أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - محمد شيخ أحمد - تشظي الهوية السورية بين ثالوث الاستبداد والفساد والعنف الهمجي الممنهج















المزيد.....



تشظي الهوية السورية بين ثالوث الاستبداد والفساد والعنف الهمجي الممنهج


محمد شيخ أحمد

الحوار المتمدن-العدد: 6572 - 2020 / 5 / 24 - 09:57
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


 
مدخل:
أصبح سؤال الهوية من أكثر الأسئلة بداهة والتباساً، والتي تصدم المواطن السوري في كل لحظة، وأمام كل حدث، على السواء بشكل مباشر أم غير مباشر، أكان مهتماً شخصياً به أو ليس مهتماً، ومع كل يوم يزداد إلحاحاً، بازدياد أزمته الوجودية على الصعد كافة، سواء الاقتصادية والأمنية والاجتماعية والفكرية والثقافية.إلخ.
لم تعد حالة "جحا" (فخار يكسر بعضه، أو مادام الحريق لم يصل لقفاي، لا يهمني..! ) شعاره اليومي. تلك اللامبالاة التي وسمت الشارع السوري ما ينوف على ثلاثة عقود من الزمن، نتيجة مصادرة كل بادرة حرة وإبداعية وحق ورأي في رسم مستقبله الإنساني، عبر سياسة التدجين التي وسمت غريزة قطيع لديه لا فكاك منها.
أين المفر..؟ هل بالاستمرار في التقوقع..؟ أو بالانتكاسة والعودة إلى الماضي..؟ أو بالانغلاق على الذات كحائط من الفولاذ..؟ أو بالتحول إلى عجينة تتشكل بالأيدي التي تتلقفها..؟ أو بالتماهي والتعلق بالأيديولوجيات والقوالب الجاهزة والمنجزة، سواء منها الوضعية أم المفارقة..؟
امتلك السوري بحكم الضرورة آلاف الأرواح، كل يوم يولد من جديد، وآخر النهار ينام نومته الأبدية. يولد ليواجه جحيمه (المعتاد) سواء في تأمين لقمة العيش، أو مراجعة المؤسسات، أو دفع الفواتير، أو سائق أرعن، أو شبيح، أو بلطجي، أو حاجز، أو قذيفة، أو خطف. إلخ، ليعود آخر النهار -إن عاد- ليضع رأسه على الوسادة لينام نومته الأبدية.
من بين ذلك الركام، انبثق سؤال الهوية والانتماء وتعملق، لعل وعسى يكون الرافد، أو المنقذ من مصير مجهول، أو لعله ومضة أمل لم تخبُ بعد في ليل دامس، طال وسيطول.
 
في نشوء الهوية
 لتكوّن الهوية امتداد عبر التاريخ البشري، انتقل فيه من الحالة البسيطة، غير المعقدة أو المركبة (للمحافظة على البقاء، ضمن جماعته الصغيرة، في مواجهة العالم الخارجي)، إلى الحالة المعقدة والمركبة، نتيجة تراكم الخبرات والمعارف، الذي أدى به إلى قفزات نوعية في مجال وجوده الإنساني، مكنته من التمايز عن الطبيعة من جهة، والتحكم في بعض الظواهر الطبيعية من جهة أخرى، كما نقلته من تجمع بشري في حالته البدئية([2]) الأولى إلى تجمعات أرقى وأعقد.
ونستطيع تلمس التعقد والتركيب في الهوية البشرية، بدءاً من الانتقال من المرحلة المشاعية إلى المرحلة العبودية للمجتمعات الإنسانية، إذ انقسمت تلك المجتمعات إلى طبقات عدة، بحسب موقعها من عملية إنتاج الخيرات المادية، وامتلاك أدواتها ووسائلها، والقوة والسلطة، ولكل منها فضاؤها العام والخاص.
وعلى هذا الأساس يمكن أن نتلمس في تكوين الهوية سمتين أساسيتين؛ الفردية والجمعية. الفردية أيضاً لها خصائصها الفيزيولوجية والنفسية، الأولى تلعب بها جملة المورثات التي يتشاركها الفرد مع أسرته وعشرته، على السواء من جهة الأم أم الأب، والنفسية هي الاستعدادات والقابليات التي تميزه عن بقية أفراد هذه الأسرة، وتفاعل تلك القابليات سلباً أو إيجاباً ضمن محيطيه الاجتماعي والطبيعي.
أما الجمعية فيلعب في تشكلها -إضافة إلى ما يسمى روح العصر أو الفضاء العام- الاستعدادات النفسية للأفراد، وتجاربهم وخبراتهم الفردية، ضمن المحيط الاجتماعي والمحيط الطبيعي. وهذا العامل يلعب دوراً حاسماً في تعقيد تلك الهوية أو تسطيحها لدى الفرد والجماعة على السواء، في التمايز أو الانجراف مع التيار أو المتعارف عليه، أو روح القبيلة أو الجماعة.. إلخ.
فما بالنا الآن، ونحن في الألفية الثالثة بعد الميلاد، بينما الحضارة البشرية على هذه الرقعة الجغرافية (سوريا) تمتد آلاف السنوات قبل الميلاد، تعاقبت عليها حضارات عدة ما زالت آثارها إلى اليوم كالسومرية والأكادية والكلدانية والكنعانية والآرامية والآشورية والحثية والرومانية والنبطية والبيزنطية والفارسية والعربية، والإسلامية، يضاف إليها خضوعها للإمبراطورية للعثمانية ما ينوف على أربعة قرون (انتصار السلطان سليم الأول في معركة مرج دابق شمال حلب على المماليك آب/ أغسطس 1516، حتى انسحاب العثمانيين عقب الثورة العربية الكبرى تشرين الأول/ أكتوبر 1918 إبان الحرب العالمية الأولى (28 تموز/ يوليو 1914- 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 1918)، وكحلها الاحتلال الفرنسي والبريطاني. هذا كله ترك بصمات لا تمحى في تشكيل الهوية السورية. وكان لرواد النهضة العربية (منذ عصر محمد علي، مؤسس مصر الحديثة الذي عُين والياً لمصر بفرمان سلطاني في 9 تموز/ يوليو 1805، واستمر حتى 1848)، في مصر وبلاد الشام بصمتهم أيضاً، وصولاً إلى بدايات القرن العشرين.
جرى الانعطاف الحاد باستيلاء البعث على السلطة في سوريا (انقلاب حزب البعث العربي الاشتراكي في الثامن من آذار/ مارس سنة 1963(([3])، وما واكبه من أحداث، إذ طفت على السطح بقوة السلطة الهوية الإسلامية والقومية العربية، بوصفهما هويتين جامعتين على الرغم من الفروقات بينهما، ووسمتا المجتمع بسمتيهما العامتين والشاملتين، طاغيتين على السمات الأخرى، الخاصة والمميزة والثرة للشعب السوري، بينما تلك السمات الخاصة بالأساس تغني هاتين الهويتين وتبلورهما.
 
