أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زهير الصباغ - العنف السياسي الصهيوني: أنماط ودوافع















المزيد.....



العنف السياسي الصهيوني: أنماط ودوافع


زهير الصباغ

الحوار المتمدن-العدد: 6654 - 2020 / 8 / 22 - 02:40
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



لا تشكل هذه المحاولة معالجة قضية العنف السياسي الصهيوني كبحث كمي وتاريخي، بل تسعى إلى استكشاف الأنماط وتحليل الدوافع الكامنة وراء الممارسات السياسية العنيفة التي قامت بها الحركة الصهيونية، بمؤسساتها وادواتها، في فلسطين على مدى أكثر من مائة عام.
وقبل الشروع في هذه المهمة المركبة، هناك حاجة إلى إلقاء بعض الضوء على ظاهرة العنف العام وأنماطه المتنوعة. وسيتم ذلك عن طريق إعطاء بعض التعريفات للعنف، المقبولة دوليا وتعريف للعنف السياسي بشكل خاص.
تعريف العنف
بالإضافة إلى الطبيعة الاجتماعية والسياسية المركبة لظاهرة العنف، وللشحنة الأيديولوجية الكبيرة التي تحملها في طياتها، نجد تعريفات مختلفة كثيرة. لذلك، لا يوجد تعريف شامل واحد يمكن للباحثين والكتاب اعتماده، لأن الانحيازات الطبقية لأولئك الذين طوروا هذه التعريفات تهيمن على وعيهم الاجتماعي، وبالتالي فإن تفكيرهم يؤثر على صيغة المفاهيم والتعريفات التي ينتجونها. مع ذلك، سأقدم بعض التعريفات التي اعتمدتها الهيئات الدولية، وبعضها الآخر الذي استخدمه بعض الكتاب، الامر الذي سيعطينا تعريفات واضحة إلى حد ما تمتلك مصداقية علمية نسبية.

إن تعريف العنف المقبول دوليا هو تعريف منظمة الصحة العالمية. وقد عرّفت منظمة الصحة العالمية العنف في أحد تقاريرها العالمية بأن:
... "الاستخدام المتعمد للقوة البدنية أو القوة، سواء كانت مهدِدة أو فعلية، ضد الذات، ضد شخص آخر، أو ضد جماعة أو مجتمع ما، مما يؤدي او يملك إمكانية كبيرة ان يؤدي، إلى جرح أو وفاة أو ضرر نفسي، أو سوء تنمية، أو حرمان للبشر."(المصدر: (Krug, Etienne G. and others (ed.) (2002) World report on violence and health, https://apps.who.int. Retrieved on: 18-8-2020))

وعلاوة على ذلك، فإن العنف السياسي هو نوع من العنف الجماعي الذي يمكن أن ترتكبه الجماعات، وكذلك الدول، وبالتالي يطلق عليه عنف الدولة. وهذا يشمل "... العنف الاقتصادي ... مثل الهجمات التي تتم بهدف تعطيل النشاط الاقتصادي، أو حرمان الوصول إلى الخدمات الأساسية، أو انشاء الانقسام الاقتصادي والتجزئة ..." (المصدر ذاته)
ميزت الفيلسوفة الأمريكية حنة أرندت بين العنف والسلطة من خلال طرحها بأن
"... السلطة تكمن حقا، في جوهر كل حكومة، لكن العنف لا يكمن في هذا الجوهر. العنف، بطبيعته، ادواتي، وهو ككل وسيلة، يظل على الدوام بحاجة الى توجيه وتبرير في طريقه الى الهدف الذي يتبعه. ويحتاج الى تبرير ياتيه من طرف اخر ... ولا تحتاج السلطة إلى تبرير، كونها متأصلة في وجود الجماعات السياسية ذاتها؛ ولا حاجة إلى أن تكون السلطة في حالة ما تحتاج اليه هو الشرعية." (المصدر: ارندت، حنة (1992) في العنف – ترجمة ابراهيم العريس - (بيروت: دار الساقي) ص 45) وتابعت ارندت مجادلتها بقولها "... العنف يمكن تبريره، ولكنه لن يعتبر شرعيا أبدا. ويخسر مبرراته في المعقول كلما انحسرت نهايته المقصودة في المستقبل..." (المصدر ذاته)
ووجدت أرندت أن العنف والعنصرية مترابطان. وأكدت أن:

... العنصرية، بيضاء كانت او سوداء، تحمل في تعريفها خمائر العنف، انطلاقا من كونها تطال حقائق فيزيولوجية طبيعية – لون البشرة الابيض او الاسود – لا يمكن لنا ان نبدل سماتها لا عن طريق الاقناع ولا عن طريق تدخل السلطات: في مثل هذه الحالة، يكون الحل الوحيد في افناء حاملي السمات المدانة. العنصرية، كشيء يختلف عن العرق، ليست حقيقة من حقائق الحياة، بل هي ايديولوجية. والافعال التي تؤدي اليها ليست افعال فكرية، بل افعالا مقصودة تقوم على اساس نظريات تزعم لنفسها صفة العلمية. والعنف في الصراع العرقي عنف قاتل على الدوام، غير انه ليس باي حال من الاحوال "لا عقلانيا"، بل هو النتيجة المنطقية والعقلانية للعنصرية نفسها... (المصدر ذاته: ص 68-69)
ويستخدم العنف السياسي، بأشكاله المختلفة وبدرجات متفاوتة، في الدول الاستعمارية الاستيطانية كأداة: لنهب حقوق وثروات الشعوب الأصلية، ولتحييد مقاومتهم للمشروع الاستعماري الاستيطاني، ولتعزيز عملية الفصل العرقي داخل المستوطنات الاستعمارية، ولتخريب اسس الصراع الطبقي، ولشق صفوف العناصر الضعيفة داخل الطبقة العاملة في داخل المجتمعات الاستيطانية الراسمالية.

