أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد علي سليمان - المثال والواقع ماركس الإنسان وماركس المناضل















المزيد.....

المثال والواقع ماركس الإنسان وماركس المناضل


محمد علي سليمان
قاص وباحث من سوريا


الحوار المتمدن-العدد: 6705 - 2020 / 10 / 16 - 22:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الواقع والمثال
ماركس الإنسان وماركس المناضل

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بدأ المفكرون الماركسيون العرب يكتشفون عيوب ماركس، ففي جريدة السفير العدد 11434 / 2009، وفي مقال كتبه الكاتب.. الذي يقول عن نفسه في المقال " لعلي كنت من العمال العراقيين القلائل الذين آمنوا بنظرية ماركس " وعن رحلة ماركس إلى الجزائر، يعتبر أن " الأخلاق الاجتماعية لماركس هي في نهاية المطاف أوروبية.. تكشف عن برودة قاسية وطبيعة لا إنسانية ". وقد أعاد الكاتب.. نشر المقال، ربما مع بعض الإضافات، في صحيفة ميسلون الإلكترونية يوم 11 آذار 2017. هذا مجرد مثال من المثقفين العرب الماركسيين الذين عاد إليهم الوعي على طريقة توفيق الحكيم.
لا أريد أن أدخل في تفاصيل حياة ماركس الشخصية التي اهتم بها المقال: موقفه من ابنه من خادمته التي كان يستغلها جنسياً لأنها خادمة، ويصف أخلاق ماركس الشخصية بأنها تكشف عن برودة قاسية وطبيعة لا إنسانية كما أنها تفتقر إلى أدنى قدر من الإحساس والتعاطف الاجتماعيين. وكذلك أخلاقه الاجتماعية: موقفه من الشعب الجزائري الذي عاش إثنين وسبعين يوماً دون أن يقترب من الجزائريين لأنهم عرب مسلمون، ويصف نظرته إلى شعب الجزائر بأنها نظرة استعلائية وارستقراطية. ولا أريد الدخول في موقفه من ماركس المفكر حول الأمم الكبيرة، الحديثة _ نمط الإنتاج الرأسمالي، والأمم الصغيرة المتخلفة، الراكدة_ نمط الإنتاج الآسيوي، ودور الأمم الكبيرة في تمدين تلك الأمم الصغيرة وحقها في الحياة كأمم صغيرة خارج العصر الرأسمالي، وهذا كتب عنه الكثير، وسيكتب عنه الكثير، ولكل اجتهاده، مع العلم أن انجلس تراجع عن رأيه بعد أن رأى الخراب الذي أحدثته الأمم الكبيرة الرأسمالية في تلك الأمم الصغيرة. أما ما يستوجب التوقف عنده فهو موقف الكاتب.. من ماركس الإنسان، ففي النهاية فإن ماركس إنسان عاش حياته وفق ظروف عصره التي، حسب رأيه، تشكل وعي الإنسان ثم يعود الإنسان ليشكل الظروف الاجتماعية، لكن بعد أن تكون تلك الظروف قد شكلته، والتي يتمرد عليها ويحاول صنع جمهوريته الفاضلة. إن حياة ماركس الشخصية هي ملكه، وما يهم هو حياته الفكرية التي هي ملك البشرية، ما يهم هو النظرية الماركسية، هذه الماركسية التي تكونت نتيجة خبرة حياتية فكرية ونضالية.
ليس هناك أسوأ من مفكر أيديولوجي أصيب بخيبة أمل من الفكر (الفلسفة) الذي آمن به طويلاً، ثم اكتشف أنه كان يعيش في الوهم الأيديولوجي، وبدل أن يعود ليكتشف الجوهر الأساسي لذلك الفكر الذي أهمل لصالح أفكار مقولبة، والانحرافات التي تعرض لها ذلك الفكر في مصادره الأساسية من أجل قيام دولة بيروقراطية طاغية، ويبدأ رحلة جديدة يعمل فيها ليس على تصفية الحساب مع ذلك الفكر المقولب ليخدم أيديولوجيا ضيقة، إنما مع مؤسس ذلك الفكر في مصادره الأساسية على أساس حياته الشخصية، فإنه، فيما يشبه صدمة النكسة، بدل أن يعمل جهده نظرياً حتى يستعيد ذلك الفكر في مصادره الأساسية ليفتح الأفق له من جديد، نراه يفتح معركة ليس مع الفكر كفكر، ولكن مع المؤسس لذلك الفكر في حياته العامة والخاصة، وكأنها معركة شخصية.
