أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الأزهاري - فكرة خاطئة















المزيد.....

فكرة خاطئة


محمد الأزهاري

الحوار المتمدن-العدد: 6623 - 2020 / 7 / 20 - 12:49
المحور: الادب والفن
    


منذ أيام دعوت زميلي خالد الى "مقهى الطُّلَّاب" الذي كان يرخص لنا صاحبه الجلوس فيه متحلقين على برَّاد من الحجم الكبير كنا نتقاسم دفع ثمنه،كي نناقش بعض الأمور الدراسية بما فيها الإمتحانات والدروس والمنهجية الناجعة للمراجعة وغيرها .
تكلمنا عن أمور عديدة، ثم حاولنا التنبؤ بالموضوع الذي من الممكن أن يرد في الامتحان،وبعد أخذٍ وردٍ في وجهات نظرٍ متعددة، قلت متحدثا إليه بصوت لا يخلوا من جدية وصرامة :
- أليس عيباً أن نكون طلابا في الجامعة و لا نَفقه شيئاً في اللغة الفرنسية .
ٱرتسمت على وجهه ابتسامةٌ ساخرة،وقال:بنبرة كلها دهشة وغرور تنم عن ثقة تفوت اللازم:اللغة الفرنسية.
- أجبتُ بكلِ بساطة: نعم
- وتابعَ:هذه اللغة التي تقولون عنها لغة الحب.
- قلت: نعم
- قال: لو جمعت كل العبارات و الكلمات الدالة على الحب في هذه اللغة لما عبرت عن حبي للغة العربية .
- قلت:أعلم مدى حُبِّك للغة العربية و أنا أيضاً أحبها بنفس القدر ، لكن من أجل النهوض باللغة العربية و الحفاظ عليها، علينا الإطلاع على لغات و ثقافات أخرى لنساير العصر بلساننا العربي .
- وهل لغتنا تحتاج للغة آخرى؟ هل لغة ذاك الكتاب الذي لا ريب فيه تحتاج للغة آخرى ؟ هل لغة الجنة تحتاج إلى لغة آخرى؟ لغة الأنبياء و الرسل،لا تحتاج للغة آخرى، لغتنا أذكى و أدَقّ و أوسعُ من أن تحتاج للغتهم .
- أجبته بصوتٍ هادئ احتراماّ لغيرته على اللغة العربية ولكي أقلَّل من إنفعاله وأهدأ من روعه .
- نعم يا صديقي أعلم هذا ،لكن البحث العلمي يحتاج للغات الحية و خاصة الإنجليزية التي أصبحت تجرى بها الآن معظم الابحاث والدراسات العلمية .
- قال:أنا في غنًى تام عن هذه اللغات الأجنبية، فأشعار المتنبي و كتابات الجاحظ وعروض الخليل و نَحوُ سِبويه و ٱبن مالك وكذلك كتب الأَصْمعي وابن جِني وكل ما أحتاجه من مصادر و مراجع مكتوب بلغتي العربية .
- وهل تعلم أن بعض النقاد يقولون بأن الشخص الناطق بلغة واحدة ليس بشخص مثقف ؟
- هؤلاء ليسوا نقادٌا بالنسبة لي ، فالناقد الحقيقي هو الذي يضُخُّ روح المعنى داخل كل نص لم يجد معنى، ويمهد الطريق للأديب، ويميز بين رديء العمل الإبداعي وجيِّده .
«عندما يندد شخص بمعلومات أنت تعرفها ويسردُ لك ما أنت على درايةٍ به تملُّ من الاستماع إليه»
حاولت التملُّص من نقاشه هذا بطريقة غير مباشرة
فقاطعته قائلا :
- إذن لن تذهب معي إلى المعهد .
- لا
- أنت بهذا تضيع عليك فرصة نادرة وغير مسبوقة .
- وما هي هذه الفرصة النادرة وغير المسبوقة .
- إن هذا المَعهد جديد العَهد، وقد فتحت أبوابه لأول مرة الأسبوع الماضي وهناك عرض للمسجلين الأوائل،وهو مائة درهم للشهر فقط بدل خمس مائة درهم .
أدخل مُسَبِّحتَه إلى جيبه و أخرج ورقة نقدية من فئة العشرين درهما،و قال بصوت خافت يكاد لا يسمع:"هذا كل ما أملك" .
- لابأس،هذه ستشتري بها دفتراً وقلماً، أما المائة درهم فسأسددها عنك .
وبعد مجادلةٍ طويلة، استسلم لطلبي وقبل الذهاب معي الى المعهد .
وفي الطريق ٱستوقفتنا امرأة أربعينية يبدوا من شكلها ولون بشرتها أنها أجنبية،قالت بالفرنسية: معذرة«تبعاً لشيوع هذه اللغة هنا بالمغرب»، وكان الرد سريعا و بشكل واثق من خالد : " نعم سيدتي" ، الأمر الذي جعلها تصوب أنظارها نحوه و أكملت "هل تعرفون مكان المركز الجديد لتعلم اللغات هنا بمدينتكم ".
