أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الفقي - حديقة الديناصورات، والإرهاب أيضاً















المزيد.....



حديقة الديناصورات، والإرهاب أيضاً


محمد الفقي
ناقد وروائي

(Mohamed Elfeki)


الحوار المتمدن-العدد: 6070 - 2018 / 12 / 1 - 16:31
المحور: الادب والفن
    


تدور الفكرة الرئيسية في الأجزاء الأربعة لسلسلة أفلام Jurassic Park(حديقة الديناصورات: 1993-2015) حول رجال أعمال أمريكيين يصطنعون، عن طريق التلاعب في الشفرات الوراثية، وحوشاً ديناصورية في أحدث المعامل والمختبرات العلمية، بغية تربيتها في حدائق مفتوحة للزوار، لجني الأرباح الطائلة من ورائها. لكن هذا الجشع الرأسمالي في التلاعب بالطبيعة من أجل المال لن يؤدي في النهاية إلا إلى الدمار والخراب والمآسي، والوحوش الديناصورية الضارية لن يمكن السيطرة عليها، لأنها ستجد دائماً الوسيلة للفكاك من عقالها والهروب من أسرها، لتهاجم البشر وتعيث فساداً وتخريباً وقتلاً، ولن يسلم مَن اصطنعها في المختبرات نفسه من خطرها.
تبدو لنا الآن هذه الفكرة متماهية تماماً مع حال الإرهاب الذي يجتاح اليوم العالمين الشرقي والغربي على السواء، خصوصاً في العلاقات المتماثلة بين سلسلة الأفلام وبين الواقع؛ خاصة في ما يتعلق بالمسؤولين عن تخليق الديناصورات في المعامل، وأولئك المسؤولون عن توليد الإرهاب في جيتوهات الواقع.
في الجزء الأول من هذه السلسلة (1993)؛ تدور الأحداث في جزيرة معزولة بعيدة عن الولايات المتحدة الأمريكية اسمها (إيزلا نوبلار) تابعة لكوستاريكا. وسيتم تربية وحوش الديناصورات في هذا الفيلم، وفي السلسلة الفيلمية التالية، في هذه الجزيرة، وفي جزيرة أخرى مجاورة لها، تتبع كوستاريكا أيضاً، وبعيداً عن أمريكا. تربية ديناصورات الإرهاب تم أيضاً، في البداية، بعيداً عن الولايات المتحدة الأمريكية، في جبال معزولة في أفغانستان، مثلاً وليس حصراً، في ثمانينات القرن الماضي، أي ليس بعيداً كثيراً عن زمن صنع الفيلم.
في الفيلم أيضاً يصل الرأسمالي صاحب وممول مشروع حديقة الديناصورات (جون هاموند) بالهليكوبتر إلى صحراء مونتانا في أمريكا، لكي يقنع عالم الحفريات (د. جرانت) ورفيقته (د. ساتلر) بمنحه تأييدهما "العلمي" لما يقوم به فريق علماء الحديقة الديناصورية التابعين له، وللحصول على تأييدهما "العلمي" أيضاً لافتتاح الحديقة للجمهور. وصول هاموند بالهليكوبتر يشبه لقطة شهيرة لمستشار الأمن القومي للرئيس كارتر، برجينسكي، وهو يصل بالهليكوبتر أيضاً إلى صحراء أفغانستان في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، وينزل من الطائرة ليخطب في شباب تنظيم القاعدة قائلاً:
- إن حربكم حرب عادلة لأنها حرب الله.

سياسة دفتر الشيكات
إن المال يغري ويستقطب عالم الحفريات لكي يرافق الرأسمالي في رحلته، كما سيغريه في الجزء الثالث من هذه السلسلة أيضاً (2001)، حيث يرافق في ذلك الفيلم زوجين يدعيان الثراء، للعمل معهما كمرشد "علمي" لرحلتهما الخطرة إلى أرض الديناصورات المتوحشة، تماماً كما أغرى المال واستقطب الكثير من المفكرين والمثقفين العرب والغربيين لدعم المشروع الإرهابي في المنطقة والعالم.
فمن باب استخدام الدين في خدمة المصلحة السياسية، انفقت عدد من الدول (وعلى رأسها قطر والسعودية طبعاً) الأموال لشراء الكفاءات والعقول والذمم والأقلام، خاصة من دول فقيرة تملك هذه العقول والكفاءات، كمصر وتونس والجزائر والمغرب وغيرها. فتأسست المجلات والجرائد فاخرة الطباعة، والقنوات الفضائية والإخبارية الأنيقة (الجزيرة مثلاً)، وتم استدعاء المفكرين للكتابة والحديث فيها بأجور تزيد على عشرة أضعاف أجورهم في بلدانهم، على أن تكون كتاباتهم وأحاديثهم متمشية مع الخط الذي تحدده الدولة التي تدفع أجورهم، فإذا هم يتحولون عن آرائهم المستنيرة ليدافعوا عن الرجعية، ويهاجموا أو حتى يكفروا غيرهم من المفكرين الغير مرضي عنهم.
ولم يقتصر الأمر على استقطاب العقول والكفاءات من الدول الفقيرة، بل تم في الغرب نفسه أيضاً: في ألمانيا، وإنجلترا، وفرنسا، وأمريكا. لقد كشف أوجست هاينيج؛ مدير المخابرات الألمانية السابق، في تصريحاته لصحيفة ليبراسيون الفرنسية منذ عام تقريباً، أنه كان لدى الاستخبارات الألمانية العلم بأن حكومة قطر تقوم بتمويل أذرع "أكاديمية" و"إعلامية" للإرهاب مثل: مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية في إنجلترا (11 مليون يورو)، ومنظمة الطريق الإسلامي في بلجيكا (20 مليون يورو)، واتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا (12 مليون يورو)، واتحاد الروابط الإسلامية في إيطاليا (25 مليون يورو)، وغيرها من مراكز البحث وحقوق الإنسان، فضلاً عن المساجد التي يحض أئمتها على العنف والإرهاب في أوروبا ذاتها.
في الجزء الثاني من السلسلة (1997)، يستغرب مالكولم، العالم المتخصص في نظريات الفوضى، من العدد الكبير من العلماء والباحثين الذين وافقوا على خطة هاموند الرأسمالي صاحب مشروع حديقة الديناصورات، والذهاب إلى جزيرة الوحوش الديناصورية. يسأل مالكولم هاموند:
- كيف استطعت إقناع هؤلاء العلماء المجانين بخوض هذه المغامرة المميتة؟!
يرد هاموند ببساطة وبابتسامة فخر:
- بدفتر الشيكات!

