أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هفال عارف برواري - أبو بكرالصديق القائد الضرورة















المزيد.....


أبو بكرالصديق القائد الضرورة


هفال عارف برواري
مهندس وكاتب وباحث

(Havalberwari )


الحوار المتمدن-العدد: 6592 - 2020 / 6 / 13 - 20:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كثر الكلام بين ناقد ومدافع حول بيعة أبي بكر و ما أقدم عليه من حروب على القبائل التي أرتدّت وكيف وحدّهم وجند الجنود للتوجه نحو العراق لمقابلة الفرس من جهة ووجه جنوداً نحو الشام لمقابلة الروم!
وفي آن واحد!!
فهناك من قالوا أن البيعة كانت غصباً
وان حروب الردة كانت ظلماً
وأن التوجه نحو الروم والفرس يناقض سماحة الاسلام!!
ولم يؤمر به الرسول
ولو لم يفعل لأنتشر الاسلام دون حروب ودماء
وهناك من دافع وبين أن بيعته وحي نبوي أخبر به النبي والخلافة وحي أيضاً أخبر به النبي في أحاديثه فهو كان يتحرك بهدي النبي!

ولمعرفة وجه الحقيقة والإجابة عن كل تلك الاسئلة الشائكة يجب معرفة ماجرى وماكان يجري في المنطقة وماهي تلك المخاطر التي كان يواجهها تلك الحركة الجديدة المتطلعة للنهوض وسط
واقع عربي لها نزعة عصبية قبلية لا تنظرإالا الى مصالحها القاصرة على قبيلتها وليس لها رؤية مستقبلية خاصة وأن أكثريتهم دخلوا الاسلام بعد فتح مكة ومعرفتهم ان الرسول أصبح يتزعم مكة مركز الجزيرة العربية ومركز قبلتهمه ووجهتهم ولم يكونوا أن تشربوا من روح الاسلام وقيمه العظيمة فقد دخل غالبيتهم الأسلام في السنة الأخيرة من حياة الرسول
أما خارجياً فكانت المخاطر متمثلة
بالأمبراطوريتين المتقدمتين اللتان بدأتا تتخوف من ظهور تنامي تلك الحركة وكيف أستطاع الرسول من توحيد تلك القبائل المتفرقة
فجعلهم يُقدمون على إثارة الفتنة في بلادٍ ليس فيها من أسباب الوحدة غير هذا الدين الجديد!

فلم يكن لهم أطماع في الجزيرة العربية من قبل فلم يكن العرب يمتلكون ما يجعلهم يطمعون إليه !
لذلك ظلت الجزيرة العربية متحررة من قيود التبعية فلم يكن نفوسهم خانعة بل متحررة حيث لم يعيشوا في ظل حكم يستعبد الشعوب وهذا سر قوتهم!
ولكن كانوا تحت أنظارهم ويسيطرون عليهم عن
طريق حزام أمني من القبائل العربية الموالية للأمبراطوريتين وهما:
1- إمارة المناذرة الذين كانوا موالين الى الفرس في العراق
2-إمارة الغساسنة الذين كانوا يوالون الروم في جنوب بلاد الشام
يحمون الامبراطوريتين من غزواتهم ورصد تحركاتهم ليكونوا تحت انظارهم ....
ولكن بعد الفتح الكبير في مكة
أصبحت الإمبراطوريتين يعدّون العدة للسيطرة عليهم
خاصة عندما أقدم الرسول بإرسال رسله اليهم يدعوهم الى الإسلام بعد صلح الحديبية في الثامن من الهجرة
وكيف أقدم الروم لقتل مبعوثه مما أدى الى إندلاع حرب بين الجيش الإسلامي والرومي لأول مرة في التاريخ سميت بمعركة مؤتة!
تلاه معركة تبوك التي لم تقم حيث فر ّالروم منهم وتشتت جيوشه مما كان أنتصاراً للمسلمين ومعرفة القوى العالمية أن هناك دولة قد نشأت تم من خلالها تربية أفرادها تربية تقوم على الانضباط والتنظيم والتدبير وحسن الادارة لأول في مرة في تاريخ العرب !

