أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الفقي - الفصل الأول من رواية الخرتية















المزيد.....



الفصل الأول من رواية الخرتية


محمد الفقي
ناقد وروائي

(Mohamed Elfeki)


الحوار المتمدن-العدد: 6802 - 2021 / 1 / 31 - 14:37
المحور: الادب والفن
    


لتحميل نسخة مجانية من الرواية:

https://www.4shared.com/office/eDYOiuqEea/_--__.html

الفصل الأول- رواية الخرتية- محمد الفقي

سامح

1

في صالة الشقة التي كان يتعين عليه إخلاؤها في صباح اليوم التالي، كان سامح جالساً على كرسي الفوتى المواجه لترابيزة التلفزيون المغلق والملاصقة للحائط الشمالي. على يسار سامح باب الشقة. كل شيء مرتب ونظيف بالرغم من اضطراره لمغادرة المكان غداً. لا فوضى ولا قذارة. أمضى ليلة أمس وجزء من نهار اليوم في حزم أمتعته في حقيبتين من القماش؛ واحدة كبيرة للأشياء التي سيخزنها في بيت أخته مؤقتاً، والثانية أصغر للضرورات التي لا يمكنه الاستغناء عنها.
قميص أبيض سن الفيل بكم طويل فان هاوزن. وآخر رصاصي فاتح بيير كاردان. بلوفر أصفر كناري تريكو هاند ميد مصري ياقة سبعة مسوَّرة بلون أسود. وأخوه أسود وسبعته مسوَّرة بلون أحمر. بنطلون جينز جاب سماوي. ماكينة حلاقة بلاستك جيلت. معجون حلاقة إنجرام أزرق. معجون أسنان سجنال بلس. فرشاة أسنان بشعر متوسط الصلابة. فرشاة حلاقة صنع إنجلترا. زجاجة عطر فهرنهايت كرستيان ديور مائة مل ممتلئة لأقل قليلاً من نصفها. إشراقات لفالتر بنيامين بالانجليزية. أربعة أزواج جوارب سوداء. باكت أمبرليف أصفر مبرشم. أربعة دفاتر بفرة أوتومان. قاموس المصباح المنير. شريط فياجرا زرقاء خمسون مجم أربعة أقراص ناقصة قرصاً. القصر لكافكا. شريطان ريفو ثلاثمائة وعشرون مجم كل شريط عشرة أقراص. شريط أقراص نصَّار المُسهِّلة ثمانية أقراص. علبة أقراص فوارة ألكا سلتزر تصنيع باير الألمانية مضادة للحموضة ثلاثون قرصاً. خواتم اثنان لأنسي الحاج. مزيل عرق فا بلية برائحة ليمون الجنة خمسون مل ممتلئة لثلثها. علبة أخلة أسنان. علبة َقطِيلات للأذن. إسفنجة تلميع أحذية كراون. كراسة ورق أبيض مسطر بدون سلك واحد وعشرون سم في تسعة وعشرين وسبعة من عشرة سم ثمانون صفحة أحمر سادة. مقص أظافرإنجليزي ستانلستيل. مبرد أظافر إنجليزي ستانلستيل. ملقاط شعر ألماني تِتانيا. قلم حبر جل أسود. قلم حبر جل أحمر. قلم ماركر برتقالي. علبة كريم نيفيا زرقاء مائة مل. قاموس إنجليزي إنجليزي كولنز للجيب. اثنان بوكسر جل أبيض. فانلتان داخليتان حمالات جل أبيض. أصل الأخلاق وفصلها لنيتشه. ترينج سوت أديداس قطعتان أزرق غامق بشريط سماوي على الجانبين من الإبط إلى القدمين مكتوب بالانجليزية على النصف الأيمن من الجاكت بالبرتقالي أدي ثم السوستة ثم النصف الآخر داس. شريط كاتافلام مائة مجم عشرة أقراص. علبة فانجيكان مائة وخمسون مجم بها شريطان كل شريط به قرص واحد. باكو مناديل فلورا بيضاء معطرة برائحة الليمون عشرة مناديل ناعمة ثلاث طبقات. في العنف لحنة أرندت. باكو واقي ماي سويت هارت أحمر ثلاث قطع لارج.
سامح جالس على الفوتى الجلدي المريح في الصالة الصغيرة والتي هي أيضاً غرفة المعيشة. أمامه فنجان قهوته. بين إصبعيه الأيسرين الوسطى والسبابة سيجارة لف مشتعلة. على يساره على الأرض وبجوار الفوتى عمودان متلاصقان أحدهما لجرائد، والآخر لمجلات أجنبية، تركتهم ميشِل خلفها. في يده عدد قديم لجريدة الجارديان من الخريف الماضي صادر في الثامن والعشرين من أكتوبر عام ألفين. يقرأ بانتباه ووعي.
أخذ نفسين عميقين متتاليين من السيجارة حتى ينهيها. ثم أطفأها في منفضة السجائر على المنضدة أمامه. تناول فنجان القهوة وارتشف بتلذذ آخر رشفة قهوة. أعاد الفنجان الفارغ لطبقه. وتناول كوب الماء المترع من على يسار الفنجان وشرب نصفه متمضمضاً أربع مرات ليغسل فمه وأسنانه من ثمالة البن.
تناول من على المنضدة، من على يمين فنجان القهوة، كراسة تدويناته التي هي أخت الكراسة الحمراء القابعة في شنطة الضرورات. والقلم الحبر الجل الأسود الذي كان بجوار الكراسة والذي هو أخو القلم الحبر الأسود القابع في شنطة الضرورات.
وضع مأبض ساقه اليمنى على ركبته اليسرى. وسند الكراسة على ركبته اليمنى في وضع مناسب للكتابة. وشرع يكتب ملخصاً بالعربية لخبر بالجريدة الانجليزية. كتب أولاً في بداية الصفحة رقم عدد الجارديان، ثم اليوم والشهر والسنة التي صدر فيها.
في جزر برمودا اصطدمت نفس سيارة الأجرة بشقيقين فقتلتهما بفارق زمني عام على حادثة كل منهما. ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً بالتمام والكمال. نفس سيارة الأجرة كان يقودها في المرتين نفس سائق الأجرة. وكان معه نفس الراكب في المرتين. وكان السائق يقل الراكب من نفس المكان إلى نفس المكان في كلتا الحادثتين. والشقيقان القتيلان كان كلاهما يستقل نفس الدراجة الهوائية عندما وقعت الحادثة. الحادثة الأولى توفي فيها لورانس آيبن وهو في السابعة عشرة من عمره. وتوفي نيفِل آيبن بعده بسنة في نفس المكان وهو في السابعة عشرة من عمره.
المجد لله في الأعالي!
انتهى سامح من الكتابة. أغلق الكراسة. وأنزل ساقه اليمنى. ووضع الكراسة مكانها على المنضدة وفوقها القلم. ومن على سطح المنضدة، بعد فنجان القهوة الفارغ، تناول طبق التبغ المدور الذي به باكت تبغ أمبرليف وبفرة أوتومان وحزمة الفلاتر الكرتونية والولاعة الزيبو الفضية بالبنزين. وضع الطبق على ركبتيه المضمومتين وشرع في لف سيجارة جديدة.
اللف قبل التدخين. التسليك قبل الفتح. هناك دائماً شيء قبل الشيء. هذه هي الحياة. والعيشة والمعيشة والمعايش.
سحب مستطيلاً كرتونياً من حزمة الفلاتر الكرتونية ثلاثة سم في اثنين سم. لفه بسرعة على شكل أسطوانة ضيقة. ثم فتح دفتر البفرة وسحب ورقة أمسكها بين السبابة والوسطى الأيسرين. وفتح باكت التبغ والتقطت يمناه بالسبابة والإبهام والوسطى كمشة مكورة من شعر التبغ المفروم الأشقر الكهرماني. فرد التبغ على طول ثلثي ورقة البفرة بالعدل. ثم وضع أسطوانة الفلتر الكرتوني في الذيل. ولف ورقة البفرة لفة لعوقة بالثلاثة أصابع الأولى لكلتا يديه. لعق بطرف لسانه طول طرف الورقة الخفيفة الخالية من الصمغ. ثم أحكم إقفال السيجارة. ثم لعق لعقة إضافية على طول السيجارة الملفوفة.
رفيعة دائماً. نكهتها أحلى هكذا. بفلتر كرتوني دائماً. نكتها أحلى هكذا. ثمانية ملجرام قطران وستة من عشرة ملجرام نكوتين. واللعقة على طول السيجارة الملفوفة لزوم التطرية والحرق البطيء.
أشعل سامح السيجارة بالولاعة الزيبو الفضية. وسحب نفساً عميقاً احتفظ به لثلاث ثوان في صدره، ثم نفثه من أنفه.
النفث دائماً من الخياشيم. أحلى نفس أول نفس.
في النفس الثاني صلصل جرس الباب. ليست مفاجأة لأنه يعلم من خلف الباب. قام واتجه لباب الشقة. فتحه ورحب برجب مصافحاً إياه. وكامليا مقبلاً إياها على الوجنتين.
ازدادت جاذبية مؤخراً! لم نتقابل منذ أن سافرت للتصييف في فرنسا. وللتبضع أيضاً. خمرية والمصيف الفرنساوي زادها حلاوة! بنطلون جينز أزرق بلون سماء الشتاء محبوك على أردافها. وجاكت كارو أحمر بمربعات أبيض في أسود. جميل. لابد وأنه من باريس.
دخل رجب وكامليا. وأغلق سامح الباب خلفهما والابتسامة على وجوه الثلاثة. رجب صديق لسامح منذ عدة سنوات. في منتصف العشرينيات. ببنطلون جينز كحلي وجاكت أسود جلد منفوخ أمريكاني هدية من صديقته الأمريكية التي يرافقها الآن. ناول رجب سامح شنطة بلاستك. فتحها سامح وهو ممسك بها وألقى نظرة على الثلاث علب بيرة هاينكن خمسمائة مل.
حركة حلوة من رجب! لا يدخل بيديه خاليتين. حتى وإن كان مفلساً. لا تصدر مثل هذه الحركات عن كامليا.
جرت بين الثلاثة مجاملات وتحيات سريعة وهم واقفون. بقالنا كتير ماشفناكيش يا كوكي معلش كنت مسافرة يا سموحة وبعدين انشغلت في الشغل لا ولايهمك يا جميل المهم اننا شفناكي على خير اتفضلوا يا جماعة خدوا راحتكم البيت بتكم ها جيب كوبايات من جوه حد عايز حاجة من المطبخ لا يا باشا ألف شكر ما تتعبش نفسك كامليا لازم تنزل قوام عشان فيه ضيوف جاينلها.
دلف سامح بسرعة إلى الطرقة ناوياً إحضار ثلاث أكواب زجاجية طويلة لشرب البيرة. رجع وهو يحمل الأكواب متلبسين فوق بعضهم البعض فلم يجدهما في الصالة. رأى باب غرفة النوم مغلقاً فابتسم في تواطؤ.
في مثل هذه المواقف أنا ورجب نفهم بعضنا بشكل ممتاز. دخول المطبخ فسحة للاختفاء عن الأنظار حتي يسحب هو كامليا للسرير. برغم العشرة الطويلة إلا أن بها تصنعاً شرقياً دائماً في البدايات! أعرف أنها متأكدة أننا سنتناوب عليها. لكن ربما ليست متأكدة إن كنا سنفعلها معها أنا ورجب في نفس الوقت أم لا؟ تتمنى بالطبع! كلهن يتمنين يا ولد!
طرأ على بال سامح أن ذاكرته تحتفظ بذكرى تعرف رجب على كامليا بأقوى من ذكرى تعرفه هو شخصياً عليها.
غريب أمر الذاكرة! الاسترجاع اللاإرادي لما لم يحدث لك شخصياً أقوى من الاسترجاع الإرادي لما حدث لك شخصياً. شالله يا بروست!
حدث الأمر مع رجب منذ عام تقريباً. كامليا مشهورة بانتقاء الذكور الذين يعجبونها. ثلاثينية ثرية شهوانية لا تشبع أبداً. فرسة جامحة قادرة على إنهاك فحولة الفحل المستفحل. متزوجة من ثري فاحش الثراء صاحب مصانع ستكرز متواضع الذكورة. بطاقات ذاتية اللصق توضع على كراسات التلاميذ. وأخرى على عبوات الأغذية والحاويات الصناعية والكيميائية والزراعية وهلم جرا. الستكرز تعمل الثروة دي كلها؟ سبحان الله!
قال أحمد فرحات مرة إن فؤاد منير طلب مقابلته وأرسل له سيارة خاصة بالسائق، وحين ذهب إليه في قصره بعزبة المنصورية، جلست كامليا أمامه بفستان ميكرو جيب يُظهر كامل فخذيها العاريين. قال إنه رأى لباسها وهي تعتدل وتبدل من وضع ساقيها. وأمام زوجك يا كوكي! هل يا ترى هو من أولئك الذين يحبون مشاهدة زوجاتهم يفعلنها مع غريب أمام أعين الزوج؟ ربما.
فؤاد منير الأربعيني النحيل الألدغ في الراء سأل أحمد فرحات عن قوة التيار الإسلامي في مصر. يبدو أن الأمر كان يشغله لسبب ما. سبب عملي بالتأكيد. قال أحمد فرحات إنه قال له ضمن ما قال أن يشكر الرب لأنه لا توجد انتخابات حرة ونزيهة في مصر وإلا لوصل الإسلاميون إلى الحكم. قال إنه أشار إلى وركي كامليا العاريين وقال ضاحكاً ولو مسكوا الحكم ها يغطوا كل ده بالستكرز بتاعة جوزك! قال إنهم ضحكوا كثيراً. وقال إنه اشتهاها لحظتها.
في أواخر الشتاء الماضي كنت أتسكع بلا هدف في باب اللوق متأملاً في أفكار مشوشة بخصوص المستقبل والمال. وهل يوجد غيرهما يشوش مثلي! دخلت مقهى الحرية ولمحت رجب جالساً هناك مع تلفيق شرور. كان يجلس مهموماً مطرق الرأس وهيئته كمن حلت به مصيبة، وتلفيق شرور يضحك قابضاً على زجاجة بيرة ستلا على المائدة أمامه كأنه يخاف أن يخطفها منه أحد. كان يقول لرجب شيئاً لم أتبينه حين اقتربت، لكن من ملامحه أدركت أنه يسخر من الولد!
سلمت وجلست إلى جوار رجب في مواجهة تلفيق شرور الجالس على كرسي ملاصق لأحد عمدان المقهى. سألت عن الصحة والأحوال ثم سألت رجب عن سبب مظهره اليائس الذي لا يخفى على العيان. سكت رجب، لكن تلفيق شرور بادر بالشرح وابتسامة سخرية تملئ وجهه.
قال إن رجب قابل كامليا لأول مرة منذ يومين في حفلة عيد ميلاد الملحق الصحفي لسفارة فرنسا بالقاهرة، وأن رجب قد أعجبها من النظرة الأولى. وهي نظرتها نظرة خبيرة والحق يقال!
ولم تنقض الحفلة إلا وكان الاثنان قد تواعدا على اللقاء في الصباح التالي في بيتها في جزيرة العرب بالمهندسين بعد أن يكون زوجها قد غادر إلى عمله في مصنع ستة أكتوبر. إلى هنا وكل شيء تمام وعال العال. كامليا مقبلة على مغامرة جديدة مع شاب صغير يبدو فحلاً من هيئته وعينيه الوقحتين اللتين كانتا تعريانها أثناء الحفلة.
صارحني رجب في ما بعد بأنه في تلك الليلة تمادى في الشرب وتجرأ على غرز إصبعه في مؤخرة كامليا وهو يتحرك ناحية البار لملء كأسه الفارغة. قال إن الإصبع، وفي وسط كل هذا الحشد في الحفلة، قد أهاجها! قالت له في ما بعد إنها قد بالت لحظتها من الشهوة!
من معرفتي بكامليا قسماً عظماً لو وجدت مكاناً آمناً ليلتها ما صبرت حتى الصباح!
بالنسبة لرجب كامليا فرصة كبيرة. هدية من السماء الرحيمة! كهدايا السماء الرحيمة للبطل الصالح في أفلام نجيب الريحاني. زوجة واحد من أكبر أثرياء مصر. وهي نفسها غنية جداً! من عائلة عريقة في الثراء. والسلطة. لابد وأنه فكر بأنه لو استطاع إسعادها قد تصبح صديقته المستديمة ويصبح هو رفيقها السري المستديم. بشرط أن يعرف كيف يجعلها لا تستطيع الاستغناء عنه. وفي ذلك تكمن موهبة الولد الصراحة!
الولد رجب من النوع الذي يعرف قدراته جيداً. يفهم النساء بالفطرة. فطرته عشرة على عشرة! يعرف أن هناك أشياء أخرى غير الجنس تحتاجها المرأة. حتى الشبقيات منهن ككامليا! شهوة الاعتراف. وهو ممتاز في الإصغاء الحقيقة! كاهن اعتراف صغير. معالج نفسي يُطمئن مرضاه. وديلر يحافظ على سرية زبائنه. ومرشد سياحي شاطر. وسمسار طبعاً! وأحياناً يمارس دور وسيط التعارف الجنسي بين الأصدقاء. ولا مانع حتى من تقديم خدماته لصديقته إن طلبت أن تجرب آخرين غيره. وكله على كله لما تشوفه قوله. لكن الرياح الرجبية لم تجر بما تشتهي السفن الكاميلية!
كان الولد في ما مضى يتحرك ضمن سواح القاهرة. سواح الصدفة! يرافق الأجانب والعرب متواضعي الحال. أنا من أدخلته لمجتمع المثقفين والفنانين الأجانب. الطبقة الوسطى الأجنبية في القاهرة!
يقضون هنا أوقاتاً أطول من سواح اليوم الواحد والأسبوع الواحد، وأحياناً يقيمون لسنوات عديدة. صحيح أنهم يعيشون في شقق أنيقة في وسط البلد، لكن ما شاهدته عينا رجب لما دخل شقة كامليا في المهندسين كان شيئاً مختلفاً لم يره من قبل! ليس اختلافاً كمياً فقط من حيث مساحة الشقة، ولكن الأهم هو الاختلاف الكيفي. النوعية والمستوى. عالم جديد يراه لأول مرة! حالما عبرت قدماه عتبة بابها انتقل من مجتمع الثقافة والفن إلى مجتمع الاقتصاد. دخل حرم رأس المال. وأي رأس مال يا ولد! رأس مال فؤاد منير!
أعرف تماماً بماذا أحس عندما وقف في صالة شقة جزيرة العرب! الصالة الواسعة. الواسعة جداً جداً! ورخام الأرضية الأبيض العاجي اللامع المستورد من إيطاليا. تنعكس صورتك جلية عليه وأنت واقف تقولش نرجس!
والحوائط البيضاء العاجية. كل هذا البياض يذكرني بالكفن، كل هذا يشيع بقلبي الوهن!
والإضاءة الخافتة المنبعثة من كشافات مدفونة في السقف والجدران. ورائحة الهواء المعقم كأنك في مستشفى. أو سفارة دولة عظمى! كل هذا يشيع بقلبي الوهن.
وتمثال هنرى مور الذي يواجهك حالما تعتب باب الشقة! تمثال عاجي لامرأة بلا رأس، جالسة وهي معوجة، وثدييها بالطول فوق بعضهما البعض! كل هذا يشيع بقلبي الوهن.
وعلى يسارك لوحة روكويل الكبيرة لطفلين أمريكيين مشردين. كل هذا يشيع بقلبي الوهن.
والأرائك الجلدية الأمريكية الوثيرة بلونها الأسود اللامع. والستائر السوداء المسدلة على نوافذ وهمية لا تفتح أبداً. كل هذا يشيع بقلبي الوهن. والدامجانات البنية الضخمة على الأرض. قوارير أدوية مضخمة لمائة مرة تخرج من فوهاتها أغصان نباتات محروقة! كل هذا يشيع بقلبي الوهن.
والمنحوتات الصغيرة هنا وهناك لشخوص تشبه إنسان جياكومتي، وكلها ترفع رؤوسها للسماء وأيديها مدلاة لأسفل في تسليم! كل هذا يشيع بقلبي الوهن. كل ده ومش عاوز البلبل يعطل!
هل يا ترى تعرف كامليا تأثير شقتها على أمثالنا من الرجال الغلابة؟ ربما. هل تستمع برؤية الذكور الذين تجلبهم إلى شقتها يتعطلون من رؤية ثرائها! ربما. كايدة كيادة كامليا دي!
طيب! إذا كان الرجال يرتخون من رؤية شقة المهندسين، والتي هي في النهاية مجرد استراحة لها ولزوجها، فما بالك لو قدر لهم الحظ رؤية قصرهما في عزبة المنصورية؟
محب يقول إن فؤاد منير يملك مجموعة نادرة من اللوحات والمنحوتات الأصلية التي لا تقدر بثمن. ورث بعضها عن منير باشا، وأضاف لها مقتنيات جديدة من منشآته هو. محب يقول إن لديه من ضمن المجموعة التي يحتفظ بها في قبو القصر، الذي لا يدخله إلا هو فقط، حتى كامليا نفسها لا تستطيع دخوله إلا برفقته، ثلاث لوحات أصلية لسلفادور دالي، ولوحتان لبيكاسو، وأيقونة للمسيح بملامح تشبه الجيوكاندا من رسم ليوناردو دافنشي. ليوناردو دافنشي حتة واحدة! أو ربما كانت من رسم أحد تلاميذه تحت إشرافه في ورشته الخاصة، من يعلم! محب يقول إن خبراء اللوحات في العالم يعرفون بأمر هذه اللوحة المجهولة لدافنشي والتي يجهلها العامة. قال إنه ألح عدة مرات على كامليا لتسمح له برؤية الأيقونة بأم عينيه، لكنها تخبره في كل مرة بأنه من المستحيل أن يوافق فؤاد منير.
قال تلفيق شرور، وهو يضحك بصفراوية، وكان استه يصفر، إن رجب قد فشل في الصباحية ولم يستطع أن يفعلها مع كامليا. تعطلت آلته. وراحت الجميلة تسخر من عدم قدرته. هكذا! راحت تسخر منه علانية على المكشوف أمام وجهه! فظيعة كامليا في الكيد اسألني أنا!
وطبعاً وكما هو متوقع أدى هذا إلى أن تزداد حالة المسكين بلاءً، ودخل في حالة نفسية سيئة استحوذت عليه، وراحت حالة العدة والسلاح والصولجان تتطين وتتطلسن أكثر وأكثر، ونام الواقف وصار الديك دجاجة وأصبح بوز الإبريق عروته!
قال تلفيق شرور، وكان استه يصفر ثانية، ويعلم الله كان واكل إيه نهاريها، إنه اقترح على رجب استشارة الشيخ محمود.
هه هه ها الشيخ محمود! درويش هائم على وجهه هارب من ثأر قديم في قريته بأقاصي الصعيد الجواني لأن الدور عليه ويظهر دائماً أمام مساجد مصر القديمة بجلابية بيضاء ناصعة ومكوية وبذقن حليقة كإنه هايبوس بالرغم من أنه ينام في قلاية في جبل التونسي ولا يعرف أحد من يغسل له ملابسه ويكويها ولا أين يحلق ذقنه!
قال الشيخ محمود إن لكل داء دواء ولكل علة طبيب واقترح أن يصلوا الفجر في جامع زين العابدين بالمذبح من اليمن جزارين ومن الشمال جزارين ومن فوق جزارين ومن تحت جزارين. ولم يكذبوا خبراً وذهبوا بربطة المعلم لصلاة صلاة الفجر في جامع زين العابدين في المذبح، وبعد انتهاء الصلاة وبعد أن سلموا على بعضهم البعض وعلى من بجوارهم من المصلين رفع الشيخ محمود يديه عالياً في السماء وصدح بأعلى صوته داعياً والجامع مليان جزارين وبين كل جزار وجزار جزار الإير يا رب والنبي يا رب الإير يا رب! وكررها عدة مرات كانت كافية لأن يستفيق الجزارون من صدمتهم ويهبوا للدفاع عن كرامة المسجد الذي دنسه هؤلاء المجانين!
قال تلفيق شرور وهو يضحك واسته قد كف عن الصفير إنه في اللحظة التالية كانوا كالجزائر يركضون في الشوارع أمام الجزارين الذين طاردوهم في حواري زين العابدين وكل منهم يحمل في يده ما قسم من مطواة أو هراوة أو ساطور. لكن الله سلم وعدت على خير بلا إصابات.
أدركت على الفور سبب نكسة المسكين. حدث معي أنا شخصياً نفس الشيء أول مرة دخلت فيها شقة كامليا في جزيرة العرب بالمهندسين! تعطلت آلتي أنا الآخر! لكنني لحقت نفسي بقرص فياجرا كنت أحمله احتياطياً. طلبت منها قهوة وكان عليها أن تعدها بنفسها لأنها كانت قد صرفت الخدم، وانتهزت الفرصة فدخلت الحمام وابتلعت القرص الخمسين ملي، وشطفت وجهي وجففته وأخذت وقتي، ثم رجعت وشربت القهوة على أقل أقل من مهلي، وأضعت المزيد من الدقائق في المداعبات والملاعبات وحل الأزرار والتملط والتقبيل والترييق حتى اشتغل القرص وصان سمعتي. وكامليا فضيحتها بجلاجل لما تحب تفضح الصراحة!
سحبت رجب خارج القهوة بعيداً عن تلفيق شرور، ونصحته بأن يتصل بكامليا ويطلب رؤيتها بأسرع ما يمكن، على أن يتم اللقاء في شقة معفنة لأحد أصدقائه، لا في بيتها. وقلت له أن يتناول قرص فياجرا قبل اللقاء. سمع النصيحة وأخذها لشقة الولد حسين أبو شورت في غيابه. نصحته أيضاً أن يكون عنيفاً، وأن يكون وقحاً، وأن يصفعها صفعة أو اثنتين، لكن ما يزودهاش عشان الست ما تفصلش! لزوم الإثارة فقط. الإثارة لكليهما. قلت له إن كامليا تحب العنف وعليه أن يفعلها معها بقوة. قالت لي مرة إنها تحلم بالنوم تحت سواق ميكروباص يمسح بها بلاط الحمام ويشتمها ويغتصبها! قالت إنها تعتقد أن سائقي الميكروباصات يجيدون النكاح.
بعد كام يوم جاء رجب وشكرني. عمل بالنصيحة! قال إن الصحة أصبحت عال العال وكل شيء تمام التمام. قال إنه عمل بنصيحتى وكان عنيفاً مع كامليا لدرجة أن ركبتيها كانتا تصطكان عندما نزلت من السرير ووقعت على الأرض! قال إنها أحبت ذلك كثيراً وأنها الآن لا تكف عن الاتصال به وهو الذي يسوف ويماطل. ذكي الولد رجب! يعرف بالفطرة كيف يعامل الحريم.
نظرت عينا سامح إلى الثلاث علب هاينكن الخمسمائة مل الموضوعة على المنضدة. أمسك بواحدة، ودس سبابته اليمنى تحت المفتاح القصديري ورفعه لأعلى فنخس مهمازه سطح العلبة وثقبها. رفع علبة البيرة إلى فمه وراح يعب منها مباشرة. رشفها على مرتين.
عطشان!
بدأ صوتها يصل إليه.
هي أيضاً عطشانة! اصبر دقيقة أخرى.
عد سامح في سره ستين ثانية بإيقاع معتدل.
الآن هما عاريان في السرير!
خلع ملابسه على مهل، مبقياً على الفانلة الداخلية والتيشرت البيج فوقها، وشعر ببرد في نصفه السفلي العاري، برغم الدفء الطبيعي للشقة القبلية. اتجه إلى باب غرفة النوم. فتحه وأطل برأسه وخاطب الظلام:
- ممكن أشترك معاكو؟
ولم ينتظر الإجابة ودخل.
شبح رأس رجب بين ساقي كامليا المستلقية عارية على السرير، ينتفض شبحها من الشهوة التي تجتاحها، ورجب يحتضن بذراعيه ساقيها المفتوحتين. رفع شبح رجب نظره لسامح وابتسم.
بالطبع ليس لديه مانع. فعلناها سوياً مع عدة حريم من قبل.
- عاوز إيه يا وسخ؟ أخرج بره!
كعادتها ستبدأ في التصنع!
قهقه سامح وهو يتقدم من السرير بهدوء وثقة وقد بدأت عيناه تعتادان على الظلام وتميز تفاصيل جسديهما أكثر. كانت على حرف السرير القريب منه. اقترب حتى أصبح ملاصقاً لها وهو واقف.
- إيه بس يا دكتور! يعني هيّ أول مرة! قال سامح بهدوء والابتسامة على شفتيه.
- بس مش كده! قالت كامليا وهي تتصنع العزوف بالرغم من أنها قبضت بيمناها على رجله الثالثة.
أبو رجل ثالثة. ليست كامليا هي من أطلقت عليه هذا الوصف. كانت أم زياد. فلاحة ممشوقة القوام من كفر الشيخ. عود خيزران في أوائل الأربعينيات من عمرها. جاءت إلى القاهرة من عدة سنوات للعمل كممرضة. يتذكرها سامح بكل خير، ويردد دائماً مع نفسه بأنها أكثر مرة تمتع فيها مع امرأة. كانت وقتها متزوجة منذ أكثر من عشرين عاماً من زوج ضعيف فتحها بإصبعه ليلة الدخلة. كثيرات ممن قابلهن سامح حكين له نفس قصة الإصبع المحظوظ. كانت أم زياد حيية. يتذكر دائماً صوتها وأداء جسدها المحروم وهي تحته.
- دي هيّ حلاوتها كده يا كوكي! همس سامح برقة.
- آه يا قذر! والتفتت برأسها ناظرة لوجه رجب لتتأكد من أنه متواطئ، واطمأنت.
أخذت كامليا راحتها وتركت جسدها يؤدي على سجيته. ورجب منهمك في العمل ما بين فخذيها. أمسكت كف سامح اليسرى بذقن كامليا ووجهته في وضع مناسب، وبيمناه قبض على رجله الثالثة ودفعه في فمها فاهتز جسدها منتفضاً، وعلت آهاتها المكتومة.
الاطمئنان قبل الاندماج. التسليك قبل الفتح!
لم يتركه سامح في فمها طويلاً. تحرك راكباً السرير مزيحاً رجب بظهر راحته اليسرى برفق. زحفت ركبتا رجب على الفراش مقترباً من رأس كامليا، والتي تناول فمها صولجانه، بينما فشخ سامح ساقيها، واقترب برأسه وبصق، ثم تراجع ناوياً غرزه فيها. أزاحت كامليا رأسها جانباً بعيداً عن سلاح رجب حتى تستطيع أن تهمس لسامح:
- بعينك يا وسخ مش ها تدوقه!
رد سامح بأحن صوت يمكن أن يخرج من فمه وهو يبتسم:
- ليه بس يا دكتور! دعه يعمل، دعه يمر!
انفجرت كامليا ضاحكة بالرغم من أنها كانت تكره الضحك أثناء الممارسة. وضحك رجب بشدة هو الآخر وهو يضع راحته اليمنى على صدره العاري كعادته عندما يضحك من قلبه كأن صدره سيقفز من مكانه. انتهز سامح فرصة الضحك الثنائي فدخل كامليا متعمداً أن يفعلها بقوة، فصرخت وكفت عن الضحك.
انتقال فجائي بلا تمهيد! من النقيض للنقيض. مفاجأة. صدمة. حلاوتها كده في النكاح!
تعالت ألفاظ كامليا وسبابها.
يعرف سامح مزاجها ويعرف احتياجاتها. اختلس نظرة إلى رجب في الظلام بينما يمزق كامليا. هُيء له أن ابتسامة رجب قد تصلبت على وجهه موشية بشيء وسط بين الاضطراب والإعجاب وهو يراقب أثر فحولته على كامليا.
فجأة شعر سامح بضعف شديد يجتاح كل عضلاته، خصوصاً ركبتيه. أحس أنهما على وشك التهاوي كأنهما من ورق. فقد القدرة على التحكم بهما. شعر بأنه على وشك أن يخر على فراش السرير، ورغبة جارفة لا تقاوم في النوم. أسقط نفسه على جانبه الأيسر وهو يقول بصوت آفل:
- معلش يا جماعة أنا آسف محتاج أنام.
وراح من توه في سبات عميق.
رأى حلماً حياً شديد الوضوح. أمه تلومه قائلة إن أباه قد أتاها في المنام وهو حزين لأنه يشرب خمرة، فعرف من فوره أنها هزت دولاب ملابسه المعدني المغلق بالمفتاح وسمعت صوت الزجاجات في قعره. طمأن أمه مؤكداً لها بأنه يواظب على شرب كوب واحد فقط من البيرة يومياً، وطلب منها التوقف عن مناداة كامليا يا عروسة عندما تأتي للغداء عندهم لأن ذلك يشعره بالحرج. وعلى مائدة الطعام قال له أبوه إن العجة التي صنعها هي أشهى ما ذاق في حياته، وسأله عن الموعد الذي سيفتتح فيه المطعم مع صديقه عماد فكري، فرد على أبيه قائلاً إن موعد الافتتاح الليلة وأن على الجميع حضور الافتتاح. ثم قام من على المائدة وهو يشعر ببرد شديد، واتجه إلى الحمام وجلس على قاعدة المرحاض وشرع في التبول، ونظر إلى سقف الحمام الذي تساقط ملاطه من مياه صرف الماسورة المثقوبة في الشقة التي فوقهم والتي يظهر بطنها العاري الصدئ بعرض سقف الحمام ورأى سرسوب مياه قذرة يخر من الثقب على رأسه فأحس بقرف شديد، وقام وغسل رأسه في حوض الحمام بالماء والصابون، وأعجبته كثيراً رائحة الياسمين في الصابون فنادى على أمه بصوت عال مثنياً على رائحة صابون الياسمين وهو يعيد غسل رأسه بالماء والصابون مرة أخرى، وخرج ليجد الصالة دافئة وأمه تقول إنها فتحت التكييف الساخن. وراح يقول لنفسه إن العبارة التي كتبها منذ قليل من الأفضل تعديلها لتصبح توفي نيفِل آيبن بعده بسنة في عين المكان بدلاً من نفس المكان. وتساءل وهو يشاهد برنامجاً تسجيلياً عن الصين الحديثة في قناة سي إن إن: الصين بطولها وعرضها وعمقها لم يلفت نظركم فيها إلا فرقة الأكروبات التي تسعى لعرض فقراتها في الدول الأوروبية! ورأى وهو يشتري كيس أمبرليف من دكان التبغ في ممر الأمريكين علب سجائر جيتان بلو الفرنسية المبططة فطلب من البائع واحدة. وفي صالة الإخراج بشركة أفلام أوديون كان يصر لشعبان السباعي على ضرورة أن يكون اسمه موجوداً بجواره على تترات الفيلم، لا تحته، لأنه شريك معه في تأليف الفيلم. وفكر في أن من يقومون بالتنقيب عن الجواهر في باطن الأرض سيكسبون أكثر لو نقبوا في السماء.
أحس سامح بشيء يصعد لجوفه وهو نائم، فسعل. ثم فتح عينيه وهو لا يعلم كم من الوقت مضى على نومه. أحس بجسده مشلولاً عاجزاً عن الحركة. عرف أنه راقد على ظهره بعرض السرير. كانت الغرفة غارقة في الظلام، ولحاف السرير الثقيل على جسده العاري في نصفه السفلي. شعر برأسه ثقيلة فلم يرفعها من على الوسادة. نادى على رجب بصوت خافت. ُأضيئت الغرفة. وسمع صوت رجب يقترب ضاحكاً:
- يا راجل! تنام برضه وانت بتجيب! يعني سمعنا عن اللى بينام بعد ما بيجيب، بس اللى بينام وهوّ بيجيب دي جديدة يا أستاذ! واستمرت ضحكته.
شاهد سامح رأس رجب تقترب أكثر من السرير. قال رجب باهتمام وجدية بعد أن انتهت ضحكته وهو يلمس اللحاف فوق ساق سامح اليمنى المغطاة بحنو:
- مش الأحسن برضه تاخد رأي دكتور؟ عشان نطمن بس.
- لأ اطمن أنا تمام، أنا عارف اللى عندي. رد صوت سامح رائقاً مجلواً.
شهد رجب سامح وهو يصاب بإغماء النوم مرتين من قبل. الأولى من سنة تقريباً، في فورة تبادل قافية بينه وبين محب. في قمة ضحكه قال أشعر برغبة ملحة في النوم، وأسقط رأسه على مخدة ساعديه المتصالبين على منضدة مقهى التكعيبة، وراح من فوره في سبات عميق. والثانية منذ شهرين، أثناء تناولهما الطعام مع ميشِل وآبي وشلي في تونس في الفيوم في بيت إيفيلين. فجأة قال سامح وهو يأكل بشهية على مائدة الطعام أنا آسف يا جماعة محتاج أنام حالاً، وأسقط رأسه على مخدة ساعديه المتصالبين على منضدة غرفة الطعام، وراح من فوره في سبات عميق.
- خير طيب يا أستاذ طمني؟
- يعني لو قلتلك ها تفهم! قال سامح مداعباً.
- جربني طب يا أستاذ المرة دي يمكن أفهم! قال رجب وهو يبتسم ويضع راحته اليمنى على صدره.
بعد إحساسه بلمسة أصابع رجب فوق ساقه، شعر سامح بأنه قد بدأ يتحكم في عضلات جسده من جديد. اعتمد على مرفقيه وشب بصدره. أزاح اللحاف عن نصفه العلوي مكتفياً بتغطية عورته وساقيه. ثم جلس على حافة السرير. ونظر لرجب مبتسماً ابتسامة يشوبها بعض الإحراج.
- لأ اطمن ما فيش حاجة. بسيطة ما تستاهلش.
- ما تستاهلش! ما تستاهلش يا أستاذ! وقهقه رجب ضاحكاً.
ضحك سامح.
ما تستاهلش هي نكتة قالها سامح لرجب الأسبوع الماضي. أراد أحدهم أن يبيع لآخر فياجرا الحبة بخمسين جنيهاً، فقال له الآخر لأ ما تستاهلش. قال له طيب خذها بأربعين. لأ ما تستاهلش. طيب بثلاثين. ما تستاهلش. طيب بعشرين. ما تستاهلش. طيب بعشرة. ما تستاهلش. طيب بخمسة. ما تستاهلش. قال له إزاي بتقول ما تستاهلش وهيّ في بلادها الحباية الواحدة بدولار! قال له مش مهم الحباية بكام المهم إن مراتي ما تستاهلش!
لاحظ وعي سامح أن شعوراً بالانتعاش والانسجام مع العالم قد بدأ يملؤه الآن.
يقولون إن بعض الناس يلجؤن للحجامة للوصول لنفس هذه الإحساس!
وتذكر كامليا فسأل عنها رجب. رد رجب قائلاً بإنها غادرت من بضعة دقائق.
- خافت عليك في الأول بس انا طمنتها وقلتلها إنك مانمتش من يومين. عشان بتنقل يعني من الشقة وكده. واطمنت أكتر لما بدأت حضرتك تِشخـّر! وضحك رجب.
- أنا؟ كنت بشخـّر! سأل سامح باستغراب.
- وشخير إيه بقى يا باشا! طب والله العظيم أنا خفت الجيران يخبطوا يشتكوا! وقهقه رجب وهو يضع راحته اليمنى على صدره.
- للدرجة دي! قالها سامح وعلى وجه أمارات المفاجأة.
- وأكتر يا باشا! وضحك رجب.
همهم سامح كعادته حين يرغب في تغيير الموضوع. وصمت لثوان كمن سرح في فكرة مهمة. ثم سأل رجب:
- وعملت إيه مع كامليا؟
- سيبناك نايم وخرجنا كملنا في الصالة، على الأرض بره، ما أنت عارف كامليا بتحب على الأرض! وزفر رجب قهقهتين قصيرتين متتاليتين.
- آه. رد سامح سارحاً في الفرصة التى ضاعت.
وأكمل رجب:
- طب والله العظيم يا أستاذ الإغماء ده كان رحمة ليك!
وقال بجدية وهو يضع راحته اليمنى على صدره:
- أخوك اتبهدل يا باشا!
- السودة يا ابني، ما أنا قايلك! قال سامح وقهقه.
ثم تذكر نصيحة.
- رجب بقولك. خليك واعي هه. خد حباية الليلة دي عشان آبي ما تشكش!
قال رجب وهو يبتسم:
- ها يحصل يا باشا، الواجب المقدس بتاع كل ليلة!
ورجع رجب إلى الموضوع مجدداً وهو يهز رأسه يميناً وشمالاً:
- بس كامليا إيه ده يا أستاذ! بقت فظيعة!
- وكل مادى ها تزيد! كل الواحد ما بيمارس أكتر كل ما يبقى عايز يمارس أكتر، وكل ما ياكل أكتر كل ما يبقى عايز ياكل أكتر. وكل ما ينام أكتر كل ما يبقى عايز ينام أكتر. فاكر الإفيه بتاع سمير غانم في المسرحية؟ نمت ثلاث أيام صحيت لقيت نفسي تعبان فدخلت أنام! ده مضبوط جداً على فكرة!
- صح. قالها رجب بجدية.
فكر سامح أن رجب ربما خطرت على باله نفس العبارة التي خطرت على باله. آهو كله مصلحة، رزق الدُكرة على كامليا!
- بقولك يا أستاذ كنت على وشك أعمل قهوة تركـ..
وقطم رجب باقي الكلمة لأنه تذكر أن سامح قد أكد له من قبل أن وصفها الصحيح هو قهوة يوناني، لا قهوة تركي.
قال له سامح مرة: لو كنت تجلس على مقهي في اليونان، وطلبت من الجرسون قهوة تركية، فإنه في الغالب سوف يضربك، أو ُتشـَتم في أضعف الاحتمالات. كرامة وطنية، شرف قومي! لدى اليونانيين اعتقاد راسخ بأنهم هم أصحاب هذا النوع من القهوة، وأن الأتراك سرقوها منهم. حرامية بن! سرقة بنية.
منذ ذلك الحين أصبح سامح ورجب ينتصران للتاريخ اليوناني؛ لأسباب عاطفية تتعلق بتفضيلهما لليونانيين على الأتراك. لكن لسان رجب لا يزال في بعض الأحيان يزل بالتاريخ الزائف الشائع.
صحح وعي رجب لسانه:
- قهوة يوووناااني. أعملك معايا؟
- لأ شكراً، هي أصلاً تلقيمة واحدة اللي باقية! إشرب إنت قهوتك، بس أنا عايزك تعزمني بعد كده على آيس كريم.
واحد آيس كريم يدخل، وهناك واحد لبن أصلاً لم يخرج، وربنا يسترها الليلة دي!
- يا سلام يا أستاذ، طب ده يبقى لينا الشرف والله العظيم! نطقها رجب بمودة وراحته اليمنى على صدره، وكانت أمارات وجهه تعني العبارة فعلاً.