نظر إليّ خالد وعلامات الإستفهام والاستنجاد على عينيه .
علمت أنه لم يدرك السؤال الذي أثارته السيدة الأجنبية،وقد كان ينتظر ردي كي أخطف بصرها عنه .
فهمت من كلامها أنها تبحث عن مكان ما لكن فرنسيتي لم تساعدني على الإجابة،أعادت نفس السؤال للمرة الثانية لكن هذه المرة باللغة الإنجليزية ، أما الإجابة فلم تكن غير الصمت .
بدأت تقلب أعيُنَها بيني وبين خالد و كأنها تقول كيف لهؤلاء ألا يفهما أكثر اللغات انتشاراً هنا في المغرب و العالم، و كأنها أمام جاهلين، رجعت خطوتين و بدأت تلتفت يمينا و شمالا. لا أعلم هل تبحث عن أحد آخر لتسأله أم إشمأزَّت منا .
كل ما يمكنني قوله هنا هو أنها ذكرتني بنفسي عندما أناقش بعض سفهاء الحي .
"كنت أسمع أن الأروبين لا يفقدون الأمل بسرعة"،وهذا ما أكدته لي هذه المرأة عندما كررت السؤال للمرة الثالثة باللغة الإسبانية .
أوشكت أن أقول لها بالإنكليزية "أننا لا نتكلم سوى باللغة العربية"، لكن رنين هاتفها قاطعني .أخذت هاتفها بيدها اليمنى ووضعته على أذنها الصغيرة، وشرعت في التكلم مع المتصل باللغة الألمانية .
عندما أنهت المكالمة وفي الوقت الذي أغلقت فيه الخط بالتحديد رَضخَ صديقي خالد دفتره بالأرض وعاد من حيث أتينا،تَسمَّرتُ مكاني مندهشًا من تصرفه هذا،بدأ يبتعد عنا شيئا فشيئا ناديته "خالد"!!! ولم يأبه .
أدبَر من المكان معلنا هزيمته في حرب الرموز .
نظرت إليّ المرأة بإستغراب ربما تريد أن تسألني عن سبب تصرفه هذا. لكنها أدارت رأسها وتمتمت في سرها بكلمات لم أسمعها جيداً وكأنها تقول لا داعي لذلك سيَحول الصمت مكان الإجابة مجدداً .
فتحت حقيبتها وأخرجت بطاقة يربط بين طرفيها خيط مثل القلادة تشبه تلك التي يرتديها الأطر والمشرفين على بعض التظاهرات والجمعيات .
تقدمت خطوة الى الأمام مقتربة مني،وأشارت بسبابتها إلى البطاقة، وكان بها صورة صغيرة للمعهد الذي كنت أود التسجيل به بالإضافة إلى بعض المعلومات الخاصة بها .فهمت من تلميحها أنها تبحث عن معهدنا المنشود .وأخيرا استخدمت اللغة التي يفهمها العالم كله لغة الإشارة .أومأت برأسي إيجاباً وقلت بالإنجليزية:نعم أعرف هذا المكان . «كنت أحفظ بعض العبارات الأساسية بالإنجليزية»
مشينا معا لمسافة قصيرة، وفي الطريق بدأت في التساؤُل:
- يالها من مصادفة، كيف يمكن أن تكون لنا نفس الوجهة؟
- هل هذا كله مجرد صدفة من صدف الكون؟
قلت في أمري : ربما تريد أن تُسجِّل أحد أبنائها .
وصلنا إلى المعهد ودخلت على أساس أن أُسجل نفسي وصديقي خالد،لكن المرأة فاجأتني بوضع يدها على كتفي وأخدتني إلى مكتب المُستَقْبِل ثم تكلَمتْ معه قليلا باللغة الفرنسية التي لاأفقه فيها شيئاً،نظر إلي وقال هذه السيدة هي مديرة المعهد وهي تشكرك كثيرا على التوصيلَة وتقول بأنهُ يمكنك الدراسة هنا مجانا لمدة شهر امتناناً منها لمساعدتك لها .
نظرت إليها وقد انفرجت أسارير وجهي وقلت بالفرنسية شكراً
أومأت برأسها بابتسامة خفيفة تأكيدا على ما قاله المُستقبِل ودَلفتْ نحو دَرجِ المعهد .
وأنا عدت أدراجي إلى المنزل، وفي الصباح إلتقيت بخالد أمام الجامعة،صَرختُ به:"ماذا أصابك البارحة"،وَيْحكَ تقوم بذاك التصرف
ارتسمت على وجهه ابتسامتهُ الساخرة المعتادة وقال:
-"أربعة لغات وما قادت تلك المرأة إلى المعهد،وتَودُّ مني الذهاب إليه وتعلم اللغة الفرنسية"
تَطلَّعتُ في أثرِه وتَساءلْتُ:
- هل المشكل فينا أم فيها ؟
وفَكَرتُ:
«ما أبشع أن يذوب علم المثقفين بين الجُهَّال».



