أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ربيع العايب - إدوار سعيد، والمثقف الكوني















المزيد.....

إدوار سعيد، والمثقف الكوني


ربيع العايب
كاتب وباحث

(Rabie Laib)


الحوار المتمدن-العدد: 6777 - 2021 / 1 / 2 - 03:22
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يُعتبر إدوار سعيد (1935-2003) من بين أهم المفكرين الذين أَولوا عناية بالغة الأهمية، بالثقافة عامة، وبالمثقف بصفة خاصة، بإعتباره ممثلا لها ورافعا للوائها، خاصة عندما التفّت حوله التهم والشبهات، وكثر الحديث عنه، وفي خضم هذا الحديث، كانت المحاولة جارية لرد الاعتبار لهذا المثقف، كونه الوحيد القادر على قول كلمة الحق في وجه الباطل، ومحاربة الجهل ورفعه.
نستكنه مقاربة ادوارد سعيد لازمة المثقف الخانقة، انطلاقا من بيان مفهوم المثقف لديه، فمن هم المثقفون عند "إدوار سعيد"؟. الجواب هو أنهم: " شخصيات تمارس نشاطا جمهوريا، لا يخضع للتنبؤ، ولا يكون تحت ضغط بعض الشعارات، ولا يتماشى مع خط الأحزاب التقليدية ولا ينتج عن التعصب الجامد..." . المثقف حسب هذا القول هو، وجوب التحلي بصفة جوهرية وهي الأمانة والوفاء بالدرجة الأولى، خاصة تجاه الحقائق التي يمتلكها فلا يحاول تغييرها أو تشويهها أو تحريفها، وأن يستخدمها بكل موضوعية، خاصة نحو تـلك القضايـا التي تتعلق بالأوضاع المزرية، من اضطهاد وظلم وجور على الإنسانية قاطبة، أي المثقف الكوني، حتى ولو كانت تناقض أو تعارض توجهه الفكري أو الحزبي أو الإيديولوجي، ليكون بذلك قد حفظ الأمانة وقال الحق حتى على نفسه، لأن المثقف الحق هو صاحب الرأي الواحد، الذي يدافع عنه دونما خوف أو تردد، وفي ذلك يقول " إدوار سعيد": "إن المثقف من وُهب ملكة عقلية لتوضيح رسالة أو وجهة نظر أو موقف أو فلسفة. ، إذن فالمثقف هو ذلك الفرد الذي يمثل توجها ما، بحيث يعبر عنه بجلاء ووضوح لجمهوره، بدون أي تلفيق، مستعدا لتحمل مسؤولية أقواله، متحديا كل الصعاب والعوائق التي يمكن أن تعترض طريقه، أو تقف في وجهه، ومن هنا، يتبين لنا مدى صعوبة الدور المنوط به، لأنه من خلال أدائه لهذا الدور جيدا، يتجنب الوقوع في خطر اختفاء صورته، أو احتجاب مكانته، باعتباره ذلك الشخص القادر على مواجهة ما يجري في المجتمع مجرى الصواب دون تردد أو خوف، ومنه لا حكومة ولا شركة يمكن أن تستقطبه ، فإذا كان المثقف العربي، يتحلى بروح المواجهة ونخوة الدفاع عن الهوية الوطنية، فهل فعلا، تمكن من أداء دوره كما ينبغي، بالحفاظ على ثقافة شعبه، ودفعه نحو التقدم؟ أم أن هناك عوائق أخرى حالت دون ذلك؟.
يعترف "إدوارد سعيد" بأن للمثقف دورا كبير تجاه مجتمعه، لأنه الوحيد القادر على رفع الظلم عنه، وحل مشاكله، خاصة منها تلك المتعلقة بتطوره و تحضره، ولكن الحلول التي قدمها هذا المثقف، زادت المجتمع تخلفا وتأخرا، وهنا نتساءل عن السبب الذي آل إليه تراجع دور المثقف، يرجع "إدوارد سعيد" ذلك، إلى تأثر المثقف العربي بالغرب، لأن الأفكار والمشاريع التي جاء بها غريبة عن ثقافتنا العربية، فهي امبريالية في أصلها، طبقتها الدول الغربية في مجتمعاتها، وكانت