2

أمام محل عبد الرحيم قويدر للحلويات والآيس كريم بشارع طلعت حرب حالياً سليمان باشا الفرنساوي سابقاً وقف سامح ورجب وفي يمين كل منهما قمع بسكويت الآيس كريم الذي طلبه. ثلاث كرات سخية من الشوكولاته والفانِليا والليمون لسامح، وثلاث كرات سخية من الشوكولاته والفانِليا والفراولة لرجب. شعر سامح بالحيوية والنشاط منذ أن غادر الشقة مع رجب، كأنه بعث من جديد، أو انتهى لتوه من حمام بلدي. وشعر كذلك بشهية مفتوحة.
أحب سامح أن يعرف معلومات أكثر عن ترتيبات استضافته في شقة آبي وشلي. كان قد قابلهما بصحبة رجب في بيت إيفيلين في تونس بالفيوم في الصيف الماضي. أمضيا معاً بضعة أيام هناك، وعرف أثناءها أن آبي وشلي الأمريكيتين تدرسان اللغة العربية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. لكنهما أصلاً باحثتان في مؤسسة راند الأمريكية التي سمع محب يقول عنها ذات مرة بإنها العقل الاستراتيجي لحكام أمريكا. عرف كذلك أن كلتيهما متخصصتان في دراسات الشرق الأوسط. كان محب قد قال له مرة إن الشرق الأوسط هو تعبير أطلقه المستعمر الإنجليزي تمييزاً له عن الشرق الأقصى؛ الهند والصين. يتعلق الأمر بالنسبة للإنجليز بالمسافة بينهم وبين مستعمراتهم. يحب محب أن يقول للأوروبيين الذين يقابلهم، من باب السخرية: هالو هل أنت من الغرب الأوسط! في حين يقول للأمريكيين الذين يقابلهم من باب السخرية: هالو هل أنت من الغرب الأقصى!
يعرف سامح أن آبي وشلي تقيمان في القاهرة على حساب مؤسسة راند. ويعرف أيضاً أنهما تجريان دراسة ما عن الجماعات الإسلامية في مصر. أدرك من الوهلة الأولى أن شلي هي المسيطرة، وأن آبي تنقاد لها بسهولة، رغم أنهما من نفس العمر تقريباً؛ أواخر العشرينيات، كما قدر، لأنه لم يسأل عن عمرهما من باب اللياقة.
المعلومات الجديدة التي يدلي بها رجب لسامح الآن وهو يلعق كرات الآيس كريم الثلاث بالتتابع الشوكولاته والفانِليا والفراولة وهو على رصيف الشارع أمام قويدر هي: أولاً، سيتوجب على سامح أن يترك المنزل في بعض الليالي. وأول هذه المرات ستكون بعد الغد. لأن شلي وآبي تستضيفان في بعض الأحيان بعض المبحوثين على عشاء خفيف، يعقبه مقابلة طويلة مسجلة صوتياً مع المبحوث المحشو بالعشاء الأمريكي الخفيف. على أن يعود سامح إلى البيت بعد انصراف الضيف. وسيكون على سامح في هذه الحالة أن يتصل تليفونياً أولاً قبل أن يعود إلى البيت، ليعرف إن كان الضيف المبحوث قد انصرف أم لا؟ وسيخبره رجب في كل مرة عن الموعد الذي ينبغي فيه الاتصال للتأكد بأن الدار أمان وأن بإمكانه أن يعود إلى بيت الأمريكيتين.
ثانياً، الفتاتان اعتذرتا بشكل قاطع عن عدم إمكانية السماح له بالبقاء لأكثر من أسبوع واحد فقط لا غير. وذلك لأن خطيب شلي الأمريكي عليرزا سيصل إلى القاهرة بعد أسبوع، وسيقيم معهما في الشقة، وهو لن يحب أن يرى رجلاً غريباً داخلاً خارجاً محتلاً صالة البيت. ثانياً هذه كان سامح يعرفها من قبل، لأن رجب كان قد أخبره بها وهو يعلمه بموافقة شلي وآبي على طلبه بأن تستضيفاه لعدة أيام في شقتهما. لكن رجب أحب أن يكرر هذه المعلومة المهمة؛ من باب التأكيد والتوكيد والتوكد، لإيمانه بأن التكرار يعلم الشطار.
ألمح رجب بسخرية وهو يلعق بشهية بواقي كريمة الفراولة التي تداخلت مع بواقي كريمة الشوكولاته وبواقي كريمة الفانليا أنه هو شخصياً، وبالرغم من أنه بويفرند آبي، لم يكن محل ترحيب من عليرزا عندما حضر للقاهرة آخر مرة ورآه مع آبي لأول مرة. قال رجب وهو يضحك ضحكة احتقار إن عليرزا إبن الرزيئة عامله بتعال واستخفاف، وأن آبي حاولت تبرير ذلك بالقول بإن عليرزا شخصية محافظة ولا يستسيغ كثيراً رؤية صديقات شلي الإناث بصحبة أصدقاء من الذكور. هذا بالرغم من أن شلي وعليرزا نفسيهما لم يتزوجا بعد.
قال سامح إنه لا توجد أية مشكلة، وأنه سيترك الشقة بعد أسبوع، أو حتى قبل ذلك، لأن محب سوف يعود من مدريد في غضون بضعة أيام. وقال أيضاً إنه ممتن جداً لرجب لأنه توسط لدى آبي وشلي للسماح له بالمكوث هذه الأيام القليلة معهما حتى يدبر حاله. وتذكر سامح أن ينصح رجب بأن عليه أن يتحمل غطرسة عليرزا عندما يصل للقاهرة حتى تمر العاصفة ويستأنف المركب سيره ويصل إلى مرفأه بسلام، وأن هذه المسائل تؤخذ بالعقلانية والتعقل، وأن اللي تغلب به العب به، وأن الأرزاق تأتي دائماً ومعها أرزاء كعليرزا، ومادام هو سعيد مع آبي وآبي سعيدة معه فليذهب عليرزا إلى جهنم الحمراء.
ثالثاً، أخبر رجب سامح بأنه من المفهوم طبعاً أنه لن يكون باستطاعته استقبال لا ضيوف ولا أصدقاء من أي نوع في البيت. كما أن عليه التزام الهدوء، خصوصاً في الليل، لأن شلي وآبي تنامان مبكراً. وقال سامح لرجب إنه لا توجد أية مشكلة يا صديقي وكل شيء سيسير على ما يرام.
رابعاً، عن الشرب. قال رجب إنه بالرغم من أن عليرزا يرزيه ربنا يا رب قد أثر على شلي بطابعه المحافظ الذي يشمل التحفظ تجاه الكحوليات أيضاً، وبالرغم من أن هذا التحفظ الكحولي العليرزي قد انتقل بالتبعية إلى آبي، خصوصاً وأن صديق آبي القديم كان أمريكياً مدمناً على الشراب، وقد تأثرت به آبي كثيراً، قبل أن تتأثر في ما بعد بشلي، فصارت هي نفسها في تلك الفترة مدمنة على الكحوليات، ولم تتعاف من الإدمان إلا بعد حضورها إلى القاهرة وانفصالها عن الولد الأمريكي السكير، إلا أنه وبالرغم من كل تلك الاعتبارات فنحن نشرب قليلاً في البيت من حين لآخر، ولكن على نحو معتدل، والوسطية حلوة برضه ما فيش كلام.
كما أكد رجب أنهم يتناولون أفضل الأنواع من كل شيء، لأن أحد أصدقاء شلي الأمريكيين يعمل بالسفارة الأمريكية في القاهرة، ومن الصدف السعيدة أنه هو بدوره صديق للمسؤول الأمريكي عن قبو المشروبات والأغذية بالسفارة. ولذلك فيمكنهم الحصول على نفس ما يحصل عليه أي دبلوماسي أمريكي في القاهرة. سأله سامح بفضول والأسعار يا باشا؟ رد رجب قائلاً إنها تقريباً نفس الأسعار في أمريكا. وأضاف أن الأخ داني مسؤول القبو يأخذ ثمن البضاعة ويدسه في جيبه بدلاً من دسه في خزينة السفارة ولا من شاف ولا من دري. طبعاً بعد أن يستقطع الوسيط الأمريكي صديق شلي نسبته هو أيضاً ويدسها في جيبه. قال سامح ضاحكاً وداني بيقيدها إيه في سجلات السفارة؟ بضاعة أتلفها الهوى! ضحك رجب وقال إن كله بياكل يا أستاذ كله بينبسط، وآهو أكل العيش مر برضه، والواحد لازم يقلب رزقه ويطلع بقرش أبيض من البعثة الدبلوماسية ينفع في اليوم الأسود لما يرجع أمريكا البلد! ضحك كل منهما وقد أتى كليهما على بسكويت الآيس كريم في يده.
ثم أضاف رجب معلومة لوجستية تتعلق بأن القهوة الأمريكية، والنسكافيه، والحليب المجفف، وحبوب السيريل، وزبدة الفول السوداني، والبسكويتات، والشوكولاتات الفاخرة، وخلافه من كل الأصناف الأمريكية الممتازة متوفر أيضاً في البيت والبركة في قبو داني والصديق القومسيونجي.
من جديد طمأن سامح رجب بأنه لا توجد أدنى مشكلة في أي من هذه الترتيبات على الإطلاق، وأنه سيحرص على أن يكون خفيفاً قدر المستطاع في فترة إقامته القصيرة معهم، وعاد ليكرر ما سبق أن قاله له من قبل عدة مرات؛ من أنه يحتاج فقط لبضعة أيام حتى يعود محب من السفر وينتقل للإقامة معه. ثم عاد ليشكره مجدداً شكراً جزيلاً على شهامته وكرمه لتدخله لدى شلي وآبي وإقناعهما بأن تستضيفاه، وإلا لكان مصيره الشارع والنوم على قارعة الطريق. رد رجب بأريحية، وبدا على ملامح وجهه بأنه فعلاً يعني ما يقول:
- عيب يا أستاذ ما تقولش كده، أنا عنيا الاتنين ليك! إن جيت للحق بقى أنا اللي لازم أشكرك لإنك ها تسمحلي أقضي معاك وقت أطول! ها ستناك من الصبح! أنا ها بقى صاحي من الساعة ثمانية.
قال سامح إنه في الغالب سيصل حوالي العاشرة، لأن عليه أن يمر أولاً على بيت أخته في المنيل ليترك عندها حقيبته الكبيرة. ولم يقل إنه سيحاول اقتراض بعض المال منها، بعد أن أفشل إغماؤه المفاجئ ما كان يخطط له من طلب مال من كامليا. وبرغم علاقة سامح المتينة برجب، إلا أنه طالما استبعد فكرة طلب مال منه، حتى وإن تأكد بأن رجب معه مال هذه الأيام؛ لحرصه على أن يظل اتجاه العلاقة بينهما كما هو عليه، وأن تظل يده أعلى من يد رجب.
كان اللفظ الذي يستعمله سامح هو نفسه اللفظ الذي يستعمله كل أصدقائه ومعارفه حين يطلب أحدهم نقوداً من الآخرين: سلفني. ممكن تسلفني؟ تقدر تسلفني؟ هذا على الرغم من أنه لم يحدث يوماً أن أعاد أي منهم قرضاً استدانه لأحد. لم يحدث أبداً من قبل، على الإطلاق. لكن الجميع يستعملون هذا اللفظ. ولم يكن أحد في الحقيقة يطالب أحداً بشيء، لأن أحداً لن يرد شيئاً لو ُطلب منه ذلك. وحين يعطي أحدهم مالاً لأحدهم يكون متيقناً بأن ذلك المال لن يعود. وبالتالي فإن ما يُعطى من أحدهم لأحدهم يُصنف منذ البداية في وعي كليهما بوصفه إعانة. مساعدة. يطلق الدراويش في مصر عليها اسم نفحة. ومن باب الإنصاف ينبغي التأكيد على حقيقة أخرى موازية وهي أنهم جميعاً يردون ديونهم بشكل أو بآخر؛ في صورة خدمات متنوعة من كافة الأشكال، وحسب الظروف. كما أن إبداء المستدين الاحترام للدائن أمام الآخرين يعتبر أيضاً من قبيل رد الدين. وحتى وإن وجد عدد من الأنذال الذين ما إن يصبح شيء من المال في جيوبهم حتى ينكروا أصدقاءهم، فإن تلك الخسة لا تقتصر على الخرتية، لأنها موجودة في كل مهنة، وفي كل زمان ومكان.
قارب الوقت على العاشرة، وأراد رجب الرجوع إلى بيته؛ لأن آبي في انتظاره ولن تنام إلا بعد أن يعود ويؤدي واجبه الليلي. آبي تغار عليه بشدة. أداؤه ممتاز في السرير. كما أنه يجيد التعامل نفسياً مع النساء، ولديه خبرة طويلة في هذا المجال بالرغم من صغر سنه.
ودع رجب سامح بابتسامة لطيفة ومصافحة قوية، قائلاً إنهما على موعدهما بعد بضع ساعات، وأكد عليه أنه تحت أمره إن أراد أي مساعدة في نقل حاجياته في الصباح. شكره سامح، وسأله كيف سيرجع إلى الزمالك؟ قال رجب إنه مستعجل وسيستقل سيارة تاكسي.
سامح، الذي كان اتجاه نظره في مقابل حركة سير السيارات الآتية من الشارع، لمح سيارة تاكسي شاغرة قادمة تسير بحذاء الرصيف، فأشار للسائق، الذي أوقف السيارة أمامهما. فتح رجب الباب بسرعة حتى لا يعطل حركة المرور، وقفز بداخلها. ورفع يسراه، لما استقر بالداخل، ملتفتاً بنصفه الأعلى من وراء النافذة المغلقة محيياً سامح والسيارة تسير.
شعر سامح بمزيد من الانتعاش والحيوية وهو يقف وحده على الرصيف أمام قويدر. وشعر فجأة بأنه جائع جداً. دس يده في جيب بنطلونه الجينز الجاب النيلي. أخرج ما معه من نقود. بسط كفه، ودلى رقبته قليلاً على صدره حتى يرى ما في يده. عدت عيناه سريعاً سبعة جنيهات ونصف. قرر وعيه فوراً أن يترك جنيهان ونصف ليتمكن من الوصول بهما إلى منزل أخته في المنيل في صباح الغد.
إذن يمكن إنفاق خمسة جنيهات كاملة على عشاء الليلة، يا حلاوة! ولكن ماذا نأكل؟
دس النقود في جيبه. جرى ذهنه سريعاً وهو واقف على الخيارين الأسهل المتاحين دائماً.
كشري أبو طارق في شارع شامبليون. واحد كشري بصلصة الطماطم الطازجة، والحمص، والبصل التقلية الورد، والدقة، والشطة. الإجمالي خمسة جنيهات.
أو طبق فول بالزيت الحار من عند الفقي المقابل لأبي طارق ناصية شارع معروف. مع طبق طعمية مقلية ساخنة، وباذنجان مخلل، وبيض بالبسطرمة. الإجمالي أربعة جنيهات.
لكن شهية الضباع الليلة متلهفة للحوم!
الأحسن نمشي حتى سوق التوفيقية ونشتري ربع كيلو سوسيس خنزير مدخن من عند مرقص بأربعة جنيهات. وبجنيه عيش فينو فرنساوي طويل من المخبز الأفرنجي المقابل للعمارة في محمود بسيوني وأنا راجع.
بدأ يخطو متمهلاً وسط زحام الشارع.
زحام دائم وغير مبرر! لا أحد يشتري ولا أحد يبيع، فلم الزحام؟!
الناس هجّة. في الأزمات الاقتصادية تلاقيهم يملئون الشوارع. ينامون في النهار، ويستيقظون في الليل. لا يوجد عمل ولا شغلة ولا مشغلة فلماذا نستيقظ مبكراً كباعة اللبن! يخرجون من العرين عند هبوط الليل، ويسيرون في الشوارع بلا هدف. الناس مخنوقة. يصدمون بعضهم بعضاً في الزحام. المصدوم لا يُبدي اعتراضاً على الصدمة للصادم الذي صدمه، ويكمل الجميع سيره. يكمل الجميع الطريق. الطريق الذي ليس هو بطريق.
ما يزال لديّ في الثلاجة بواقي زبد ممتاز ملفوف في ورقته الفضية. ومستردة مستوردة. أصابع سوسيس مقلية في الزبد المقدوح، وفرشة وفيرة من المستردة الحريرية في بطن السندوتش المفتوح تسيح أكثر فور أن ينام عليها السوسيس المقرمش الساخن. ثم صبّة بهريز من الزبد المقدوح المتخلف في الطاسة. ونغلق السندوتش مع ضغطة محكمة بباطن الكفين على جناحي السندوتش لتمتزج المستردة مع البهريز وتبدأ في البروز العشوائي من أطراف السندوتش. ثم أول قضمة، الله يا معلم! كبيرة مترعة تملئ الفم. ونمضغ على مهل. السوسيس لدن من الداخل ومقرمش من الخارج بقشرة جلدية زبدية مستردية!
أصبح الطعم في فم سامح. سالت نسيلة من لعابه أيسر شدقه. لحقها لسانه بسرعة ولعقها وهو يسير. ولاحظت عيناه فتاة محجبة ممتلئة قادمة عكس اتجاهه. نظرت إلى عينيه وابتسمت وهي تتجاوزه.
صيدة سهلة! ظنت حركة لساني معاكسة!
أسف سامح، وهو مستمر في سيره ناظراً أمامه، لأنه لا يحب الممتلئات. لا يسمح لنفسه بالتورط معهن إلا في حالات الضرورة القصوى فقط. لكن إن أتيح له حرية الاختيار لا يقربهن. يظن أن البدانة، إن لم تكن لسبب مرضي، فإنها نتيجة أن شخصاً قد أخذ أكثر من حاجته من العالم.
مخزون زائد عن الحاجة. تهافت. من يراكم الدهون فوق الدهون، مثل رأسمالي جشع يراكم النقود فوق النقود. الامتلاء ابتلاء! خسارة يا ابني لو كانت نحيفة! البنت سهلة ومشتهية. لقمة سائغة. حظ لمحظوظ يحب البدينات!
استمرت قدماه في التقدم على مهل بخطوات متزنة متساوية، وعقله يفكر بأن الحظ ربما يبتسم له فيقابل نصار الفلسطيني على مقهى الشمس وهو في طريقه لمرقص بائع لحوم الخنازير، فيطلب منه نقوداً.
خدمته كثيراً من قبل، وإن طلبت منه مالاً فلن يرفض. سيعطيني أي شيء. سيعطيني وهو متأفف، نعم، لكنه لن يرفض. لا يمكنه أن يرفض. علينا أن ندبر حالنا إلى أن تفرج الأمور ونتوفق في العثور على رفيقة جديدة.
علينا في الأيام القادمة أن نطلب مالاً من الجميع، وإلا كيف سنعيش في هذه المدينة؟
المائة دولار التي تركتها ميشِل خلصت. تبخرت يا ولد تقولش الفلوس فيها عفريت! أو مقرور عليها!
علينا أن نبدأ في تدبير أحوالنا بأنفسنا الآن. إن أعطاني نصار نقوداً، فسأعرج في طريق العودة على السايبر المجاور لمطعم استوريل. عندهم في الدور الثاني كمبيوتر غريب عجيب مخصص للاتصالات الدولية. لا أحد رآه لكن الجميع يعلمون أنه هناك! ممنوع على زبائن المحل الصعود لأعلى. ربما يخافون من الوشاية. يبيعون الدقيقة لأمريكا بجنيه واحد! في السنترال العمومي بستة.
مر اليوم أسبوعان على رحيلها. قد تكون دبرت حالها هناك واستقرت. إن اتصلت بها فربما ترسل شيئاً بالوسترن يونيون. سأحاول أن أرسل لك شيئاً حالما أستقر وأرتب أموري، هكذا قالت وهي تودعني في صالة اثنين بالمطار.
نعم قد تفعل، لكن كم سترسل؟ مائة دولار أخرى؟ وكل بضعة أشهر مائة دولار! مرة أو مرتين ثم ستنسى. أو تمل. الطبيعة البشرية. وماذا ستفعل المائة دولار يا ولد! صحيح هو في السوق السوداء الآن بستة جنيهات، ولكن في المقابل الأسعار نار! فرن مولع يا ابني! محرقة. البركة في الإصلاح الاقتصادي! دعه يعمل دعه يمر.
لعن في سره الغلاء، والبقالين، والتجار، والإصلاح الاقتصادي، واقتصاد السوق.
يطلق عليه أحمد فرحات اقتصاد السوء. عندما قالها أمامي أول مرة لم أنتبه إلا بعد أن كررها مؤكداً: السوء بالهمزة يا ابني! ضحكت كثيراً. رمية صائبة من رام بارع رشقت في عين الحقيقة! لايمكن إدراك المفارقة اللغوية إلا بالكتابة. نطقها باللهجة المصرية يحجب الإفيه. يا ترى ميزة في اللهجة أم عيب؟ الاثنان وحياتك.
الدكتور أحمد فرحات. حبيبي والله! حاصل على الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة موسكو. في صدر شبابه كان شقياً بلطجياً. وديلر حشيش في المنشية في الإسكندرية. رآه صدفة حسين عبد الرازق أثناء تصييفه هناك، ولا تدري كيف توسم فيه خيراً من النظرة الأولى، فتبناه تقريباً. الناس معادن صحيح! وحسين عبد الرازق عرف معدنه من أول نظرة. بدأ بإكمال تعليمه الذي انقطع بعد الابتدائية. وأصبح الآن واحداً من قادة حزب التجمع. خبير مرموق في اقتصاديات مصر والعالم الثالث!
حبيبي والله! آراؤه دائماً صائبة. قال لي مرة:
- الروس أخدوا أكبر خازوق في حياتهم! افتكروا الاقتصاد الحر حر فعلاً!
- هوّه مش كده؟! تساءلت.
- كده مين يا ابني! رد أحمد فرحات، ثم أكمل:
- كارتلات يا ابني كارتلات! العالم كله بتتحكم فيه الكارتلات. كل سلعة وكل خدمة ليها الكارتل بتاعها اللي بيتحكم في وجودها في السوق. تبقى موجودة في أي سوق؟ وبأي كمية؟ وبأي سعر؟ أربع أو خمس شركات رأسمالية مالتيناشونال هيّ اللي بتتحكم في كل سلعة. بيتفقوا مع بعض الأول على سياسة معينة لتسويق السلعة، واللي يقرروه هوّه اللي يمشي، وما حدش يقدر يبيع ولا يشتري إلا بشروطهم. والكارتلات الكبيرة ليها كارتلات صغيرة محلية، وكلاء كده يعني في كل بلد. وتقولي سوء حرة!
- يعني حاجة كده شبه الجماعات الماسونية؟ تساءلت.
- دي هيّ دي بعينها ذات نفس الماسونية! رد أحمد فرحات.
- ياااه، للدرجة دي! قلت.
- أمال إنت فاكر إيه! إنت عارف الروس في الفترة الأخيرة لما حبوا يبيعوا بترولهم إيه اللي حصل؟ ولا شركة عالمية واحدة عرضت تشتري! ولما يأسوا وضربوا كف على كف اتقدمت شركة أمريكاني واحدة بس، وبعرض مجحف جداً! طبعاً الروس دلوقتي فهموا اللعبة. كارتل النفط العالمي اتفق مع بعضه إن روسيا ما تبعش بترولها إلا للشركة دي وبس. طبعاً أنكل سام عاوز يحجّم الدب الروسي ويركعه! ما هو إنت في النهاية لازم تبيع بترولك، أمال ها تعمل بيه إيه يعني، ها تشربه!
- والواحد كان فاكر إن السوء الحرة سوء حرة فعلاً! إنه حقاً عالم كارتلات كارتلات كارتلات!
- والموضوع ده مش ابن النهارده، ده موضوع قديم جداً والرأسمالية العالمية بتمارسه من قديم الأزل! لينِن كان قايل في كتابه..
ما اسم الكتاب الذي ذكره أحمد؟ ما العمل؟ أم الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية؟
عصر سامح ذهنه بقدر استطاعته وهو يمشي، لكنه لم يستطع أن يتذكر.
وكان من عادته في هذا المشوار أن يختصر المسافة من شارع سليمان باشا الفرنساوي إلى شارع ستة وعشرين يوليو بالمروق من ممر الأمريكين، ثم يعبر شارع ستة وعشرين يوليو ليصبح أمام ممر مقهى الشمس، الذي ينتهي بسوق التوفيقية.
يشتري سامح في العادة تبغه الأمبرليف من دكان في أول ممر الأمريكين، من ناحية شارع سليمان باشا الفرنساوي. ومن عادته أيضاً أن يحي أصحاب الدكاكين الصغيرة التي يتعامل معهم في الممر برفع اليد اليمنى فقط وذكر الاسم، إن كان يتذكره، أو باشا! إن تاه الاسم عن باله.
ممر الأمريكين ضيق، ومعتم، ويتسع لمرور شخص واحد، وإن كان أحدهم يقف أمام دكان ما للفرجة أو للشراء، فعلى المار أن يمر بالورب، وغالباً ما يحدث احتكاك.
هنا تعرفت بالصدفة على بيانكا! هولندية في الثلاثينيات. قضيت معها يومين رائعين! كانت تبحث في الممر عن أشرطة موسيقى شرقية لأنها تحب الرقص، وكنت أشتري باكت أمبرليف من نفس الدكان. ساعدتها في اختيار بعض شرائط الكاسيت. أحبت جداً عبد الباسط حمودة حين وضع مينا صاحب الدكان الشريط في كاسيت المحل. ثم رافقتها لشراء فول سوداني مملح وكاجو من محل المحمصات القريب في سليمان باشا. وجلسنا على المقهى المقابل لفندق كوزموبوليتان، وشربنا اثنين شاي بالنعناع، ودخنت هي شيشة تفاح، وخلال ذلك رتبنا الأمر بسرعة وسلاسة. المناهج سهلة في بيروت! وأسهلين في هولندا!