في سؤال مفهوم الهوية وضرورته
على الرغم من التضليل الكبير الذي يقودنا إليه هذا السؤال، وعلى الرغم من خلطه لكثير من الأوراق (سنعود إليه لاحقاً)، وعلى الرغم من الهزائم التي تلاحقنا كلها، والنزيف الحاد الذي نعانيه منذ بداية الانفجار السوري الذي أطاح الأخضر واليابس كما يقال، وعلى الرغم من الكارثة التي سيقودنا إليها، والتضليل بين ثناياه، وبأن كثيراً ممن تصدوا له يريدون به باطلاً، وعلى الرغم من أنه يساوي (بيني، وجامعٍ للقمة العيش من القمامة، على الأرض السورية) وبين مليارديرات الحرب على الأرض السورية كلها، والبلطجية كلهم، وأصحاب الرايات السود، والملالي الصفر، وعابري الجغرافيا، وأمراء الحرب في الساحة السورية كلهم، من سوريين وغير سوريين([4])، إلا أن هناك ضرورة للتصدي له، من زوايا حادة وعدة.
 
الزاوية الأولى في المستوى الفكري
 في مستوى الفكر الفلسفي تعبر عن تساوي وتماثل موضوع أو ظاهرة مع ذاتها، وهي ليست مجردة بل متعينة ونسبية، لأنها في تطورٍ وتغيرٍ وإغناءٍ مستمرٍ. وفي مجال العلوم الاجتماعية فهي تعبر عن “نسق المعايير التي يُعرف بها الفرد ويُعرّف، وينسحب ذلك على هوية الجماعة والمجتمع والثقافة”[5]
إثارة هذه الإشكالية على صعيد النخب، له ما يسوّغه من جهة، فهو ذلك الفوات الحضاري بين عالمين، أحدهما يعبر عن دينامية تطورية مذهلة، والآخر عن جمود وتكلس وتقوقع حول زمن مغرق في التاريخ البشري، هرباً من واقع أمرّ من المر وهذا يخلق إشكالات عدة على الصعيد النفسي وإحساس بالدونية والصدمة. والانصياع لأصنام ذهنية ما زالت تهوم في فضاءاتهم، ينساقون معها محاولين إيقاف الزمن عند حدود تلك الأصنام، ومن ثم الانتكاسة بمجتمعاتهم إلى حقبة زمنية تجاوزتها الحضارة الإنسانية ما يزيد على ستة قرون. ومن جهة أخرى، إثبات وجود على صعيدين، صعيد الأهلية والانتماء إلى هذه الحضارة على المستوى العالمي، وصعيد يحمل اتجاهين: الأول لتأكيد أهلية هذه الأصنام الذهنية، والآخر للتخلص من حال التكلس والتقوقع التي تدمغهم بها تلك الأصنام الذهنية، وهذا يؤدي إلى ازدواجية في الشخصية والعلاقات والانتماء.
من هنا تأتي مشروعية النخب في مساجلة الهوية، ولكن أغلبهم عند تصديهم لهذه الإشكالية غيبوا جانباً أساسياً يجب أن يكون حاضراً وهو الجانب السلطوي السياسي.
وكما يقول هيراقليطس[6]: “لا يمكنك السباحة في مياه النهر مرتين”.
نحن الآن ما بعد وليس ما قبل
لا بد إذاً من توجيه الانتباه إلى نقطة جوهرية وأساسية، هي الهوة الواسعة بين الخطاب الرسمي العربي -وبالأخص الوجه السياسي منه، مع حوامله الفكرية والثقافية والإعلامية والأيديولوجية- والواقع العربي (سواء في مستوى الشارع الشعبي اليومي، أم النخبوي غير الملتحق بالسياسي الرسمي)، بكل ما يحمله من إخفاقات وانتكاسات وزيف وتهويل، ونكران لواقع أو تعليق الأخطاء كلها على “مسمار جحا”، وأن الشعارات والمبادئ التي يستنير بها هؤلاء (المتحكمون في مصيرنا) ستبقى مثالاً وراية للطريق، أي مطلقة لا تشوبها شائبة صالحة لكل زمان ومكان.
وما ذلك إلا برهان على مدى استخفاف الأنظمة بشعوبها، وعلى أن هدفها ليس بناء مجتمع إنساني والارتقاء به، أو بناء دولة متمأسسة، ضرورتها نابعة من صون حقوق مواطنيها وعيشهم المشترك، بقدر ما هو تثبيت واقع حال وإدامة التحكم في السلطة وخيرات بلدانهم ومقدراتها.
 عودة على المفهوم، إذ يعتبر مفهوم الهوية من المفاهيم الأساسية في مجال الدراسات الاجتماعية، لأنه يتغلغل في كافة جوانب الفاعلية البشرية الخلاقة والمبدعة على السواء. في الجوانب الأكثر تعقيداً والأكثر بساطة. وبالتالي فعند التعامل مع موضوع الهوية، وتحديد السمات، يواجهنا عدد من الصعوبات، ويعود ذلك إلى التنوع الكبير في مكونات الفرد أو الجماعة سواء في المستوى المادي، أو النفسي، أو التجربة والخبرة والتربية والفضاء العام، ويتمثل ذلك في عدد من العناصر كالأصول المغرقة في الماضي والمراحل التي مرت بها، والعقائد والعادات والأعراف والتقاليد الاجتماعية والثقافة واللغة …إلخ[7].
 
