أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس منصور - نسوان الدميري















المزيد.....



نسوان الدميري


عباس منصور

الحوار المتمدن-العدد: 6678 - 2020 / 9 / 16 - 11:23
المحور: الادب والفن
    


الوارد
سمع الدميري هاتفا كأنه صوت جده كابر:
هل تعرف اسمك يادميري؟
إذا عرفته فلن تحتاج إلى الأغيار
لن يكون هناك أغيار أصلا !
غمغم الدميري:
يافتاح ياعليم ،يارزاق ياكريم.
1ــ الدميري
بلا توقف تنهمر زخات المطر منذ المساء ، أغرقت المناشر والغروز التي أعدها الغمري حماد بمساعدة الدميري وأحمد عوض الله منذ عصرية الأمس في مصنع الطوب،الآن في هذا البرد قبل طلوع شمس طوبة ،نهضوا يصلحون الغروز ، يعالجون الطين الذي أصبح روبة ،يصبون المزيد من القش والسرس والرمل اليابس ،يعيدون خلطه بالطين،برز شرقاوي صاحب المصنع مع طلوع الشمس متدثرا بعباءته الصوف ،أمرهم بتعطيل العمل :
ـــ أرضية المناشر صارت بركا من الطين ومياه المطر المتفرقة، شوفوا الحمير والبغال اعلفوها واسقوها وخيّطوا الحياصات المقطعة ...
قاطعه أحمد عوض الله:
ــ نحن هنا منذ الفجر،صحيح المناشر تحت كلها مبلولة ،إنما المناشر فوق ناشفه، هنضرب في المنشر العالي
أضاف غمري:
ــ نقلنا الرمالات والبنوك والفرم وجرادل المياه إلى المنشر العالي، الأرض ناشفه هناك ،نريد العمل، كفايه عطلة الله يرضى عليك.
رد شرقاوي:
ــ الأنفار لن يأتوا في هذا البرد والأرض زحاليق.
أجابه غمري:
ــ سياتون،لقد اتفقنا معهم.
أحمد عوض الله الذي يخبط الطين برجليه وساعديه من بعد صلاة الفجر في برد طوبة ، شمر ساقيه عن شعر كثيف اختفى تحت طبقات الطين ،بعضه يجف فيتساقط عن غابة من الشعر يتخللها التبن والسرس، تتدلى من خصره دكة السروال المزركشة باللونين الأبيض والبني،طرف الدكة مع كل انحناءة يجرجر في الطين،سرواله دمور من أنسجة الكتان ،فوقه صديري من صوف الغنم حاكه على نول الريس مشالي،رغم البرد الشديد حبات العرق بللت طوق الصديري وامتد البلل حول الرقبة والكتفين وتدلى قريبا من منطقة الصدر، عوض الله أصلا ليس من رجال الغرز الدائمين،فهو يعمل عند مشالي المدراوي صاحب النول أيضا،يدير ماكينة الدراوة التي تفصل الحبوب عن التبن بعد درس القمح في موسم الحصاد عندما تقبض شمس بشنس الحارقة على الدنيا،عقب انتهاء الموسم يعود عوض الله إلى الطوب في مصنع الشرقاوي.
تمددت شمس الضحى بخجل ،امتلأ مصنع الطوب بالحركة،الأنفار من النساء ينقلن الطين على رؤسهن من الغرز إلى المنشر،يضعنه على البنك ،يأخذه العمال يصبونه في الفرم،ثم يطرحونه على الأرض الناشفة الممهدة بالرمل الجاف ، ثلاثة بنوك ، كل مجموعة عليها طريحة يومية، خمس آلاف طوبة، عوض الله والدميري والغمري مغروزون حتى ركبهم في طين الغرز،ظهورهم محنيّة،سواعدهم بامتدادها كسيوف في عتمة الطين اليابس،يحمل كل منهم بلصة من الطين المخلوط جيدا بالسرس والتبن ،يضعها في القصعة على رأس زميلته،الغمري زميلته زوجته حبيبة،عوض الله زميلته أم الرزق، الدميري زميلته عين،وفقا لنظام العمل الذي ورثه الأنفار أبا عن جد خلال سنوات العمل في قماين الطوب أو في مواسم فصل الزراعة بحقول القمح والقطن والذرة والرز صيفا .
ــ الحقونا...روحي ياهووووه
يتصاعد الصراخ من خلف مدخنة المصنع ،من الجهة الأخرى للغرز،نفض الأنفار رجالا ونساء أيديهم وأرجلهم من الطين ،هرعوا صوب الأصوات المتصاعدة،ناس أمم تجمعوا هناك من كل مكان في سونباس،جاؤوا لتلبية الاستغاثة من البحر،صيادون وفلاحون من الجزاير،خلق ترش الملح ما ينزلش، شق الدميري الزحام يتبعه عوض الله والغمري، عوض أبوسعدة بين حوافر بغل الأزعر الذي نفض الحياصة واللجام،مزّق الحبال وانطلق في المناشر يهرس الطوب الطري الذي فرغوا من ضربه منذ قليل ،يهدم حوائط الطوب الأخضر اليابس المرصوص بين المناشر، لاحقه عوض فانقض عليه البغل،كمشه من كتفه وأسقطه على الأرض، عوض يصيح ،لا أحد يجرؤ على الاقتراب،تسلل الدميري بين الحشد المحاوطين للبغل، انقض عليه ،لوى رقبته ،أمسك فكيه بكلتا يديه،سكن البغل تماما ،صرخ الدميري:ياقطب الغوث يا متولي،نزع فكه الأسفل ، طوحه في الهواء،سقط البغل ،حملوا عوض أبوسعده إلى منزل شوقي عبدالعال حكيم الصحة ،جلس الدميري ، رغم برودة الجو يتصبب العرق من رقبته وجبهته،أنفاسه متلاحقة،التف حوله الخلق، صوت أنفاسه واصل لأسماعهم وهم يتابعون الدخان المندفع من فمه مع كل زفير.
هرع شرقاوي، عاين مفارش الطوب التالفة والعربة التي حطمها البغل ، حدّق في الزحام حول الدميري ،صاح فيهم:
ـــ قلت لكم لن تعملوا اليوم، اذهبوا إلى بيوتكم وأجرتكم محسوبة.
التفت إلى عوض الله والغمري قائلا:
ــ أصلحوا المناشروأبعدوا هذا البغل من هنا.
وقعت عينه في عين الدميري الجالس على أرضية المنشر، لم ينطق بكلمة منذ مصرع البغل الهائج ،تأمل ملامحه، جسده المنتفض ،ملابسه المبللة بالعرق، ثم انصرف.
نهض الدميري ،مشى ببطء،اختلط العرق بالطين اليابس في ملابسه ، قدماه حافيتان مطليتان بطين الغرز، ينظر للأرض حتى صعد إلى جسر النيل،انسل إلى شارع دايرالناحية ،واصل سيره وعيناه مثبتتان في الأرض ،توارى بين المنازل في نهارسونباس الداكن المنذر بالمطر، صياح الخلق يتابعه بهمهمات أخذت في الارتفاع والتصاعد والتوحد الذي صار إيقاعا منضبطا:
ـــ الدميري كسر حنك البغل نصين، مداد ياقطب الغوث يا متولي.


2ـــ شوق
التي تجعد جلد وجهها ويديها تصرخ:
ـــ ياخسارة يا سونباس ! مش لاقيه فيك راجل !!
من أمام بيتها المدفونة عتبته في تراب الشارع كان يعبر شيخ الغفر بحراوي خارجا من بيته في الحارة المجاورة ،تجشأ بعمق ،تفل على الأرض مقاطعا صراخ شوق :
ـــ يافتاح ياعليم، كفاية ياشوق ،أفنيت أربعة رجال وشعرك شاب
نهرته :
ـــ اخرس ياغفير الغبرة ،قال شيخ غفر قال !! ياراجل المرأة المركونة جنب الحيط الموت أحسن لها .
أسرع بحراوي خطواته ، أشاح بوجهه عنها:
ــ إلهي تتركني في نار جهنم ،قادر ياكريم.. ياساتر ..ربنا يكفينا شرك.
قاطعته كاشفة عن رأسها ،أمسكت بإحدى ضفائرها بامتداد ذراعها:
ـــ أحلق شعر راسي إن ماجبتك على ملا وشك.
وخبطت برجلها في الأرض كعنز حرون.
تزوجت شوق أربعة رجال ،من أحدهم أنجبت خمس بنات ،الآخرون لم يعمروا حتى تحبل منهم ،فقط الأول عاشرته سبع سنوات ،أنجبت منه سميرة وآمنة وفوقية وسنية وحليمة ، الآن هي أرملة للمرة الرابعة وتطمح في رجل جديد وكل تركيزها على شيخ الغفر بحراوي الذي مر واختفى في طريقه إلى القهوة العالية بينما أسرعت شوق للدخول إلى دارها.
قالت محضيّة أرملة أخيها العاقر، تعيش معها في نفس الدار:
ــ اهتمي ببناتك وانسي الرجالة ياشوق ،كفاية أربعة،ماذا أخذت منهم غير القرف ووجع الدماغ ،ربي بناتك يملوا عليك الدنيا.
ـــ من يوم ما مات سلامة أبو البنات لم أذق طعم النوم ، مشغولة، خايفة أموت وحدانية ،نفسي أودع الدنيا في حضن راجل ،لن تفهميني ،كيف تفهمينني وأنت عمرك ما اتكحلت ولا حكيت رجليك بحجر ولا دهنت جتتك بالزيت ؟ عمرك ما سهرت بالليل فوق السطوح تعدي النجوم ؟ أنت راجل يامحضية، مشغولة بالفلاحة والأرض والبهايم، الرجالة ونس ،أنا لا يمكن أتلم على روحي إلا في حضن راجل،النسوان اتخلقوا عشان الرجاله يامحضية.

3- القهوة العالية
في بطن الجسرالذي أقامه الفلاحون بالمقطف والفاس بامتداد ألفي كيلومتر على ضفتي النيل ليحمي سونباس وبقية القرى من غضب الفيضان نصب متولي الراعي خيمته منذ سنين،المكان كان حجنة من البوص والهيش تسكنه الثعابين والسحالي والثعالب،الآن أصبح مقهى يقصده الدراويش والغفر والصنايعية العابرون ، يقدم لهم متولي الشاي والقهوة والجوزة، جاء الفيضان مبكرا هذا العام في نهاية بؤونة وليس كعادته في مسرى ،غرقت الخيمة وما فيها من فرش وأوان وجرادل وعدة الشاي والقهوة ونصبة الجوزة،بعد صلاة الفجرعندما توجه متولي إلى الخيمة وجدها غارقة في مياه الفيضان،بعد قليل توافد رواد الخيمة، انهمكوا معه في إنقاذ الوضع، انتشلوا ما استطاعوا من خيش الخيمة وفرشها،أمسكوا كثيرا من السمك ،كان مختبئا في جوانب الخيمة التي غمرها الماء والطين،مع طلوع الشمس وفي الوقت الذي حضر العرموصي وأبوعامروالأزهري كان متولي الراعي وكثير من رواد المفهى قد فرغوا من انتشال بقايا الخيمة،نادى العرموصي على متولي:
ـــ اسمع يامتولي، سنبني لك قهوة بالطوب لها سقف بالخشب ،قاطعه متولي
ـــ لا أملك مالا لبناء قهوة.
ـــ سنقوم نحن بالأمر.
في الصباح الباكر حضرالعرموصي وأبوعامر والأزهري ،جلبوا معهم الكثير من الأنفار،أخذوا يضربون الطوب من طمي الفيضان وينشرونه على الجسر،لم يأت كياك إلا وقد قامت القهوة العالية التي صارت أرضيتها أعلى من الجسر بعيدا عن مجرى الفيضان ،يضطر الداخل إليها لصعود خمس درجات، صار لها سقف خشبي ،فرشت بالمقاعد الخشبية المشدودة بالبوص، صارت أشهر مقهى في سونباس، فاقت شهرة قهوة العجوز وأبوشاهين التي غنت فيهما أم كلثوم زمن العمدة محمد نصار.
في الوقت الذي وصل فيه شيخ الغفر بحراوي كانت حلقة العرموصي قد اكتملت بحضور الرفاعي وسعد عبدالمنعم، وحاج شرقاوي ،سحب بحراوي مقعدا ،جلس على مقربة منهم ،طلب قهوة سادة وحجر جوزة،لمحه العرموصي،حيّاه ،صوّب نظره تجاهه قائلا:
ـــ شوف حاجتها واعرف المطلوب واعمله،الغربة كربة يابحراوي،ربنا يكفيك شرها .
ارتبك بحراوي متذكرا اصطباحة شوق وتحرشها به قبل قليل، رد:
ـــ قصدك مين ياشيخ؟
ـــ أم أربعة وأربعين.
لم يعقب بحراوي،رشف بعضا من القهوة،وضع غابة الجوزة بين شفتيه،سافر في طبقات الدخان المنبعثة من الحجر،بينما عاود العرموصي الكلام:
ـــ أو لم يروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي، السما والأرض كانتا رتقا، يعني حتة واحدة وربك فصلهم عن بعض، في الحقيقة ليست السما والأرض بس،كل المخلوقات،كانتا رتقا ومازالت،لكن العميان لايرون...
قاطعه الرفاعي وسعد في صوت واحد:
ـــ معقوله؟الشجر والبهايم والبني آدم حاجة واحدة؟؟؟
ـــ بص جواك وحواليك وشوف ، كل المخاليق طالعة من تراب الأرض، ستموت وتعود للتراب ، وتطلع وتموت،وتطلع وتموت ،والماء يحيي كل ميت ــ دخل في صمت ــ ،بكره تعرف لوحدك.
حوّل اتجاه الحديث مخاطبا الأزهري:
ـــ اسمع ياعبد الحميد،الحاج مناع بتاع الصعيد محتاج أربعين نفر، عنده قمينة طوب،أنت عارفه،كنت معايا هناك آخر مرة.
ـــ جهز الأنفار،اركبوا القطر آخر الأسبوع ،سافروا للحاج مناع،هو ينتظركم،روح معاهم يا أبوعامر.
ماكاد ينهى العرموصي كلامه حتى ظهر الدميري ،يتبعه حشد من الأطفال والنساء، صخب شديد وأصوات سلاسل يجرجرها في قدميه الحافيتين تكركر على أرضية المقهى، نهض الحضور،توجه إليه العرموصي،سحب مقعدا ،أجلس الدميري ،نادى على بحراوي:
ـــ اربط السلاسل بإحكام على قدميه يابحراوي، سيعيش بقية حياته مقيدا في تلك السلاسل.
أخذ بحراوي يعالج حلقات السلسلة،متولي أحضر قرفة للدميري ،تابع العرموصي
ـــ بعد الذي حدث بالأمس في مصنع الطوب ، لابد من وضع القيود في رجليك يادميري ،أصبحت خطرا على الناس والبهايم.
مابين واقف وقاعد في المقهى وعابر على الجسر تجمعوا ، بدوا مندهشين،بادرهم شرقاوي:
ـــ الدميري صرع البغل،كسر حنكه نصين، وأنقذ عوض أبوسعده من بين فكيه.
صاحوا:
ـــ مداد يادميري يابن قطب الغوث مداد

4- وكواعب أترابا
فوق طلع النخلة السامقة في ساحة أبو وشاح يصدح الدميري بالقرآن، يجلس هناك تتدلى من قدميه سلاسل القيد، في الأسفل أم السعيد الشنواني، تنظف الضريح وقت العصاري، تكنس الساحة، ترش المياه على الأرض المتربة،أشعلت موقد النار،وضعت البخور والشبة والتوابل فوق الجمر المتقد ، فسبحت ساحة الضريح في الروائح الزاكية، على أكوام السباخ الجافة، في الجوانب القصية من الساحة ترقد مجموعات من الماعز والغنم، وتتجول جماعات من الإوز والبط،بينما يصدح الدميري بالآيات في أفق الضريح والساحة،بدأ الدراويش يتوافدون، عبدالعليم بسه،عطية حرب،عبده عسكر وشاكر الحلاق ،كواعب بنت جاب الله الراسي صحبت معها أنهار وجنة وفردوس وعين وفواكه وأبكار،حضرن جميعا بعد انتهاء نوبة العمل في مصنع الطوب،دخل عبدالعليم إلى الضريح ، جهز براد الشاي ، وضعه فوق جمر الموقد،بينما انشغل عطية حرب وشاكر في إخراج البيارق والدفوف، كانت أم السعيد قد فرشت الحصير، جلسوا جميعا لإصلاح ما تكسر من حوامل الرايات، يرتقن ماتمزق من قماش البيارق، ويصنعن رايات جديدة ،بينما انشغل عبده عسكر في تفقد الدفوف وإصلاحها،وصل العرموصي بصحبة أبوعامر والأزهري والرفاعي،رحب الدراويش بالعرموصي الذي أخذ جلسته في مواجهة الموقد،ناوله عسكر كوب الشاي،أخذه العرموصي ، نظر إليهم قائلا:
ـــ اعملوا لكم همّة، مولد النبي الخميس الجاي.
الدميري منطلق في الشدو فوق النخلة:
ـــ الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ،المصباح في زجاجة ،الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لاشرقية ولاغربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ..ويضرب الله الأمثال والله بكل شيء عليم،في بيوت أذن الله...
ترك الدميري السياق ودخل في سورة أخرى
ـــ وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لايظلمون..
واجههم العرموصي قائلا:
ـــ مدد يا نورسيدنا النبي، به تشرق الأرض في كل حين ،وأكمل:
ـــ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، هذا هو النور ، سيدنا النبي نور الوجود والكائنات كلها إلى يوم الدين
مازال الدميري يصدح قوق النخلة بينما دخل الدراويش في ورد الإثنين مرتلين في صوت واحد مع العرموصي
ـــ كل جِرم من تراب في تراب يستقر ،في الهجير وفي الظلال إذ يحل وإذ يفر ،إلا جسوم النور،لا انقسام يعتريها أو مفر،فانظر قرارك لاتقل مسعاي أحصد ،إن أفاد فلا يضر،فماء روحك من حياتك في مماتك مستمر .
يعاودون تكرار الورد، تعلو الأصوات ممزوجة بالحشرجة مع الأنفاس اللاهثة،بينما يغيّر الدميري سياق القراءة، ينتقل إلى سورة أخرى،وهو يقذف بالبلح في حجر النسوة الجالسات في الجهة المقابلة للموقد والدراويش
ـــ إن للمتقين مفازا،حدائق وأعنابا،وكواعب أترابا(تنتفض كواعب ،ترفع كفيها إلى السماء حيث البلح المتساقط من تحت قدمي الدميري المقيدتين بالسلاسل)،وكأسا دهاقا،لايسمعون فيها لغوا ولا كذابا،جزاء من ربك عطاء حسابا.
مالت أنهار بنت حسن المراكبي على أذن كواعب:
ـــ يابختك ،الليلة من نصيبك يابنت جاب الله الراسي.
ابتسمت كواعب ،تحاشت النظر في وجوه النساء حولها، بينما النظرات تخترق شدو الدميري وورد الدراويش مصوبة إلى وجه كواعب وروحها.
من شبابيك الحضير المواجه للساحة ناحية زقاق السماحي ينطلق دخان كثيف ،الحمام المشتعل الهارب من جحيم الحريق في حضير السماحي بدأ يتساقط في الساحة بالقرب من جلسة الدراويش الذين نهضوا يتقدمهم العرموصي مندفعين صوب بيت السماحي.
ـــ حريقة ،روحي ياهووه، الحقونا.
قالت عين بنت السواح مبيض النحاس:
ـــ يبدو إن رئيفه مرات السماحي كانت تخبز، نسيت الفرن مولع ، النار شعللت وحرقت الحضير.
رد إبراهيم أفراح وهو يهم بالانصراف متثاقلا وراء الدراويش:
ـــ ربك كريم ياعين، بعـت لنا حمام مشوي، يا ما أنت كريم يارب.