بل أن الرسول أعدّ جيشاً بقيادة ( أسامة بن زيد)قبل وفاته وبعد حجة الوداع لتأمين الحدود الشمالية من هجمات الروم وأن يفاجئهم كحركة استباقية قبل أن يتجمعوا لغزو الجزيرة العربية
لكن رسول الله توفى ولكن ابو بكر نفّذ مشروعه بعد أن أصبح خليفة للمسلمين

وفاة الرسول

لم تكن حادثة الرسول حادثة هينة بل كانت أصعب حدث وأصعب مرحلة مرّ به المسلمون
فلم يستوعبوا وفاة حامل الرسالة
والذي كان حلقة الوصل بين الأرض والسماء
وهنا انجلى دور ابوبكر فلم يكن موجوداً اثناء موته ولما أقدم الى المدينة وجد المسلمون متخبطون لايدرون ما يفعلون كالأطفال الذي مات أبويهم
فدخل على رسول الله فعلم أنه قد وافاه الأجل فشمّه وضمّه وقبّله وخرج على القوم
ووثب كالجبل الأشم وصرخ على المنبر
من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات
ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لايموت
وتلا تلك الآية

( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)

وجمع شملهم ليتم دفنه
لكن بدأت المرحلة الاصعب والأخطر
فمن سيرأس المسلمين والرسول لم يرث أحد بعده ولم يوصى بأحد
فصحيح أنه كان بمثابة رئيس دولة عاصمتها المدينة المنورة يمثل السلطة الدينية والسياسية ينظم لهم أمورهم ويدير أعمالهم لكنه كان نبياً مرسلاً فمهمته أكبر وأجلّ وأعلى وأعمق من كونه رئيساً يرأسهم فهو الهادي البشير والمبلغ والمربي والمرشد والمصطفى المختار
وهنا أنقسم العرب
فألانصار أجتمعوا بسرعة في سقيفة بني ساعد مع المهاجرين
والسقيفة كانت أشبه بديوان أو مجلس كان يجتمع فيها الأنصار وغيرهم في المدينة
وهناك تكلم سيد الأنصار (سعد بن عبادة) وبيّن بوضوح [أن أهلّية حمل أمانة أرث الرسول وإدارة الدولة الفتية من مركزها المدينة تقع على عاتقهم فهم أهلها وهم لهم فضل السبق في الدين وحماية الرسول ونصرة الدين من هذه المدينة] !
وكاد أن يؤول لهم الأمر
لولا أن (عمر بن الخطاب) علم بالأمر فأسرع الى أبوبكر وسارعا الى السقيفة وتدخلا فيها
وقال أبوبكر لهم [ أنما يقوله سعد حق والأنصار يستحقون ماهو أكثر من ذلك ] إلا أنه تنبّه الى أمر مهم أكبر مما يتصورون وهو أن إدارة الدولة ليست قاصرة على المدينة فقط بل كل القبائل العربية وأن العرب لاتدين ولاتخضع لأوامر أي قبيلة إلا الى قريش !!
فهم سادة العرب وهم من كان لهم القول الفصل قبل وبعد الاسلام وقد خرج من بينهم نبي بايعه كل العرب بكافة مشاربهم )
هنا اقترح من الأنصار أن يكون منهم أمير ومن قريش أمير!
فتدخل (عمر بن الخطاب) وقال
[هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد]!
فردّ (الحباب بن منذر ) وقال للانصار أن هذا يوم الحسم فإما أن نكون أو لانكون وإلا فالسيف سيكون هو الحكم !
فارتفعت الأصوات وكادت تؤدي الى مقتلة !!
فقال أبو بكر قولته المبنية على الحكمة والدراية بمآلات الأمور
[منا الأُمراء ومنكم الوزراء]....