وعلى الرغم من أن ظاهرة العنف السياسي يمكن اعتبارها سمة مميزة للحركة الصهيونية وتطبيقاتها العملية في فلسطين العربية، إلا أن بعض الصهاينة من كتاب وسياسيين طوروا مفاهيم أيديولوجية تمنح الصهيونية بعض الاستثناءات او بعض الخصوصية المنافية لطبيعتها، من خلال طرح شعارات "طهارة السلاح" و"الدفاع عن النفس" و"ضبط النفس" و"كراهية العنف". ومن خلال صياغة هذه الشعارات، سعوا إلى رسم صورة مناقضة لممارسات الحركة الصهيونية. وفيما يلي تحليل لمفهوم "طهارة السلاح" الذي قام المستوطنون الصهاينة بتطويره في الثلاثينيات من القرن الماضي.

(أ‌) أسطورة طهارة السلاح

مفهوم "طهارة السلاح" هو أحد رموز الثقافة العسكرية الصهيونية، التي تم تطويرها خلال فترة الحكم الاستعماري البريطاني لفلسطين 1918-1948. أرادت المنظمات العسكرية الصهيونية من خلال توظيف هذا المفهوم أن تؤكد ان الأسلحة التي يستخدمها الجندي الصهيوني لن تستخدم ضد الأبرياء، وبالتالي ستبقى طاهرة.

ووفقا للكاتبة الصهيونية أنيتا شابيرا، تم هذا التوظيف خلال ثورة العام 1936الفلسطينية في فلسطين، حين قام القادة الصهاينة ببث دعاية تؤكد،

" ... ان اليهود قوم يكرهون العنف، على عكس صورة العرب الذين هم قوم متعطش للدماء... وفي مقابل الصورة المتعطشة للدماء لابن الصحراء، تطورت الصورة الأخلاقية لليهودي الذي لا يؤذي الأبرياء ..." ( المصدر: ٍ(Shapira, Anita (1992) Land and Power - in Hebrew (Tel Aviv: Am Oved Publishers Ltd) p. 324

طورت الحركة الصهيونية الجوانب الأيديولوجية والسياسية والنفسية لاستخدام العنف السياسي، واستخدمته كأداة ناجحة لتجنيد المستوطنين وجعلهم كتلة متجانسة. وتجاوزت هذه المهمة الصراع الطبقي داخل مجتمع المستوطنين ووظف العنف السياسي من اجل تبرير أعمال النهب والإرهاب التي استخدمت ضد السكان الأصليين الفلسطينيين. وهكذا استطاعت الحركة الاستيطانية الصهيونية ان تتجاوز وجود الصراع الطبقي داخل مجتمع المستوطنين الراسمالي، كما واسدت نوع من الشرعية الزائفة على أعمال النهب والإرهاب التي استخدمت ضد السكان الأصليين الفلسطينيين.

في العام 1938، واثناء حملة الارهاب المنظم الصهيوني ضد ثورة 1936، صرح القائد الصهيوني دافيد بن جوريون بما يلي:
"عندما نقول بان العرب معتدين، فان هذا هو نصف الحقيقة. وبالنسبة لامننا وحياتنا فاننا ندافع عن انفسنا... ولكن القتال يشكل احد مظاهر الصراع والذي في جوهره صراعا سياسيا. ومن ناحية سياسية فاننا نحن المعتدين وهم يدافعون عن انفسهم." (المصدر: Flapan, Simha (1979) Zionism and the Palestinians (London: Croom Helm) p. 141)
وكان هذا اعترافا صهيونيا نادرا واستثنائيا بان الصهاينة هم المعتدين وبان المدنيين الفلسطينيين كانوا يدافعون عن انفسهم ضد الاعتداءات العسكرية الصهيونية. في الحقيقة فان الاعتداءات العسكرية الصهيونية حدثت خلال كافة الاشتباكات العسكرية التي بادرت اليها المنظمات العسكرية الصهيونية مثل الهاجانا والايتسل والليحي. وشملت هذه الاعتداءات عمليات اطلاق النار والقاء القنابل وزرع المفخخات وارتكاب المجازر وكان جزء كبير من الضحايا هم من المدنيين الفلسطينيين. وكانت هذه الممارسات الاجرامية والخسيسة هي الصفة المميزة للاستيطان الاستعماري الصهيوني خلال فترة اكثر من مئة عام. ولا زالت القوات العسكرية الصهيونية وقطعان المستوطنين يعتدون على المدنيين الفلسطينيين في المناطق الفلسطينية المستعمَرة، وأيضا داخل الدولة الصهيونية أي ضد فلسطينيي الداخل. ونحن نشاهد ان كل لقاء بين العسكر الصهيوني والمدنيين الفلسطينيين هو لقاء عنيف يتسبب باضرار جسمانية للضحايا ويتسبب باضرار مادية للممتلكات من بيوت واشجار الزيتون وسيارات.