سونباس 5-
لايدخل القري بالليل سوى اللصوص والغرباء والمجاذيب،النوافذ معتمة والأبواب مغلقة،كتل خشبية مثبتة بالرجاء والدعوات،الأبواب تفضي إلى أزقة مغلقة ،أكثر عتمة من البيوت،الشوارع والحارات وأجران القمح كلها حيوز معتمة،مستنقعات الفيضان المتسربة من جسر النيل الذي بدأ يفقد حضوره منذ تشغيل السد،جميعهم معتمون،حتى الأصوات المكبوتة خلف الجدران الصادرة عن نسوة في فورة الاغتصاب الليلي الحميم،رغم العلاقة الجنسية القديمة مع أزواجهن.
بالليل تفضي سونباس لاتجاهين وحيدين،إما للحقول وإما للماء الساكن في مجرى النهر،وككل القرى في دلتا النيل تحيط بسونباس أشجار سامقة كرقاب الزراف وأخرى تحجرت بالمكان إلى الأبد،لا أحد من أهل سونباس الأحياء يدعي غرسها والعناية بها وخصوصا أشجارالكافور والجميز والسنط التي تتجاور بغزارة على ساحل جسر النيل،ترك الدميري خلفه ليل سونباس المعتم ،توجه إلى حافة النهر،مودعا البهائم تزعق في الحظائر المعتمة مدفوعة بالغريزة وكذلك الديكة والكلاب على أسطح المنازل مهللة لمجهول طال انتظاره ولا يأتي،فيجن جنونها في النباح والصياح، وصل الدميري إلى حافة النهر،طويل ،ضخم بإمكان ذراعيه لو انبسطا أن يفيضا على جسد بقرة من رأسها وحتى ذيلها،بالصدر شعرغزير يحول بين القيمص وبين جلده ،جلس ،حل سلاسل القيد من رجليه، غمس ساقيه في النهر،انحلت في خياله كل أيامه السابقة في قريته الأولى أم الدميرة وحتى سونباس ،تذكر أيامه العابرة فأخذ يصدح:
والنجم إذا هوى،ماضل صاحبكم وما غوى، وماينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى،ذو مرة فاستوى،وهو بالأفق الأعلى ، ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى...
غمر ساقيه بالماء وسحب المزيد منه نحو ركبتيه،ملأ صدره بالهواء الغارق في الظلمة،وأخذ يتأمل سنواته بين أهل سونباس تتأرجح عل سطح المياه،يهز ساقيه فتتكسر صورة السماء بين رجليه ، تأخذ صورا شتى،تنتمي لكل أليف ومؤانس،تتشكل خطوطا واضحة فوق الطرقات بين وجوه الناس،منها الكليل الممقوت كوجوه العسكر المنهزمين، ومنها الفصيح البليغ كالحليب وهو يتدفق من ضرع بقرة صفراء لاشية فيها،مسكوبا في آنية الفخار طافحا بالرغوة الخصيبة.
بين نقيق الضفدع وصرير القطارب الليلية وتقافز الأسماك من العشب بجوار الشاطئ ، قال الدميري لنفسه:
ماذا لوخلعت قميصي وسروالي ونزلت الماء، فالليلة ليلة كواعب بنت جاب الله الراسي؟
غطس مرات ومرات ،نفض الماء عن جسده،طلع إلى الشط،ارتدى هدومه،ودخل في الصلاة:
يارب الوحوش الضواري في الغابات والفيافي،يارب الليل البهيم،يارب الصمت الشامخ في البيد المهلكات،يارب الموحودين أرواحا وأجسادا،يامؤنس الموحوشين في درب الحيوات والموتات،يامن رعاني فيما مضى ،ياربي ،ها أنا بين يديك،فكن معي فيما هو آت.
نهض من صلاته، وضع السلاسل في قدميه،شدّها بإحكام ،أعطى ظهره للنهر وحث خطواته صوب بيوت سونباس، انعطف يسارا من بين كتل السباخ والماعز،حتى بدت سارية عالية يرفرف فوقها بيرق أخضر،مقام أبو وشاح،رحبت به أم السعيد الشنواني خادمة الضريح ،تركت له المكان،في جوف الضريح يتسرب الضوء من الفانوس الذي يتأرجح بارتفاع قامة رجل،داخله فتيلة مشتعلة تلقي بظلال الرايات والبيارق المكومة داخل الضريح على الجدران وصفحة الباب المفتوح،كنس الأرض أمامه,جلس ساندا ظهره إلى جدار الضريح ممدا قدميه المقيدتين بالسلاسل، غفا الدميري.
ربما كانت سونباس هي الوحيدة في دلتا النيل التي تطوقها خمسة أضرحة من العمق وحتى الأطراف من جميع الجهات،الشيخ يوسف سابح في الصمت والعزلة بعيدا عن الناس والبيوت على المدخل الغربي القريب من البندر،يجاوره باجور الانجليز، في منطقة مقطوعة لايوجد بها صريخ ابن يومين وخصوصا أوقات القيلولة في عز الظهر الأحمر،وفي الجهة المقابلة مع امتداد الحقول يأتنس الفلاحون بضريح السمول أبوجازية اليهودي الذي يبدو كحارس أبدي للحقول ،مع انصراف الفلاحين لبيوتهم وتنزل السكينة فوق قمم الأشجار والمياه في الترع والمصارف ،يبدو ضريح أبوجازية بقبته الحمراء كشاهد على حادثات الليالي والأيام.
على حدود آخر المنازل، على الخط الفاصل بين الحقول والبيوت وفي حضن جسر النيل يربض ضريح أبو زينب مشرفا على بركة ضخمة يتصاعد منها البوص والقوارض وقليل من السمك الذي يتكاثر في شهر مسرى مع مجيء الفيضان فيغري أهل سونباس بحمل الغرابيل والمقاطف والنزول للصيد،كل ضريح له حرم من الأرض الفضاء الموقوفة وخادم يقوم بالاعتناء به وجمع النذور وتنظيم المولد، في حرم الأضرحة يدرس الفلاحون غلالهم في موسم يستغرق ثلاثة أشهر من بشنس وحتى قبيل الفيضان في شهر مسرى،ولكل ضريح قبة وهلال نحاسي بارز،مابين الهلال والقبة حلقات نحاسية تبرق تحت وقع أشعة الشمس،الأضرحة شواهد على جبانات سونباس عبر الزمن، تزدحم الجبانات وتحاصرها المنازل بمرور الوقت فتنتقل إلى فضاءات جديدة صوب الحقول وتخلي المكان للبيوت تاركة أضرحة بقباب وأهلّة، وفي كل انتقال جديد للجبانات يقال إن صاحب الضريح تهبط روحه على أحد الأثرياء في الدنيا الواسعة ، يأمره بتشييد الضريح ذي القبة والهلال،وفي حين ينتقل الموتى باستمرار إلى هوامش الحقول نحو الجبانات الجديدة؛يظل أبو وشاح في القلب من سونباس يتلقى ضريحه النذورالتي تبلغ ذروتها أيام المولد عقب موسم جني القطن ،على مقربة من المستنقع يرصد الذاهب لحضرة الذكر في ساحة العرموصي يرصد ضريح اسكندرأبوصليبة،كتلة واحدة منحوتة من صخرة بازلت ضخمة تغوص في الأرض،تأخذك خمس درجات إلى الأسفل حتى تصل إلى بابه وخادمه عثمان شمس الدين ،يعرفه أهل سونباس بمؤاخاة الجن والعفاريت واستحضار الأرواح الغائبة وفك الأعمال وربط العرسان.
نهض الدميري من حرم أبو وشاح،حث الخطى صوب بيت كواعب بنت جاب الله الراسي.


6- ليلة كواعب
ليل سونباس طويل كليلُ كليلِ كل القرى التي تقوم على ساحل النيل من طوكر إلي دمياط،لايقطع سكونه سوى نباح الكلاب،وأصوات الكروانات المرسلة ذهابا وعودة، تشق نسيج السكون، تتحسس بها مواطن إقاماتها،وتحدد الجهات والمسافات بين بعضها البعض، ليل لزج وطويل ،تنبعث من جنباته آهات الكرب، آهات الخالدين إلى الراحة بعد نهارات قاسية تحت ظهيرة الحقول اللاهبة، أقدام وأكف تشققت من الصهد والعطش وملامسة السطوح الخشنة المدببة لنباتات الحقول وخصوصا في مواسم الغرس والحصاد،أقدام وأكف مجهدة تأوى إلى النوم العميق ،بين حوائط من الطوب الأخضر وتحت سقوف من الخشب والبوص ، تنبعث منها روائح داكنة، غامضة، اختلط فيها العرق بالطبخ وهباب مصابيح الجاز وتراب مواقد التدفئة وأفران الخبيز،في ليل سونباس البهيم يهجع التعب والرغبات المتدفقة في العروق النافرة،في باطن الأجساد المكدسة التي خلدت إلى الأرض ،تلامس الأجناب منها والظهور خشونة الفرش والأغطية،في هذا الصمت الأزلي قطع الدميري شارع داير الناحية يجر وراءه ما تدلى من سلاسل قدميه المقيدتين، على كتفه حاملا حاجاته في مِخْلته الكاكي ،عن يمينه وشماله حارات مداخلها متعرجة لاتعرف الاستقامة،شارع داير الناحية نفسه عبارة عن قوس واسع يبدأ من جسر النيل عند مطلع الجحوش بحري وينتهي عند الجسر نفسه من ناحيته القبلية بالقرب من شِمْية أومباز، تلك المنطقة من النيل غويطة لاقرار لها ، يغرق فيها كل سنة واحد من أبناء سونباس، آخرهم جيزاوي ابن حامد الفايع .
يواصل الدميري خطواته في هذا الصمت ،تتبعه أصوات السلاسل في احتكاكها بأرضية داير الناحية، وصل إلى مدخل حارة شركس من الداير، الحارة ضيقة ومتعرجة ،لدرجة أن أهلها يتصافحون بالأيدي من فوق سطوحها، لايعبرها سوى المشاة من الناس ، لابهائم ولا حمير، إذا تقابل اثنان من العابرين لابد أن يميل أحدهما بجانبه حتى يمكنهما العبور ومواصلة السير،دخلها الدميري، البيت الخامس من الشمال ،دار كواعب، العتبة مدفونة تحت أرضية الحارة، الباب مغلق على الفاضي، دفعه الدميري ، بانت كواعب في الضوء الخافت للمبة الجاز، أغلقت الباب على المليان خلف الدميري، احتضنته، بكت على كتفه .
بيت كواعب غرفة ووسط دار وفضاء غير معروش منصوب فيه كانون الطبخ وعشة صغيرة من طابقين ، تحتفظ فيها بأدوات الطبخ والزيت والجاز،كواعب حلّت بسونباس مع أبيها جاب الله الراسي ضمن مجموعة من الأنفار أتى بهم شرقاوي من عشرين سنة وهو يبني أول مصنع للطوب في البلد، أقاموا في سونباس، مات أبوها، دفنه العرموصي في مقابر أبوعامر، وظلت كواعب وحيدة بعد زواج سريع من حسان البكري، لم يدم أكثر من عامين أنجبت فيهما شادية ،ذهب حسان إلى حرب اليمن ولم يرجع،ولما قد كبرت وماعادت تصمد رأسها تحت ثقل قصعة الطين في مصنع الطوب ،أشارت عليها أمونة البطحجية أن تعمل معها في بيع الخضار والفاكهة.
ـــ إحنا مقاطيع يادميري، ليس لنا ونس في هذه الدنيا.
قالت كواعب وهي تضع القهوة أمام الدميري، رد عليها:
ـــ نعم ،واحنا واصلين كل مقطوع ياكواعب.
خرجت إلى فضاء الكانون عادت بإناء الماء الساخن، أخذت تفك عقد السلاسل من قدمي الدميري، وضعت الجنزير على الكنبة، تناولت رجلي الدميري وضعتهما برفق في الطشت الساخن، قامت، أغلقت الباب والطاقة بإحكام،نزعت قميصه ،انتشرت رائحة الطحالب النيلية وزفارة المياه، قالت:
ـــ امته تبطل تستحمه في النيل؟
أجابها:
ـــ النيل هو الدميري الأصلاني،النيل أبونا ياكواعب.
مسحت جسمه بالماء الدافئ والسبيرتو،ألبسته قميصا جديدا،اقترب منها، تناول مخلته، فتحها ،أخرج زوجا من الخلاخيل الفضية اللامعة، أصعد كواعب بجانبه على الكنبه ، أمسك قدميها،برفق وضع في كل واحدة فردة خلخال.
ـــ الله ،جميل خالص يادميري، إلهي وأنت جاهي يحميك ربنا.
انسلت إلى الخارج، عادت تحمل صينية عليها أطباق الطعام، تناولا العشاء، ركنت الصينية وألقت رأسها على فخذ الدميري،الذي انهمك في الحديث بصوت رخيم:
ـــ كلنا غرباء ياكواعب،غرباء سواء كنا في سونباس أوكنا في أي مكان تاني،الدنيا ليست مكاننا الأصلاني ، نحن أموات أولاد أموات يا بنت جاب الله،من ثلاثين سنة جئت إلى هنا في سونباس، بلدنا القديمة اسمها أم الدميرة ، عارفة .. كل البلاد التي على النيل اسمها الدميرة،دميرة سونباس، دميرة الناجي، دميرة صقر،دميرة طوخ، النيل هو الدميري ياكواعب، يفيض كل عام،في مسرى يدمرها ويغرق البلاد قبل أن يغيب في البحر ، آخر فيضان لم يترك في بلدنا حي ولاميت ،حتى المقابر أزاحها أمامه ناحية البحر الكبير في دمياط، هرب من هرب ،هلك من هلك،في هذا الفيضان مات كثير من أقاربي، من تبقى منهم هج من البلد...
التفت ناحيتها، حدّق في وجهها،نامت
ـــ كواعب، باين عليك لم تنامي من زمان.
أسند رأسه إلى الحائط ودخل في نوم عميق.

7ــ الشيخ رحمة
في الجهة القبلية من سونباس ،بالقرب من المصرف العمومي ومع نهاية شارع داير الناحية تبدأ الحقول من خلف المقابر مرورا بخط السكة الحديد الذي يقطع الحقول ،يربط بين سونباس ومصر،مواكب الجنازات للمقابر لابد أن تمر أمام مقهى أبوغز،في المقهى غرام عقلة يقطّع الحشيش بطرف أسنانه، يعطيه لإبراهيم أفراح الذي يرصه بعناية فوق التبغ المعسل المكبوس في الحجارة بإتقان،قبل أن يفرغ إبراهيم من كبس المعسل في الحجارة بادره غرام:
ـــ رص لنا خشبتين يا إبراهيم، مولد النبي قرب يابن أفراح.
ــ نحن جاهزون على الدوام.
صيحات تكبير وتهليل ، انبعثت أصوات المشيعين ،اخترقت فضاء المقهى ، نهض غرام عقلة وإبراهيم أفراح وحسين أبوغز والغمري منصور الذي طلب شايا ،لم يتناوله، غادروا فضاء المقهى صوب موكب الجنازة، يتقدم النعش كثير من الدارويش حاملين رايات خضراء، في وسطهم الدميري يمشي مقيدا بالسلاسل، مات الشيخ رحمه ،النعش محمول على عربة تجرها بغلة عرفة،خلف النعش خلق كثير ، نساء وأطفال ،عواجيز يركبون الحمير يحدوهم جلال العبيط الذي تجرجر قدماه على الأرض وهي تتدلى من جانبي حمارته القصيرة ،يسيرون في الجنازة،دخل الدراويش في المنعطف الأخير من داير الناحية المؤدي للمقابر، بينما دخل البغل يجرعربة النعش في الاتجاه العكسي مع المنعطف المؤدي لضريح أبو وشاح، تبعهم موكب المشيعين، علت صيحات التكبير
ـــ مداد ياسيدي رحمه المداد.
التفت الدراويش خلفهم لم يجدوا عربة النعش، هللو وكبروا،نظروا في وجوه بعضهم البعض،صاح محمد خميس ياحلاوه والسيد عكاشة وطلبة النفيلي في نفس واحد.
ـــ الدميري راح فين؟؟؟
تراجعوا مهرولين ،حاملين راياتهم الخضراء ، يتمايلون على طرقات الدفوف، يبلل العرق جباههم وملابسهم
ـــ حي، حي، الله حي.
وصل موكب النعش إلى ساحة ضريح أبووشاح،نزح الناس إلى الساحة كالفيضان ، الضريح صار مركز دائرة ضخمة ،فتحت أم السعيد الشنواني باب الضريح ،أخرجت المزيد من البيارق والرايات الخضراء والدفوف، وزعتها على الدراويش قبل أن تنشغل في جلب الماء وسقاية الحشود، أمام الباب نصب الدراويش حلقة الذكر، في القلب منها العرموصي ورجال القهوة العالية انضم اليهم دراويش الدميري ،النعش مازال على العربة ،حولها حزام كثيف من البشر، حاوطها الدراويش من كل جانب، في الطبقة الثانية من الحزام كثير من النساء بملابس العمل عليهن آثار الخبيز،غبار الطحين الأبيض وزخات من العجين اليابس ،يحملن أطفالهن الحفاة على أكتافهن وصدورهن وجنوبهن،خلفهن شباب وفتيات ،في الهامش الأخير للحشد مجموعات متناثرة من العواجيزفوق الحمير يتوسطهم جلال العبيط.
صوت ترتيل قرآن يأتي من أعلى النخلة الطالعة من جنب ضريح أبووشاح، رويدا رويدا يلفت الانتباه،تخفت أوراد الحضرة والذكر وصيحات التكبيروإيقاع الدفوف،تصمت الأصوات في الساحة ، ينفسح الجو لعذوبة الشدو، إنه الدميري صعد النخلة مقيدا ، تتدلى من قدميه أطراف السلاسل يقرأ القرآن:
ـــ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين،وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين،وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين.
غمزت كواعب وأنهار وسندس بطرف عيونهن صوب جنة الشكولاية وهن يتمتمن: يابختك ،الليلة ليلتك يابنت الشكولاية.
زعق محمد خميس ياحلاوة بعلو الصوت:
ـــ مدااد ياسيدي رحمه المدااد،على حافة العرش والله ياسيدي رحمه،المداد يارحمة المداد.
صاحت الحشود بالمدد، علت أصوات التكبير ،تحرك موكب النعش تجره بغلة عرفة صوب المقابر، تعلوه سحابة من الغبار وروائح العرق من موكب الجنازة.