لقد تكونت الماركسية في التاريخ بعيداً من ماركس، كونها ماركسيون من أشكال أيديولوجية مختلفة، فكيف يحمل ماركس مسؤولية ما آلت إليه الماركسية، والأسوأ أنه بدل أن يكون الحوار الفكري، الفكر في مواجهة الفكر، ينسحب الحوار إلى هجوم شخصي على ماركس الإنسان الذي عاش حياة قاسية، فكأنه كان يدرك أن حياة واحدة لا تكفي للتعبير عن ما في داخله من أفكار ورؤى للعالم، ومعروف كيف ترك ماركس كتابه الرئيسي " رأس المال " الذي نشر منه المجلد الأول، واجتهد انجلس على أن يفك مغاليق تلك المخطوطات، وعمل على تحقيق المجلدين الثاني والثالث وإعدادهما للنشر.
ومعروف أن الماركسية تعرضت في حياة ماركس إلى انحرافات جعلته يقول عن نفسه أنه ليس ماركسياً، فقد حاول المفكرون الماركسيون العضويون السوفييت أن يقننوا فكر ماركس حتى يتوافق مع الفكر الرسمي في الاتحاد السوفييتي، لدرجة إنه في مناظرة تخيلها ولفغانغ ليونارد (حسب غونار ميردال) بين اولبريخت، الرئيس الألماني الشرقي مع ماركس وانجلس، وبعد المناظرة وضع اولبريخت ماركس وانجلز في السجن كعدوين للدولة. هذه الماركسية التي اعتبرت في الغرب في سياق التطور الفكري الغربي، والتي دخلت إلى أفكار المفكرين البورجوازيين بوعي أو بلا وعي وحاولوا استخدام الماركسية ضد الماركسية، فبالنسبة إليهم ماركس ثوري خطير. لكن فكره يمكن، في مكان ما، أن يخدم توجههم السياسي.
في المجتمع العربي لم يكن وضع الماركسية العربية أفضل، فقد أخذت الأحزاب الماركسية العربية النظرية السوفييتية الجامدة، ولم تكيفها مع الواقع العربي الكولونيالي فازدادت جموداً بحيث وضعت الأحزاب الماركسية العربية نفسها في سجن اجتماعي وسياسي تابع للفكر الماركسي في الاتحاد السوفييتي، وأصبحت الماركسية العربية جافة نظرياً وعملياً، ولكن لا بد من الاعتراف بمفكرين ماركسيين عرب حاولوا تجديد الفكر الماركسي العربي مثل المفكر مهدي عامل في محاولته " مقدمات نظرية _ في التناقض، وفي نمط الإنتاج الكولونيالي "، كما لا بد من الاعتراف بوجود ماركسيين حاولوا التمرد على تلك النظرة الماركسية الجامدة والعودة إلى ماركسية ماركس ولينين، مثل المفكر الياس مرقص، ولكنهم اتهموا بالانحراف وعزلوا فكرياً كونهم من المحرفين للفكر الماركسي.
هذه النظرة الماركسية الجامدة، السوفييتية والعربية حولت ماركس الإنسان إلى فوق الإنسان، وظهرت الدهشة عندما فتحت ملفات حياته الشخصية، وراحوا يشتمون ماركس انطلاقاً من حياته الشخصية وليس من حياته كمناضل ثوري نظري وعملي في سبيل الطبقة العاملة، لقد أخذوا يصطادون في المياه العكرة. ومن جهته لم يوفر عباس محمود العقاد كارل مارل ماركس من التهجم على حياته الشخصية في كتابه " أفيون الشعوب ". فقد اعتبر أن ماركس كان عالة على أهله، وإنه كان لا ينتهي من طلب المال حتى أن والده كتب إليه " هل تظن أننا مصنوعون من الذهب "، كما كتب إليه أيضاً " لسوء الحظ أراك تؤيد بسلوكك رأي الذي كونته عنك، وهو أنك على ما فيك من خصال حسنة_ أناني تغلب الأنانية على جميع صفاتك ". وانزعجت منه أيضاً أمه وأخته " وقالتا له إنه لا ينتظر بالبداهة أن يعيش طفيلياً أبدياً. ويتابع العقاد إن ماركس لم يكن يطيق العمل لطلب الرزق ولا لنشر الدعوة، وإنه لو عومل بالشريعة التي أراد ان يفرضها على الناس_ من لا يعمل لا يأكل _ لهلك جوعاً. وينتهي العقاد إلى أن ماركس هو " مثل في التطفل، ومثل في طوية الشر والكنود، ومن كان كذلك لا يقتدى به في شريعة العمل، ولا تفيض نفسه بخير صحيح لمن يجهلهم من بني آدم، وقد كان أقربهم إليه يلقون منه الشر، ولا يجدون موضعاً للثقة والاقتداء ".
