أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الغربي عمران - عادل سعيد في الأسايطة يكسر مسارات السرد.. ويعري التسلط....















المزيد.....

عادل سعيد في الأسايطة يكسر مسارات السرد.. ويعري التسلط....


الغربي عمران

الحوار المتمدن-العدد: 6658 - 2020 / 8 / 26 - 12:20
المحور: الادب والفن
    





أحترت وأنا أقرأ الأسايطة للجريء عادل سعيد.. وتضاعفت حيرتي. فما بين يدي كائن حي.. تتوالد الشخصيات وتتنامى.. حتى أن القارء يسمع دبيب أقدام كثر.. وصراخ عشرات الأفواه.. ودموعهم ودماءهم.. وضحكاتهم.
الأسايطة جنسها كاتبها بـ "رواية".. وأنا أصنفها بأكثر من ذلك.. بعد أن أضاف إلى المتخيل الروائي ثراء معلومتي. معتمدا على أكثر من ثلاثة عشر مصدرا ومرجعا لإخراج هذا العمل السردي المختلف. وبذلك ندرك قدرة الرواية على التجدد.
المكان مدينة "أسيوط" .. الشخصية المحورية في الرواية.. لنرى فيها مصر.. وقد أتخذ الكاتب منها نموذج أو مقطع تشريحي يمثل الجسم الأكبر "أم الدنيا".
الأعمال الروائية كثيرة التي تبرز المكان بملامح متكاملة.. ليحل كشخصية من شخصيات الرواية.. ومنها بعض أعمال محفوظ. وعمارة يعقوبيان ونادي السيارات للاسواني.. ومؤخرا رواية "حبس الدم" للسوري نضال الصالح.. الذي جعل من حلب شخصية روايته المحورية. إلا أن الأسايطة تختلف عن تلك الروايات.. باعتماد المكان شخصية مهيمنة.. فكل الشخصيات فيها عابرة.. إلا هي تظل حتى الكلمات الأخيرة حاضرة بقوة. إضافة إلى اعتماد الكاتب على عدة مراجع ومصادر مدللا على واقعية ما حدث.. وعلى تاريخ هذه الشخصية عابرة للأزمنة.
الأسايطة ثلاثة كتب في كتاب واحد.. وبعناوين مختلفة: عبيد درب الأربعين, خالتي بطة الحشاشة, وصلاة العقارب. وتحت كل عنوان من تلك العناوين وضعت عناوين فرعية أخرى. وبذلك يمكن للقارئ أن يقرأ الأسايطة من أول صفحة إلى اخرها.. كما يمكنه أن يتناول أي جزء من أجزائها بمعزل عن البقية.. أو أن يبدأ من آخر جزء.. فالأسايطة شبيهة بسفينة نوح بما حملت.. أو غابة بأشجارها وغدرانها ووديانها وبتضاريسها المتنوعة. فلكل كائن له معانه المنفصل والمتصل.. ولكل جزئية معناها ومرماها.. اضافة إلى امتداد الزمن ليشمل شخصيات وأحداث عدة قرون.. وذلك ما يميزها عن غيرها.
وعودة على بدئ.. غلافها.. بلونيه الأسود والأبيض الدال على القدم.. بتجاعيد وفلوق الجدران الطينية.. بمومياوات عارية تستند على مومياء أخرى ملفوفة بأكفانها.. وإلى جوارها يقتعد رجل بملامح نوبية شاحبة وحزينة.. واضعا كفه اليسرى على خده.. وقد أمال رأسه عليها .. غارق في هم عظيم.. يلف جسمه بثوب دون تقاطيع.. وطاقية شملت رأسه.. وفي مقدمة المنظر تمددت مومياء أخرى.. مهملة.. إلى جوارها وعاء فخاري. هي تفاصيل بلون التراب .. تبعث على الحيرة والتساؤل.
سطر الكاتب عتبة أخرى قبل البدئ.. نص كتبه الشهيد الصحفي صادق أبو حامد.. الذي أستشهد في 28 يناير.. وهو يقف تحت تمثال عمر مكرم بميدان التحرير فجراً.. تلك العتبات هي من روح الأسايطة.. فكل شكل وكل لون وكلمة لها دلالتها. أذ يتفجر العنف من أول صفحة في وجه المتلقي. غارقا في تفاصيل.. تولد وتفاصيل وتفاصيل.. وكان مدينة أسيوط قلب للعالم.. حيث تشي تلك التفاصيل بحكايات مجتمع دون ساتر أو ممنوع.. لشخصيات من رأس السلطة والمال والجاه.. إلى انسان قاع المجتمع.. حيث يجد المتلقي جزء من ايقاع حياة بصخب غير متوقع.. يرى ويسمع ضجيج الحياة ليس في زمن محدد أو شارع أو حي بعينه.. بل في شرايين واوردة كائن عملاق شبيه بالعنقاء أسمه أسيوط ...