8- جنة الشكولاية
منذ مقتل زوجها وهبة أبوعرب لم تعرف حرفة أفضل من بيع الحشيش ،تجارة ورثتها عن زوجها القتيل ،عرفت كل الشريبة والتجارفي سونباس وأجوارها،صار بيتها القريب من قهوة أبوغز مقصدا للشريبة وصبيانهم،وحتى تفتح بابها لأحدهم لابد أن يطرق الباب أربع طرقات متصلة يتبعها بفاصل ثم ثلاث طرقات أخري متصلة وفاصل ثم طرقتين متصلتين وفاصل ثم طرقة أخيرة مفردة وقوية، شفرة محفوظة بين الزبائن وجنة،الدميري وحده ينفتح له باب الشكولاية بلاشفرة ،صخب السلاسل المترجرجة خلفه وصوته المبحوح المتقطع بنبرات مبهمة تنبئ عن حضوره.
في العصاري وعندما وصل إبراهيم أفراح إلى عتبة دار الشكولاية وقبل أن يطرق الباب باغتته روائح البخور والمر واللبان ،تنتشر من الفراغات حول حواف الباب،كما لفت انتباهه الشارع المكنوس المرشوش بالمياه أمام باب دار الشكولاية،طرق حسب قواعد الشفرة المتفق عليها.
ـــ أهلا ياجنة،غرام عقلة عايز المعلوم.
تأمّل وجهها المرسوم بعناية،تحاوطه حبات الخرز والترتر المتدلي من غطاء الرأس،حدق في العينين المكحولتين ،ناولته المطلوب.
ـــ بالصلاة ع النبي أنت قمر النهارده!
ـــ النهارده العيد يا بن أفراح.
نظر إليها إبراهيم متعجبا، قال في نفسه:
ـــ عيد إيه إحنا لسه في رجب.
أخذ المعلوم وانصرف، أغلقت جنة بابها.
نهض الدميري مغادرا مدار ساقية شغب في ليل أبيب المشبع بالرطوبة ورائحة حقول الأرز والذرة، على ظلام الترعة الدامس، شق طريقه ناحية دار الشكولاية من وراء الدور،تحاشى الالتقاء بأحد من أهل سونباس حتى الرابضين في مقهى أبوغز، عندما وصل عتبة الشكولاية وجد الباب مغلقا على الفاضي ، فتحه ودخل ، أغلقته الشكولاية على المليان بالضبة والمفتاح، ارتمت في حضن الدميري، قادته إلى غرفة نومها،كان الماء ساخنا في السدرية وطشت الحموم النحاس جاهزا،فكت حلقات الجنزير من حول رجليه، قميصه وسرواله المتسخان ، نزعتهما عنه ،ألقت بهما في إناء مملوء بماء ساخن وورق الجوافة والزهور اليابسة، أجلسته في الطشت ، صبت الماء الساخن على رأسه وجسده وأخذت تمسده بالصابون وماء الورد،عندما فرغت من تنظيفه، لفّت جسده بزوج من البشاكير القطنية الناعمة حتى جفّ جسده وشعر رأسه الذي انحلت تجاعيده تحت ضغط الصابون والماء الساخن، ألبسته قميصا وسروالا نظيفين، أجلسته على الكنبة المواجهة للسرير في غرفة عابقة بروائح البخور ودخان التوابل الذي يتصاعد من جمرالموقد بوسط الدار منذ الظهيرة.
ــــ النهارده عيد يادميري، أتأخرت علىّ هذه المرة، ياسيدي!
ـــ ربنا يرحمنا من الغفلة ووجع القلب ياشوكلاية.
من ضوء مصباح الجاز المثبت على مسمار أعلى الحائط خلف الدميري تسقط أشعتة على ركبتي الشكولاية العاريتين فتبدوان كسطح بحيرة لامع تحت ضوء القمر،وقد ذاب الكحل في عينيها تحت وطأة الحر وعنف الإجهاد المبذول في تنظيف الدميري،قالت:
ــــ تصوّر ،لايعرف النوم طريق عيني إلا في حضرتك ياسيدي، لاتسكن روحي الضائعة إلا معك، لاتقطع خطوتك عني يادميري.
تناولت يديه وانحنت تقبّلهما ظاهرا وباطنا، سحب يديه برفق من يديها، تناول حقيبته، سحب منها كيسا قماشا،أخرج زجاجة عطر، فتحها، سكب منها على رأس جنة ورقبتها وقدميها، أغلق الزجاجة، ناولها لجنة قائلا:
ـــ بركة من سيدنا محمد الشنواني.
طرقة عنيفة مفاجئة هزت المكان وانفتح باب الدارالذي تحطم مزلاجه، ظباط المركز هجموا على جنة، دخلوا الغرف قلبوها من فوق لتحت، نثروا محتوياتها، صعدوا إلى السطح، هبطوا إلى باحة الدار، شخط الظابط :
ـــ مخبية الحشيش فين ياجنة؟
نظر الظابط إلى السلاسل الملقاة بجوار الكنبة ، شخط في الدميري :
ـــ أنت مين، بتعمل هنا هنا؟
أطلق الدميري صيحة غضب عارمة ،قفز صوب الظابط، إنها المرة الأولى التي يتحرك بغير سلاسل منذ واقعة مصنع الطوب ومصرع البغل وإنقاذ عوض أبو سعده من بين فكيه ،حمله بيد واحدة ،ضغط على جنبه بيده الأخرى، ألقى به خارج الباب ،دفع بقية الرجال وراءه بعنف ، سقطوا جميعا على عتبة الدار في الشارع وهم يتأوهون من الألم، صاح في إثرهم وهم ينهضون بصعوبة:
ـــ إياكم تيجوا هنا تاني،كفاية قلة أدب.


9- الغمري منصور
قفز إبراهيم أفراح فجأة إلى فضاء مقهى أبوغز، فزع غرام عقلة وسعد عبدالمنعم وطلبه النفيلي، تركوا ما في أيدهم ،تسمرت نظراتهم تجاه إبراهيم أفراح، صاحب المقهى حسين أبوغز نفسه صاح في وجه إبراهيم:
ــ مالك يابن أفراح،هي القيامة قامت؟
التقط إبراهيم أنفاسه المتلاحقة ، رد بصوت متقطع:
ـــ عمي الغمري منصور موِّت ولاد سلامه المغير في الغيط القبلي عند الحدودة، طايح في الخلق ،لا أحد يستطيع إيقافه أو الاقتراب منه، حتى شيخ الغفر بحراوي ذات نفسه.
أسرع سعد عبدالمنعم خارجا :
ـــ على الطلاق بالتلاته ،لن يرجع ابن ياقوت إلا على جثة قتيل النهارده.
لا أحد من الحضور الذين انصرفوا وراء سعد يعرف الغمري منصور عندما يغضب، فقط سعد عبدالمنعم يعلم ، إذا غضب الغمري منصور وثار لن يوقفه أحد سوى ياقوت أمه، يقول سعد:
ــ الغمري منصور وهو عريس في أول ليلة ترك شلباية عروسته ،أنتم لاتعرفون ،ذهب لينام في حضن ياقوت،إذا رآها في أي وقت يترك ما في يديه ويسكن أمامها ، لايتحرك، ولاحتى ينطق بكلمة،علي الطلاق النهار ده ماهو معدي.
حقول الذرة في شهر مسرى أوشكت على النضوج، تحجب الرؤية ،ينبعث من سنابلها الصهد المحمل برائحة حبوب اللقاح، يتطاير منها الغبار الأصفر الخفيف الحارق ،يسلخ الجلد العرقان حول الرقبة والكتفين وقناة الظهر، عندما وصل رجال مقهى أبوغز يتقدمهم سعد عبدالمنعم بصحبة ياقوت، بدا الجو هادئا،البهيمة تدور بالساقية والغمري منصور يدفع خلفها الهودية،يخفف عنها الثقل بإحدى يديه، باليد الأخرى يدفع رغيفا طريا إلى فمه، قضمة ، قضمة، حول الساقية تحلق الجيران من أولاد الجندي، على مرأى منهم أولاد سلامة المغير،فرج وشاهين وفتحي متكومين في قناة الماء ،وضعهم الغمري منصور واحدا فوق الآخر بعد أن كتّفهم بالحبال، صنع منهم سدا يدفع المياه إلى الجهة المقابلة، توجه شيخ الغفر ناحية ياقوت وسعد الذي قال:
ــ ماذا فعل أولاد سلامة ياعم بحراوي؟
تطوع الجندي أبويوسف بالكلام:
ـــ حلوا بهيمة الغمري من الساقية ،علقوا بهيمتهم وأداروا المياه باتجاه حقلهم،عندما انقطعت المياه عن الغمري الذي يروي في آخر الغيط من ناحية تحت،خرج من الذرة ،وجد أولاد المغير،كلمهم، شتموه وشتموا أمه ياقوت،ثار،انتفض جسده،بدأ الزبد يتطاير من شدقه ،في البداية هجم على فرج،حاوطه بذراعيه ،حمله إلى أعلى ،قذف به في وحل القناية، أتبعه بشاهين ثم فتحي ،كتفهم ،كوّمهم في الروبة، لم يستطع أحد الوقوف في وجهه، حتى شيخ الغفر نفسه،هذا الواقف جنبك.
مشت ياقوت صوب قناة الماء ،فكت عقدة طرحتها المحبوكة حول رأسها،ربطت الطرحة حول خصرها، رآها الغمري، توجهت ناحية فرج وشاهين وفتحي المكومين في عرض القناية،حلت قيدهم، جذبتهم ، نهضوا واحدا وراء الآخر، نزعت الغما من عيني الجاموسة، أوقفت الساقية،نادت على سعد عبدالمنعم:
ـــ دير المياه على غيط ولاد سلامة ياسعد.
سكن الغمري منصور تماما ، نظر في وجه ياقوت التي مشت ناحيته، ارتمى في حضنها ،ودخل في بكاء مسموع.


10- زفّة المولد
نهض بائع العطر محمد الشنواني مبكرا،وجد امرأته أم السعيد استيقظت قبله، أعدت الفطور ، جهزت فترينة العطرالخشبية ذات الواجهة الزجاجة والأرفف الأربعة ،تأكدت من صلابة الحمالات التي تثبتها على ظهره أثناء طوافه في سونباس والبلاد المجاورة،فاليوم زفة المولد، ودّعها قبل انصرافه:
ـــ أشوفك بعد الظهر عند مقام سيدي أبو وشاح.
في تلك الأثناء وصل محمد خميس ياحلاوة إلى الجسرعابرا الأضرحة الخمسة لأولياء الله ــ أبويوسف ،أبوجازية، أبووشاح،أبوصليبة، أبو زينب ــ على عادته في مولد النبي ،يقوم محمد خميس ياحلاوة بقضاء الورد السنوي، يمربالجميزات الخمس القائمة على الجسر في الواجهة البحرية لسونباس، حتى يصل إلى عبدالفتاح ضبيع،الذي يقطع الجسر حافيا جيئة وذهابا طوال الليل من الناحية الغربية المؤدية للبندر بالقرب من ضريح أبويوسف، يتمتم بكلمات غير مفهومة، يحدّث الشجر والكلاب والقطط وبعضا من الناس الذين لايخلو الجسر منهم، يرتدي ضبيع أسمالا بالية ثقيلة ،عليها بالطو قديم من صوف العسكري الخشن ،أعطاه خميس صرة بها طعام ،قبل أن يودعه قائلا:
ـــ النهارده الزفة الكبيرة،لاتتأخر ياعبدالفتاح.
عقب صلاة الضحى في ساحة أبو وشاح وعند مدخل الضريح صرخ سيد عكاشة في وجه أم السعيد الشنواني:
ـــ حتى يوم المولد يا أم السعيد!! لن أبصق في وجه أحد اليوم!!
توسلت إليه، وهي تجذب الطفل بركات بن زيدان البقال من تحت إبطه،بجانبه أمه زهيّة تستعطفه:
ـــ عشان خاطر النبي ، الحبوب هتاكل وش الولد،دقنه وخدوده كلها دمامل.
ـــ تعال يابركات.
جذبه، وضع كفيه على رأسه، جلس على ركبتيه،صار في مواجة الطفل هيّأ بصقة كبيرة،قذفها في وجه بركات، سالت على ذقنه وخديه،امتدت يدا أم السعيد وزهية لفرش البصاق على كامل وجه الطفل.
من داخل المقام تنبعث أصوات حبيبة وطلبة النفيلي ومحمد خميس ياحلاوة ، منشغلون في إخراج البيارق والرايات والبلط الخشبية والدفوف، قالت حبيبة وهي تحكم ربط طرحتها البيضاء على جانبي رأسها:
ـــ الموكب سيبدأ بعد الظهر، بعد قليل سيأتي الدراويش من الأضرحة الأربعة.
ماكادت تفرغ من حديثها حتى وصل دراويش أبوصليبة، هنا في حرم أبو شاح يتجمعون قبل الانطلاق نحو أبو زينب حيث تبدأ مراسم الزفة ،يتقدمهم سعد عبدالمنعم وطلبه النفيلي،يتمايلون على صوت الدفوف وصيحات المدد،حاملين البيارق والرايات،اختلطوا بدراويش أبووشاح في الساحة الكبيرة تحت ظلال النخلة السامقة، يعلوها الدميري،يشدو في الآفاق،تتدلى من قدميه حلقات الجنزير،بعد قليل وصل دراويش أبويوسف يقودهم غرام عقلة ومتولي الراعي، على يمينه عين وسالم صدقه والرفاعي، زادت صيحات المدد علوا على وقع الإيقاع الحاسم لطرقات الدفوف، والرايات الملتصقة بالأجساد المتمايلة، استقبلهم إبراهيم أفراح يحمل على صدره قربة يقدم لهم الماء.
غير بعيد من ساحة أبووشاح يتأهب دراويش أبوصليبة للانطلاق صوب ساحة أبوزينب،بيارق ورايات ودفوف تتوحد مع أرواحها في الموسم السنوي ،تتمايل الأجساد بانتظام يقوم على حراسته عطية حرب وعبدالعليم بسه وعبده عسكر ، يشيرون بصفقات من أيديهم كلما هم الإيقاع بالإنفراط فيعود إلى انتظامه.
نهض العرموصي في مواجهة الحشود على الجسر تحت الجميزة بجانب المقام ،عن يمينه دراويش أبوزينب يقوم أبو عامر والأزهري على تنظيمهم،على مدد الشوف أمامه تجمع الصيادون ، يحملون مراكبهم على عربات تجرها البغال، نشروا شباكهم،فيها سمك، بعضه مازال حيا يتقافز، خلفهم موكب الفلاحين ، علقوا البقروالثيران والجاموس ،تجر المحاريث والزحافات والقصاصيب، جلبوها من الحقول لتحرث أرضية الجسر وشارع داير الناحية في يوم المولد، يرتدون قمصان الحقل ،عليها صديريات من الكتان والصوف،على أكتافهم الفرقلات يطرقعون بها لحث المواشي على الجر، يمسكون بالمردات لتوجيهها، من خلفهم موكب الرفاعية، يتلفعون بالثعابين والحيات ، مختلفة الطول والأحجام والألوان، وراءهم الحدادون والإسكافية، أرباب الصنائع، في المؤخرة عربة السحرة، يأكلون الجمر المتقد، ويخرجون ألسنة اللهب من أفواههم، يسقون الأطفال الماء ويخرجونه من آذانهم وسرر بطونهم ، يدحرجون النقود على أكفهم ظاهرا وباطنا، يطمسون بروزات النقود المعدنية، يمسحون بروز الكتابة والملك بحكة من الإبهام والسبابة ،يتقدم الحشود موكب الخليفة البكري ،يلبس عباءة خضراء ،على رأسه عمامة بيضاء ضخمة زاهية ،يمتطي مهرة داكنة الحمرة بين عينيها هلال أبيض،يمسك الغمري منصور بخطامها ، تسبق خطواته الجميع ،تتعالي أصوات المدد والتكبير وابتهالات المنشدين الذين توزعوا بين جنبات الموكب الكبير تحيط بهم النساء والصبية ، يتمايلون على براح داير الناحية تحت أفق سونباس الصافي على ضفاف الجسر ، بينما تهب نسمات هاتورالخريفية،فتتصاعد الأناشيد والفرح إلى عنان السماء.
انضم دراويش أبووشاح إلى الموكب ، على عربة يجرها بغل ، حملت حبيبة فرن الخبيز، ظل الغمري حماد يعمل على بنائه منذ يومين، بجوار الفرن ماجور مملوء بالعجين ،حبيبة تخبز وتقدم الخبيز أرغفة ساخنة للدراويش والأطفال في الموكب الدائر.
في آخر الحشد ،خلف عربة السحرة، ثور عوض أبوسعدة، قطع الحبال وملص من المحراث ، هاج في الناس،فر الكثير منهم ،الثور يزداد هياجا، انشقت الأرض عن الدميري يجر سلاسله، هجم على الثور، سكن وانقاد للدميري، سحبه حتى وصل إلى محراث عوض ، ناوله حبل الثور، أعاد تعليقه في المحراث واصل موكب الزفة سيره ،تنبعث من جنباته أصوات المدد وأناشيد الدراويش.

11- درية
قبل طلوع الشمس،هبطت درية من الجسر صوب مجري النهر، بملابسها ظلت تمشي في الماء حتى غابت تحت أمواج النيل الخفيفة، لم ينغلق فمها عن الشتم والمسبة منذ خروجها من باب الدار حتى اختفت تحت الماء:
ـــ كلهم ولاد كلب ، حرامية، سرقوا الشجر والسمك، الله يلعنهم، ولاد زبيدة، طول عمري أقول إنهم أنجاس، أمهم حرامية وأبوهم سفاح ، ليس له أصل، لا أحد يعرفهم مثلي، كلهم اتولدوا على إيدي ، الكبير والصغير فيهم كلب ابن كلب...
دائما وطوال الوقت من ليل أو نهار ، لا يسكت لسانها عن السب والشتيمة، وهي تتنقل مابين الدار على حافة الجسر في مواجهة النهر،تقطع الجسر ،وتنزل إلى النهر حاملة وعاء الماء،ثم تعود، تدخل دار العائلة ، تخرج إلى النهر ثانية عابرة الجسر،جيئة وذهابا طوال اليوم هكذا، كل من يمر على الجسر يعرف أن درية متزوجة بعفريت ساكن ماء النيل،لاتكف عن الحديث معه يقظة ومناما،بالقرب منها جلس إبراهيم أفراح على حافة النيل، يتأمل في البعيد مراكب الصيد، وراء شمية أومباز، وقع نظره على درية:
ـــ ومقام سيدي أبو زينب أنت متجوزة عفريت تحت المية يادرية.
حذّره سليم الفايع وهو في طريقه إلى الغيط قبل أن يتوقف ويقرر البقاء منتظرا عودة درية من تحت الماء.
ـــ انتبه يا إبراهيم ، لو سمعك أخوها فتحي لن يترك في جسمك حتة سليمة.
فتحي الزفتاوي أخو درية صاعقة في الجيش ، رجع من حرب اليمن منذ شهرين، الرئيس عبدالناصر صافحه ومنحه جائزة، فتحي كل خميس ينظم سباقا للخيل على جسر سونباس وحتى كوبري الانجليز الممتد على النيل في آخر البندر يربط بالقطارات العابرة فوقه بورسعيد في الشرق بالأسكندرية غربا،يقطع الفارس المسافة حتى الكوبري، يربط الفرس ، يصعد الكوبري ويقفز في النهر من فوق أعلى القوس الحديدي للكوبري ، ثم يخرج ، يمتطي فرسه ويكمل السباق عائدا إلى نقطة البداية على جسر سونباس،والعالم أمم على جانبي الجسر وفوق السطوح يتابعون ،دائما يأتي فتحي في المقدمة،تذكر إبراهيم تحذيرات الفايع، نهض بعيدا، صار في مواجهة الشميا.
كالسهم مرق من جانبه رزق بن الشحات،قفز في الماء،تجمع النسوة والأطفال والصيادون ، يحذرون الناس من القفز وراءه، نهض إبراهيم مفزوعا:
ـــ الواد رمى نفسه في البحر،شيمية أومباز غويطة لا قرار لها، كل من سقط فيها مات غريقا، لم يخرج منها أحد سالما.
ـــ ياعالم ياهووه ، الواد راح في شربة مية، حد ينجده.
صاحت أم السعيد الشنواني ،أنفاسها مكروشة وصوتها متقطع ، يبدو أنها كانت تلاحقه منذ فرّ هاربا من وجه أبيه
ـــ أبوه الشحات تعلب يريد تشغيله في القهوة بالعافية، والواد نفسه يكمل تعليم، إلحقونا ياعالم.
رأى الجميع عند مطلع الجسر، الدميري أبوحديد منطلقا كالحصان، قدماه في القيد، وصل إلى حافة النهر، ألقى بنفسه في النيل، غطس طويلا تحت الماء، تسلل اليأس إلى الكثير منهم.
ـــ ماذا يفعل الدميري تحت الماء وهو مقيد الرجلين.
قال الفايع، رد عليه إبراهيم أفراح:
ـــ مداد ياسيدنا الدميري مدد.
بعد لحظات خرج الدميري من تحت الماء حاملا رزق بن الشحات ، وضعه أمام أم السعيد الشنواني، زمجر في وجهها:
ـــ روحي لأبوه ، قولي له احترم نفسك ياشحات.