وهنا زادت كفة وغلبة منطق أبوبكر
وزادت حجته في إقناع المجتمعين الأنصار من الأوس والخزرج
وممازاد في كفته عندما تحول ( بشير بن سعد الأنصاري )الى معسكر المهاجرين قائلاً
[إنا والله لئن كنا أولى فضيلة في جهاد المشركين وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضى ربنا وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك ولا نبتغي به من الدنيا عرضاً فإن الله ولي المنة فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم]!
وهذا الموقف أربك صفّ الأنصار فرجّحت كـفة المهاجرين.
فالتفتوا الى أبوبكر
وهنا تدارك الموقف (عمر )لكي لايمر تلك اللحظة سدى فسحب يد ابوبكر وصافحه بقوة قائلاً:
[أبايعك على ان تكون أنت من يخلف رسول الله في قيادة وإدارة شؤون المسلمين!]
فاجتمع الانصار نحوه ليبايعوه إلا قلة ومنهم ( سعد بن عبادة)!
الذي لم يكن معارضاً آنياً بل ضل على معارضته ولم يبايع أبوبكر طيلة خلافته ولم يبايع عمر بعده أيضاً
وانتقل الى الشام بعد ذلك بل لم يصل صلاة جماعة حيث كان يصلي في بيته حتى وافاه المنية...
وهذا حق مشروع قي القضايا السياسية
وفي تلك البيعة عند السقيفة قال (عمر) قولته :
[ إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمّت وإنّها قد كانت كذلك إلاّ أنّ الله قد وقى شرّها]!
وماجرى من حديث ونقاشات لم تصل الينا بالتفصيل إلا أنه يتبين فيها قوة منطق وتأثير (أبو بكر الصديق)
وأجتماع غالبية الأنصار من الاوس والخزرج حوله بعد أن كانوا قاب قوسين من الانفلات
ومما قاله عمر أنها كانت فلتة وقى الله شرها
تنسف كل تلك الروايات والاحاديث التي تبين تعيين الخلفاء من بعده !
وتنسف مقولات الاجماع!
بل كان جهداً بشرياً دنيوياً توصل اليه (غالبية)المسلمين بعد جدال ونقاش..

لكن لن ينتهي الامر في الحكم
فهناك بنو هاشم لم يكونوا متواجدين في هذا الاجتماع الطاريء الحساس فقد كانوا منشغلين بأمور الدفن
وغياب أمثال العباس وعلي والزبير بن عوام وفاطمة كان له وقعه
الذي يجب أن يتادركه الرجال
وهناك من بين قريش نفسها بنو أُمية وبنو هاشم الذين لديهم مؤهلات القيادة والادارة
وكانت بيعة ابي بكر حدثاً طارئاً لدرء مفسدة كادت أن تقصم ظهر المسلمين من أول يوم في اخطر إجتماع كاد أن ينحو بحيث يغير مجرى التاريخ !
فقد قال علي بن ابي طالب بعد ذلك
[أنه أحقّ بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بقريش
وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار ، نحن أولى برسول الله حيّا وميّتا]
فهو يحتجّ بالحجّة نفسها التي بها غلب المهاجرون، غير أنّ البيعة قد انعقدت وتمت
لكنه لم يبايع ابابكر لانه راى أنه أحق منه في الخلافة فهو من قريش ومن آل البيت وأن البيعة تمت دون وجودهم
وضلّ على ذلك مدة ستة أشهر لكن لشهامة وزهد وحكمة(علي) فإنه رأى أن يبايعه فبايعه بعد ذلك
خاصة بعد وفاة فاطمةً بنت الرسول التي حصل خلافٍ بينها وبين أبي بكر الصدِّيق فقد كانت تريد أن ترث من أبيها ،وخاصة في (منطقة فدك )التي كان الرسول قدسمح لها بأن تنتفع بما غنم من تلك المنطقة التي فتحت سلماً لكن أخبرها أبو بكر أن الأنبياء لا يورثون ، وهكذا سمع هو من النبي وليس لأبي بكر حظ نفس في هذا ، فقد أغناه الله تعالى بالمال ، وقد منع فاطمة أن ترث ، كما منع ابنته عائشة وهي زوج النبي أن ترث هي كذلك ، ومنع عمر أن ترث ابنته حفصة زوجة الرسول أيضاً ،،،
فلم يكن له هوى في ذلك ، ولا كان بينه وبين فاطمة ما يجعله يولِّد العداء بينه وبينها ، وقد وقف علي رضي الله عنه بجانب زوجه فاطمة
وقد امتنع عن الذهاب لأبي بكر رضي الله عنه لبيعته طيلة حياة فاطمة بعد النبي