(ب‌) أنماط العنف السياسي الصهيوني

يعزو الكاتب الصهيوني إيان لوستيك إلى العنف الصهيوني دوافع دفاعية ودوافع اجتماعية وأيديولوجية أخرى. لقد شرح أفكاره بذكره ان
"... الدافع وراء حرب اليهود وانتقامهم من القرى الفلسطينية والقبائل البدوية، كان، ليس فقط الدفاع عن النفس، ولكن أيضا الرغبة في إثبات الذات الفردية من خلال استخدام العنف الناجح. ويسعى هذا إلى بلورة جماعية لمثال ملهم للبراعة البدنية والبطولة اليهودية في فلسطين. كما أنه يوفر ليهود الشتات الشرعية التي هي بعد آخر من أبعاد الأيديولوجية الصهيونية." (المصدر.Lustick, Ian , "Changing Rationales for Political Violence in the Arab-Israeli Conflict", Journal of Palestine Studies, Vol. 20, No. 1, Autumn 1990, p. 54-79)

وشرحت الكاتبة الصهيونية أنيتا شابيرا أن أيديولوجية ما يسمى بـ "ضبط النفس" و"الدفاع عن النفس" للتنظيمات العسكرية الصهيونية، تكيفت مع التكتيكات الهجومية والممارسات العدوانية التي قاموا بها، وتم التعبير عنها في هذا الموقف الأكثر وضوحاً: "لن نؤذي الأبرياء، وستظل أسلحتنا طاهرة. ولكننا سنضرب العصابات وقواعدها في القرى ..." (المصدر: Shapira, Anita, op. cit., p. 324) ولكن شابيرا اعترفت إن "... الأبرياء تضرروا أكثر من مرة ..." (المصدر ذاته)

وهنا سنعرض نماذج من العمليات العسكرية الصهيونية التي تريد شابيرا أن تدرجها تحت تصنيف "الشكل القهري" لإعطائها وضعاً استثنائياً وإظهارها كما لو أنها وقعت دون تخطيط مسبق وعن غير قصد وعن طريق الخطأ.

(ج‌) أسطورة الدفاع عن النفس

يبدو أن هذه الصورة الذاتية التي وضعها المستوطنون الصهاينة لجنودهم لا تتسق مع الممارسات العسكرية التي حدثت على الأرض. ففي الفترة 1936-1939، وفي خضم حملة الإرهاب ضد ثورة 1936 الفلسطينية، نفذت المنظمات العسكرية الصهيونية هاغانا وإيتسل وليحي سلسلة من العمليات العسكرية ضد التجمعات المدنية الفلسطينية، مما تسبب في وقوع العديد من الضحايا المدنيين الفلسطينيين. وتباينت العمليات في شدتها وشملت: إطلاق النار العشوائي على المدنيين الفلسطينيين العابرين في الشارع، وإطلاق النار على: سكان المنازل، وركاب الحافلات والقطارات، وألقاء قنابل يدوية على تجمعات مدنية فلسطينية داخل المقاهي والمطاعم ودور السينما. كما وكان هناك استخدام متكرر للمتفجرات والألغام والسيارات المفخخة والقنابل البرميلية المؤقتة التي وضعت داخل أحياء المدن الفلسطينية. (المصدر: Shahhak, Israel - Edited (No year of publication) The Book of Zionist Terrorism - A Collection of Documents - In Hebrew - (Jerusalem: Published by Israel Shahhak).

ومن الجدير بالذكر هنا أن المنظمات العسكرية الصهيونية كانت أول من فجر السيارات المفخخة في فلسطين، وأول من استخدم البراميل المفخخة والمليئة بالمتفجرات، وكان ذلك ابتكارا صهيونيا مميزا. وكانت هذه البراميل تعرف باسم "تقنية قنبلة البرميل اليهودية". وقد استخدمت في احتلال مدينة حيفا، وخلال عمليات التطهير العرقي للمدينة في عام 1948. وتم اعداد "البراميل" بحشوها بالمتفجرات وتم دحرجتها من أعلى جبال الكرمل إلى الأحياء العربية السفلى. وقد تم تصميمها إلكترونياً بحيث تنفجر لحظة اصطدامها بمساكن المدنيين الفلسطينيين. (المصدر: Finkelstein, Norman, "Shattering a Zionist Myth: "Defensive Ethos´-or-Mission of Conquest", Arab Studies Quarterly, Vol. 15, No. 3, Summer 1993, p. 119) وعلاوة على ذلك، استخدم الإرهابيون الصهاينة البراميل المفخخة أيضا ضد المدنيين الفلسطينيين في مدينتي يافا والقدس.(المصدر: Yahav, Dan (2002) The Purity of Arms - Myth and Reality - in Hebrew (Tel Aviv: Tamooz Publication House), p. 18)

لا يمكن وصف هذه العمليات إلا بكونها عمليات إرهابية، لأن ضحاياها كانوا دائما من المدنيين الفلسطينيين الأبرياء وكانت هذه العمليات تحمل أهدافا سياسية صهيونية. ولكي نفهم هذه الممارسات الصهيونية فهما أفضل، نحتاج هنا إلى إلقاء بعض الضوء على ظاهرة الإرهاب، التي استخدمت من قبل الحركة الصهيونية كأداة وظيفية لتحقيق الأهداف السياسية.

وفقا للخبير العالمي في موضوع الإرهاب، جورج لوبيز، فان:

"الإرهاب هو شكل من أشكال العنف السياسي... الإرهاب ليس عنفاً بدون تفكير. انه يعكس استراتيجية مفصلة تستخدم العنف الشديد لجعل الناس يشعرون بالضعف جراء فقدان الحماية لهم وانه يمكن ايذائهم عدة مرات ... وعلى المدى الطويل، سعى الإرهابيون إلى استخدام هذا الخوف لخدمة أهداف سياسية حقيقية."(المصدر: Valkh, Yehuda (2000) Atlas Carta, p. 24. As quoted in Yahav, Dan (2002) The Purity of Arms - Myth and Reality - in Hebrew (Tel Aviv: Tamooz Publication House) p. 16