12- دار سلطانة
صرخت أم الخير مرات العرموصي:
ـــ ألحقونا ياعالم ، الراجل المجنون باع البيت ورمانا في الشارع أنا وابنه شحاته.
عاد الأزهري وأبوعامر بصحبة أربعين نفرا من عند مناع الصعيدي،تجمعوا في القهوة العالية عند متولي الراعي، العرموصي سلم الأنفار أجرتهم،انصرفوا على صراخ أم الخير زوجة العرموصي.
ــــ بعت البيت وضيعت فلوسه على الصيّع يامصطفى!! أين نذهب أنا وشحاته.
ــ اذهبي الآن يا أم الخير،سأبني لك بيتا أفضل منه.
كان العرموصي اصطحب زوجته أم الخير إلى دار أبيها هدهد السايح بتاع الزار لرؤية أمها المريضة،انصرف بعد قليل وتركها عند هدهد ،توجه إلي الدار ، سلّمها لغانم أبوضوه ،قبض ثمنها ، أربعين جنيها.
جلس على القهوة العالية ، يشرب القهوة مع أبوعامر والأزهري ، بالقرب منهم ،وفي ركن بعيد جلس الدميري القرفصاء، ينظر إلى قدميه في القيد الحديدي،قال الأزهري:
ـــ أولاد الحاج منّاع رفضوا يدفعوا أجرة الأنفار، أبوهم مات ، رفضوا تحمل ديونه، شهرين من العمل ولا أجر.
أكمل أبو عامر:
ـــ كان بالإمكان نعطيهم مهلة ويأخذوا أجرهم بعد الموسم.
بعد موسم الجفاف مع نهاية كياك وبداية طوبة يجف النيل في السدة الشتوية، يقوم أبوعامر بتنظيف قاع النهر من الرمل وتطهير المجرى، أكثر من شهرين حتى تعود المياه إلى النيل مع شهر أمشير، يكون قد أخرج كوما ضخما من الرمل الأبيض السافي ، يبيعه لمصانع الطوب.
ـــ الجوع لن ينتظرالناس حتى أمشير يا أبوعامر، أعط الأجير حقه وهو عرقان، أنا أكره الديون ، وخصوصا أن لدي مالا، رد الأزهري:
ـــ أم الخير معها حق ، بعت بيتها وأعطيته للأنفار ،أين تذهب بابنها شحاته؟
ــــ سأبني لها بيتا
ـــ أين ؟
ـــ ستعرفون حالا.
نهض القرموصي بصحبة أبو عامر والأزهري يتقدمهم الدميري ، في الطريق انضم إليه الغمري منصور وسعد عبدالمنعم وإبراهيم أفراح،والرفاعي،وصل إلى بركة الجمال،مستنقع الماء المتخلف عن الفيضان الذي لايجف طوال العام صيفا أو شتاء،على هامش البركة أمسك عودا من القش ، خط بطرفها على مساحة من الأرض الرطبة المنشعة، غرس على الخط أعوادا من الحطب اليابس فاتضحت معالم مستطيل كبير ، نظر إليه قائلا:
ـــ هنا دارنا.
أشار إلى إبراهيم أفراح، طلب منه حزمتي قش، رشق أعواد القش، عود جنب عود علي محيط المساحة التي حددها من أرض المستنقع .
ـــ هاتوا الأنفار واعملو زربية، هنا دارنا.
بمرور الأيام ،انعمرت الدار ، الدراويش لاينقطعون عنها ليلا ونهارا، يردمونها بمخلفات الطوب الأحمر المتكسر ،ينقلون التراب الجاف إلى الأرضية الرطبة ، يجلبون معهم عروق الخشب والبوص،يأتون بالحصير والحطب، أقاموا لها الأبواب والشبابيك ،وتركوا أمامها ساحة خالية للذكر والحضرة.
قطعت فُتْنة امرأة غانم أبوضوه بصراخها أصوات الدراويش المنخرطين في الحضرة المسائية،يتبعها جمع من النسوة والأطفال :
ــــ ضحكت على غانم يا عرموصي؟ بعت له دار سلطانة المسكونة بالعفاريت،حرام عليك نكدت عيشتنا ، لانقدر على النوم أو الراحة،العفاريت ناصبين فرح طول الليل طبل وزمر ورقص، توقفت أصوات الحضرة، برز العرموصي لفتنة قائلا:
ـــ سكنت الدار ثلاث سنوات ولم يحدث شيء:
ردت فتنة بحدة:
البلد كلها عارفه إن دار سلطانة مسكونة بالعفاريت ، وعارفين أنك راجل مخاوي، دار سلطانة لاتلزمنا، هات فلوسنا، رد العرموصي:
ـــ ابعتي لي غانم جوزك وأنا أعطيه الفلوس.
نظر إلى الدميري:
ـــ أبشر يادميري ، أصبح عندك دار ياغريب.

13- أبوعجيزة
من فوق المنبر ذي الدرجات العشرين في الجامع الكبير بسونباس زعق أبوعجيزة خطيبا لصلاة الجمعة بعد تمهيد ردئ :
ــ أيها الناس احذروا سخط الله،ها أنتم تعبدون الأضرحة ،تقدسون قبور موتاكم،أيها المشركون بالله ،الخارجون عن دينه، ياويلكم، تقضون الليل في تدخين الحشيش، تتمايلون مع الطبل والزمر، وتقولون إنها الحضرة والذكر، حضرة من هذه؟ حضرة الله أم حضرة الشياطين،وذكر من؟ أتذكرون الله بارتكاب المعاصي وعبادة الأضرحة؟ إنها لكبيرة ما سبقكم إليها من أحد...
الجالسون على حصير الجامع نائمون من تعب الحصاد وشغل الموسم في قيظ بشنس ،ما إن سكنت أجسادهم في الظلال على الأرضية النظيفة تحت سقف الجامع حتى دخلوا في النعاس،من بين الحضور صاح أبوعامر:
ــ انزل ياولد،أنت لاتعرف ماتقول ،ليس بيننا كافر أو مشرك.
من الغفوة انتبه الغمري منصور والرفاعي و سعد عبدالمنعم الذي التفت إلى أبوعامر:
ــ ماذا هناك ياعم الشيخ؟
ـــ الواد ابن أبوعجيزة يقول إننا كفرة نعبد القبور!!
وقف سعد صائحا:
ـــ على الطلاق بالتلاته ما أنت مكمل، انزل يابن الدايخة ،دا أنت أمك ماشية من غير لباس ،روح هات لها لباس وبعدين كلمنا عن الكفرة والمؤمنين.
الهرج الذي ساد حول المنبرأيقظ المصلين من غفلة القيلولة في طراوة الجامع، لم يتدخل أحد، واصل سعد كلامه:
ـــ اطلع المنبر ياشيخ عزوز،ولاتتركه لهؤلاء العيال.
خرج أبوعجيزة تاركا المصلين في الجامع ،يزمجر ساخطا:
ـــ عالم كفرة،كفرة ولاد كفرة!!
خارج الجامع كانت جماعة سند الجهيني في انتظاره، شباب نابتة لحاهم على صحاف الوجوه، جلابيبهم قصيرة، على رؤوسهم عمائم تتدلى منها أذناب على الأقفية والظهور،في رجولهم نعال تلوح منها أصابع وكعاب متشققة،بادره سند:
ـــ كنا عارفين، هذا الجامع يحتله أتباع العرموصي.
رد عبدالسميع:
ـــ هؤلاء لن تنفع معهم الحسنى،لابد من هدم هذه الأضرحة،أبو سرية والسليمي ينتظران الإشارة بالقرب من ساحة أبو وشاح، هلموا إليهم.
صوت الشيخ عزوز من منارة الجامع الكبير يصدح:
ـــ اعلموا عباد الله إن الله يحبكم أكثر من كل ماخلق، فأنتم صنعته الأجمل والأحسن والأقوم، نعم يحبكم ،من ضل منكم ومن اهتدى،فقيركم وغنيكم، ذكوركم ونساءكم،صغيركم وكبيركم، الله ربكم قد أكرمكم جميعا،ولأجلكم قد خلق هذه الحياة وفتح لكم طريق العرفان فاعرفوه...
في تلك اللحظة تهاوت الفؤوس والمرزبات على قبة ضريح أبووشاح ، في البداية سقط الهلال النحاسي،تبعته المداميك الحجرية والدعامات الخشبية المطلية بالجير الملون،وتصاعد الغبار العتيق من تحت سنوات الذكر والحضرة، سقطت أشعة شمس الظهيرة على اللحد القديم المغطي بالبيارق الخضراء والسوداء والشراشيب القطيفة المزركشة، صاح الجهيني:
ـــ الله أكبر، محق الله الكفر.
ردد وراءه عبدالسميع وأبوسرية والسليمي وأبوعجيزة وشباب الجماعة
ـــ الله أكبر، محق الله الكفر.
قبل أن يفرغ المصلون من فريضة الجمعة،خرجت النسوة من الدور القريبة من ساحة الضريح حاملات طشوت الماء والجرادل ،قذفنها في وجوه جماعة الجهيني وهن يصحن:
ـــ توقفوا، استهدوا بالله واقصروا الشر.
مع المزيد من الماء الذي حوّل ساحة الضريح إلى بركة من الطين أخذ الشباب في الانصراف بأمر من شيخهم سند الجهيني.

14
ــ الحرب خلصت ياعم،والدولة نامت، تركت الجوامع وساحات الأوليا للدقون والعيال الضلالية.
ــ والعمل يا أبو عامر؟
ــ الله لاينام يا أزهري.
عاد المهاجرون من منطقة القناة إلى بيوتهم بعد انتهاء الحرب تاركين وراءهم في المدن والأرياف جماعات تعبد الله على حرف التطرف ،قسمت الناس إلى فرقتين، مؤمنين وكافرين ،انتهت الحرب وانشغل المصريون في الدلتا بتجريف الطمي من الحقول وصناعة الطوب ،انهدمت الدور وأعيد بناؤها،قامت دور جديدة بلاحظائر أو أفران للخبيز،وانتشرت النساء في طوابيرعلى المخابز الحكومية والسوبرماركت يشترون الخبز والدجاج والبيض واللحم والسمك المستورد.
صاح سند الجهيني من مسجد أبو أتاتة الجديد على الطرف القصي لسونباس باتجاه المقابربعد أن صعد المنبر ذا الدرجات الثلاث من جذوع الشجر اقتداء بمنبر الرسول في يثرب.
ــ الحكومة ومن والاها كفار فاسقون، يأخذون الأموال الحرام من ضرائب الملاهي والخمارات ويعطونها رواتب لموظفيها، الموظفون في الدولة أموالهم حرام،كل المساجد العتيقة في ربوع مصر حضانات للشرك ،الصلاة فيها فاسدة لأنها تضم جثثا لموتى أقيمت لهم فيها أضرحة، ولاتجوز الصلاة في مساجد تضم رفاتا لميتين،واعلموا أن الصلاة باطلة وراء أئمة يقبضون رواتبهم من الدولة التي تجبي أموالها من البنوك الربوية وضرائب الملاهي و الخمارات وعرق الراقصات الفاسقات.
واصل الجهيني:
ـــ عادت الناس إلى جاهليتها القديمة ،انتشرت الخمارات والملاهي وكثر الزنا والفسق وفنون اللهو،حتى شريعة الله بدّلوها وجعلوا للمرأة قائمة في الزواج يكتبون فيها متاع البيت من مفروشات وأدوات تملكها الزوجة وتعتبر دينا على الزوج ،جعلوا القائمة بدل المهر والصداق ،جاهلية يبدلون فيها ماشرع الله من حقوق وواجبات...
من الناحية المقابلة ، على منبر الجامع الكبير ذي الدرجات العشرين،يتسرب صوت الخطيب عزوز أبو بركة
:رضي الله عنكم أيها المؤمنون، يامن تهفو قلوبهم إلى ذكر الله ، وذكر أنبيائه وعباده الصالحين من لدن آدم وحتى مولانا العارف بالله السمول أبو جازية الذي اقتربت ذكراه،بارك الله فيكم ياعباد الله، يامن بالذكر والحكمة توقظون القلوب الغافلة ، تضيئون السبل المظلمة ، وتحيون الأرض الميتة فتزدهر بالبساتين والحصيد،الله راعينا ،منه خرجنا إلى هذه الحياة وإليه نعود في آخر الحيوات ليتحد الفرع بالأصل وينعم في سرمدية الواحد،فكيف تكفرون بالله وقد كنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون...
تتداخل أصوات المنبرين الصاعدة من مسجد أبوأتاتة والصاعدة من الجامع الكبير إلى فضاء المقهى الذي يوارب أبوابه حسين أبوغز وقت صلاة الجمعة ،قال غرام عقلة وهو يمد إبراهيم أفراح بالمزيد من الحشيش:
ـــ الآن وبعد سنوات من دعم الدولة لجماعات الذقون الطويلة والجلابيب القصيرة في مواجهة خصومها من الشيوعيين صار هؤلاء العيال خنجرا في خصر الدولة وهاهم ينقضّون على رجالها ومؤسساتها بالقتل والخطف والنسف والإبادة ،هل قرأتم جرائد اليوم؟ قتلوا الشيخ الذهبي ،قاطعه إبراهيم أفراح:
ـــ وحرموا على النسوان لف أصابع المحشي بكل أنواعه وحلب البهايم لأن ذلك يذكرهم بالجنس.
ـــ عايز الصراحة يابن أفراح ، معاهم حق.
رد غرام وهو يدفع من فمه ومنخاره سحابة من دخان الجوزة.
ـــ الغرباء الذين حضروا مولد أبوشاح لم يغادروا البلد ،شاهدوا الضريح كومة من التراب والحجارة والخشب ،دعك منهم يابن أفراح، سيدك ابو وشاح لن يترك حقه.
ـــ على فكرة،كلنا مسؤولين عما حصل ياغرام.
رد غرام:
ـــ مسؤولين ،مش مسؤولين، الحرب قامت بين الخوميني وصدام ،أنا سايب لكم البلد،مسافر العراق.

15- سند الجهيني
أمونة البطحجية قبل أن تحبل في ابنها سند قالت لزوجها أبو العلا الجهيني قبيل أن يأويا إلى النوم بعد يوم شاق من اللف والدوران في حواري سونباس على رأسها مشنة الخس والفجل.
ـــ رأيت حلما ليلة البارحة ونذرت نذرا!!
ـــ خير يا أمونه؟
ـــ شفت خير اللهم اجعله خير،شايلة مشنة سمك بدل الخس ولا أحد يقترب مني ليشتري ،فنذرت أن أوزع السمك على الغلابة.
ـــ نذرك مقبول يا أمونة أخيرا هتخلّفي سند،هايصه وبطه وصابرين وغنيمة سيكون لهم أخ.
بعد شهرين من ولادة سند مات أبو العلا الجهيني وواصلت أمونة الدوران في حواري سونباس تحمل المشنة ،تبيع الخضار والفاكهة حسب مواسم الزرع والحصاد،تركت سند لبناتها ،شبّ وكبر بين أيديهن وأحضانهن،بمجرد حصوله على شهادة الإعفاء من التجنيد سافر للسعودية،انقطعت أخباره تماما، ماتت أمونة ، لم يحضر مرضها أو موتها،عاد مع نشوب حرب الخوميني وصدام.
بمجرد عودته استدعي شقيقاته الأربع وأزواجهن ،أعطاهم هداياهم جلابييب وسراويل وحجابات وعطور،شكرنه ،قال لهن في حضور أزواجهن:
ـــ الآن بدأ زمن جديد ، لن تخرج إحداكن للبيع أو الشراء والاختلاط بالأغراب من الرجال والنساء في الأسواق،عليكن لبس الحجاب،انتهى زمن الجاهلية.
توجه بالحديث لأصهاره:
ــــ هذه الجلابيب والنعال لكم.
هم بالانصراف قائلا:
ـــ أنا ذاهب لأبووشاح ، سمعت أنهم يعيدون بناء الضريح من جديد.
في الوقت الذي وصل فيه سند إلى موقع الضريح وقد لحق به أبوسرية والسليمي وأبوعجيزة وعبدالسميع اعترضهم الغمري منصور قائلا:
ـــ الراجل فيكم يقرب خطوة تانية!
طاح فيهم الدميري بعد أن أزاح الجنازير من قدميه،حملها في يديه وهوى عليهم ضربا على الرؤوس والسيقان ،تركهم مابين جريح وكسيح بعد أن تمكّن عبدالسميع والجهيني من الفرار.
مع غروب الشمس كان دراويش العرموصي يحرسهم الغمري منصور والدميري قد انتهوا من إقامة الضريح بقبته الخضراء وهلاله النحاسي البرّاق،تقوم على خدمة الشغيلة والدراويش كواعب وجنة وفردوس وعين وفواكه الحيظي وأنهار المراكبي وأبكار البغدادي،فرغوا من إقامة ضريح أبو وشاح ،نصبوا الحضرة وانخرطوا في الذكر:
مابين معترك الأحداق والمهج ،أنا القتيل بلاذنب ولاسبب
ودّعت قبل الهوى روحي،لما نظرت عيناي من حسن ذاك المنظر البهج.
وما إن فرغوا حتى انساب شدو الدميري من قمة النخلة:
ـــ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا...
التفتن جميعا صوب فردوس،غمزتها أبكار في جنبها وهي تهمس:
ـــ ليلتك الليلة يافرفر
الدميري لم يتوقف عن الترتيل:
ـــ خالدين فيها لايبغون عنها حولا،قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا،قل إنما أنا بشر مثلكم إنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا.
توقف الدميري، أخذ يهزسلاسل قدميه فيسمع الدراويش شخللتها، العرموصي نظر في وجوه الدراويش صائحا:
ـــ مدد يامداد البحر مدد.