ناجحة بدليل التطور والتقدم الذي تشهده؛ في أيامنا هذه، ومن أجل بلوغ هذا التقدم، حاول مثقفونا أن يجربوا تلك المشاريع، بإسقاطها على مجتمعاتنا، ولا ننكر أن نيتهم هنا كانت حسنة، لكنهم في الوقت نفسه، لم يكونوا على وعي تام بما ستجره عليهم هذه المشاريع من انعكاسات سلبية، وأضرار جسيمة ، وحينما تنبه مثقفونا لهذا الخطر، حاولوا التراجع عنها، إلا أنهم لم يستطيعوا، لأنها أفكار متأصلة في أذهانهم، استوردوها من الغرب جراء انبهارهم الكبير بالرقي والتقدم الذي بلغته الحضارة الغربية.
يرد" إدوارد سعيد" هذا الفشل إلى جهل المثقف العربي بطبيعة مجتمعه من جهة، وهجانة ثقافته بثقافة الغرب من جهة أخرى، ما أدى إلى عجزه عن الفصل بينهما، واعتبرهما ثقافة واحدة، فعلى مثقفينا حسب إدوارد سعيد "أن يعترفوا بحقيقة انشطارهم اللاإرادي بين مصدريين معرفيين، الموروث الشرقي والمكتسب الغربي" ؛ وما هذه المقولة، إلا إثبات لوجود ازدواجية ثقافية، كان انعكاسها أن طابق المثقف مشاريع الغرب على العرب، حيث استورد لنا تلك الأفكار والمشاريع النهضوية جاهزة دون دراستها، والتمعن في مضامينها، علاوة على ذلك، وما زاد الأمر سوء هو جهلهم بالتقنيات والمنهجيات الصحيحة والسليمة، التي يمكن من خلالها تطبيق هذه المشاريع بنجاح (كالديمقراطية والاشتراكية، والليبرالية...) وما عقّد الأزمة أكثر، هو عدم اعترافهم بأنهم تأثروا بالغرب، وظنوا أنهم أصحاب هذه المشاريع –الفاشلة- ومؤسسوها ليثبتوا ذلك على أنفسهم، فراحوا ينتقدون ثقافة الغرب ومدنيتهم، بالرغم من أن معظمهم يتمنون الوصول إليها، ودليل ذلك أنهم جعلوها الطموح الأسمى الذي يسعون جاهدين للوصول إليه بعين حاسدة ومتشوقة . وبالتالي كان نقد مثقفينا لحضارة أوروبا، بمثابة القشرة التي تزحلقوا عليها، فأختل توازنهم ولم يعرفوا بعدها إلى الاستقرار سبيلا، ويكمن هذا الاختلال في التناقض الذي يعيشه المثقف – أي دعوته لتقليد الغرب، ونقده له في الوقت نفسه- من جهة، ومن جهة أخرى نجد السلطة وما تمارسه من اعتداء وظلم في حقه وحق مجتمعه، ومحاولة إسكات كل من يقف في وجهها دائما، مستخدمة في ذلك شتى الوسائل المباحة وغير المباحة، هذا ما زرع الخوف في نفوس المثقفين، فما كان منهم إلا أن تنازلوا عن سلطتهم الأخلاقية، ويبين "إدوارد سعيد" ذلك حين قال إن: "مشكلة مثقفي هذه الأيام، أنهم تنازلوا عن سلطاتهم الأخلاقية لمصلحة ما يسميه بتنظيم العواطف الجماعية، مثل الروح الطائفية والمشاعر الجماهيرية والعدوان القومي والمصالح الطبقية" ، ومن جراء هذا الخوف، أصبح المثقف لا يؤمن بما يحمل من أفكار، وزالت ثقته في نفسه، هذا ما جعله يتخلى عن سلطته الأخلاقية، أي لم يعد محتاجا لإرضاء نفسه بقدر ما يريد إرضاء أطراف أخرى، وهذا ما يسمى بـموت الضمير، و مؤدى هذا الكلام هو سقوط المثقف، لأنه لم يعد يكترث بما يجري حوله، وأنه راض بكل الأوضاع –سلبية كانت أم إيجابية- ولكن، يقف "إدوارد سعيد" هنا وقفة يقول فيها: "الأهم بالنسبة للمثقف، هو أن يكون في حالة معارضة شبه دائمة للوضع الراهن، فالمثقف شخص قادر على قول الحق في مواجهة السلطة، كفرد