هذا الاصطياد في المياه العكرة لم يتوقف في التاريخ، وحتى في حياة ماركس، كما يقول إدموند ويلسون في كتابه " المحطة الفنلندية "، طالت الشائعات ماركس حتى أنه اشتكى في رسالة إلى ويديماير 1851 " وفوق كل متاعبي الأخرى أجد نفسي مضطراً لتأييد دناءة أعدائنا، الذين لم يحاولوا مهاجمتي قط مهاجمة موضوعية، ولكنهم كي ينتقموا لعجزهم، دأبوا على نشر الشائعات الدنيئة حولي، بفرض تسويء سمعتي ". واضطر ماركس أن يكتب كتاباً ضد كارل فوجت الذي نشر بحثاً سياسياً 1861 اتهم في ماركس بابتزاز الثوار السابقين الذين كانوا يحاولون مسايرة النظام الحاضر في ألمانيا، وإنه كان يقوم بطبع النقود المزورة في سويسرا، ويستغل العمال لمنفعته الخاصة، وكان عنوان الكتاب " الهر فوجت ".
ويذكر اريك بنتلي في كتابه " المثقفون والمكارثية " عن عضو الكونغرس أثناء المحاكمات: " أن كارل ماركس كان ما يمكن أن يعرف في العصور الحديثة بالمتبطل والوغد الزنيم، الذي يفعل أي شيء سوى العمل والذي عاش طول حياته على حساب شخص آخر". وهذا ما يقرره أيضاً بول جونسون في كتابه " المثقفون ": وفي هذا الوقت كان انجلس قد أصبح موضوع استغلال ماركس.. وشعر _ انجلس _ أن تطفل ماركس قد زاد عن حده.. وغضب لاستلام رسالة من ماركس مجردة من المشاعر يعزيه فيها باختصار بوفاة ماري بيرنز، ثم ينتقل في الحال إلى ما هو أهم وهو طلب النقود منه. رد عليه انجلس ببرود وأنهى ذلك الحادث العلاقة بينهما تقريباً. والغريب أن يكون جاسوس للدولة البروسية أرحم بماركس الإنسان من بعض الماركسيين السابقين أو اللاحقين، فقد جاء في تقرير هذا الجاسوس وضع عام 1853 عن كتاب هنري لوفيفر " ماركس ": " وحين يدخل الزائر إلى بيت ماركس تستقبله سحابة من الدخان الكثيف، حتى يضطر أن يلمس طريقه بيديه وكأنه في كهف مظلم.. وليس في هذا ما يضايق ماركس وزوجه، فما أن تدخل إلى البيت حتى تستقبل بالترحاب، ويؤتى لك بغليون، وتبغ، ومرطبات. وسرعان ما يجاذبك ماركس وزوجه أطراف حديث ذكي ماتع، فيعوضان عليك ما ينقص المنزل من وسائل الترف " ويصف ماركس " وفي عينيه الثاقبتين المشعتين، شيء شيطاني.. والناظر إليه يحس أنه إزاء رجل ملؤه العبقرية والقدرة، وتفوقه الذهني يفرض من حوله سلطاناً لا يقاوم ".
ومعروف تاريخياً أن بعض النقاد يحاكمون كثيراً من العظماء عن طريق سيرتهم كبشر (محاكمة ماركس المناضل والماركسية بمحاكمة ماركس في حياته الشخصية كإنسان، وأيضاً محاكمة محمد صاحب الرسالة والإسلام كدين بحياة محمد في حياته الشخصية كإنسان) بعيداً عن دراسة مكمن العظمة في هؤلاء العظماء _ الثورات الفكرية والاجتماعية التي أسست لعصور أخرى أكثر حرية وعدالة. ولذلك ليس من الضروري أن ينشئ الماركسيون العرب السابقون والحاليون الذين صدمهم وهم ماركسية الاتحاد السوفييتي مكارثية عربية أخرى لماركس وللماركسية.
إن حياة ماركس الشخصية كإنسان، رغم عيوبه، وكل إنسان فيه عيوب تفرضها حياته، وخاصة إن ماركس كمناضل وإنسان عاش حياة صعبة وقاسية من الناحية الشخصية ومن الناحية النضالية، لكن هذه الحياة أصبحت من الماضي، وما يجدي في الوقت الحاضر هو تقويم تجربة بناء الاشتراكية في دول العالم الشيوعي وأسباب انهيارها، هو محاكمة ماركس كمفكر للوصول إلى " ماركس الحقيقي " و" الماركسية الحقيقية "، وإلى نظرية ماركسية في التخلف تتوافق مع ظروف المجتمع العربي الكولونيالي. أما العودة إلى التاريخ الشخصي لماركس بحيث يحاكم ماركس المفكر الثوري على تصرفات شخصية واجتماعية تتعلق به كإنسان هو عمل لا يفيد النظرية الماركسية، وهو بعيد عن حقيقة ماركس كمفكر ومناضل وثوري، كما أنه بعيد عن الماركسية كفكر يقرأ الواقع الاجتماعي قراءة موضوعية علمية، ويسعى لتغيير ذلك الواقع اللاإنساني لصالح مجتمع إنساني: مجتمع الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,020,244,041
- المفكر والسلطة
- أيديولوجيا أيديولوجيا
- الأفكار وتغيير المجتمع