غير أنّه يجب التّأكيد أنّ هذه المعارضة كانت مؤقتة
وأن أبوبكر أستطاع أن يمتص غيض من كانوا يريدون غير ذلك بسبب مرونة شخصيته
وأستطاع أن يثبت نفسه كخليفة للمسلمين
وكذلك رجحان ميزان القوى لصالح المهاجرين الذين ألتفو حوله
ولا بدّ من التّأكيد على العامل القبلي فالإسلام لم يحدّد شكل السّلطة السّياسيّة بعد وفاة الرّسول
كما أنّ الرّسول لم يعيّن من يخلفه في تسيير شؤون المسلمين
فضلا عن ذلك فإنّ الظاهرة القبليّة لم تنتهي مع ظهور الإسلام
وقد بقيت القبيلة حيّة في النّفوس وفي خطاب النّاس وممارساتهم وتقاليدهم حتّى زمن الرّسول

لذلك لمّا طرحت قضيّة الخلافة بعد وفاة الرّسول، كان لكلّ طرف رهاناته السّياسيّة، وما كان لهذه الطّموحات أن تتحقّق بمعزل عن السّند القبلي.
فلقد كانت أوّل مظاهر بروز فكرة القبيلة كامنة في سرعة الإجتماع وفي مكانه ، فقد كان ذلك أحد أبرز أشكال دفاع الأنصار على الهويّة والحفاظ على الوجود خشية أن يستحوذ المهاجرون على السّلطة. لقد كان الوازع القبلي هو المحرّك الأساسي للأنصار، وقد تجلّى هذا الأمر في خطبة (سعد بن عبادة) والنّاظر كذلك في موقف المهاجرين يلاحظ مفهوم القبيلة باعتباره عاملا يوجّه السّلوك والفكر، ويترجم في الخطاب،
وكان العامل القبلي هو الذي حدّد نتيجة السقيفة. فصفّ القريشيّين كان متماسكا ولم يؤثّر غياب بني هاشم وعلى رأسهم (عليّ )على وحدة الصفّ.
وإنّ تماسك صفّ المهاجرين كان يدعمه أيضا ضغط عسكري مثّل تهديداً للأنصار وعنصراً حاسما في هذه القضية ، حيث يتمثّل هذا الضّغط العسكري في حضور( قبيلة أسلم)!
وهي فرع من خزاعة القرشية فقد أقبلت بجماعتها حتّى تضايق بهم السّكك فبايعوا أبا بكر فكان عمر يقول (ما هــو إلاّ أن رأيت أسلــم فأيقنت النّصـــر).....

موقف أبوبكر من الردة!

بداية يجب معرفة أن مصطلح الردة هو مصطلح سياسي أكثر مماهو أعتقادي
أما في هذه الحادثة فحتى الذين غيروا معتقداتهم يدخل في باب مستقبل سياسة ووحدة الجزيرة العربية وليس مرتبطاً بحرية الاعتقاد
فالرِّدَّة لم تنشأ صدفة ولم تكن مفاجأة ، وإنَّما كان لها مقدِّماتها وشروطها المرتبطة ارتباطًا عضويًّا بتاريخ تنامي نفوذ المدينة وما نجم عن ذلك من التحاق الكثير من القبائل بها.
وحركة الرِّدَّة بصورة عامَّة تُمثِّل الجانب الديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي من ردود الفعل التي أحدثها فور موت النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وعليه يُمكن تصنيف المرتدِّين والمنتفضين على حكم المدينة إلى أربع فئات:

1- هي التي اعترضت على نتائج السقيفة مع احتفاظها بإيمانها وصلتها بالعقيدة الإسلامية، غير أنَّها وعت بعد استتباب الأمر لأبي بكرٍ ولم ترتدَّ عن الإسلام.
2- هي التي ارتدَّت عن الإسلام ووضع زعماؤها التيجان على رءوسهم !
3-هي التي رفضت دفع الزكاة إلى أبي بكرٍ بوصفها نوعًا من التبعية والتقييد لحرية واستقلال هذه القبائل!
4- هي التي تبعت الذين أدعوا النبوة حتى اعتقد بعض الزعماء القبليِّين أنَّ ادِّعاء النبوَّة وسيلةٌ للوصول إلى الحكم !
مدفوعين بعامل العصبيَّة القبليَّة.

فصنف عادوا إلى عبادة الأوثان والأصنام، وصنف اتبعوا المتنبئين الكذبة (الأسود العنسي )في اليمن(ومسيلمة )في اليمامة(وسجاح)وغيرهم
وصنف أنكروا وجوب الزكاة وجحدوها
وصنف لم ينكروا وجوبها ولكنهم أبوا أن يدفعوها إلى أبي بكر .
فانتشرت حركة الرِّدَّة جغرافيًّا مع معظم أنحاء الجزيرة العربية، وامتدَّت من البحرين وعمان على طول ساحل الخليج العربي، ومن الشرق إلى الجنوب الشرقي، ومن هناك إلى حضرموت واليمن في الجنوب، ثُمَّ من هناك إلى اليمامة

أي أنَّ هذه الحركة شكَّلت شبه نصف دائرة أحاطت بالقسم الأكبر من الجزيرة العربية

فكيف سيتعامل أول خليفة للمسلمين واول قائد تم أختياره تحت ظروف وعوائق عديدة
واول من آلت أليه أرث النبوة وخاتمة الرسالات!
هنا ظهر مرة أخرى قوة بصيرة أبو بكر وعدم تردده في أتخاذ المواقف بل والحزم فيها
والجرءة على أتخاذ القرار والقدرة على إقناع من حوله وتحمل الصعاب
ففي هذا الوقت العصيب
جهّز جيش (أسامة بن زيد) للتوجه الى الشمال -حسب وصية الرسول-حتى يشتت شمل الروم لكي لايقدموا على إحتلال الجزيرة واستغلال ضعفهم!
وقد حذربعض الصحابة من التسبب في ضعف قوتهم أمام جيوش المرتدين!
لكنه أبى إلا أن ينفذ وصية الرسول قبل مماته!
أما في قضية المرتدين
فقد أشار بعض الصحابة -ومنهم عمر- على الصديق بأن يترك مانعي الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم، ثم هم بعد ذلك يزكون
ولكن أبا بكر أصر على التعجيل بقتالهم
وقال: [والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً (أنثى ولد الماعز) كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم عليها]
فمن أقرّ لله بالوحدانية لا بد أن يقر له بما يفرض من حق في ماله، الذي هو مال الله أصلاً وأن لا إله إلا الله بغير زكاة لا وزن لها في حياة الشعوب، وأن السيف يشرع دفاعا عن أدائها
فقضية منع الزكاة لا تقبل المفاوضة، وأن حكم الإسلام فيها واضح، ولذلك لا أمل في تنازل خليفة المسلمين عن عزمه ورأيه، وخاصة بعدما أيده المسلمون وثبتوا على رأيه بعد وضوح الرؤية وظهور الدليل.

ويجدر الإشارة أنه لولا حروب الردة لأغتنم القبائل فرصة ضعف المسلمين وقلة عددهم لهجوم كاسح على المدينة يسقط الحكم الإسلامي فيها ويقضى على هذا الدين .
وقد قرأ الصديق في وجوه القوم ما فيها من الغدر عندما أقدم وفودهم الى المدينة ورأى فيهم الخسة وتفرّس فيها اللؤم، فقال لأصحابه:
[إن الأرض كافرة وقد رأى وفدهم منكم قلة، وإنكم لا تدرون أليلاً تؤتون أم نهارا!
وأدناهم منكم على بريد، وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم ونوادعهم، وقد أبينا عليهم ونبذنا إليهم عهدهم فاستعدوا وأعدو]!