قاس وبليغ -في الآن نفسه- وشجاع إلى درجة لا تصدق، وغاضب لا يعرف قوة دنيوية تكون كبيرة ومهيبة جدا، بحيث لا يمكن انتقادها وتوبيخها على سلوكها" ، وهذا ما لم يقم به المثقف، وما أراد " إدوارد سعيد" قوله وتبليغه للمثقفين، هو أن يتخطوا ويتجاوزوا حـد الخوف من السلطة، لأن الأهم بالنسبة لهم، أن يكونوا في موقف المعارضة الدائمة، خاصة وأنهم هم المسؤولون أمام جماهيرهم باعتبارهم حاملي الحقيقة والرسالة التي يجـب أن يؤدوها، وماداموا مسؤولين أمام جمهورهم، فلا داعي لخوفهم هذا، من جهة –كسبهم للجمهور- وأنهم يتحلون كما يقول " إدوارد سعيد" – بمجموعة من الصفات البطولية النادرة كالقسوة والبلاغة والشجاعة والغضب، من جهة أخرى، كل هذه الصفات تجعلهم يكتسبون هيبة وقوة، لا يمكن مواجهتها أو انتقادها أو محاسبتها على تصرفاتها، لا من طرف السلطة، ولا من أطراف أخرى.
وحسب "إدوارد سعيد" يتزامن ظهور المشكلتين السالفتي الذكر وهما: التناقض الذي يعيشه المثقف، والخوف من السلطة، مع ظهور نموذج المثقف المنفي، وهو ذلك " المثقف الذي لا يفارقه الشعور بالغربة والعزلة والهامشية، وهذا الشعور بالغربة، لا يقتصر على الذين انقطعوا عن أوطانهم، أو أُكرهوا على العيش بعيدا عن ديارهم، وإنما يشمل كل الذين لا يعيشون الانتماء التام إلى مجتمعهم، أو الذين لا يقدرون، بل لا يريدون التكيف مع أوضاعهم وظروفهم، سواء كانوا خارج أوطانهم أو داخلها" . ومعنى هذا التناقض والخوف الذي عاشهما المثقف أنهما نابعان من شعوره بالوحدة والهامشية، وأصبح بالتالي، يحس أن وجوده كعدمه، لذلك كان يخاف من أي محاولة يقوم بها في سبيل النهوض والتقدم بشعبه، بمعنى أنه يريد النهوض بمجتمعه وأمته، وعندما يخاف سيتراجع. هذا ما أوقعه في التناقض، وبالتالي نجم عنه فقدان الحرية والاستقلالية تجاه الدولة وسلطتها أو تجاه المجتمع وتقاليده، "ولكن المثقف إذ يؤكد على هامشيته أو ممارسته لعزلته وتوحده، فهو يتخلى عن مهمته الرسولية، كمدافع عن الحرية والقضايا العامة، لكي يغدو مجرد كاتب يعبر عن تجاربه ومعايشاته" . هنا تكمن المفارقة؛ فالمثقف تزول هيبته وفعاليته كلما انخرط أكثر في المجتمع، وانغمس فيه، وكان لصيقا به، وهذا ما ذهب إليه "غرامشي". في المقابل، ترتفع وتبرز أهمية المثقف كلما مارس تمايزه وتفرده ، هذا ما ذهب إليه "جوليان بندا Julian Benda"* . من هنا، طرح " إدوارد سعيد" الإشكالية التالية: "كيف يحافظ المثقف على فعاليته واستقلاليته في الوقت الذي لا يكون فيه طوباويا، ولا ينغمس في واقعه كل الانغماس"؟.
لقد تمكن "إدوارد سعيد" من تشخيص الأزمة، بتحليل المشكلة واستبيان العوائق، التي تحول بالمثقف دون ممارسة وأداء مهامه، كمدافع عن حرية التعبير، أو كممثل للمقهورين في مواجهة السلطات وأنظمة الاستغلال والظلم، مركّزا في هذه الأزمة، على أنها أزمة قائمة في أساسها بين المثقف والسلطة، هذا ما جعل المفكر "علي حرب"، يوَجّه له انتقادا، باعتباره بقي أسيرا للثنائية القديمة–ثنائية المثقف والسلطة- في حين أنه كان بالإمكان تجاوزها وإعطاء طرح جديد لتلك العلاقة، فيما يتعلق بهذه الأزمة.