الديناصورات الأليفة، الإرهاب المعتدل
هنا يجب أن نتذكر الدور الأمريكي في تمويل أنشطة جماعات التطرف والإرهاب. إن الاستراتيجية الأمريكية الرسمية المسماة (الشرق الأوسط الكبير)، وتنفيذ كوندوليزا رايس لها، كانت تقوم على فرض جماعة الإخوان المسلمين من تركيا حتى باكستان، مروراً بالدول العربية وباقي الدول الإسلامية، وكانت الكتابات الأكاديمية في المؤسسات الاستراتيجية الأمريكية تشجع صانع القرار على السير في هذا المنحى. وربما يعبر عن تلك الرؤية، الوثيقة التي كتبتها شيرل بينارد؛ الباحثة في قسم الأمن القومي في مؤسسة راند الأمريكية، وهي المؤسسة التي تعد "العقل الاستراتيجي الأمريكي". كانت الوثيقة تحمل عنوان: (الإسلام المدني الديموقراطي: الشركاء، والموارد، والاستراتيجيات، 2003). وتقدم الوثيقة العناصر الاستراتيجية الثقافية والسياسية التي تقترحها على صانع القرار الأمريكي، والتي تصل في مجملها إلى دعم الجماعات الدينية الإسلامية ذات الاتجاهات الاقتصادية والسياسية القريبة من القيم الأمريكية، ومساعدتها في الوصول إلى السلطة في بلدانها العربية والإسلامية، حتى يصبح هؤلاء بعد وصولهم للحكم شركاء لأمريكا في سياساتها وخططها الاستراتيجية، وفي مكافحة الاتجاهات العدائية لأمريكا في بلدانهم المعنية. ثم قدمت الوثيقة في النهاية توصيات عملية لكيفية "اصطناع" شركاء من الجماعات الدينية الإسلامية، واستراتيجية لتجنيد شركاء من تيارات الإسلام السياسي "المعتدلين" (الإخوان المسلمين)، لتنفيذ المخططات الاستراتيجية الأمريكية.
صحيح أننا نعرف أن القاعدة هي صنيعة المخابرات الأمريكية لمحاربة "التهديد السوفييتي" و"الخطر الشيوعي" منذ أواخر السبعينيات من القرن الماضي، لكن بعد أحداث 11/9، قامت خلافات فكرية بين بعض التيارات داخل الإدارة الأمريكية، أعقبها بعض التردد، ثم استقرت تلك الإدارة في النهاية على فكرة: دعم تيار "الإسلام السياسي الليبرالي" (الإخوان المسلمين)، خوفاً من سيادة التيار الأكثر تطرفاً وعداءً للمصالح الأمريكية، الذي كان يقوده أسامة بن لادن. وأصبحت وجهة النظر الاستراتيجية الأمريكية منذ ذلك الوقت هي العمل مع شركاء "مطيعين" من جماعات الإسلام السياسي، يتبنون نفس القيم الاقتصادية والسياسية، ومستعدين للحفاظ على المصالح الأمريكية والدفاع عنها، وقادرين على اجتذاب الجماهير المحبطة من فشل أداء الحكومات العربية والإسلامية في مجالي التنمية والاقتصاد.
إن هذه الفكرة في التفريق بين الإسلام السياسي الذي يمكن العمل معه، والإسلام السياسي الأكثر خطورة الذي يجب مقاومته؛ توجد أيضاً على نحو شديد السذاجة في الأجزاء الأربعة من سلسلة (حديقة الديناصورات). إن الفكرة بأكملها تقوم على تدجين الديناصورات، تلك المخلوقات المنقرضة، التي عاشت في زمان قديم مختلف لم يوجد فيه الإنسان ولا الحضارة، من أجل استغلالها مادياً في توليد أرباح، في حدائق مفتوحة للعامة من الزوار، الذين يمكنهم ملامسة وحوش البراكيوصور، والتربيت على الجالامانيوس وإطعامه، واعتبار تلك الديناصورات أبقاراً كبيرة الحجم.
لكن في الواقع، لكن يكون الحال كذلك مع من يسمون أنفسهم الأجنحة المعتدلة من الإسلام السياسي، لأنهم ينبعون من نفس الجين الأصلي للإرهاب: رؤية ذهنية مشوهة للعالم، وتفسيرات منحرفة للنصوص، وانتهازية سياسية، وعقيدة استعلائية تحتكر الصواب في التأويل الديني، وتصنف العالم بأسره على أنه مجتمع جاهلي، وتهدف إلى الاستيلاء على العالم لإقامة إمبراطورية عظمى. إن التيارات الأكثر تطرفاً وعنفاً داخل الإخوان المسلمين-فرع مصر؛ تيار محمد بديع ومحمود عزت، تمكن من التربع على عرش الجماعة، حين أصبحت الفرصة مواتية لكشف الوجه الحقيقي للوحش، أي حين انتهت مرحلة الاستضعاف. وأصبح العنف المسلح السافر هو الوسيلة لتحقيق الأهداف السياسية؛ بالحرق والقتل والتفجير، وبالتحالف في سيناء وليبيا مع ديناصورات التي ريكس والفيلوسورابتر من القاعدة والدواعش.
هل تختلف الذهنية المشوهة لأعضاء حماس (الإخوان المسلمين-فرع غزة) الذين ألقوا بأعضاء فتح أحياءً من أعلى بنايات غزة في 2007، عن ذهنية أي من قيادات الدواعش؟! أو الذهنية المشوهة لصبحي صالح، أحد قيادات الإخوان في مصر، الذي قال في إحدى المقابلات التليفزيونية: "اللهم أمتني على الإخوان." وكأنه يتحدث عن دين جديد. وانتقد علناً في مرة أخرى زواج الإخواني من غير الإخوان قائلاً: "أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير!". إنها نفس الذهنية التي تدفع بأحد الإخوان المعتصمين في ميدان رابعة العدوية في القاهرة بالقول بأنه رأي في منامه محمد مرسي يؤم المصلين وفيهم النبي محمد. أو أحد أئمة الإخوان الذي قال لجموعهم بعد فشلهم في الاقتحام المسلح لدار الحرس الجمهوري المصري: "لقد وضعت صوراً لمحمد مرسي في أكفان شهدائنا في العملية، حتى تخفف الصور عنهم عذاب القبر."
إن هؤلاء هم "الشركاء المعتدلون"، الذين يمكن العمل معهم، ممن كانت تراهن عليهم إدارة أوباما، والأنظمة الغربية في ألمانيا، وإنجلترا، وفرنسا، وغيرها من دول حلف الناتو.

