أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سيدأحمد إبراهيم - رواية مسيل الأرواح مركزية الزمان وفجيعته















المزيد.....

رواية مسيل الأرواح مركزية الزمان وفجيعته


سيدأحمد إبراهيم
صحفي، قاص، وشاعر


الحوار المتمدن-العدد: 6676 - 2020 / 9 / 14 - 21:27
المحور: الادب والفن
    


ليس غريباً على الأدب مناقشة قضايا وواقع المجتمعات، وعرضها بطرقه التي لا تخلو من الإلتفاف الذي لا يضر، وإذا اتفقنا على ضرورة وجود الحقيقة كمبتغى ثابت في الأدب، نتفق بالضرورة على جواز إثبات بعض الأكاذيب لقول الحقيقة. وبطبيعته، لا يغض الأدب، طرفه عن المنعطفات التأريحية التي تأثر عليه بشكل واضح وقد تؤدي إلى تغيرات في طرائقه وأشكاله. في هذه الزاوية، لسنا بعيدين عن هذه النقاط، فالرواية التي نود عرضها، إحدى النماذج على تأثر الأدب بالحوادث التأريخية المهمة وعرضه لها، مسيل الأرواح، رواية للكاتب الشاب عمر الفاروق نور الدائم، والتي تناولت حقبة مهمة جداً من تأريخ المجتمع والدولة السودانية، وهي الفترة الأخيرة من حرب الجنوب التي استمرت لأكثر من 50 عاماً.

تقع الرواية في 144 صفحة مقسمة على سبعة فصول، وهي الرواية الفائزة بالمركز الأول بجائزة الطيب صالح للرواية عن مركز عبد الكريم ميرغني مناصفة مع رواية "النهر يعرف أكثر" للكاتب أسامة الشيخ إدريس في النسخة قبل الأخيرة، وتدور أحداث مسيل الأرواح، حول الحرب التي سقط ضحيتها آلاف البشر والأراضي والعقول، مستصحبة الحكايا المنسية والجوانب غير المرئية منها، في عرض حزين لويلاتها وما يمكن أن تفعله بمشعليها وضحاياها، ولا يمكن أن نختلف كذلك أن أوائل ضحاياها هم مشعلوها، ليس بعيداً عما ذهب إليه مؤلف الرواية، حيث أنه اختار التركيز على عدد من الشخصيات المحورية جميعهم ذوو صلة وثيقة بتلك الحرب، بدءا بقائد الإنقلاب، مروراً بأمير المجاهدين، ونهاية بمجدي، المعلم الذي أضحى مجاهداً مؤمناً بالحرب ضد الكفر ولنصرة الله.

تلك الفترة من تأريخ السودان، كانت فترة محفزة للكتابة عنها، لما تحمله من مادة مليئة بالأحداث التي يمكن أن تسرد من زوايا مختلفة، وما فعله عمر الفاروق، فعل يستحق الإحتفاء، للطريقة التي خرجت بها الرواية من إبداع وتماسك في الفكرة والسرد والجمالية التي تلبست السطور.

تبدأ الرواية، بحديث عن المعلم مجدي، الذي كان يعيش حياة عادية، هادئة مليئة بالحب، قبل أن يصيبه مس عظيم، يخلع عنه هدوءه ويخرجه من دائرة المُشاهد، إلى دائرة صنع الحدث، وذلك باختفائه بعد الفصل الأول، حيث يسرد الراوي، تفاصيل الحرب ويعرض مجريات أحداثها ويقلب رحاها بين المتمردين والحكومة العسكرية التي سيطرت على الحكم عن طريق انقلاب عسكري قاده متعصبون يرفعون شعار الجهاد للسيطرة على جنوب البلاد. يسترسل الفصل الثاني الذي غاب عنه مجدي، في سرد آثار الحرب على البلاد، باستمرار بشاعاتها، وروائح الموت التي تخيم على المدن والقرى، وأصوات الرصاص التي اضحت مألوفة، واحتفالات القادة الحكوميين بانتصاراتهم، وأعراس الشهداء التي كانت تقام كلما خسرت الحكومة بعض جنودها، والخطب الحماسية التي يلقيها قادة الحزب والمجاهدون في الساحات، وبشرياتهم التي يلقونها على أمهات الموتى، والمآلات الخيالية التي رسمت بخطابات المجاهدين من جنات خالدة تنتظر الشهداء والحور العين اللوائي يتشوقن للقاء المجاهدين. كل تلك الأحداث أصبحت يومية في فضاء الرواية خلال الفصل الثاني الذي تكون فكرة الرواية بدونه، دون روح، فقد مثّل السرد المفتوح، الخالي من مركزة حول شخص أو شخوص، أحد الأوجه الناضرة للرواية، في نظري.