من محمد علي باشا إلى حياة أبناؤه واحفاده حتى ناصر والسادات ومبارك.. بل وتذهب بالقارئ إلى أزمنة بعيدة.. لترصد فلاح الغيط.. ورجل الشارع والغواني والشواذ.. إلى المتحكمين بثروات البلد ومواردها.. من مليارات إلى موائل مختلفة.. إلى حياة الناس. هي سيرة الدم والاستعباد والعنف البشع.. تتجلي الحياة في الأسايطة بكل فصولها.
يأمر الباشا بذبح العمدة.. قصاص لذبحه بقرة فلاح وبيعها على الأهالي.. ليسأل الباشا الجزار "كيف تذبح البقرة بلا حق... فرد عليه: أنا عبد المأمور.. والعمدة أمرني... ليرد الباشا : أنت إذا لا تسأل!... إذا اطلب منك ان تذبح العمدة" ولم يتأخر إذ سحبه على الفور وبطحه أرضا أمام أنار سكان أسيوط.. وذبحه على الفور. ثم أمره الباشا أن يقطعه كما قطع البقرة إلى 400 قطعة.. وبعدها يوزع قطع لحم العمدة على من أشتروا قطع لحم البقرة.. وبثمن مضاعف. دمعت عيون من تجمعوا في صمت لهول ما يدور. في حكايات أخرى ترتخي الشفاه عن ابتسامات ضاحكة.. حين وقف رجال الدين والمجتمع موقف المعارض لقرار الخديوي تحريم تجارة الرق "تآزرت عائلات كبيرة من المسلمين والنصارى للوقوف ضد فرمان تحرير العبيد والغاء الرق.. باعتبار ذلك اعتداء على الاملاك والتقاليد وشريعة الانجيل والقرآن". ليتطور الأمر إلى أن "شيخ الإسلام الأكبر.. ومفتي الديار عارضا افندينا.. وانضمت اليهما في المعارضة هيئة العلماء بأسرها وبطريرك الكرازة المرقصية فعزل (الخديوي اسماعيل) الشيخين والبابا وانذر بالإلغاء هيئة العلماء". إلى تداعيات ذلك الفرمان من رفض تزويج من أعتقن.. والمضحك أن بعض العبيد والجواري رفضوا قبول حريتهم...
إلى حكاية الأسيوطي حنا وأخيه ويصا.. من تشرد في طفولتهم بسبب قسوة زوجة الأب.. وبداية تنقلهم بين القرى يبيعون الإبر والخيوط والدبابيس للفلاحين على ظهورهم.. وخلال عشر سنوات ادخروا 40جنيها.. لتدور عجلة تجارتهم حتى امتلكوا ثروة.. والافدنة الخصبة ومعظم اسهم سكة حديد الفيوم.. ثم اتجهوا لصناعة النسيج وتكرير السكر. حكايات وحكايات تتوالد لصفوة أسيوط وناسها البسطاء.
العبث بالأثار 1949. حين هبت هوجة البحث عن الذهب رقيب او زاجر "نبشوا محتويات المقابر.. تاركين مومياوات اصحابها عارية.. أو ممزقة اكفانها على الارض بعد جمع المقتنيات المعدنية من نحاس وذهب وفضة واحجار كريمة... في المدينة انتشرت دكاكين تجار العاديات لبيع التماثيل النادرة بأسعار مرتفعة للأجانب.. مومياوات الفراعنة اصحاب تلك الكنوز واقفين في مذلة داخل اكفانهم.. ينتظرون من يشتري مومياوات اجسادهم ببخس الأثمان.. بعض السفن الأوربية استخدمت تلك المومياوات من كثرتها كوقود في عرض البحر".
حكاية عتريس ابن ساعي البريد الذي اصبح زعيم الأمة العربية.. الى القس الاسكتلندي يوحنا هوج.. ونشر البروتسنتية وحرب المذاهب النصرانية في أسيوط وجرجا وبهجور وما حولها.. إلى حكايات الاخوان وانتشارهم . الى اسماعيل رزة "امه راقصة الموالد.. تركته طفلا في الشارع وماتت.. عاش لا يعرف سواها.. بطنها طبقات على طبقات.. كانت زلزال يرقص بثلاث شمعدانات.. تهز اردافها بمئات الكيلو جرامات... بنت ملك تحت الارض تواعده يوميا .. تزوره ليلا.. تمنحه قوة يعجز عن صدها عشرات الرجال.. يدمدم في اسى بانها حكمت عليه بارتداء ملابس النساء ورسم الكحل وأحمر الشفاه لأنها تغار عليه من الحريم... عم اسماعيل ضبط عدة مرات مع ذكور.. لكنه كان دائما تحت.. طبقا للقانون المعتدي هو الراكب فوق.. النائم تحته هو الضحية.. قبض عليه مرات ولم يسجن أبداً كان يصيح بمجرد الوصول لتحقيقات النيابة: انا تحت يا باشا. فيطلقوا سراحه!".