الإعجاب بالوحش البدائي، الإعجاب بالفعل الإرهابي
في كل الأفلام الأربعة للسلسلة، هناك إعجاب ظاهر وصريح بالوحوش الديناصورية البدائية، وهناك شرعنة مستمرة لغريزة القتل لديها بوصفها عملاً من أعمال الطبيعة المتأصلة فيها.
في الفيلم الأول من السلسلة، يبدي العالم (د. جرانت) إعجابه بفعل القتل الذي تقوم به الوحوش الديناصورية في أكثر من مناسبة. مثلاً، وهو يشاهد الديناصور المفترس وهو يمزق ضحيته من الديناصورات الأليفة آكلة العشب ويلتهمها، يقول للأطفال المرافقين له وأمارات الإعجاب على وجهه:
- أنظروا إليه كيف يتغذى!
ويقول في موضع آخر مبرراً وحشية الديناصورات:
- إنهم فقط يفعلون ما خلقوا لأجله، ما توجبه عليهم غريزتهم!
أي: لا موضع هنا لكراهية فعل القتل. ولا موضع أيضاً للتعاطف مع الحيوان آكل العشب؛ الضحية الذي ُأوكل لتوه.
والصياد المحترف المشرف على الحديقة، والخبير المستقدم من الحدائق المفتوحة في كينيا، (روبرت مالدون)، والذي يخوض قرب النهاية مواجهة ضد ديناصورات الفيلوسورابتر المفترسة ببندقيته الحديثة، وبعد أن تحاصره الوحوش، وقبيل أن تهجم عليه وتمزق جسده، يبدي إعجابه بذكائها، فينطق لسانه بآخر ما سيقوله في حياته:
- يا لذكاء هذه الوحوش!
وقرب نهاية الفيلم الثالث من السلسلة، يركع الأبطال حرفياً أمام وحوش التي ريكس الديناصورية، في خضوع تام، وإعجاب كامل، بقوتها وبأسها، ويظهر ذلك جلياً على وجوههم وهم راكعون أمامها جميعاً بلا استثناء.
وفي نهاية الفيلم الثاني، يختتم الفيلم (هاموند) الرأسمالي صاحب مشروع حديقة الديناصورات، بخطبة طويلة في مدح الديناصورات، يقول فيها ضمن ما يقول:
- ... لا ينبغي أن نلعن هذه الحيوانات، ولكن أن نجعلها تحيا في بيئتها الطبيعية، وأن نكف عن التدخل في شؤونها، وأن نضع ثقتنا في طبيعتها (ونسى أن يقول للمُشاهدين أنهم قد عدلوا هذه الطبيعة، وأعادوا خلقها جينياً)، وعلينا أن نحث الحكومة الكوستاريكية على أن ُتشرع من القوانين ما يكفل أن تظل جزيرة الوحوش هذه معزولة.
إن هذا الإعجاب بالوحش يستدعي إلى الذهن الإعجاب الضمني بالفعل الإرهابي، والخطاب التبريري المستتر بعباءة الموضوعية في التحليل، وحقوق الإنسان، والحريات، من قبل عدد معتبر من المحللين والباحثين الغربيين والعرب الذين يتصدون للحديث عن العمليات الإرهابية لجماعات الإسلام السياسي.
يتم الخلط، بتعمد وقصد، بين حرية الرأي والتعبير، وبين حرية الإرهاب. بين حريات المعارضة السياسية السلمية والمشروعة، وبين حريات رفع السلاح في وجه الآخرين، تحت شعارات الثورة، والمعارضة، والحريات المنشودة. هذه المساواة، ربما تعبر عنها أصدق تعبير زلة لسان محمد مرسي، في مناسبة تصريحاته عقب اختطاف الإرهابيين من دواعش سيناء لبعض الجنود المصريين. قال، وقد كان رئيساً لجمهورية مصر وقتها:
- نحن نتحرك بهدوء ورَويّة حفاظاً على حياة الخاطفين والمخطوفين.