وفي الفصل الثالث يعود لنا مجدي، المعلم الذي ظننا أنه بطل الرواية، إلى السطور مجدداً، أثناء سرد حدوث الإنقلاب الذي أعاد البلاد إلى دائرة الحرب، وياتي في سياق خاطرة صباح الإنقلاب :" هذه من وحي خاطرة دارت بذهن أحد مواطني العاصمة لحظة وقوع نظره على رتلٍ هائج لسيارات عسكرية في طريقه لعبور الجسر النهري الموصل لقلبها، وصياحات مدوية كانت قد ترددت إلى قلبه المذعور، فلقلب هذا المواطن وهو يعمل مدرساً ويُدعى مجدي، خوف دائم من السلطة"ص49 ، هكذا يعود مجدي إلى دائرة الحدث، بطريقة، رأيت فيها مخاطرة كبيرة، إذ عاد لنا كما تركناه، معلماً طيباً يعيش بعاصمة البلاد التي تدير حرباً ضد التمرد في جنوبها، ويبدأ خلال يوم واحد أو صفحات قليلة، التحول الكبير في شخصية مجدي، من معلم بأحد المدارس إلى مجاهد يحمل رتبة عسكرية وبندقية ويقود كتيبة حربية للقتال، وبدا كأن التحول الذي أورده الكاتب بشكل فجائي، جاء سريعاً في صباح اليوم الثاني للإنقلاب، ولكن ما تأكد لاحقاً، أن هذا التحول أتى نتيجة منطقية مستبطنة لما أوردته الرواية في الفصل الثاني من ويلات الحرب وبشاعاتها، وكنتيجة حتمية لتراكم الأحداث رغم أسبقية حدث تحول مجدي، فبدا كأنه مبرراً، لما لمجدي من خوف عظيم من السلطة.


المدهش في السرد في مسيل الأرواح، الإنتقال السلس من حدث إلى آخر ومن شخصية إلى أخرى دون مشقة قد يتكبدها القارئ، فبينما أنت تراقب المعلم مجدي الذي شارك في السيطرة على العاصمة وقمع الإنقلاب المضاد، وترى هوسه بالجهاد الذي صار سبيله الأيمن، وتوقه للشهادة التي أمست هدفه الأسمى، وبعد أن تتيقن تماماً من ذلك، تجد نفسك داخل رأس قائد الإنقلاب وأحلامه وهواجسه من فقدان السلطة، وشكوكه التي تتنامى كل ليلة، خوفًا من الخيانة، وما يدور في الصباح، تبعاً لكوابيسه الليلية التي أصبحت مؤرقاً له وحاكما بديلاً عنه.

تسير الرواية في حكي سيرة جزئية لزعيم الإنقلاب، بمونولوج تفوح منه رائحة الخيانة التي يعيشها القائد، والأوهام التي تسيطر على عقله، والدراما التي تفرضها تلك الكوابيس وانعكاسها على خطاباته التي يتلوها في أحلامه، ومن ثم انتقاله إلى أمكنة مختلفة وهو في مكانه، من مروحيته التي ستنفجر كأن ذلك تداعياً لما يدور في عقله، أصوات الرصاص، وأصوات الصفعات التي يتلقاها من الجندي الذي يوثق يديه، والشرر الذي يتطاير من عينيه. وفي ذات سياق الإنتقال السلس، تجد نفسك تطالع، داخل كوابيس زعيم الإنقلاب، سيرة أخرى لقائد الطلاب المجاهدين، الطالب الذي ترك مقاعد الدراسة وهب يجاهد في سبيل الله ونصرة الحق ودحر الطغيان، حتى يلقى مصيره بالشهادة التي تصبح حلم كل من بعده من الطلاب، وسيرته التي تعم الأرجاء لما كان له من أخلاق عالية ــ فتًى أخلاقه مثل ــ وسريرة صافية تواقة للموت في سبيل الله.

يعود لنا المجاهد مجدي في الفصل الرابع، خارجًا من هزيمة ألحقها بجنوده جيش المتمردين، وتغوص الرواية في أعماق عقله بلغة شاعرية مرهفة في غاية الجمال، لتبين أثر الهزيمة، واستدعاءها لأشواق السلام داخل روح المجاهد مجدي وحنينه لكونه معلمًا طيباً يمسك بالطبشور بدلاً عن البندقية. غير أن ذلك لا يدوم طويلًا، إذ نعود مجددًا لنقابل شخصًا آخر للمشي معه داخل روحه، وهو أمير المجاهدين، الذي يمثل قمة التعصب والهوس الديني والإيمان الأعمى بالجهاد والظفر بالشهادة، وبذات اللغة الشفافة العابرة للأحداث والحوادث، تغمسك الرواية بسرد متماسك، في النفس المجاهدة وأوهامها وتهويماتها إلى حد تنجرف فيه اللغة إلى الذوبان في في أفكار أؤلئك القادة وتحس للحظة أنك أمام أمير المجاهدين يخاطبك وأنت أحد جنوده التواقين للشهادة والصعود إلى الملكوت الأعلى.