16ـــ السمول أبوجازية
أسند سيد أحمد أبونجم ظهره إلي جدار الضريح المتهدم،الرياح الحقلية والمطر والحرارة الحارقة أذابت طبقات الدهاكة فتساقطت، سنوات طويلة من الإهمال بعد وفاة خادمه بلبل صبره ،رفض أبناؤه خلافته في خدمة الضريح،سافروا لبلاد العرب، تساقط الهلال النحاسي ثم أخذت القبة في التهاوي جزءا جزءا على مر السنين، الآن أصبح مقام السمول أنقاضا خربة يسند أبو نجم ظهره عليها في ظلال شجرة المانجو العملاقة التي تغطي ساحة الضريح بجوار الترعة،ومن حوله وعلى الأطلال المتناثرة ترتع الماعز والحمير الضالة ،الكلاب وبعض الخراف الهاربة من جحيم القيظ في ظلال المانجو،في النعاس العميق تسبح روح أبو نجم،رأى السمول يحدّثه:
ـــ هل تعرفني يا سيدأحمد؟
ـــ طبيعي ،أنت السمول أبوجازية،نفس الأوصاف التي أخبرني بها جدي فريد الكبير؛لكن يبدو إن أصلك ليس مصريا!!
تابع السمول:
ـــ هربت من بلاد الفلسطين مع أقارب لي وجيران ؛هربنا من المذبحة،طيطوز الروماني كان يقتل كل اليهود بتحريض من الملك الروماني نايرون المجنون، لم نجد مكانا آمنا أكثر من مصر،تناثر أقاربي وجيراني على خط النيل من دمياط وحتى أسوان ،كثير من اليهود نزلوا في نجد بأرض العرب في المقنا وتيماء وفدك ووادي القرى ويثرب ،قتلهم العرب وطردوهم من هناك بعد اتحادهم في زمن النبي محمد،لجأ بعضهم إلى مصر، أنا نزلت سونباس وأقمت في غيطانها، اسمي صمويل، المصريون أسموني السمول ،اشتغلت حارسا لأدوات الفلاحة ومحاصيل الحقول، أقمت كوخا ، قصده كل الفلاحين في هذه الناحية من سونباس،عاونني المصريون وطرح الله البركة في كوخي،لم أتأخر في مساعدة محتاج أو نجدة ملهوف ،عندما غادرت الدنيا أكرمني المصريون ،أقاموا لي ضريحا، كنت شاهدا على جدك فريد الكبير الذي أتى راكبا على ظهر جميزة جرفها فيضان مسرى ،اقتلعه الفيضان من بلاد السودان وزرعه هنا في سونباس.
داست عنزة في كرش أبونجم ففز واقفا، وقد طار النوم وصورة السمول من عينه وقلبه،من حوله يتواصل شغب الماعز والخراف والحمير الضالة، فرك عينيه بيديه ظاهرا وباطنا،صعد شجرة المانجو الضخمة، تناول ثمرتين في تمام النضج، دسّ واحدة في سيالة القميص وأخذ يقضم في الأخرى بلاتقشير، مع حلول المساء حلّ الجاموسة والبقرتين ،ركب حمارته، سار خلفهما في طريق العودة إلى الدار وهو يغني:
ـــ أنا كنت ماشي على قنطرة ،صفر الهوى في الغاب، قلت لها ياقنطرة مافاتوش عليك تلاتة أحباب، قالت لي فاتوا وفاتوا، وفي وسطهم بنت بيضا رمش عينها اليمين يفرش على فدان.
في المساء مع اجتماعه بأخوته لتناول وجبة العشاء نهره أبوه فريد :
ـــ خرابة السمول أبوجازية مسكونة بالعفاريت يا سيدأحمد،لاتذهب للنوم عندها.
في الضحى العالي وبعد انتهاء سيد أحمد وأخوه عبده من نوبة العمل الحقلية جلسوا لتناول الفطور الثاني،توقفت عربة يجرها حصان أمام العريشة حيث يجلس فريد مع ابنيه، نزل مسعد بن النونه قال:
ـــ الحاج يسأل عن عمي سيدأحمد.
قام فريد ، رحب بالضيف، أنزله ، مهد له مجلسا جوارهم تحت العريشة:
ــ خير إن شا الله!!
ـــ كله خير.
أشار بإصبعه ناحية سيدأحمد قائلا:
ـــ أنت سيد أحمد؟
ــ أرسلني سيدنا السمول إليك، كلفني بتجديد الضريح وبنائه من جديد،وخصك أنت بالإشراف على هذه المهمة
تمتم سيدأحمد:
ـــ مدد ياسيدنا السمول مدد!!
بذهول تناقل عبده ومسعد النونه وفريد النظرات بين الرجل الغريب وبين سيد أحمد.
في الصباح التالي كان العرموصي ودراويشه يواصلون العمل لإقامة الضريح ،الدميري صعد شجرة المانجو بجوار الضريح مكبلا بجنازيره وأخذ في الشدو:
ــــ وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا،متكئين فيها على الأرائك لايرون فيها شمسا ولا زمهريرا،ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا،ويطاف عليهم بآنية من فضة قدّروها تقديرا، ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا، عينا بها تسمى سلسبيلا، ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا، وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا، عاليهم ثياب سندس خضرا واستبرق،وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا.


17ـــ ليلة فردوس
يوماتي في معركة ماقبل الغروب على روث البهائم ومع مشوارالعودة من الحقول على هامش التقاء البيوت بالحقول، فردوس تقف متحفزة في معركة الظفر بروث البهائم ، كثيرات مثلها ينتظرن هذا التوقيت يوميا، لكل واحدة منهن كوم تجمع عليه الروث ومع انتهاء نوبة العودة اليومية يشرعن في نقله إلى المسطاح الخاص بكل واحدة في الجرن العمومي يخلطنه بالقش ليصنعن أقراص الوقود اللازم للخبيز التي يتم إخراجها في شكلين ؛ ربعي سميك للتخزين فوق أسطح الدور وصيفي خفيف يستعمل يوميا، بعد أن تجف الأقراص تشعل بها الأفران المنزلية صيفا وشتاء.
صاحت فردوس:
ـــ لا يابنت الورداني ، هذه الجاموسة من نصيبي، أنا وصلت الأول.
نهرتها بديعة بنت الورداني:
ـــ أنا جيت الأول.
لم تنتظر فردوس تدخل الحاضرات للصلح والتحكيم في الأمر، دفعت بديعة أرضا في تراب الجسر، انهالت عليها ضربا ، جذبها من فوقها حسين المكوجي:
ــــ حقك على يافردوس، خلاص يابديعة ، البهايم كتير واحنا لسه بدري.
نهضت بديعة صامتة وانصرفت فردوس لمتابعة البهائم في رحلة العودة حتى إنها كانت تتبع الجاموسة مشيا وراءها، حين تتبرز، تفرد فردوس كفيها لتلقف الروث ساخنا قبل يسقط على تراب الجسر.
فردوس لاتعرف لماذا تذكرت موعد ليلتها مع الدميري وهي تلقف الروث المندفع من مؤخرة الجاموسة، تركت الروث والجسر واندفعت إلى دارها وهي تردد:
ـــ حب الحياة علمنا أكل المرار الطافح.
فردوس لا هي بنت الحاج سيد ولايحزنون، وجدها سيد أبوسنارة قطعة لحم حمراء على باب الجامع وهو ذاهب لصلاة الفجر،استبشر خيرا وسُرّ قلبه، حملها إلى داره قال لامرأته العاقر:
ـــ الحمد لله، ربنا رزقنا ببنت جميلة!!
لم تدعه يكمل ، عبست في وجهه ،نهرته:
ـــ إحنا ناقصين هم ووجع قلب، أنا مش عايزه عيال.
صاح سيد:
ــ طلاقك النهارده كوم والبنت دي كوم تاني، أنا أسميتها فردوس.
استدعى سيد أبوسنارة حكيم الصحة شوقي عبدالعال ومعه دفتر الحكومة سجل المواليد والموتى،قال له:
ـــ اسمها فردوس، اسم الأب:سيد أبوسنارة، الأم جمالات زنتوت.
لم يطل العمر بالحاج سيد ، مات، كتبت الأرملة العاقر كل أملاك أبوسنارة لأولاد أخوتها، طردت فردوس،تلقفتها نعيمة المعملية،ضمتها لبناتها السبع.
في مرضها الأخير نادت نعيمة على فردوس،قالت:
ـــ الحاج حسين السراجي ماتت امرأته، يريد الزواج منك،
قبل أن تنطق عاجلتها نعيمة:
ـــ العمر قصير يابنتي ،بناتي اتجوزوا ،نفسي اطمن عليك وأنا عايشه.
صمتت فردوس،تشجعت نعيمة قائلة:
ـــ على خيرة الله.
ماتت نعيمة وانتقلت فردوس إلى دار زوجها حسين السراجي،بعد شهرين ترك في أحشائها ولده عطية ومات،شدت فردوس أوجاعها وحزام خصرها ،خاضت وحل الحياة من حقل لحقل ومن مصنع طوب لآخر،بالعرق والدمع جمعت القرش إلى القرش قنطرة نجاة لصغيرها عطية.
ـــ دخلنا على نص الليل ولم يأت الدميري!!
حدّثت فردوس نفسها وهي تهم بالخروج،قررت أن تذهب إليه في دار سلطانة،تلك التي اشتراها له العرموصي،اجتازت حارة بسه،والدريني وبلوغ المزين، بعدها خرابة الطاحونة القديمة، تعثرت مرات عدة في أكوام السباخ والماعز النائمة في خرابة البربري بين الصمت والظلمة،وصلت دار سلطانة ،اجتازت البوابة الخشبية المفتوحة دائما ليلا ونهارا بسبب ارتفاع أرضية الدار التي ردمت الجزء الأسفل من البوابة، في البداية وصل إلى سمعها صوت الغناء، كأنها زفة عروس،الطبل والزمر والصوت الصادح يرتفع، لاترى شيئا في هذا الظلام،فقط أصوات الزفة ،صاحت فردوس:
ــــ أنت فين يادميري؟
انشقت الأرض عنه مقيدا في سلاسله، أخذ يدها ومضيا معا يحيط بهما غناء العرس،انعطف بها يسارا نحو غرفة ينبعث منها نور خافت يتسلل من تشققات الباب العتيق،دخلا، اغلق الباب،حملها بين ذراعيه، وضعها على مصطبة الفرن،صعد جوارها، اعتدلت فردوس، حلت الجنزير من قدميه،احتضنها، أخرج من المخلة قرطا ذهبيا، أمسك رأسها ،شبك فردتي القرط في أذنيها،وضع رأسه على فخذها وقبل الدخول في النوم العميق حذرها:
ـــ لاتأت هنا وحدك مرة أخرى يافردوس.

18ـــ إسكندر أبوصليبة
يبدو أن عثمان شمس الدين قد نفذ إلى الشفرة الجوانية لكرامات العارف بالله إسكندر أبوصليبة،فهذا الضريح المنحوت داخل صخرة بازلتية ضخمة غريبة عن تربة سونباس الطينية ينبئ أنه آت من ملكوت آخر،وأنت تهبط الدرجات الخمس صوب الضريح تسمع صوت ارتطام قطرات الماء واحدة واحدة في الصمت المقدس والرطوبة المنعشة،ومن الناحية الأخرى لكتلة الضريح الصخرية تسمع ارتطام قطرات الدم بإيقاع أبطأ، الدم والماء يتساقطان من جوف البازلت الأصم بلاتوقف منذ مئات السنين، الدم والماء لاينفدان ولا يمتلئ بهما التجويف الصلب الذي يضم الضريح ،كأنهما الماء والدم الأزليان.
ـــ إيه اللي جابك هنا يا أبوصليبة؟
ـــ أنت شرير ياعثمان،ولست كفؤا للقيام بخدمتي.
رد عثمان:
ـــ الوجود كله وصفة سحرية، هذا العالم بحاله رموز باطنية، ولا إثم عليّ إن نفذت إلى أصول الوصفة واستخدمت الرموز.
ـــ أنت شرير تحاول استخدام الرموز في أعمال السحر، لن تخدمك ،كل قصدك تخويف الناس والاستنفاع منهم،لن تنفعك أعمالك السحرية ،تربطهم بدمي وتفكهم بمائي،في النهاية ستغرق في دمي ياعثمان.
لم يكن اسمه اسكندر أبوصليبة،فبعد أن أتم تعليمه في معبد سمنود نحت الكاهن اسمه وأطلقه عليه قبل أن يرسل إلى أبيه ويقيم حفلا في رواق كبير الكهنة مانيتون، حضره كل مساعدي الكاهن والتلاميذ،في هذا الحفل سلّم الكاهن الولد إلى أبيه قائلا:
ـــ هذا ابنك قد اهتدى إلى اسمه، إنه أتروعي با رعي، سيكون له شأن كبير في هندسة القناطر والترع.
انطلق أتروعي زمنا يحرث ويزرع ويحصد في حقول سمنود،في تلك الأثناء تجاوز بابا الاسكندرية المئة عام ولم يختر له وريثا على كرسي التبشير بتعاليم مرقص، وبعد إلحاح من معاونيه أخبرهم قائلا:
ـــ ملاك الرب جبرييل سيأتي بالبشارة ويختار لكم خليفتي ووارث كرسي البشارة، سيدخل عليكم الوريث حاملا قطاف حقله ، عرجون من الجوافة الناضجة، تعجبوا جدا لأن الوقت كان شتاء طوبة ، وليس آوان الجوافة.
هنا دخل أتروعي ،في يده قفة مملوءة بالجوافة، صاح الحضور :
ـــ تقدّس الرب إلهنا وتمجد اسم ابنه في الأعالي!!
البابا جالوت والذي يسمونه يوليانوس،رسم الصليب في وجوه الحاضرين مهللا:
ــــ صدّوق ، صدّوق يا اسم أبينا.
لم يكد يهل برمهات حتى تنيّح جالوت وجلس أتروعي الذي غيروا اسمه إلى إسكندر على كرسي التبشير المركزي ؛لكن تكريزه لم يعجب رجال الكنيسة، فقد طرح الصليب ونادرا ماكان يرى في يده وهو ينهض بالمهام الكهنوتية من تعميد واعتراف وأكاليل زواج، الاحتجاج الذي بدأ همسا صار يعلو حتى قبضوا عليه وحبسوه في أحد أنفاق السرابيوم السرية .
طرح أتروعي صليبه واسمه وهرب في إحدى الليالي الماطرة حالكة الظلمة بمساعدة أحد أتباع آمون السقاص الذي جاهد ليوحد بين ديانات البدو والحضر، سارا معا في الظلام الدامس حتى غادرا الإسكندرية ،على مشارف مدينة مينحورس والتي غيّروا اسمها فيما بعد إلى دمنهور أشار آمون السقاس على الطريق قائلا:
ــــ هذا الطريق سيوصلك إلى سمنود يا أتروعي، أنصحك احمل الصليب حتى لايعترضك أحد من رجال التبشير والكرازة،استخدم اسمك السّري إسكندر أبوصليبة.
قال عثمان:
ـــ كل هذا أعرفه ؛لكن إيه اللي جابك هنا يا أبوصليبة؟
رد أبوصليبة:
ـــ عندما عدت إلى سمنود وجدت رجال الكرازة يتربصون بي،حملت صليبي واعتمدت اسمي السّرى ونزحت إلى سونباس على مسافة نصف يوم من سمنود.
بهذا الحديث ـــ أيضا ـــ لم يهتم عثمان شمس الدين، كان منهمكا في إعداد العمل الذي طلبته شوق لجذب شيخ الغفر نحوها، وهاهو يخط رموزه من قطرات الدم المتساقطة من بازلت الضريح،تناول قطعة قميص قديم لشيخ الغفر بحراوي الذي جلبته شوق، طواه مع ورقة الرموز المكتوبة بدم أبوصليبه، وضعه في صرة كتان صغيرة ،لفق أطرافها بالإبرة والخيط، نادى على شوق المنتظرة في غرفة الخادم:
ــــ خذي ياشوق، علّقيه في أعلى شجرة كافور على ترعة الساحل، احذري أن يراك أحد.

19ـــ
بجوار السور العالي لباجور الانجليز المخصص لحلج القطن ،نهضت كومة من الأشلاء السوداء التي خلّفها الحريق،تحيط بها بركة من المياه المتسربة عن ليلة طويلة سوداء انهمك فيها النساء والرجال في جلب المياه من النيل خلف الجسر لإطفاء الحريق الذي أتي على ضريح أبو يوسف بالكامل،من أول الباب إلى الهلال النحاسي وما تحته من حلقات مزركشة كلها ذابت من الوهج الشديد حتى التصق النحاس المنصهر بالخشب المتفحم،ليلة سوداء انقضت في صراع ألسنة اللهب وأعمدة الدخان والشرر المتطاير في كل الاتجاهات.
عندما وصل العرموصي محاطا بالدراويش،عن يمينه أبوعامر والأزهري عن يساره ،خلفهما الغمري منصور وسعد عبدالمنعم والرفاعي وعبده عسكر وشاكر الحلاق، عندما وصلوا كان الدميري هائجا يتطاير الزبد من حنكه ، قام بقطع الطريق بين سونباس والبندر،حمل جذع شجرة ضخم، جلبه من قنطرة جرامون،وضعه بعرض الطريق تحت حراسة محمد خميس ياحلاوة وعبدالفتاح ضبيع وإبراهيم أفراح وسيد عكاشة،حتى نساء الدميري جميعهن كن هناك، من وسط الزحام غمزت شوق من طرف عينها المكحول لبحراوي شيخ الغفر:
ــــ هتروح مني فين؟
رد بحراوي:
ـــ ربنا يسترها ياشوق.
عندما وصل العرموصي أشار:
ـــ افتح الطريق يادميري.
خلع عمتة الخضراء وجلبابه الأبيض ،وضعهما بجوار شجرة السرسوع ،صاح فيهم:
ــــ يلا...شيلوا الهدد، سنبني الضريح والقبة من جديد.
في الظهيرة وبينما العرموصي ورجاله يتناولون الغذاء ويشربون الشاي ،أقبلت أم الخير زوجة العرموصي يتبعها ابنها شحاتة ، شاربه بدأ يخط تحت أنفه الأفطس،لما اقتربت من الضريح المتهدم اندمجت في الصراخ:
ـــ ياخرابي ، ياعالم ...ياخلق، الراجل ترك بيته وابنه ، ومضيّع صحته وفلوسه على المخابيل
بهدوء رد العرموصي:
ــــ تعالي يا أم الخير، تعالى ياشحاته، اقعدوا.
رد شحاته بحدة:
ـــ الناس دي خربوا بيتنا،هؤلاء مجاذيب لاخير فيهم!!
ـــ نهره العرموصي:
ــــ الزم حدك يا شحاتة، سيبك من أمك بنت هدهد السايح بتاع الزار، عينها ناقصة،وروحها جعانه، عمرها ما هتشبع.
أجابه شحاتة:
ـــ سند الجهيني ورجاله لن يتركوكم، أيها المجاذيب الفسقة.
شخط فيه العرموصي:
ـــ اخرس ، خد أمك وغور من هنا.
نظرشحاتة في وجوه من حوله ،استقرت نظراته على وجه أمه ، طأطأ رأسه محدّثا أمه بصوت خفيض:
ـــ ربنا سلّط عليهم الجهيني ورجاله، يلا نمشي يا امه.
انصرفا ، عاود العرموصي ورجاله العمل في تنظيف المكان وتمهيده لإعادة بناء الضريح.
انسل الدميري داخل وابور الانجليز متخطيا حرس البوابة،صعد السور العالي من الداخل، سار خطوات على حافة السور وهو مقيد في سلاسله، عندما صار في مواجهة الضريح المتهدم ،جلس تتدلى ساقاه في القيد الحديدي بمواجهة الناس ، بدأ الشدو:
ـــ ألهاكم التكاثر،حتى زرتم المقابر،كلا سوف تعلمون ، ثم كلا سوف تعلمون،كلا لو تعلمون علم اليقين،لترون الجحيم،ثم لترونها عين اليقين، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم.
كل نساء الدميري التفتن صوب عين بنت السواح المبيّض،جذبتها فواكه الحيظي من خصرها هامسة:
ـــ ابسطي ياعين ، ليلتك جاء وعدها.
واصل الدميري ،دخل في سورة أخرى:
ـــ لقد رضي الله ورسوله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة...
صاح سيد عكاشة :
ــــ مدد ياشجرة
هلل خلفه الدروايش الذين نهضوا لمواصلة العمل مع وصول بلال خردة بعربته الفولكس الصفراء القديمة مفتوحة السقف،لها باب واحد وليس بها لوحات مرورية،على رأسه عمامته الخضراء الضخمة، يتبعه قطيع هائل من الكلاب، يلقي لهم بأرغفة الخبز الساخن من فتحة السقف ،يواصل القيادة ويحدّث الكلاب:
ــــ أنت أخذت نصيبك ، هذا رغيف أختك ، اتركيه لها، عيب ، اختشي،دا رغيف أخوك الابيض، دا رغيف الملبط
إنه الورد اليومي لبلال خردة، يمر على طابونة القط من طرف البندر القبلي ، يأخذ شوال الخبز ينزل إلى سونباس، تنتظره الكلاب بداية من ضريح أبو يوسف وصولا لأبوجازية مرورا بابو زينب وابو وشاح وابوصليبة،ترك بلال سيارته على هامش الجسر يحيط بها قطيع الكلاب، توجه للعرموصي ، احتضنه ، قبّل يده ،وضعها فوق جبينه، أخرج من سيالته رزمة نقود ورقية ، وضعها تحت عمامة العرموصي الملقاة بجانب جلبابه في حضن شجرة السرسوع القديمة جوار الضريح،انصرف خردة، الدراويش يهللون:
ـــ مداااد ياشجرة!!
في المرة اللاحقة عند حضور بلال خردة إلى ساحة العرموصي اصطحب معه أبو السلامة مأمور المركز،في الطريق جلس المأمور وحده في الكنبة الخلفية للفولكس نظرا لبدانته المفرطة،أمامه كومة من كيزان الصفيح الفارغة، وخلفه في شنطة الفولكس كيزان كثيرة مبعثرة،وصل بلال إلى الجامع الكبير، توجه إلى الميضة، دخل الحمامات واحدا واحدا ، استبدل الكيزان القديمة الصدئة بكيزانه الجديدة ،لمحه الحبشي لماضة خارجا من ميضة الجامع ،مال على غانم أبوضوة هامسا:
ـــ علىّ الطلاق العرموصي نصّاب،لا ولي ولا يحزنون ،والناس اللي حواليه مجاذيب وكدابين ،أنا هكشفه لكم النهاردة!!
رد أبوضوه:
ـــ هتعمل إيه؟
ـــ هروح له على نجاسة بعد زيارة صبيحة القحبة،ألا يقولون إن الأولياء يعرفون الأطهار من الأنجاس؟
خرج الحبشي بعد حلول الظلام على أرجاء الساحة،علا نقيق الضفدع من المستنقع الراكد في البركة أمام غرفة العرموصي التي يسقط ضوء مصباحها من الباب كشراع مركب على الظلام المخيم، بالداخل كان العرموصي بصحبة المأمور أبو السلامة وبلال خردة وأبو عامر والرفاعي والأزهري.
قال المأمور أبو السلامة:
ــــ الدولة كلها معاكم يابا الشيخ، لن نتركهم.
رد العرموصي:
ـــ معانا ربنا.
حول الباحة يتناثر الدروايش منشغلين بإعداد الحطب وتجهيز النار، صاح العرموصي قاطعا الحديث عن عصابة الجهيني وهدم الأضرحة :
ـــ اطهر يابن الوسخة.
فزع الذين حوله من صوت ارتطام في ماء البركة، كان جسد الحبشي ساكنا فوق طحالب المستنقع وهو يتلفظ متحشرجا:
ــــ السماح يابا السماح.
ـــ شيلوه، اركنوه جنب الباب لحد الصبح،
التفت العرموصي ناحية عبده عسكر قائلا:
ـــ اشعل الحطب بجواره،الجو برد ياعبده.

