أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سامي الكيلاني - السيدة وارفة الظلال














المزيد.....

السيدة وارفة الظلال


سامي الكيلاني
(Sami Al-lkilani)


الحوار المتمدن-العدد: 6858 - 2021 / 4 / 3 - 10:13
المحور: الادب والفن
    


تنظر إلى الشجرة التي تقف إلى مدخل المكتبة العامة، ما زات بكامل هيبتها، تبدو كأنها لم تتقدم في العمر. كدت تقول الشجرة التي تقف إلى الجنوب من المدخل. ما زلت تخلط الاتجاهات في هذه المدينة، أحياناً تعطي الاتجاهات انطباع الاتجاهات في بلدك أو حتى في قريتك، الاتجاه غربي وأنت تسميه جنوبي، وما زلت مصراً على ذلك. الشجرة المهيبة في مكانها ولا يهمها خلطك الجهات، ولا يزعجها مرور السنوات عليها، تحتفظ بهيبتها، لكنها لا تستطيع تفادي أوامر الفصول، تمتص ألم التغيير راضية. تراها بعين اليوم جديدة، وتلجأ إليها لتسألها عن التشبيه الذي عقدته معها. تتأملها، غصنان في واجهتها غزاهما اللون الأصفر، كما تغزو شعرات بيض رأس الشباب عشية العبور إلى خريف العمر. إنها صامدة صمود القلوب المتعبة، الناس ليسوا إلاّ قلوباً تدعمها أجهزة وأنسجة أخرى، الإنسان هو القلب. القلوب الكبيرة تصمد، ولكنها لا تعاند ما لا يمكن عناده، لا تعاند الحزن، يمر عليها، تمتصه، تحضنه وتحضن نفسها، ثم تكبر من غير كهولة. القلب الكبير الذي تركته في الوطن لأم تبتسم لتخبئ الألم، والقلب الذي تركته قبل قليل، تختلط الصور.
تختار مقعداً تحت الشجرة المهيبة بعد أن عدت من زيارة شحنتك بالمحبة والارتياح، ولكن بألم وقلق.
تتذكر السيدة المهيبة، كيف كانت في الزيارات السابقة، المليكة المتوجة على عرش من يعرفونها، مهيبة وارفة كالشجرة، أو الأصح أن الشجرة الوارفة المهيبة التي تجلس تحتها ما زالت كذلك مثل المليكة. حزن هنا، وتشوش في الذاكرة هناك، وانحسار إضافي في القدرة على الإبصار وفي القدرة على الحركة، لا مهرب من ذلك، لكن الصورة الكبيرة تحتضن كل هذه المنغصّات، وتمتص ما تحتويه من ألم بأريحية دون تذمر. تجلس في مقعدها تضيء أنوار الذكريات الجميلة وتتحدث وكأن الحاضر جميل أيضاً. لكنها كانت في هذه الزيارة متعبة الجسد مشوشة الذاكرة، متقطعة النبرات، تجاهد في حديثها لتعبر عن أفكارها، سألتك مرة عنك وكأن المتحدث معها كان صديقك، ثم تداركت ذلك بابتسامة اعتذار، أدركت أنها خلطت الأمر، ثم سكتت.
تحضر في الذاكرة صورة الزيارة السابقة وكأن الذاكرة تقاوم، ترفض دخول الصورة التي تقحم نفسها بقوة.
***
سيدة الأناقة والهيبة، مليكة المكان، تجلس في مقعدها الذي اهتدت إليه بقدميها اللتين تعرفان البيت شبراً شبراً أو قدماً قدماً. تركت المطبخ بعد أن وضعت إبريق التسخين الكهربائي وجاءت لتنتظر غليان الماء فيه، عادت إلى غرفة الجلوس، عادت لتشارككم الجلسة لتستأنف الحوار من حيث انتهى. السيدة التي يدعوها الأصدقاء جميعاً من مجموعة الطلبة الأجانب الذين تعرفوا عليها وتعرفت عليهم من خلال ابنتها التي تعمل في الجامعة، فأصبحوا جميعاً كالأبناء لها وصاروا ينادونها ب"Mom" اختصاراً، حتى أن الكثير منهم لا يعرف لها اسماً غير "مام". منذ بداية معرفتك بها ومتابعتك حالتها، لا تذكر يوماً أنها ضعفت أمام التراجع المستمر لقوة إبصارها، الأطباء أعلنوا لها بصراحة ومكاشفة أن ليس بمقدورهم أن يوقفوا التراجع، وبالتالي كانت تعرف مزايا كل مرحلة فتحضّر لها متطلباتها. في تلك الزيارة، كانت الأمور قد تراجعت إلى درجة كبيرة فأصبحت لا تشعر معها إلاّ باختلاف الضوء عن العتمة.
استأنفت يومها الأسئلة عن أفراد عائلتك واحداً واحداً، سألتك عن حال بلادك أسئلة استكمالية لما حدّثتها به منذ سنة، كانت كأنها تستأنف جلسة انقطعت قبل وقت وجيز، وأضافت أسئلة عن مستجدات لم تكن تسأل عنها سابقاً، سألتك أن توضح لها ما هذا الذي تسمعه في الأنباء عن سنة وشيعة يقتلون بعضهم بعضاً. تنهدت والجرح في داخلك، ماذا تقول للسيدة المليكة الأنيقة ذات الأبهة المحببة عن هذا الموضوع، وهل تفهمه أنت أصلاً؟ حدثتها باختصار ماذا يعني ذلك، ولم تكن بحاجة لأن تطرح موقفك، فهي كانت ستقاطعك بأنها تعرف ذلك، دائماً تريد المفيد في الحديث. هزت رأسها، وقالت إنها تفهم هذه الأمور، فقد عاشت شبيهاً لها في صراع الناطقين بالفرنسية والناطقين بالإنجليزية في هذه المقاطعة.
رغبتَ يومها في تفادي دعوة العشاء المعتادة نظراً لوضعها عندما مررت مروراً سريعاً عليها بعد وصولك المدينة قبل يومين، إلاّ أنها أصرت أن يكون الأمر كما في كل زيارة سابقة، لقاء حول طاولة العشاء، وجلسة عائلية.
ها هي على طاولة العشاء قد طلبت من ابنتها أن ترتب المائدة كما في كل مرة، وتناولت الولاعة الخاصة بالشموع واقتربت من كل شمعة تتحسسها أولاً بيدها ثم تشعلها، عند الشمعة الثالثة أخطأت شعلة الولاعة هدفها، فبادرت ابنتها ومدت يدها لتساعدها، لكنها أبعدت يدها ونهرتها وطلبت منها أن تبقى في مقعدها، وقالت مكابرة إن رعشة يدها هي السبب. بعد أن أضاءت الشمعة الثالثة قالت كلمات ترحيب ودعوة للبدء، المليكة تعطي الإشارة لابنتها أن تبدأ الضيافة.
شكرتها ولم تمتثل يومها لذلك الهاجس الذي كان يشدك نحو القول "آمل أن آتي المرة القادمة وأجدك هنا". عبّرت ككل مرة عن سرورك بزيارتها واعتزازك بصداقتها وفرحتك بحديثها، وشكرتها على ما تعلّمته منها كل هذه السنوات وهي تعبر نحو التسعين من عمرها المديد. لكن غصة كانت تساورك: هل ستراها مرة أخرى؟
سنة مرة على تلك الزيارة، سنة اختلفت فيها الحال، حال الشجرة ومام، كنت تجلس على المقعد ذاته وتتأمل الشجرة ذاتها والتشبيه الذي عقدته بينهما، التشبيه يهتز، لا تريده أن يهتز.
***
تغادر المقعد والصورة التي رأيتها اليوم تحاول اقتحام المشهد واحتلال مكان الصورة الراسخة. تمشي مثقلاً بالتساؤل الذي ساورك في الزيارة السابقة، تمشي وانت تشعر بثقله يزداد ويزداد.



