أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - زهير الصباغ - مساهمة في الحوار الهاديء والنقد البناء















المزيد.....

مساهمة في الحوار الهاديء والنقد البناء


زهير الصباغ

الحوار المتمدن-العدد: 6635 - 2020 / 8 / 3 - 02:41
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تقاس حضارة ورقي المجتمعات في عالمنا المعاصر بالمساحة التي يعطيها المجتمع لمكوناته الاجتماعية للحوار الهاديء، والنقاش الإنساني، والتعبير الحر عن الأفكار، والتعددية الفكرية، والثقافة المتنوعة، ودرجة الشعور بالامن. وكلما كان الحوار صاخبا وعدوانيا، انخفضت درجات الرقي وتاكلت الحضارة وانعدم التفكير المنطقي وخبا الشعور بالامان. لذلك فان بذائة التعبير في الحوار وشخصنة مواضيعه، واساءة توظيف منابر التواصل الاجتماعي، لا تعبر عن حضارة ورقي وتقدم المجتمع بل تشير الى وجود علة وضعف ونفسية وضيعة ومشكلة اجتماعية بحاجة لعلاج.
وتقاس المجتمعات الراقية بدرجة الاحترام التي تمنحها لمثقفيها المبدعين وذوي الاخلاق العالية، ولمثقفيها الجريئين ذوي المواقف الوطنية، ولمثقفيها الذين يتمتعون بمسؤولية اجتماعية حقيقية، ولمثقفيها الذين يتمتعون بدرجة عميقة من التحليل والاستنتاج، ولمثقفيها اليقظين أصحاب الفكر الثاقب والوعي الاجتماعي التقدمي. واذا أراد المجتمع الراقي ان يتطور ويخطو للامام، فعليه ان يحترم المثقف النقدي فلولا النقد لما حدث تطور فكري واجتماعي ولما حدث تحرر ذاتي، ولما حدث تحليل عميق، ولما توصلنا لاستنتاجات مفيدة.
وتقاس المجتمعات الراقية بدرجة ابتعادها عن كل من: الفكر الفاشي، القمع السياسي، عقلية القطيع، والتعصب الاعمى. فالحوار الذي يخلو من التبادل الحر والديمقراطي لوجهات النظر، هو حوار هابط، معطوب، ويخلو من المنطق السليم. واذا تدهور الحوار من مستوى الرقي الحضاري سيصل حتما الى مستوى المهاترات والمناكفات والتعصب البهيمي. والبذائة في التعبير هي سلاح الضعفاء والذين لا يملكون المقدرة الفكرية على الحوار الهاديء، لذلك يقحمون تشنجاتهم وانفعالاتهم غير المهذبة في حوار ليس لهم ويتطلب كل من: درجة من الالمام بالثقافة الراقية والمقدرة على التعبير بصدق عن مواقف الطرف الاخر، ومستوى أخلاقي راقي يبتعد عن التزييف والتلفيق وجلد الاخرين والعدوانية، وبذاءة اللسان، والعنف الكلامي، والتحقير، والتبخيس والإساءة والحط من قيمة الاخر. هم عاجزون عن خوض الحوار العلمي الهاديء والرصين، لذلك يندفعون بقوة الى استخدام مخزونهم الكبير من الشتائم والسباب والكلمات البذيئة. انهم لا يملكون أفكارا بل شتائم ولا يتقنون استخدام المصطلحات العلمية بل يتقنون الردح والتهريج والتجريح والاهانة والمهاترات وتفريغ الشحنات السلبية على الاخر والنظرة الضيقة للامور وصغائر الأفكار. هذه جميعا مكونات الفكر الفاشي والرجعي المعادي للإنسانية.
تناول الدكتور مصلح كناعنة عدة مواضيع في ابحاثة وكتاباته وادبياته، والتي أحاطت بالعديد من الظواهر، والمواضيع، والمواقف. وعالج د. مصلح كناعنة عدة حالات اجتماعية وانثروبولوجية وتناول عدة ظواهر اجتماعية بالنقد العلمي وبالجرأة العلمية التي تحلى بها. كان صريحا في مواقفه ولم يهادن، وكان تقدمي النزعة وعلماني المشرب، ولكنه كان مهذبا وحضاريا في نقاشاته التي خاضها مع طلبته ومع كل من قرأ دراساته واراد نقاشه فيها. كان الدكتور مصلح ملما في عدة مواضيع، وكان منتجا للأبحاث واخر انتاجاته كانت "موسوعة المفردات غير العربية في العامية الفلسطينية" والتي انشغل في كتابتها، كما روى لي، سنتين ونصف السنة وصدرت في العام 2020. وتعكس هذه الموسوعة اهتمامه بدراسة الثقافة الفلسطينية والموروث الشعبي الفلسطيني كما وتدل على مثابرته ورصانة أسلوبه العلمي.
منذ أيام قليلة بدأت حملة شعواء ضد الدكتور مصلح كناعنة وذلك على صفحات التواصل الاجتماعي ومن خلال الهاتف. وكان سبب هذه الحملة هو قيام الدكتور مصلح بنشر صورة لاثنين مجهولين له يقفان على سطح احدى العمارات القريبة من مكان اقامته. تظهر المرأة باللباس الديني الإسلامي ويظهر الرجل باللباس العصري. وما جذب اهتمام الدكتور مصلح كانت الظاهرة وراء الصورة التي وجد بها تناقضا اجتماعيا. لم يتطاول الدكتور مصلح باي تعليق مهين لاصحاب الصورة الذين لا يعرفهما. لم يقم باهانتهما ولم يقم بالتهجم على اللباس الشرعي الإسلامي. وبعد عشرة دقائق من نشره الصورة على صفحته، قام بازالتها استدراكا منه لعواقب نشرها. مع ذلك، بدأت حملة كثيفة من الهجوم والعدوانية ضد الدكتور مصلح. وشارك في الحملة، بعض من طلبته واخرين. ويدعي غالبية المشاركين في هذه الحملة ان دوافعهم "أخلاقية" ومنطلقها هو "الحرص على الدين".
قرأت بتمعن شديد غالبية التعليقات والملاحظات والبوستات التي تناولت هذه "المشكلة". استطيع ان اجزم ان غالبيتها تخلو من أي حوار او نقاش علمي رصين. غالبيتها تحمل شبه أفكار وتخلو من اية ابداعات، وتتمتع بمستوى أخلاقي هابط جدا. ويحمل جزء كبير منها لغة التهديد والوعيد، وهي مليئة بكم هائل من الكلمات البذيئة. واعتقد ان هذه الحملة الشعواء وهذه العدوانية المنفلتة، قد تم توجيهها لأفكار الدكتور مصلح ولمواقفه العلمانية والنقدية. والادعاء انها نابعة من حرص أصحابها على "الاخلاق" و"الدين" هو ادعاء من اجل اكساب هجومهم العدواني بعض الشرعية المزيفة. واجزم هنا ان جزء كبير من الذين اشتركوا في حرب البذاءة هذه تحركهم دوافع فاشية وحقد اسود على الفكر النقدي والتقدمي والعلماني الذي يحمله الدكتور مصلح. وهنا اود ان استعين بموسوعة الدكتور مصلح كناعنة الذي شرح مصطلح "فاشي" بشكل واضح على النحو التالي.
