أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جواد بولس - جمال عبد الناصر ..غصة وذكرى وضريح















المزيد.....

جمال عبد الناصر ..غصة وذكرى وضريح


جواد بولس

الحوار المتمدن-العدد: 6693 - 2020 / 10 / 2 - 02:40
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


جمال عبد الناصر .. غصة وذكرى وضريح


كان أيلول قبل خمسين عامًا شهر البكاء والندم، ففيه دفع الفلسطينيون ثمن دخولهم في إغواءات المغامرة الأولى، وفيه بكت الامة رحيل من أشعل حلم الوحدة المستحيلة. خمسون عامًا مرت على وفاة جمال عبد الناصر والعرب ما زالوا يعيشون على أنوف رماحهم التي ورثوها من عصور الرمل، وفي فيء عباءاتهم الرثة؛ فما يرضي زيدهم يغضب عمرهم، تماما كما نشهد ونقرأ في هذه الايام وكلما كانت تستحضر ذكرى وفاة جمال "حبيب الملايين".

كنا طلابًا في السنة الاولى في مدرسة "يني الثانوية" عندما شاع نبأ موت جمال عبد الناصر . معظم تفاصيل تلك الايام صارت نثارًا في عالم النسيان؛ لكنني ما زلت أتذكر كيف تحوّل لون السماء فوق قريتي إلى كحلي، أو أقرب إلى دكنة وجه من مات خنقًا. في الجو ساد صمت رهيب، ما زلت أسمع صداه حتى هذه اللحظات. وقفت مع اترابي واذكر كيف أحسست، ولم أعرف وقتها لماذا، بدهشة مَن انشقت ألارض تحت قدميه فصارت هاويته كالقدر المحتوم .

لم أكن مسيّسًا ولا من بيت نشطاء حزبيين؛ فوالديّ كانا معلمين ينتميان لجيل آمن بمهنة التعليم واعتبرها رسالة مقدسة، فمارسوها لينشئوا أجيالًا حصينة ونقية، ولكي ينقذوا الناجين من لعنة النكبة والتهجير ويخلصوهم من مشاعر الذل والهزيمة؛ زرعوا فينا، بحنكة الحكماء والصبورين، بذور الكرامة والشغف الكبير للمعرفة وكنز القناعة والاكتفاء إلا من كل ما يسلب حرياتنا ويجوّف أرواحنا ويعطل عقولنا. علّمونا كيف نكره الظلم والظالمين وكيف نحب الخير والغير والصالحين؛ ففي ذلك الزمن ذي اللونين عشنا في عالمين وحسب: واحد أسود، يلفه ظلام لعين ويحكمه الاشرار والعابثون، وآخر أبيض من نور مبين ويديره الطيبون والخيرون.

لم أكن منظمًا في اي حزب، لكنني كنت أبن والديّ، وفرخًا لجيل احتضنته قرية كانت تزودنا بأشرعة من طيب وريح؛ فكبرنا في حضنها وعلّمتنا، كفر ياسيف الجليلية، كما علّمت من قبلنا مَن جاوروا النسور والقمر، نعمة التمرد على السائد الآسن وعلى طقوس الخنوع؛ ودرّبتنا كما تدرّب الام صغارها على فنون العيش والبقاء، وعلى الفوارق بين علم البيان وفنون الخطابة، وبين تشييد البنيان واصول الزرع والحصاد والحطابة.

انطلقنا من صفوفنا الخشبية نحو ساحة القرية القريبة، وسرنا، طلابًا وكادحين وفلاحين، وراء "كبارنا" في جنازة لم نكن نعرف وقتها أن المشيّع فيها ليس "أناناتنا" الفردية والجمعية الثاكلة وحسب، بل، هكذا تبين بعد انجلاء الغيم والغبار، اننا دفنّا، ومعنا معظم العرب "عنقاءنا"وذلك رغم اقتناع البعض بأن ليس كل ألاساطير محض خيال!

ما زالت الذكرى تثير في نفسي ونفوس الكثيرين حنينًا وطربًا دفينين، فبدونهما تصبح الخيبات قواقع لليأس ويفقد الانسان "نونه" ولا يبقى منه إلّا "الاسا" لعنة. ولكن بين تنفس الذكرى كنسمة في حرير الحنين، وبين محاولات البعض باقناعنا بان الناصرية مشروع حي ونابض ومتقدم على خطى ذلك المارد العربي الذي نمنا على حفاف جفونه الثائرة، يوجد فرق كبير وخلاف يتوجب علينا التوقف عنده، اذا ما اردنا ان نبقى ابناء الحياة ونعبّد من اجلها السبيلا مهما كان عسيرا.