صعدت بيانكا إلى غرفتها بكوزموبوليتان أولاً. ثم تبعتها بعد دقائق. بيني وبين جميل موظف الاستقبال في رسبشن الفندق منافع. كانت ورديته نهاراً وقتها. حييته وذكرت رقم الغرفة فابتسم في تواطؤ. وفي حسد أيضاً! ظهر جلياً في رفع جميل لزاوية شدقه الأيسر وهو يقول اتفضل يا باشا الفندق كله تحت أمرك! وعندما قصدت الأسانسير الخشبي، الذي يشبه أسانسير عمارتي، التفت خلسة ولمحت في عينيه الحسد واضحاً!
بيانكا قطة لقطة! شقراء بشعر طويل حتى آخر ظهرها. وممشوقة القوام. بوجه طفولي صريح في شهوانيته. كان لحمها طرياً جداً. وتحفة في السرير! راهنت نفسي عندما رأيت قوامها لأول مرة في دكان مينا أنها غاوية من الخلف. نادراً ما خسرت الرهان! لي نظرة في الغاويات.
لما وصل سامح إلى ممر الأمريكين أخذ بصره يستعرض الغلايين، وولاعات زيبو بأشكالها وموديلاتها المختلفة المعروضة في الواجهات الصغيرة للحوانيت. لم ير أياً من أصحاب الدكاكين الذين يعرفهم. وقف أمام ثالث فترينة على اليمين وقد لفت نظره غليون صغير خفيف منمق من الخشب الأسود. قدَّر أنه تشيكي، وقال في نفسه لو جاءته نقود محترمة فسيشتريه. رفع عينيه عن الغليون وشرع في السير داخل الممر وبصره متجه للأمام. ميز بصره في نهاية الممر المعتم ما يبدو أنه حركة تصوير فيلم أو إعلان أو مسلسل. أشباح تتحرك حاملة أشياء شبحية أكد حدسه له أنها معدات تصوير. يعرف بالغريزة شكل حركة عمال التصوير التي هي مزيج من الدقة التي تميز عملهم كأفراد، والفوضى العارمة التي يحدثونها كمجموعة. مر شبح تحت بقعة ضوء في نهاية الممر فميزت عيناه شكل جسد ربيع مساعد الإنتاج في شركة أفلام أوديون.
أوبااا، ليه كده بقى!
لا مشكلة في أن يصادف أياً منهم صدفة في أي مكان، لأنه يعرف كيف يطوع سلوكه ليصبح جافاً غير لطيف وقت اللزوم. لكن ما طرأ فوراً على باله، وهو واقف وقد جمدت حركته، أن الموقف سيصبح سخيفاً إن قابل عمر محاسب شركة أوديون!
اليوم الخميس موعد قبض الأجور في نهاية يوم التصوير. من الممكن أن يرسل عمر أحد مساعديه لصرف الأجور. ولكن من الممكن أيضاً أن يحضر هو بنفسه!
كان سامح مديناً لعمر بأكثر من ألفي جنيه؛ قيمة ملابس اشتراها على مدار عام كامل من محل موباكو للملابس الجاهزة الذي يملكه عمر في شارع محمود بسيوني. لم يدفع من المبلغ مليماً واحداً حتى الآن. كله على النوتة إلى أن تفرج. عمر معروف بكرمه وتساهله الكبيرين مع زملائه من مساعدي الإخراج والإنتاج بالشركة. يسمح لهم بشراء الملابس على النوتة إن كانوا مفلسين، على أن يسددوا ديونهم حين يحصلوا على مال من تصوير فيلم أو إعلان.
قد نقابل عمر الآن وجهاً لوجه! اللف والرجوع أسلم.
وبعد أن كانت الغريزة قد أوقفته، دفعه الوعي الآن إلى تغيير اتجاهه والدوران للخلف للرجوع من حيث أتى، قبل أن يلمحه أحد من زملائه السابقين. وحالما شرع في الخطو في اتجاهه الجديد، أي القديم، اصطدم بصره بهاني عبد ربه آتياً نحوه رافعاً يمناه لأعلى وصائحاً بصوته الجهوري الفضائحي:
- سامح شكري! يااا راجل! أخيراً ظهرت!
ثم نادى بعلو حسه في الممر على أشباح فريق العمل بالفيلم:
- يا جماعة! سامح شكري ظهر آهو! كله يصقف لسامح شكري!
ورفع كلتا يديه عالياً في الهواء فوق رأسه وراح يصفق بقوة وحماسة. أعقبه صوت تصفيق وصفير عاليين سمعهما سامح من خلفه من الأشباح. شرع سامح في لف جذعه مرتبكاً بابتسامة خجلى لإلقاء نظرة على تلك الأشباح التي تحيه، فلمح بصره في طريقه أحد أصحاب الحوانيت الذي يعرف شكله ولا يتذكر اسمه وقد ظهر للتو، ولم يكن قد ظهر من قبل، مستنداً بمرفقيه على منضدة البيع يراقب الموقف. رفع سامح يمناه محيياً البائع الذي نسى اسمه وتمتم فمه باشا بخفوت. و ُهيئ لوعي سامح أن صاحب المحل، الذي لم يرد التحية، ابتسم منتظراً منه رد فعل على الموقف المحرج الذي هو فيه. عاد جذع سامح ليلف حول محوره في عكس الاتجاه حتى أصبح من جديد وجهاً لوجه أمام هاني، وقال بابتسامة مرتبكة متجمدة على وجهه:
- إيه بس يا هاني، ليه الفضايح دي!
ثم مد يده وهو يهز رأسه يميناً وشمالاً زاماً على شفتيه بلوم ليسلم على هاني عبد ربه، الذي مد له يده وصافحه بعنف متظاهراً بالغضب.
هو تظاهر فقط! أنا أعرف طبيعته ورقة قلبه.
- لا يا شيخ! إنت تسكت خالص لإني هاكلك أكل، إنت فاهم! قال هاني عبد ربه متوعداً.
- ليه بس يا إتش أنا عملت إيه! قال سامح وهو يضحك.
برق له هاني عبد ربه عينيه وقال:
- عملت إيه! لااا! ولا حاجة يا معلم! تعالى معايا.
أمسك هاني بيسراه سامح من رسغه الأيمن بقوة، وسحبه وبدأ يمشي في اتجاه مكان التصوير، مما أجبر سامح على الالتفاف بجسده والسير خلفه. همس سامح وهو يسير خلف هاني عبد ربه بخطوة:
- طب لو مصر تهزأني تعالى نقعد في مكان بعيد عن التصوير طيب!
- خايف من التهزيئ؟ قال هاني عبد ربه بغضب، ولم يتوقف عن السير، بل شد رسغ سامح بمزيد من القوة.
- ماشي يا إتش ماشي بس بالراحة طيب! قال سامح وضحك وقد خف توتره.
وصلا إلى نهاية الممر، فغمرتهما أضواء مصابيح الشارع. مصابيح التصوير كانت مطفأة، وكان عمال الإضاءة منهمكين في نقلها تباعاً من مكان لآخر وتوصيلها بكابلات الكهرباء المتشابكة الخطوط في فوضى على الأرض. حيا سامح بعض الذين يعرفهم برفع اليد والتمتمة. حيا بعض عمال الكاميرا الذين كانوا مشغولين حول الكاميرا. وحيا من يعرفهم من مساعدي الإنتاج والإخراج حين مر بهم. استعمل في التحيات يده الحرة، بينما هاني عبد ربه مستمر في سحبه خلفه. أسرع قليلاً في خطوته حتى حاذا هاني عبد ربه، فترك هاني عبد ربه رسغه حالما حاذاه. كان هاني يمشي بالقرب من حافة الرصيف المطل على شارع ستة وعشرين يوليو، بينما سامح يسير للداخل محاذياً جدران البنايات وواجهات المحلات. لمح سامح وهو يمشي مدير التصوير سمير بهزان واقفاً في ركن بعيد مظلم يناقش المخرجة أسماء البكري ومعهما الممثل صلاح السعدني، فمد خطوة وسبق هاني عبد ربه ليحجبه بجسده الفارع الربعة عن نظرهم.
جلسا على كرسيين خشبيين من كراسي المقاهي البلدي في ركن مظلم منزو على الرصيف المطل على شارع ستة وعشرين يوليو، وبمسافة فاصلة واسعة نسبياً عن حركة العمال، بما يسمح بمناقشة حميمية وخصوصية. جلس هاني عبد ربه مواجهاً لحركة عمال الفيلم، بينما أعطاهم سامح ظهره. كانت نهاية ممر الأمريكين أمام بصر هاني عبد ربه وعلى بعد بضعة أمتار على يمينه، وخلف سامح وعلى بعد بضعة أمتار على شماله. أخرج سامح باكت الأمبرليف من جيب جاكتته الجلدية السوداء. وسحب دفتر ورق البفرة الأوتومان من طية الباكت، وشرع في لف سيجارة.
- تغيير زاوية مش كده؟ قال سامح.
- أيوه، قدامنا وقت نتكلم براحتنا. رد هاني عبد ربه بصوت هادئ.
تغيير زاوية التصوير. تغيير موضع مصابيح الإضاءة. فرشة نور جديدة. ظل ونور جديدان. قياسات سطوع جديدة.
سيستغرقون على الأقل ساعة. ولكن يا ترى متى بدأوا، حتى نعرف كم بقى من الوقت لهاني لتقريعي؟
- قولي بقى إيه اللي حصل بالضبط؟ سأل هاني عبد ربه مباشرة مقتحماً لب الموضوع.
- هوه إيه اللي حصل؟!
لا فائدة من التملص! لكن المحاولة حلوة برضه.
- بطل استعباط وكلمني عدل! قال هاني عبد ربه بحدة. ثم أعاد تأكيد السؤال بقوة:
- إيه اللي حصل؟
- أبداً يا هاني ما فيش حاجة، ما إنت عارف! إنت كنت شاهد على اللي حصل! رد سامح باستسلام وأسى.
- معلش يا أخي أعذر غبائي! كلمني بصراحة وقولي إيه اللي خلاك فجأة تختفي وتسيب الشغل؟ حاصره هاني عبد ربه.
بلل سامح طرف ورقة البفرة الأوتومان الخفيفة الخالية من الصمغ بلسانه. أكمل لف السيجارة بإحكام. وضعها بين شفتيه. دس يمناه بسرعة في الجيب الداخلي لجاكتته الجلدية السوداء، وسحب منه الولاعة الزيبو. أشعل السيجارة وسحب نفساً عميقاً. أمهله قليلاً وهو في رئتيه، ثم أخرجه على مهل من أنفه. استغل ذهنه الثواني في تجميع أفكاره وترتيب حججه بسرعة. ثم قال أخيراً في هدوء:
- بص يا هاني، إنت عارف إني اشتغلت في فيلم شعبان من أول ما كان مجرد مشروع كتابة، وعارف إن الكل كان بيتهرب من الشغل معاه عشان المشروع ما كنش لسه ليه تمويل.
أخذ سامح نفساً عميقاً آخر من السيجارة، ونفثه من فوره من فمه بازدراء. وأكمل:
- لمدة سنة كاملة كنت أنا الوحيد اللي قبل يشتغل معاه، كنا أصحاب وقتها، على الأقل أنا كنت فاكر كده! قبلت اشتغل معاه بدون أجر، وكتبنا السيناريو سوا، وإنت عارف وكنت شاهد، قعدنا نعيد الكتابة مش مرة واحدة، لأ أربع مرات! إعادة كتابة كاملة من الجلدة للجلدة. بالبُنى، والشخصيات، والسرد، والحوار، والديكورات، وكل حاجة. سنة كاملة شغل ليل نهار، وإنت عارف برضه إني كنت وقتها المساعد الأول في الفيلم، وعارف إن أنا اللي كنت بعمل تقريباً كل المعاينات، وأنا اللي بعمل الكاستنج، وبروفات الترابيزة أنا اللي كنت بعملها معظمها لوحدي، وأنا اللي كتبت جدول التصوير، مش مرة واحدة، لأ أربع مرات! وكل ده وإحنا شغالين برضه تعديلات على السيناريو!
أخذ سامح نفساً قوياً طويلاً من السيجارة. رمى ما تبقى منها على الأرض بين قدميه، وسحقها بالفردة اليمنى لحذائه الكلاركس الأسود. ثم نفث خطاً من الدخان من أنفه، أتبعه بغيمة دخانية صغيرة من فمه. وأكمل:
- وبعد ده كله أعرف، وبالصدفة، إن شعبان قدم السيناريو لمهرجان لوكارنو وأخد منحة! تخيل! واسمه هو بس المكتوب في ورق المنحة! هو بس مؤلف الفيلم لوحده! ما قاليش أي حاجة وإحنا ليل نهار شغالين مع بعض! عرفت بالصدفة وأنا ببص في النت على موقع المهرجان! رحت قلت له، يا شعبان عيب ما يصحش اللي انت عملته ده، عيب عليك! قالي أنا عملت كده عشان فرصة الفيلم تبقى أكبر إنه ياخد المنحة! سكت! ما ناقشتوش ساعتها أكتر من كده عشان ما حرجوش، بس قلت له مادام أنا بقى كتبت السيناريو معاك فمن فضلك إديني جزء من المنحة، ما قالش لأ في الأول، بس فضل يماين ويماطل لغاية ما في الآخر قالي على بلاطة كده بص يا سامح فيه أوجه محددة لصرف المنحة مكتوبة في العقد بتاع المنحة، وهي لا تتضمن أي أجور للمساعدين! بعد يومين بالضبط فوجئت بسلمى مطاوع في المكتب بتقولي سلمني آخر التعديلات على السيناريو، وعايزة جدول التصوير، وصور المعاينات، والكاستنج، والتفريغات، وكل شغلي في الفيلم اللي فضلت أكتر من سنة طلعان عين اللي جابوني فيه، لإن الباشا طلب منها تنزل مساعد أول في الفيلم! تخيل إنت بقى وحط نفسك مطرحي! إزاي واحد عنده كرامة أو ذرة احترام لنفسه ممكن يشتغل ويستمر في جو بالشكل ده! يعني نشارك في المصاريف وتتسرق مننا الأرباح! بالضبط زي أي رأسمالي قذر! وبعدين يعني أي حد عنده مخ ها يفهم إيه من الحركة دي غير إنه بيطفشني! هو عارف إن حاجة زي دي مش ممكن هارضاها على نفسي وها سيب الفيلم علطول ومش ها كمل!
كان جبين هاني عبد ربه مقطباً في جدية. لم يكن ما سمعه جديداً على أذنيه. قال:
- اسمع يا سامح، كلنا في المكتب عارفين إنك اتظلمت، وعارفين إن الفيلم فيلمك زي ما هو فيلم شعبان، يا ابني إنت أكتر واحد اشتغلت في الفيلم ده وحرام تسيب مجهودك يضيع كده وحد ياخده على الجاهز! مش عشان يعني اتظلمت تقوم سايب الدنيا وماشي! كان ممكن جداً نلاقي حل بدل الاستسلام الأهبل اللي انت عملته ده! يا ابني كل حاجة في الدنيا ليها حل ما فيش حاجة مالهاش حل، ولو كل مرة ها تتظلم فيها أو حد يضايقك تقوم سايب الشغل وتتخلى عن مجهودك وتعبك فعمرك ما ها تعمّر في الشغلانة دي!
- ملعون أبوها شغلانة! بلاها يا أخي! عشان إيه يعني الواحد يتحمل قلة القيمة والقرف والإهانات! مقابل إيه يعني! ملعون أبو الدنيا على رأي المعلم نونو! قال سامح بعصبية.
- خلاص اسطفل بقى إنت حر! رد هاني عبد ربه بحدة.
وصل لوعي سامح أن هذه الحدة غضب لأجله لا منه.
سادت لحظة من الصمت بينهما. قطعها صوت هاني عبد ربه قائلاً بهدوء ورزينة:
- بص يا سامح، إنت يا ابني خريج معهد سينما قسم سيناريو، ها تشتغل إيه غير كتابة سيناريوهات وإخراج أفلام! وبعدين يعني هل إنت معتقد إنك الوحيد اللي بتتعرض للسخافات دي! يعني اخترعوا السخافة مخصوص عشانك يعني! إنت يا ابني لسه في أول الطريق! صحيح موهوب وأول دفعتك بس الموهوبين يا ابني قاعدين على القهاوي مش لاقين شغل! سيادتك مش من هنا ولا إيه! شعبان نفسه ياما اتبهدل في الأول وسف التراب أيام ما كان مساعد! إنت عارف إنه ما كانش يحلى للمخرجين ومديرين التصوير إلا تهزيئه هو بالذات دوناً عن باقي الناس! وعلني كده قدام العمال! وأنا نفسي يا ابني ياما شفت في الأول! ولغاية دلوقتي برضه!
- ماشي يا هاني بس برضه ده مش مبرر إن حق الناس يتاكل ويتسرق شقاهم! رد سامح بثبات.
- هه! حق الناس وشقاهم! تعرف إنت إيه عن حق الناس وشقاهم؟ أسكت يا ابني والنبي خلينا ساكتين أحسن! قال صوت هاني عبد ربه بمرارة.
استدعت ذاكرة سامح فوراً يوماً من أواخر أيامه في شركة أفلام أوديون.
دخل هاني إلى المكتب في الصباح الباكر صارخاً منفعلاً. لم أره أبداً في تلك الحالة من قبل! كان يصيح في اللاأحد مقطب الجبين، مشوراً بيديه، كمن ُيشهِّد شبحاً أمامه: الفرق بين الخير والشر أربعين ألف جنيه! الفرق بين الخير والشر أربعين ألف جنيه!
كان أبوه قد توفي من عدة أيام. كان لهم دكان لتجارة الأقمشة في شارع الأزهر. وكان الأب في شراكة مع أخوته، الذين استولوا على أكثر من نصيبهم في الدكان؛ لانشغال هاني في السينما. ظل هاني يصرخ في صالة الإخراج بشركة أفلام أوديون. كان قد عرف لتوه أن أعمامه قد سرقوه.
حاولنا تهدءته، لكنه ظل يصرخ بنفس الجملة مراراً وتكراراً، واحمرت عيناه، ونفرت عروق رقبته من الانفعال، حتى انهار في غيبوبة سكر، واضطررنا لنقله إلى مستشفى الجلاء لإسعافه بحقنة أنسولين. لن ُأذكره بما جرى فأقلب عليه المواجع! لا، لن أقول له إن من ُظلم من قبل أعمامه من الأولى أن يُقدر موقف عضو آخر في نادي المظلومين!
لكن سامح لم يستطع أن يمنع لسانه من استحضار حجة إضافية ليبرر لهاني عبد ربه صواب سلوكه:
- هاني بص إنت نفسك مش كنت مدير إنتاج الفيلم من الأول! واشتغلنا مع بعض وكتبنا جداول الإنتاج وجداول التصوير مع بعض! وإنت مش إنت اللي كتبت ميزانية الفيلم! إيه اللي حصل بعد كده! أول ما شعبان جاله تمويل من فرنسا كان أول حاجة عملها إنه جاب ابن اخته يحل محلك! مش ده اللي حصل ولا نسيت! على فكرة أنا عارف كل حاجة وعارف إنكم اتخانقتوا مع بعض!
بدا الوجوم على وجه هاني، وتمتم بنبرة قاطعة حازمة:
- طلبت منه يلتزم بتلات تيكات للـُشوط عشان نقدر نتحكم في ميزانية الخام، رفض، وأنا أصريت، فقال إن ده موضوع هو لوحده اللي يقرره وأنا ماليش دعوة وما اتدخلش، بس، فطلبت إنه يشوف حد تاني غيري، وعلى فكرة أنا اللي مرشح له كمال مكاني لإنه كان ساعتها المساعد بتاعي.
- أيوه عارف، بس على فكرة بقى شعبان كان عارف إنك ها تتصرف كده! هو أصلاً افتعل الخناقة على التيكات من الأول عشان عارف إنك مش ها تقبل وها تمشي! هو من الأول كان عاوز يجيب ابن اخته مدير إنتاج عشان ما يقدرش يقوله لأ زيك! رد سامح بثقة. وأكمل:
- طب إنت عارف إنه وهو بيصور ما عدش أي ُشوط إطلاقاً أكتر من تلات مرات! وفي معظم الوقت كان بياخد الـُشوط من أول تيك! يبقى كان إيه لزمته بقى!
- مين اللي قالك على الموضوع ده؟! سأل هاني بابتسامة ساخرة.
- الطابور الخامس.
- الله يلعن الطابور الخامس يا أخي! قال هاني، وقهقه وقد خفت أحزانه.
- فليحيا الطابور الخامس! رد سامح بابتسامة واسعة وقد استراح لروقان هاني عبد ربه.
- طب سيبنا من موضوع الشغل دلوقتي، ها تعمل إيه في الفلوس المكسورة عليك يا باشا؟ ست شهور في ربعمية جنيه، يبقى عليك ألفين وربعمية!
صدم هاني عبد ربه سامح بالانقلاب الحاد في المناقشة.
في الفترة التي كان فيها هاني عبد ربه مديراً لإنتاج الفيلم، كان قد وافق على طلب سامح بأن يقترض مالاً من الشركة على حساب أجره الذي لم يتحدد بعد. مبالغ منتظمة شهرية تعينه على مواصلة الحياة، لأنه كان، كعادته، مفلساً ولا يستطيع حتى الحضور للمكتب، أو الذهاب لمقابلة ممثل، أو معاينة مكان للتصوير. كان يحتاج إلى نقود للمواصلات، والطعام، والدخان. لم يكن أمر المسكن مشكلة وقتها، لأنه كان يبيت في المكتب في الأوقات التي يتأخر فيها في العمل، أو عند بعض المعارف الطيبين في الأوقات الأخرى. لم تكن لديه صديقة في تلك الفترة، لأنه كان مشغولاً في الفيلم، ولم يكن لديه متسع من الوقت أو الجهد للبحث. وافق هاني عبد ربه على مسؤوليته الشخصية على أن تخصص له الشركة مبلغ أربعمائة جنيه شهرياً، على أن تخصم تلك المبالغ من أجره حين يتم تحديده بعد توفير تمويل للفيلم. قبض سامح ستة أشهر، ثم اختفى.
رد سامح وهو بعد مأخوذاً بمفاجأة السؤال:
- طيب، بس، طب مش ممكن نعتبر المبلغ ده أجري في الفيلم؟! أنا اشتغلت سنة يا هاني! أكتر من سنة كمان والله! اشتغلت مقاول ومناول وبنا! وعلى إيدك يعني! ده أنا حتى كنت بعمل الشاي والقهوة للممثلين!
- لا يا باشا ما ينفعش! إنت أصلاً ما مضتش عقد لسه مع الشركة! الفلوس دي متقيدة في الميزانية دين عليا أنا شخصياً! رد هاني عبد ربه بهدوء.
اجتاح سامح شعور بالحرج.
- بس، في الحقيقة، بص يا هاني بصراحة كده أنا ما ماعيش حالياً ولا مليم واحد! وحاول أن يداري حرجه بابتسامة في الظلام، لم تفلح كثيراً في مدارة حالته التي فضحتها نبرته.
سمع سامح صوت طق حنك هاني عبد ربه. ثم سمع صوت تنهيدة تأفف طويلة، ثم صوته يقول أخيراً بتعاطف:
- لا حول ولا قوة إلا بالله! طيب يا ابني ها تعيش إزاي! ها تعيش منين؟ تحب اتدخل وأرجعك الشركة تاني؟
- لا يا هاني كتر ألف خيرك، أنا محتاج آخد هدنة من السينما شوية. رد سامح وهو يشعر بمزيج من الكبرياء والندم.
- تاخد هدنة من السينما! لا حول ولا قوة إلا بالله! يا ابني هو انت لسه بدأت عشان تاخد هدنة! قال صوت هاني عبد ربه ممتعضاً في سخرية.
ابتسم سامح في خجل. كان يكن احتراماً كبيراً لهاني عبد ربه، ويحبه.
في وقت قصير تعلمت منه الكثير، وفي مهنة يشح فيها نقل الخبرة الحقيقية من شخص لآخر! المعرفة في السينما تعني الترقي، والمال، والاحترام. ولا أحد على استعداد لمنح خبرته مجاناً للمنافسين. هاني فعل، حتى دون أن أطلب! ويفعل دائماً مع الآخرين الذين ينالون احترامه. إذا قال: الولد ده بتاع شغل، أو البنت دي بتاعة شغل، فسيمنح بالتأكيد كل خبرته وهو سعيد.
هو طيب جداً، بالرغم من قسوته في العمل؛ لزوم السيطرة على فريق التصوير وسياسة الأمور على نحو يقود لبر الأمان. لا ديمقراطية في السينما، توديك في داهية! هاني هو أنظف من قابلتهم في مكتب أوديون على الإطلاق.
أنقذه نداء عال مُشرَّب بلكنة أرستقراطية من صوت أسماء البكري يطلب حضور هاني عبد ربه لمكان الكاميرا. نهض هاني فوراً بجدية ونشاط، واتجه بخطوات سريعة إلى الكاميرا وهو يصيح:
- حاضر يا أستاذة!
وبعد أن خطا بضع خطوات، التفت لسامح وقال بصوته الجهوري الفضائحي:
- سامح! خلاص اعتبر الموضوع منتهي.
أكمل هاني عبد ربه مشواره إلى الكاميرا.
وبدا وكأن حركته مغناطيس قوي. رأت عينا سامح كل فريق الفيلم من العمال، والمساعدين، وفنيي الصوت والإضاءة والإكسسوار، وكأنهم برادة حديد تتجمع بسرعة لتلتحم بهاني عبد ربه. رأت عيناه من يخرجون من وراء السيارات المركونة على الرصيف، ومن خلف الجدران، ومن الشقوق المظلمة حيث كانوا يرتاحون أو يدخنون سجائر الحشيش والبانجو أو يشربون الشاي ويثرثرون، ليضموا على هاني عبد ربه في كتلة غير منتظمة.
قام سامح. وَشكرَ لانشغال الخلق عنه، عابراً الطريق إلى ممر الشمس، ومدندناً:
غدٌ بظهر الغيب واليوم لي
وكم يخيب الظن في المقبل
لا توحش النفس بخوف الظنون
واغنم من الحاضر أمن اليقين
فقد تساوى في الثرى راحل غداً
وماض من ألوف السنين
أطفئ لظى القلب بشهد الرضاب