20ـــ
السواح مبيّض النحاس كعادته حلّ بسونباس مع فصل الزراعة الصيفي واستعداد الفلاحين لبذر القمح والفول والبرسيم،عرفه الناس في سونباس طوال سنوات متلاحقة يأتي مع طفلته عين في كل موسم لفصل الزراعة ،يشرع في إقامة خيمته على هامش جرن الجحوش البحري، ينصب أحجار الموقد، يثبت المنفاخ، يضع شوال الفحم في الحفرة، يبدأ في تجريب الكير.
من الطرف المقابل لخيمة السواح مبيض النحاس أقبلت أم الرزق من العشة الخاصة بها على رأسها طبقة طويلة من الأواني النحاسية المرصوصة، طشوت وصواني وقدور ومواعين نحاسية، وضعتها أمام السواح:
ــــ حمد الله ع السلامة ياسواح، سلامات ياعين، والله وكبرت عن السنة اللي فاتت.
ـــ إيه المواعين دي كلها يا أم الرزق؟
ردت:
ــــ أجمعها لك منذ شهرين، عندك شغل كتير السنة دي.
بجوار الجناح الغربي لخيمة السواح تنشر عين الأواني والطشوت والصواني والمواعين التي جاءت بها أم الرزق،تستعد لغسلها وتنظيفها من الأوساخ المترسبة عبر سنوات الاستخدام المنزلي، تلقي بداخل كل منها حفنة من الرمل الأصفر وقليلا من الماء ، تنزل بقدميها العاريتين التي شمرتهما حتى الركبتين، تنزل فيها دعكا وحكا وهي تتمايل شمالا ويمينا في حركة منتظمة راقصة، حتى يتصبب العرق من جبينها ويبلل نحرها وردفيها،بعد تنظيف الأواني يمسك السواح بقضيب القصدير، يحكه بالطشت الملتهب تحت ألسنة اللهب المندفعة من جمرات الفحم، يمسك بقبضته كبشة من القطن الأبيض المندوف،تقبض يده الأخرى على المقص ممسكا بالطشت،يدعك بالقطن الحواف الداخلية الملتهبة فيتحول لونها من الأحمر النحاسي إلى القصديري الأبيض،بعد الانتهاء يقذف بالطشت الملتهب في برميل الماء البارد،فتسمع طشة النار بالماء،بعد قليل تستخرجه عين من الماء ، تجففه وترصه فوق الأواني والمواعين التي تم تبيضها.
عام ،عامان،حتى تزول طبقة القصدير وتعود الأواني النحاسية إلى لونها الأصلي فيأتي السواح مبيض النحاس، يمكث شهرين، ثلاثة ويغادر سونباس، ليعود من جديد في فصل زراعة شتوي جديد، في فصل الزراعة الأخير حل السواح المبيض بسونباس وظل بها إلى الأبد، مات ودفنه أبو عامر في مقبرة الغرباء بجوار بنت العسكري بلوكامين النقطة الذي جاء من الصعيد، كانت الحكومة عينته للحفاظ على الأمن في سونباس.
بقيت عين في سونباس ولم تبرحها،تركت مهمة تنظيف الأواني بعد موت أبيها,احتضنتها أم الرزق ، ظلت تعمل معها في حراسة أجران القمح،وحقول الفول والذرة صيفا وشتاء، تأخذ أجرتها من محاصيل الحقول،تأكل بعضه وتبيع بعضه لتوفير احتياجاتها من كسوة ومسكن ، زاملت حبيبة وكواعب وفردوس في العمل بمصنع الطوب وجمع الروث، ولأنها غريبة عن سونباس لم يتقدم أحد للزواج منها،صارت على مشارف الأربعين وانضمت لنساء الدميري اللائي يقمن بخدمته ويرتضين حمايته.
الريح تعوي منذ منتصف الليل، لم تنفع الأمطار المنهمرة في تسكينها، إنه أمشير،ريح وبرد وأمطار، انتظر الدميري حتى يطلع النهار،ليس له شمس،مكث في ساحة ضريح أبويوسف بعد إعادة بنائه مع القبة والهلال النحاسي،حافيا مقيدا في سلاسله، تهطل الأمطار فوق رأسه ،تسيل على قميصه وسرواله اللذين التصقا بجسده فبدا كالعاري، يتأمل وجه الريح والمطر، يحدّق فيهما ويصرخ:
ـــ يا مغفلين ، المولد لا ينفض!!
مع طلوع النهاربلاشمس غادر الدميري ساحة الضريح،يخوض بقدميه الحافيتين المقيدتين بالسلاسل في الوحل والبرك المتخلفة عن الأمطار طوال الليلة الفائتة، يجر أطراف السلاسل محدثة خطا عميقا يتبعه في طين الشوارع والحارات التي بدت خالية تماما في هذا النهار الماطر حريصا على مخلته الكاكي من البلل، فينقلها من يد إلى أخرى ، يدسها تحت إبطه الأيمن، ثم ينقلها إلى إبطه الآخر،الريح تسفح وجوه الدور والأشجار، من داير الناحية انسل إلى حارة الطعايمة المتعامدة مع جسر النيل، رأى درية في البرد الرصاصي على حافة النيل تلعن المخاليق:
ـــ كلهم ولاد كلب أنجاس، أمهم زبيدة الحرامية قتالة القتلى...
استدار نحوها الدميري صارخا:
ــــ خلي بالك من نفسك يادرية.
لم تجبه وواصلت سيرها في ماء النيل صوب العميق حتى اختفت تحت الماء وهي تلعن أولاد زبيدة، واصل الدميري سيره حتى اختفى في جوف الحارة، إنها المرة الأولى التي يزور فيها إحدى نسائه في رابعة النهار، دفع باب الدار ودخل إلى عين بنت السواح.
هبّت عين بنت السواح ، باغتها حضور الدميري في هذا النهار الضبابي المغبش، نهضت أحضرت الحطب وأشعلت راكية النار في باحة الغرفة التي تتسرب من سقفها قطرات المطرالمتواصل منذ يومين ،ثبتت سدرية الماء على الحمالة فوق الراكية،امتلأت الأواني التي وضعتها لتلقى الماء المتساقط من السقف ، حملتها،ألقت بها في وحل أرضية الحارة،أخذت بيد الدميري، قادته إلى ركن جاف ، فرشت له حرام الصوف الجملي،أجلسته، فكّت سلاسل قدميه، وضعتهما جانبا،جاءت بسدرية الماء الساخن صبّتها في الطشت ، وضعت قدميه في الماء،غسلتهما، نزعت قميصه وسرواله المبللين،ألبسته قميصا وسروالا جافين، نهض الدميري، جلس على كنبة بجوار السرير، همس إلى عين:
ــــ أنا جعان أوي ياعين، لم آكل من زمن ، شوفي لي حاجة آكلها.
عندما عادت عين بالطعام كان الدميري قد فتح مخلته، أخرج منها شالا صوفيا مزركشا،لفّه على رقبة عين وصدرها قائلا:
ـــ هذا يدفئك في زعابيب أمشير ياعين.

21ــ
عبدربه المحط وضع طرف جلبابه في حنكه،عض عليه بأسنانه،قفز إلى حارة مليم بعد الضحا ومنها إلى داير الناحية ،أخذ يصرخ:
ـــ مرّ شهران على زواجي من سمية بنت الصباحي مليم، كل ما قرّب منها أشوفها عفريته،عثمان ربطني،روحي ياهووووه.
وصل صراخ المحط أجواء مقهى أبوغز،نهض الغمري منصور وإبراهيم أفراح ،حلف سعد عبدالمنعم:
ــــ على الطلاق بالتلاتة ابن شمس آخرته قربت،ابن الشياطين ده ربط البلد كلها،على الطلاق ما يحلها إلا أبويا العرموصي.
غادروا المقهى ،ساروا صوب ساحة العرموصي،وجدوا الدميري وسيد عكاشة،المحط يواصل الصراخ:
ـــ الحقني يابا مصطفى!
رد عكاشة:
ـــ أبوك خرج ياعبد ربه.
في الطريق من حارة مليم وحتى ساحة العرموصي مرورا بمقهى أبو غز توافد خلق كثير يتبعون صراخ عبدربه الذي مازال يجزّ على طرف جلبابه المتمزق بين أسنانه وقد سال عليه اللعاب،امتلأت ساحة العرموصي بالناس، يهمس بعضهم لبعض عن أعمال الأبالسة التي يقوم بها عثمان بن شمس الدين، زعق إبراهيم أفراح:
ـــ اظهر وبان عليك الأمان،الخيمة دابت يادميري،وابن شمس آخرته بانت.
نهض الدميري مغادرا الساحة بينما أمسك سيد عكاشة بيد عبدربه أجلسه،أشار إلى إبراهيم أفراح قائلا:
ـــ هات بيضة مسلوقة يا إبراهيم وهات لي شعرة من ذيل مهرة الخليفة .
ماكادت الشمس تتوسط كبد السماء حتى عاد إبراهيم أفراح بالمطلوب،ناوله لعكاشة بعد أن شق طريقه بصعوبة وسط الخلق المتوافدين ما بين فضولي وغاضب وحاقد على أفعال ابن شمس وقد اكتظت بهم ساحة العرموصي،أمسك بالبيضة ، وضعها على سطح الطبلية ، شقها بشعرة المهرة، وضع البيضة المشطورة إلى نصفين في طبق،قال للمحط:
ـــ ارجع بيتك ، كل نصفها، واعط سمية بنت مليم النصف الآخر، سينفك عمل الشيطان ابن شمس .

في الوقت الذي وصل فيه عبدربه المحط إلى بيته كان الدميري يهبط الدرجات الخمس المؤدية إلى الضريح البازلتي لاسكندر أبو صليبة،كان عثمان بن شمس عاريا تماما،وخلفه شوق المتربصة ببحراوي شيخ الغفر كما ولدتها أمها،عثمان يفتح كفه يلتقط قطرات الدم المتساقط من جانب صخرة الضريح يدعك بها جسد الشوق من خلف ومن أمام،فوجئ عثمان بحضور الدميري، سقطت شوق في إغماءة فوق أرضية الضريح، جذب الدميري عثمان من رقبته، دفعه أمامه وخلفهما تقرقر أطراف الجنزير المتدلي من قدمي الدميري، ساقه من حارة أبوعرب عاريا كماهو ملطخة يداه بالدم وأجزاء من صدره ورقبته،توافد الخلق أمما يهللون وراءهما حتى ساحة العرموصي، دفعه في ماء البركة الآسن قائلا:
ــــ اطهر يابن الوسخة
صاح الحضور:
ـــ يستاهل، إنه شيطان ، ألحق الأذى بأهل سونباس.
سقط عثمان في قاع البركة، سكنت جثته تماما،زعق إبراهيم أفراح:
ــــ فطس الشيطان ابن شمس .
نزل الدميري إلى قاع البركة ، حمل جثة عثمان، سار بها من داير الناحة صوب المقابر، وخلفه أهل سونباس.
في المساء حضر شوقي عبدالعال حكيم الصحة ومعه دفتر الحكومة ؛سجل المواليد والموتى إلى دار ابن شمس ،سلّم ابنه فتحي شهادة الوفاة:
اسم المتوفى:عثمان شمس الدين المغربي، اسم الأب شمس الدين عبدالجليل المغربي، الأم نجاة المرسي.


22ــ
ما إن استقر سيد أحمد أبونجم على قمة كوم السباخ في محيط الضريح الجديد للسمول أبو جازية حتى فزّت الماعز والكلاب مذعورة في اتجاهات شتى،بيده عود قصب ناضج يشخب بالعصارة الحلوة تحت ضغط الفكين،يرتشف سيد أحمد العصارة وذهنه سارح في تفاصيل الإعداد لمولد السمول بعد إقامة ضريحه من الأطلال، قال لنفسه:
ــــ والذي أرسل المدد لترميم الضريح وأعاد بناءه لقادر على أحياء مولد أبو جازية.
قام ، توجه ناحية باب الضريح،فتحه،جلس جوار الكسوة الخضراء الجديدة التي تحاوط كتلة الضريح،أسند رأسه على جدار الضريح ونام.
رأى في المنام السمول أبوجازية يحدّثه عن جده البعيد فريد نجم الذي جاء إلى مصر متعلقا بشجرالجميز والموز والسنط بعدما حطمته اندفاعات السيول وجرفه الفيضان في مجرى النيل،قال أبوجازية:
ــــ لقد ترك جدك زوجة وأبناء له ظن أنهم هلكوا في فورة الفيضان وأكلتهم التماسيح في طوفان الماء العارم ؛بينما تشبث هو بجذع جميزة ضخم حمله حتى سونباس التي نزل واستقر بها.
صمت قليلا ثم تابع:
ـــ بعد انتهاء المولد اذهب وابحث عن اخوتك في السودان يا سيد أحمد.
اختفى السمول، استيقظ سيدأحمد على أصوات الذكر والحضرة،حلقة يتوسطها العرموصي،في مواجهته أبوالسلامة مأمور البندر،بعد قليل حضر بلال خردة بعربته الفولكس الصفراء ذات الباب الواحد ولاسقف لها،يتبعه قطيع الكلاب،من بحري سونباس حتى قبليها حيث ضريح السمول أبوجازية، الدميري أخذ مكانه مقيدا بالجنزير فوق شجرة المانجو الضخمة،انتهت الحضرة ، جلس العرموصي في مواجهة دراويشه، عبده عسكر أعد لهم الشاي بمعاونة سيدأحمد أبونجم،قال العرموصي:
ـــ الحضرة استحضار الواحد ، خالق الوجود وما صدرعنه من مخاليق،والذكر ضد النسيان والغفلة، الذكر أعلى درجات الوصال، احرصوا دائما على الذكر والحضرة.
من أعلى شجرة المانجو دخل الدميري في التلاوة:
ـــ واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا،فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا، قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا،قال إنما أنا رسول الله لأهبك غلاما زكيا...
صاح إبراهيم أفراح:
ـــ مداد ياستنا الكريمة مريم مداد
غيّر الدميري السياق وانطلق يشدو:
ـــ إن المتقين في ظلال وعيون،وفواكه مما يشتهون،
التفتت نساء الدميري صوب فواكه الحيظي،قرصتها جنة الشوكلاية في يدها هامسة:
ـــ ياسعدك يافواكه،الليلة ليلتك!!
تابع الدميري:
ـــ كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون،إنا كذلك نجزي المحسنين.
اقترب سيدأحمد أبونجم ناحية العرموصي ،همس في أذنه:
ــــ الدميري يواعد نساءه، وقد ذكر فواكه الحيظي،طبيعي سيزورها اليوم!!
رد عليه العرموصي بصوت سمعه الجميع:
ـــ إن اطّلعت على سر أخيك فاحفظه، من باح استبيح يا أبونجم.
غير بعيد هجم سند الجهيني ورجاله أبوسرية والسليمي وعبدالسميع وأبو عجيزة وعصابة الشباب من ذوي اللحى النابتة, انهالوا على رجال الحضرة ضربا بالعصي والجنازير ،الجهيني يصرخ:
ـــ حتى اليهود الكفرة جعلتم منهم أولياء لله ، تطلبون منهم المدد!!
قفز الدميري مقيدا في سلاسله من فوق شجرة المانجو،أمسك بالجهيني، أطاح به في الترعة، تناول الغمري منصور غصنا يابسا وانهال عليهم ضربا،سعد عبدالمنعم وعكاشة وابونجم ، كل رجال الحضرة طاردوهم رميا بالحجارة،حتى غابوا عن الأنظار،قال العرموصي:
ـــ هؤلاء لن يعودوا إلى رشدهم، سيحاولون هدم الضريح، كونوا يقظين.