الزاوية الثانية الفردي (ذات ضمن الجماعة)
بالنسبة إلى الفردي بوصفه ذاتاً تشكلها جملة المورثات الخاصة بالفرد، وتلعب دوراً أساسياً في تشكيل الشخصية وحضورها الاجتماعي سلباً وإيجاباً، وهذه الخصائص بدورها يعاد تشكيلها بالفضاء العام لهذه الشخصية، وأكثر ما يؤثر فيها مرحلة البناء التي تؤدي فيها التربية والتعليم دوراً أساسياً، وهو ما تتحكم فيه المؤسسات في البلد المعني، وتعيد تشكيل الشخصية بناء على سياساتها العامة، وبدورها تؤسس لتشكل الزاوية الثالثة. أما ضمن الجماعة، فتتحدد بالجماعة التي ينشأ في كنفها، ودورها ومكانتها الاجتماعية على كافة الصعد، وأيضاً علاقتها ودورها في عملية إنتاج الخيرات المادية، وامتلاك أدوات الإنتاج ووسائله والقرار السياسي.
 
الزاوية الثالثة الفردية (الخاصة) من منظور الجماعة
هي كيف يراه الآخرون[8]، كيف يتعاملون معه، سواء الأسرة، أو وسطه الاجتماعي الخاص والعام وبيئته الريفية أو المدينية. قدراته وطاقاته وإمكاناته وتَميّزه، وهذه النظرة أو التعامل هل يحبطه أم يحفزه، أم يعانده ويواجهه.
هنا نجد بأن الفضاء العام، الذي يتحكم فيه في المجتمعات الحديثة، ويشكله بشكل رئيس هو السلطة السياسية، وبما يتوافق مع سياساتها العامة وأهدافها ويخدمها، إن كان في المستوى الاقتصادي أو الفكري أو التربوي أو السياسي أو الثقافي أو الأكاديمي أو الإعلامي...، عن طريق أدواتها (مؤسساتها) كل بحسب اختصاصها، بدءاً من المؤسسة التشريعية والقضائية والتعليمية والإعلامية والمالية والخدماتية …إلخ.
 
الزاوية الرابعة الاجتماعية (الفردية والجماعية)
الفرد في المستوى البيولوجي (الاجتماعي والفردي)، يلعب هنا الجنس دوراً أساسياً فيه ذكراً أو أنثى (بوصفه مجتمعاً ذكورياً متخلفاً، ومغرقاً في ذكوريته بامتياز)، وهو يؤثر بدوره في نشاطه وانتماءاته الاجتماعية، ويلعب الوضع الاجتماعي (سواء الطبقي أو البيئة الاجتماعية الطبيعية، ريف ومدينة) دوراً مهما في خياراته المستقبلية ويتحكم فيها إلى حد ما. والجماعي يتحدد من خلال موقع الجماعة في عملية الإنتاج المادي وصنع القرار السياسي ومواقع السلطة والقوة والمال …إلخ.
 
الزاوية الخامسة العولمة والفوات الحضاري
إن مفهوم العولمة اصطلاحاً يعبر عن أسلوب علاقات تطال مختلف جوانب الفاعلية الحضارية للمجتمعات الإنسانية سواء المادي أم غيره، هنا يمكن سحبه قياساً حتى عصر الإمبراطوريات، ومفهوماً نظرياً ظهر في القرن الثامن عشر عصر الثورة الصناعية الأوروبية، وظهور القوميات، وتشعب أذرع الأخطبوط الاستعماري، بحثاً عن أسواق جديدة، إضافة إلى البحث عن مصادر المواد الأولية والخام، ومع تطور التكنولوجيا وبالأخص التكنولوجيا الرقمية والنانوية معاصراً([9]) وتأثيرهما في الاقتصاد، كما في الإنتاج وأسواق العمل والاتصالات والذكاء الاصطناعي، وتغيير نمط الحياة والتمدن وتغيير المناخ. أصبحت العولمة عنواناً لاستراتيجيات العصر المعبرة عن تلك القفزات الحضارية في عالم اليوم.
وما شهده القرن العشرين من سقوط قطب عالمي واستفراد القطب الآخر، وانعكاس ذلك في العلاقات الدولية لبلدان العالم جميعها، وعلى الصعد كافة، من سياسية وأيديولوجية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وازدياد الهوة التي تفصل ما بين الدول التي تأخذ بناصية العلم والقوة والمال والتسلح، وما بين (الدول) التي ما زالت على الضفة الأخرى، ومن بينها الدول العربية (إن تعاملنا مجازاً مع مصطلح الدولة)، من هنا كان تصدي بعض الرواد في الفكر والثقافة العربيين[10]، ولكن بمنهجيتين مختلفتين، وأرضيتين مختلفتين. هدف الأولى منهما، نقل العصر الإسلامي التأسيسي بمسلماته ومرجعياته كلها إلى دخول هذا العصر ومحاولة إرجاع منجزات الحضارة الحديثة كلها إليه، واعتباره معياراً لها. والآخر مع العقبات والاضطهادات كلها حاول استيعاب المرحلة بكل ما فيها ومحاولة الاندماج فيه أو استيعابه أو اللحاق به على الصعد كافة، وبعقلية منهجية علمية، وليس عقلية مفارقة.[11]
الإشكالية ليست هنا وليست مع هؤلاء الرواد وإن كانت مشكلة معرفية علمية بامتياز، الإشكالية في النظم التي تربعت على عروش هذه البلدان وظلت تستنسخ الماضي، ليس عن إيمان وقناعة بهذا الماضي، بل لأنه يؤمن لها مواقعها ويؤبدها، كونه خير سلف لخير خلف، ويسوّغ (هذا الماضي) لها استنزاف خيرات البلدان التي يتحكمون بها. وفي المقابل اندفعت باتجاه العولمة كمظلة أيضاً تقيها من انتفاضات شعوبها من جهة، ومن جهة أخرى تفكك هذه الشعوب وتشظي هوياتها عن طريق الصدمة الحضارية والفوات الحضاري، وتجعلها تعيش حالة من الانفصام ما بين واقعها (أي الشعوب) وطموحاتها وآمالها. وفي الحصيلة تصبح هذه الشعوب عاجزة عن إحداث أي تغيير في واقعها الملموس.
 