3

دار القضاء العالي على يسار سامح وهو يعبر شارع ستة وعشرين يوليو؛ شبح شامخ في العتمة. وصل إلى الرصيف العريض، المقابل لرصيف تصوير الفيلم، فاتجه إلى ممر مقهى الشمس، ماراً على محل الخمور على قمة الممر، وإلى يساره. تمهل وهو يمر بالواجهة الزجاجية العريضة المتجهمة للحانوت، وراح بصره يستعرض زجاجات الخمور المحلية وابتسامة هزء على شفتيه المزمومتين.
خمور رديئة الطعم والمفعول. رأس العبد. أربعة وثمانون. عرق اليانسون. ِرد لِبل ويسكي تقليد سيء جداً؛ كوبي رديئة مثل المصنعات الصينية التي تغرق الأسواق. عمر الخيام. أوبلِسك. رائحة كحول صريحة تهب من داخل الدكان.
واصل المشي، وبدأت موائد المقهى تظهر مزدحمة بالزبائن الشباب على الصفين.
إن كان نصار الفلسطيني موجوداً الليلة فلن نجده في أول الممر، بل في آخره، على طاولته المفضلة الملاصقة لباب المقهى، وفي مقابل من يغسلون حزم البقدونس، والكسبرة الخضراء، والـُكرات، والبصل الأخضر، لتحضير الطعمية التي يقليها محل الطعمية الذي بلا اسم في نهاية الممر. يجلس نصار هناك مقابل أقفاص الخضرة يدخن الشيشة التفاح ويتفرج على الصبي الذي يرشها بخرطوم المياه. ويحب أيضاً أن يراقب سعيد بائع سندوتشات الكبدة والسجق وهو يعمل على عربته الصغيرة المملوكة للمقهى، والتي تقف ثابتة في نفس المكان في مواجهة الباب الكبير المفتوح للمقهى. في منتصف الليل تماماً، ينادي سعيد على قطط الحي بصفير مميز، فتأتي تباعاً في خيلاء وتأني. بلا عجلة ولا مسارعة. يأخذ في إلقاء لقيمات صغيرة ملتاثة ببهريز الكبدة والمخ والسجق إلى كل منها على حدة، وهي تتلقاها جالسة على قائمتيها الخلفيتين في كبرياء في وضع يماثل تماثيل القطط الفرعونية. آباء هول. في منتهى الهدوء. لا صراع ولا خطف. يوتوبيا! يبدو كما لو أن هناك اتفاق على التزام الأدب في تلك اللحظات. الكل يأكل والكل ينبسط والكل يسعد. وسعيد الطويل النحيف ذو النظارات الطبية يحرص على توزيع لقيماته بالعدل؛ على القطط الكبيرة، والقطط الصغيرة، القطط القوية، والقطط الضعيفة. يستمر طقس الكرم، والعدل، والكبرياء، والسعادة، لنصف ساعة بعد منتصف الليل. كل يوم، في نفس الساعة.
طاف بصر سامح سريعاً على الرواد الجالسين بجوار بوابة المقهى.
نصار الفلسطيني غير موجود، خسارة! لا حظ لنا الليلة!
لمح سامح عماد فكري جالساً على منضدة في الجهة المقابلة لبوابة المقهي، وكرسيه ملاصق للحائط، في مكان وسط بين محل تصوير الورق المملوك لأصحاب المقهى، ودكان الحلاقة المملوك لأصحاب المقهى.
عماد فكري مشغول مع طبق كرتون عامر بالحلويات الشرقية المشكلة. كنافة، وبسبوسة، وجلاش. أكيد من العربة الصغيرة في آخر الممر. عربة صغيرة بالكاد تتسع لصاج واحد مدور من كل صنف، لكن حلوياتها أشهى من أفخر حوانيت الحلوانية! سعرهم زهيد أيضاً. ليست ملكاً لأصحاب المقهى. لكن ما إن تشتري طبق حلويات من العربة وتجلس إلى منضدة على المقهى، حتى تنشق الأرض عن الجرسون وفي يده كوب زجاجي طويل مترع بالماء يضعه أمامك في أدب وصمت. الماء يساعد على البلع. الشيء لزوم الشيء.
لم يلحظ عماد فكري اقتراب سامح من طاولته لانهماكه مع لذة الحلويات. كان لتوه قد حشر في فمه أكثر من طاقته، فتناول كوب الماء وشرب ليسلك زوره. توقف سامح أمام المنضدة ورمى السلام:
- مساء الفل يا عمدة.
سحب عماد فكري رأسه للخلف، ورمى بصره عالياً مدققاً لضعف بصره، وبإبهامه الأيسر دفع قصبة النظارة دفعة رقيقة لحضن قصبة أنفه:
- هاهاها، سامح شكري! حبيييبي! قال عماد مبتهجاً.
كانت معه فتاة مصرية، تعرفها سامح، ولكنه تظاهر بعدم معرفتها.
ياسمين الجمل. منين ياسمين ومنين جمل! شاعرة، شعرها نسوي أكثر مما ينبغي، متعال أكثر مما ينبغي. لها بيت شعر تقول فيه أنا أجمل صديقاتي!
مستحيل أن يطلب إنسان عاقل مالاً من عماد! سيحرج نفسه فقط ولن يعطيه عماد شيئاً. حتى لو كان قابض حالاً ومتريش! لم يسلفني يوماً، وكان يكتفي في كل مرة باقتراح اقتراحات كلها مستحيلة! إكتب مسلسل يا سامح المسلسلات ماشي سوقها اليومين دول. بس أنا محتاج فلوس ضروري الآن حالاً فوراً يا عمدة والمسلسل ألف مشهد! طب أكتب مقال لجورنال خليجي، بيدفعوا كويس في الخليج.
من عامين تقريباً طلبت منه سلفة. لم يقبل ولم يرفض. رد بموضوع آخر تماماً. ما تكتب مقال لجورنال الحياة بيدفعوا كويس في الحياة. ما هو أنا فعلاً يا عمدة بكتب ساعات في الحياة، بس الحقيقة ما بيدفعوش كويس ولا حاجة، دول بيدوني متين جنيه في المقال! متين جنيه يا عبيط! يا ابني إبعت المقالات مباشرة للإدارة في لندن، هناك الإدارة بتدفع لغاية ربعمية سترليني في المقال، أما لو سلمت المقال لمكتب القاهرة فهايدوك ملاليم بس! وسمعت كلامه، وبعثت مقالاً إلى إدارة الجريدة في لندن عن الفيلم الأخير لديفِد لِنش؛ الطريق المفقود لوست هاي وي. نشروه لكنهم لم يدفعوا شيئاً. راسلتهم عدة مرات مطالباً بالمكافأة. طلبوا مني أخيراً أن أراجع مكتبهم في القاهرة. ذهبت لمكتب الحياة في القاهرة فقالوا لا شأن لنا بما أرسلته إلى لندن، أنت أرسلت المقال إلى لندن رح خذ مكافأتك من لندن! اعتبروا مراسلة المكتب الرئيسي تجاوزاً لهم. إهانة. ثم امتنعت الحياة بعدها عن نشر أي شيء لي. لندن، والقاهرة، الاثنتان كلتاهما. وآدي أخرة المشي ورا اقتراحات عم عماد!
بخله ليس جديداً عليّ، أعرفه من أيام المعهد! كنت في السنة الأولى، وعماد في سنته الأخيرة بقسم السيناريو. كان يجمع الطلبة حوله مبكراً في الصباح في حديقة المعهد التي هي ليست بالحديقة ويلقي عليهم تأملاته عن أفلام برجمان، وأنطونيوني، وتاركوفسكي. الواحد لسه ما فقش من النوم وكفران من المواصلات وروحه في مناخيره ويقوم لابس على غيار الريق برجمان وأنطونيوني وتاركوفسكي!
عماد ممتاز في التسليات الفكرية. التسليات الراقية. أكثر من ممتاز الحقيقة! معجم استبصارات مدهشة. لكنه كإنسان لا يمكن الاعتماد عليه. عماد وفي نفس الوقت لا يُعتمد عليه! سبحان مسمي الأسامي وواصف الصفات!
قاتل بالفطرة! شديد القسوة. إن لم ترق له يمكنه بسهولة أن يفعصك بإصبعين كما يفعل مع حشرة دون أن ينتابه أي تأنيب ضمير. نيتشاوي! نيتشه الكاتب، لا نيتشه الإنسان. نيتشه الإنسان خرج في أحد الصباحات للتريض فرأي عربجياً يضرب حصانه بالسوط، فعاد إلى بيته مغموماً ولازم الفراش مريضاً لعدة أشهر قبل أن يموت. نيتشه الإنسان بهذه الرقة! كاتب هو ذا الإنسان، وعدو المسيح، وما وراء الخير والشر! بس لو ماكنتش رقيق وحنين! تحدث دُستويفسكي مرة في إحدى رواياته عن أن كبار الكتاب الإنسانيين يحبون الإنسانية ويدافعون عنها ككل كامل متكامل، لكنهم يكرهون البشر كأفراد فرادى فرائد. خصوصاً الأقربون إليهم. الأولى بالمعروف، أولى بالكراهية. أذكر ذلك في رواية الشياطين، أم المراهق، أم الإخوة كارامازوف، أم رواية أخرى؟ نسيت. هل يمكن إذن اعتبار حالة نيتشه هي النقيض؟ يكره الكل ويحب الفرد.
- إنت فين يا ابني وحشني مختفي بقالك فترة! قال عماد فكري بفرحة بدت في ابتسامته الطفولية العريضة.
دعاه عماد فكري للجلوس. عرفه على ياسمين الجمل. وتظاهر سامح بأنه لا يعرفها. يعرف عنها أيضاً أنها تنشر دواوينها الشعرية في دار شرقيات. عماد فكري أيضاً ينشر رواياته في دار شرقيات. هنأه سامح على روايته الأخيرة، التي صدرت من عدة أيام، وأثنى بصدق عليها. السرور يذبح القلب. شكره عماد فكري وخفض رأسه خجلاً. مد سامح يده وأخذ قطعة جلاش بالمكسرات من طبق عماد فكري الكرتوني، ودسها سريعاً في فمه.
لذيذة جداً!
عماد يقول للجميع، وفي كل مكان، إنه قطع علاقته نهائياً بالسينما بعد فيلمه الأخير رحلة السيد المرحوم. لكن فتحي عبد السلام قال إنه يكتب حالياً سيناريو فيلم قصير لقناة الجزيرة عن عمالة الأطفال.
راقبه عماد فكري وهو يأخذ قطعة الجلاش ويدسها في فمه. لم يدعه لأخذ المزيد. نقصت الحلويات واحدة.
- وانت أخبارك إيه؟ تمتم عماد.
- عال ماشي الحال، وإنت يا باشا عامل إيه إيه الأخبار، ياترى فيه مشاريع سينما جديدة؟ رد سامح.
- سينما مين يا ابني، هي فين السينما دي، ما خلاص راح اللي راح! قال عماد فكري.
خسارة! سيناريست شاطر جداً وواع. كاتب متين مثله ويبطل في أول الطريق! الليبيون يقولون على القوي المتين بلهجتهم: صْحَيِّحْ. الشركتان الكبرتان احتكرتا السوق، وذبحتا الشركات الصغيرة والمبادرات الفنية الحقيقية. سمك كبير يأكل السمك الصغير. تصنعان الأفلام كمصانع السجائر. صيف بقى وخلي العيال تنبسط! هكذا قال ماجد مراد مدير الشركة العربية حين أبديت له امتعاضي من مستوى الأفلام التي تنتجها شركته.
- بالمناسبة يا سَموّحة، مقالك عن تشابلن عظيم! التشريح الهادي لحركاته الجسمانية وتفسيرها المنطقي هايل يا ابني! وظهر تفسيرك الماركسي للنفاية اللي بيستعملها باعتبارها سلعة، وعملت ده بشاعرية لا يعترض عليها أو يلاحظها حتى الماركسيين نفسهم! ودرة التأويل عندك بقى هيّ موضوع النسيان! ينسى تشابلن الضغينة اللي اتكلم عنها نيتشه واللي سممت الحضارة الغربية من أول المسيح، مش غريب إن تشابلن يكون أبعد ما يكون عن الدين، هايل يا سامح والله! عبقري يا ابني والمقال يحتاج لمكالمة طويلة!
- ألف شكر يا عماد دي شهادة والله! وما تطلعش إلا من فنان كبير زيك! أكيد ها نتكلم الليلة، بنا مكالمة طويلة. قالها سامح وهو يشعر بمزيج من الفخر والخجل لمدح عماد فكري له أمام ياسمين.
عماد عظيم! إنسان رائع. إن أعجبه فيلم أو كتابة لا يتردد في مدحها ومدح صاحبها أمام الجميع. ليس لديه عُقد المثقفين. الغيرة غير موجودة. وأبعد ما يكون عن الضغينة. يعتبر نفسه أكبر من ذلك بكثير. أنا تلميذ صغير، والمعلم لا يغير من مدح تلميذه.
إذن، ُنشر المقال في عدد هذا الشهر من الفن السابع! بعد مرقص أعدي عليهم آخذ نسخة. وإن وجدت فتحي عبد السلام موجود فسيعطيني خمس نسخ. لكنهم لا يدفعون المكافآت إلا بعد أسبوع على الأقل من النشر! مائة وخمسون جنيهاً. حلوين برضه ينفعوا. المجلة مفلسة أصلاً، ومحمود حميدة يدفع مصاريفها من جيبه الخاص. إلى متى سيتحمل جيبه؟ مصاريف بلا أرباح. أشياء كثيرة توشك على الإقفال هذه الأيام. خراب. تفاليس. الخصخصة وخفض قيمة الجنيه أمام الدولار لأجل خاطر السوء الحرة! كله يهون لأجل خاطر الكارتلات وممثلهم صندوق النكد الدولي. دعه يعمل دعه يمر دعه يلعب في أستاه الناس.
وقف سامح ورفع كلتا ساعديه لأعلى:
- طيب يا عمدة بقى أستأذن أنا.
- يا ابني خليك قاعد إنت لحقت، أقعد معنا شوية! كنا في شرقيات وقلنا نقعد ساعة كده قبل ما نروَّح. أقعد معانا شوية! قال عماد فكري.
- معلش يا عمدة بس مدي ناس ميعاد والله وزمانهم مستنين في الشارع، معلش يا باشا ملحوقة. رد سامح.
- طب كلمني بقى في التلفون لما تروَّح. قال عماد فكري.
- حاضر يا زعيم، أكيد والله بنا تلفون النهارده أول مارجع البيت، على اتناشر كده ماشي؟! قال سامح وهو يصافح عماد الجالس.
- آه اتناشر حلو.
صافح سامح ياسمين.
- فرصة سعيدة قوي يا ياسمين.
- أنا اللي أسعد يا سامح. ردت ياسمين.
تحرك سامح ناحية نهاية ممر الشمس باتجاه سوق التوفيقية.
من الممكن فعلاً أن أهاتف عماد فكري ونتحدث طيلة الليل حتى الصباح. عندنا تليفون أرضي في الشقة متاح حتى الصباح. وعماد غاوي أحاديث التليفون مثلي تماماً. إن لم يكن هناك تسلية أفضل هذه الليلة فسأهاتفه ونرغي للصباح. في ليالينا التليفونية نذهب كلينا للمطبخ ونعد القهوة ونعود لنكمل الحديث. ثم نذهب للمطبخ ونعد عشاء آخر الليل ونعود لنكمل الحديث. المكالمات التليفونية مع عماد متعة! متعة عقلية. المكالمات دائماً على حسابي، ولا مرة واحدة كانت على حسابه! على حسابي من الناحية النظرية لأنني لا أدفع فواتير التليفون. ولا مرة دفعت فاتورة تليفون. إن لم أجد تسلية أفضل سأكلم عماد. بالتأكيد لن أستطيع النوم الليلة. ربما ساعتان فقط أو ثلاث ساعات. عموماً لا حاجة للكثير من النوم. ولا قصَّر في الأعمار طول السهر! تشرشل كان يعمل حتى الرابعة فجراً، ثم يدخل لسريره، ويجده مساعدوه على مكتبه في الثامنة صباحاً! أنا لا أعمل شيئاً، فلماذا أنام أطول منه؟ ونابليون كان ينام في منتصف الليل، وينهض في الثانية صباحاً، ويظل يعمل في مكتبه إلى الخامسة صباحاً، ثم يأوي للفراش وينهض في السابعة صباحاً ليبدأ العمل من جديد حتى منتصف الليل. أنا لا أعمل شيئاً، فلماذا أنام أطول منه؟ نابليون قال إن الرجل الذي ينام أكثر من أربع ساعات يومياً هو إما أبله، أو مريض!
خطا سامح سريعاً الخطوات الباقية على نهاية الممر، ثم انحرف يساراً متجهاً لمحل مرقص للحوم ومصنعات الخنزير. نزل من على الرصيف، ومشى في بطن الشارع المترب بعيداً عن محلات البقالين. على الصفين فرش خضار، وأكوام فاكهة شتوية متنوعة؛ برتقال، ويوسفندي، وكانتلوب، وفراولة، وتفاح، وموز، وبلح زغلول، ورمان، وأبو فروة. ظهر محل مرقص للحوم على بعد عدة خطوات إلى اليمين. صعد الرصيف، وتجاوز عتبة المحل متقدماً وئيداً وقد لمح روماني بقامته الطويلة وكفيه الضخمين المعتمدين على النضد. حياه:
- مساء الخير يا روماني إزيك.
- وعليكم السلام ورحمة الله، إزيك يا باشا. رد روماني بابتسامة ترحيب ودودة.
- عال الحمد لله، وإنت إزيك عامل إيه. سأل سامح بابتسامة ودودة أيضاً.
- الحمد لله في نعمة. رد روماني وهو يومئ برأسه.
لحظة صمت غير مريحة في انتظار سؤال روماني الذي لم يتأخر كثيراً:
- أؤمر حضرتك، أجيبلك إيه؟
- ربع سوسيس وحياتك. رد سامح.
- حاجة تاني؟! سأل روماني.
- ألف شكر ما نتحرمش. رد سامح.
حاجة تاني؟! أجبلك إيه تاني؟! دائماً نفس سؤال البقالين! يُعوِّدونهم على ذلك منذ الصغر. أجبلك إيه تاني؟ وشيئاً فشيئاً يروقهم الأمر فيما بعد! لذة إحراج الزبون إحراجاً طفيفاً غير محسوس غير ملموس. غمزة مهماز خفيفة في خاصرة الزبون. وقد يطلب شيئاً إضافياً منسياً، أو حتى لا يحتاجه!
لاحظت عينا سامح أصابع كف روماني الغليظة وهي تمسك بجدائل حبال السوسيس. فصل روماني الوزن المطلوب بمجرد لمسة بنصل سكين اللحوم لمفصل الموضع الذي قدره بين قطعتين متصلتين.
سيضع الآن السوسيس على ورقة بيضاء خفيفة، ثم على الميزان الذي سيعلن مائتين وخمسين جراماً بالضبط. ربما جرام أو اثنان زيادة لزوم الكرم. روماني يده ميزان!
لما كنا في المحلة الكبرى، كانت ماما ترسلني لشراء حلاوة طحينية وجبن اسطانبولي من عم أحمد البقال في شارع البحر. كان مسطولاً على الدوام. أفيونجي! يقف على النضد بالجلابية المكوية الناصعة البياض وهو في عالم آخر. في منتهى السكينة. أطلب منه ُثمن حلاوة، فيتناول السكين الكبير ويفصل من قرص الحلاوة الضخم الوزن المضبوط بالجرام؛ لا جرام زيادة، ولا جرام ناقص! يده ميزان، حتى وهو مسطول! البقال بقال ولو مسطول.
ابتسم روماني لسامح وهو يضع اللحم الذي قطعه على الميزان.
مئتان وثلاثة وخمسون جراماً. كريم يا روماني! ربنا يخليك يا ابني.
قال محب إن روماني سأله مرة باستغراب كيف يأكل الأستاذ سامح لحم الخنزير وهو عندهم حرام؟ رد محب بأنني عشت لسنوات في أوروبا واعتدت هناك على أكل لحم الخنزير. ضحكت عندما حكي لي.
لف روماني الورقة البيضاء بإحكام حول السوسيس. ثم في كيس نايلون أزرق، ناوله لسامح.
- بألف هنا يا أستاذ.
ناوله سامح الخمسة جنيهات وهو يقول:
- ألف شكر يا روماني ما نتحرمش يا رب.
أخذ روماني الخمسة جنيهات، ودس يده في جيب البالطو الأبيض الذي يرتديه وأخرج جنيهاً ناوله لسامح. أخذ سامح الجنيه ودسه في الجيب الأيمن للجاكت الجلدي الأسود.
انتقل الجنيه من جيب إلى جيب، هو نفس الجنيه! حركة النقود. جوهر التجارة.
- العفو شرفت يا أستاذ، مع ألف سلامة. رد روماني مودعاً.
- الله يسلمك.
استدار سامح خارجاً من المحل. تجاوز العتبة، وهبط من الرصيف وظهره لمحل مرقص للحوم الخنزير. وقف ثابتاً في مكانه لدقيقة، أو أقل، مفكراً في أسلم سكة إلى شارع محمود بسيوني.
علينا تجنب مقهى الشمس، لأن عماد لايزال هناك مع ياسمين. قد يكون نصار قد حضر للمقهى الآن. لا، من الأفضل انتظار فرصة أخرى. أو تدبير نقود من مكان آخر. سأحاول مع مريم غداً. يجب أيضاً تجنب ممر الأمريكين والتصوير هناك. إذن نكمل في سوق التوفيقية، ثم ننحرف يساراً في حارة الشواربي لنخرج إلى ستة وعشرين يوليو، ثم نكمل حتى شارع رمسيس، ثم معروف، ومن معروف نأخذ أول يمين ونخرج إلى محمود بسيوني، ثم بضع خطوات إلى اليسار وندخل عمارة الفن السابع.
دخل سامح البهو الكبير للعمارة الستينية، وارتقى بضعة سلالم، ومن على يمينه دلف إلى باب مكتب مجلة الفن السابع المفتوح. حيت يمناه شخصاً، لم يسبق أن رآه من قبل، كان جالساً إلى مكتب الاستقبال. أشارت سبابة نفس اليد إلى غرفة مكتب فتحي عبد السلام، وتوقفت اليد وسبابتها في وضعهما معلقين في الهواء، مع شرح باللسان، واستمرار في المشي بلا توقف، وثبات للعينين في اتجاه محدثه لزوم اللياقة:
- الأستاذ فتحي عبد السلام هو في انتظاري.
- اتفضل حضرتك. قال المجهول الجالس إلى مكتب الاستقبال.
- متشكرين. رد سامح وهو يؤكد حروف الكلمة.
أنزل إصبعه، وعدل رأسه للأمام وهو مستمر في خطوه، حتى توقف على عتبة مكتب إلى يمينه. أطل برأسه من فتحة الباب الموارب فرأى فتحي عبد السلام جالساً إلى مكتبه في عمق الغرفة على يسار الداخل. أربعيني، ممتلئ قليلاً، يرتدي قميصاً أزرق ملكياً.
مصممو المكاتب المخضرمون يصممون باب المكتب في إحدى الزاويتين، لا في منتصف الحائط؛ حتى يخففوا من صدمة الداخل للمكتب، فلا يواجه مباشرة الموظف الجالس إلى مكتبه. كانوا يجيدون عملهم في الستينيات!
- فتحي! صاح سامح ببهجة.
قميص فقط يا فتحي في هذا البرد! على اللحم! وأزراره مفتوحة حتى البطن تقريباً! لحمه أجرد. بعضهم ينتف شعر صدره بالحلاوة الحريمي، أو ينزعه بنازع طبي. أكيد أفرط في الشرب فسخن جسده. عيناه الناعستان تؤكدان حالة السكر. الدفء في عز البرد! فك أزرار القميص. فك أزرار الروح. ربنا يوعدنا! الكحول مطهر.
رفع فتحي عبد السلام عينيه عن كتاب مفتوح أمامه، ونظر ناحية الصوت.
- سامح شكري! مساء الجمال يا فنان، إتفضل. قال صوت فتحي عبد السلام ببطء وهو يحاول أن ينطق الحروف سليمة حتى لا يظهر سكره.
خطا سامح للداخل. سلم على فتحي عبد السلام الجالس. ثم جلس على كرسي إلى يسار فتحي؛ حتى تكون زاوية رؤية الباب ومن يتحرك خارجه مفتوحة أمامه.
- يا علاء! نادى فتحي عبد السلام وقد فاق وعيه قليلاً.
ثم قال لسامح:
- تاخد شاي ولا قهوة؟
طب اسقنا مما أسقاك الله يا أخي! قال سامح في نفسه. لكن لسانه رد:
- قهوة يعني إذا كان ممكن.
أشرب عشرين فنجان قهوة في اليوم دون أن أفعل شيئاً ذا بال! يا ترى متى سنفعل شيئاً يستحق كل هذه القهاوي؟
- مقالك عن شابلن اتنشر في العدد الجديد! قال فتحي عبد السلام وهو ينظر لرأس سامح.
- آه عرفت، قابلت عماد فكري من شوية وقالي. رد سامح.
- فعلاً! إبن الإيه، الندل! شفته فين؟ سأل فتحي عبد السلام.
- على قهوة الشمس من شوية. قال سامح.
همهمت شفتا فتحي عبد السلام، ثم ثبتت عيناه في الفراغ.
سرح! غالباً في اللاشيء. تاه. هدنة من عناء الطريق. ماذا شرب يا ترى؟ تكيلا؟ فودكا؟ أم شيء آخر أثقل؟ مشروب سكندنافي يصل تركيز الكحول فيه إلى ثمانين بالمائة! يا عيني. وهناك مشروبات تركيزها الكحولي أعلى! إفر كلير الأمريكاني يصل تركيز الكحول فيه إلى أكثر من تسعين بالمائة! كحول صاف يا معلم! مشروبات يحتاجونها في الأجواء الباردة. عندنا هنا حار جاف صيفاً، دافئ ممطر شتاءً. لكن لا بأس من شرب كأس منها من حين لآخر، من باب المغامرات.
- كنت بقولك يا فتحي! قال سامح بصوت أعلى من المعتاد.
فتحي انتبه. فاق. رجع للطريق!
التفت فتحي عبد السلام برأسه وعينيه ببطء إلى يساره.
- لو ممكن يعني من فضلك خمس نسخ من العدد الجديد يبقى كتر ألف خيرك يا باشا. قال سامح.
- آه آه، طبعاً طبعاً، حالاً، يا علاء! نادى فتحي عبد السلام بصوت قوي.
حضر علاء هذه المرة. لم يحضر عند النداء السابق. لازم النداء يكون بقوة!
وقف علاء على عتبة باب الغرفة مستفهماً بعينيه وناظراً ناحية فتحي عبد السلام. عشريني، متوسط القامة، نحيف، ببشرة بنية داكنة، وقميص وبنطلون بنيين داكنين.
- علاء هات خمس نسخ من العدد الأخراني للأستاذ سامح. قال صوت فتحي عبد السلام.
ثم تذكر:
- واعملنا اتنين قهوة. والتفتت عيناه لسامح وسأل:
- قهوتك مضبوطة مش كده؟
- تمام. رد سامح مبتسماً ابتسامة واسعة لفتحي عبد السلام.
ظلت رقبة فتحي على وضع السؤال الأخير، ولكن عيناه كانت تنظران في الفراغ، لا إلى سامح. نظرت عينا سامح إلى وجهه في حنان. ثم حسده على حالة الطفو الخفيف للروح على الوعي. ثم نزلتا من رأس فتحي عبد السلام إلى ما كان يقرأه على سطح المكتب قبل دخوله. اشرأب سامح بعنقه، ومال بجذعه إلى الأمام. ثم لوى رقبته عكس اتجاه عقارب الساعة ليتمكن من قنص بعض الكلمات. وأخيراً مد يمناه وأدار الكتاب على محوره ناحيته فقرأت عيناه التالي:
"ثم أجرى بعض التغييرات عليها قبل تقديمها إلى الجريدة لأنه كان يعرف بالضبط كيف ينبغي تعديلها لتصبح قصصاً تشتريها المجلات. صدمني ذلك وقلت إنني أظنه نوعاً من البغاء. قال هو البغاء. ولكنني مضطر لذلك."
طوى سامح دفة الكتاب بأصابعه اليمنى، مع الحرص على عدم غلقه بالكامل. وقرأ على الغلاف:
الوليمة المتنقلة. إرنست هِمنجواي. ترجمة علي القاسمي. دار المدى. دمشق.
لام نفسه لأنه لم يخمن هِمنجواي من أسلوبه. لكن وعيه عاد ليطمئنه بأنه لو كان أعطى نفسه فرصة أطول للقراءة لكان سيخمن بالتأكيد أسلوب هِمنجواي.
استعجلت يا باشا في اكتشاف المعلومة من الغلاف! عماد فكري دائماً يقول: الأسلوب شرف الكاتب. يا سلام لو قال عاهة مستديمة! لو نيتشه كان قالها. نيتشه أستاذ القلب.
- إمتى صدر ده يا فتحي؟! إشتريته ولا هدية؟! سأل سامح بفرحة تعتريها دهشة.
عادت عينا فتحي عبد السلام إلى الوعي. قال في بطء:
- لأ اشتريته من مدبولي، شفته قبل ماجي المكتب.
- كان في المكتبة ولا في المخزن؟! سأل سامح باهتمام.
- لأ في المخزن، لسه ما نزلهوش المكتبة. تمتمت شفتا فتحي عبد السلام.
أحس سامح من صوته أنه يحن للعودة لحالة الطفو.
إذن لابد من المرور على مخزن مدبولي قبل الرجوع للشقة!
دخل علاء حاملاً خمس نسخ من المجلة وسادة على راحتيه. قدمهم لسامح.
- اتفضل حضرتك. قال علاء بأدب.
- متشكرين يا علاء. رد سامح وهو يتناول أعداد المجلة من وسادة راحتي علاء إلى وسادة راحتيه.
خرج علاء من الغرفة. وضع سامح نسخ المجلة على حجره. فتح أولاها وبحثت عيناه في الفهرس عن رقم صفحة مقاله المنشور. ومبتسماً فرحاً راح يقلب صفحات المجلة حتى وصل إلى مكان الصفحة. استعرضت عيناه بسرعة بدايات الفقرات، والصور المرفقة التي أوصى بنشرها مع المقال. اطمأن أن كل شيء قد ُنشر كما ينبغي. ناولته يمنى فتحي مظروفاً كبيراً مقاس إيه ثري. تناولته يسرى سامح وشكره صوته:
- متشكرين يا باشا!
فتح سامح المظروف، وأدخل فيه نسخ المجلة، وطوى رقبته، ثم أراحه على ركبتيه. والتفت إلى فتحي عبد السلام وقد قرر أن يفتح الموضوع:
- فتحي كنت بقولك، الـ، المكافأة بتاعة المقال، هل ممكن يا ترى نستعجلها شوية؟! أصلي الحقيقة يعني على الحديدة!
اتسعت عينا فتحي عبد السلام وارتفع حاجباه.
فاق الآن! لا شيء يفيق مثل المال. رجوع من ملكوت السماء إلى أرض الواقع. هبوط اضطراري! هبوط خشن. آسف يا صديقي حقك عليّ!
- والله يا سامح يعني فعلاً الأحوال سيئة جداً، جداً يعني فوق ما تتخيل! قال فتحي بنبرة حزن. وأكمل:
- للأسف يعني الدنيا اليومين دول أسوأ من كل مرة! تصدق إن إحنا ماقبضناش مرتبات من شهرين وأكتر!
- ياااه! معقول! للدرجة دي؟! تسائل سامح مندهشاً.
- مصيبة الحقيقة! مصيبة فعلاً! ها نقف خلاص مش ها نقدر نكمّل بالشكل ده! مضطرين غصبن عننا نقف للأسف! قال صوت فتحي عبد السلام بأسى.
إذن أفلسوا أخيراً!
دخل علاء حاملاً صينية القهوة. وضع أولاً فنجاناً أمام سامح على المكتب، ثم فنجاناً على يمين فتحي، ثم كوباً مترعاً بالماء بجوار فنجان سامح، وكوباً مترعاً بالماء بجوار فنجان فتحي. تمتم سامح شاكراً، فرد علاء بجدية:
- العفو يا أستاذ.
استدار علاء وخرج من الغرفة ويسراه تحمل الصينية الفارغة بالطول ملاصقة لجذعه كالكتاب.
كتاب صبي البوفيه.
- إحنا في انتظار حميدة بس يمضي عقد الفيلم الجديد ويقبض العربون عشان نسدد المستحقات المالية المتأخرة على المجلة، ما تقلقش مش ها تستنى كتير يعني هو غالباً ها يمضي العقد خلال اليومين تلاتة الجايين. أكمل فتحي عبد السلام شارحاً.
- فيلم إيه اللي داخله حميدة؟! تسائل صوت سامح باهتمام.
- فيلم اسمه بحب السيما، كتابة هاني فوزي وإخراج أسامة فوزي. رد فتحي عبد السلام.
- حلو قوي، ألف مبروك، يا مسهل الحال! قال سامح.
أمسك سامح بأذن فنجان القهوة بالسبابة والإبهام الأيمنين. رفع الفنجان لشفتيه ورشف أول رشفة.
لذيذة! بن يمني غامق محوج. هذا بن عبد المعبود! المحل الأول الأصلي في شارع مظلوم التالي لمحلهم المجاور لمقهى الحرية.
عبد الله جرسون قهوة الفيشاوي العجوز أخبرني مرة بأن نجيب محفوظ كان يكثر من شرب القهوة حين يجلس عندهم، لكنه يشرب الوش فقط ويترك باقي الفنجان.
قال فتحي عبد السلام بنبرة أسى أشد من الأولى:
- أفتكر مش ها نقدر نكمل السنة دي! يمكن نقف في خلال شهرين أو تلاتة!
- خسارة! خسارة فعلاً! رد سامح.
رشف سامح رشفات متتالية من قهوته حتى أكملها. أعاد وضع الفنجان وطبقه على المكتب. تناول كوب الماء وشرب نصفه، ثم أعاده لمكانه.
المجلة فاخرة الطباعة. يطبعها حميدة في مطابع بيروت. والدولار زاد يا ولد! والجنيه قل يا ولد! يبقى التكاليف زادت يا ولد! خراب. لا توجد عندنا مجلة سينمائية مثلها، خسارة! شيء يبكي.
- طبعاً سعر الدولار ليه يد في الموضوع! قال سامح.
- ده هو ده ُأس الموضوع! عندك الورق والحبر والطباعة كله اضرب في اتنين! واضرب تكاليف الشحن من بيروت برضه في اتنين، وأصلاً الدولار ما حدش لاقيه حتى بالأسعار الجديدة! وانت عارف الإعلانات عندنا ضعيفة جداً! والتوزيع برضه قليل مايغركش يعني السينمائيين والنقاد اللي بيشتروا المجلة دول لوحدهم ما يعملوش توزيع! قال فتحي عبد السلام وقد فتحت المأساة شهيته للحديث.
- خسارة فعلاً! الله يلعن اقتصاد السوء. وشدد سامح نطقه للسوء.
- ألف مرة! لعنة الله عليه ألف مرة! أكد فتحي عبد السلام بحماس.
لم يأخذ باله. ليست غلطته. المفارقة اللفظية تتضح كتابة، لا شفاهة. العامية المصرية تنطق الاثنين واحداً. ميزة وعيب. لكن عموماً وفي كل الأحوال الله يلعنه!
دعه يعمل دعه يمر! كذب، الحقيقة أن الأمور تتوقف عن العمل وتتوقف عن المرور. حقيقة مرة لكنها واضحة كالشمس، ومع ذلك يستمر بيع الوهم يا ولد! سَـَّقع وبيع! والحداية مابتحدفش كتاكيت!
- طب يا فتحي أمر عليكم بقى اا. وسكت سامح.
- إدينا إسبوعين بس كده يكون حميدة قبض! رد فتحي عبد السلام بسرعة لكي لا يُضطر سامح للتوضيح أكثر.
يعني على أوائل مارس والدنيا ربيع والجو بديع قفل لي على كل المواضيع!
- ماشي الحال، ماشي يا ريس أستأذن أنا بقى. قال سامح.
وقام واقفاً، ووضعت يده اليسرى بحركة آلية مظروف المجلات على مقعده الفارغ، وهو يمد يده اليمنى بالسلام على فتحي عبد السلام.
- تؤمر بأي حاجة يا باشا؟ قال سامح وهو واقف أمام مكتب فتحي عبد السلام.
- ألف شكر يا فنان، بس خلينا نشوفك بقى ما تغطس كتير كده! قالها فتحي عبد السلام وهو ينهض عن مقعده بجهد، متعكزاً بيديه على المسندين. ثم مد يده اليمنى بالسلام على اليد اليمنى الممدودة لسامح.
ساقاه تنملتا من طول القعدة لأنه يعتمد براحته اليسرى على المكتب ويميل بجذعه للأمام كمن على وشك السقوط!
- يا باشا إنت تؤمر، لا ها بقى اعدي والله! ألف شكر يا فتحي. قال سامح ويمناه تصافح يمنى فتحي عبد السلام الممدودة.
واستدار وخطا خارجاً من باب الغرفة. 
4