فرق تسد:
في كثير من الأحيان، يتكرر في الجزء الأول والثاني والثالث والرابع من السلسلة الفيلمية مسألة نجاة الأبطال في المواجهة مع الوحوش الديناصورية، ليس بسبب المصادفات السعيدة، بقدر ما بسبب انقلاب الوحوش على بعضها البعض، واقتتالها مع أبناء جنسها، لينجو الأبطال في أخطر اللحظات التي تهدد حياتهم.
إن الجزء الرابع كله (2015) قائم على فكرة تربية وحوش فيلوسورابتر صغيرة وترويضها من قبل ضابط سابق بالبحرية الأمريكية (جريدي)، من أجل استخدامها لأغراض عسكرية ضد أعداء الولايات المتحدة الأمريكية. ويتم استعمال الوحوش الديناصورية في الفيلم نفسه كحل أخير من أجل القضاء على الوحش الديناصوري الأكبر (أندرومينوس ريكس) الهجين المُخلَّق جينياً في المعمل، والذي خرج عن السيطرة وراح يطيح قتلاً وتدميراً في زوار الحديقة وموظفيها. وتتكرر الفكرة مجدداً في آخر الفيلم، حين يُضطرون إلى إخراج توأم أندرومينوس ريكس نفسه، الذي كانوا يخبأونه في مكان سري، لكي يواجه أخاه في قتال دموي غير مبرر درامياً (لأننا نعرف أنهما شديدي الذكاء)، لكن المهم بالنسبة لصناع هذه النوعية من الأفلام هو فكرة نجاة الأبطال من خطر الوحوش بسبب اقتتالها مع بعضها البعض.
قد تنجح حيلة "فرق تسد"، ومحاولات بث الفرقة، وتأجيج الخلافات، كذريعة درامية في الأفلام الشعبية كي ينجو الأبطال وتتحقق النهاية السعيدة. لكن هل تنجح على أرض الواقع مع وحوش الإرهاب الحقيقية؟
هل نجحت محاولة السادات في إطلاق الإسلام السياسي ضد اليسار والاشتراكيين، أم أدت إلى اغتياله هو شخصياً؟! هل نجحت المحاولات الأمريكية في تأجيج الصراعات السنية-الشيعية-الكردية في العراق؟! أو إطلاق وحش القاعدة على الاتحاد السوفييتي؟! أو خلق المخابرات الباكستانية لطالبان في أفغانستان؟! أو حتى إطلاق المخابرات الأمريكية مؤخراً للداعشي عزيز الله من سجون أفغانستان لاستخدامه ضد طالبان في شمال أفغانستان؟! أو من قبل حين دعمت الدواعش بإلقاء الأسلحة والمؤون عليهم (بطريق الخطأ) من الطائرات الأمريكية في العراق وسوريا؟! أو سياسات التحالف الاستراتيجي لقطر مع الإخوان المسلمين لتحقيق "مصالح" سياسية عن طريق خلق وتأجيج الصراعات والانقسامات الإقليمية؟!
إن النتائج التي نشهدها كل يوم تنفي تماماً صلاحية هذا الحل "الفيلمي" على أرض الواقع. ومحاولات استخدام هذه اللعبة الخطرة بضرب الفرق الإرهابية بعضها ببعض، لن تؤدي إلى الأمن والسلامة، بل إلى الكارثة المحققة في كل مرة: في أمريكا 11/9 وما بعدها، وإسبانيا، وانجلترا، وفرنسا، وبلجيكا، وألمانيا.. إلخ.