في مفهوم الأزمة للهوية
تمثل الأزمة نقطة تحول مفصلية وحاسمة، يحدث فيها صراع أو تضارب في الأهداف أو المصالح[12]، موسومة بالغموض والتوتر. وتتصاعد فيها وتيرة الأحداث ويصعب التحكم فيها، أو تخرج عن نطاق السيطرة والتوقعات، ما يتسبب بحالة من الذعر، والتوتر العصبي، والتشتت الذهني بسبب عنصر المفاجأة فيها، فتؤدي بدورها إلى مزيد من التخبط في اتخاذ القرارات، نتيجة تضييق الخناق على أصحاب القرار، وغالباً ما تكون تلك القرارات كارثية لأنها تصعد من وتيرة الحدث وتعمقه. ويقع أطراف الأزمة كلهم سواء في مواقع القرار أم الآخر تحت رحمة الحدث منقادين بما يسمى (روح القطيع أو غريزته)[13].
وإن دلت (الأزمة) فعلى أزمة نفسية وجودية كبيرة، لها إرهاصاتها في السياسات الاستبدادية التي مورست بحق هذا المجتمع عبر قرون، ما أدى إلى تخلخل القيم والمرجعيات التي وسمت الفرد والمجتمع بطابعها العام. وكذلك نتيجة للفوات الحضاري بين الواقع الذي يعيشه هذا المجتمع والعولمة التي قلبت المفاهيم كلها.
هنا لعبت وسائل الإعلام بأشكالها كافة ووسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في رسم مساراتها[14]، ولا أدل على ذلك من مراجعة الإعلام العربي عبر الثلاثين سنة الماضية، وتبعيته المطلقة للأنظمة الحاكمة، سواء في تمرير سياساتها أو انتكاساتها أو هزائمها، والتعامل مع المواطن بوصفه خامة بيضاء يلوثها كيفما شاء، وعجينة يشكلها كما يريد، وبالوناً ينفخ فيه متى أراد، فقط لتنصيع جباه أسياده، وكأن هذا المواطن لا يمتلك فكراً وعقلاً يستطيع من خلالهما تمييز الغث من الثمين، الكذب والنفاق من الحقيقة، وكأنه غر لا حول له ولا قوة، وما عليه سوى الطاعة، والعمل، ليترك التفكير لهم، كما التخطيط ورسم مستقبله ومساراته وخياراته.[15]
أصبح (الفرد والمجتمع) سلعة تتلاقفها مواقع التواصل الاجتماعي. وعمقت العولمة من الهوة الفاصلة بين مجتمعه والمجتمعات الأخرى، بين سقف طموحاته وما تقدمه وتسوقه له عبر مختلف وسائل الإعلام[16]. ومن خلال المنجزات الحضارية لزمن العولمة سواء في المستوى التقني والتكنولوجي، أو في مستوى الفضاء الفردي لتلك المجتمعات. أزمة في المستوى القيمي، وهو ما يتجلى في سخرية الكاريكاتير السياسي عن المجتمع العربي بشكل عام والسوري بشكل خاص، بتصويره لواقع المطالبة بنصب الخيمة الإسلامية، والانتقال إلى العيش في خيمة العولمة، هذا التناقض والازدواجية في الشخصية يعبر بشكل صارخ عن عمق الأزمة في الهوية.
 
في تشظي الهوية السورية
في جذور الأزمة وعواملها
إن الفشل الذي مني به أطراف الصراع السوريين ليس ناتجاً من فراغ، بل هو بنيوي يمتد إلى البدايات. هذا من جهة ومن جهة ثانية، أطراف الصراع السوريين منهم، وأصحاب الرايات السود، يعبرون عن حالة ما دون مفهوم الدولة، يَسِمها ما يسم النظام الاستبدادي الشرقي. وبالتالي لفهم المآلات التي وصلت إليها الحالة السورية من ذلك التشرذم للمجتمع السوري، ولذلك التصدع والتشظي للهوية السورية، لا بد لنا من العودة إلى تشكل ما يسمى تجاوزاً (الدولة) السورية بعد الاستقلال وباقتضاب بقدر ما يسمح لنا به البحث، مع الوقوف بتأنٍ إلى حد ما على مرحلة ما بعد 1970.
اتسمت المرحلة بين 1943 و1947 بتولي ثلاثة من أعيان الكتلة الوطنية رئاسة الحكومة، وهم سعد الله الجابري وجميل مردم بك وفارس الخوري.
توالت الانقلابات على سوريا بدءاً من الانقلاب الأول لحسني الزعيم 29- 30 آذار/ مارس 1949، والانقلاب الثاني بقيادة سامي الحناوي في 14 آب/ أغسطس 1949، والانقلاب الثالث بقيادة أديب الشيشكلي كانون الأول/ ديسمبر 1949، والانقلاب الرابع (الثاني للشيشكلي) 28- 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1951، والانقلاب الخامس 24شباط/ فبراير 1954، وفي إثره تنحى الشيشكلي عن الحكم وغادر إلى لبنان، والانقلاب السادس في 28 أيلول/ سبتمبر 1961 قاده ضباط سوريون ساخطون على سياسة الوحدة مع مصر التي وضعتهم تحت رحمة استبداد نظام دكتاتوري عسكري مركزي همّش الإقليم السوري لمصلحة المركز. والانقلاب السابع في 28 آذار/ مارس 1962، اعتقل فيه رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب وعدد من السياسيين، وأعلن الانقلابيون بأن هدفهم هو تصحيح الأخطاء وإنقاذ الوحدة المقدسة[17].
على الرغم من قصر المدة الزمنية ما بين الاستقلال وتتالي الانقلابات العسكرية إلا أن هذه التجربة تركت بصمة لا تمحى في مستقبل سوريا.
وفي 8 آذار/ مارس 1963، وقع انقلاب قاده حزب البعث العربي الاشتراكي، تميز هذا العهد بالتخلص من الانفصاليين وداعميهم والشركاء[18]. وآلت فيه مقاليد الأمور إلى الفريق لؤي الأتاسي والفريق أمين الحافظ واللواء محمد عمران واللواء صلاح جديد. ولم يدم حكمهم طويلاً إذ حصل انقلاب من داخل الحزب في 23 شباط/ فبراير 1966، تزعمه كل من صلاح جديد ونور الدين الأتاسي وحافظ الأسد. وتميز هذا العهد بديمويته عن باقي الانقلابات. كما تميز بازدواجية السلطة، العسكرية التي يقودها حافظ الأسد والمدنية التي يقودها صلاح جديد.
واختتم البعث سلسلة انقلاباته بما سماه “الحركة التصحيحية” التي قادها حافظ الأسد، واعتقل فيها صلاح جديد ومجموعته[19]، لتطوى صفحة الانقلابات من تاريخ سوريا، وتبدأ مرحلة الاستفراد في السلطة.
 إن أهم الدروس المستقاة لسلطة بعث (الحركة التصحيحية)، كانت بالدرجة الأولى السيطرة المطلقة على الذراع الانقلابي الأساسي والمتمثل في الجيش، ومن ثم تطوير الأجهزة الأمنية، وهيمنتها على مناحي الحياة كلها في المجتمع السوري ومؤسساته، لتحل محل الجيش في فرض الطاعة والولاء، مستعيناً في المرحلة الأولى بالجهاز الحزبي، لوسم المجتمع بطابع أحادي الجانب والرؤى والتوجه. ومن ثم وجه اهتمامه إلى ناحية الإعلام، ليعيد تشكيل الرأي العام، ويرسخ النظام الأبوي من الأسفل إلى الأعلى (مع الأخذ بعين الاعتبار ما يعنيه النظام الأبوي، الإرث الاستبدادي الشرقي منذ القديم)، في مستوى الأجهزة كافة، ومن ثم البنية المجتمعية لسورية بتنويعاتها كلها، هذه الحالة أسست لفكرة الولاء المطلق للرئيس التي مهد لها بتصفية المعارضين والمناوئين كلهم، وهو ما ساهم في استمرار حكمه في مدى ثلاثين عاماً[20].
وترى ليزا وادين بـ”أن ظاهرة تقديس الأسد هي إستراتيجية للسيطرة القائمة على المطاوعة بدلاً من الشرعية. وينتج النظام المطاوعة من خلال المشاركة الإجبارية في أشكال الامتثال الزائفة الجلية، سواء لأولئك الذين يخترعون هذه المظاهر وأولئك الذين يستهلكونها. تعمل ظاهرة تقديس (الرئيس) أداة ضبط، تفرز سياسة الخداع العام التي من خلالها يتصرف المواطنون كما لو أنهم يحترمون قائدهم.”[21].
 ولم يغفل النظام الجانب الاقتصادي، إذ أولاه عناية خاصة، لأنه الجانب الذي استطاع به أن يتحكم في رقاب (العباد) وحياتهم، ذلك كله قاد إلى اختزال (الدولة) والمجتمع وتاريخ سوريا وخيراتها وجغرافيتها في شخص واحد، حوله النظام إلى رمز، وقاد إلى ترسيخ نظام استبدادي شمولي أصبحت فيه سوريا بلا وجه، وحولها إلى مستنقع في مدى عقود.
 