خرج سامح من بناية الفن السابع واتجه يساراً، ومشى الهوينا مضيقاً من خطواته ومستمتعاً بخلو الشارع وظلامه ولسعة برودة منعشة في الجو.
وحيد ولكن بلا حزن. في الوحدة المسرة. غريب أن يصفو مزاج الإنسان وهو مفلس! كأن النقود عبء على الكاهل! محب قال لي مرة ضاحكاً: إيه يا ابني إنت فلوسك تعباك، بتاكلك! لا أذكر السبب.
أحلى طعم للأكل وأنت مفلس. أحلى جنس وأنت مفلس. أحلى تبغ وأنت مفلس. أحلى كل حاجة وأنت مفلس. سبحان الله يا أخى!
الآن آخر لفة في مشوار الليلة. لف لفة وانا أنط نطة. إلى آخر محمود بسيوني ثم لليمين حتى ناصية سليمان باشا ومخزن مدبولي.
بنايات ترابية. هبابية. تقف شامخة. حزينة. في حالة حداد غامض. طراز بلجيكي. بلكونات طائرة في الهواء لا يمسكها ماسك من الجانبين. بلكونات حرة. دايرة على حل شعرها. حبلها على غاربها.
هل أنا الآن فقير أم مسكين؟ الفقير من يملك قوت يومه، والمسكين من لا شيء له على الإطلاق. كنا فقراء من ساعة، والآن نحن مساكين. سنحاول أن نرجع لنكون فقراء في صباح الغد. سبحان مغير الأحوال! على الله مريم يكون معاها فلوس. على العموم حالنا أحسن من حال غيرنا. ألف حمد وشكر. يجب الحمد دائماً.
درويش، لا أعرفه، استلم أذني مرة في الحسين، وكان يلبس بيجامة مخططة قطعتين. قال إنه كان مديراً عاماً في مصلحة الضرائب قبل أن يُحال للمعاش. قال إنه يجب الشكر دائماً وفي كل الأحوال. من أصابته مصيبة وصَبر فهو صَبْرٌ، ومن أصابته مصيبة وَشكر فهو ُشكرٌ. مدرستا الصوفية الكبيرتان؛ الصبر والشكر. الشكر والصبر. نظرياً وحسب، لكن عملياً كل الطرق الصوفية تأخذ من هذا وذاك بنسب مختلفة. حضرتك صبر ولا شكر؟
البنايات الهبابية البلجيكية حالها أفضل من حالنا؛ فالبناية ليست في حاجة لبناية تسكن فيها. مكتفية ذاتياً. هي الحاوي والمحتوى. آوت دور وإن دور.
يا إلهي غرفة واحدة! أربعة جدران لمسكين مثلي كان يحب الخارجي في ما مضي حتى شَرَّمته الشوارع، وأصبح الآن مدمن داخلي! غرفة يا رب آوي إليها! حقوق الإنسان. رقم واحد الطعام، رقم اثنين المأوى. ألف شكر على رأي درويش مصلحة الضرائب. لدينا الليلة واحد واثنان، وغداً يعدلها ربنا. اليوم خمر وغداً أمر. ولو إن الخمرة ناقصة اليومين دول!
رفع بصره للسماء وهو يمشي الهوينا.
سماء وسط البلد الخديوية غاب عنها القمر! لكن هناك بضعة نجوم لامعة. لآلئ السماء. هناك واحد لمعته أشد من أقرانه. يبدو أبعد بعيداً. النجم البعيد ضوؤه لامع، والشيخ البعيد سره باتع.
لا أعرف شيئاً عن أسماء النجوم. كم المسافة بين هذا النجم وبيننا؟ قد تكون خمسة آلاف سنة، أو خمسون ألف سنة. المسافة بالسنة! شاعرية جداً. التعبير عن المكان بالزمان. خان يفعل العكس؛ يعبر عن الزمان بالمكان.
هذا النجم ضوؤه قد يستغرق في رحلته، ليصل إلينا ونراه، أكثر حتى من خمسين ألف سنة. صدق أو لا تصدق، نشاهده في ماضيه لا في حاضره! كما كان يبدو من خمسين ألف سنة خلت! ماضيه حاضرنا، وحاضره مستقبلنا. يقولون إن الشمس عندما تنطفئ في النهاية لن نعرف بالأمر إلا بعد مرور ثمان دقائق. زمن وصول الظلام إلينا. والأضواء التي تصل إلينا من نجوم ومجرات وتكون قد بارحتها منذ ملايين السنين، هل يا ترى تلك النجوم والمجرات مازالت موجودة، أم احترقت وفنت منذ قديم الزمن؟ ستعلم الأجيال القادمة بعد ملايين السنين؛ حين يكف ضوؤها عن الوصول.
أمور عالية متعالية، التفكير فيها يجعل العقل يهدأ ويتعالى، ولا يعود يقلق كثيراً على الغثيث. حرب الثلاث وجبات والسجائر توافه أمام سمن النجوم والكون. والمكان والزمان.
النقود، والطعام، والمأوى، والتبغ. وجشع البقالين، وغلاء الأسعار. وزحام المواصلات. والطعام المعطوب، ومياه الشرب الملوثة، وقذارة الشوارع. وغلاسة الشرطة.
العقول الكبيرة تفكر في الكبير، والصغيرة تفكر في الصغير. الكبير كبير، والنصنص نصنص، والصغير ما نعرفوش.
الأذكياء يعرفون من الحيل العقلية ما يجعلهم يكفون عن القلق بشأن حرب الثلاث وجبات والسجائر. نفعل ما يجب علينا فعله لكي نحيا. واجب الإنسان الأخلاقي أن يظل على قيد الحياة. هذه هي مهمة الإنسان على الأرض. مهمة شريفة. لا يوجد أشرف منها. مهما َلسَّن الضعفاء عنها. إن كان أمام المرء بدائل متاحة فمن الواجب أن يختار أرقاها، أنبلها، لكن إن لم يكن هناك إلا سبيل واحد، فماذا يفعل! الغاية تبرر الوسيلة. كشخوص سِرجيو ليوني. وكحيوانات الغابة.
يُقال إن عمر الإنسان على الأرض مليون عام، قضى منهم تسعمائة وثمانين ألف سنة داخل الغابة، وخرج منها منذ عشرين ألف سنة فقط. ثم مرت ثلاث عشرة ألف سنة قبل أن تبدأ بشائر أول حضارة بدائية. كل المنجزات التقنية هذه بدأت فقط من مائة وخمسين سنة. لكن الإنسان تعلم أيضاً الضغينة خارج الغابة. الضواري لا تحمل ضغينة. الأسد لا يحقد على الجاموس البري الذي يقتله. نيتشه قال إن الضغينة هي التي سممت الحضارة الأوروبية. والقلق يسمم حياة الإنسان في كل لحظة. رائحة العيش الفينو تجنن! وسنحصل على كتاب جيد لسهرة الليلة أيضاً! مع هِمنجواي ذلك أفضل.
وصل سامح إلى ناصية مكتبة مدبولي المطلة على ميدان سليمان باشا الفرنساوي.
مخزن مدبولي أوفغ ذيغ ماي ديغ أوفغ ذيغ!
سرَّع سامح من خطوه، ووضع يديه في جيبي سترته الجلدية السوداء، فشعر بالأمان والغنى حالما لامست أصابعه اليسرى لفة ربع سوسيس الخنزير المدخن القابع في جيب جاكتته.
ووصل إلى أمام البناية التي تسبق مكتبة مدبولي. فقفز على سلالم العمارة قفزتين طويلتين بينهما سكتة، فتجاوز العتبة وأصبح داخل بهو البناية الكبير. اتجه يساراً إلى باب الشقة المفتوح بالدور الأرضي، ودخل.
بدأ يتجول على مهل بين صفوف الكتب المخزنة على أرفف عالية ُتشكل ممرات بالطول والعرض والورب. يعرف طريقه بينها جيداً. يعرف أين يضعون كل صنف من الكتب؛ التاريخ، والروايات، والشعر، والفنون، والعلوم الاجتماعية. استمر في التجول بين رفوف الأدب المترجم المستورد، حتى عثرت عيناه على عدة نسخ مسنودة وراء بعضها من الوليمة المتنقلة. تناولت يمناه النسخة الأولى ودستها بسرعة وخفة تحت حزام بنطلونه فوق خاصرته اليمنى بمساعدة اليد اليسرى التي كانت تشد الحزام للخارج وعضلات بطنه التي كانت تنقبض لتفسح مجالاً للوليمة المتنقلة. عدل من ملابسه وتحسس الجاكت الجلدي الأسود براحته اليمنى من فوق مكان الكتاب، فتأكد أن الجاكت يستر الجريمة.
مضى يخطو نحو باب الخروج. لمحت عيناه وسط الكتب نسخة وحيدة نائمة على رف مترب لضجيج الجبل لكاواباتا.
يا حظنا الحلو! ألف ألف شكر!
أخذت ميشِل نسختي، بعد أن مدحت لها الرواية، ولم أستطع أن أقول لا! كيف أرفض وهي التي تصرف! تفضلي طبعاً على الرحب والسعة من عيني يا عيني!
سأعوض الآن أحد كنوزي المفقودة! كنت أحمل هم العثور على نسخة منها! ألف ألف شكر أيتها الأرواح الطيبة الجميلة اللي حواليّا، ألف ألف شكر يا ملاكي الحارس، الكارما الجميلة العظيمة الرائعة ألف ألف شكر، ألف ألف شكر يا روح العالم الجميلة العظيمة الرائعة، ألف رحمة ونور على جميع الأرواح الطيبة الجميلة اللي مافيش حد يترحم عليها دلوقتي. ألف حمد وشكر. الشكر دائماً وفي كل الأحوال.
دس ضجيج الجبل فوق خاصرته اليسرى، واضطر لتوسيع حزامه خرماً إضافياً. تحسس براحتيه مكان الجريمتين فوق الجاكت الجلدي الأسود، واطمأن. اتجه إلى باب الخروج بهدوء. رأى حارس المخزن جالساً على مكتبه في مدخل الشقة.
رضا غالباً كان في الحمام، أو تحت في المكتبة عندما دخلت. رجع الآن. لا مشكلة.
حياه، وسأله عن صحته بابتسامة ودودة، ثم قال:
- بقولك يا رضا، ما تعرفش إذا كانت رواية الحارس في حقل الشوفان نزلت ولا لسه؟!
- الحارس فين؟! سأل رضا باستغراب.
- الحارس في حقل الشوفان. كرر سامح.
غير موجودة طبعاً لأنها لم تترجم للعربية من أصله. لماذا لم تترجم إلى الآن؟! حرام والله!
- إممم لأ ما ظنش! ما سمعتش عنها قبل كده، دي رواية مصرية ولا مترجمة؟! سأل رضا.
- مترجمة. رد سامح.
- دَوَّرت في الروايات المترجمة؟! سأل رضا.
- آه دَوَّرت بس مش موجودة للأسف، على العموم لو جتلك قريب إبقى احجز لي نسخة وحياتك والنبي يا رضا! قال سامح بهزتي رجاء أفقيتين من رأسه وكف رجاء على صدره.
- تؤمر يا أستاذ، لو نزلت حاشِلك نسخة عندي على طول. قال رضا بهزة موافقة عمودية من رأسه.
- ألف شكر ما نتحرمش، يللا تصبح على خير يا باشا. قالها سامح وهو يرفع كفه الأيمن في تحية شبه عسكرية.
رد رضا التحية قائلاً: وحضرتك من أهله يا باشا، بينما قدما سامح تمضيان للخارج.
والآن العيش الفينو ثم البيت. أحمل كتابين وأبحث عن فينو! كان لدينا في المعهد زميل لزج اسمه عبد الرحمن سحالي. سحالي! لماذ يلقبون أنفسهم بهذه الأسماء! ولد بنظارة كعب كبّاية من كثرة القراءة يحتضن دائماً كتباً إلى جذعه وهو يمشي. لا يراك إلا ويلزق بك كدودة لزجة ويُسمعك ما حفظه في الليلة السابقة. كنا نفر منه حين نراه مقبلاً صائحين: إبليس يحملُ كتابين ويبحثُ عن فريسة! تخمة من المعلومات لابد له من تغوطها في توالِت آذاننا، وإلا مرض! عسر هضم معلوماتي. وكلها معلومات لا رابط بينها. حاجات ومحتاجات. وقائع ووقائع ووقائع. صحيحة كلها في حد ذاتها، لكن أين الخيط الذي يربطها فيحولها إلى حقائق؟ فقع صفن. نموذج للمعرفة غير المفيدة. معرفة مشوشة. بلا هدف، ولا منهج. مضرة جداً بصاحبها. تجعله يظن نفسه شيئاً. يا خسارة أهدر عمره على الفاضي!
نزل سامح سلالم بناية مخزن مدبولي متمهلاً. انحرف يساراً من ناصية ميدان سليمان باشا الفرنساوي، إلى شارع محمود بسيوني، وسار بضع خطوات على الرصيف بتلكؤ. ثم عبر الشارع إلى الرصيف المقابل. مر بواجهة محل العاديات في أول الشارع، فتوقف. استعرض بصره المعروض في واجهة المحل الزجاجية.
لا جديد، نفس الأشياء. نفس الأطباق الخزفية المرسوم عليها مناظر فرعونية. نفس الغلايين. نفس ولاعات السجائر. نفس التماثيل الفرعونية. نفس القلائد الحريمي. لم يبع شيئاً. حاله واقف، مثله مثل الجميع.
استأنف سيره نحو المخبز الفينو. وتوقف مجدداً على ناصية شارع كريم الدولة.
امرأة. ناضجة. ثلاثينية، وافرة الأنوثة. تقف على الرصيف المقابل، تحت الأشجار كثيفة الأغصان التي تزيد الظلمة دموساً، تنتظر رزقها. تبدو جميلة من هنا. بيضاء في الظلمة. وأنيقة أيضاً. تناسق بديع للتضاريس!
بعض الأحيان تجد مومسات جميلات للغاية يقفن بالقرب من حزب التجمع التقدمي الوحدوي الاشتراكي. مفارقة! البغاء يقف أمام من يدين البغاء ويدافع عن حقوق المرأة!
انتصبت الأشرعة الملكية على عمود الساري الرئيسي! يا لها من ليلة! ومن أين لنا بامرأة الآن! لا ندفع نقوداً في النساء، حتى وإن كان معنا. هن من يدفعن. ليس لنا إلا هذا باباً يمنحنا الكبرياء وعزة النفس. لا مال، ولا جاه، ولا وظيفة، ولا نفوذ. تقدير الحريم لنا هو ما يمنحنا تقديرنا لأنفسنا. وهدوء الروح. والثقة بالنفس. بواقي ثقة بالنفس فـَضْلـَة خيرك!
الطبيعة مثل أعلى. الغابة. الأسد يعيش على قفا اللبؤة، ما المشكلة! يسمونه في اللغة العربية المُضْطـَهـِد. يا له من اسم! يسلم الدماغ اللي سمى! ماذا رآه يفعل حتى يطلق عليه هذا الاسم؟ اللغة العربية عظيمة. لكن برضه فيها حاجات بضان!
ربما ليس لديها مأوى الليلة. حالها واقف. هل أعرض عليها المبيت عندي؟ لكن يجب أن أكون واضحاً وعلى بلاطة بشأن النقود! إن وافقت ستكون ليلة سعد. أنتظر قليلاً وأتحين الفرصة ربما استطعنا صيدها. يفوز باللذة كل مغامر. محب يقول اللي يلاقي مومس وما يعلقهاش ربنا يحاسبه!
الست جميلة فعلاً! خسارة أنها تفعلها مع الكل! مع أي دافع. دعه يعمل دعه يمر. إدفع ترفع والدفع قبل الرفع يا عنيا! لماذا لا يقترب منها أحد ويلاغيها!
رجل مر من خلفها، ونظر لمحاسنها من فوق لتحت في جلافة، وأكمل طريقه.
آخر يمر من أمامها، ويهز رأسه ويعض شفتيه في إيماءة واطية! لكنه لم يجرؤ على الإقدام. الجمال يخيف. لو كانت أقل جمالاً لما تعطل حالها!
مغامر أربعيني أصلع وبكرش يقترب من ورائها، متردداً على ما يبدو. يهمس في أذنها بشيء. المبلغ ربما. حركت شفتيها فقط دون أن تلتفت ناحيته. يا نهار أبيض! الرجل فقد أعصابه تماماً! جرى ورمى نفسه أمام مقدمة تاكسي فيات مائة وثمانية وعشرون يسير متمهلاً، ويُشغل سائقها أم كلثوم: أهل الهوى يا ليل فاتوا مضاجعهم واتجمعوا يا ليل صحبة وانا معهم!
السائق أوقف السيارة بفرملة قوية. بدين بنظارة كعب كبّاية. يتمتم لائماً الزبون العبيط! غالباً الأدرينالين ارتفع لديه ولم يصدق أن الجميلة وافقت!
لمحت عينا سامح بعض الرجال، مبعثرين في الشارع هنا وهناك، يتابعون الموقف في حسد. سحب المغامر الأصلع الأكرش جسده من على مقدمة سيارة التاكسي وأسرع بخطوتين طويلتين بحذاء السيارة، وفتح بابها الخلفي ونظر إلى الجميلة، التي تحركت بسرعة للتخلص من الموقف المحرج. دخلت التاكسي. ومن مكانه لمح بصر سامح ما فسره على أنه أمارة امتعاض على وجه الجميلة من نزق الزبون.
ربما تقول لنفسها الآن من هذا العبيط الذي ورطت نفسي معه! يا حرام! تلاقيها بقالها فترة واقفة، وما صدقت لقت حد يعرض عليها! الزبون الأصلع الأكرش قفز بجوارها وأغلق الباب.
تحركت سيارة التاكسي الفيات وسارت على مهلها، وصوت أم كلثوم صادر من زجاجها المفتوح يطولوك يا ليل من اللي فيهم وانت يا ليل بس اللي عالم بيهم!
استأنفت قدما سامح السير نحو مخبز العيش الفينو وهو آسف على ضياع اللافرصة.
ُكستاليتة راحت ويّا عبيط! مش كان أبوك أولى بالترالملم ده!
بكم همس في أذنها؟! مائة، أم أكثر، أم أقل؟! محب يدفع مائة في البنت من عند أم حازم شارع السودان بالمهندسين. يا دوب، شوف كيلو البتلو بقى سعره كام اليومين دول! خمسة واربعين جنيه كيلو المدبوح يبقى المية في السبعين تمانين كيلو قايم مش كتير!
أم حازم ترسلهن إلى باب العوامة بالتليفون. بنات جميلات صغيرات ونظيفات. قال مرة إنها أرسلت له طالبة في الجامعة الأمريكية، ركنت سيارتها أمام العوامة ودخلت عنده! هل يمكن لمن في وضعها الاجتماعي أن تفتقد الكاش؟ كل شيء جائز! أغنياء بخلاء لا يعطون بناتهم ما يكفي. ربما مصاريف الجيب قصرت معها. أو ربما غاوية. الكثير من بنات العائلات الراقية يطلبن في الفراش أن تهمس في آذانهن وتسبهن. يثيرهن ذلك. والدليل كامليا! النفس البشرية أغوار سحيقة.
فعلتها مرة عند محب، وعلى حسابه، مع نور. كانت صغيرة وجميلة. ونظيفة جداً. قالت لي عندما سألتها: أنا باخد سبعين وبدي أم حازم تلاتين. واللي أوله شرط آخره نور وبين البايع والشاري يفتح الله.
كانت مؤدبة، ورائعة الجمال. ممشوقة القد ستايل فرنساوي. وجه رائع بجسد صبياني. ضهياء. لسّه بشاير. أعشقهن هكذا! الله يمسيكي بالخير يا نور! اسم على مسمى، يسلم اللي سمى! قال محب، بعد أن غادرت نور العوامة، إنها ذهبت لأول مرة إلى أم حازم من بضعة أشهر طالبة الشغل، لكن أم حازم رفضت قائلة إنها لا تشغل عذراوات، فذهبت نور إلى صديقها وطلبت منه أن يفتحها. ابن المحظوظة!
محب قال إن أم حازم عندما علمت لطمت، وقالت: يا حمارة يا هبلة لو كنتي قولتيلي إنك عاوزة تتفتحي كنت جبتلك فيها خمس تلاف جنيه على الأقل! لكن اللي حصل حصل، ولا فائدة من البكاء على اللبن المسكوب، وخد بالك من اللبن المسكوب!
يقولون إنها تجارة رابحة جداً في اليابان. يدفعون بسخاء للعذراوات. يُقال إن مومسات اليابان يجرين عدة عمليات ترقيع في السنة الواحدة، لكي يخدعن الزبون الغفل. ورجال اليابان أصحاب هذه الهواية باتوا على دراية واسعة بحيث يعرفون العذراء الأصلي من العذراء الترقيع! عالم عجيب غريب مريب. ما هي المتعة في ذلك! مزاج يا ولد، كيف! والكيف نزاهة طول ما في جيبك تمنه.
الله يمسيكي بالخير يا نور! كانت بديعة في السرير. تأوهاتها الخافتة. من المستحيل أن تمسك نفسك وهي تحتك! بيبي، بيبي صحيح! سألتها عن عمرها فقالت سبعة عشر عاماً. أكيد أصغر من ذلك بعام على الأقل، لكنها ترغب في أن تبدو أكبر. بعد أن فعلناها، استلقيت إلى جوارها وسألتها إن كانت قد أحبت من قبل؟ قالت إنها أحبت شيخاً سعودياً أعور نام معها مرة واحدة فقط، ولم تره بعدها. سبحان الله له في خلقه شؤون! غالباً متعها من الخلف، كما متعتني!
أحبها محب حباً حقيقياً، لفترة، وكان يفضلها على أي من بنات أم حازم شارع السودان بالمهندسين، برغم أنها لم تكن تحفظ اسمه. قالت لي يومها صديقك محي، فصححت لها اسمه.
المرة التي سمح لي محب بفعلها معها كان مضطراً. طبت يومها كلوي دون سابق إنذار. تفتيش! اضطر للقول بإن نور هي صديقتي أنا. وتأكيداً مني لما قاله صديقي أجلست البنت على ركبتي، ورحت أقبلها وأدعك شبه صدرها، وهي بنت الإيه كأنها ما صدقت! أهاجها الموقف غالباً. لذيذة نور! وحسماً لأية بقايا من شكوك لدى كلوي، سحبت نور إلى إحدى غرفتي النوم، وأغلقت الباب وراءنا. لمحت اللوم في عيني محب والامتعاض على ملامح وجهه. لم أكن أنوي فعل أي شيء، والاقتصار فقط على حديث ودي هامس معها، لكن صوت تأوهات كلوي العالي اقتحم حواسنا الست من غرفة النوم الأخرى المفتوح بابها، فانطلق الوحش غصب عني مهرولاً مسعوراً! أنا متأكد أن كلوي، بنت اللئيمة، تعمدت ترك باب غرفتهما مفتوحاً لنسمع صوتها بوضوح وهو يعلن أن محب لها وحدها فقط.
محب حاول إقناع نور بأن تصبح صديقته، لكنها كانت مركزة فقط على النقود والشغل والزبائن. طفلة، بيبي. لكن بعقل مالي أعمالي بقالي! قال إنه دعاها مرة للعشاء في مطعم فاخر بالزمالك وقال لها إنه يريد الخروج معها وأن يريها الدنيا وكيف يعيش الأغنياء، فقالت: طيب، حاضر، هابقى اكلمك ونضبَّط. لكنها لم تكن تأتي إليه إلا إذا طلبها بالاسم من أم حازم شارع السودان بالمهندسين، وفي شغل فقط!
وحشتني أنا الآخر! سألت عنها محب آخر مرة، فقال إن أم حازم أخبرته بأن ربنا فتح عليها، واشترت شقة في مدينة نصر بفلوس الشغل!
الحق الحق أقول لكم إن الطلب عليها كان شديداً! وقالت أم حازم أيضاً إنها تزوجت. اشترت زوج. شقة وزوج. بفلوسي!
بالتأكيد ما زالت تعمل. ربما على خفيف. مشاوير لزبائن أغنياء. وغالباً بعلم الزوج. وربما في حضوره أيضاً. حلاوة المال السهل يا ريس! إدمان! لا توجد مومس سابقاً، كما لا يوجد رجل مخابرات سابقاً. مهن لا يمكن الاستقالة منها، حتى وإن خرجت من الخدمة، أو أحالك الزمن للتقاعد. المومس إن تابت. يموت الزمار. وديل الكلب.
وصل سامح إلى مخبز العيش الفينو المواجه لعمارته. دخل والتقط رغيفاً فرنساوياً طازجاً مقرمشاً بطول الساعد. تأبطه بساعده الأيسر. وأخرجت يمناه من جيب بنطلونه الجينز الجاب النيلي خمسين قرشاً، ناولها للفران الشاب الأسمر النحيف، الذي كانت تقف إلى جواره فتاة تبدو في الثانية أو الثالثة عشرة.
البنت شكلها خادمة. ربما في بيت أحد الأسر بالجوار. بنطلون منامة بناتي خفيف لا يناسب برد الشتاء، لكنه يبرز مفاتن مؤخرة طرية ربيلة. قمحية، بعينين عسليتين جميلتين ذكيتين. تبتسم في راحة وهي تتحرك حول الفران الشاب وتلتقط قطع الخبز في اطمئنان كصاحبة محل لا زبونة. لا يوجد شيء صريح، لكن إحساسي يقول إن هناك شيء بينها وبين الفران! يا ابن المحظوظة! البنت تؤكل أكل، وأنا أكيل! صبياني، غلامي، ممتلئة المؤخرة، والأرداف أعرض قليلاً من نور، لكنها ضهياء الصدر كصدر نور تماماً. صدر بشاير. خادمة! إذا كان دول خدامين إشحال بقى الأسياد يا سيدي!
حكت منى مرة أن فراناً اغتصبها في الفرن وهي بعد بنت الثالثة عشرة. ثم تبادلها مع زملائه في حجرتهم القذرة في المخبز. كانت هاربة من بيت أهلها، تسرح في الشوارع بلا مأوى. كان شتاءً، وشعرت بالبرد، وقرصها الجوع ليلاً، فلجأت إلى فرن أفرنجي في شارع جانبي مظلم في أرض اللواء لتشحذ رغيفاً من الفران الثلاثيني. عرض عليها الفران الدخول لحجرته الدافئة لتستريح قليلاً وتأكل الرغيف مع كوب شاي. تعالي جوه الشاي على النار وجوه دفا!
قالت إنها فور أن اجتازت عتبة حجرته ثبتها وفعلها معها. قالت إنه قيد يديها بالحبال، ثم عاود فعلها مجدداً. ثم عزم أصحابه عليها. همست مرة وهي تحتي وقالت إنها استمتعت كثيراً باغتصاب الفران وزملائه لها وهي مقيدة.
منى تعشق الجنس. حتى حين كانت في تلك السن! قبل حادثة اغتصاب الفران بعام، كانت قد تشاجرت مع زميلة لها في المدرسة الابتدائية الخاصة باهظة التكاليف، وعزمت البنت الحقودة على الانتقام منها، فدعتها إلى بيتها، وأسقتها شراباً مخدراً، وتركتها لشقيقها الأكبر وأصدقائه ليغتصبوها. علم أبوها قبطان أعالي البحار، فضربها، ثم قدم شكوى في القسم. عرض أهل المغتصب الزواج، لكنها رفضت. ثم راحت علاقتها مع أبيها وأمها في التدهور المستمر. كان أبوها دائم السفر في أعالي البحار، وكانت أمها تناديها يا مومس، وتشجع أختها الصغيرة على مناداتها يا مومس! كانت تكرر القول بإنها عقاب من الله لأبيها على ما يفعله في بنات الناس! البنت طالعة لأبوها بتحبه وبتموت فيه! ذلك الشبل من ذاك الأسد.
هربت في يوم من البيت، فالتقطتها عينان خبيرتان لقوادة بلدي أدركت من النظرة الأولى أن منى تعشق الجنس. البنت كنز! طفلة شهوانية، وبجسد فرعوني ناضج الأنوثة. وذكاء جسدي لا نظير له في السرير! آوتها في بيتها، وكانت تجلب لها رجالاً من كل صنف ولون وعمر. قالت منى إن معظم الرجال كانوا يستهيفونها لصغر سنها، مفضلين عليها القوادة نفسها، لكن بعضهم كان ذو خبرة بالحريم وعنده نظر!
الظبية الآن في أبو ظبي، مع زوجها شادي طبيب الأسنان. ذهبت لبيته أول مرة على أنه زبون، فصارحها الأخ شادي بأنه سليف. قالت إنها مارست معه كمسترِس. أكد لها بعد أن فعلتها معه بأنه لم يرتو في حياته مثلما ارتوى معها، ثم عرض عليها الزواج، وقال بإنه لن ينفعه أحد آخر غيرها. قبلت العرض وتزوجته، واتصلت بي مرة بالتليفون من شرم الشيخ في شهر العسل وقالت بإنها حكت لشادي عني وإنه متشوق لمقابلتي. ذهبت إلى بيتهما في حدائق القبة، وفعلتها معها أمامه، وكان جالساً على كرسي فوتيه أمام سرير الزوجية يستنمي على منظرنا. زرتهما مراراً، وكنا أسرة صغيرة سعيدة. الزوج والزوجة والعشيق. ثم نجح شادي في الحصول على عمل في أبو ظبي!
الخادمة الصغيرة أهاجتني بنت الذين، وأنا أصلاً هائج الليلة!
بعض شخصيات دُستويفسكي تعشق البنات الصغيرات. في نفس هذا السن. بل وأصغر! يقال إنه هو شخصياً كان كذلك. وتشابلن كان كذلك. وأنا كذياك.
من الذي كتب أن دُستويفسكي قد تورط مرة مع بنت في الثامنة ثم لموا الموضوع؟ ليس كارياكين، لا ليس بالتأكيد كارياكين! غالباً أندرى جيد في محاضراته عن دُستويفسكي.
من المستحسن صرف النظر ونسيان الموضوع، الوقت متأخر أصلاً، ثم من أين لنا بامرأة مجانية الآن؟ لو كنا نهاراً، أو حتى عصراً، لكان من الممكن الاتصال بميساء. أكبر من خادمة الفرن بخمس أو ست سنوات، لكن بنفس الجسد ونفس الحجم. على أنضج. تعشق الجنس هي الأخرى. لم ُتعمِّر طويلاً في الزواج، وهربت من بيت الزوجية بعد سنة من العذاب مع زوج مدمن رفض تطليقها. حمو، أحما. اسكندراني مدمن أقراص صليبة. أحط أنواع الإدمان! الكيمي كيمي كا الكيمي كيمي كي.
حسب آخر إحصاءات المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، الإدمان هو أكبر متسبب في حالات الطلاق التي انفجرت معدلاتها.
لجأت للمحاكم، والمحاكم حبالها طويلة يا ولد! ومحاميها يبتزها جنسياً. يأخذ أتعابه مرتين؛ فلوس ولحمة! على هذا الحال منذ سنتين، مسكينة! تعيش هنا وهناك. مرة في مكتب شركة إنتاج أغاني. مرة في فيللا في مدينة نصر كخادمة. مرة في فندق رخيص على حساب أحدهم. وأحياناً عند زينب أختها الكبيرة. المحمول وسيلة الاتصال الوحيدة. المحمول حل مشاكل لوجستية كثيرة للبنات! لكنها تغير أرقامها باستمرار، ومقتنعة بأن زوجها وراءها يبحث عنها. دائماً تعطيني رقمها الجديد. تثق بي، ولا تأخذ مني شيئاً، وتحب أن تحكي وتفضفض معي. أنا أب اعترافها.
اقترحت عليّ مرة أن أكتب قصص مغامراتها لفيلم أو مسلسل تلفزيوني. قالت إنها مرت بالكثير من تهاويل الأهوال الهائلة المهولة التي لم تحكها أبداً لأحد من قبل. شهوة الاعتراف. إدمان هو الآخر. يا بنتي إنتي فاكرة نفسك فين! إحنا في مصر يا ماما! الرقابة الأخلاقية على المصنعات المرئية. الحاجات دي ممنوع عرضها على الشاشة يا ميسو، إحنا في مجتمع محافظ يا ماما. ومتدين بطبعه على فكرة! محافظ محافظ يعني! أخلاقي أخلاقي. الحب الحب، الشوق الشوق، المَسك المَسك. على بلاطة لأ، بالوشوشة آه! وكله بالوشوشة. الوشي والوشم والوشع. بس الوشح سافر.
لا تفكر في النساء الآن. جعجعة بلا طحن. المتاح الليلة هو متعة الأكل، ومتعة القراءة. حشو المعدة، وحشو الدماغ. ثم تستمر المسيرة. المسيرة الشريفة. أشرف مهمة للإنسان على وجه الأرض. ماذا تعمل؟ أنا أحيا. لن ُترفع الليلة الأشرعة الملكية على عمود الصاري. ليل ناشف!

