أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الفقي - نأسف للإزعاج















المزيد.....

نأسف للإزعاج


محمد الفقي
ناقد وروائي

(Mohamed Elfeki)


الحوار المتمدن-العدد: 6382 - 2019 / 10 / 17 - 20:47
المحور: الادب والفن
    


من الأفلام النادرة التي توجه نقداً لاذعاً للقيم النيولبرالية، واستطاعت مع ذلك الإفلات من أصابع المديرين التنفيذيين لشركات هوليود، ووجدت طريقها إلى الإنتاج والعرض، الفيلم الكوميدي (نأسف للإزعاج، 2018)، لمخرجه بوتس رايلي، الذي يخرج للسينما لأول مرة، وهو نفسه أيضاً كاتب القصة والسيناريو.

من المشهد الأول، وحتى قبل نزول التترات، يُدخلنا بوتس رايلي في لب القضية. الممثل لاكيث ستانفيلد (اسم الشخصية كاش، ودلالة الأسماء مهمة في الفيلم، ولها حس كوميدي ساخر) يجري مقابلة مع أحد مدراء شركة التسويق ريجال فيو (المشهد الفخم)، للعمل كمسوق عبر الهاتف. وينجح كاش في المقابلة ويحصل على العمل، لا بسبب كفاءته وأمانته، ولكن بسبب ما يكتشفه فيه مسؤول التوظيف من قدرة على الكذب والاحتيال. إنها القيم الحاكمة في مجتمع الشركات الكبرى في الرأسمالية الحديثة.

يحصل كاش على الوظيفة، لكنه يتعثر في تسويق الموسوعات التي تسوقها الشركة بالتليفون. وفي المشاهد القليلة التي نبقى فيها مع كاش وزملائه في الصالة السفلية للشركة، لا يفوت المخرج أن يؤكد لنا طبيعة وظروف العمل في هذه الوظائف المتدنية. مسوقو هاتف من آسيا، والمكسيك، والسود، يعملون في صالة مكتظة بالطابق السفلي، في تضاد بصري لاسم الشركة نفسها، ويحلمون بالصعود إلى الطابق العلوي؛ طابق الإدارة والمرتبات الضخمة.

وتستمر معاناة كاش المالية، هو وصديقته الفنانة ديترويت (ودلالة السخرية الاسمية حاضرة دائماً في الفيلم)، وهما مضطران للإقامة في مرآب للسيارات في منزل عم كاش الأسود المفلس الذي يكاد أن يخسر بيته بسبب الرهونات العقارية. إلى أن ينصحه زميل أسود عجوز يعمل معه في صالة التسويق الهاتفي بالشركة في استخدام "الصوت الأبيض" أثناء الحديث في الهاتف مع العملاء. الصوت الأبيض، أو اللكنة البيضاء، ليست مجرد النبرة التي تخرج من الفم عندما نمسك بأنوفنا على طريقة لكنة أهالي كاليفورنيا، ولكنها، كما يُعرِّفها الزميل العجوز، هي: "تلك اللكنة التي ُتظهر أنك لا تبالي بشيء، وبأنك قمت بتسديد كل فواتيرك، وأنك سعيد، وواثق بشأن المستقبل، وفي طريقك لكي تستقل سيارتك الفيراري بعد أن تنتهي من العمل.. تحدث إليهم بلكنة من لا يحتاج إلى المال، ومن لم يُطرَد سابقاً من العمل.. إنه ليس صوت الرجل الأبيض فعلياً.. ولكنه الصوت الذي يتمنى الرجل الأبيض أن يكون عليه."

ويبدأ كاش فعلاً في التحدث إلى عملائه في التليفون بـ "الصوت الأبيض". ويتضح أنه يملك موهبة فطرية لا تضارع في التكلم بهذا الصوت المستعار؛ صوت الاحتيال. وينجح كاش ويحقق أعلى المبيعات ليصبح أفضل المسوقين في الشركة في مدة وجيزة. وفي تلك الأثناء، يحرضهم زميلهم الآسيوي سكويز (الضغط) على التجمع معاً وتنظيم أنفسهم ضد الإدارة وتكوين ما يشبه الاتحاد أو الرابطة للمطالبة بحقوقهم. وينضم كاش إلى زملائه، وينجح الإضراب عن العمل في الضغط على إدارة الشركة.

من جماليات الفيلم تلميحه لضحالة وعي العمال، حتى وهم ثائرون ومتمردون، وكأن ضحالة الثقافة النيولبرالية التي نتربى في كنفها تؤثر حتى على تمردنا. في إحدى خطب زعيم الإضراب سكويز، يحرض رفاقه على التمرد، ويعدد الأسباب، قائلاً: "من أجل أن نتمكن من دفع إيجار المسكن آخر الشهر.. من أجل شراء مكرونة نتناولها على العشاء كل ليلة.. من أجل أن ندفع أجرة الطبيب إذا ما ثملنا يوماً.. أو التقينا بعاهرة مرة وأصبنا بالسيلان لعدم استخدامنا واق ذكري.. سحقاً لريجال فيو.. وسحقاً للسيلان!" إنها المتع القليلة الصغيرة التي يتركها السيد للعبيد في المجتمع النيولبرالي. وكأن مجتمع العبيد لا يعرف غيرها، فيطالب بها، دون أن يخطر على باله أن يحاول تغيير شكل العلاقة (السيد-العبد) من الأساس.