قرأت ما كتبه "الناصريون" وشعرت بجمراتهم المتقدة في صدورهم، وقرأت ايضًا لمن يمضغون الناصرية كالقات، ادعاءً ووهمًا ومزايدات، وأثارني بعض من يهاجمون الرجل وزمانه وكأنهم على ميعاد ثأر معه. لجميع من كتب وسيكتب الحق بابداء رأيه حرًا، ولكن من بين ما قرأت لفت نظري اعتراف النائب أيمن عودة، كما نشره على صفحته وقال: "لم يؤثر بمشاعري أحد مثل جمال عبد الناصر حتى هذا اليوم، فخمسون عامًا على وفاته وما زال الأكثر حياةً". حاولت أن افهم قصده من وراء هذا الاعتراف المثير، لكنني تهت في ثناياه ولم يعفني عبء الالتباس؛ ورغم اقتناعي بان كلام النائب عوده، رغم تأويله المحتمل وابعاده السياسية الكبيرة، يندرج في باب الحنين واستذكار موجع لحلم كان قد وئد، سيتيح، كلامه، فرصًا لمن يعارض طروحاته الواردة في سلسلة مقالاته الاخيرة التي حملت عنوان" نحو منهجية مثابرة لشراكة يهودية عربية مؤثرة" خاصة اذا ذكرّوه باهم ما بقي عالقًا في عقول العامة من موروث ناصري تختزله مقولته المجلجلة "ما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة" .

نحن بحاجة الى وضوح في رؤى القيادات المحلية السياسية، خاصة وفضاءاتنا العامة وشاشات حواسيبنا وهواتفنا تعج بما يغرق الناس في متاهات وترهات ومزايدات وترددات من كل الجهات والمنابر؛ فمن يقرأ ما كتب عن جمال عبدالناصر، معه وضده، يستتنج ان هنالك بلبة كبيرة بين المعلقين والمعقبين وهنالك ايضًا قطيعة واضحة بين هذه الاجيال وبين زمن الناصرية الذهبي؛ ويستنتج ايضًا ان معظم من عبّروا عن مواقفهم كانوا قد تلقنوها أو هندسوها بتأثير تنظيماتهم الحزبية وحركاتهم الدينية والسياسية، ومن دون محاولة ربط مواقفهم بواقعنا الحالي، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، أو إجابتهم على السؤال الاهم : ما دور "الناصرية" اليوم وعلاقتها ببرامجنا السياسية وبوسائل نضالنا ؟ وكيف يمكن تجنيدها في مواجهة المخططات التي ترسمها حكومة اسرائيل وتنوي تنفيذها بحقنا ؟ جميع هذه الاسئلة بالنسبة لي هي اسئلة استنكارية، اما من يحسبها غير ذلك فعليه رسم الاجابة.

ما زلت اذكر كيف بكيت في أول زيارة لي الى مصر؛ فعندما بدأت مباني القاهرة تضحك امامنا كلما اقترب التاكسي من مشارفها، شعرت انني ادخل الجنة.. اضعت قلبي، كما اضاعه "عزيزها"، وكدت مثله "من بهجة اللقيا ونشوتها ، أرى الدُنا أيكةً والدهر بستانا". واذكر ايضًا أننا طلبنا، قبل الوصول الى الفندق، ان نزور ضريح الزعيم جمال عبد الناصر . تسمّرت في حضن الهيية المدفونة. حضرتني مشاهد الجنازة التي اقمناها في كفر ياسيف والاغاني التي حفظناها في "صاحب الصورة" ورددناها في شبابنا اسوة باغاني العشاق وتباريحهم من حب وجوى؛ وسمعنا صوت نزار قباني يتمتم: "قتلناك يا أخر الانبياء قتلناك" .

أكلتنا الحسرة ونحن امام القبر الذي يشهد على جهل امة وعلى ضياع احلامها، ويبكي على رجل كاد بايمانه وبعزيمته ان يقبض على شرايين القدر، ويقدم دماءه أزاهير لشعوب أحبها حرة، لكنها نخت تحت أوزار جهلها وعطلها الخنوع، حتى باتت لا تفرق بين أطواق تدمي رقابها ومعاصمها وبين أطواق النجاة والنرجس.