وردا على مزاعم الكتاب الصهاينة بأنهم أجبروا على استخدام العنف والقوة بسبب العمليات العنيفة التي نفذها الفلسطينيون ضد المستوطنين الصهاينة، أظهر الكاتب الأمريكي نورمان فينكلشتاين أن الصهيونية "لم تستخدم القوة ظرفيا. كان استخدام القوة جزءا لا يتجزأ من هدف تحويل فلسطين، التي تتمتع بأغلبية عربية ساحقة، إلى دولة يهودية". (المصدر: Finkelstein, Norman, "Shattering a Zionist Myth: "Defensive Ethos´-or-Mission of Conquest", Arab Studies Quarterly, Vol. 15, No. 3, Summer 1993, p. 119)

وبموجب تحليله لأسطورة "طهارة السلاح"، أشار الأكاديمي والباحث الإسرائيلي دان ياهاف أن:

"الإرهاب تزامن مع الاستيطان اليهودي منذ بداية الاستيطان الزراعي والحضري في إسرائيل في نهاية القرن التاسع عشر، عندما ظهرت مشاكل أمنية للأفراد والممتلكات. وقد تم تنفيذ العديد من أعمال العنف وأعمال الانتقام المصاحبة لها على خلفية العديد من النزاعات الإقليمية..." (المصدر: Yahav, Dan (2002) The Purity of Arms - Myth and Reality - in Hebrew (Tel Aviv: Tamooz Publication House), p. 18

وعلاوة على ذلك، لم يبدأ العنف والإرهاب الصهيوني بحملة التطهير العرقي في الفترة 1948-1949، بل سبق ذلك بعدد من السنوات. على سبيل المثال، في بداية الإضراب العام في فلسطين عام 1936، ألقى ثلاثة أعضاء من منظمة الهاغانا العسكرية قنبلتين يدويتين داخل مقهى عربي يقع في حي روميمة في القدس العربية. ونتيجة لذلك لقي ثلاثة فلسطينيين مصرعهم وجرح ستة اخرون فى الانفجار. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 1940، أبحرت إلى ميناء حيفا ثلاث سفن تحمل 642 3 مستوطنا يهوديا غير شرعي. وكانت رحلتهم قد نظمت بموافقة الجستابو النازي. ولكونهم غير قانونيين، فقد تم القبض عليهم من قبل سلطات الانتداب البريطاني، التي منعتهم من دخول فلسطين وقررت ترحيلهم إلى جزر موريشيوس. ونقلت السلطات البريطانية عددا من هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين إلى سفينة فرنسية تدعى باتريا. وعندها قررت قيادة كل من الوكالة اليهودية والهاغانا، تخريب باتريا لمنعها من الإبحار إلى جزر موريشيوس. وفي 25 نوفمبر 1940 تم تهريب لغم الى داخل السفينة باتريا ليتم تفجيره في وقت لاحق. وقد أدى الانفجار الى احداث حفرة كبيرة في السفينة الامر الذي أدى الى تسرب المياه الى داخل السفينة. ونتيجة لذلك، مالت السفينة إلى جانبها، وألقت من على ظهرها إلى مياه البحر عددا كبيرا من المهاجرين اليهود غير الشرعيين وكان نتيجة لذلك ان غرق منهم 267 مهاجر." (المصدر: Steiner, Gershon (1964) Patria (Tel-Aviv: Am Oved Publication House) p. 205. And Karta Atlas 2000, pp. 42-45, 152, 153, 154, 155. As quoted by Yahav, Dan, op. cit.,pp. 34-35)
كتاب دان ياهاف "طهارة السلاح: الأسطورة والحقيقة" مليء بالعديد من الأمثلة على الممارسات الإرهابية التي ارتكبتها المنظمات العسكرية الصهيونية ضد المدنيين الفلسطينيين. لذلك، فإن "طهارة السلاح" و"الدفاع عن النفس" و"كراهية العنف" و"ضبط النفس" ليست الا أساطير أيديولوجية وضعها المستوطنون الصهاينة من العسكريين والقادة السياسيين والكتاب. وكان الهدف من وراء تطويرها هو إخفاء الحقيقة، وإخفاء الفظائع وجرائم الحرب التي ارتكبت ضد السكان الفلسطينيين الأصليين، وإظهار نوع من الأخلاق المزيفة للاستيطان الاستعماري الصهيوني. وبالإضافة إلى ذلك، شملت الممارسات الصهيونية العنف ضد الممتلكات والعنف النفسي. في الواقع، إن استخدام العنف من قبل المنظمات العسكرية الصهيونية كان عملية مستمرة شكلت جزءاً لا يتجزأ من تطور المشروع الاستيطاني الاستعماري في فلسطين.
وإذا ما قورنت بالمشاريع الاستعمارية الاستيطانية الأخرى التي تطورت في العالم الثالث، فإن بعض السمات تعطي المشروع الاستيطاني الصهيوني شكلاً خاصاً وخصوصية معينة. كان الهدف الأكبر للمشروع الاستعماري الصهيوني هو استبدال السكان الأصليين في فلسطين بمهاجرين استعماريين استيطانيين. وتم هذا الاستبدال عن طريق التطهير العرقي من خلال استخدام العنف والعدوان والإرهاب والمجازر، التي ارتكبت منها 110 مجازر في الفترة 1948-1949 (المصدر: Erlich, Guy, "Not Only Deir Yassin", Ha ir Weekly, 6-5-1992. As posted by http://www.jewwatch.com, 3-6-1996) لذلك يمكننا أن نسمي المشروع الصهيوني استيطان استعماري سعى إلى تنفيد الاستعمار من خلال استبدال السكان الأصليين الفلسطينيين بمستوطنين يهود اوروبيين. وهنا يجب التأكيد على ان العنف السياسي الصهيوني كان ولا زال يشكل مركبا أساسيا في البنية الاجتماعية-السياسية للمجتمع الإسرائيلي.
(د‌) المجتمع الإسرائيلي: عنف بنيوي متواصل
هناك العديد من الشهادات من العلماء والكتاب في العالم الذين يؤكدون الطبيعة العنيفة والعدوانية للمجتمع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي. لكن قلة من المثقفين الإسرائيليين يعترفون بذلك، أو هم على استعداد للاعتراف بذلك وهؤلاء استثناءات. ففي مقابلة مع صحيفة غلوبس الإسرائيلية المسائية، وصفت وزيرة التربية الإسرائيلية السابقة، شولاميت ألوني، المجتمع الإسرائيلي بالمصطلحات التالية.
نحن مجتمع غير متحضر. العنف والقسوة هنا مروعان. ألا يوجد اعتزاز بالعنف في الجيش؟ كم عدد الأشخاص الذين خرجوا من الجيش، منذ الانتفاضة الأولى، وكانوا مجانين تماماً؟ كل هذا سببه الاحتلال، الذي تجذر هنا في مكان جميل. الاحتلال فاسد لأنه يسمح بسرقة أراضيهم ويسمح بالإساءة لهم ونهبهم. يخرج الصبي البالغ من العمر 14 عامًا بسكين يعرف أنه مسموح بحملها، ويعرف جيدًا ما يحدث، ويريد أيضًا الدفاع عن نفسه. إنهم يراقبون أقوى الممارسات وأكثرها أخلاقية. إذا كانوا في الماضي يشتمون، فإنهم يضربون الآن. إذا كانوا في الماضي يضربون، فهم الآن يطعنون. نحن أناس يصرخون طوال الوقت، وهذا جزء من العنف. لم يعلمونا أن نتحدث بهدوء، أن نستمع للاخرين. وأصبحنا عنيفين بالصراخ والتحدث والتصرف أيضاً. (المصدر: Aloni, Shulamit, Globus in Hebrew, 12-3-2009. As quoted by Al-Mash-had, "Shulamit Aloni: Barak is the most dangerous person in Israel", http://www.madarcenter.org, 20-1-2010.)
من الجدير ذكره أن الاحتلال الإسرائيلي الطويل الأمد للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة تزامن منذ عام 1967 مع انشاء مستعمرات استيطانية أقيمت بصورة غير قانونية داخل الأراضي الفلسطينية. وهكذا فإن الحكم الصهيوني داخل هذه الأراضي يشمل جميع ملامح الاستعمار الاستيطاني، والاحتلال العسكري هو أحد السمات التي استخدمت كأداة لتنفيذ المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني.