ووضع الصديق خطته على الوجه التالي:

1- ألزم أهل المدينة بالمبيت في المسجد، حتى يكونوا على أكمل استعداد للدفاع.

2- نظّم الحرس الذين يقومون على أنقاب المدينة ويبيتون حولها، حتى يدفعوا أي غارة قادمة.

3- عين على الحرس أمراءهم: علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم.

4- وبعث أبو بكر إلى من كان حوله من القبائل التي ثبتت على الإسلام من (أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وكعب )يأمرهم بجهاد أهل الردة فاستجابوا له حتى امتلأت المدينة بهم،
وكانت معهم الخيل والجمال التي وضعوها تحت تصرف الصديق، ومما يدل على كثرة رجال هذه القبائل وكبر حجم دعمها للصديق أن جهينة وحدها قدمت إلى الصديق في أربعمائة من رجالها ومعهم الظهر والخيل، وساق (عمرو بن مرة الجهني )مائة بعير لإعانة المسلمين، فوزعها أبو بكر في الناس.

5- ومن ابتعد عن المرتدين وأبطأ خطره حاربه بالكتب يبعث بها إلى الولاة المسلمين في أقاليمهم، كما كان رسول الله يفعل، يحرضهم على النهوض لقتال المرتدين ويأمر الناس للقيام معهم في هذا الأمر

ومن أمثلة ذلك رسالته لأهل اليمن حيث المرتدين من جنود (الأسود العنسي) يقول فيها: [أما بعد، فأعينوا الأبناء على من ناوأهم وحوطوهم واسمعوا من (فيروز) وجدّوا معه فإني قد وليته]
وقد أثمرت هذه الرسالة وقام المسلمون من أبناء الفرس بزعامة (فيروز) يعاونهم إخوانهم من العرب بشن غارة شعواء على العصاة ، وعادت اليمن بالتدرج تحت إمرة المدينة بقيادة
أبي بكر.

6- وأما من قرّب منهم من المدينة واشتد خطره (كبني عبس )و(ذبيان )فإنه لم ير بدًّا من محاربتهم على الرغم من الظروف القاسية التي كانت تعيشها مدينة رسول الله
فكان أن آوي الذراري والعيال إلى الحصون والشعاب محافظة عليهم من غدر المرتدين، واستعد للنزال بنفسه.
فنصحه معظمهم بموادعة تلك الفرق وتركها حتى ينتظم أمر المسلمين ويستجمعوا أسباب القوة والتمكين.

ولكي نختصر فقد وجّه أبو بكر الجيوش لقتال القبائل الخارجة عن سلطانه ، حتى استطاع المسلمون في عدة أشهر أن يقضوا تمامًا على حركات الردة، وأن يُقرِّوا سلطة دولة المدينة في عموم شبه الجزيرة العربية.

وهنا تجلى العبقرية السياسية لأبي بكرفي هذه القضية الحساسة والخطيرة على رسالة الاسلام
وأنه المؤسس لدولة الإسلام الفتية

لكـــن
1- ماذا سيفعل بكل هذه الطاقات الجبارة
2- وكيف سيتعامل مع تلك الإمبراطوريتين العظيمتين التي تترصد بهم
3-وكيف سيقومون بتبليغ رسالة الاسلام العالمية الخاتمة

لذلك ما إِن انتهت حروب الردَّة، واستقرَّت الأمور في الجزيرة العربيَّة حتَّى شرع الصِّدِّيق في تنفيذ خطَّة الفتوحات بعد أن وصل الى أنه مراد الرسول وهو الذي وضع معالمها !