#محمد_الأزهاري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة


المزيد.....




- مراجعة الأعمال المرشحة لجائزة الشيخ زايد للكتاب
- صدور طبعة جديدة من «باريس في الأدب العربي الحديث»
- اصدارات حديثة...
- -صبرا- والترويج للموساد الإسرائيلي.. أنسنة الاحتلال الثقافي ...
- محام: “أمن الدولة” تجدد حبس الفنان التشكيلي أمير عبد الغني 1 ...
- المرشح جزء من القصة أو راوٍ لها.. أفلام قصيرة في حملات مرشحي ...
- فرنسا: اتهام نتفليكس بالإساءة إلى الجالية المغاربية بعد عرض ...
- الكرملين: الرواية بأن روسيا تقف وراء أضرار -السيل الشمالي- غ ...
- الرئاسة الفلسطينية: إسرائيل تستخف بحياة أبناء الشعب الفلسطين ...
- مصر,فعاليات أدبية الاسكندرية (قصرثقافة الأنفوشى) يحتفى شعرىا ...


المزيد.....

- لا أفتح بابي إلّا للمطر / أندري بريتون- ترجمة: مبارك وساط
- مسرحية "سيمفونية المواقف" / السيد حافظ
- مسرحية " قمر النيل عاشق " / السيد حافظ
- مسرحية "ليلة إختفاء أخناتون" / السيد حافظ
- مسرحية " بوابة الميناء / السيد حافظ
- قميص السعادة - مسرحية للأطفال - نسخة محدثة / السيد حافظ
- الأميرة حب الرمان و خيزران - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- الفارة يويو والقطة نونو - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- قطر الندى - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- علي بابا. مسرحية أطفال / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الأزهاري - فكرة خاطئة