الاستبداد
تعريفاً: هو تفرد في الرأي بما يخص شؤون الجماعة، واحتكار واغتصاب لحق هذه الجماعة إن كان في إبداء الرأي أو خلافه. وهذا ليس حكراً على سوريا، (يا للسخرية) بل يمكننا أن نجده عاملاً مميزاً ومشتركاً لدى الدول العربية، ذات الجذر المشترك منذ عصور الإسلام الأولى[22]. ولكن هذا لا ينفي أن للاستبداد أسباباً أخرى، لا ترتبط بهذا الجذر، سواء في المستوى الذاتي أو الموضوعي، حديثاً ومعاصراً. من بينها غياب العقلانية لدى بعض القوى السياسية والأحزاب في ظل الاستبداد، والقمع والتنكيل بأخرى، والاستناد إلى خطابات شعبوية بقيم الماضي التليد ومنطق القبيلة، والاحتماء به والاحتكام إليه عند الأزمات، وطبعاً هذا ما نلمسه عند أي صدمة، من خلال عدم الفصل ما بين الديني والدنيوي، ما بين الواقع المعاش والروحي، ما بين الزمني والمطلق. وله ما يسوّغه في المستوى الاجتماعي بأنه أسلوب يُلجأ له، بالنسبة إلى الفرد أو الجماعة، كشكل من أشكال الحماية والاستنجاد، للمحافظة على البقاء، ليس أكثر.
ولا رابط ما بين تلك القوى السياسية والأحزاب (والمقصود هنا التي قبلت بوصاية البعث عليها)، صاحبة التجربة والخبرة والمعرفة والنظرية والفكر الحديث والمعاصر التي تفاخرت بأنها تتتلمذ في مدرسة (الأب)، وذلك الماضي التليد إذ ألغت مبرر وجودها الفعلي عندما جعلت نفسها محض إكسسوارات لا أكثر لنظام سلطوي.
 
العامل البشري الاجتماعي
تركزت سياسة النظام بشكل أساسي خلال سبعينات القرن الماضي وثمانياته على حد الكفاية بالنسبة إلى الشعب، أي ما يسد رمقه، وربطه بعامل الولاء والطاعة، وهو ما تلمسه المواطن منذ البداية من خلال فرض الهوية البعثية جواز مرور للدخول في كثير من مؤسسات (الدولة) إضافة إلى التقرير الأمني، ومن ثم الامتيازات لمن يقدمون فروض الطاعة العمياء. وانصب قمع النظام على التيارات العلمانية والقومية المعارضة، من الماركسيين والبعثيين والناصريين والاشتراكيين العرب، حتى طال أوساطهم الاجتماعية، بينما ترك المجال مفتوحاً للتيار الإسلامي حتى نهاية السبعينات، وفي حوار لتمام برازي مع حمود الشوفي السفير السابق لسورية في الأمم المتحدة[23]، يرى الشوفي أن النظام أدار البلد بطريقة أمنية وليس دولتية أو مؤسسية، وبأن النظام يدعي بذلك استناداً إلى التأييد الشعبي المطلق، وبأن التعامل مع المجتمع جرى على أساس مجموعة أفراد[24].
سعى النظام منذ بداياته لتعبئة كافة الموارد والطاقات البشرية والمؤسسات والمنظمات الشعبية التي شكلها، على مقاسه، لتصب في خزّانه، للمحافظة على سلطته وضمان استقراره واستمراره. وما ساعده على ذلك، التعامل مع المواطنين على أساس شخصي وفردي، وليس على أساس عقد اجتماعي بين مواطنين ودولة. وقس على ذلك مؤسسات ما يسمى (بالمجتمع المدني) كافة في سوريا التي من المفترض أن تلعب دوراً وسيطاً ما بين مؤسسات السلطة التنفيذية والمواطنين. واعتماداً على اقتصاده السياسي حدد طرائق توزيع الثروة وعوامل الإنتاج وعلاقاته، كما حدد العلاقات الاجتماعية، على أساس الطاعة، والطاعة فقط، ومن يكسر عصا الطاعة فالعقاب بانتظاره سواء بالحرمان من الحقوق أو الاعتقال أو الموت في أقبية المخابرات، التي امتدت أذرعها في مفاصل المجتمع السوري كله، حتى وصل الأمر بالمواطن حيث أصبح يخاف من صورته في المرآة وهيأ ذلك لنشوء علاقات اجتماعية جديدة، ونشاط اقتصادي وتجاري وخدمي يرسخ هذا التوجه، ويشيّئ المواطن، وبالتالي جرده من القيم الإنسانية الراقية، وأصبحت القيم السائدة تدور حول النفاق والرشوة والفساد، بل أصبح الفساد عنواناً لكل من يريد أن يتسلق السلم الاجتماعي ولو على حساب العائلة أو الأسرة الصغيرة، كأصغر لبنة في السلم الاجتماعي، فما بالنا بالأكبر، الذي يشمل كامل الجغرافيا السورية.
 
