed Elfeki)


الحوار المتمدن-العدد: 6859 - 2021 / 4 / 4 - 19:38
المحور: الادب والفن
    


موضوع مسلسل (The Boys)، أو (الفتيان: الموسم الأول 2019، الموسم الثاني 2020، الموسم الثالث 2021) هو فساد الأبطال الخارقين الذين يسيئون استخدام قواهم الخارقة في ارتكاب الجرائم، وعجز القانون عن عقابهم، ولذلك يأخذ مجموعة من المواطنين (الفتيان) على عاتقهم واجب كشف هؤلاء الخارقين الفاسدين للرأي العام، وللقانون، بغية إيقافهم عند حدهم، ومعاقبتهم.

يدخلنا المسلسل مباشرة، ومنذ المشاهد الأولى من الحلقة الأولى، في القضية: البطل الخارق (القطار) يتسبب في مقتل فتاة بريئة. ثم نبدأ في التعرف على جرائم بقية مجموعة (السبعة) الخارقين: القائد (هوملاندر) الأشبه بسوبرمان، الشرير، القاتل المتسلسل، العنيف، والنرجسي. (الملكة ميف) المثلية، وقليلة الحيلة، والمحبطة من جرائم هوملاندر. (القطار) المدمن. (العميق) المتحرش بالنساء. (بلاك نوار) القاتل السادي. ثم فيما بعد في الجزء الثاني، (ستورمفرونت) النازية المتعصبة التي تعتنق أفكار تفوق العنصر الأبيض.

هؤلاء الخارقون السبعة هم ملك لشركة (فوت)؛ والتي هي شركة أدوية وتكنولوجيا عملاقة على الطريقة الأمريكية، قامت باختراع (المُركب في)، الذي يحقن في الأطفال الصغار، ويؤدي إلى إكسابهم قدرات خارقة متنوعة ومختلفة. إن الأبطال الخارقين ليسوا نتيجة ولادة طبيعية، ولكن نتيجة صناعة في المختبر، أو اصطناع بتعبيرات بودريار؛ نسخة مزيفة من الواقع، تصبح أكثر واقعية من الواقع نفسه.

الخارقون في المسلسل هم فاسدون للنخاع؛ يعتدون جنسياً على المعجبين بهم، ويقتلون المارة بتهورهم، ويفجرون المباني والسكان بداخلها، ويسيئون استخدام قوتهم وسلطتهم عموماً لتحقيق مكاسب شخصية. بل ويتسببون في كوارث ومجازر ومذابح جماعية لكي يقنعوا الجماهير بضرورة وجودهم لتحقيق الأمان للعالم؛ أي لإعادة إنتاج أنفسهم.

إن الهدف الأساسي للمسؤولين التنفذيين في شركة فوت، ليس تعزيز الخير ومقاومة الشر والدفاع عن الأبرياء، ولكنه أولاً وأخيراً، زيادة أرباح الشركة، ورفع قيمة أسهمها في السوق، عن طريق تسليع البطولة؛ تحويل البطولة والقدرات الخارقة إلى سلعة مدرة للأرباح. والهدف الأساسي للأبطال الخارقين، أنفسهم، ليس الدفاع عن المظلومين ومطاردة الأشرار، وإنما حصد الإعجاب على السوشيال ميديا. وحتى قيامهم ببعض المطاردات للقبض على اللصوص أو المجرمين، هو في الأصل لتصوير هذه المطاردات، وبثها على وسائل التواصل الاجتماعي، لنيل المزيد من اللايكات. وكأن لسان حال الأبطال الخارقين يقول لنا: ماتت السياسة، فلتحيا الدعاية!