23ـــ فواكه الحيظي
انهالت قذائف إسرائيل على حقول المانجو والفول السوداني في عين غصين والسحارة بالقرب من أبوعطوة ضمن حدود الإسماعيلية، تسلل شارون وجنوده عابرين قناة السويس صوب الغرب في الوقت الذي عبر فيه جنود مصر صوب الشرق وتمركزوا في سيناء لأول مرة منذ ست سنوات بعد الهزيمة والانسحاب، تصدى عبدالعاطي ورفاقه لقطعان الدبابات الإسرائيلية التي استباحت الحقول والمزارع بالقذائف برا وجوا،تمكن عبدالعاطي ورفاقه من إيقاف التوغل الإسرائيلي صوب الغرب، بينما حمل أهالي الإسماعيلية أغراضهم الثمينة والأطفال والشيوخ والنساء ورحلوا مهاجرين في دلتا مصر وواديها بجوار النيل، استقرت فواكه الحيظي في سونباس مع طفليها سعيد وأحمد،بقي زوجها حسان الصعيدي مع الجنود والمتطوعين لصد الإسرائيليين في عين غصين وأجوارها،بعد شهور قليلة قاد الجمسي مفاوضات فض الاشتباك وهو يبكي،انقطعت أخبار حسان الصعيدي،أحد الجيران شهد بأنه رآه آخر مرة بالقرب من معسكر الجلاء حاملا صندوق دانات الآر بي جي نازلا صوب أبوعطوة،وشهد آخر بأنه كان معه في آخر اشتباك مع جنود إسرائيل يقيم التحصينات في جناين المانجو،بعد عامين بدأ المهجرون من أهل القناة في العودة إلى بورسعيد والسويس والإسماعيلية،لم يظهر أثر لحسان، أعمام سعيد وأحمد أخبروا فواكه بموت أخيهم حسان وعليها العودة للزواج بأحدهم وتربية الولدين، رفضت فواكه ،سافر سعيد وأحمد مع عمهما سالمان، واختارت فواكه أن تعود لبلد أبيها وأجدادها في أرياف أبوتشت ،هناك ولدت وكبرت ،تعرف حسان عليها ،تزوجا ثم انتقلا للعيش والعمل في ريف الاسماعيلية ،عادت بعد مدة إلى سونباس، نزلت على ساحة العرموصي، أوصى بها كواعب بنت جاب الله الراسي فنزلت معها تبيع الفاكهة والخضار، أعد لها بلال خردة عربة يجرها حمار وأعطاها مالا اشترت به تجارتها.
دعا العرموصي لبلال خردة:
ـــ ربنا يخليك عون لإخواتك يابلال.
نهض بلال،همّ بالخروج يتبعه إبراهيم أفراح والغمري منصور وسعد عبدالمنعم،في إثرهم نهض عبده عسكر وشاكر الحلاق وسيد عكاشة،خارج الساحة وقف الدميري، في قدميه السلاسل يستقبل الشبراوي أبوجليلة الذي وصل من الفروسات على حدود المنزلة بعربتة الكارو يجرها حماره البني،انطلق يقطع الطريق الزراعي من صان الحجر حتى المنصورة ،يواصل سيره جوار النيل قاطعا منية سمنود وأجا واتميدة وتفهنا الأشراف ودنديط حتى ميت غمر، يعبر قناطر النيل من عند دهتورة إلى الضفة الغربية للنيل ،يظل بمحاذاته حتى سونباس، يأتي حاملا أعواد القصب وحزم الجزر الأحمر والخس وأزرار البطاطا،قربة الماء وبلاص الجبن القديم والخبز اليابس الملدن،يظل أسبوعا يقطع فيه الذراع الشرقي للدلتا حتى يعبرها واصلا لساحة العرموصي بسونباس،دخل الساحة ،احتضن العرموصي ، قبّل يده،بادره العرموصي:
ــــ خير إن شاء الله ياشبراوي، أتيت قبل المولد،بقي شهران على مولد سيدي عبدالرحيم،سنسافر كلنا هذا العام.
انتظر الشبراوي حتى انصرف الدرويش،مال على العرموصي،قال له:
ـــ جئت رسولا في غير موعد،رأيت النبي موسى وأخاه هارون في خرائب مدينة رمسيس بصان الحجر،كانا في حيرة وارتباك، غاضبين من عدوان إسرائيل على أرض مصر، قالا لي:
ـــ اذهب إلى العرموصي ،أبلغه بأننا لانرضى بالعدوان على مصر، قل له لايليق بأبناء إسرائيل أن يعضوا اليد التي امتدت لتنقذ أباهم من مجاعات البدو وظلم الأمم.
ـــ فعلا لايليق، ولن يقدروا على إيذاء مصر،فهي منازل الإله في الأرض ياشبراوي،ومصر التي منحتهم القوة والتكاثر قادرة على محو آثارهم من هذا الوجود.
غسل شبراوي وجهه وقدميه،تناول طعامه مع الدروايش،اضطجع على جنبه ونام، مع حلول الظلام في سماء سونباس غادرالدميري محيط الساحة صوب دار سلطانة، حمل مخلته الكاكي باتجاه فواكه.
الظلام لزج في هذه الليلة،الحواري صامتة،الرطوبة والحرارة تنفذ إلى كل شيء في ليل أبيب,فينضج البلح والعنب،وتنضج الأرواح المحبوسة في عتمة الليل تنتظر الغائبين،قالت فواكه لنفسها:
ـــ ما كل هذه الغربة!!أبوتشت، أبوعطوة، سونباس،ابناي أحمد وسعيد ،حسان زوجي ،كلهم تركوني ،ماذا تبقى لي في هذه الحياة؟
قطع ارتطام شديد عند باب البيت سيل مآسيها،نهضت، فتحت الباب،كان الدميري ملقيا على الأرض ،فاقدا للوعي،سحبته إلى الداخل،أغلقت الباب،بللت فوطة بالماء وأخذت ترطب جبينه ورأسه،حلت سلاسل القدمين،أخيرا استجاب لمحاولتها، نهض متكئا عليها صوب الغرفة،أجلسته ،كانت أنفاسه لاهثة والعرق يتصبب من أجزاء جسمه،قال بصوت متقطع:
ـــ ضعيني في الماء يافواكه.
نظفت جسده من فوق لتحت، ألبسته قيمصا وسرولا نظيفين،مد يده إلى مخلته، فتحها أخرج خاتما،قال لفواكه
ــــ هات يدك.
وضع الخاتم في سبابتها،احتضنته،نامت على كتفه حتى الصباح.


24ـــ
بلال خرده في المقدمة بعربته الفولكس الصفراء ذات الباب الواحد يتصدر الموكب،خلفه شوالان من الخبز والقثاء،على رأسه عمامته الخضراء الضخمة،بجواره أبو السلامة مأمور البندر،خلفه أربع سيارات نص نقل محملة بالدراويش والمؤن اللازمة لأيام الخدمة في مولد القناوي، أكثر من ألف كيلو يقطعها الموكب من سونباس صعودا إلى ساحة الضريح في قنا،بجوار بلال حقيبة كبيرة مملؤة بأرغفة اللحم الشهية ،أوقفته دورية المرور قبل بنها:
ـــ ماشيين بعربية من غير لوحات!؟
رد بلال:
ــــ بالصلاة ع النبي يا افندم،رايحين سيدك عبرحيم ،كل سنة وانت طيب.
مد يده في حقيبة الأرغفة ، ناوله ربطة قائلا:
ـــ خد افطر مع اخواتك، كل سنة وأنتم طيبين وبعودة.
تأمل الضابط هيئة بلال خردة ،توقف عند العمامة الخضراء الضخمة يتدلى جزء منها على رقبته وصدره،حيّاه المأمور أبو السلامة، نظر الضابط إلى سيارات الموكب المحملة بالدراويش والأغراض،أشار إلى جنوده:
ـــ افتحوا الطريق.
ثلاثة أيام بلياليها قضاها موكب العرموصي صعودا نحو الجنوب عكس اتجاه النيل ؛حتى وصل مشارف قنا،توقف بلال خردة،تزوّد بالخبز وقفصين طماطم وخضروات،ثم واصل نحو ساحة المولد، هناك وجد العرموصي والدميري مقيدا بسلاسله وسيد عكاشة بانتظارهم،قادهم عكاشة إلى موقع خيمتهم الجديد،ليس بعيدا عن موقع السنة الفائتة،توقف بلال، قفز الدراويش من سياراتهم نص النقل،أخذوا الخبز والأغراض من بلال ،وضعوها في الخيمة،أفرغوا حمولة السيارات من الأغطية والمواعين وأجولة الأرز والبطاطس والبقول،تولّت نساء الدميري ترتيب الخيمة وإعداد أماكن النوم وأماكن طهو الطعام،قال العرموصي :
ــــ حمدلله ع السلامة،عوداً عوداً ياكريم.
دخل الدراويش خيمتهم الواسعة ،تعرفوا أماكنهم،ناموا، إلا فواكه الحيظي،استسمحت العرموصي في الذهاب إلى أقاربها في أبو تشت،فسمح لها،طلب من بلال توصيلها،أجاب بلال:
ــــ حاضر يابا.
قبل المغرب بقليل عاد بلال وحده بسيارته الفولكس الصفراء،تبرز من سقفها المكشوف أعواد القصب،ومن الباب الوحيد الذي ربطه بحبل حتى تستوعب المزيد من القصب،عاد يتبعه قطيع من الكلاب، يتحدث إليهم وهو يلقي لهم الخبزعلى جانبي الطريق.
أصلا بلال خرده ليس من سونباس ،هو من كفور الرمل على حدود بجيرم في المنوفية،مات أبوه وتركه لجده الذي ألحقه بالعمل كصبي حداد ،لم يحتمل قسوة النار واليتم،هرب على عربة محملة بالرمل ، حطّت به في سونباس،اعتادت خطواته على ساحة العرموصي فهناك الطعام والمأوى،أخذه العرموصي إلى عبده ميخائيل نجار السواقي والمحاريث،عمل عنده فترة قبل أن يهرب إلى البندر،اجتهد في جمع الخردة والصفيح والصاج والحدايد المهملة، يصلح بعضها ويبيعه ،أصبح مقصدا لكل من يبحث عن مسمار قلاوظ أو صامولة أوحتى وش صاج أو شكمان لجرار أو سيارة قديمة، صار عنده دكان واشتهر بين الناس ببلال خردة،واتخذ العرموصي أبا ،يدين له بالعرفان والفضل،مدت له الدنيا بساط الفضل والغنى، حتى اشترى عزبة إسماعيل صدقي من ورثته فكان يضرب كفا بكف قائلا:
ـــ يا ما انت كريم يارب!!من يصدق ؟ بلال خرده اليتيم الغريب يشترى عزبة الباشا رئيس الوزارة!!
صرخت حبيبة:
ــــ ناولني ماعون السلطة يابلال.
منذ المساء سهرت حبيبة وأنهار وعين وكواعب وجنة على إعداد الطعام،وانشغل الدراويش في الذّكر والحضرة،يتقدمهم العرموصي وقد انضم إليه المزيد من المريدين من أهل الصعيد،بعدما فرغوا جلس الدميري أمامهم وانطلق في الشدو:
ــــ مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم...
صاح إبراهيم أفراح:
ــــ يانور جمال النبي،شوفت ياشبراوي، أربعة أنهار،خمرة وعسل ولبن وميه،يا ما انت كريم يارب!!
في الخلف توقفت النساء عن الطبيخ وإعداد الطعام ،تسمرت نظراتهن في وجه أنهار المراكبي،همست لها فتحية الشوكلاية:
ــــ يابختك يا أنهار.. أربعة مرة واحدة!!
أضافت عين بنت السواح:
ـــ أول مرة الدميري يطلب واحدة منا وهو على سفر بعيدا عن سونباس، ربنا يستر.

لحكمة ما نسي الدميري أن يخبر نساءه بأمر زواجه من شلباية في بلدته القديمة أم الدميرة،ولحكمة ما ماتت رئيفه الأخت التوأم لأنهار في عمر السابعة،سقطت في النيل وهي تقفز إلى الشط حاملة سلة السمك بعد نوبة الصيد اليومية،تقافزت الأسماك عائدة إلى الماء بينما غطست الأخت التوأم تحت مياه النيل إلى الأبد،دوّت صرخات أنهار في جنبات سونباس،هرع النسوة من مرادة أبوعامر القريبة، تركن غسيل الأواني والقمح والملابس على الشط ،تبعهم خلق كثير من الصيادين والفلاحين وأنفار مصنع الطوب، بعيدا عن الشط اندفع القارب في مجرى التيار،عشرات الصيادين والمراكبية قفزوا في النهرمن المكان الذي أشارت إليه أنهار،انقضي النهار،مالت الشمس إلى مآواها الغربي ولا أثر لرئيفة،يوم.. يومان.. ثلاثة.. تأتي أنهار تبكي أمام النيل من الفجر حتى المغيب،ولحكمة ما انكتب اسم أبيها حسين المراكبي في سجل المفقودين في حرب اليمن لا في سجل الأسرى أو الشهداء،ولحكمة ما تذكرت كل هذه الأحداث وهي تجلس الآن جوار الدميري على شط النيل بعيدا عن صخب مولد عبدالرجيم في آخر حدود قنا القبلية،قالت أنهار:
ـــ لماذا لا تتزوج ويكون لك أولاد يادميري؟
ــــ تزوجت شلباية في بلدنا أم الدميرة، انتهى الزواج ،نسيت الأمر ولم تعاودني الرغبة.

25ـــ
توقفت حرب الخوميني وصدام مع نهاية صيف 88،انتقل غرام عقلة من بعقوبة إلى البصرة على حدود العراق الجنوبية مع الكويت بصحبة صديقه الجديد رفعت أبوزيادة الذي جاء العراق بحثا عن أخيه سيد، انقطعت أخباره من عشر سنوات، أبوه مات وأمه تود رؤيته قبل موتها،،سافرغرام ورفعت إلى بغداد ومنها استقلا القطار إلى البصرة،حجزا سريرين،واستسلما للنوم بينما هدير القطار يقطع ليل العراق صوب الجنوب، وصل غرام بصحبة رفعت مع دفقات النور الأولى للنهار الجديد في البصرة،غادرا المحطة ،نزلا إلى الشارع، دخلا مقهى في الميدان الفسيح،طلبا فطورا من الكاهي والعسل، مرت عجوز ينطق الوشم من أعلى صدغيها،اشترى غرام منها لقمتي قيمر،أعطى واحدة لرفعت قبل أن يفاجأ بخبطات رقيقة على كتفه، نظر غرام للخلف مندهشا:
ــــ محسن الجيزاوي، ماذا تفعل هنا؟
تعانقا طويلا
ـــ قامت الحرب وأنا هنا، تعودت على العيش تحت هدير المدافع وغارات الحرب،لم أجد مكانا أفضل من العشار فبقيت هنا،وأنت؟
ـــ زهقت روحي من الحياة في مصر، اتخنقت،الناس بتاكل بعض،والحكومة سلطت التجار واللصوص لتأديب الشعب،تصور.. بيهدّوا أضرحة الأوليا في سونباس!!
ـــ ممنوع الكلام في السياسة هنا،رقبتك تطير،وخصوصا أبوعدي اليومين دول سمن على عسل مع أبوعلاء.
غيّر غرام عقلة دفة الحديث قائلا:
ـــ تعرف حد هنا اسمه سيد أبوزيادة؟ هذا أخوه.
وأشار إلى رفعت،رد محسن الجيزاوي:
ـــ هنا واحد اسمه سيد حنكش ، بس ده من بور سعيد
بادره رفعت:
ـــ تعرف مكانه؟
أجاب محسن:
ـــ بار مشوار يرتاده دوما ،قريبا من ثمثال السياب على شط العرب في العشار؛لكنه الآن في الأردن من أسبوعين.

نهضوا باتجاه العشار، كثير من السفن الغارقة تبرز قممها من الماء في شط العرب،قصفها حرس الثورة الخومينية قبل الوصول إلى الميناء، لا أثر لحياة العراقيين في المدنية، هجروها مع بداية حرب المدن وضرب البصرة بالصواريخ البالستية،سكود كنست مظاهر الحياة في البصرة، فقط الحفر الغائرة من أثر القصف المدفعي في حيطان البيوت والمباني بما فيها جدران شيراتون البصرة، جلسوا تحت تمثال الشاعرعلى شط العرب،على الرغم من أن التمثال قائم هناك من قبل الحرب ومن قبل أبوعدي إلا إنه يبدو وكأنه ينشد مرثية للشط، كأنه يتكأ الجماجم ، يقيم مائدة كل مساء من لحم الخليل والدؤلي،ويقدم للشط قهوته، تذكر غرام كلمات السبتي شاعر الكويت وهو يصف الأيام الأخيرة لصديقه السياب في الكويت حيث فاضت روحه،أشار محسن الجيزاوي إلى سفينة ضخمة غارقة وقال:
ــــ هذه رأيتها وهي تهوي إلى القاع من سنتين ، كانت محملة بالشاي والسكر.
وأضاف:
ـــ هيا إلى بار مشوار، تستريحان من السفر ونسأل عن سيد حنكش.
رد غرام عقلة:
ـــ موعود أنا يابن الجيزاوي من قهوة أبو غز في سونباس لبار مشوار في البصرة!!
أجابه الجيزاوي:
ــــ تعرف ياغرام..اشتقت كثيرا إلى سونباس،نفسي ارجع لها.
ــــ قريبا يامحسن.
في البار قال غرام للنادل:
ـــ ماذا تقدمون للزبائن هنا؟
أجاب النادل بلهجة بورسعيدية:
ـــ بيرة ساقعة،وعندنا شربت وعصائر أخرى ، ولو عايز تشريب نعمل لك.
قال محسن:
ـــ معلمك سيد حنكش هيجي امته؟
ـــ جاء بالأمس.
تناولوا شربت الرمان ثم خرجوا، في الطريق أخبرهم محسن الجيزاوي أن سيد حنكش دائما يقضي هذا الوقت من النهار في مقهى الخليل على بعد ربع ساعة مشيا من العشار .
الشوارع خالية إلا من ندوب دانات المدافع على الجدران ،نادرا ما تلتقي أحدا من العراقيين في البصرة، المصريون العاطلون عن العمل توجهوا إلى العراق، فتح لهم صدام بلاده ليؤازروه في الحرب على الخوميني، وضمن لهم رواتب مجزية عن طريق تخصيص ألفي دولار لكل حائزعلى إقامة عراقية من المصريين ،يحولها بنك الرافدين على الإقامة إلى الدينار العراقي بالسعر الرسمي المدعوم ،فيصير الجنيه المصري بدينار مدعوم يعادل ثلاثة دولارات بينما هو في التداول الحر يساوي ربع دولار تقريبا،مع نهاية الحرب احتل المصريون وجوه الحياة المدنية في العراق ، التجارة والصناعة وسوق العمل حتى صيد السمك والفلاحة، تعمقت الشحناء بين المصريين والعراقيين العائدين من جبهات الحرب ليجدوا وجوه الحياة أمامهم مسدودة، فكثرت حوادث القتل والكراهية وتوابيت الجثث الواصلة إلى مطار القاهرة.