محاولة التمرد من العاملين في الطابق السفلي، تحاول الإدارة إفشالها، باستقطاب كاش إلى صفوفها؛ فيرقونه ويمنحوه عملاً في الطابق العلوي؛ طابق الإدارة ونخبة العاملين. فرق تسد الأبدية الخالدة. وفي لمحة جمالية كوميدية من المخرج، نكتشف أنه لتشغيل مصعد الدور العلوي، يحتاج المرء إلى ضرب رقم سري لانهائي على لوحة مفاتيح المصعد. وكأنها الاستحالة العملية للانتقال إلى أعلى، والفكاك من أسر الظروف الهيكلية المجحفة، إلا برضا السادة.

وفي طابق الإدارة العلوي، لا يُسمح باستخدام إلا "الصوت الأبيض". لا أثناء العمل والتسويق والتحدث مع العملاء فقط، ولكن حتى في المحادثات بين الزملاء. وفي لمحة جمالية أخرى من المخرج، يصر على ديكور "تقشفي" مابعد حداثي في طابق الإدارة، وكأن الطابق نفسه مايزال تحت الإنشاء، أو ُضرب بكارثة قدرية جعلته شبيهاً بالأنقاض. وهناك يكتشف كاش أن نشاط الشركة الحقيقي هو تسويق عمال شركة وري فري (التحرر من القلق) والتي تتبع نظاماً في تشغيل الأيدي العاملة أشبه بنظام الرق. تجارة سخرة بالمعنى الحرفي. عمال يوقعون عقود عمل مدى الحياة، ويحيون في نفس أماكن عملهم الغير آدمية والأشبه بعلب السردين، ويعملون لمدد تتجاوز الأربعة عشر ساعة يومياً، بلا أجور ولا حقوق.

ويستمر كاش في عملية تسويق عمال وري فري وبيعهم للشركات العالمية التي ترغب في تشغيل عمال من العبيد، عمال منزوعي الحقوق. ويحقق كاش أعلى المبيعات. مبيعات العبيد. هولوكوست الرأسمالية الحديثة. وكأن الرأسمالية تعود إلى نقطة بدايتها الأولى؛ حين نشأت من استعباد الأفارقة وتجارة الرقيق.

يصبح كاش غنياً، وينتقل للعيش في شقة فخمة، ويقتني أغلى السترات والسيارات، ويقوم بتسديد ديون عمه، وتبدو الحياة وقد ابتسمت له أخيراً، في الوقت الذي تتدهور فيه علاقته مع صديقته ديترويت، ويتجنب أصدقاءه القدامي المستمرون في الإضراب والتمرد.

وذات يوم، يتلقى دعوة من صاحب شركة وري فري لحضور حفلة يقيمها في منزله. يحضر كاش الحفلة، ويتم الاستهزاء بلون بشرته السوداء، وتظهر العنصرية بوجهها البغيض، لكنه يتحمل الإهانة كي لا يغضب سادته الجدد. ويطلب منه صاحب الشركة الاجتماع به منفرداً ويقدم له عرض مغر للعمل مباشرة معه في وري فري. لكن قبل أن يقدم عرضه المغري، يشغل فيديو لكاش، فيلم دعائي قصير عن المشروع المستقبلي للشركة، والذي سيمكنها من تحقيق أعلى الأرباح في تاريخ البشرية.

يستخدم المخرج بذكاء تقنية الفيلم داخل الفيلم لتلخيص حال البشرية. الإنسان الذي بدأ كقرد، وبعد أن تطور باستعمال العقل، والأدوات، سيعود مرة أخرى للحالة الأولى؛ لكنه في هذه المرة سيعود في شكل حصان لا قرد. إن الشركات الكبرى في حاجة إلى عمال من نوعية جديدة: أقوى، وأكثر قدرة على احتمال ساعات العمل المتواصلة، وأطول عمراً، وأكثر طاعة، وأقل كلفة، وبلا أجور، ولا حقوق. وهكذا تتضاعف الأرباح.

السلالة الجديدة من البشر-الجياد، يتم تحويلهم بالتلاعب في الجينات الوراثية، على النحو الذي يتحول فيه الإنسان إلى مسخ مستعبد يشبه البغال. ويقدم صاحب الشركة لكاش عرضاً بتحويله إلى حصان وزرعه كمخبر سري داخل هذه السلالة الجديدة، حتى يقدم له المعلومات عن ما يجري وسط العمال-الجياد، لإجهاض أي محاولة للعصيان أو الثورة من قبلهم. والمقابل مائة مليون دولار لكاش، ووعد بإعادته إلى طبيعته البشرية بعد خمس سنوات من المهمة.