ولأن سعي الخارقين (مجموعة السبعة) في شركة (فوت) الاستثمارية هو لإعادة إنتاج أنفسهم، وليس حل مشاكل المجتمع، فإن زعيمهم، هوملاندر، يقوم بتسريب (المُركب في) الخارق، إلى مجموعة من الأشرار (طبعاً في الوطن العربي وفي شرق آسيا، كعادة هوليود) من أجل اصطناع أعداء من الإرهابيين ذوي قدرات خارقة، ثم يتصدى لهم هوملاندر في النهاية، بوصفه حامي أمريكا والعالم من الأشرار الذين يهددون بتدمير العالم.

إن شركة (فوت) الاستثمارية وأبطالها الخارقين، يجعلون من البطولة مجرد بزنس، ويجردون قيم البطولة إلا من بعدها الاقتصادي، في عالم تزول فيه الحدود الفاصلة بين الخير والشر.

في الجهة المقابلة، فإن (الفتيان)؛ أي المجموعة التي تتصدى للخارقين الفاسدين، والتي يقودهم بيلي بوتشر، تبدو مثل اللجان الشعبية التي تتولى مهمة توطيد النظام ومعاقبة المجرمين في المجتمعات التي تعجز أنظمتها القانونية عن ذلك. وتشتد العزلة التي تحيط بالفتيان عندما يزداد الدعم الحكومي لمجموعة السبعة الخارقين ويتم الموافقة على انضمامهم إلى الجيش الأمريكي، بينما يصبح الفتيان أنفسهم مطلوبين جنائياً من قبل النظام.

يبدو الصراع بين الخارقين، وبين جماعة الفتيان، شبيهاً بالصراع في كتاب توماس فريدمان عن العولمة (السيارة ليكساس وشجرة الزيتون، 1999): السبعة الخارقون هم مثل السيارة ليكساس العصرية الفاخرة السريعة، بينما يمثل (الفتيان) شجرة الزيتون بقيمها وميكانزماتها القديمة. ويظهر هنا الجنون في تصدي حفرية تاريخية كشجرة الزيتون للسيارة ليكساس رمز العولمة النيولبرالية، هذا الجنون الذي تكون نتيجته المرض على المستوى الشخصي؛ الفصام على طريقة رواية ستيفنسون (دكتور جيكل ومستر هايد). إننا نرى الفتيان وهم يعانون من هذا الفصام، فهناك الجانب العاقل والخير مثل دكتور جيكل، والجانب القبيح والعنيف مثل مستر هايد.

لا ينجح الحل الفردي على الطريقة الهوليودية، ولا حتى حل الجماعة المتميزة المنغلقة على نفسها، لأن النظام نفسه يعاكسها، ويُفشل خططها ومساعيها. وبدلاً من التطهر الأرسطي الذي يعقب السقوط في الدراما التقليدية، يستمر النظام في المسلسل بلا ذرة تطهير، ولا أية انتصارات، اللهم إلا للمتوافقين معه. ولذلك لا نصل إلى نهاية أخيرة، ولا إلى أية نتيجة، ولكن ندور في حلقات مفرغة، لا تعود بنا إلى البداية، ولكن إلى مزيد من التدهور.

إن شركة (فوت) هي التي تتحكم في المجتمع الأمريكي، بل وفي العالم أجمع. رأس المال هو الذي يتحكم في الواقع الاجتماعي والسياسي، وليس العكس. بالمصطلحات الاقتصادية: رأس المال هو الذي يحرك العرض؛ أي الجماهير. ولذلك فإن عنف وفساد شركة (فوت) يبدو أكبر من عنف الأبطال الخارقين السبعة، لأنه عنف مؤسسي وهيكلي؛ أي أنه هو المحرك للعنف الفردي.

والمسلسل، بمصطلحات فوكو، هو عن العلاقة بين السلطة والمقاومة، أو القانون وانتهاكه. والسلطة هي التي تولد المقاومة لذاتها (الأبطال الخارقين الذين ينضمون أخيراً إلى مجموعة الفتيان ويشاركونهم في المقاومة). وفعل المقاومة نفسه هو الذي يدعم السلطة في النهاية، لأنه في نهاية كل موسم، ينتهي الأمر بأن يزداد السبعة الخارقين سلطة ونفوذاً.