وكشرط مسبق لممارسة العنف السياسي الصهيوني، استخدم الزعماء الصهاينة لغة الحيوان في وصف السكان الأصليين الفلسطينيين. وكان استخدام لغة الحيوان هو البيئة التي تطورت في داخلها عمليتان نفسيتان - اجتماعيتان، هما الإحلال والتبخيس الإنساني، اللتين تطورتا قبل ممارسة العنف السياسي.

(ه) العنصرية وعلم الحيوان

على مر السنين، تم تطوير المصطلحات والتعابير والألقاب العنصرية واستخدامها فقط من قبل الإسرائيليين اليهود عندما يتحدثون أو يكتبون عن الفلسطينيين العرب. وتستخدم هذه المصطلحات في وسائط الإعلام (المكتوبة والمرئية والمسموعة)، وفي الأماكن العامة، ومن قبل العسكريين والسياسيين والمفكرين وحتى من قبل الأطفال اليهود. سأقدم هنا بعض هذه الألقاب والتعابير ثم ساقوم بتحليل الدوافع وراء استخدامها في الخطاب الإسرائيلي والصهيوني.

هناك مصطلحات خاصة تستخدم في إسرائيل لوصف المظاهرات الفلسطينية مثل "اسافسوف" - الغوغاء ، "شيلهوف يتساريم" اثارة الغرائز، "هامون موسات" تجمع تحريضي، "هيشتوللوت" اي السلوك الاجتماعي الجنوني. وبالإضافة إلى ذلك، عندما يهاجم الجيش الإسرائيلي موقعا فلسطينيا، فإنهم يستخدمون مصطلح "تيهور كيني ميحابليم" - اي تطهير أعشاش المخربين، كما لو أن المقاتلين الفلسطينيين ليسوا سوى حشرات ضارة ينبغي رشها بالمبيدات الكيميائية. وتُعمم جميع هذه الألقاب والمصطلحات في مختلف وسائل الإعلام الإسرائيلية. (المصدر: كنت مراقباً يقظا للإعلام الصهيوني على مدى السنوات الاربعين الماضية. وكثيرا ما استخدمت هذه الألقاب والمصطلحات في وسائط الإعلام المطبوعة، وكذلك في نشرات الأخبار الإذاعية والتلفزيونية. توظف وسائل الإعلام الصهيونية هذه الألقاب والمصطلحات مراراً وتكراراً حتى يومنا هذا – زهير الصباغ)