اصطناع هجين
من الأفكار الأساسية في هذه الأفلام فكرة صنع "هجين" من وحوش الديناصورات. بمعنى أن الديناصورات هنا ليست إعادة بعث أو إحياء لأسلافها السابقين بنفس جيناتها وشفراتها الوراثية، بل يجري التلاعب في جيناتها في المعامل والمختبرات لإنتاج نوع "مصطنع"، أكثر خطورة من الأصل. في الفيلم الأول يتم تهجين جين ديناصور بجين ضفدع، وفي الأجزاء التالية يتم التلاعب في الشفرات الوراثية للديناصورات وتهجينها بتخليط جينات الأنواع المختلفة من الديناصورات ببعضها البعض، وببعض الحيوانات والزواحف الأخرى، كالحرباء، والسحالي، والأسماك، مثلاً، كما في الجزء الرابع، لإكسابها قدرات فائقة "مصطنعة"؛ كالقدرة على التخفي مثلاً.
إن الفكرة الرئيسية في هذا الفيلم الأخير هي: القيام بالتلاعب في الشفرات الوراثية، وتهجين عدة جينات مختلفة، من أجل تصنيع ديناصور جديد مصنوع وراثياً في المعمل (ويشتقون له اسم: أندرومينوس ريكس، ويُوصف الاسم بأنه يحقق الهدف لأنه: مخيف وسهل النطق. مثل داعش، آيسس، القاعدة..إلخ)، بحيث يكون أكبر وأقوى وأشرس وأذكى من أي ديناصور آخر وجد من قبل على سطح الأرض. والهدف من هذه العملية هو تحفيز المزيد من الشركات الاستثمارية للدخول كمساهمين جدد في أسهم الحديقة، ومضاعفة الأرباح المترتبة على زيادة إقبال الزوار؛ فالحديقة تحتاج إلى شيء جديد ومخيف كل بضعة أشهر لجذب الزوار وزيادة الإقبال.
يتم إذن تهجين جينوم الديناصور المتوحش (التي ريكس) مع جينوم آخر لديناصور أكثر توحشاً (الفيلوسورابتر)، مع مجموعة أخرى من جينات الضفادع والسحالي وغيرهما، لإكساب المنتج الجديد صفات محددة مسبقاً. فينتج عن ذلك وحش حاد الذكاء، قادر على الخداع والتمويه، ونصب الفخاخ لفرائسه. وحش قادر على تحليل المشاكل والتغلب عليها، والتعلم من أخطائه، بل وقادر على التخطيط والتذكر.
هذه الفكرة تشبه التهافت والانتهازية في تهجين الأيديولوجيات المتطرفة بعضها ببعض، التي شهدناها منذ السبعينيات من القرن الماضي، وبالتحديد في محاولات التوفيق التلفيقي بين جين الأصولية الحاكمية لسيد قطب، وجين السلفية الجهادية. فحاكمية سيد قطب التي وجدت لها مبرراً انتهازياً في مجتمعات مثل مصر وسوريا والجزائر واليمن مثلاً، واجهت مشكلة كبرى في السعودية التي تطبق فعلاً الشريعة الإسلامية في مختلف مناحي الحياة. ولأن المتطرف لا يتوقف أبداً عن المزايدة، فقد حاولت كوادر الإخوان المقيمين في السعودية منذ السبعينيات أن يجدوا مبرراً "شرعيا" للخروج عن النظام (منذ محاولات الإخواني السوري المقيم في السعودية محمد سرور بن نايف زين العابدين) بدمج حاكمية سيد قطب الإخوانية مع السلفية الجهادية، لإنتاج مفهوم "الولاء والبراء" (أو السلفية السرورية، نسبة لمحمد سرور) في مواجهة الحكم في السعودية؛ الولاء للجماعة فقط، والبراء من النظام الذي يساند ويدعم الغرب. ولذلك لن نستغرب أن تبادر كوادر الإخوان -التي استضافتها السعودية بعد خروجها من مصر-عبد الناصر، وفتحت لها أبواب الرزق والتعليم والرعاية- إلى تأييد عصيان جهيمان العتيبي، القائد العسكري للمجموعة الإرهابية التي احتلت الحرم المكي عام 1979، وأن تعتبر الحكم في السعودية باطل الشرعية.
لقد تطور مفهوم الحاكمية الذي رفعه الخوارج في الفتنة الكبرى في وجه الإمام علي بن أبي طالب (الحكيم الذي قال أصدق ما قيل عن "الحاكمية" حتى الآن: حق يُراد به باطل) إلى مفهوم هجين مصطنع، يخدم الأهداف والمصالح الدنيوية للحكم والسيطرة. ونتج عن ذلك التلفيق الهجيني استبدال فكرة الحاكمية الخوارجية القطبية بفكرة "جهاد الأنظمة"، حتى تلك التي تطبق الشريعة. وسيصبح الإرهاب في ما بعد عابراً للقارات، ولن يقنع بتوجيه ضرباته إلى النظم الحاكمة في البلاد العربية والإسلامية وقتل مدنييها الأبرياء فقط، ولكنه سيوسع من نطاق نشاطه الإرهابي كي يضم أهدافاً في الغرب باعتباره موطن الكفر والانحلال، وفقاً لنظرية بن لادن عن "الفسطاطين": "فسطاط الكفر" ممثلاً في الغرب وعلى رأسه أمريكا وأوروبا والدول الإسلامية التي تسير في ركبهما، و "فسطاط الإيمان" في الدول التي سيتم الاستيلاء على الحكم فيها.