إلى ذكريات شقاوة الصفوف الأولى من التعليم الابتدائي..وهنومة التي تركته وهربت.. إلى حكايات الخط .. وحكاية خالتي ضبعة.. التي كانت عريفة في سجن النساء.. مهمتها تفتيش المتهمات بالحشيش "في الأقسام والسجون يخلعن عرايا أمامها.. تخرق ثقوب الأنثى عنيفة الأصابع. (حكمت البيضة) تاجرة مخدرات بحري.. اعترفت بجريمتها بمجرد أن شاهدتها.. بداخلها أربعة خوابير محشوة كوكائين من الأمام والخالف".
خالتي ضبعة امرأة بشعة.. لا يقربها الرجال.. وحين ظهر منصور ولد عبيط في الحارة أدخلته خلسة إلى بيتها.. غسلته وأكلته ملوخية ثم قادته إلى فراشها.. لكن عضوه لم ينهض.. ضربته وطردته.. ليعاود إلى باب بيتها خالعا ملابسه مادا عضوه. مرددا خذي هذا وأعطيني ملوخية.. علم الجميع بفعلتها "وعاهرات السجن صرن يصحين: ياملوكية. لتشهق إحداهن بغنج: يابخت من حلاكي.. وخلاكي أحلى م اللي بين وراكي. ويغنين خلفها: خيه خيه خدي دا وأبخي لي خيه. كلماتهن ترن في أذنها وتصرخ هاربة يطاردها منصور" . إلى حكايات السفاحين في سجن أسيوط 1974"الغول عمدة المساجين.. محكوم عليه بثلاث مائة وعشرين عام. قاتل مأجور.. وبرغم عادة الثأر لم يتعرض للقتل.. لأن العائلات لا تهتم إلا بمن حرض بوصفه القاتل الحقيقي". إلى "جمال الرويعي الشاب الوسيم اعتصب طفل تحت تهديد المطوا.. دخل السجن وجهه تهشم وتساقطت اسنانه يغتصبه المساجين كل يوم.. ويضربونه عندما يدافع عن نفسه.. صارخين مغتصب الأطفال مؤخرته مباحه". إلى حكاية سفاح آخر "القزم سمير.. سفاح المنيا الشهير الذي قتل ستة وأربعين امرأة... نشر في كل الجرائد أنه كان يلاطفهن ويستدرجهن إلى مكان بعيد.. يقيد الضحية ويكممها.. ويستمتع بتجريدها من ملابسها الداخلية.. يغتصبها.. وبنصف شفرة موس حلاقة تتلوى حية وهو يمزق لحمها قطعا صغيرة.. بادئا بثدييها وأعضاءها المثيرة". إلى حكايات "خالتي هوى ذبحوا على فرجها وطواطا عند مولدها .. واعتصروا حلمتيها قبل قطع حبلها السري" . ثم حكاية شفيقة ومتولي. أو شفيقة والجرجاوي.. وسيد حمته الهجام.. وابو شنب .. مصطفى علوان. وذكريات البيت القديم. وعم فرج السكير وسنية زوجته التي تلاحقه دوما بالشبشب لفضائحه.. وتصفه بابن الزنا. وعم مشرف أبو حشيش.. وعلاقة صراف البنك الآلي بمؤخرات اللصوص.
إلى تطرف الجماعات الإسلامية في أسيوط "اجتاحت الجماعات الإسلامية جامعة أسيوط.. منعوا الأغاني.. ورياضة البنات.. والحفلات.. مزقوا مجلات الحائط باستثناء مجلاتهم.. ضربوا الشيوعيين بالجنازير ليستتابوا...". وذلك الصراع الوحشي بين الجماعات.. وتقسيم المساجد بينهم.. وفرض الجزية على المسيحيين.. ومنع تعليق صور العذراء واليسوع. إلى انتشار تجارة وتعاطي الحشيش.. وتفشي البطالة "نصف عمرك قاعد تحشش على الأرض؟. سألت صلاح فقال: وحياتك من عشر سنين.. وانا نموذج للاستقرار.. كل يوم حسني مبارك يذلنا .. ويقول حافظوا على الاستقرار.. الاستقرار .. اظن لا يوجد استقرار أكثر مني .. فانا لا اتحرك من مكاني". إلى الطالبة التي تبيع جسدها "قالت: أسمع.. أنا واقعية.. بالجنية اتعلم واتجمل ولن تعرفني من بنات الناس.. تمر ايام الجامعة وأعمل ترقيع وأعود عذراء.. ويمكن يكون عندي سيارة ملاكي....".
الأسايطة ما يدهش من حكايات.. وقد رسم الكاتب بها لوحة عملاقة لحكاية مدينة هي مصر.. لوحة فسيفسائية كل حكاية تقود لما يليها.. عوالم متداخلة.. لمجتمع نابض بالبسمة.. رغم القسوة ولم مقيم. حين يختتم الكاتب الأسايطة بالعودة لملاحقات عناصر المحتجين على تردي الأوضاع.. واعتقالات من يعارضون.. ليقودوهم إلى سراديب التعذيب والزنازين.. حيث تمتلئ بمن يشهرون لا آتهم لتدور دورات البطش والقمع والدم مبشرة بثورة تتبعها ثورة.. بعد أن اكتشف الشعب ان ثورته سرقت!