ولا يقتصر استخدام هذه الألقاب العنصرية على الفترة الصهيونية للاستعمار الاستيطاني. تم استخدام القابا عنصرية اخرى خلال فترة الاستعمار الاستيطاني اليهودي غير الصهيوني. ففي مقالة "الحقيقة من أرض إسرائيل" والتي كتبت في العام 1891، ذكر الكاتب الصهيوني الروحي احاد هعام ما يلي: "اعتدنا في الخارج أن ننظر إلى العرب على أنهم حيوانات بربرية تعيش في الصحراء وكشعب يشبه الحمير..." (المصدر: Ha’am, Ahad (1891) “The Truth from the Land of Israel”, as quoted by: Ben Ezer, Ehud, The Arab Question in our Literature, the first interview with Ehud Ben Ezer, Shidamote Magazine, issue number 46, Spring 1976, p. 16)
وكثيراً ما استخدم القادة الصهاينة الألقاب العنصرية في مناسبات عديدة واليكم بعض الامثلة. وصف المنظر اليميني الصهيوني فلاديمير جابوتنسكي الفلسطينيين بأنهم "مجموعة من انصاف المتوحشين". اما تيفانكين، أحد قادة الحزب الصهيوني اليساري أحدوت هعافودا، فقد وصف المظاهرات الفلسطينية بأنها مكونة من "جماهير الهمج" و"اللصوص العرب" و"الغوغاء الذين تم تحريضهم"، في حين صرح الزعيم الصهيوني دافيد بن غوريون في اجتماع لحزبه مباي عقد في عام 1931: "لهم أيضا الحق في ان يكونوا بشرا، لكنهم همج". بينما عدد من المثقفين الصهاينة، مثل الكاتب أبا أحيمئير والشاعر الاسرائيلي أوري تسفي غرينبرغ ، لم ينظرا للعرب كبشر، بل اعتبروهم "همج الصحراء" و "قطيع من الذئاب العربية". (المصدر: Anita, Shapira, op. cit., p. 273)

وخلال الاجتياح الاسرائيلي للبنان في العام 1982 وصف رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق مناحيم بيغن العرب الفلسطينيين بانهم "حيوانات تدب على قدمين" (المصدر: Yedi’out Ahronoot Daily – in Hebrew, 13-4-1983) في حين وصف قائد المنطقة الشمالية السابق الجنرال يانوش بن غال الفلسطينيين في منطقة الجليل في شمال فلسطين بانهم "سرطان في جسم الدولة" (المصدرذاته). ووصف القائد السابق للجيش الاسرائيلي الجنرال رافائيل ايتان الفلسطينيين بانهم "صراصير مخدرة في زجاجة" (المصدرذاته) ووصف احد قادة المستوطنين في الضفة الغربية المحامي الياكيم هاعتسني الفلسطينيين بانهم "فئران" (المصدر: Haaretz Daily – in Hebrew, 1-6-1984). ووصف الجنرال ايهود باراك الفلسطينيين بانهم "تماسيح" (المصدر: Barak, Ehud, Reported in the Jerusalem Post, http://www.jpost.com, August 30, 2000) في حين وصف الحاخام عوفاديا يوسف، حاخام اليهود الشرقيين والزعيم الروحي لحزب شاس، الفلسطينيين بانهم "ثعابين" (المصدر: Strasler, Nehemia, "So is it okay to kill me, too?", Haaretz Online, http://www.haaretz.com. Accessed on 11-3-2005) والتي ترمز الى الشر.

إن الاستخدام المتكرر للالقاب العنصرية للعرب الفلسطينيين التي تأتي من عالم الحيوانات والحشرات لا يتوقف عند هؤلاء القادة، بل يوظفه بعض المثقفين الإسرائيليين، مثل كتاب الأدب وقصص الأطفال والباحثين. على سبيل المثال، وصف الكاتب الإسرائيلي أور باز، الذي كتب رواية بعنوان "النمل"، الفلسطينيين بأنهم "شعب" يتكون من النمل، والذين ينخرون بالطابق العلوي لبيت يملكه زوج من الإسرائيليين الذين يراد لهما أن يرمزا إلى الشعب الإسرائيلي. (المصدر: Paz, Ori, The Ants (a play). As it was analyzed in “The Arab Question in our Literature” – in Hebrew. A second interview with the writer Ehud Ben-Azar, the Shadmote magazine, issue 47, Summer 1976, p. 42). ووصف المحاضر الجامعي الإسرائيلي بيني موريس الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة بأنهم "حيوانات برية" و"برابرة". وأوصى بأن شيئا شبيه بالقفص يجب أن يبنى لهم. كما صوّر العالم العربي على أنه "عالم بربري". (المصدر: Shavit, Ari, "Survival of the fittist", Haaretz Online, http://www.haaretz.com. Accessed on 14-1-2008)

في عام 1985، درس الباحث الإسرائيلي أدير كوهين وحلل 1700 كتاب أطفال إسرائيلي من تأليف مجموعة من كتاب ادب الأطفال الإسرائيليين. وجد أدير كوهين في العديد من قصص هؤلاء الأطفال، أن المؤلفين صوروا العرب الفلسطينيين بالقاب عنصرية شملت "الثعابين السامة، والثعالب، والذئاب، والحمير، والضفادع والحيوانات المفترسة" (المصدر: Cohen, A-dir- (1985) An Ugly Face in the Mirror – in Hebrew (Tel-Aviv: Reshafim Publication House) p. 90)

استخدم وزيران سابقان من اليمين علناً الألقاب العنصرية ضد العرب الفلسطينيين. ففي عام 2013، وصف نائب وزير الدفاع آنذاك عضو الكنيست إيلي بن دهان العرب الفلسطينيين بقوله: "بالنسبة لي، إنهم مثل الحيوانات، وليسوا بشراً" (المصدر: Pileggi, Tamar, “New deputy defense minister called Palestinians ‘animals’”, https://www.timesofisrael.com, 11-5-2015 ). وفي عام 2014، وصفت وزيرة العدل آنذاك أيليت شاكيد العرب الفلسطينيين بـ "الثعابين الصغيرة" (المصدر: Turley,Jonathan, “They have to die”, https://jonathanturley.org, 17-7-2014 )
لا تقتصر ظاهرة استخدام الالقاب العنصرية لتوصيف السكان الأصليين على المستعمرين المستوطنين الإسرائيليين، بل ظهرت أيضا بين المستوطنين المستعمرين الأوروبيين الآخرين. وقد أشار الكاتب فرانتز فانون الى أن المستوطنين المستعمرين الفرنسيين في الجزائر استخدموا أيضاً القابا عنصرية مماثلة في وصف العرب الجزائريين الأصليين.
"... انظر الى هذه اللغة التي يتكلمها المستعمِر حين يتكلم عن المستعمَر، تجد انها اللغة المستعملة في وصف الحيوانات. انهم يستعملون هذه التعابير: زحف العرق الأصفر، ارواث المدينة الاصلية، قطعان الأهالي، تفريخ السكان، تنمل الجماهير، الخ. ان المستعمِر حين يريد ان يحسن الوصف وان يجد الكلمة المناسبة، يرجع دائما الى الالفاظ المستعملة في وصف الحيوان ..." (المصدر: فانون، فرانز (1961) معذبو الأرض،http://al-taleaa.net ، ص 23)