5

عَبَر سامح عتبة باب العمارة، متأبطاً الرغيف الفرنساوي الطويل، وعلى خاصرتيه كتابين، وفي الجيب الأيسر لسترته الجلدية السوداء ربع كيلو سوسيس خنزير مدخن ملفوف في ورق خفيف أبيض ملفوف في كيس نايلون أزرق.
معنا تموين الليلة. الليلة أمان وبكرة يحلها الحلال.
قابله علي بواب العمارة أمام عتبة الأسانسير.
أحس ابن الكلب بخطواتي ولا شك. يحسون بدبيب النملة إن أرادوا، ولا يحسون بدبدبة الدبابة إن أرادوا! هو ومزاجه، هو ومصلحته.
يشعر سامح بكراهية شديدة للبوابين، أكثر حتى من البقالين.
جنس واطي!
مهما عطفت عليهم لا يثمر فيهم. كائنات حقودة حسودة، تنمو وهي تراك داخلاً خارجاً ومعك أشياء، فيأخذون في القول لأنفسهم بإنهم أحق منك بهذه النعمة، وأنك لا تتميز عنهم بشيء لولا الحظ الهباب. تنفيس! بدونه لا يمكن أن يحتمل البواب نفسه ولا شغلته. طبيعة العمل. حكم الشغلانة. البوابون كلهم سواء، لا توجد استثناءات.
قال لي بدر البواب مرة: إنتوا فاكرين نفسكم ساكنين في بيوت! تعالى شوف البيت اللي بانيه عندنا في البلد تمرح فيه الخيل! وعرفت من سمير البواب أن أخينا لم يبن بيتاً في البلد، ولكن عمارة ستة أدوار كاملة! وفتح تحتها دكان بقالة أيضاً! أمال قاعد هنا تقرفنا في عيشتنا ليه! ربنا يوفقك انت وباقي جنسك!
يقترون على أنفسهم، وعلى زوجاتهم، وأبنائهم، ليشتروا طيناً في قراهم! منظر يستحق الفرجة يوم أن ينزل أحدهم البلد في العيد وهو بكامل تأنقه! الجلابية، والعمة، والشال الفواخر! يُعامَلون هناك في قراهم على أنهم بكوات. البيه البواب. ويتزوجون زيجات ثانية من فلاحات صغيرات نقاوة. الملاعين يعرفون كيف يختارون ومن أين تؤكل الكتف! والقرش صياد يصيد الكبير والصغير العظيم والوضيع فما بالك بطفلة بيبي ما شافتش الدنيا ونفسها تعيش!
- حضرتك ماشي بكرة الصبح؟! قال علي البواب.
- آه إن شاء الله يا علي. رد سامح باقتضاب.
أيوه ماشي يا ابن الكلب!
يجب الحفاظ على شعرة معاوية معهم. قد ُنضطر يوماً للعودة والسكن هنا في العمارة. أو حتى قد نأتيها كزوار! من يعلم!
- ها توحشنا والله يا علي. قال سامح.
ها ستريح من خلقتك يا حشرة يا حشري يا معفن يا للي قاعد للسقطة واللاقطة!
لم يعرض المساعدة في العزال، لأنني لا أعطيه شيئاً. هم مناشير طالعة واكلة، نازلة واكلة! إن لم تعطهم يضطهدونك، ويُظهرون لك وجهاً أجارك الله! وإن أعطيتهم، من حين لآخر، ضمنت حذاءً في قدمك تقلعه وقت ما تحب، وتلبسه وقت ما تحب. مطرح ما يحط رأسه يحط رجليه! سياستي مع البوابين لم ولن تتغير؛ التعالي والهدوء. لكن بدون تصادم معهم. وأيضاً بدون إعطائهم قرشاً واحداً. إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم! في ستين داهية. يريد أن يسأل عن المفتاح ابن القديمة!
- طب وحضرتك ها تسيب المفتاح معايا دلوقتي ولااا؟! قال علي البواب.
هاهاها، لو اشتغلنا بالتبصير لجنينا ذهباً! زرقاء اليمامة. يا خسارة مالحقناش ميتران، ونانسي ريجان! نلعب معاه شوية.
دس سامح يمناه في جيب بنطلونه الجينز الجاب النيلي، ثم أخرجها كمن لم يعثر على ما يريد. ثم شرع يتحسس بباطن كفيه جيوب بنطلونه، وسترته، محاذراً على الرغيف الفينو.
- آه طبعاً طبعاً، ممكن جداً والله، أسيبه معاك دلوقتي عشان مانساش لمااا. قال سامح.
سكت، وتوقفت يداه عن التحسيس على جيوبه. ركز بصره في عيني علي البواب كمن طرأت فكرة مهمة على باله. وابتسم بخبث، وقال:
- ولا أقولك! بص، الأحسن برضه يفضل معايا، وابقى أدهولك الصبح وانا ماشي، إفرض مثلاً حبيت أخرج بالليل ولاحاجة!
بدا الاستياء على وجه علي البواب.
ابن الكلب لم يحاول حتى أن يخفي امتعاضه! تسؤهم جداً مثل هذه التفاصيل الصغيرة، تحرق دمهم. صغار ويفكرون في الصغائر. الكبير يفكر في الكبير، والصغير يفكر في الصغير، والنصنص في النصنص.
- طب إنت ماشي إمتى، ماشي الصبح الساعة كام بالضبط؟! رد علي من بين أسنانه.
إنت! كده من غير حضرتك! رفع البرقع، يا ابني مش قلتلك!
- مش متأكد والله لسه، لكن غالباً يعني ها يبقى الصبح يعني. قال سامح.
العين بالعين، والسن بالسن، والبادئ أظلم. اتعبه!
ثم قال سامح منهياً المجادلة:
- عموماً ما تقلقش، إن لقيتك نايم ها صحيك قبل مامشي واديك المفتاح، يللا انت ما تعطلش نفسك تصبح على خير.
لم ينتظر سامح الإجابة، وترك علي البواب واقفاً، وفتح باب الأسانسير، الذي كان موجوداً بالطابق الأرضي. دلف داخله، وأغلق بابه. ضغط على زر الطابق الرابعن وشاهد من زجاج الكابينة، التي راحت ترتفع، علي البواب مازال واقفاً مكانه ينظر له نظرة صنفها وعي سامح في باب الحقد.
كابينة من الطراز القديم؛ الزجاج فيها أكثر من الخشب. القول كابينة زجاجية معشقة بالخشب، أدق من القول كابينة خشبية معشقة بالزجاج. زجاج من الجانبين، والواجهة تكشف طوابق البناية المنيرة أثناء الصعود والهبوط. تشاهد حبال الكابلات وهي ترفعها وتنزلها. بئرها غير مُسوَّر، فقط بوابات حديدية مشغولة تفتح عليها في كل طابق. كانوا يحسنون البناء في ما مضى. شركة بلجيكية هي التي بنتها. يمكن تمييز الطراز البلجيكي بسهولة في وسط البلد الخديوية. وفي وسط البلد بالاسكندرية. بلكونات طائرة في الهواء لا يمسكها ماسك من الجانبين.
كانت معظمها بيوتاً لليهود قبل أن يرحلوا. ثم أصبحت بيوتاً للضباط الذين حلوا محل اليهود. حال الدنيا! قلابة. تلف حول نفسها مرة كل أربع وعشرين ساعة. ما اسم الصحفي اليهودي العجوز الذي قابلته على قهوة الفيشاوي؟ إريك، أم آندرو! غريب أنني أذكر اللقب سولومن ولا أذكر الاسم! فرنسي كان يعمل في قسم الشؤون الخارجية باللوموند. قال إن أباه وأمه التقيا في الاسكندرية أيام الحرب العالمية الثانية؛ أيام كانت ملجأ آمناً للاجئي أوروبا. أحب اليهوديان الشابان بعضهما، وتزوجا، واستقرا في القاهرة. وقال أيضاً إنه لم يشعر في طفولته أبداً بالتمييز، حتى جاء يوم من أيام ترحيل اليهود من مصر، بعد عدوان ستة وخمسين، حين انتحى به جانباً مدرس الرياضيات في ليسيه باب اللوق، وسأله:
- إنتوا ماشيين إمتى يا إريك؟! أو يا آندرو.
المدرس الشاب كانت عيناه على الشقة. وربما على العفش أيضاً! جحا أولى بلحم ثوره. والحي أبقى من الميت!
أذكياء هؤلاء اليهود! كانوا يسكنون على بعد خطوتين من مقار أعمالهم. يقفل الدكان، ويطلع يأكل لقمة ساعة الغداء، وينزل يفتح الدكان ويكمل شغل.
بالقرب أيضاً من المقاهي، والكازينوهات الكبرى. ومحلات الحلوى. ونوادي البلياردو، وكمال الأجسام. والصحف، والأحزاب. والبنوك، وشركات التأمين. والتوكيلات التجارية، والمتاجر متعددة الأقسام. وأقسام البوليس. تحتي الجريون. وعلى يميني النادي اليوناني، وجروبي، ومكتبة مدبولي. وأمامها، على الناصية المقابلة، مكتبة الشروق. وأمامي حزب التجمع الوحدوي الاشتراكي. وخطوتين من مقهى شيهان، والتكعيبة. وفركة كعب من فندق كوزموبوليتان، وسينمات وسط البلد، وأفتر إيت، والشمس، ونقابة السينمائيين، ومقار الصحف الكبرى.
من الغد ستتغير الخرائط! لن يكون أمامنا إلا المشي. أو سيارات الأجرة. من الزمالك لأي مكان! والجيب لا يتحمل أجور التاكسيات. المشي إذاً. مترو رجل يا باشا!
يُقال أن معظم اليهود المصريين توجهوا إلى أوروبا، وكندا، وأمريكا، أيام الترحيل. قليلون من انتهى بهم المطاف في اسرائيل. غالباً الأفقر، الذين لا بديل آخر أمامهم. نفعل ما نفعله لكي نظل على قيد الحياة، وإن لم يكن هناك بديل فلا بأس.
أحمد فرحات يقول إن المخابرات الانجليزية وَزَّت الإخوان المسلمين للقيام بعمليات إرهابية لتطفيش من تبقى من اليهود في مصر ودفعهم للهجرة إلى اسرائيل. لصالح الصهيونية العالمية. والصهيونية العالمية هي التي دفعت عملاءها في مصر للقيام بعمليات تخريب وتفجير، لإحداث الوقيعة، والتعجيل بطرد باقي اليهود، ليتوجهوا إلى اسرائيل.
سألت مرة نصار الكاشف هل رأيت أو سمعت عن مستوطن يهودي من أصل مصري؟ قال لا! نعرفهم فقط كمهنيين؛ مدرسون، وأطباء، وموسيقيون. وأصحاب دكاكين فلافل. وصحفيون. برضه المصري يفضل طول عمره مصري!
أحمد فرحات قال إن شحاتة هارون استجدى الأمن، أيام سبعة وستين، حتى لا يطردوه من مصر! قال لهم هذا وطني الوحيد الذي أحبه ولا أعرف غيره، ولن أتركه. أرسل رسالة شخصية إلى عبد الناصر طالباً السماح له بالانخراط في صفوف الجيش المصري للدفاع عن مصر ضد اسرائيل. فاعتقلوه! وفي أيام السادات قال أحمد إنه قاد المظاهرات الشعبية المناهضة لاتفاقية السلام مع اسرائيل. رئيس المنظمة المصرية لمكافحة الصهيونية. المجد للرب! حكى أحمد أن شحاتة هارون دعاه مرة للغداء في بيته، ففوجئ بالوليمة الكبيرة التي تنتظره. المحمر، والمشمر، والمشوي، والمقلي. والسلطات، والواين الفرنساوي المفتخر! ارتبك أحمد من المنظر، وأمسك عن الأكل، حتى ضحك شحاتة هارون وصاح إيه يا احمد ما بتاكلش ليه؟ ماتمد إيدك يا ابني، إيه مش مصدق إن فيه يهودي كريم! قال أحمد إن شحاتة هارون كان يصيح فرحاً كمن يؤكد العبارة لنفسه أولاً، قبل أن يؤكدها لضيفه!
يحبهم أحمد فرحات، ويقول إنهم كأفراد ممتازون، ولهم أياد بيضاء على اليسار المصري. وعلى الحركة الشيوعية المصرية. والحركات الشيوعية العربية. هنري كورِل بعد أن دعم الحركة الوطنية المصرية، دعم الثورة في الجزائر من منفاه في فرنسا كما لم يفعل أي شخص آخر. الأمن الفرنسي هو من اغتاله لهذا السبب. أحمد رأيه أنهم، بالرغم من ذلك، فهم كجماعة بشرية أسوأ مجتمع أنجبته الإنسانية على الإطلاق! نيتشه أيضاً يكرههم كره العمى، ويحملهم مسؤولية انحدار الجنس البشري، وتسميم الحضارة الأوروبية. القيم الكهنوتية. الكراهية، والحقد، والضغينة. والضعف، والخبث. وتجارة الدين. الأخلاق الشعبية. هم من اغتالوا الروح الرومانية!
توقف الأسانسير. فتح سامح البوابة الحديدية للطابق الرابع، وعبر عتبة الأسانسير، وأغلق وراءه درفتي باب الكابينة بحرص، ثم أغلق البوابة الحديدية. مشى بضع خطوات شمالاً، متأبطاً رغيفه الفرنساوي الطويل، وهو ينبش في الجيب الأيمن لبنطلونه الجينز الجاب النيلي. أخرج المفتاح في نفس اللحظة التي صار عندها على عتبة باب الشقة.
نور قوي، نور الطابق، مضاء ككل الطوابق.
فتح سامح الباب. راح يمشط باطن حذائيه رائح جاي عدة مرات على مشاية الأحذية أم وبر ثقيل على العتبة. يحب أن يكون باطن حذائيه في منتهى النظافة حتى يتحرك بحرية في الشقة، دون أن يقلق على توسيخ الأبسطة والاضطرار لتنظيفها. مازالت يمناه ممسكة بالمفتاح في قفل الباب الموارب. اطمأن أخيراً إلى النظافة الحذائية، فأخرج المفتاح من القفل، ووسَّع من فتحة الباب، ودخل، وأغلق الباب وراءه بهدوء.
وضع الرغيف على الشُفونيرة التي بجوار الباب. أخرج لفة السوسيس من جيبه، ووضعها شمال الرغيف.
تذكر فجأة أنه نسي مظروف نسخ مجلات الفن السابع في مكتب فتحي عبد السلام، فضرب باطن كفه الأيمن بآلية وبسرعة جبهته دون وعي منه.
- يااااه! يااا على الزهايمر! يا اهبل يا بن الاهبل!
ومرجح رأسه مستاءً من خراقته وهو يمصمص شفتيه. وأخذ في فك حزامه، ثم أخرج الكتابين الغنيمة بالتتابع؛ الوليمة المتنقة، ثم ضجيج الجبل، ونظر لكليهما شاعراً بالراحة والغنى، ووضعهما يمين الرغيف. ثم أرجع تشبيك إبزيم الحزام في الخرم المعتاد. وراح يتمتم بهمس وهو يخلع سترته الجلدية السوداء:
فك الحزام عن وسطك شده ما يفيدك
لابد عن يوم برضه ويعدلها سيدك
إن كان شيل الحمول على ضهرك بيكيدك
إوعى تكش يا حلو من مدت إيدك
لاحظ، مجدداً، التشققات في جلد الجاكت الجلدي الأسود، ونحول لونه على الكتفين وتحت الإبطين.
العمر الافتراضي. تاريخ الصلاحية. للكل. الأشياء، والطعام، والإنسان. والأفكار وحياتك! والعلاقات، والمشاعر. هكذا صمم المهندس الكون. أحمق من يحزن على ما هو محتوم! حتمية التصميم الأساسي.
مازال يدفئني في البرد، لكن من المؤكد أننا أصبحنا في حاجة لشراء واحد جديد! في الشتاء القادم إن عشنا وكان لنا عمر. وكان معنا فلوس. ليس أقل من أربعمائة جنيه لمثله الآن بأسعار اليوم! الله يلعن أبو الغلاء على أبو السوء الحرة!
طوى الجاكت بالطول وهو يخطو نحو كرسي الفوتى، ووضعه على المسند القريب منه وهو يكمل:
ما تيلا بينا انت وياه
ونستعان ع الشقى بالله
وآهو اللي في القسمة شِلناه
واللي مافيش إن شاالله ما جا
مادام بتلقى عيش وغموس
يهمك إيه تفضل موحوس
ما تحط راسك بين الروس
لا تقولي لا خيار ولا فاقوس
وأخذ يشاور بيديه الاثنتين، وقد أخذته جلالة الحجاز.
وصعب عليه الفن، فترحم على الشيخ سيد وبديع خيري، وقرر وعيه أن يدندنها صح:
شد الحزام على وسط غيره ما يفيدك
لابد عن يوم برضه ويعدلها سيدك
إن كان شيل الحمول على ضهرك بيكيدك
أهون عليك يا حر من مدت إيدك
أقولك إيه واعدلك إيه كله له آخر
دي خبطة جامدة وجَت على عينك يا تاجر
وتساءل؛ هل يا ترى الخبطة هي الضربة الشديدة، أم من الممكن أن نعتبرها أيضاً الزكمة؟!
يا ختشي كده ينفع وكده ينفع!
وأكمل:
يا وحستك دلوقتي لا وارد ولا صادر
يحلها ألفين حلال ربك قادر
مازالت رائحتها في الشقة!
سألتها مرة، وقد أعجبتني رائحة العطر، فقالت إنه كرستيان ديور. العطور مهمة للبشرية. خصوصاً هذه الأيام مع انتشار العرق والنتانة! وكانت قديماً مهمة للبشرية أيضاً. ربما كانت أهم. لكن المهم أن الأمر كذلك اليوم. من التي قالت ضع العطر في المكان الذي تحب أن ُتقبَّل فيه؟ كوكو شانِل، أم سلطانة أخرى من سلاطين الموضة! خمسة سنتيمترات مربعة داخل كل منخار بها ثلاثون مليون خلية شم! وتكنيك الشم معقد جداً. ومتعدد المراحل، حتى تصل الرائحة إلى القشرة الشميّة في الدماغ. سبحان الله! يقال إن أنوف مبتكري العطور قادرة على تمييز عشرة آلاف رائحة مختلفة بدقة شديدة!
تناول سامح الرغيف الفينو الطويل، وتأبطه بساعده الأيسر من جديد. وأمسك لفة السوسيس باليد اليسرى. ودخل الطرقة باتجاه المطبخ. داس على مفتاح النور، المجاور لحلق باب المطبخ من الداخل، ووعيه يخبره بأن الدندنة قد سننت سعار جوعه.
وضع لفافة السوسيس، والرغيف الفرنساوي، على الرخامة البنية الكاسية لسطح دولاب المطبخ. فض اللفافة، وأخرج الأصابع البرتقالية. وفصلتها أصابعه بسهولة عن بعضها البعض. أكل واحدة على قضمتين.
لذيذ حتى بدون تحمير! أفضل غموس يمكن الحصول عليه بأربعة جنيهات في هذه البلد!
تبقى من الربع أحد عشر إصبعاً.
شد مقبض درج دولاب المطبخ، المجاور لفخذه الأيمن، وأخرج سكين التقطيع.
نشرحها بالطريقة الشركسية؛ شرخ بالطول، وشرخين بالعرض!
عمل من راحته اليسرى نفقاً، وأمسك إصبع سوسيس بالإبهام والسبابة والوسطى الأياسر. وبسلاح السكين شرحت يمناه إصبع السويس شرخاً بالطول، ثم قلبته، وشرحت بدقة شرخين بالعرض على مسافتين متساويتين.
يتيح هذا مزيداً من القرمشة، ومزيداً من تغلغل الزبد الساخن في أنسجة اللحم المدخن.
اشتد قرمه وهو يلوك بقايا اللحم بين أسنانه. أكمل تشريح باقي العشرة أصابع بسرعة. وبالسكين شق بطن الرغيف الفينو كله بالطول. ثم قسمه إلى ثلاثة أثلاث متساوية. حجز الثلث الوسطاني على جنب في نهاية زاوية رخامة دولاب المطبخ للصباح، أو لجوع آخر الليل. قرب منه الثلثين الباقيين، اللذين ظلا مع ذلك طويلين، لأن الرغيف فرنساوي.
واحد نحط فيه ستة أصابع، والآخر نحط فيه خمسة أصابع. كالحياة، هي أيضاً ليست عادلة!
لو كنتُ قسمت الرغيف قسمة مجحفة، لأصبح توزيع اللاتساوي متساوياً! نفي النفي إثبات. معلش، فات المِعاد والفاس وقعت في الراس واللي حصل حصل. المرة الجاية إن كان لينا سوسيس!
التفت، وتناول طاسة القلي، المعلقة على المشجب يمين حوض الغسيل، والمعلق على خطاطيفه الألومنيوم أيضاً كنكة القهوة النحاسية مقاس ثلاثة، ومصفاة الشاي الستانلستيل، ومبشرة الثوم، وكسرولة الحليب، وسيخ تقليب واصطياد المقليات، وكوز غلي الماء الستانلستيل ذو العروة الكبيرة.
وضع الطاسة على العين الكبيرة للبوتاجاز ذي الأربع عيون. أشعل العين وضبطها على الهادئ.
اقلي على الهادي تاكل مقرمش، اقلي على العالي تاكل محروق، محروق من بره وني من جوه.
تراجع خطوتين إلى الوراء، ومد يمناه وفتح باب الثلاجة. أخرج بيسراه قطعة الزبد الملفوف في ورقه الفضي من على الرف العلوي. وضعها على الرف الرخامي لدولاب المطبخ. ثم أحنى هامته، وتناولت يمناه من الرف السفلي للثلاجة قارورة المستردة البلاستيكية الكهرمانية. مرجح ساقه اليمنى وغمز بركبته باب الثلاجة، فانغلق بصوت مكتوم لانطباق جوان الباب على حلق الصندوق. أخذ خطوة جانبية لليسار، فأصبح في وسط رخامة دولاب المطبخ. فض الورقة الفضية للزبد، وأخذها معه إلى البوتاجاز في خطوتين. ألقى ما بها في الطاسة الساخنة فطشت. راحت قطعة الزبد تسيح في كريشِندو متسارع وتتصاعد رائحتها. داس بقدمه اليسرى على دواسة صندوق القمامة، القابع يسار البوتاجاز، ففغر فمه. طبّق ورقة الزبد في طيتين، وألقمها لفم الصندوق، ورفع قدمه عن دواسته فسد فمه. حول بصره إلى الطاسة على النار والزبد يتحول إلى فقاقيع بنية ويتصاعد دخانه.
حان الآن موعد إلقاء السوسيس، وعلى القاطنين في الخارج مراعاة فروق الرائحة! معلش يا اخوانا بنطبخ، عقبال عندكم!
ألقى بالسوسيس المدخن، إصبعاً تلو إصبع، أحد عشر إصبعاً.
كواكب طاسة القلية!
كانت الغريزة تحثه على إلقام فمه بإصبع سوسيس، بدلاً من إلقامه لطاسة القلية. لكن وعيه أمسك يده في اللحظة الأخيرة.
انتصار نادر من انتصاراتنا يا ولد! في آخر لحظة، تغلبت قشرة المخ الأمامية على المنظومة الحوفية!
بقبقت أصابع السوسيس الراقدة فوق فقاقيع الزبد المقدوح، وتصاعدت رائحة اللحم وغزت خياشيمه، أثناء تحول بطون الأصابع من البرتقالي إلى البني وهي توشوش في الطاسة. أدارت أصابعه اليمنى مفتاح البوتاجاز مع حركة عقارب الساعة، بحرص، فزادت حدة النار قليلاً.
بعد حطة كوكبة الكواكب، ينبغي الحفاظ على مستوى حرارة القلي. الحرارة كانت مقسومة على اثنين، وأصبحت الآن مقسومة على ثلاثة عشر.
تقرصعت أصابيع السوسيس المشرحة وفقاقيع الزبد المقدوح تتغلغل في شروخها الشركسية.
نار الطاسة تحتها، والهواء فوقها. فرق حرارة. التقرفص عشوائي. ولا واحدة شبه الأخرى الآن. مثل بصمات الأصابع، وصوابعك مش زي بعضها! الموقع من النار، وكمية الزبد الذي حول كل إصبع، والاختلافات البسيطة في أماكن وعمق الشروخ، هو المسؤول عن الشكل المختلف لمياسة كل منها. ويمكن أيضاً أن يكون هناك عنصر عشوائي آخر ليس في الحسبان. الفوضى! القانون الثاني للديناميكا الحرارية؛ الفوضى الناتجة عن اجتماع عناصر مضطربة أكبر بكثير من حاصل جمع الفوضى في كل منها على حدة.
أطفأ سامح النار، وشال الطاسة قبل أن تشيط، ووضعها على سياج الانتظار وسط البوتاجاز.
نسرع بتقفيل السندوتشين لأن اللعاب يسيل!
فتح بطن الاثنين. رج قارورة المستردة. ثم قلبها، واحتلب ضرعها، فأسالت من سطام سنامها خيطاً دبقاً متماسكاً من سائلها الكهرماني بطول السندوتش الأول. كرر العملية مع السندوتش الثاني. لف بجذعه، وتناول يد الطاسة من على ساحة انتظار البوتاجاز. بدَّل المسكة باليد اليسرى، وباليمنى راح يُشوِّك قطع السجق، ويرقدها بتناسق في بطن السندوتشين.
خمسة هنا، وستة هناك. امتلئا تماماً. ممتاز هكذا! إحش الخبز بسخاء. سجق بالخبز، لا خبزاً بالسجق. ثم سرسوب مستردة إضافية من فوق. الأول كان فرشة، وهذا غطاء. ونقفل السندوتشين. ونضغط براحة اليد بالراحة على الظهر لتطل المستردة من الشقوق. مستردة تسد الشقوق وترُم الخروق. زي واحد صاحبنا هاهاها!
وضع سامح الطاسة في حوض الغسيل. فتح المطبقية التي فوق رأسه، واختار منها طبقاً مسلطحاً وضع عليه السندوتشين. ثم أطفأ نور المطبخ، وخرج.
خسارة ما عندناش بيرة! كانت ها تبقى ملحمة! رغاوي مع اللحم! معلش، عموماً هي أكلة روعة على كل حال.
اتجه سامح إلى كرسي الفوتى في الصالة. وضع الطبق على المنضدة أمامه، واستدار ورجع خطوتين، وفتح التلفزيون، والريسيفر؛ الذي كان مضبوطاً من آخر مرة على قناة السي إن إن.
نشوف إيه اللي حصل في الدنيا النهارده!
من عادته مشاهدة الأخبار التلفزيونية أثناء تناول الطعام.
رجع وجلس على الفوتى، وريموت الريسيفر في يمناه ليتحكم في علو الصوت. رفعه للمستوى المتوسط. ووضعه أمامه، على المنضدة، على شمال طبق السندوتشين. وقبل أن يجلس، تذكر أنه نسى زجاجة الماء، وخلة الأسنان. توجه إلى المطبخ. وعاد وفي يمناه الزجاجة الزجاجية مطربشة بكوب زجاجي مقلوب، وخلة أسنان بين إبهامه وسبابته الأيسرين. وضعهم على المنضدة بعد طبق السندوتشين، ثم جلس، وأجلس الكوب على سطح المنضدة، وملئه بالماء، ورشف رشفة مترعة.
بل ريق، تسليك زور. التسليك قبل الفتح. مادام مافيش بيرة!
نبدأ بالخماسي، ثم السداسي.
تناول السندوتش بيديه الاثنتين، وراح يقضم، ويلوك، ويجمجم، ويوحوح، وهو يقرم اللحم الطري المشرب بالزبد المقدوح.
الجوع قرصني ورغيف السجق نجاني! ما تبصليش بعين رديّة بص للمدفوع فيّا. وانا يا ما اندفع فيّا يا عنيّا. وادفع بالتي هي أحسن، ويا بخت من بات مدفوع فيه ولا باتش دافع. والدفع قبل الرفع يا عنيّا!
أخذ رشفة ماء مترعة بعد اللقمة لتسهيل البلع. كان من عادته أخذ رشفة مترعة بعد كل لقمة لتسهيل البلع؛ واين، أو بيرة، أو ماء.
كانت السي إن إن تذيع تصريحاً لجورج دبليو بوش، من على الطائرة رقم واحد لسلاح القوات الجوية الأمريكية، وهو في بهو واسع داخل بطن الطائرة الرئاسية، ومحاط بمراسلي الصحف والقنوات الإخبارية، يقرأ من ورقة مكتوبة يمسكها بكلتا يديه، ويقول إن اليوم يوم عصيب لمن يحبون أمريكا.
يحاول ما في استطاعته أن يجعل ملامحه حزينة، لكن قسمات البلاهة لوجهه لا تساعده!
أكد جورج دبليو بوش، وهو يقرأ من الورقة المكتوبة، نبأ القبض على روبرت فيلِب هانسن عميل الإف بي آي، وتوجيه الاتهام له رسمياً بالتجسس لصالح روسيا ومدها بوثائق أمريكية سرية.
في مربع أزرق صغير على الحرف السفلي للشاشة يمين المتفرج، مكتوب: اليوم الثلاثون لتولي جورج دبليو بوش رئاسة أمريكا. تحته بحروف بيضاء أصغر أرقام الساعة؛ السادسة وست دقائق عصراً بتوقيت واشنطن.
يبقى عندنا اتناشر وست دقايق بتوقيت القاهرة الشتوي. ليل داخلي.
قضم شقفة كبيرة من السندوتش الخماسي. وتناولت يسراه الريموت كنترول، من على المنضدة، وأدارت المحطة إلى التالية في الترتيب. رفع إبهامه الأيسر من الصوت إلى أعلى مستوى؛ لأن البي بي سي إنجلش كان صوتها منخفضاً.
البي بي سي المستحية!
وضع الريموت كنترول على المسند الأيسر للفوتى، لأن وعيه توقع استمرار تقليبه للقنوات ورفع وخفض الصوت. كانت البي بي سي إنجلش تذيع تقريراً عن انهيار سوق المال التركي. بولنت أجاويد رئيس الوزراء يعلن أن الأزمة خطيرة جداً. المذيع الانجليزي يقول إن الانهيار حدث نتيجة أن الحكومة التركية قامت بتغطية العجز الهائل في ميزانيتها بإصدار سندات ذات فائدة عالية جداً، وأن البنوك الخاصة والمستثمرين الأجانب أقبلوا على شرائها.
طبعاً يا باشا هُت مَني! نهازو الفرص! مخربو بيوت الشعوب!
يقول المذيع الانجليزي إنه نتيجة لذلك تضاعفت أعباء خدمة الديون، مما أدى إلى تضاعف معدلات التضخم، وقال إن أسعار الفائدة وصلت إلى ثلاثة آلاف في المائة.
يا نهار اسود ومنيل بنيلة!
يقول المذيع الانجليزي إن الجميع راحوا يتكالبون على تغيير الليرة التركية إلى الدولار.
طبعاً! سُعار!
ويقول إن البنك المركزي التركي قد خسر نتيجة لذلك كل احتياطاته، وأن مئات الآلاف من الأتراك قد فقدوا وظائفهم.
الخراب يا باشا! عندنا هنا عينة من ده!
أحد خبراء صندوق النقد الدولي، الضيف في برنامج البي بي سي إنجلش، يقول إن سبب المشكلة هو التصريحات غير المسؤولة، والاختيار غير الموفق للكلمات، التي أدلى بها رئيس الوزراء التركي بشأن خطورة الوضع الاقتصادي، ويؤكد أن هذا هو ما أجج مخاوف المستثمرين، وخلق بيئة سيئة للاستثمار.
يا حلاوة يا حلاوة! تلهيك وتجيب اللي فيها فيك!
نحتاج أن نسمع رأي أحمد فرحات في ما جرى. وعاللي جرى من مستثمرينك عاللي جرى، طب ما تيجي وانا، أبألظك، عاللي جرى!
سمعوا كلام الصندوق وها هي النتيجة! ويتنصلون ولاد القديمة من المسؤولية ويلقونها على الكلمات! هي الكلمات السبب! وبعض الكلمات نور، وبعضها قبور. اقتصادات تيجي بكلمة وتروح بكلمة! ذهب مع الريح وش ياخد الريح من البلاط!
الأتراك ها يموتوا ويدخلوا الاتحاد الأوروبي! الحلم التركي بإنه يلبس البَرنيطة ويبقى أوروبي، فلازم طبعاً يسمع الكلام. خليك مؤدب لو سمحت وحاسب على ألفاظك عشان فيه ألفاظ بتوقع الاقتصاد! واقلع اللباس يا زكي قدرة، يقلع اللباس زكي قدرة!
نحن أيضاً قدمونا لقمة سائغة لرجال الأعمال! كييفة الهُت مَني. أكلة لحوم البشر.
عاطف عبيد راسه وألف سيف ليبيع القطاع العام!
يقول إن شركات القطاع العام تخسر وتحمل ميزانية الحكومة ما لا تحتمل. طبعاً! هي المسؤولة عن تخلفنا في الماضي، والماضي كان كله جراح! أحمد فرحات يقول إنهم يبيعون الشركات برخص التراب للمحاسيب، والمرضي عنهم، ويسب عاطف عبيد سباً تقشعر من سوقيته الأبدان! عمري ما سمعت ألفاظاً مثل تلك من أحمد! لكن الحق الحق معه حق! إن ماكانش ده يتشتم أمال مين اللي يتشتم! بلد كبير يحكمه ناس صغار. أمريكا أيضاً بلد كبير يحكمه ناس صغار. شيطان يأخدهم جميعاً!
أعاد سامح ملء كوبه بالماء. وبدأ مع السندوتش الثاني. وأحب، من باب الفضول، أن يعرف ماذا تعرض القنوات المصرية الآن، فأمسك بريموت التليفزيون، وراح يقلب في القنوات، ويخفض من مستوى الصوت العالي للقنوات المصرية. فيلم السهرة على القناة الأولى؛ تجيبها كده تجيلها كده هي كده. على القناة الثانية؛ إعلان لنرمين الفقي.
هل يا ترى فيه قرابة مع الفقي بتاع الفول والطعمية في شارع معروف؟
قالت إنها من الاسكندرية لما عملت لها كاستنج لفيلم شعبان. لم يكن من اللياقة سؤالها تقربي للفقي بتاع الفول والطعمية اللي تحت؟ ربما الجد، أو جد الجد، أو جد جد الجد. وربما مجرد تشابه في الألقاب. تشابه مهن الجدود.
نرمين الفقي على شاشة القناة الثانية تحرك شفتيها، والصوت لمغنية أخرى غيرها:
من غير تفكير وكلام كتير كوست حليب لأولادي
حليب طبيعي وطعمه طبيعي معايا في كل أكلاتي
كوست حليب بيغذيني ويخليني أعمل واجباتي
كوست حليب بيقويني ويخليني ألعب رياضاتي
ياسلام عليه في طبق الزبادي
آدي كوست حليب ده حليب مش عادي
دايماً معايا في أكلاتي
ثم يقول صوت المغنية الأخرى، بينما نيرمين الفقي تحرك شفتيها:
طبعاً لإنه مع حليب كوست سريع الدوبان وطبيعي كمان وفي كل أكلة هاتلاقوه معاكوا.
قضم سامح شقفة من السندوتش الثاني. وبلـّع برشفة ماء.
أين حليب شركة مصر للألبان؟! لم يعد المرء يراه عند البقالين! أين شركة مصر للألبان نفسها؟! بيعت لمستثمر هُت مَني، أم ينون بيعها قريباً؟! خسارة والله!
ظهر محمود الخطيب في الإعلان التالي لمطاعم ماكدونالدز للهامبورجر:
جنيه اتنين تلاتة ونص رقصهم يا خطيب على واحدة ونص
جنيه اتنين تلاتة ونص ماكدونالدز على واحدة ونص
الواحدة ونص اللي هي المقسوم. دوم، ت ت تا ك، دوم، ت تا ك. ت تا دوم، ت ت تا ك، دوم، ت تا ك.
ثم قال صوت تعليق الفويس أوفر في آخر الإعلان:
عرض خاص من ماكدونالدز الخطيب، جنيه ونص تاخد آيس كريم بالبسكويت، اتنين جنيه تاخد تشيز برجر، تلاتة ونص تاخد بج ماك، عرض خاص من ماكدونالدز لفترة محدودة.
وضع سامح آخر شقفة من السندوتش في فمه. وقرر أنه قد استكفى من القنوات المصرية، فتناول ريموت الريسيفر، وراح يقلب القنوات، وهو يمضع آخر لقمة على مهل.
الجزيرة تذيع تقريراً عن حادثة إطلاق النار في البيت الأبيض. مستوى الصوت عال. كالقنوات المحلية. نوطي الريموت شوية. ده كلام قديم من إسبوعين يا اخوانا!
لكن وعي سامح انتبه إلى اسم الجاني، الذي سمعه لأول مرة.
روبرت ِبكِت! ِبكِت! يا حلاوة الاسم! ومتهم بإطلاق النار في سبعة فبراير الحالي في مبنى البيت الأبيض، ومحاولة اغتيال جورج دبليو بوش، وهو لسه ما كملش شهر في الحكم!
نرجع أحسن لكمالة تقرير البي بي سي إنجلش. يا سلام لو كان في كمالة للسندوتش! معلش. ألف شكر.
بَوَّس سامح يمناه وجهاً وقفا.
ألف حمد وشكر.
وتناول خلة الأسنان بالثلاثة أصابع الأولى اليمنى، وأخذ يسلك ما بين أسنانه وضروسه.
يااااه، الواحد كان جعان بشكل! واحد نسكافيه بقى بعد الأكلة الحلوة دي!
رفع مستوى الصوت من الريموت كنترول لآخره، ناوياً أن يتسمع وهو في المطبخ. لم الكوب، وزجاجة المياه، فوق الطبق المسلطح. وقام متجهاً بهم إلى المطبخ، ناوياً غسلهم، حتى يترك المطبخ نظيفاً للسكان الجدد.
سلمني نضيف أسلمك نضيف. ولو اننا استلمنا وسخ الصراحة! معلش، عامل الناس كما تحب أن يعاملك الناس، وخليك انت برضه الكبير. ثم إن النظافة يا عزيزي غريزة أولاً وقبل أي شيء. مسألة شرف شخصي. كاستقامة الظهر لدى لاعبي البولو. لا يمكنني ترك وساخات ورائي. هاهاها قصدي وساخات مادية يا وسخ! هيييه، وآهو كل واحد بيعمل على قد نيته. الشرف!
وضع سامح ما في يديه في حوض الغسيل بالمطبخ في الظلام. استدار وخطى خطوة وأشعل النور. ورجع ليفتح الصنبور. قبض بيمناه على الليفة السكوتش في علبة الحلاوة الطحينية القديمة الرشيدي الميزان، التي تحولت إلى صبَّانة، وحلبها مرتين حتى امتلئت العلبة برغاوي الصابون، وراح يُصبِّن المواعين. ثم شطفها بماء الصنبور الجاري، وراح يصفها تباعاً، على يمينه، رأساً على عقب على سطح حوض الستانلستيل المضلع، حتى ُتصفي ماء شطفها. أغلق الصنبور. تناول الطبق المسلطح وأسكنه على سيفه في أحد أنصاب المطبقية، فوق رأسه، والكوب مقلوباً في الدور التحتاني من المطبقية. تناول زجاجة المياه الفارغة المغسولة المقلوبة، وفتح الصنبور مجدداً، وملئها إلا إصبعين من تمامها.
برق في دماغه، فجأة، ذكرى برتقالة منسية في درج الخضروات بالثلاجة. فاستدار، وفتح باب الثلاجة على عجل، وانحنى على درج الخضروات وفتحه، وابتسم ابتسامة عريضة.
معجزة يومية صغيرة! يا بركة الأرواح الطيبة الجميلة اللي حواليّا. ألف شكر يا ملاكي الحارس. ألف شكر يا روح العالم الجميلة العظيمة الرائعة.
تناول البرتقالة المشرَّبة بالحمرة، ودفع بيسراه درج الخضروات لمستقره، وسك باب الثلاجة.
يا سلام! تحلية ولا كانت على البال! برتقالة بدمها. شهيدة سلالة الحمضيات. نفض بكارتها بالإصبع، كالعنين في ليلة الدخلة مع عروسه. يا ما الواحد سمع قصص بالشكل ده!
قشر الجلد الرقيق بأظافره بسهولة؛ بدس ظفر الإبهام تحت اللحاء، ودفعه للأمام، وراح يرمي القشور في الزبالة، وقدمه على دواسة فمها المفتوح. انتهى من التقشير، وقرر أن يأكلها على حوض الغسيل، لأن وعيه قدَّر أن بعضاً من دمائها قد يتساقط على ملابسه وهو يأكل.
مليئة بالعصير الدموي الحلو الحامض!
لم يفصصها، وراح يقضمها كما تؤكل التفاحة.
حلوة بشكل! آخر ما تركت ميشِل وراءها. كانت تعشق البرتقال، خصوصاً اللي بدمه.
كان سامح يجمع بذر البرتقال في راحته اليسرى بتقريب كفه إلى فمه، وزحلقة البذور بلسانه إلى راحة اليد دون بصق. أتى على البرتقالة كلها. ثم رمى البذور في الزبالة. التفت، وفتح صنبور المياه بحرص بأصابعه اليسرى، لأن اليمنى كانت ملتاثة بالعصير الدموي. غسل يديه، وتمضمض أربع مرات، وأغلق الصنبور. تمتم ألف حمد وشكر، وهو ينشف يديه، وفمه، في فوطة المطبخ النظيفة المعلقة على مسمار شمال المطبقية. أعاد تعليق المنشفة مكانها، وخطى بالجنب، وتناول الكوز أبا عروة من على المشجب يمين الحوض، وملئه لنصفه بمياه الصنبور.
موصى بالكوز الستانلس لتحضير مياه النسكافيه. يجب أن تجيش المياه، دون أن تصل لدرجة الغليان. في الكوز سنراها، أما في غلاية الشاي فلن نرها.
أشعل العين الصغرى للبوتاجاز، ووضع عليها كوز الماء. التفت، وتناول مج خزفي أحمر، يشبه زهرة اللوتس، كان مقلوباً على رأسه، من على رخامة دولاب المطبخ، وعدله. تناول السكرية من جواره. سحب مقبض درج الملاعق الملاصق لعضلة ركبته اليمنى، وسحب منه ملعقة شاي، وأغلق الدرج. أخذ ملء ملعقة الشاي سكر، وألقاه في المج، ثم ملء ملعقة أخرى من السكر. تناول علبة النسكافيه الأمريكية القصديرية المدورة من جوار السكرية، وفتحها.
بها ما يكفي لصنع مجين عظيمين! واحد الآن، والثاني في ما بعد.
أخذ ملء ملعقة من بن النسكافيه، وألقاه فوق السكر في المج، ثم ملء ملعقة أخرى، وأغلق علبة النسكافيه، وأعادها لمكانها على الرخامة. قلب السكر مع البن بخفة، دون طحن.
انتبه وعيه لصوت البي بي سي إنجلش واصلاً من الخارج.
مازالوا في موضوع انهيار سوق المال التركي. الأتراك يغرقون في الرمال المتحركة للرأسمالية العالمية. الغوث! نحن أيضاً نغرق! أنتم السابقون، ونحن اللاحقون. الأتراك قلعوا اللباس. نحن أيضاً قلعنا اللباس! لكنهم يحلمون بالانضمام للاتحاد الأوروبي، علشان يبقوا خواجات ببَرنيطة، والعضوية في النادي الأوروبي ُطعم في يد الرأسمالية؛ َشوَّق ولا تدوَّق! لكن ماذا عنا نحن؟ لماذا قلعنا اللباس! ماذا كان الـُطعم؟ غِيّة! متعودة دايماً! في هذه الحالة، يمكن وصفنا بالقاعد في بيت الدعارة؛ لا هو يفعلها، ولا هو خال من النجاسة! أحمد فرحات يقول إنها لعبة قذرة للاستيلاء على شركات القطاع العام بتراب الفلوس. ما يشترونه اليوم بجنيه، يصبح غداً، لا بعد غد، بألف يا ريس. كفاية الأراضي اللي عليها الشركات! مساحات يا ابني! وفي مواقع إيه، لوز! لو اتباعت بس أرض مباني شوف تجيب كام النهارده! ويقولك خسرانة! ولاد الكلب! أعطني حصتي أطلق يديّ. شركة البيبسي كولا، باعوها ولاد الكلب وقالوا خسرانة! بيبسي كولا وتخسر! أكلة الجيف تزدهر في موسم الجفاف!
رأت عينا سامح الماء وهو يجيش في الكوز، فأطفأت يمناه النار، وتناولت الكوز بمسَّاكة قماش محترقة من كل مكان من احتضان نسيجها للمعدن الساخن. ثم صبت الماء الجائش في المج. استدار سامح، وألقى ما تبقى من ماء الكوز الساخن في فم بلاعة حوض الغسيل.
وصفة مثالية للتسليك المتواصل.
وضع الكوز الساخن في الحوض، وأعاد مسكه من حافته بالمسَّاكة، وعلقه من عروته في المشجب. التفت، وقلب القهوة أربع مرات بخفة في حركة دائرية في اتجاه عقارب الساعة. استدار، وفتح الصنبور، وصبَّن الملعقة، وشطفها، وأغلق الصنبور. نطر الملعقة ثلاثاً؛ ليصفيها من قطرات الماء. وأعادها لدرج الملاعق، مع أخواتها من نفس المقاس، وأغلق الدرج. خطى خطوة، وأطفئ نور المطبخ بسبابته اليمنى. تناول في الظلام، الذي لم يكن ظلاماً، مج القهوة اللوتسي من عروته بالثلاث أصابع اليمنى الأوائل. وباليد اليسرى تناول زجاجة المياه من على سطح انتظار حوض الغسيل الستانلستيل، وسار متجهاً للصالة.
وضع زجاجة المياه، ومج القهوة، على منضدة الصالة. وتناول، وهو واقف، ريموت الريسيفر من على مسند الفوتى، والتفت ماداً به يمناه في اتجاه الريسيفر الموضوع على رف تحت شاشة التلفزيون، وضغط على زر الرجوع إلى قناة السي إن إن. شخص، يُعلن التوضيح المكتوب بجوار اسمه، أنه من الجمهوريين. يتحدث بحماس عن خطة بوش الابن لتخفيض الضرائب. وضع سامح قبضته اليسرى في وسطه مقرراً أن يتابع قليلاً، والريموت في يده الأخرى المدلدلة إلى جانبه الأيمن. يرد عليه أحد أعضاء الكونجرس من الديمقراطيين قائلاً إن الجمهوريين دائماً ما يعدون بتخفيض الضرائب عن الطبقة الوسطى، لكن إن كان دخلك الشهري أكثر من خمسمائة ألف دولار، فإن خطط الجمهوريين المالية ستكون في صالحك.
هاهاها، تخفيض الضرائب عن الطبقة الوسطى، إبقى قابلني! انتخابات الرئاسة خلصت، والوعود الانتخابية فص ملح وداب. أدت وظيفتها. تشكر. انخدع من انخدع. نصب واحتيال، ورزق الهبل على المجانين! قلة وعي يا عزيزي.
أغلق سامح الريسيفر، والتلفزيون، مقرراً أن ما سمعه اليوم من أخبار العالم فيه الكفاية.
اتجه إلى الشُفونيرة الملاصقة لحائط الصالة، وتناول من على سطحها الكتابين اللذين وضعهما هناك عندما دخل. أمسك بهما بكلتا يديه؛ الوليمة المتنقلة على ضجيج الجبل. اتجه إلى المنضدة، ووضع الوليمة المتنقلة في وسطها، قريباً من حافتها اليمنى، حتى تكون في متناول يده، على شماله عندما يضطجع على الأريكة. قرر أن يضع ضجيج الجبل في الحقيبة الكبيرة؛ التي سيودعها عند أخته غداً صباحاً في المنيل.
كاواباتا عظيم في ضجيج الجبل! يستخدم النسيان الدرامي بعظمة! شينجو، في أحد الصباحات، وبعد أيام طويلة مشحونة بالانفعالات العنيفة المكبوتة، تنسى يداه كيف تعقدان ربطة العنق، بعد أربعين عاماً من تكرار العملية كل صباح قبل الذهاب لوظيفته!
سأمر على مريم في الثامنة صباحاً قبل أن تذهب لشغلها. من حسن الحظ أن نادر ينزل في السابعة إلى شغله في بريد العتبة. لا أريد مقابلته. شخص مزهو بنفسه على الفاضي، يغرق نفسه بكولونيا ليمون ثلاث خمسات! مدير في مصلحة البريد، ويظن نفسه جاب الديب من ديله! هل يا ترى هو من كان معها في حجرة النوم في ذلك اليوم، أم رجل آخر! لن أعرف الجواب أبداً. ما الفائدة في أن أعرف على أي حال!
عاودت سامح ذكرى ذلك اليوم. من سنتين تقريباً، كان في المهندسين، في صباح شتائي، ورجع إلى شقة أبويه المرحومين بالمنيل ليبدأ كتابة مقال عن ستانلي كوبرِك، طلبوه منه للنشر على وجه السرعة في جريدة الحياة اللندنية بمناسبة وفاته. بعد أن فتح باب الشقة بمفتاحه، ودخل، سمع همهمات جنسية في غرفة نوم شقيقته. وقف مصدوماً لدقيقة، أو اثنتين، حتى استوعب أنه صوت أخته، وأنها مع أحدهم في غرفة نومها. استدار خارجاً، وأغلق الباب وراءه بهدوء. جلس على مقهى في الشارع الخلفي لبيت أبويه المرحومين، وطلب قهوته المضبوطة، وحجر معسل سلوم. أحس بالشفقة تجاه أخته، وقال في نفسه مسكينة، معذورة، شارفت على الأربعين بلا حب، ولا زواج! وتساءل من هو يا ترى الرجل الذي معها؟! وهل يحبها، أم مجرد نزوة؟! وتمنى أن يكون رجلاً محترماً يحفاظ عليها.
يومها قرر سامح أن لا يعود إلى شقة أبويه المرحومين، إلا لأخذ حاجياته والرحيل، وقرر أن يفتش عن مكان آخر يسكن فيه، وأن يترك لأخته شقة العائلة؛ على أمل أن تساعدها الشقة في إيجاد زوج.
أشعل سامح نور غرفة النوم.
جمال كاواباتا في بروده. وجمال كافكا في بروده.
المعتوه أورسن ِولز يُميت ك في نهاية فيلم المحاكمة بانفجار! يا للفضيحة! لو كان كافكا حياً لأصيب بانهيار عصبي!
دُستويفسكي على عكس كاواباتا؛ شخصياته تعبر عن نفسها في انفعالات هائجة مدمرة. روسي روسي! عظيم هو أيضاً في استخدامه للنسيان الدرامي. الأب كارامازوف في غمرة انفعال هائج مع أبنائه، ينسى أن أم ابنه أليوشا هي نفسها أم ابنه إيفان! هذا أدب عظيم يا عزيزي، من الدرجة الأولى الممتازة!
النسيان الدرامي أقوى من النسيان المرضي. ينتج عن الانفعالات الدرامية. حتى وإن كان له أصل عضوي. خلل عقلي ربما. جميعنا مختلون، من منا السليم!
انحنى سامح على الحقيبة المنفاخ الكبيرة اللاطية بجوار عتبة باب غرفة النوم من الداخل، وفتح سوستتها، ودس فيها ضجيج الجبل، وأغلق السوستة.
لاحت منه نظرة إلى ملاءة السرير.
لن أنام عليها الليلة. سأقرأ ممدداً على أريكة الصالة حتى الصباح، أو حتى يغلبني النوم. يعرقون وهم يفعلونها، حتى في عز البرد. عرق العافية. لابد وأن بقايا لبنهما على الملاءة في مكان ما. سأتأكد.
خطى سامح بضع خطوات نحو السرير. انحنى على الملاءة البيضاء، المشجرة بقلوب متداخلة بالأحمر والأخضر والأزرق، والتي حال لونها، واهترئ نسيجها وتثقب في عدة مواضع. راحت عيناه تتفحصان بعناية، وابتسم أخيراً لصواب توقعه.
ها هي بقعتها! جفت، لكن يمكن تمييزها، لأنها كانت ترقد هنا بالضبط. لبن رجب أكيد على السجادة بالصالة.
انحنى على البقعة، وتشممها.
الله يا كامليا على لبنك! مازالت على عادتها، تضع عطراً في فرجها؛ لتنزل شهوتها معطرة! تسافر كثيراً، وتشتري من أوروبا أشياء نسائية لتعطير الفروج بروائح متنوعة، لكنها تصر على رائحة معينة لفرجها. لا أعرف اسمه، ولكن أحفظ رائحته! ياسمين. علامتها المسجلة. الأسلوب شرف الكاتب بتاعة عماد فكري. الأسلوب عاهة مستديمة إحنا اللي قلناها!
قرر سامح محو آثار كامليا، التي بالكاد تظهر للعيان. كراهيته لترك آثار خلفه صارت جزءًا من طبيعته. ذهب إلى المطبخ، وعاد ومعه الليفة المصبونة. راح يدعك البقعة الباهتة، حتى اطمأن وعيه إلى اختفائها كلية.
تتأسس روايات التحري كلها، من أولها لآخرها، على مسألة تقصي الأثر. والأفلام البوليسية أيضاً ورثت عنها ذلك. جريمة قتل في البداية، والبطل، الذي قد يكون شرطياً، أو مجرماً، يتقصى آثار الجريمة ليصل إلى القاتل الحقيقي، وفي الطريق يصبح هو نفسه الضحية التالية للقاتل.
اطمأن وعيه أخيراً إلى اختفاء بقعة كامليا كلياً. اتجه إلى الخارج، وأغلق بيسراه الناشفة كبس النور. وقصد المطبخ.
من أحلى ما كتبت في الفن السابع؛ مقال أزهار الشر سينما العصابات عند جان بيير ملفيل!
محقق الشرطة عند ملفيل هو مقتفي أثر ممتاز. يمكن اعتباره جامع نفايات في نفس الوقت. نفايات الجثث، وفوارغ الطلقات. يمضي المحقق جائباً المدينة، باحثاً عن غنيمة من النفايات. النفايات التي يلقيها المشبوهون خلفهم، أو يفقدونها، أو ينبذونها. نفايات الجثث، وفوارغ الطلقات، وأكياس القمامة التي يلقونها خلفهم، والعشيقات، والأصدقاء، والزملاء. ثم يعود المحقق إلى مكتبه، ويعمل على فرزها، ومضاهاتها، بحكمة وتبصر، لتتخذ النفايات بين يديه شكل البراهين والأدلة!
اقتفاء الأثر يضفي تشابهاً بين محقق الشرطة والمجرم. تشابهات في المظهر، والسلوك، ودرجة الحرفية. لعبة تبادل أدوار داخل الفيلم. مرايا. يتبادل نفس الممثل لعب دوري المجرم والشرطي من فيلم لآخر في سينما ملفيل. العالم كله بالنسبة لملفيل عالم مجرمين. إنه حقاً عالم مجرمين مجرمين مجرمين! المفتش الكبير في فيلم الدائرة الحمراء يقول للمحقق، الذي يلاحق العصابة، كل الرجال مذنبون يا سيد ماتي، قد يولد الرجل بريئاً، لكن ذلك لا يستمر طويلاً! المفتش الكبير لا يستثني الشرطة نفسها من الدائرة الحمراء. ليس عن نزق، بل عن خبرة. طبيعة عمله، ككبير مفتشي الشرطة، تجعله مضطراً لإرسال نظرته إلى داخل دائرة عمله ذاتها. هو الشرطة التي تحقق في جرائم الشرطة. يرى المفتش الكبير الغابة كلها، ويلمس الأشجار بيده شجرة شجرة. آخر ما يرد في الفيلم تصريحه الجازم: تذكر يا سيد ماتي، كل الرجال مذنبون!
وضع سامح علبة التصبين على حافة حوض غسيل المطبخ الستانلستيل، وفتح الصنبور وشرع في غسل يديه في الظلام، الذي لم يكن ظلاماً.
هتشكوك مختلف. أسلوبيته تناقض أسلوبية ملفيل، وكأن ملفيل يحتفي بكل ما يلقيه هتشكوك في القمامة، والعكس صحيح!
البطل عند هتشكوك بريء. بريء، ومُفترى عليه. مُطارَد، ومتهم ظلماً. هارب من مؤامرة من تدبير البشر، أو الصدفة. مؤامرة من القدر الخالد، أو من البشر الفانين. يهرب ليثبت براءته. طريدة. الإنسان طريدة عند هتشكوك، ومهمته في الحياة تنحصر في الهروب. توماس مور، في فيلم فريد زِنمان، رجل لكل العصور، قال شيئاً مشابهاً يلخص كل أفلام هتشكوك. هو مفتاح أفلام هتشكوك. حين يضعنا الله في موقف عصيب، فعلينا أن ُنعمل العقل ما استطعنا، فإن نجحنا في التغلب على المشكلة فهي مشيئته هو لا مشيئتنا نحن، أما نحن كبشر فتنحصر مهمتنا الأساسية في الهروب!
ومع ذلك، فالبطل البريء عند هتشكوك هو مقتفي أثر هو أيضاً، كما عند ملفيل. يصر هتشكوك على براءة بطله منذ البداية. يكشف لنا الفاعل الحقيقي، في أول عشر دقائق في الفيلم، حتى نتأكد من براءة البطل. التشويق يستلزم كشف الجاني الحقيقي، منذ البداية، حتى يقلق المشاهد على مصير البطل البريء، ويتوحد معه في رحلته لإثبات براءته. شغل هتشكوك هو النقيض لقصص أجاثا كرِستي؛ التي نكتشف فيها الفاعل في آخر صفحة! ساخر كبير! سخرية انجليزية باردة. ملفيل يفضل الغموض، والإخفاء. والإيقاع البطيء. والصمت. ثلاثون دقيقة من الصمت الكامل في السرقة الكبرى في الدائرة الحمراء. وفي فيلم أكشن! يا جبروتك!
أغلق سامح الصنبور، وتناول المنشفة من على المسمار المغروز شمال المطبقية وراح يجفف يديه بعناية.
بطل ملفيل متشائم. متشائم على طريقة أنطونيوني. فاقد لإيمانه بالبشر، وبالعلاقات الإنسانية. يهرب من البشر حتى يجنب نفسه الإيغال في تجربة الشر! كالحيوان البريء الذي يهرب من الإنسان؛ لأنه لا يوحي له إلا بالخوف. مجرم ملفيل أكثر براءة من البشري العادي! مفارقة! وسخرية أيضاً! وتشاؤم أولاً وقبل كل شيء!
ساعة وستكون الملاءة قد جفت. لو تذكرت فسألقي عليها نظرة لأتأكد. ملاءة أصحاب الشقة. حزمت ميشِل مُلاءها معها. لم تترك لي حتى واحدة أستعملها. متحفظة جداً تجاه المُلاء!
علق سامح المنشفة مكانها، واتجه عائداً نحو الصالة.
باولا الإيطالية أيضاً حرصت على لم كل مُلائها معها. لا يحببن ترك المُلاء خلفهن. بنات متحفظات! كانت ميشِل تختال عجباً حين تلف الإيشارب المشجر حول رأسها كالمحجبات. خربش جلد أي منهن وستجد يمينية محافظة تحته! والأمريكان معظمهم يخفي يميني عنصري تحت جلد كل منهم! وأولهم السود والأقليات وحياتك! بل أشد من البيض حتى! لو ُأتيحت للأمريكان الفرصة لذبحوا بعضهم بعضاً، لكنهم يخافون القانون. والغرامات المالية! لكن اللي في القلب في القلب.
وقف سامح في وسط الصالة، ووضع يديه في وسطه.
ما ينقصنا الآن هو الموسيقى التصويرية. لولا الجوع الكافر لأدرت الموسيقى فور دخولي. الكافر بمعنى الشديد المجحف، وليس بمعنى الخروج عن الملة. اللغة العربية حمالة أوجه. يا ختشي كده ينفع وكده ينفع!
الحمد لله شبعنا أكل، نحن الآن جوعى موسيقى. يجب أن يكون لكل شخص موسيقاه التصويرية الخاصة، وأن تصاحبه طيلة اليوم، ليل نهار، نهار ليل.
اتجه سامح للشُفونيرة، التي عليها مشغل السيديهات السوني الصغير، الذي أهدته له باولا الإيطالية، قبل أن ترجع إلى بلدها. تناول من جواره حافظة السيديهات الاثنتا عشرية، التي في حجم كف اليد، وفتحها، وراح يقلب في صفحاتها.
سوناتات موتسرت للبيانو، لا لا لا! لا أسمعها إلا ويحدث ما لا أحب!
وصل إلى رباعيات البيانو والكمان والفيولا والتشيلو لبيتهوفن. أخرج السيدي من مكمنه. وأغلق الحافظة الاحدى عشرية. فتح المشغل الكفيّ، ووضع به السيدي. ضغط على زر التشغيل، فبدأت أنغام الرباعية الأولى في مقام مي بيمول ماجير تصدح. أسدل ذراعيه، والتفت ناظراً للأريكة خلفه.
لا ينقص الآن سوى مخدتين نتوسدهما ونحن نقرأ على أنغام الموسيقى ويبقى كله عال العال.
توجه إلى غرفة النوم المظلمة التي لم تكن مظلمة. عاد محتضناً مخدتين؛ إحداهما بكيس قماشي أخضر فاتح على أحد جانبيها وردة حمراء صغيرة، والأخرى كيسها مستطيلات صفراء وبنية متداخلة في بعضها البعض وألوانها باهتة من تكرار الغسيل.
هيأ لنفسه مكان الاضطجاع على الأريكة؛ فسوى المخدتين وراء بعضهما مكان استناد ظهره. لمحت عيناه، وهو منحن، لمعاناً معدنياً لشيء مشبوك في ستارة النافذة. اعتدل، ولف حول الأريكة حتى وصل إلى الستارة. أمسك بالأصابع الثلاثة الأولى الأيامن طية من الستارة أعلى اللمعة المعدنية. رفعها إلى مستوى صدره، وانحنى برقبته عليها، فوجد إبرة متوسطة الطول من إبر الحياكة مشبوكة في قماش الستارة. تفحصتها عيناه بعناية.
إبرة بلا عين! إبرة غشيمة، نسيت ماكينة المصنع ثقبها! مطلوبة جداً لدى النساء، خصوصاً العجائز. يقلن إنها تبطل السحر والأعمال الشريرة. الحمد لله أننا لم نلمسها! لو لمسنا إبرة غشيمة لأفسدت علينا ليلتنا. وربما أفسدت غدنا أيضاً!
بعض الموسيقى أيضاً له نفس المفعول! سوناتات موتسرت للبيانو. واتجاه تماثيل الأفيال، إن توجهت لجهة خاطئة. نسيت هل يجب أن تتجه شرقاً، أم غرباً؟ أم شمالاً؟ يجب التأكد من هذا الأمر في أقرب فرصة. مؤمن يا عزيزي؟ طبعاً يا سيدي انت اهبل! لا يوجد شرقي غير مؤمن. أينشتين قال عن إيمانه إنه أعمق من إيمان الربانيين والقساوسة، ولكن ليس على طريقتهم. كل شيخ وله طريقة. خالد محي الدين زعيم حزب التجمع الوحدوي الاشتراكي شيخ وله طريقة!
من شبكها في الستارة يا ترى؟! خواجاية، أم مصرية؟! ولم؟!
وقع لسامح شيء معجز في طفولته، فتأكد بأن هناك من يسمع ويحاول أن يساعد. ثم آمن، في ما بعد، بأن هناك أيضاً من يسمع ويحقد ويحاول إفساد الأمور.
مُوصى بالكتمان في تلك الأمور. الدراويش أساتذة في الستر! أنسي الحاج يقول في خواتم اثنان: أمل مستتر حتى لا تراه الآلهة فترشقه سهام عيونها الغيورة. نيتشاوي في مسألة القلب ظهراً لبطن! النحس حماية سوداء. سبحان من يُحرر ولا يتحرر. ساعد الله ليحتمل معاناته أمام عذاب الخليقة. يوم ننتهك ولا نعود ندفع الثمن تكون الآلهة قد أصبحت أكرم منا. خواتم اثنان أجمل ما كتب!
ترك سامح الطية تسقط من بين أصابعه. لف عائداً إلى الأريكة. جلس في منتصفها، ثم اضطجع على جانبه الأيسر متوسداً المخدتين.
كان بروست ُضجَعَة، لكنه لم يكن كسولاً! كان لا يعمل إلا في السرير، لأسباب مرضية.
تناول سامح الوليمة المتنقلة بين يديه، وشرع في القراءة.
"إذا واتاك الحظ بما يكفي لتعيش في باريس وأنت شاب فإن ذكراها ستظل معك أينما ذهبت طوال حياتك لأن باريس وليمة متنقلة. إرنست هِمنجواي. من رسالة إلى صديق عام ألف وتسعمائة وخمسين."
لكن، أليس هذا حال الغرباء في كل المدن الغريبة! ربما نعم، وربما لا. ربما تكون بعض المدن حالات خاصة. باريس، روما، لندن. برلين. نيويورك. تايبي. سول. هونج كونج. من أين لي أن أعرف، وأنا مزروع هنا في خويصة الـَخصَاصة المخصوصة!
"مقهى جيد في ساحة سان ميشِل. صار الطقس رديئاً آنذاك. حدث التغير في يوم واحد فقط بعد انصراف فصل الخريف. وكان علينا أن نوصد النوافذ ليلاً في وجه المطر. وأخذت ريح صرصر ُتعري الأشجار من أوراقها في ساحة كونتراسكارب. وتبعثرت أوراق الشجر المخضلة بالمطر. وساقت الريح المطر صوب الحافلة الخضراء الجاثمة في المحطة. وغص مقهى الهواة برواده. وُغطيت شبابيكه بالضباب نتيجة الحرارة والدخان في داخله. وهو مقهى كئيب سيء السمعة كان يتجمع فيه سكيرو الحي. وكنت أتحاشاه بسبب رائحة الأجساد القذرة ورائحة السكر الكريهة. ويظل الرجال والنساء الذين يرتادون مقهى الهواة مخمورين طوال الوقت أو طوال الوقت الذي يستطيعون. وفي الغالب بخمر يشترونه باللتر أو نصف اللتر. وتضم قائمة مشروبات المقهى أسماء مشروبات غريبة غالية لا يتمكن من شرائها إلا قليل من الناس ليجعلوا منها أساساً لمشروبات أخرى. وُتدعى النساء المخمورات باللغة الفرنسية poivrettes."
اشتهى سامح الكمباري، أو حتى زجاجة بيرة، وهو يقرأ.
مافيش! ما باليد حيلة!
و، و، و، و. أفعال ماضية وراء أفعال ماضية. حقائق بجوار حقائق. أسلوب هِمنجواي. يلطم الحقائق بعضها ببعض. من الأوفق القول؛ وقائع بجوار وقائع، ويلطم الوقائع بعضها ببعض. الحقيقة هي الخيط المتصل الذي يربط بين الوقائع. ِجل دولوز هو أول من لفت النظر إلى هذا الأسلوب، على ما أظن! أسلوب الأدب الأمريكي. الشرف الأمريكي بلسان عماد، العاهة الأمريكية المستديمة بتاعتنا إحنا! ماذا أطلق عليه دولوز؟ نسيت! كتابة العشب! ربما كان كتابة العشب؛ لأنه ينمو مجاوراً لبعضه البعض. عكس كتابة الشجرة مثلاً، هاهاها! ويمكن أن ننساق وراء تداعي المعاني فنصف كتابة ما بأنها عنقودية مثل التنظيمات الإرهابية، هاهاها، كتابة إرهابية!
سند سامح الدفة اليمنى للكتاب بإبهامه الأيسر، وبقية أصابع اليد تحتويه من تحت، ومد يده لمج النسكافيه الأمريكاني.
المشروب الوحيد المحترم المتوفر لنا الآن!
رشف سامح رشفة.
أصبح فاتراً الآن. أحسن درجة حرارة لتذوق المشروبات. والمأكولات أيضاً. ألكسندر في فيلم الأم والعاهرة يقول لفيرونيكا إن تذوقتي شيئاً ساخناً فإنك تتذوقين السخونة، وإن تذوقتي شيئاً بارداً فإنك تتذوقين البرودة، ولكي تتذوقي طعم الشيء نفسه فإن عليكِ أن تتذوقيه فاتراً. درجة الحرارة المثالية للذويقة. هكذا لإنك فاتر فإني مزمع أن أتقيأك من فمي. كانت في أي سفر! نسيت!
بعد ساعة.
"أنا الذي أعد نفسي شخصاً مستقيماً احتملت هذه الصديقة الزائفة الجميلة المثيرة الشريرة لأنها كانت من الممكن أن تدر علي بعض الربح."
بعد ثلاث ساعات.
"يقولون إن بذور ما ستفعل في المستقبل كامنة في كل واحد فينا ولكن يبدو لي دائماً أن هناك في الحياة من لهم بذور مغطاة بتربة أفضل ومدعومة بسماد أرقى."
مع تأذين الفجر.
"وهكذا فأنت تعيش حياتك يوماً بعد آخر وتستمتع بما لديك ولا يساورك القلق وتأخذ في الكذب وتكره ما تفعل ويدمرك ذلك الوضع ويمسي كل يوم أخطر من سابقه ولكنك تعيش من يوم لآخر كما في الحرب."
تثاءب سامح.
فعلاً! هِمنجواي يكتب من واقع تجربة حية معاشة. خبرة مش أي كلام! إنها يا عزيزي حرب الثلاث وجبات والسجائر.
طيب، ساعتان فقط، لا أكثر، كما كان ينام نابليون. لسنا أفضل منه بأي حال!
حضن سامح الكتاب، وأغمض عينيه، وتمتم:
- ُأحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء وبأيائل الحقل ألا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء.