بدأ بالعراق

فجيَّش الصِّدِّيق لفتح العراق جيشين
الأول /
بقيادة (خالد بن الوليد)، وكان يومئذٍ باليمامة، فكتب إِليه يأمره بأن يغزو العراق من جنوبه الغربيِّ
والجيش الثاني /
بقيادة (عياض بن غنم)، وكان بين النِّباج والحجاز، فكتب إِليه بأن يغزو العراق من شماله الشَّرقي بادئاً بالمسيخ.
هنا يتبين أن أبابكر يمتلك حسِّاً استراتيجيِّاً متقدِّما ً
فهو كأنَّما هو يمارس القيادة من غرفة العمليَّات بالحجاز، وقد بسطت أمامه خارطة العراق بكلِّ تضاريسها، ومسالكها، فيأمر أحدهما  (خالداً) بدخول العراق من أسفلها جنوباً بغرب ويأمر الثاني بدخول العراق من أعلاها شمالاً بشرق (أي: المسيخ)، ويأمر الاثنين معاً أن يلتقيا في وسط العراق أي نفذ خطة الكماشة على الجيوش الفارسية

وأذّن الخليفة أبو بكر باستنفار كل القوى، وحشد كل الإمكانيات مستثنيا أهل الردة تأديبا لهم، وإشعارهم بفداحة الجرم الذي ارتكبوه، وكانت هذه العقوبة رادعة لهم في الواقع وتركت آثارا كبيرة في نفوس المرتدين لا سيما عندما كانوا يشهدون الانتصارات الرائعة التي كان يحققها المسلمون يوما بعد يوم وهم محرومون من شرف الإسهام بها، لكن تغيرت هذه الإستراتيجية في زمن عمر بن الخطاب


ثم بدأ بالتوجه الى الشام ايضاً

وخاصة بعد انتصاراته في العراق
فقد كان في مقدمة إهتمامات أبي بكر الذي كان يهدف الى التوسع عبر المناطق المألوفة للعرب جغرافيًا، وكانت هذه البلاد أكثرها التصاقًا بذاكرة العربي التاجر، حيث سعى إليها في رحلة الصيف، أو سمع الكثير عنها من رجال القوافل،  
والتفكير في فتح بلاد الشام كما يراه أبوبكر
تعود لانتهاج سياسة النبي وإرسال وفوده اليها،

وتمت خطة التحرك نحو بلاد الشام في السنة الثانية عشرة للهجرة، بعد مشاورات أجراها
أبو بكر مع كبار الصحابة من أهل الحل والعقد، ثم قام بتعبئة المسلمين لغزو هذه البلاد.
وكان رد فعل عامة المسلمين الفوري الصمت، وذلك بفعل هيبة غزو البيزنطيين الروم ، حتى قام (خالد بن سعيد بن العاص الأموي)، فتقبل الفكرة، فكان أول من خرج إلى بلاد الشام بعد أن عقد له أبو بكر لواء، هو أول لواء عقده لحرب الشام.  
تحمست بعض القبائل في سياق هذه الحملة التعبوية، للمشاركة في عملية فتوح بلاد الشام، وأرسلت مقاتليها إلى المدينة، ومع ذلك ظلت الاستجابة بالمشاركة ضعيفة، مما دفع أبا بكر إلى استنفار قبائل اليمن، فجاءه المتطوعون وسعى لتشجيعها بالغنائم العظيمة، وهذا يعني أن بعض القبائل كانت تدفعهم غريزة الغزو والغنيمة، وفق تقاليد الغزو المعروفة في المجتمع العربي، وأن أبا بكر لجأ إلى هذه الوسيلة التشجيعية بعد أن لمس ضعف الاستجابة العربية لمشروعه، كما أن منع أبي بكر المرتدين من المشاركة في حرب الفتوح -وهم أكثر العرب- قد أثر على ذلك.  
ومهما يكن من أمر، فإن حركة التوجه الى بلاد الشام، نوقشت بين أهل الحل والعقد، ثم عرضت على عامة المسلمين، ووضعت الخطوط العريضة لها أثناء انعقاد اجتماع كبار الصحابة.  