وهنا يجب علينا ان نؤكد ان استخدام الألقاب العنصرية الحيوانية هو خداع للذات يستخدمه المستوطنون لتخفيف تأثير "ضميرهم الجماعي". إنهم ينفذون خداع الذات هذا من خلال توظيف عملية الاستبدال وتجريد المستعمَرين من الإنسانية.

(و) عملية الاستبدال

من أجل تنفيذ جميع الجرائم الشنيعة للمستوطنين، يستخدم المستعمِر الاستيطاني العنف والإرهاب لأنه يواجه مقاومة وطنية مستمرة من السكان الأصليين، ولا يستطيع إقناع السكان الأصليين بأن يتخلوا طوعا عن أراضيهم ومواردهم وحريتهم وأوطانهم. وبدلا من أن يكون لدى المستعمِر المستوطن مشاعر بالذنب وضمير غير مرتاح، نجده يمتلك العكس تماما، وهو كراهية عميقة الجذورنحو السكان الاصليين. من أجل فهم هذا السلوك الشاذ، نحن بحاجة إلى نوع من التحليل الاجتماعي والنفسي.

يؤكد عالم النفس البريطاني R.D. Laing ما يلي عن علاقة المضطهِد بالمضطهَد. "أننا ننسب لهم بالضبط ما نفعله ضدهم، لأننا نرى أنفسنا داخلهم، لكننا لا نعرف ذلك. نعتقد أنهم آخرون، لكنهم في الواقع نحن". (المصدر: Laing, R.D. "The Obvious". As in Cooper, David, ed. (1971) Dialectics of Liberation (London: Penguin Books Ltd), pp 28-29) ولذلك، فإن السمات السلبية والخسيسة مثل القسوة والكراهية العنصرية والنهب والسرقة، وهي صفات بارزة لجمهرة المستوطنين الاستعماريين، تُنسب إلى الضحية المستعمَرة.
في تحليله لهذه الظاهرة النفسية، أكد الطبيب النفسي الإسرائيلي يفتاح سوخنبار (المصدر: An Israeli psychiatrist of Persian origin. Sukhinbar and some of his colleagues founded the "Imut" organization during the first intifada of 1987-1990. This organization aimed at conducting studies on the psychological effects of the conflict and its various projections ( زهير الصباغ.) "أن كل إنسان لديه "إحساس طبيعي بالعدالة تجاه أمثاله. ولكن العدوان يولد أيضا شعورا بالذنب. كما يؤدي الذنب إلى كراهية الذات بين بعض المضطهِدين." (المصدر: Rom, Sarit, “The psychology of the colonized”, interview with Dr. Yiftah Sokhenbar, Ha’olam Hazeh monthly – in Hebrew, 25-4-1990, p. 23)
ويؤكد سوخنبار أن المضطهِد "يطور، قبل الاجتماع مع المضطهَدين، وجهة نظر عدوانية. وهو يرى نفسه معتديا، ويعتبر العالم معتديا. عدوانيته تزيد الخوف داخله، وتضعه في دائرة مغلقة. وتتطور حولها أيديولوجية مناسبة." (المصدر ذاته). وعلاوة على ذلك "... وبالنسبة لغالبية المضطهِدين، يتم القضاء على كراهية الذات والشعور بالذنب عن طريق إسقاطهما على الضحية، مما يفاقم من عدوانية المضطهِد". (المصدر ذاته)
أكد وجود هذه السمات الحتمية الاستعمارية الطبيب النفسي التونسي ألبرت ميمي، الذي أشار إلى "أن أي مستوطن استعماري لديه ضمير إنساني حقيقي غير مؤهل على الإطلاق ليكون مستوطنا جيدا."(المصدر: Memmi, Albert (1969) The Colonizer and the Colonized (Boston: Beacon Press), p. 47)
ولكن لكي يكرههم المستوطن، فإن كراهيته تحتاج إلى تبرير كاف وتحتاج الى شرعنة. ويبرر المستوطن كراهيته العنصرية ويعطيها نوعا من الشرعية الزائفة في عينيه، بافتراض التفوق العنصري تجاه الشعوب الأصلية. ففي رأيه، فإن هذه الشعوب تصبح منحطة، قذرة، ولها ملامح الحيوانات. ولذلك فهم لا يستحقون ملكية الأرض والثروة والوطن والحرية، ولا يستحقون المعاملة الإنسانية، بل يستحقون الاحتقار والكراهية فقط.
ويستخدم المستوطنون الألقاب العنصرية الحيوانية لتبخيس انسانية السكان الأصليين حيث يصبحوا، في رأيهم، عديمي الإنسانية. وهكذا لا ينبغي للمرء أن يحمل أي مشاعر بالذنب تجاههم. وتخدم عملية تجريد السكان الأصليين من إنسانيتهم المستوطنين نفسيا. فعندما يتحول السكان الأصليون إلى حيوانات، وخاصة الحيوانات الضارة والمفترسة، يستطيع المستوطن أن يحتقرها ويكرهها، وبالتالي يمكن له أن يوجه عدوانه نحوها بسهولة. يمكن النظر لهذه العملية بانها نوع من الخداع النفسي الذاتي والذي يوظفه المستوطن لاراحة ضميره الإنساني.