الخروج عن السيطرة
التلاعب في الطبيعة، بهدف اصطناع منتجات ديناصورية وحشية تدر المال على أصحاب الحديقة، يؤدي في كل أجزاء السلسلة الفيلمية إلى أن تخرج الأمور عن السيطرة وينقلب الوحش على صانعه.
في الجزء الأخير من السلسلة يدور الحوار التالي بين (هوسكنز) رئيس العمليات الحربية في مؤسسة إنجين لصنع الديناصورات ، وبين (جريدي) ضابط سلاح البحرية السابق الذي يتولى مهمة ترويض الديناصورات المفترسة لصالح المؤسسة:
هوسكنز: الطبيعة منحتنا أكثر الآلات فعالية للقتل، آلات عمرها 75 مليون سنة. أنظر إلى هذه المخلوقات! إن لديها غريزة القتل منذ ملايين السنين، ونستطيع نحن برمجة هذه الغريزة لنستعملها في حروبنا.
جريدي: وماذا لو قررت هذه الوحوش أنها تريد السيطرة؟!
هوسكنز: عندها سنذكرهم بمن هو المسيطر الحقيقي ونبيدهم، وسنعزز فقط السلالة المخلصة لنا.
جريدي: أنت لا تعلم أي شيء عن هذه المخلوقات، بل ولا تريد أن تتعلم أيضاً. أنت تأتي إلى هنا وفي عقلك مخطط تريد فقط أن تنفذه! تصنعونهم، ثم تخالون أنكم قد امتلكتموهم!
هوسكنز: نحن بالفعل نمتلكهم! إننا نجلس بالفعل فوق منجم من الذهب!
لكن الأمور دائماً ما تخرج عن نطاق سيطرة صانع الوحش. فمنذ الفيلم الأول، يكتشف العالم جرانت أن الديناصورات التي تم توليدها في المعمل على أساس أن تكون كلها من الإناث، منعاً للتناسل في ما بينها في الحديقة، قد طورت شفرتها الوراثية، كما تفعل بعض البرمئيات، بحيث تتحول بعض الإناث فيها إلى ذكور من أجل التزاوج لحفظ النوع. لقد وجد الوحش وسيلة للخروج من القيود التي توهم صانعه أنه قد فرضها عليه.
وفي الفيلم الثاني، نكتشف أن الوحوش الديناصورية قد نجحت أيضاً في تجاوز قيد آخر وضعه العلماء للحد من نموها. لقد تم تخليق إنزيم معين في البروتينات المكونة لخلايا الديناصورات (لايزين)، بحيث تعتمد الديناصورات على علماء الحديقة الذين يزودونها بهذا الإنزيم، وكانت الفكرة، أنه في حالة الخطر الشديد، يمكن لإدارة الحديقة أن تمنع تزويد الوحوش بهذا الإنزيم، فتدخل في غيبوبة وتموت. لكن الوحوش ستستطيع أن تعوض نقص هذا الإنزيم في خلاياها بالتغذي على النباتات الغنية بإنزيم اللازين مثل حبوب الصويا، ثم تأتي الديناصورات آكلة اللحوم لكي تتغذى على آكلات العشب التي تمتلئ خلاياها بهذا الإنزيم.
إن حياة الإرهاب سوف تجد طريقة لكي تستمر، وتتطور، متخطية الحواجز والقيود. وسيستطيع الوحش الإرهابي الواقعي أن يكيف ويلائم جيناته الإرهابية أينما وجد، ليفلت من أي قيود مفروضة عليه من صانعيه لتحجيمه.
جماعة الإخوان المسلمين؛ التي ساهم في تمويلها، منذ نشأتها، السفير البريطاني في مصر: مايلز لامبسون، ثم أصبحت بريطانيا الحاضن الرئيسي لها منذ عهد عبد الناصر حتى اليوم. هذه الجماعة سينتج عنها: الجهاز السري للجماعة الذي قام بالاغتيالات السياسية في مصر في الأربعينيات والخمسينيات، ثم جيش محمد، وتنظيم الفنية العسكرية، والتكفير والهجرة، والجماعة الإسلامية، والجهاد الإسلامي... حتى تنظيم بيت المقدس، وأجناد مصر. وسيتطور مانيفستو الإرهاب من (معالم في الطريق) لسيد قطب، إلى (رسالة الإيمان) لصالح سرية، و(الفريضة الغائبة) لمحمد عبد السلام فرج، و(الخلافة: التوسمات) لشكري مصطفى، و(العمدة في إعداد العدة) لأيمن الظواهري، و(فلسفة المواجهة) لطارق الزمر، و(كشف اللثام عمن وصفوا ببيعة الإمام) لأبي محمد المقدسي.
وحركة طالبان (والقاعدة) صنيعة المخابرات الباكستانية والأمريكية، ستكيف من نفسها، وتطور من جيناتها، لتخرج عن السيطرة أيضاً، وتنتشر فرقها في باكستان، والخليج، والشام، والمغرب العربي، ومصر، والأردن، والعراق، وسوريا، والشيشان، وكوسوفو، والصومال، وبنجلاديش، ونيجيريا، والفلبين، تحت مسميات: (القاعدة)، و(جند الله)، و(الجهاد)، و(جيش الله)، و(داعش)، و(جبهة النصرة).. إلخ. والقاعدة نفسها، هي وكل من تلك الجماعات، سيتفرع وينقسم عنها جماعات إرهابية أخرى، لن تكون هي، ولا حتى الجماعة الأم، بعد ذلك، تحت السيطرة. جماعات لكل منها استقلالها المالي، والإداري، والقيادي، ولكل منها أمير، ولجنة شرعية، ومفتي، ومتحدث إعلامي.. إلخ.
يستدعي الذهن هنا أيضاً ذلك التحالف الاستراتيجي بين أجهزة المخابرات الألمانية مع الإخوان المسلمين بعد 11/9؛ وتجنيدهم للعمل كمرشدين ضد الجماعات والأفراد المصنفين على أنهم أكثر خطورة. كانت المخابرات الألمانية قد اعتبرت جهلها التام بما كان يجري على أراضيها من قبل خلية محمد عطا في هامبورج؛ التي نفذت الهجوم على البرجين في نيويورك، لطمة قاسية وإهانة شديدة لها، فقررت منذ ذلك الحين استخدام الإخوان كمرشدين عن المتطرفين الآخرين، وكصمام أمان ضد وصول الإرهاب إلى أراضيها. الإخوان ساعدوا الحكومات الألمانية المتعاقبة أيضاً على لعب دور أكبر في الشرق الأوسط؛ بالذات كوسيط بين حماس وإسرائيل في صفقات تبادل الأسرى والسجناء، وفي عقد صفقات اقتصادية مربحة مع بعض أنظمة الشرق الأوسط؛ كقطر وتركيا. لكن هذا التحالف الاستراتيجي –المستمر إلى اليوم- لن يؤدي إلى الأمن والسلامة، بل ستذوق ألمانيا أيضاً طعم الإرهاب المر على أراضيها.
حماس نفسها، صنيعة الشين بيت في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي لضرب الوحدة الفلسطينية واستقطاب فلسطيني الداخل بعيداً عن فتح وحركات المقاومة الوطنية، ستخرج هي أيضاً عن سيطرة إسرائيل في ما بعد.
والجيل الأول من الإرهابيين؛ المصطنع من قبل الأجهزة الأمنية، والذي تمثلت منتجاته في الإرهابيين الأوائل للإخوان وما تفرع عنهم من جماعات جهادية، سيليه جيل جديد بزعامة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وسيتبعهم جيل آخر من الإرهابيين من أمثال أبو مصعب الزرقاوي، وأبو بكر البغدادي، ثم جيل إرهابي (قاعدة أوروبا)، ثم جيل (دواعش أوروبا) من الأوروبيين في بلادهم الأصلية في فرنسا وبلجيكا وإنجلترا وألمانيا والسويد وإيطاليا، وإرهابي الجماعات المسلحة في اليمن وسيناء وليبيا وسوريا والعراق والصومال ونيجيريا والفلبين.
في الجزء الأول من السلسلة الفيلمية، يقول العالم في نظريات الفوضى (مالكولم) –وهو أمريكي عقلاني مستنير، على عكس كوندوليزا رايس التي طبقت نظريات الفوضى في الشرق الأوسط-، يقول:
- إن محاولتكم للسيطرة على هذه الكائنات مستحيلة. وإذا كنا قد تعلمنا شيئاً من تاريخ التطور، فهو أن المادة الحية تكسر كل القيود المفروضة عليها من أجل التوسع والامتداد. إنها ستقاوم محاولات الاحتواء، وسوف تقتحم العوائق التي أمامها، وقد يحدث ذلك بشكل مؤلم وعلى نحو خطير، لكن هذا هو الواقع في قانون التطور.
أفلتت الأمور عن سيطرة السادات، وعن سيطرة المخابرات الباكستانية، والأمريكية، والإسرائيلية، والألمانية، والمخابرات العربية، وحتى عن سيطرة المخابرات الإنجليزية. لقد بات معلوماً الآن أن إنجلترا، مثلاً، قد استضافت الكثير من الإرهابيين، وغضت الطرف عنهم، بل ودعمتهم في كثير من الأحيان بغرض استخدامهم في سياساتها الخارجية للضغط وابتزاز الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط، وللحصول على معلومات منهم كمرشدين لها عن الجماعات الأخرى. كان يصول ويجول في لندن إرهابيين أمثال: عمر بكري السوري، وأبو قتادة، وعادل عبد المجيد، وهاني السباعي، وأبو حمزة المصري، وياسر السري، وعادل عبد القدوس، وغيرهم من قادة الإخوان والسلفية الجهادية، وكانوا يمارسون الدعوة العلنية للإرهاب و"الجهاد" بين الشباب الإنجليزي نفسه، للدرجة التي أطلق فيها بعض الظرفاء لقب "لندنستان" على مدينة لندن لكثرة عدد المتطرفين فيها، وحريتهم في الحركة والدعوة ونشر أفكارهم، دون تدخل السلطات البريطانية على الإطلاق.
دعمت إنجلترا ومولت جماعة الإخوان المسلمين منذ عقد الأربعينيات من القرن الماضي، واستمر ذلك في ما بعد لزعزعة حكم عبد الناصر، ولإفزاع اليهود المصريين ودفعهم للهجرة إلى إسرائيل، ثم لأهداف أخرى للسياسة الخارجية البريطانية في زعزعة أو ابتزاز أنظمة الحكم العربية. لكن تلك السياسة -المستمرة إلى اليوم- قد أدت في النهاية إلى أن يصبح الجيل الجديد من الإرهابيين هم شباب إنجليزي ولدوا وتربوا وتعلموا في إنجلترا، ورضعوا من الأفكار الإرهابية لقادة السلفية الجهادية المنتشرين في إنجلترا طولاً وعرضاً وعمقاً؛ الذين كانوا يقومون، تحت أعين وحماية الأجهزة الأمنية البريطانية، بأنشطتهم في الترويج لأفكار التطرف، وتجنيد الشباب الإنجليزي.
اعتقدت لندن أنها ستكون هي نفسها بمنأى عن الإرهاب، لكن النتيجة هي نفسها نتيجة اللهو بالكبريت في مخزن للبارود. تفجيرات مترو لندن في 7/7/ 2005، وما تلاها من عمليات إرهابية –مستمرة إلى اليوم- في لندن، وبرمنجهام، ومانشستر. وطبعاً لن ننسى جون اللندني قاطع الروؤس الداعشي.