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صلاح بن طوعري.. يلون نصوص بغموض السحر.. سحر جزيرة سقطرى...
- قراءة في مجموعة قصصية لسلوى بكر
- قراءة في رواية مغربية
- قراة في رواية سنوات الغروب
- قراءة في رواية رايات الموت
- قراءة لرواية سيدات الحواس الخمس
- مقاربة حول رواية سيدات الحواس الخمس


المزيد.....




- أحمد القرملاوي يصدر روايته الجديدة “قميص لتغليف الهدايا”
- صدر حديثا دراسة بعنوان -الصورة غير النمطية للعربي في الأدب ا ...
- إكسبو 2020 دبي يحتضن أضخم نسخة مذهبة من القرآن الكريم
- حفل اشهار كتاب القدس من منظور مختلف تحت رعاية الشيخ عكرمة صب ...
- معرض عمّان الدولي للكتاب 2021 يخفض رسوم المشاركة
- تصدر قريبًا رواية بعنوان -الرؤية في ليلة معتمة-، ترجمة طلعت ...
- حسونة المصباحي يصدر كتابه -يوميات الكورونا-
- صدور كتاب -جدل التجارب في الفيلم الوثائقي- لمحمد بشتاوي
- طارق الطاهر يصدر كتاب -تاريخ جديد للسيرة المحفوظية-
- أحمد علي الزين يصدر روايته الجديدة -أحفاد نوح-


المزيد.....

- رواية هدى والتينة: الفاتحة / حسن ميّ النوراني
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها / فاضل خليل
- مسْرحة دوستويفسكي - المسرح بين السحر والمشهدية / علي ماجد شبو
- عشاق أفنيون - إلزا تريوليه ( النص كاملا ) / سعيد العليمى
- الثورة على العالم / السعيد عبدالغني
- القدال ما مات، عايش مع الثوار... / جابر حسين
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها ... / فاضل خليل
- علي السوريّ-الحب بالأزرق- / لمى محمد
- أهمية الثقافة و الديمقراطية في تطوير وعي الإنسان العراقي [ال ... / فاضل خليل
- كتاب (منهج الاخراج) / فاضل خليل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الغربي عمران - عادل سعيد في الأسايطة يكسر مسارات السرد.. ويعري التسلط....