وصلوا إلى مقهى الخليل، أشارمحسن الجيزاوي إلى رجل كثيف الشعر ، قصير ، صامت معظم الوقت، يلعب الكوتشينة مع أحد المصريين وحولهم حلقة في غاية الإثارة والتحميس،أشار إليه قائلا:
ـــ هذا سيد حنكش.
استدار رفعت حتى صارأمامه، حدّق في وجهه، إنه أخوه سيد زيادة ، لم يره منذ عشر سنوات،حيّاه قائلا:
ـــ وحشني ياسيد ، واحشني يا اخويا.
واصل سيد لعب الكوتشينة ، لم يرد عليه، أشار إليه بالجلوس، طلب له قهوة ع الريحة، واصل اللعب والصمت،قال غرام والجيزاوي في صوت واحد:
ــــ متأكد أن ده أخوك؟
نظر سيد إلى رفعت أخيه وقال:
ـــ إيه اللي جابك هنا!؟
ـــ جئت للبحث عنك، أمك مريضة ونفسها تشوفك.
قال سيد:
ـــ جاءني خبر موت أبي وأنا ألعب في هذه المقهى،لحظتها كرهت نفسي،كرهت كل شيء,كرهت مصر وكل مافيها.
دخل في نوبة بكاء شديدة بصوت مبحوح، هدّأه رفعت، واحتضنه بعمق،بعد قليل نهض سيد حنكش، قال لأخيه ورفيقيه:
ـــ تعالوا.
مضوا باتجاه شيراتون البصرة الذي تهدمت واجهته تماما، في الطريق حيّا كثيرون سيد حنكش مهنئين بسلامة عودته من الأردن، كلهم صبيان وشركاء عمل في المغسلة والبار وكثير من العمارات التي هجرها أصحابها،قصد حنكش عمارة منها دخلها ،تبعه رفعت ورفيقيه، صعدوا حتى السطح، قال حنكش:
ـــ هنا أنام ، ومن هنا أعلم اتجاه القصف وسير الصواريخ والطائرات من أصواتها وشكل أزيزها.
أخبره رفعت وغرام بأن إقامتهما انتهت وهما الآن في المخالفة، ولايستطيعان التنقل أو التحويل.
نادى حنكش أحد صبيانه ، أخذ منهما جوازي السفر، أعطاهما للصبي قائلا:
ــــ وصلهما للعقيد أبوسامر آمر جوازات البصرة، هو هيعمل اللازم.
في اليوم التالي أعطاهما الجوازين وعليهما ختم الإقامة الرسمي، التفت إلى أخيه قائلا:
ـــ سافر يارفعت، خذ صاحبك وسافروا بلدكم، أنتم مش وش غربة وبهدلة.
رد غرام:
ـــ فعلا معاك حق، سونباس وحشتني.
رد حنكش باهتمام:
ـــ أنت من سونباس بلد العرموصي؟
ـــ نعم
ـــ أقمنا بجواركم في فرسيس عند أخوالي سنوات الهجرة،سلّم لي على سعد عبدالمنعم وعبده عسكروكل دراويش الحضرة،رد غرام عقلة:
ــــ طلعنا اخوات ياسيد،مداد يابا العرموصي مدااد.

26ـــ
أقلعت الطائرة الجامبو من مطار صدام في الفجر،وصلت القاهرة في الضحا،استقل رفعت أبو زيادة الاتوبيس المتوجه إلى بورسعيد،أخذ غرام عقلة سيارة أجرة إلى موقف أحمد حلمي ومن هناك ركب البيجو إلى سونباس,وصلها من الناحية القبيلة ،نزل بجوار محطة القطار،اجتاز الحقول صوب المقابر ومنها إلى داير الناحية،التقى الغمري منصور ، احتضنه طويلا ،بكى بحرقة ،سأله غرام:
ـــ مالك ياعم الغمري؟
ـــ أبونا العرموصي مات فجرا ونستعد لدفنه، الدراويش مواكب بالرايات والدفوف يجوبون البلد،كل الأضرحة علقت البيارق السوداء وانخرط الناس في الذكر والحضرة، عصابة الجهيني متربصة بالناس والأضرحة ، بالأمس هدموا ضريح أبوزينب،يتأهبون لمهاجمة موكب الجنازة الذي سيخرج من الساحة بعد الظهر.

في المقدمة الدميري مقيد بالسلاسل ،خلفه مباشرة سيد عكاشة ،إبراهيم أفراح، عبده عسكر،أبوعامر والأزهري وبلال خرده وسعد عبدالمنعم والغمري منصور يتناوبون على حمل النعش،على مدد الشوف خلق كثيرون ، يكبّرون ويهللون ، نساء ورجال وأطفال ، عواجيز النساء والرجال في آخر مشهد الجنازة على ظهور ركائبهم يتوسطهم جلال العبيط تتدلى قدماه على خصر حمارته وتجرجران في التراب، قبيل عتبة المقابر بعد عبور جسر المصرف العمومي ، نحر المريدون ذبائحهم ، تجمعت نساء الدميري لتجهيز اللحم وتوزيعه على أهل سونباس، وإعداد الخدمة ثلاثة أيام في مقر الساحة كما أمر بلال خرده وأبو السلامة مأمورالبندر.
تماما كما توقع غرام عقلة الذي انصرف بعد الجنازة إلى مقهى أبوغز، تماما كما توقع، اختفى رجال سند الجهيني،فكأن أرض سونباس انشقت وابتلعت أبو سرية والسليمي وعبد السميع وأبوعجيزة،بعد قليل وصل الغمري منصور وإبراهيم أفراح، طلب لهما غرام شايا،نظر إليهما قائلا:
ـــ صرنا يتامى يا إبراهيم!!
رد عليه الغمري:
ـــ من له أب كالعرموصي لايعرف اليتم ياغرام.
ارتشفوا الشاي في صمت قطعه غرام بعد قليل قائلا:
ـــ إيه اللي اتغيّر في سونباس يابن أفراح؟
ـــ ولاشيء،ملكوت ربك راسخ كالأرض والسما.
بعد أسبوعين من موت العرموصي،حلقة الذكر منصوبة في ساحة أبو وشاح،ينز العرق والآهات من أجساد الدراويش وقلوبهم،يتصدر الحضرة الغمري منصور وعبده عسكر، الدميري جالس خلف حلقة الذكر، أغمض عينيه وأسند رأسه على الحائط ،وصلت حبيبة تتبعها كواعب وعين وفردوس وجنة الشوكلاية صائحات:
ــــ هدّوا اللحد بتاع أبويا العرموصي،وسرقوا جثته.
توقف الذكر والحضرة ،نهض الدميري غاضبا ، غادر ساحة الذكر وهم يتبعونه صائحين:
ــــ الله يعيننا على كل ظالم جهول.
استيقظت سونباس في الصباح التالي على حرائق التهمت منازل الجهيني وأبوسرية والسليمي وأبوعجيزة وعبدالسميع،عصابة السراويل القصيرة واللحى النابتة.

27ـــ أبو السلامة مأمور البندر
أقصى طموح ستيتة أمه أن يكمل ابنها أبو السلامة تعليمه في الكتّاب،أن يفك الخط،ليلتحق بوظيفة مساعد كاتب في وسيّة الباشا عبدالحي، ستيتة أفنت عمرها في الخدمة عند الباشا،من زريبة البقر، لزريبة الغنم،لإسطبل الخيل،تنظف وتحلب وتعلف، أخلصت في خدمة الباشا طمعا في وظيفة مريحة لابنها،ذات ظهيرة سألها الباشا عن ولدها أبوالسلامة فقالت:
ــــ هو بخير مادمت راضيا عنّا.
واصل الباشا:
أحواله إيه مع شيخ الكتّاب؟
أجابت:
ـــ عال العال
تابع عبد الحي:
ـــ لونجح في اختبار القبول سندخله المدرسة.
بالفعل كان عبدالحي عند وعده والتحق أبوالسلامة بالمدرسة واستمر بها تحت رعاية الباشا حتى حصل على التوجيهية، ومنها التحق عامان بالشرطة وتخرج ضابطا،ثارالضباط والأخوان على الملك ، أجبروه على الرحيل من مصر،ترقّى أبو السلامة في سلك الداخلية حتى صار مأمورا للبندر الذي تتبعه سونباس، عرفت قدماه ساحة العرموصي ، في البداية تفتيشا عن الحشيش والهاربين من الأحكام القضائية والخدمة العسكرية،وانتهت بأن أصبح من أبناء العرموصي،خرج المأمور من الخدمة الحكومية ودخل في خدمة العرموصي ،وما إن حلّت الذكرى الأولى لوفاته حتى قرر تحت إلحاح من بلال خردة أن يقيم مولدا للعارف بالله مولانا العرموصي،قبل الليلة الكبيرة للمولد امتلأت الساحة بالخيرات ،ذبائح وأشولة من الدقيق والرز والفول، شحاته وأم الخير سربوا معظمها، باعوها للجزارين والبقالين وقبضوا ثمنها وتركوا زوار المولد والمريدين جوعى في شوارع سونباس ،بذل بلال وابوالسلامة مجهودات جبارة لإطعام الدراويش وإيوائهم بعيدا عن عيون أم الخير وابنها شحاته، الذي استضاف رجال المباحث والأمن ووضعهم في صدارة المولد، مع وصول الشبراوي قادما من المنزلة بعربته الكارو بعد أسبوع من السفر لم يجد مكانا لعربته ،أقام شحاتة سورا عاليا حول الساحة، له بوابات عليها حراسة تتحكم في الداخلين والخارجين من الساحة،زعق الشبراوي غاضبا:
ــــ هذا سجن كبير وليس ساحة أبونا العرموصي!!
ظل نائما بجوار عربته وحماره البني في الخرابة القريبة من أسوار الساحة طوال أيام المولد.
في العام التالي سجل شحاتة بتحريض من أم الخير جمعية خيرية باسم العرموصي أبيه في وزارة الشؤون فرع الطرق الصوفية.
في مقهى أبوغز في الليلة التالية لليلة الكبيرة لمولد العرموصي سأل إبراهيم أفراح وهو يرص الحشيش فوق المعسل ويقدّمه لغرام عقلة:
ــــ هي الدولة مهتمة كده ليه بالدراويش والطرق الصوفية ياغرام ؟تصوّر..أي كارت من شيخ طريقة يفتح السكك المقفولة في الدولة!!
بعد نفسين عميقين من دخان الجوزة قال غرام بتركيز عميق:
ـــ دولتنا معذورة في دين؟
رد إبراهيم مندهشا:
ــــ أنا أفهم إن الواحد يتعذر في قرشين يأكل بهم،ماشي، في قرشين حشيش ،ماشي؛لكن يتعذر في دين ؟ أهي دي أنا مش فاهمها ياعم غرام!!
أجاب غرام عقلة:
ــــ أفهّمك...عندنا دين بتاع مشايخ الأزهر،وده تبع الحكومة ولايؤثر في الناس، وعندنا دين السراويل القصيرة واللحى النابتة..دين البدو والصحرا...وده خطر جدا على الحكومة والشعب،وعندنا دين الدراويش، أكل وشرب ومحبة ورقص وذكر وعرفان،المولد متوى للغرباء والمحتاجين يا ابن أفراح، والدراويش عيّنة من الناس ليس لها مطلب لدى الحكومة أوغيرها،هؤلاء ناس على باب الله.
انتصفت الليلة ، نهض غرام للانصراف،على باب المقهى قبض عليه رجلان من الأمن يرتديان ملابس عادية، سحباه عنوة ، ألقيا به في سيارة ملاكي بيضاء وانطلقا.

28ـــ
انفضّ مولد العرموصي،المريدون انصرفوا بحرقة في القلب،لم يجدوا عهدهم بطيب المقام وبشاشة الحضور،الدراويش تأكل أرواحهم الحسرة، فقد خلت الساحة من بركات أبيهم العرموصي وكرم لقاءاته،عزم بلال خردة وأبوعامر والأزهري والرفاعي والغمري منصور ومأمور البندر أبوالسلامة على التدخل وتحذير شحاته وأم الخير من عواقب الإساءة إلى الدراويش.
سيد عكاشة وعبده عسكر وإبراهيم أفراح وأم السعيد الشنواني ونساء الدميري في ساحة الضريح عند أبو وشاح،دخل عليهم مأمور البندر أبوالسلامة بصحبة غرام عقلة ،استقبله إبراهيم أفراح فرحا:
ــــ أفرجوا عنك ؟ سلامات.
بادره أبوالسلامة قائلا:
ــــ الموضوع انتهى على خير، وغرام عرف غلطته.
من فوق النخلة في ساحة ابوشاح انطلق الدميري في الشدو:
ــــ والسابقون السابقون،أولئك المقربون،في جنات النعيم،ثلة من الأولين،وقليل من الآخرين،على سرر موضونة،متكئين فيها متقابلين،يطوف عليهم ولدان مخلدون،
عقّب ابن أفراح:
ـــ اوعدنا يارب اوعد
واصل الدميري:
ـــ بأكواب وأباريق وكأس من معين،لايصدعون عنها ولا ينزفون،وفاكهة مما يتخيرون،ولحم طير ممايشتهون،وحور عين،كأمثال اللؤلؤ المكنون،جزاء بما كانوا يعملون،لايسمعون فيها لغوا ولا تأثيما،إلا قيلا سلاما سلاما،وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين،في سدر مخضود،وطلح منضود،وظل ممدود،وماء مسكوب،وفاكهة كثيرة،لا مقطوعة ولاممنوعة،وفرش مرفوعة،إنا أنشأناهن إنشاء،فجعلناهن أبكارا
مالت عين بنت السواح على أبكار البغدادي،قرصتها من ذراعها وهي تهمس:
ـــ جاء دورك يابنت البغدادي،ياسعدك ياهناك
واصل الدميري:
عربا أترابا،لأصحاب اليمين.

هبط الدميري من قمة النخلة على أرضية الساحة مقيدا بالسلاسل،نظر في وجوه نساء ورجال الحضرة،تأملهم طويلا،لم ينطق أحد بحرف ،بلال خردة بكى بصوت مسموع،حاول أبوالسلامة مواساته والتخفيف عنه،ترك الدميري ساحة أبووشاح قاصدا بيت سلطانة،عبر من الحارة الوسطانية في عز القيلولة من شهر مسرى ،في اللحظة ذاتها أخبرت فواكه الحيظي وأنهار المراكبي ــ آخر من زارهن ـــ بقية النساء عن الأحوال الصحية السيئة للدميري،وانهيار قوته في متابعة الحياة مع القيد المحكم حول رجليه،اقترحت عليهن جنة الشكولاية أن يذهبن لزيارته والاطمئنان عليه في دار سلطانة قائلة:
ــــ بعد إذن أبكار طبعا.
هزت أبكار رأسها بالموافقة.
عفاريت دار سلطانة لاتنشط في النهار لذا عبرت كواعب بنت جاب الله الراسي البوابة المردومة للدار تتبعها جنة الشوكلاية بصحبة فردوس وعين بنت السواح، في المؤخرة وصلت فواكه الحيظي برفقة أنهار المراكبي وأبكار البغدادي التي يحل دورها اليوم في زيارات الدميري.
انشغل نساء الدميري في تنظيفه،وضعن سدرية الماء على الكانون،صببن منها على رأسه وكامل جسمه ،بالليف والصابون دعكن بطنه وجنبيه وساقيه من الكاحل إلى أطراف بنانه، جففنه بزوج من البشاكير أحضرتهما كواعب، ألبسنه قميصا وسروالا جديدين،أجلسنه فوق الكنبة،فكت أبكار صرة الطعام،صبّت له طبقا دافئا من الحساء به قطع صغيرة من اللحم،طلب منهن أن يأكلن معه،أعدت لهم فردوس ثمانية أكواب من الشاي،ناولت كلا منهم كوبا، اقترح عليهن الدميري أن يكتحلن ويأخذن زينتهن،ولما فرغن وبرغبة منه وضعن السلاسل في قدميه،نهض الدميري قائلا:
ـــ اتبعوني.
قطع البلد بالعرض متجاوزا داير الناحية حتى صعد جسر النيل وهن يتبعنه، الناس في سونباس يتأملن موكب الدميري ومن خلفه هؤلاء النسوة ،علّقت أم الرزق:
ـــ ربنا يعدي النهارده على خير، قوموا يا أولاد نشوف الدميري رايح فين؟
قطعن مسافة طويلة من جسر النيل،لفت مشهد الدميري انتباه الناس فسار الكثير منهم وراءه ،مررن على درية تصعد وتهبط إلى النيل من بيتها المفتوح على الجسر وهي تخاطب الجنيات في النهر:
ــــ كلهم أنجاس ولاد كلب،لصوص وغدارين،كلهم ولاد زبيدة،ربنا ينتقم منهم...
لم يلتفت الدميري إلى درية، واصل السيرصوب شمية أومباز في الناحية القبلية للنيل ،خلفه نساؤه صامتات يتبعهن خلق كثير من أهل سونباس،انعطف الدميري يسارا أصبح على الشط مع التقاء الماء بالساحل،نظر خلفه ،تأمل وجه نسائه واحدة واحدة،التفت ناحية الماء وواصل السير وهن يتبعنه،غطّى الماء الأقدام وهن يواصلن السير وراءه ، وصل الماء للبطون ،الصدور، الأكتاف ، اختفين تماما تحت ماء النيل ، والناس على الشط أمم ،جماعات وفرادى،صامتون ،انعقدت ألسنتهم، يضربون كفا بكف وقد شلّ المشهد قدراتهم على التفكير والحركة .




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,012,648,665
- سمات مشتركة بين ديانات الجذر الإبراهيمي
- سقطة المحو
- مستقبل الأديان والفكر اللاهوتي
- تأملات في الغريزة والتاريخ
- الحرف بين الأصل والتاريخ
- تأملات في الغريزة و التاريخ
- من مشاهد البعث و الحساب في العقيدة المصرية
- لصوص العالم يختبئون فى البحر الميت
- هل كان للناس دولة تطبق شريعة الإسلام ؟
- قلب الوجود
- ما ذا تعني المصرية ؟ ومن هم المصريون
- أسلمة الثورة المصرية . . وإحباط محاولات التغيير في المنطقة
- من كتاب الحب والحكمة
- هدم الأضرحة .. وعقائد البدو
- أما آن لهذه النخاسة أن تتوقف !؟
- نموذجان من الانتهازية وفقه النفط - شنوده والقرضاوي
- فقه النفط وفتاوى الضرورة
- جسد المظاهرة
- شجرة الحياة
- قراءة في -مثلث العشق- لشريف صالح


المزيد.....




- كاريكاتير القدس- الأربعاء
- الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية: رئاسة ترامب ...
- السودان: إغلاق الجسور في الخرطوم غدًا احترازيًا
- افتتاح مهرجان -أيام فلسطين السينمائية- بفيلم إيراني
- 80 ألف عنوان من 73 دولة في -الشارقة للكتاب 39-
- الفردوس: وزارة الثقافة -لا تضع أية لوائح مسبقة للاستفادة من ...
- أكثر من 300 مشاركة من 42 دولة.. الترجمة والتثاقف في الدورة ا ...
- حكايتي ... طه حسن الهاشمي: السينما خُلقت معي منذ وقت مبكر
- كاريكاتير العدد 4794
- وصية النصيرة الشيوعية مهاباد حمه رشيد هورامي / ترجمة وإعداد: ...


المزيد.....

- أثنتا عشرة قصيدة لويس غلوك / إبراهيم الماس
- أنطولوجيا مبارك وساط / مبارك وساط
- على دَرَج المياه / مبارك وساط
- فكر الأدب وادب الفكر / نبيل عودة
- أكوان الميلانخوليا السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- التآكل والتكون السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- رجل يبتسم للعصافير / مبارك وساط
- التقيؤ الأكبر السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- الهواس السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- النهائيات واللانهائيات السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس منصور - نسوان الدميري