تعمدت في الفقرات السابقة، التركيز على تنقل الرواية من شخص لآخر، جميعهم اصحاب تأثير كبير على فكرة الرواية الأساسية، والتي أراها لا تتمحور حول شخص ما أو حول فكرة ما، ففي مجملها العام، تعرض زماناً بكل آثامه، ومن الداخل، نشاهد مرة أخرى، الحرب وما تفعله بالنفوس، فمجدي، قضى نحبه داخل مصح عقلي إثر المس الذي اصابه ولوثة الجهاد التي دمرته، وإن كان ذلك طفيفاً مع حالته مقارنة بأقرانه من ذلك الجيل الذين راحوا ضحايا تلك الفترة. في رأيي، إن الرواية، لم تحمل شخصية رئيسة واحدة ولا عدة اشخاص، وإنما كان البطل فيها هو الزمان، تلك الفترة المأزومة من تأريخنا القريب، بأخذ مقتطفات من حيوات بعض شخوص منها، وبالتركيز على الأثر الكبير الذي تركته تلك الفترة عليهم، وعلى البلاد بشكل عام، وما يمكن للزمان فعله، الأمر الذي نجح فيه كاتب الرواية بشكل كبير. ومن النادر أيضاً وجود قدرة على صنع نص روائي يتجاوز فيه الكاتب تتبع سيرة شخص وقتلها حكياً، وإنما يركز على تتبع سير أزمنة ومخلفاتها، فالعمل لم يكن تأريخياً بحتاً ولن ترى فيه ذلك مطلقاً، وإنما تناول الجانب غير المرئي، بشكل مباشر، من التأريخ وعرضه في خطاب سردي يعمل على مستوى نفسي بإنتقائية حاذقة في اختيار الشخصيات وجوانب حيواتهم، وفي قالب جميل مناسب جداً.

إن رواية مسيل الأرواح، هي مسيل إبداعي بحق، في كل أجزائها وفصولها، ينثال في كل حرف موضوع بحكمة وجملة براقة تخدم الرواية بشكل عام، فخرج نسيجها مشدوداً ومتناسقاً بين الفكرة والسرد والتكنيك واللغة الجمالية التي تفتن العقول ومناسبتها مع موضوع الرواية، ولذلك، وجب الإحتفاء بها وعرضها للقارئ الذي يستحق أن يطالع أعمالاً كهذه، في انتظار صدور نسختها الورقية التي لا بد سترسخ في ذهنه وستخلد في خارطة الإبداع في بلادنا.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,968,580,619
- فتيات الرّمل
- مَريم
- ﻃَﻠْﺤَﺔ ﺍﻟﺘ ...
- رسالة يائسة
- جحيم الذات


المزيد.....




- أيت الطالب : مستعدون في الوزارة للتصريح بممتلكاتنا باش نعرفو ...
- دار الأوبرا المصرية تحتفل بأشهر مغني -باص باريتون- في مصر
- عندما تصبح الحقيقة خيانة: أسرار هجمات الحادي عشر من سبتمبر و ...
- صدور رواية جديدة للكاتب حسن هند بعنوان -إنجيل مها-
- محسن رضائي: الحظر ضد ايران مسرحية لصالح ترامب
- فيلم -جذور في المنتصف- للطالبة فريدة الكيلاني يخترق العالمية ...
- سوريا تصدر قرارا يخص المسرحين من خدمة العلم
-  مبادرة “جميناي “لريادة الأعمال بمهرجان الجونة السينمائي لدع ...
- جلالة الملك يهنئ خادم الحرمين الشريفين وولي عهده بمناسبة عيد ...
- -روس كوسموس- تصور فيلما سينمائيا على متن المحطة الفضائية ال ...


المزيد.....

- أنا الشعب... / محمد الحنفي
- ديوان شعر هذا صراخي فاتعظ / منصور الريكان
- إمرأة من ورق قصص قصيرة / مؤيد عبد الستار
- خرافة الأدب الأوربى / مجدى يوسف
- ثلاثية الشاعر اليوناني المعاصر ديميتريس لياكوس / حميد كشكولي
- محفوفا بأرخبلات... - رابة الهواء / مبارك وساط
- فيديريكو غرثيا لوركا وعمر الخيّام / خوسيه ميغيل بويرتا
- هكذا ينتهي الحب عادة / هشام بن الشاوي
- فراشة من هيدروجين / مبارك وساط
- أنطولوجيا شَخصيّة (شِعر) / مبارك وساط


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سيدأحمد إبراهيم - رواية مسيل الأرواح مركزية الزمان وفجيعته