#سامي_الكيلاني (هاشتاغ)       Sami_Al-lkilani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذليل-قصة قصيرة
- مقعدان-قصة قصيرة
- دفتر المفتشة-قصة قصيرة
- ذات مطر ثقيل-قصة قصيرة
- ضوء القصيدة-قصة قصيرة
- ما تخافيش-قصة قصيرة
- ثلثي المشاهدة-قصة قصيرة
- انثروا الطيبة-قصة
- عصير ليمون-قصة قصيرة
- عين-قصة قصيرة
- مشاعرة-قصة قصيرة
- وجوه هذا الصباح-قصة
- طعم آخر للورق-قصة قصيرة
- وجبة-قصة قصيرة
- بريموس-قصة قصيرة
- المظاهرة الأولى-قصة قصيرة
- لروحك السلام يا أبو سامي
- لا يعرف الكتابة-قصة قصيرة
- رجل الفسبا-قصة قصيرة
- تلك الطاولة-قصة قصيرة


المزيد.....




- وقائع واحداث منبجسة من نسيج الواقع.. وممضاة بدماء شهداء فلسط ...
- آراء متباينة حول الإعلان الترويجي لفيلم -الست- المرصع بالنجو ...
- -أفلام ميوز-.. ميلانيا ترامب تطلق شركة إنتاج قبل إصدار فيلم ...
- -الزمن تحت الخرسانة- المخيم كعدسة لقراءة المشروع الاستيطاني ...
- الاحتلال يخسر -الفضاء الأزرق-.. وصعود الرواية الفلسطينية يثي ...
- الثقافة: الفيلم المرشح للأوسكار
- إسبانيا: اعتقال الراهبة لورا غارسيا بتهمة تهريب الأعمال الفن ...
- الأمير مولاي رشيد: مهرجان الفيلم بمراكش منصة للحوار وإبراز ا ...
- كهوف الحرب وذاكرة الظلمات اليابانية الغارقة -تحت الأرض- في ق ...
- وفاة الممثلة الجزائرية بيونة عن 73 عاما


المزيد.....

- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية
- الذين باركوا القتل رواية ... / رانية مرجية
- المسرواية عند توفيق الحكيم والسيد حافظ. دراسة في نقاء الفنون ... / د. محمود محمد حمزة
- مداخل أوليّة إلى عوالم السيد حافظ السرديّة. الطبعة الثانية / د. أمل درويش
- مشروع مسرحيات مونودراما للسيد حافظ. اكسبريو.الخادمة والعجوز. ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سامي الكيلاني - السيدة وارفة الظلال