أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صفاء الصالحي - النبض الدرامي في رواية - خاتون بغداد -















المزيد.....

النبض الدرامي في رواية - خاتون بغداد -


صفاء الصالحي
(Safaa Alsalhi)


الحوار المتمدن-العدد: 6651 - 2020 / 8 / 19 - 00:27
المحور: الادب والفن
    


مع الموجة التجريبية التي اجتاحت أكثر الروايات العربية الحديثة على مستوى الموضوع والحبكة والشكل الفني والبناء اللغوي، إستوطن أغلب الروائيين هاجس التجديد والبحث عن أشكال واساليب فنية جديدة، وخلق قوالب روائية حداثوية تستوعب افكارهم وتجاربهم، ولم يكن الدكتور شاكر نوري بمنأى عن هذا الهاجس، وقد تجلى ذلك بانفتاح معظم نصوصه الروائية على عوالم التجريب من خلال توظيفها لآليات متعددة، كالانكسارات الزمنية وتشظيها، والاشتغالات التناصية، بالإضافة الى تلونات اللغة السردية، وغيرها... ، كما يندرج اشتغاله في رواية "خاتون بغداد" على استدعاء التاريخ ، واعادة سرده بتوظيف العناصر الفنية المعاصرة للرواية ضمن مﴩوعه التجريبي، وبالإضافة إلى التخيّل التاريخي، تنفتح التقنيات السردية في رواية "خاتون بغداد" بشكل فني على الفنون السمعية والبصرية وتستمد منها البعض من العناصر الدرامية كاشتغال تجريبي أيضاً.
الرواية صادرة عن دار سطور للتوزيع والنشر, وحائزة على جائزة كتارا للرواية العربية المنشورة 2017, وهي الرواية التاسعة في قائمة الأعمال الروائية للكاتب، وتقع الرواية في عشرة فصول منثورة على (363 صفحة)، وتنتقي الرواية في العتبة البصرية الأولى (الغلاف الخارجي الأمامي ) لوحة تشكيلية للرسام العراقي "رائد مهدي" فيها الكثير من الدلالات السيمايئية المهمة، التي تصب في صلب الرواية، وتبرز اللوحة ملامح الشخصية المحورية في الرواية "مس غييروتورد بيل"، وتظهر خلفها مراكب نهرية صغيرة وبواخر بحرية حربية بريطانية تبحر في نهر دجلة، بالإضافة إلى طائرة حربية، ومجموعة من الناس قرب جسر خشبي (الشهداء حالياً)، والرواية ذات طعم خاص اعتمدت على الوثائق ولكنها ليست وثائقية, ولا تؤرخ بقدر ما ترصد الصراع المليء بالعواطف والأحاسيس للأسطورة حية وامرأة إشكالية هي " مس غيرترود بيل " التي أصبحت جزءاً من تاريخ العراق المعاصر بحسب ما جاء على غلافها الخارجي الخلفي.
وظف فيها الكاتب التاريخ في الأدب، وسردن تاريخ الشخصية المثيرة للجدل في تاريخ العراق الحديث "مس غيرترود بيل " مستشارة المندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس في العراق, الشخصية التي رسمت مستقبل العراق السياسي لسنوات عديدة بعد الاحتلال البريطاني, كما أسهمت بتنصيب الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على عرش العراق, وتأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921, ورسم حدودها, بالإضافة إلى أدوارها المختلفة في ترتيب الحياة السياسية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية .
أستطاع الكاتب بثقافته العالمية والموسوعية متعكزاً أصالة موهبته وسعة عوالم خياله, أن يستدعي السيرة الشخصية ل " مس بيل " وجملة الوثائق الحقيقية التي كتبتها, أو من عاصرها في تلك الفترة, مستنطقاً تاريخها ثم تطويعه ومزاوجته بالأدب , وكان الكاتب موفقاً في تحويل الوقائع التاريخية التي جرت في العراق منذ الحرب العالمية الأولى عام 1914 حتى الاحتلال الأمريكي لبغداد في التاسع من نيسان 2003, إلى نص سردي متجانس ما بين السرد الروائي والسرد الوثائقي المتنوع الأساليب والتقنيات, والمتشرب برحيق التاريخ والمفعم بعبقه والمثقل بروحه.
تستهل الرواية في بداية فصلها الأول الموسوم " السيدة الإنجليزية ذات الكعب العالي "بفعل درامي يحدد فيه الفضاء الزماني والمكاني للأحداث، بأسلوب السرد المشهـدي الممزوج بالوصف يبدو وكأنه نصاً درامياً تمثل امام المتلقي(مرت مئة عام على هذه الدورة الكونية المخفية من الزمن على دخول الآنسة الإنجليزية بحذائها ذي الكعب العالي وقبعتها العريضة, وأزيائها الباريسية, ومشيتها المتبخترة, ولاتزال تثير ظمأ فضولهم ...ص10 )، بهذا الاستهلال الإبداعي يوقظ الكاتب فضول المتلقي ليصاحبه في رحلته واكتناه أفكاره, وسبر أغوار الشخصية المحورية التي قدمها بالعنوان المثير, ومع انفتاح النص بإسهاب على الحياة الدرامية لمس بيل، وعلاقاتها العاطفية والاجتماعية، بالإضافة إلى بعض الإشارات السياسية، يسير التطور الدرامي وتتناوب الأحداث ما بين توتر درامي شديد وآخر خفيف على امتداد صفحات الرواية.
وتشتبك أحداث الرواية ما بين المراسلات الخاصة لمس بيل, وخيباتها العاطفية, والوثائق التاريخية والتقارير الصحفية التي كتبت عنها, ومن ست شخصيات مهووسة بها,