(ز) تبخيس المستوطن لانسانيته

وخلال قيامه بتبخيس إنسانية المستعمَر يصل المستوطن الاستعماري الى محاربة الإنسانية بشكل عام حتى في داخل وجدانه، أي يقوم أيضا بتبخيس انسانيته. لقد لاحظ هذه النتيجة الكاتب جان بول سارتر الذي كتب في مقدمته لكتاب ألبرت ميمي "المستعمِر والمستعمَر"، الملاحظة التالية.

"... لا أحد يستطيع أن يعامل الإنسان كالكلب دون أن يعتبره أولاً إنساناً. عدم القدرة على مقت إنسانية المضطهَدين يصبح غربة المضطهِد... وبما أنه ينكر الإنسانية في الآخرين، فإنه يعتبرها - في كل مكان - عدوا له. ومن أجل إدارة هذا، يجب على المستعمِر أن يتخذ قسوة شديدة وأن يعتمد مناعة الحجر. وباختصار، يجب عليه أيضا، أن يبخس إنسانيته."(المصدر: Sartre, Jean-Paul "Introduction", as in Memmi, Albert (1965) The Colonizer and the Colonized (Boston: Beacon Press), pp. xxvii-xxviii)
ملاحظات ختامية
• تستخدم الالقاب العنصرية الحيوانية لتبخيس إنسانية السكان الأصليين الفلسطينيين وإضفاء شرعية زائفة على نهب وطنهم، وعلى حرمانهم من الحرية، وعلى تجريدهم من ثرواتهم، مما يسمح بشن عدوان استعماري عليهم تحت ذرائع مختلفة
• ينتج الوعي الاستعماري الصهيوني أيديولوجية استعمارية تقوم باعداد المستوطن وتوفر له استعداداً نفسياً-فكرياً لمهاجمة السكان الأصليين الفلسطينيين
• تهدف الكراهية عميقة الجذور والأيديولوجية العنصرية إلى إضفاء الشرعية المزيفة على النهب والقهر والاستيطان الاستعماري والفصل العنصري. إن العنف السياسي والقمع الاستعماري يستخدمان كأداتين في تحقيق مراحل المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني
• إن العنف والعدوان والإرهاب الصهيوني ضد السكان الأصليين الفلسطينيين تشكل ظواهر بنيوية ذات صلة بالبنية الاستعمارية الصهيونية
• وأخيراً، فان الدولة الصهيونية بمؤسساتها وادواتها وغالبية سكانها، ليست عنيفة لأنها "دولة يهودية"، وليست عنيفة لأن عنفها "دفاعاً عن النفس"، ولا هي عنيفة بسبب الصراع العربي الإسرائيلي. والدولة الصهيونية ليست عنيفة "لأسباب أمنية" أو "كرد فعل على العنف العربي الفلسطيني". الدولة الصهيونية عنيفة بسبب بنيتها السياسية والأيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية، أي بسبب بنيتها الاستيطانية-الاستعمارية. فجميع الدول الاستيطانية-الاستعمارية عبر التاريخ، كانت عنيفة، وعدوانية، وإرهابية، وكان عنفها بنيويا ومتواصلا وليس جزئياً أو عرضياً أو استثنائياً.


د. زهير صباغ كاتب وباحث في الشؤون الفلسطينية والإسرائيلية ويعمل كمحاضر في علم الاجتماع في جامعة بيرزيت في الأراضي الفلسطينية المستعمَرة وهو من سكان مدينة الناصرة في فلسطين وحاصل على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة مانشستر، بريطانيا. وله مؤلفات عديدة من الكتب والمقالات البحثية.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مساهمة في الحوار الهاديء والنقد البناء
- النكبة الفلسطينية والتطهير العرقي الصهيوني
- صعود اليمين السياسي الاسرائيلي واحتمال زواله
- فلسطين، خطة ترامب والاستعمار الصهيوني


المزيد.....




- انطلاق عملية التصويت لانتخاب -الدوما- الروسي
- بريطاني يكتشف أنفاقا خفية تحت منزله فيها قطع أثرية (فيديو)
- التحالف يعلن تدمير صاروخ باليستي و4 مسيرات حوثية
- أمام إيران شهران أو ثلاثة لتصبح دولة نووية
- التحالف العربي: اعتراض وتدمير 4 مسيرات مفخخة اطلقها -الحوثيو ...
- مجموعة من المراقبين من عدة دول تصل القرم لمراقبة انتخابات مج ...
- إدارة بايدن توافق على صفقة عسكرية كبيرة مع السعودية
- أستاذة عقيدة في الأزهر: المنتحر ليس كافرا
- البيت الأبيض: الحوار الأمريكي الروسي حول الأمن السيبراني مست ...
- شاب مصري: خدعوني بعد إقناعي ببيع كليتي ووالدتي توفيت بعد سما ...


المزيد.....

- هيكل الأبارتهايد أعمدة سرابية وسقوف نووية / سعيد مضيه
- جريدة طريق الثورة، العدد 41، جويلية-اوت 2017 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 42، سبتمبر-أكتوبر 2017 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 43، نوفمبر-ديسمبر 2017 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 44، ديسمبر17-جانفي 2018 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 45، فيفري-مارس 2018 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 46، أفريل-ماي 2018 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 47، جوان-جويلية 2018 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 48، سبتمبر-أكتوبر 2018 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 49، نوفمبر-ديسمبر 2018 / حزب الكادحين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زهير الصباغ - العنف السياسي الصهيوني: أنماط ودوافع