يفيق كاش أخيراً على الكارثة التي أعماه المال عن رؤيتها. فيرفض، وينضم مجدداً إلى الثوار والحركة المناهضة للشركات المستغلة، والتي تزداد وتتسع في أمريكا كلها، ويحاول فضح المشروع الجديد لوري فري في وسائل الإعلام، فلا تكون النتيجة سوى ارتفاع جنوني في أسهم الشركة. لقد أحب سوق المال الفكرة، وأحبت الشركات الكبرى الاختراع الجديد وسلالة العمال الجديدة.

وكعادة الشرطة دائماً، تتدخل ضد المتمردين، وتصبح الأمور قبيحة في النهاية، لكن أفراداً من السلالة الجديدة للعمال-الجياد ينضمون إلى المتظاهرين، ويحررون كاش من أسر الشرطة، ويصبح كاش زعيماً للمتمردين. وفي لقطة النهاية، يبدأ جسد كاش في التحول فعلياً إلى حصان، وكأن ما سبق كان تخطيطاً من تخطيطات شركة وري فري؛ زرع خائن داخل سلالة العمال-الجياد. وكأنها نبؤة من المخرج بأفعوانية الرأسمالية.

إن ما يجعل الفيلم صادقاً -رغم خياليته- ، وشكلاً من أشكال الكوميديا الذكية، وليس مسخرة من المساخر التي تقدمها لنا هوليود باستمرار، هو أن للمخرج نفسه خبرة سابقة في العمل بإحدى شركات التسويق الإعلامي في كاليفورنيا. إن الخبرة هي البنية التحتية لكل فن كبير، وما قبل العمل الفني، أي الخبرة، هي ما تكشف الفنان الأصيل من المدعي، والفن الكبير من الصغير. تلك الخبرة التي كلفت صاحبها بلوغه الخمسين قبل أن ينجح في إخراج أول فيلم بتوقيعه.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ديفيد لنش.. البحث عن الذات
- عضو الكوكلوكس كلان الأسود
- ياسوجيرو أوزو.. فن التثبيت
- قواعد اللعبة
- مايكل أنجلو أنطونيوني.. ظاهريات الغياب
- هتشكوك.. الإنسان بوصفه طريدة
- نموذج للسخافة الهوليودية في عصر النيولبرالية
- عن اللوحة الاستهلالية لفيلم المومياء
- البطل الهوليودي في عصر النيولبرالية
- تشارلي .. فسيولوجيا الإنسان الأول
- سينما جان بيير ملفيل.. أزهار الشر
- لماذا نعارض إصلاح السيسي؟ - (2)
- لماذا نعارض إصلاح السيسي؟ - (1)
- عن سينما أندريه تاركوفسكي
- كافكا والأمل
- دوستويفسكي والألم
- ذوق الجماهير.. الفن في عصر النيولبرالية
- حديقة الديناصورات، والإرهاب أيضاً
- مرحباً في صحراء الدراما المصرية
- القفزة الإيمانية لذوي السجلات الإجرامية


المزيد.....




- جلالة الملك يعزي في وفاة عبد العزيز بوتفليقة
- بطريقة سينمائية.. محام اختلق تفجير مجمع محاكم المنيا في القا ...
- الأول في التاريخ.. روسيا تعلن عن تصوير فيلم كامل في الفضاء ب ...
- تحوّرات كورونا.. كاريكاتير “القدس”: الأحد
- عبد الستار بكر النعيمي يصدر ديوان -معبد الشوق-
- مخطوطة إسلامية نادرة تحتوي على أول تشريح لجسم الإنسان
- فيديو| الاحتلال يعلن اعتقال المحررين الكممجي وانفيعات واهالي ...
- قصيدة
- جواد الهلالي يقود زعامة الحمامة من بحر أكادير إلى بر مراكش
- مراسل صحافي على أبواب رئاسة المجلس الإقليمي لتيزنيت


المزيد.....

- أخْفِ الأجراس في الأعشاش - مئة مِن قصائدي / مبارك وساط
- رواية هدى والتينة: الفاتحة / حسن ميّ النوراني
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها / فاضل خليل
- مسْرحة دوستويفسكي - المسرح بين السحر والمشهدية / علي ماجد شبو
- عشاق أفنيون - إلزا تريوليه ( النص كاملا ) / سعيد العليمى
- الثورة على العالم / السعيد عبدالغني
- القدال ما مات، عايش مع الثوار... / جابر حسين
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها ... / فاضل خليل
- علي السوريّ-الحب بالأزرق- / لمى محمد
- أهمية الثقافة و الديمقراطية في تطوير وعي الإنسان العراقي [ال ... / فاضل خليل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الفقي - نأسف للإزعاج