ومن فضاء هذه التداخلات التي استعارها الكاتب وأعاد تأويلها وفق وجهة نظره في بناء حكائي واحد ومتكامل, يعيد الكاتب " مس غيرترود بيل " إلى الأذهان، بأسلوب يسلب أعجاب المتلقي من خلال إظهار الوجه الإنساني والثقافي لها ودون إبراز وجهها الاستعماري, لقد أستجلى الكاتب التاريخ الآخر المسكوت عنه أو التاريخ الذي أغفله المؤرخون أو تفادوه عمداً, تاريخ مبرأ من الأيدولوجيات السياسية وأهواءها التي دوما ما تركز إشاراتها إلى الوضع النفسي والثقافي والاقتصادي المأزوم الذي يخلفه الاستعمار بشكل عام, فنجح في إعادة شخصية " مس غيرترود بيل " إلى واجهة القراءة , وإعادة الاعتبار لهذه الشخصية العبقرية والفريدة المدفونة في المقبرة البريطانية في الباب الشرقي ببغداد.
وعلى الرغم من الانتقالات التاريخية في الرواية كان الخيال المبدع، والأسلوب الممتع للكاتب
موفقاً جداً في جذب القارئ إلى داخل الرواية وتتبع صفحاتها وأسره على مدار صفحات الكتاب حتى النهاية , ومن فيض الأحداث والانتقالات التاريخية ذات الطابع الوثائقي يسلط الكاتب الضوء على الجانب العاطفي للشخصية المحورية في الرواية بعد استسلامها لنصيحة خالتها بأن تتبع خطى قلبها وتترك عقلها قليلاً( سأُصغي إلى نصيحة خالتي، وأستمع إلى قلبي ...ص83) , وتعيش قصة حب أولى مع الدبلوماسي بالمفوضية بطهران " هنري " الذي هدم القلاع التي تفصل بين قلبها وعقلها, وبعث سحر الكلمات في أعماقها , لكنها عاشت قصة الحب هذه بصراع ملتهب ما بين ضغط الوالدين الرافضين لهنري وبين آيات الغرام والكلام المعسول والنظرات الشبقية , قبل ان تنتهي العلاقة بنهاية تراجيدية ويحسم القدر هذا الصراع ويخطف حبيبها ( أن هنري قد فارق الحياة , يإلهي ! قد فارق الحياة وفي بحيرة لارا .. لقد تجمد القلب الذي كان يفيض حباً لي ..ص119 ), ثم تعيش قصة الحب الثانية تحت وطأة صراع آخر يتوهج فيه نار الغيرة مع زوجة عشيقها من جهة ومن صخب عواطفها مع الجندي القادم من القسطنطينية الميجور " ريتشارد داوتي وايلي " قبل ان تنتهي هي الأخرى نهاة تراجيدية بحسم القدر مصيرها برصاصة بلهاء وضعت نقطة النهاية لحياته ( أصابته رصاصة في رأسه أثناء لحظة الانتصار .. في عصر ذلك سقط جسده على الشاطئ ..ص134 ), في كلتا القصتين التراجيديتين الصادمتين ذات الأبعاد الرومانسية يشرح الراوي شرح دقيق لأحاسيس مس بيل بلغة رومانسية رشيقة يوقظ بها حواس القارئ من الكسل والخمول والاسترخاء، وتنهض الدرامية في حواراتها المنولوجية، ويتحرك الفعل الدرامي بحركة افعالها وتواشج رغباتها وصراعاتها التي فشلت في تحقق هاجس الزواج الذي كان يراودها كما يراود أي فتاة أخرى في هذا العالم.
في الفصول ( 2،6،9) مصنع خيال الكاتب في بناء الرواية، وإطالة أمدها إلى ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، يقدم الكاتب في هذه الفصول الشخصيات الست المهووسة بالخاتون : (يونس كاتب سيناريو, ونعمان مخرج سينمائي, وهاشم مشغل آلة عرض في سينما غرناطة ببغداد, ومنصور حارس المقبرة البريطانية, وأبو سقراط فيلسوف بغداد, وفيرناندو المحقق الأممي في احتراق مكتبة بغداد , وشخصيات ثانوية أخرى، لقد لعبت هذه الشخصيات دور مهم في هندسة البناء الروائي، وأبراز صورة الشخصية المحورية وتعزيز موقعها في الرواية، كما كانت نافذة الكاتب في تسليط الضوء فيها على ما حدث في العراق من تطرف وعنف طائفي وإرهاب وحشي بعد سقوطُها بيد الغزو الأمريكي عام 200. وكتبت الفصول بلغة الشخصيات ولم يقيدها السارد بلغته وتركها تمارس حريتها في هذياناتها في الحوارات كما تشتهي, وحتى تركها بدون أي علامات ترقيم، وجاءت تعبر عن مستوى واقعي وفلسفي انتخبت فيه الألفاظ والمفردات والتراكيب الممتزجة بالتصوير الحي للشخصيات والمكان (حانة الرافدين ص44, دوي الانفجارات في الكؤوس ص55, المكتبة الوطنية ص63, ست شخصيات تبحث عن امرأة ص201 ).
ولعل أبرز ما ميز هذه الفصول تراجع مساحة السرد، والوصف على حساب مساحة الحوار، وهذا ما رجح مقاربتنا للرواية من منظور درامي، فالحوارات كانت قائمة على مبدأ تعدد الأصوات وهي خصيصة درامية، وكانت الحوارات مكثفة مشحونة بالمواقف والافكار والاراء والشذرات الفلسفية التي تخلق التوتر داخل المشهد، وبالإضافة الى الحوارات الدرامية التي غزُرت بها الرواية، وظف الكاتب التقنيات السينمائية بشكل واسع في الرواية وتجلى ذلك بوضوح في الفصل التاسع ( سيناريو..ص333).
لاشك أن قراءة عالماً خيالياً مكافئ للواقع التاريخي فيه من المتعة القدر الكبير, لطالما كانت النصوص السردية عبارة عن صراعات مليئة بالعواطف والأحاسيس, وغزيرة بالوقائع والأحداث, والحوارات, والمعلومات التاريخية والوثائقية, عن حياة مس بيل فضلاً عن رؤية إزاء الأوضاع الاجتماعية والسياسية السائدة عبر زمنين الأول بطبعته الإنجليزية والثاني بطبعته الأمريكية .
رواية " خاتون بغداد " لا تخلو من حبكات متقنة، ومثيرة، وشيقة، ومشاهد حركية حاضرة بالنفس بجمالها وتشويقها، مبنية على الصراعات الدراماتيكية ل"مس غيرترود بي"مع ذاتها ومع الآخرين، وصيغت على شكل مشاهد بانوراميه واسعة تعكس النبض الدرامي للرواية ,وتشد القارئ وتزرع في نفسه التشويق لمتابعة الأحداث، فهل تشد أنظار صناع الدراما, وتنال فرصتها وتتحول إلى عمل درامي مميز .