*******

لتحميل نسخة مجانية من الرواية:

https://www.4shared.com/office/eDYOiuqEea/_--__.html






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطفيلي في النيولبرالية
- نأسف للإزعاج
- ديفيد لنش.. البحث عن الذات
- عضو الكوكلوكس كلان الأسود
- ياسوجيرو أوزو.. فن التثبيت
- قواعد اللعبة
- مايكل أنجلو أنطونيوني.. ظاهريات الغياب
- هتشكوك.. الإنسان بوصفه طريدة
- نموذج للسخافة الهوليودية في عصر النيولبرالية
- عن اللوحة الاستهلالية لفيلم المومياء
- البطل الهوليودي في عصر النيولبرالية
- تشارلي .. فسيولوجيا الإنسان الأول
- سينما جان بيير ملفيل.. أزهار الشر
- لماذا نعارض إصلاح السيسي؟ - (2)
- لماذا نعارض إصلاح السيسي؟ - (1)
- عن سينما أندريه تاركوفسكي
- كافكا والأمل
- دوستويفسكي والألم
- ذوق الجماهير.. الفن في عصر النيولبرالية
- حديقة الديناصورات، والإرهاب أيضاً


المزيد.....




- فنان تركي يجمع 16 ألف خصلة شعر من نساء من حول العالم.. والسب ...
- نزهة الشعشاع تفسر أهمية -العلاج بالمسرح-
- إصدار جديد يوثق الحياة الثقافية والاجتماعية بالرباط خلال الق ...
- كاريكاتير -القدس- لليوم الثلاثاء
- المعارضة تطالب العثماني بتجديد ثقة البرلمان
- ثقافة العناية بالنص التراثي.. جماليات المخطوط في زمن التكنول ...
- إلغاء تصوير فيلم ويل سميث الجديد -التحرر- في جورجيا بسبب قوا ...
- أرقام قياسية لمشاهدات برومو برنامج رامز جلال والكشف عن موعد ...
- الإنجليزية كلغة مشتركة في سويسرا.. فائدة إضافية أم ظاهرة إشك ...
- العثماني: الوضعية مقلقة وقرار الإغلاق صعيب وأنا حاس بكم


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الفقي - الفصل الأول من رواية الخرتية