وردت في موسوعة الدكتور مصلح كلمة فاشستي (فاشي) والتي شرحها كالتالي:
"اصل الكلمة من الإيطالية وتعني: متسلط، دكتاتوري، قمعي، عنيف، لا يحترم حرية الاخرين ومستعد لفرض مواقفه على الاخرين بالقوة اذا تطلب الامر. ووصف احدهم انه "فاشي" او "فاشستي" يعني تجريده من انسانيته وتحويله الى عدو خطير لكل من حوله. و"الفاشي" او "الفاشستي" في العامية الفلسطينية هو في الأساس وصف لشخصيات الافراد وسلوكياتهم بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية او الاجتماعية او العرقية، وكثيرا ما تستخدم هذه الكلمة بمعنى "مجرم" او "متوحش". (صفحة 322-323).
كما وان العنف المجتمعي اخذ في النمو لأن جزء من المستَعمَرين اصبح يشعر بالعجز عن مواجهة المستعمرين الصهاينة فحول عنفه الى اخوانه واقربائه وجيرانه من السكان الأصليين الفلسطينيين. وهذه ظاهرة يقوم بها أصحاب العقلية المستعمَرة من السكان الأصليين وموجودة في كافة المجتمعات المستعمَرة.
من الجدير ذكره ان التوجه العدواني والعنيف والذي شاهدناه على وسائل التواصل الاجتماعي ضد فكر وشخص الدكتور مصلح كناعنة، لم نشهدها ضد جرائم قتل النساء والأطفال داخل العائلة، وضد ممارسات الاستعمار الصهيوني في الاعتقالات اليومية، وضد حملات الاعتقالات لطلبة وطالبات ومحاضري ومحاضرات جامعة بير زيت، ولا ضد ابعاد عدد من محاضرات ومحاضري جامعة بير زيت. وهذه ظاهرة يعاني منها المستعمَرين وقد عالجها فرانتس فانون في كتابه معذبو الأرض.
بعض الملاحظات النهائية
اعتقد ان المشكلة التي واجهها الدكتور مصلح كناعنة تشير الى وجود حالة اجتماعية مرضية يعاني منها المجتمع العربي الفلسطيني المقهور والذي يعيش داخل كل من الضفة الغربية المستعمَرة وداخل النظام الصهيوني. ويمكن تشخيص هذه الحالة المرضية بانها نتيجة لمؤثرات الاستعمار الاستيطاني الصهيوني والاضطهاد الطبقي والعنف الاستعماري والتعامل العنصري والفصل العرقي وهذه جميعها انتجها النظام الاستعماري الصهيوني. يضاف لذلك ما ورثناه من تخلف واضطهاد النظام الاستعماري العثماني والنظام الاستعماري البريطاني. فتراكمات كل هذه الأنظمة الاستعمارية-القمعية تركت بصماتها على وعينا الاجتماعي وبالتالي فان مؤثراتها السلبية هي التي انتجت حالتنا الاجتماعية المرضية. وهنا يجب ربط هذه الحالة المرضية بسيكولوجية الانسان المقهور لما له من علاقة وطيدة بحالة التخلف.
الوضع المأزقي للانسان المقهور
يعتقد د. مصطفى حجازي، في كتابه التخلف الاجتماعي – مدخل الى سيكولوجية الانسان المقهور، " ان وجود الانسان المتخلف يتلخص، في نظرنا، في وضعية مأزقية، يحاول في سلوكه وتوجهاته وقيمه ومواقفه مجابهتها، ومحاولة السيطرة عليها بشكل يحفظ له بعض التوازن النفسي، الذي لا يمكن الاستمرار في العيش بدونه. هذه الوضعية المأزقية هي أساسا وضعية القهر الذي تفرضه عليه ... السلطة في مجتمعه. وتنبت علاقات القهر والتسلط من ناحية، ورد الفعل عليها من رضوخ او تمرد من ناحية ثانية، في كل ثنايا وجود الانسان المتخلف... والكثير من معتقدات الانسان المتخلف وانتماءاته وممارساته، تبدو في النهاية كمحاولات داعية للسيطرة على وضعيته المأزقية وإيجاد حلول معينة لها... (ص 10). ويعمم الكذب على مختلف العلاقات الاجتماعية وتصبح معظم العلاقات زائفة، ومعظم الحوار تضليل وخداع . وتدلنا علاقات التكاذب والتضليل على مدى الانهيار الذي الم بقيمة الانسان في العالم المتخلف، حين يتحول الى مضلل او ضحية تضليل. (ص 44)
وأخيرا فنحن بحاجة لوقفة جدية نقوم من خلالها بتحليل ونقد عميقين لمنظومة الاخلاق التي نتمسك بها والتي ندعي بانها جزء من تراثنا العربي الاصيل. يجب اخضاع تراثنا للتحليل العلمي الرصين، ويجب اخضاع عاداتنا وتقاليدنا للتحليل والنقد. فقتل النساء على ما يسمى ب"شرف العائلة"، وتراث الغش، واللصوصية، والعدوانية المفرطة، والاعتداء على حقوق الاخر، والجلد الذاتي، وتحقير الاخر، وعقدة الشعور بالنقص، وغيرها من القاذورات الاجتماعية التي علقت بثنايا حياتنا الاجتماعية، يجب علينا ادانتها والتخلص منها واستبدالها بعادات وفكر انساني وممارسة راقية وحضارية. اما اذا استمر الوضع الحالي على ما هو عليه، فحالتنا ستتدهور ووضعنا سيتسارع في الرجوع الى الخلف وقد نصل مغارة التخلف لندخلها دو استئذان. فالخيارات امامنا ليست كثيرة وهي: اما ان نتطور ونصبح من الشعوب الراقية والحضارية والإنسانية واما ان نتخلف ونتحول الى قبائل وعشائر وجماعات متصارعة ومتكالبة على المادة ومغتربة ومسلوبة الإرادة والحرية، ومتحاربة، ومتساوقة مع المستعمِر، وتعاني من العدوانية والعنف والجهل والتخلف.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النكبة الفلسطينية والتطهير العرقي الصهيوني
- صعود اليمين السياسي الاسرائيلي واحتمال زواله
- فلسطين، خطة ترامب والاستعمار الصهيوني