العامل الاقتصادي والتنموي
كان للعامل الاقتصادي دور حيوي في اندلاع البركان السوري، وكان له أيضاً دور جوهري في تشتت الروابط الاجتماعية وتمزيقها، وبدوره انعكس على الهوية السورية.
ففي السنوات الأخيرة للقرن العشرين دخلت سوريا في مرحلة ركود اقتصادي، ليبدأ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بسيادة الفساد الذي وسم عمل المؤسسات الحكومية، وارتفاع معدلات الفقر نتيجة سياسات النظام الليبرالية لتحديث الاقتصاد وسياسات الانفتاح الاقتصادي، والتوجه إلى وصفات البنك الدولي، وخصخصة قطاعات واسعة لمنشآت حكومية بعد إطلاق رصاصة الرحمة عليها، عبر مخططات مسبقة مدروسة وممنهجة، بتسليم تلك المؤسسات وإدارتها لمن له باع كبير في الفساد.
وفي تعريف الفساد يورد الباحث سمير التنّير في كتابه الفقر والفساد في العالم العربي[25]: “تُعرّف منظمة الشفافية العالمية الفساد بأنه “استغلال السلطة من أجل المنفعة الخاصة”. أما البنك الدولي فيعرف الفساد بأنه “إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص، فالفساد يحدث عادة عندما يقوم موظف بقبول ابتزاز أو رشوة أو طلبهما لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمنافسة عامة، كما يجري عندما يعرض وكلاء أو وسطاء لشركات أو أعمال خاصة تقديم رشى للاستفادة من سياسات أو إجراءات عامة للتغلب على منافسين وتحقيق أرباح خارج إطار القوانين المرعية. ويمكن الفساد أن يحصل عن طريق استغلال الوظيفة العامة من دون اللجوء إلى الرشوة وذلك بتعيين الأقارب أو سرقة أموال الدولة مباشرة”.
والفساد بأشكاله المختلفة ومظاهره وتجلياته ما هو إلا الوجه الآخر لسياسات (دول) الضفة الأخرى في عصر العولمة، الوجه الآخر الذي يتجلى في سرقة ثروات الأمة، ومن ثم سرقة مستقبل أبنائها، ويلعب دوراً كبيراً في تشويه البنية الاقتصادية، وهو ما نلمسه في مفاصل المؤسسات الحكومية كافة في سوريا، ودوره في تفاقم الفقر والبطالة، وإعاقة النمو وتخريب التنمية الاقتصادية، وغسيل الأموال المرتبط بالجريمة المنظمة.
 إن لإعادة هيكلة البنى الاقتصادية في سوريا وجهاً يعبر عن تلك العلاقة الجديدة ما بين القوة والسلطة، وإعادة توزيع الأدوار، ما بين القطاع العام والخاص، وإفراغ القطاع الحكومي من محتواه الأساسي، لمصلحة الكبار، ويمثله من الجانب الحكومي كبار البيروقراطيين، ومن الجانب الآخر كبار المستثمرين. شراكة أنتجت ما يسمى بالشركات القابضة (حوتاً) ابتلع المقومات الاقتصادية كلها لسوريا، في سبيل ربح سريع، وتركز نشاطها على المجالات الخدمية الضخمة، تلك المشروعات الموجهة نحو تلبية متطلبات الفئات الأكثر غنى وقوة، انصبت سياسة النظام على حماية تلك الاحتكارات بذريعة تحسين مزايا الاستثمار.[26]
وكان من نتائج تلك السياسات انتشار الفقر المدقع، بشكل غير مسبوق في منطقة الشرق الأوسط، وتشوهات في توزيع الدخل وتشرذم في المستوى الاجتماعي والبيئي والعلمي والقانوني.
 