#صفاء_الصالحي (هاشتاغ)       Safaa_Alsalhi#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بذور المسرح في تربة إبداع محمد صبري
- التعالق الجمالي والفكري .. في حواري مع جمال نوري
- التجريب الإبداعي في رواية - فرانكشتاين في بغداد -
- ومضات من حياة من عوالم تحسين كرمياني الادبية
- النبض الدرامي في رواية خاتون بغداد
- زنگابادي يعرب مرثية الشاعر الاسباني خورخيه مانريكي
- براعة الاسنهلال في رواية - مصل الجمال -
- قوس قزح
- قصة قصيرة جداً
- الوصف الانتقائي في رواية - النبيذة -
- بذور دار سطور في سندانة خانقين
- ( تروبيكالية رواية ليلة سقوط جلولاء )
- رسالة من الدراج الطواف حسن البحري
- فايروس-إدمان الإنترنت - هوس يعكر صفو الحياة
- فايروس - الطلاق - ينخر في جسد المجتمع
- ((الجنس الالكتروني-السايبر سكس- مغامرات خطيرة تهدد استقرار ا ...
- رحلة مع ال - Google - تحسين گرمياني
- هل تشد رواية -خاتون بغداد - أنظار صناع الدراما ؟
- (الكتاب لا يختفي ولكن القراء هم الذين يختفون)
- البرامج التلفزيونية مابين سخف الفكرة والرسالة والهدف


المزيد.....




- حصريا.. قائمة أفلام عيد الأضحى 2024 المبارك وجميع القنوات ال ...
- الجامعة الأمريكية بالقاهرة تطلق مهرجانها الثقافي الأول
- الأسبوع المقبل.. الجامعة العربية تستضيف الجلسة الافتتاحية لم ...
- أرقامًا قياسية.. فيلم شباب البومب يحقق أقوى إفتتاحية لـ فيلم ...
- -جوابي متوقع-.. -المنتدى- يسأل جمال سليمان رأيه في اللهجة ال ...
- عبر -المنتدى-.. جمال سليمان مشتاق للدراما السورية ويكشف عمّا ...
- أمية جحا تكتب: يوميات فنانة تشكيلية من غزة نزحت قسرا إلى عنب ...
- يتصدر السينما السعودية.. موعد عرض فيلم شباب البومب 2024 وتصر ...
- -مفاعل ديمونا تعرض لإصابة-..-معاريف- تقدم رواية جديدة للهجوم ...
- منها متحف اللوفر..نظرة على المشهد الفني والثقافي المزدهر في ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صفاء الصالحي - النبض الدرامي في رواية - خاتون بغداد -