نهايات متفائلة، واقع متشائم
في نهاية الفيلم الثالث من السلسلة (الذي عُرض عام 2001، وصُنع قبل أحدث 11-9-2001)، وعلى موسيقى حماسية وبهيجة، تقل الطائرات الحربية الأبطال عائدة بهم من جزيرة الوحوش الديناصورية إلى أمريكا. وينظر الأبطال خارج الطائرة فيرون الوحوش المفترسة تطير من حولهم في السماء. ينظر العالم (د.جرانت) إليها في إعجاب ويقول:
- ربما تكون في رحلة بحث عن مكان جديد لأعشاشها، فهذا العالم جديد بالنسبة لها.
وترد عليه السيدة كيربي، القاطنة في أوكلاهوما:
- أتحداهم أن يحاولوا بناء عش لهم في أوكلاهوما!
لكن وحوش الإرهاب المفترسة في الواقع، كانوا بالفعل قد بنوا أعشاشهم، ليس في أوكلاهوما فقط، ولكن في كل مكان في أمريكا وألمانيا وإنجلترا وبلجيكا وفرنسا وإسبانيا. وسيضرب الإرهاب، بعد أيام قليلة من عرض الفيلم، الأراضي الأمريكية نفسها، وفي مكمن فخرها الاقتصادي والعسكري؛ برجا التجارة العالمية في نيويورك ومبنى البنتاجون.
ومن اللافت في النهايات المتفائلة لتلك الأفلام أيضاً، أنه في كل أجزاء السلسلة تقريباً، يُساهم الأطفال الصغار في إنقاذ البشرية من خطر الديناصورات المتوحشة. في الجزء الأول، الطفلة الصغيرة حفيدة صاحب مشروع الجزيرة؛ الخبيرة في الكمبيوتر والقرصنة الإلكترونية. وفي الجزء الثالث، ابن آل كيربي، الذي أصبح خبيراً في الأدغال وطرق معيشة الديناصورات من طول معاشرته لها. وفي الجزء الرابع الطفلين الصغيرين ابنا أخت مديرة الحديقة. بل إن خطر الوحوش الديناصورية يصبح هو السبب، في كل سلسلة الأفلام، في التقريب بين أفراد العائلة وبعضهم البعض: بين الأطفال وجدهم، والابن وأبويه المنفصلين، ومديرة الحديقة وابني أختها الصغيرين، ليجتمع شمل الأطفال مع آبائهم ويعود التلاحم الأسري من جديد.
لكننا نعرف من الواقع أن الأطفال الذين يسهمون في السينما في إنقاذ البشرية من خطر إرهاب الوحوش، سيكونون في الواقع هم أول ضحايا وحوش الإرهاب. نتذكر هنا، من باب ضرب الأمثلة: ضحايا التفجيرات الإرهابية من الأطفال في الكنائس، ومحطات المترو، والمسارح، والميادين والشوارع، في مصر، والعراق، وسوريا، وباكستان، وأفغانستان، وإنجلترا، وفرنسا.. إلخ. وهل يغيب عن البال مشهد إلقاء الأطفال أحياء من أعلى أحد منازل حي سيدي جابر بالاسكندرية في مشهد رعب دموي بينما الجاني يحمل علم القاعدة الأسود أثناء تنفيذ جريمته!