المزيد.....




- سيناريوهات- التجارب الإسلامية في الحكم.. ما أسباب التراجع؟ و ...
- روسيا تتبنى لائحة بشأن إجراءات منح درجة الدكتوراه في العلوم ...
- التجارب الإسلامية في الحكم بالعالم العربي.. ما أسباب التراجع ...
- معركة الاعتراف الدولي.. هل تكسبها حركة طالبان؟
- مقتل 16 جنديا نيجيريا في هجوم نُسب إلى جهاديي تنظيم -الدولة ...
- مقتل 16 جنديا نيجيريا في هجوم نُسب إلى جهاديي تنظيم -الدولة ...
- نيجيريا: مقتل 16 جنديا في كمين نسب إلى جهاديي تنظيم -الدولة ...
- المغرب... هل تم حذف مادة التربية الإسلامية من الامتحانات الس ...
- شيخ الأزهر: فلسطين قضية الأزهر والمسلمين الأولى
- هيئات إسلامية تدين اقتحام -يهود متطرفين- باحات المسجد الأقصى ...


المزيد.....

- نشوء الكون وحقيقة الخلق / نبيل الكرخي
- الدين المدني والنظرية السياسية في الدولة العلمانية / زهير الخويلدي
- صابئة فلسطين والغنوصية المحدثة / أحمد راشد صالح
- حوارات ونقاشات مع قوى الإسلام السياسي في العراق / كاظم حبيب
- العَلمانية في الحضارة العربية الإسلامية (التحديات والآفاق) / شاهر أحمد نصر
- كشف اللثام عن فقه الإمام / سامح عسكر
- أفيون الشعب – الكتاب كاملاً / أنور كامل
- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - زهير الصباغ - مساهمة في الحوار الهاديء والنقد البناء