من أجمل المشاهد في المسلسل، تلك المشاهد التي نرى فيها فريق العلاقات العامة بشركة (فوت) وهو يتحكم في الخارقين السبعة، واستخدام اسماءهم وصورهم كعلامات تجارية لسلع غذائية واستهلاكية؛ من أول أكياس الأطعمة المجمدة، إلى الملاهي والمتنزهات، والأفلام التي يمثلون فيها بشخصياتهم، ومؤتمرات الدعاية الدينية، وألعاب الفيديو التي تحاكيهم، والبوسترات والنماذج المصغرة لشخصياتهم، وهلم جرا. ويبدو أن تلك الأنشطة الدعائية والتمثيل في الأفلام هي الأنشطة الرئيسية للسبعة الخارقين، في حين يأتي القبض على المجرمين كأنشطة استثنائية يقومون بها في أوقات فراغهم.

إن مسلسل (الفتيان) يقدم لنا عرضاً عن أمريكا المعاصرة مموهة في أزياء الأبطال الخارقين السبعة. كوميديا سوداء حول فكرة اختباء الشر وراء الشوفينية الوطنية، وأن أمريكا يتحكم بها سوبرمان مختل عقلياً. هجاء ثقافي وسياسي للممارسات الأمريكية التي تدعي أنها تسعى لأن تجعل العالم أكثر أمناً، في حين أنها تجعل العالم، فعلياً، أكثر خطورة وغارقاً في الفوضى. وهجاء للثقافة الشعبية، والسوشيال ميديا، وكراهية الأجانب، وتلاعب القوى اليمينية بالجماهير وما ينتج عنه من صعود للفاشية.






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيلي وايلدر.. الإنسان والقناع
- الفصل الأول من رواية الخرتية
- الطفيلي في النيولبرالية
- نأسف للإزعاج
- ديفيد لنش.. البحث عن الذات
- عضو الكوكلوكس كلان الأسود
- ياسوجيرو أوزو.. فن التثبيت
- قواعد اللعبة
- مايكل أنجلو أنطونيوني.. ظاهريات الغياب
- هتشكوك.. الإنسان بوصفه طريدة
- نموذج للسخافة الهوليودية في عصر النيولبرالية
- عن اللوحة الاستهلالية لفيلم المومياء
- البطل الهوليودي في عصر النيولبرالية
- تشارلي .. فسيولوجيا الإنسان الأول
- سينما جان بيير ملفيل.. أزهار الشر
- لماذا نعارض إصلاح السيسي؟ - (2)
- لماذا نعارض إصلاح السيسي؟ - (1)
- عن سينما أندريه تاركوفسكي
- كافكا والأمل
- دوستويفسكي والألم


المزيد.....




- نواب أوروبيون يواجهون تضليل الجزائر والبوليساريو
- ابنة سعيد صالح تعلق على عرض مسرحية -مدرسة المشاغبين- بالألوا ...
- حلقة لم الشمل من -فرندز- تعرض نهاية الشهر الحالي
- -عاصمة العالم الثالث-.. مذكرات زمن حركات التحرر من الاستعمار ...
- لطفي بوشناق: القضية الفلسطينية هي كلمة حق وقلتها.. ولو كلفتن ...
- مصر.. فنان يتعرض للتنمر بسبب صورة ويستنجد بالفنانين لإنقاذه ...
- تدهور الحالة الصحية للفنانة نادية العراقية في مصر
- نجمة سينما روسية تنطلق إلى الفضاء
- روسيا تتحضر لتصوير فيلم في الفضاء الخارجي
- بيع لوحة للفنان كلود مونيه بأكثر من 48 مليون دولار في مزاد أ ...


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الفقي - تسليع البطولة في مسلسل (الفتيان)