العامل المؤسساتي
لا شك في أن للمرحة الأولى من سيطرة البعث على السلطة في سوريا -المتمثلة في مرحلة 1963- 1970- دوراً أساسياً في صوغ الأطر المؤسسية لنظامه التسلطي واستمراره، من خلال توجهه إلى إعادة هيكلة المؤسسات، بدءاً من الحزب الحاكم إلى الجيش والاستخبارات، مروراً بالجهاز البيروقراطي والنقابات والاتحادات ووسائل الإعلام. عمل نظام البعث ما بعد السبعين على قولبتها بما يتلاءم مع استفراده بالحكم ويدعمه ويقويه، ومن ثم استطاع إلباسها لبوس النظام الأبوي، وأصبحت تدين بالطاعة المطلقة للنظام، وما استمرار النظام في سيرورته إلا دليل على مرونته وقدرته على التكيف مع المستجدات سواء في الساحة المحلية أو الخارجية، وتحديث مؤسساته، بما يتواءم مع عملية تحديث تسلطيته، بعمليات التكيف من أعلى الهرم إلى أسفله[27].
وما ساعد النظام على ذلك هو:
تركيزه على الجمع بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية.
التراتب الهرمي الممركز للسلطة من الأدنى إلى الأعلى.
إضفاء الطابع البعثي على مؤسسات (الدولة)، أو بعثنة مؤسسات (الدولة).
ذلك كله انعكس على أداء تلك المؤسسات، بحيث تكون نتيجته في النهاية ترسيخ أسس النظام السائد وزيادة سطوته على مفاصل الحياة كلها للمجتمع السوري. رسخ دستور 1973 تلك الهرمية وتركيز السلطة في قمة الهرم، عندما قَنن صلاحيات رأس الهرم ومنحه صلاحيات تطال الجيش والجبهة الوطنية التقدمية ومجلس الشعب. فضلاً عن كونه الأمين العام لحزب البعث القائد (للدولة) والمجتمع.
الجبهة الوطنية التقدمية
ائتلاف ضم في مرحلة التأسيس ستة أحزاب ذات أيديولوجيات قومية واشتراكية وشيوعية بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي.
مجلس الشعب
هو الهيئة التي تتولى السلطة التشريعية في البلاد منذ 1971، وينتخب بالاقتراع العام السري والمباشر كل أربع سنوات، ويحتفظ البعث بالأغلبية المطلقة فيه. يتقاسم ورئيس الجمهورية السلطة بموجب الدستور عبر إصدار المراسيم التشريعية.
الجيش
بحسب الدستور السوري رئيس (الدولة) هو القائد الأعلى لجيش والقوات المسلحة.
الأجهزة الأمنية
وهي الاستخبارات العامة (أمن الدولة)، والأمن السياسي، والاستخبارات العسكرية، واستخبارات القوى الجوية. ويشرف على هذه الأجهزة مكتب الأمن القومي التابع للقيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي.
الإدارات الحكومية
في مستوى المحافظة يكون كلا من المحافظ وأمين فرع حزب البعث، ممثلاً للسلطة المركزية وتخضع الإدارات كافة في المحافظة للمراقبة والمتابعة من قبل الأجهزة الأمنية.
 فهل يعول على عمل مؤسسات ولدت (مخصية)، تابعة وملحقة بالقرار من أعلى الهرم السلطوي في سوريا، ألم يكن هناك اختلال في عمل هذه المؤسسات، ما بين اختصاص كل منها، والمستجدات التي تفرضها الحركة المجتمعية في سياقها الحضاري، إن كان في المستوى المادي أو المعرفي أو المجتمعي.
النتيجة المنطقية لسيرورة المؤسسات والأجهزة الحكومية، ما عدا الأمنية هو الخواء المطلق، في العمل المؤسسي، وهو بالتالي ما قاد إلى حالة من الفساد غير مسبوقة، ساهم فيها بشكل أساسي الهرم السلطوي، عبر تضييق الخناق بطرائق شتى، وفي المستوى المجتمعي وصل الأمر إلى حالة استنقاع الذي لا فكاك منه.
 
الخاتمة
هذا التشظي الذي آل إليه المجتمع في سوريا، على الصعد الإنسانية كافة، ما هو إلا نتيجة لسياسات ممنهجة ومدروسة، مورست عليه خلال عشرات السنين من التجاهل والتغييب المتعمد، لإيصاله إلى الحالة التي هو عليها.
وبالتالي فإن أي أصوات تطلق للمحافظة على الهوية السورية من التشتت والتمزق، في هذه المرحلة التي أصبح فيها أكثر من ثلثي الشعب السوري خارج الفضاء الإنساني، إن كان في الوجود على الأرصفة أو حاويات القمامة أو البيع للجسد بأشكاله الكثيرة أو بالرشوة أو بعصر البطون أو بإلغاء الحواس الخمس، أو بالتغييب القسري أو النزوح أو الهجرة، لمن لم يطالهم العنف الهمجي، هي أصوات ليست على (كوكب) سوريا، هي أصوات من خارج هذا الفضاء، هي أصوات على بعد من هؤلاء، أصوات على إحدى الضفاف، التي ما زالت متمسكة بالنظام سفينة إنقاذ لها من العنف الهمجي من قبل الرايات السود، أو ضفاف الإسلام التأسيسي الأول، الذي لم ولن يشهد الفارق الحضاري بين ما يدعو إليه وما آلت إليه الإنسانية، أو التي كانت هذه المآسي هي المركب الذي أخرجها من القاع، أو التي نمت في قاع المستنقع والآن طفت على السطح.
إن أي مجتمع يوضع في حالة ركود عشرات السنين، لا بد أن يُستنقع، ولإعادته إلى حالته الإنسانية الخلاقة المبدعة، يجب أن يرى نور الشمس، ويتنفس هواء الحرية، عندها لن يفكر بتحجيم نفسه وتأطيرها بهويات تعزله وتقزمه في المستوى الإنساني، بل سيفتخر بإنسانيته مع محافظته على خصوصيته في هذا الفضاء الإنساني ويبدع بحيث يقدم خصوصية ناصعة مزهرة يعتز بها، وتغني الفضاء من حوله.
 