فأبوبكر بجهده البشري وأجتهاده كان القائد الضرورة والسياسي
الذي أستطاع
1- أن يوحد الصف الداخلي في المدينة ومكة
2- وان يحقق توصية الرسول في تجيش جيش (أسامة بن زيد) نحو حدود الشام
3- ويوحد الصف الداخلي المتمثل بالجزيرة العربية( المتمثل في حروب الرِدَّة)
في آن واحد
4- واستطاع أن يوجه كل تلك الطاقات نحو خارج حدودها
المتمثل في التوجه نحو العراق ( ومقابلة أمبراطورية فارس)والشام ( ومقابلة امبراطورية الروم)
5- ويهيء الارضية الى العالمية
وفي أقل من سنتين....!




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,981,766,986
- نحو تقدم تكنلوجي لا حدود له ودون منظومة عالمية تضبطه !!
- صراع الاستحواذ على تقنية الجيل الخامس 5G
- أَنْتَرَتْ المجتمعات والعالم
- هل يريدون تغيير النظام الاقتصادي العالمي بمبرر فايروس الكورو ...
- الفايروسات سر الله في الوجود
- هل هي صدفة !
- فك إشكاليات بعض المفردات(الكتاب والقرآن ) ( الصيام والصوم).. ...
- الكتاب هو قرآن متكامل !
- حرب الأفيون...الإستعمار هو الإستعمار!
- اكبر جريمة فى تاريخ البشرية .... اختفاء الشعب الاحمر بأستخدا ...
- هل الاسلحة البايلوجية ستكون بديلاً عن الاسلحة النووية !
- حقيقة قصة هاروت وماروت في القرآن
- الفلسفة الإلهية في إدارة الكون- الإيمان إمتياز!
- الشعب الكوردي متجذر في سوريا منذ القدم
- الصلاة في القرآن!
- علم الكون بين الإيمان والإلحاد
- حقيقة عالم البرزخ ومفهوم عذاب القبر ؟
- مارتن لوثر الأنجيلي الذي غير النظام العالمي !
- ماهو الدين؟ وهل أتينا الى الدنيا لنخدم الدين أم ليخدمنا الدي ...
- نظرية التطوير في القرآن الكريم


المزيد.....




- مصادفة -ساحرة-.. مغامر يوثق تجربته أثناء التجديف بجانب الدلا ...
- مستشار أردوغان يوضح -المقصود- من رسالة رئيس تركيا للسيسي
- سبب هام لوجوب شرب القهوة دائما بعد الإفطار وليس قبله!
- كورونا يسجل أعلى حصيلة يومية في الأردن والسلطات تحذر من فرض ...
- بوتين لماكرون حول بيلاروسيا: أيّ محاولة للتدخّل في الشؤون ال ...
- شاهد: عشاق التخييم يتذكرون ألمانيا الشرقية على طريقتهم الخاص ...
- بوتين لماكرون حول بيلاروسيا: أيّ محاولة للتدخّل في الشؤون ال ...
- زلزال بقوة 6.7 درجة قبالة مملكة تونغا بالمحيط الهادي
- واشنطن تتمهل في فرض عقوبات على لوكاشينكو بانتظار قرار أوروبي ...
- تداول فيديو قبلة أمير الكويت الجديد لرأس أخيه الراحل الشيخ ص ...


المزيد.....

- العراق: الاقتراب من الهاوية؟ / جواد بشارة
- قبضة سلمية / سابينا سابسكي
- تصنيع الثورات / م ع
- معركة القرن1 واشنطن وبكين وإحياء منافسة القوى العظمى / حامد فضل الله
- مرة أخرى حول مسألة الرأسمال الوطني / جيلاني الهمامي
- تسفير / مؤيد عبد الستار
- قطاع غزة تحت الحصار العسكري الصهيوني / زهير الصباغ
- " رواية: "كائنات من غبار / هشام بن الشاوي
- رواية: / هشام بن الشاوي
- ايدولوجية الانفال وجينوسايد كوردستان ا / دكتور كاظم حبيب والمحامي بهزاد علي ادم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هفال عارف برواري - أبو بكرالصديق القائد الضرورة