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرحباً في صحراء الدراما المصرية
- القفزة الإيمانية لذوي السجلات الإجرامية
- تزييف التاريخ في سينما هوليود
- بداية ونهاية
- الطبقة الوسطى في سينما محمد خان
- نجيب الريحاني.. الكوميديا الذكية
- صورة الانفتاح في السينما المصرية


المزيد.....




- الممثل أليك بالدوين يقتل مديرة التصوير ويصيب المخرج عن غير ق ...
- الممثل أليك بالدوين يقتل مديرة التصوير ويصيب المخرج عن غير ق ...
- رصاص خلبي أثناء تصوير فيلم يتسبب في مقتل مديرة التصوير وإصاب ...
- إعلامية مصرية تتنمر على -أم ماريو- بطلة فيلم -ريش- المثير لل ...
- بيت السناري الأثري يحي مولد رسول الله ? بحفل ديني
- الشارقة للكتاب: طالب الرفاعي شخصية العام الثقافية
- إسبانيا ضيف شرف معرض الشارقة الدولي للكتاب 
- في ذكرى وفاة الأديبة اللبنانية مي زيادة
- -اللغة التي يتحدث بها جسدك- تأليف إلين ميريديث
- روايات الرعب: -رواية الجزار- للكاتب حسن الجندي


المزيد.....

- كتاب: بيان الفرودس المحتمل / عبد عنبتاوي
- أخْفِ الأجراس في الأعشاش - مئة مِن قصائدي / مبارك وساط
- رواية هدى والتينة: الفاتحة / حسن ميّ النوراني
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها / فاضل خليل
- مسْرحة دوستويفسكي - المسرح بين السحر والمشهدية / علي ماجد شبو
- عشاق أفنيون - إلزا تريوليه ( النص كاملا ) / سعيد العليمى
- الثورة على العالم / السعيد عبدالغني
- القدال ما مات، عايش مع الثوار... / جابر حسين
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها ... / فاضل خليل
- علي السوريّ-الحب بالأزرق- / لمى محمد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الفقي - حديقة الديناصورات، والإرهاب أيضاً