المزيد.....




- تبديد أوهام عن الحليب
- ترامب: تعيين باريت يوم تاريخي.. والقاضية: سأمارس مهامي بمعزل ...
- -للمرة الأولى منذ أكثر شهر-.. ترامب يتقدم على بايدن
- الشيوخ الأميركي يثبت القاضية باريت في المحكمة العليا.. ديمقر ...
- رد قوي من رئيس الأركان والبرلمان الإيراني على تصريحات ماكرون ...
- البنتاغون: نعمل على تطوير صواريخ فرط صوتية لمقاتلات -إف-18- ...
- واشنطن ترحب بتصفية قيادي بارز لـ-القاعدة- في أفغانستان
- الاتفاق بين السودان وإسرائيل: عبدالفتاح البرهان ينفي خضوع ال ...
- مجلس الشيوخ الأمريكي ينتصر لترامب ويعين باريت قاضية بالمحكمة ...
- حملة ترامب تطالب المحكمة العليا بوقف خطة الاقتراع الغيابي في ...


المزيد.....

- حرائق الذاكرة / خضر عبد الرحيم
- السياسة والحقيقة في الفلسفة، جان بيير لالو / زهير الخويلدي
- من المركزية الأوروبية إلى علم اجتماع عربيّ / زهير الصباغ
- الناصرية في الثورة المضادة / عادل العمري
- عيون طالما سافرت / مبارك وساط
- العراق: الاقتراب من الهاوية؟ / جواد بشارة
- قبضة سلمية / سابينا سابسكي
- تصنيع الثورات / م ع
- معركة القرن1 واشنطن وبكين وإحياء منافسة القوى العظمى / حامد فضل الله
- مرة أخرى حول مسألة الرأسمال الوطني / جيلاني الهمامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد علي سليمان - المثال والواقع ماركس الإنسان وماركس المناضل