#ربيع_العايب (هاشتاغ)       Rabie_Laib#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أثر المكون الثقافي في تعزيز مسارات التنمية في البلدان العربي ...
- ما بعد الإنسانية؛ تحولات في مفهوم العقل البشري من الفلسفي إل ...


المزيد.....




- كاميرات مراقبة ترصد فيل سيرك هارب يتجول في الشوارع.. شاهد ما ...
- على الخريطة.. حجم قواعد أمريكا بالمنطقة وقربها من الميليشيات ...
- بيسكوف: السلطات الفرنسية تقوض أسس نظامها القانوني
- وزير الداخلية اللبناني يكشف عن تفصيل تشير إلى -بصمات- الموسا ...
- مطرب مصري يرد على منتقدي استعراضه سيارته الفارهة
- خصائص الصاروخ -إر – 500 – إسكندر- الروسي الذي دمّر مركز القي ...
- قادة الاتحاد الأوروبي يتفقون على عقوبات جديدة ضد إيران
- سلطنة عمان.. ارتفاع عدد وفيات المنخفض الجوي إلى 21 بينهم 12 ...
- جنرال أوكراني متقاعد يكشف سبب عجز قوات كييف بمنطقة تشاسوف يا ...
- انطلاق المنتدى العالمي لمدرسي الروسية


المزيد.....

- فيلسوف من الرعيل الأول للمذهب الإنساني لفظه تاريخ الفلسفة ال ... / إدريس ولد القابلة
- المجتمع الإنساني بين مفهومي الحضارة والمدنيّة عند موريس جنزب ... / حسام الدين فياض
- القهر الاجتماعي عند حسن حنفي؛ قراءة في الوضع الراهن للواقع ا ... / حسام الدين فياض
- فلسفة الدين والأسئلة الكبرى، روبرت نيفيل / محمد عبد الكريم يوسف
- يوميات على هامش الحلم / عماد زولي
- نقض هيجل / هيبت بافي حلبجة
- العدالة الجنائية للأحداث الجانحين؛ الخريطة البنيوية للأطفال ... / بلال عوض سلامة
- المسار الكرونولوجي لمشكلة المعرفة عبر مجرى تاريخ الفكر الفلس ... / حبطيش وعلي
- الإنسان في النظرية الماركسية. لوسيان سيف 1974 / فصل تمفصل عل ... / سعيد العليمى
- أهمية العلوم الاجتماعية في وقتنا الحاضر- البحث في علم الاجتم ... / سعيد زيوش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ربيع العايب - إدوار سعيد، والمثقف الكوني