أحببنا ناصرنا بعيدًا عن التفاصيل الخاصة في سنوات حكمه والتي بسببها اختلف ويختلف الفرقاء عليه ومعه؛ وسنبقى نحبه كعطر لوردة خالدة، فهو القائد الشجاع الذي اراد ان يصهر المعجزات كي يقهر الاعداء ويزرع في بلده المستقبل الآمن؛ ولأنه ابن الحتة، المؤنس الاسمر، الذي جاء مؤمنًا بالانسان العربي وبعزيمته، ومصممًا على بناء دولة عصرية يحكمها القانون وبأدواته، أو كما قال فيه احمد فؤاد نجم "فلاح قليل الحيا، اذا الكلاب سابت ، ولا يطاطيش للعدا، اذا السهام صابت، عمل حاجات معجزة، وحاجات كتير خابت، وعاش ومات وسطنا، على طبعنا ثابت .."

زرت بعدها مصر عدة مرات ولم اعد لزيارة ضريح عبد الناصر؛ فمصر التي زرناها بعد المرة الاولى لم تعد "تلك التي في خاطري"، والضريح صار معلمًا سياحيًا وشهادة على قساوة القدر الذي اراد ناصر ان يقدمه لابناء شعبه ضمانة لحريتهم ولكرامتهم فرفضوه وبقوا كما كانوا من ايام "مينا لايام عمرو" ومن أيام عمرو الى ايام سلطان ..

وتبقى الناصرية غصة وبرقة وسرابًا ..




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,232,620,030
- حاج في دبي، نعمة أم نقمة
- -طوبى لصانعي السلام- أريد مسيحًا يسعفني
- ويبقى السؤال كم مرة ومن قتل يعقوب ابو القيعان؟
- عندما يصيب -كوفيد15- رئتي القائمة المشتركة
- عندما اعتدت شرطة نتنياهو على رئيس الشاباك
- اتفاقية اسرائيل-أبو ظبي ونهاية حلم الامة الواحدة
- كيف سرق قاضيا المحكمة العليا دولتهما، إسرائيل؟
- عندما تذكر الشاعر بيروته
- في القدس، في يبوس،لا ينام الزمن
- حروب الطحينة أولًا، وبعدها حروبنا مع الكورونا
- مبروك عليكم -الستاتيكو-.. وكفكم على الضيعة
- صوت التاريخ يجب ان يسمع
- صفقة بيع أم خطوة على طريق التصفية الكبرى
- العنف باق في مجتمعاتنا
- بيرني ساندرز نجم مظاهرة تل-ابيب، ضد الاحتلال
- أهل فلسطين بحاجة الى الأمل
- كما كان يجب أن يكون والأسرى أولًا
- تطبيع وفوضى ومكان
- الدروز في اسرائيل، خطاب جديد
- قضية بين جائحتين: جهل ونكبة


المزيد.....




- وصول أول سفير إماراتي لدى إسرائيل إلى مطار بن غوريون
- نتنياهو يتهم إيران بالهجوم على سفينة إسرائيلية في خليج عُمان ...
- نتنياهو يتهم إيران بالهجوم على سفينة إسرائيلية في خليج عُمان ...
- نصيف وكيل وزارة الكهرباء أصدر أوامر تعيينات بمقابل مبالغ مال ...
- -مستعمرة ايرانية- على الحدود العراقية السورية
- رسالة من بايدن تشرح أسباب الضربة الجوية في سوريا
- ترامب يلمح لخوض سباق الرئاسة في 2024 ويتشبث بمزاعم التزوير
- ماذا يجب أن تعرف عن نبتة الخبيزة وفوائدها المذهلة!
- -علينا أن نبدأ من اليوم-... خامنئي يدعو الإيرانيين إلى الاست ...
- السعودية.. -رئاسة الحرمين- تكشف مراحل تنظيف سطح الكعبة... في ...


المزيد.....

- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي
- صفقة ترامب وضم الاراضى الفلسطينية لاسرائيل / جمال ابو لاشين
- “الرأسمالية التقليدية تحتضر”: كوفيد-19 والركود وعودة الدولة ... / سيد صديق
- المسار- العدد 48 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- العلاقات العربية الأفريقية / ابراهيم محمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جواد بولس - جمال عبد الناصر ..غصة وذكرى وضريح