[1] - نشرت هذه الدراسة على موقع مرصد الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في 26 – 10 – 2018.
*- أقام مشروع وطن للحراك المدني ندوة حولها بتاريخ 29 – 12 – 2018.
*- ألقيت محاضرة في مكتب هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي بدمشق بتاريخ 1 – 2 – 2019.
*-أقيمت ندوة بدعوة من منتدى الجبل الثقافي في آذار 2019. بدعوة من منظمة حقوق الإنسان العربية- فرع السويداء.
[2] - فضلنا هنا استخدام هذا المصطلح (المفهوم) تعبيراً عن بداية تشكل التجمعات البشرية، على مفهوم البدائية، الشائع في أغلب الدراسات الاجتماعية والتاريخية، لأنه يعبر عن حالة الإنسان بدقة أكبر.
[3] - راجع كتاب البعث السوري، تاريخ موجز، حازم صاغية، دار الساقي، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 2012، عن نسخة إلكترونية. وكتاب البعث لسامي الجندي عن دار النهار للنشر، بيروت لبنان، 1969.
[4] - هذا ما نجده طاغياً في التصريحات السياسية والإعلام بشكل عام، كما نجده على أغلب مواقع التواصل الاجتماعي باختصاصاتها المختلفة.
[5] - الهوية، أليكس ميكشيللي، صادر عن دار النشر الفرنسية، الطبعة العربية الأولى 1993 ص7.
[6] - فيلسوف يوناني ما قبل سقراط لم يعرف عنه سوى القليل، وكل ما تبقى من تراثه جمع في كتاب بعنوان شذرات، ويشاع بأنه من أسرة مالكة في مدينة أفسس في آسيا الصغرى. راجع منشأ الكون لعنصر مادي هو النار، واعتبرها الجوهر الأول.
[7] - الهوية، مرجع سابق ص20 – 22.
[8] - راجع: الذات عينها كآخر، تأليف بول ريكور، المنظمة العربية للترجمة، بيروت لبنان – الطبعة الأولى 2005.
[9] - والتكنولوجيا النانوية من الحقول العلمية البحثية التي تهتم بالبحث ومعالجة المادة على مقياس ذري وجزيئي، تقاس أبعادها بجزء من مليون من الميليمتر، وتدخل في مجالات العلوم الفيزيائية والهندسة الكيميائية والميكانيكية والحيوية.
[10] - راجع التراث وتحديات العصر في الوطن العربي، الأصالة والمعاصرة، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية، بيروت 1987.
[11] - راجع بهذا الصدد كتاب ما العولمة، د.حسن حنفي و د.صادق جلال العظم، إصدار دار الفكر المعاصر بيروت لبنان ودار الفكر دمشق سورية.
*-كذلك راجع كتاب ظاهرة العولمة بين رفض العرب والإسلاميين والترويج الغربي، د.بركات محمد مراد، عن نسخة إلكترونية.
[12] - معجم مصطلحات عصر العولمة، د.إسماعيل عبد الفتاح عبد الكافي، ص40- 41. (عن نسخة إلكترونية من دون صفحة التعريف بالناشر والطبعة).
[13] - راجع سوسيولوجيا الجمهور السياسي الديني في الشرق الأوسط المعاصر، د.خليل أحمد خليل، المؤسسة العربية لدراسات والنشر، نسخة إلكترونية، الطبعة الأولى 2005.
*- كذلك موسوعة المورد، لمنير البعلبكي طبعة 1991، مادة غريزة القطيع: “نزعة في الحيوانات الاجتماعية، ومنها الإنسان، تجعلها تنزع إلى العيش قطعاناً قطعاناً وجماعات جماعات وتستجيب بطريقة واحدة لمؤثر معين، أو تجعلها تحذو، على نحو أعمى ومن غير إعمال للفكر، حذو فرد بعينه، في موقف من الواقف، ويصاحب غريزة القطيع عادة شعور بالوحدة والعزلة وحنين إلى الأوطان، وهي تدفع الفرد إلى التعاون مع غيره من أبناء مجتمعه”.
[14] - راجع الإعلام وتشكيل الرأي العام وصناعة القيم، تحرير وتقديم عبد الإله بلقزيز، صادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى بيروت 2013
[15] - راجع هندسة الجمهور، كيف تغير وسائل الإعلام الأفكار والتصرفات، أحمد فهمي، الطبعة الأولى 1436هـ، مركز البيان للبحوث والدراسات.
*- أيضاً راجع: أثر وسائل الإعلام على القيم والسلوكيات لدى الشباب، أطروحة مقدمة لنيل شهادة دكتوراه دولة في علوم الإعلام والاتصال، جامعة الجزائر، كلية العلوم السياسية والإعلام، إعداد السعيد بومعيزة. 2005 – 2006.
[16]  - راجع الإعلام والجمهور تأليف ستيفن كولمان وكارين روس دار الفجر للنشر والتوزيع القاهرة، الطبعة العربية الأولى 2012.
[17] - راجع الجيش والسياسة في سوريا 1918- 2000، د.بشير زين الدين، الطبعة الأولى 2008، دار الجابية،
[18]  - البعث السوري، مرجع سابق، ص41- 42.
[19] - حزب البعث نشأته وتطوره، الخلاف بين صدام حسين والأسد، نسخة إلكترونية، من دون أي ثبت تعريفي. ولكن يوجد نص إلكتروني على الموقع:
 http://www.moqatel.com/openshare/Behoth/Siasia21/Hezb-Bath/index.htm
[20] - راجع الصراع على السلطة في سوريا، نيكولاس فان دام، الطبعة الإلكترونية الأولى المعتمدة باللغة العربية، كانون الأول/ ديسمبر 2006.
[21] - السيطرة الغامضة، د.ليزا وادين، الناشر رياض الريس للكتب والنشر، الطبعة الأولى تموز/ يوليو 2010. ص40
[22] - راجع الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت تموز/ يوليو 2005.
[23] - حمود الشوفي، من السويداء انتخب رئيساً لمكتب المنظمة الإقليمية لحزب البعث في آذار/ مارس 1963، عمل مدّة قصيرة ممثل سورية الدائم لدى الأمم المتحدة واستقال من منصبه في 27 كانون الأول/ ديسمبر 1979. أعلن عام 1982 إنشاء حكومة في المنفى. (ويكيبيديا الموسوعة الحرة).
[24] - راجع كتاب ملفات المعارضة السورية، لتمام البرازي، الناشر مكتبة مدبولي الطبعة الأولى 1994.
[25] - الفقر والفساد في العالم العربي، سمير التنير، دار الساقي بيروت لبنان، الطبعة الأولى 2009، ص16
[26] - راجع كتاب العقد الأخير في تاريخ سوريا، جدلية الجمود الإصلاح، محمد جمال باروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر، الطبعة الأولى، بيروت آذار/ مارس 2012.
[27] - راجع التسلطية في سوريا، الصراع بين الدولة والمجتمع، تأليف ستيفن هايدمان، الطبعة الأولى، تشرين الأول/ أكتوبر 2011. رياض الريس للنشر والتوزيع.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجذور الحضارية والمجتمعية للتسلطية في سورية القسم الثاني
- الجذور الحضارية والمجتمعية للتسلطية في سورية القسم الأول
- إشكالية الهوية والمواطنة في الدول التسلطية - سورية نموذجاً
- إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة
- مرسوم (16)، بين السلطة والواقع الافتراضي قراءة مواقع التواصل ...
- المسألة السورية؛ محاولة للتأسيس- في الدولة
- إشكاليات صناعة الدستور السوري 
- الدين والدولة


المزيد.....




- عمرها 3.8 مليار عام.. إلمس قطعة من القمر بإكسبو 2020 دبي
- ليس من جزر المحيط الهادئ.. مصور يوثق موقعًا أشبه بالخيال الع ...
- خلفان: حرب الحوثي على الشرعية اليمنية كحرب المعارضة للشرعية ...
- خلفان: حرب الحوثي على الشرعية اليمنية كحرب المعارضة للشرعية ...
- تعليق وزير الأوقاف السوري على قرار توسيع صلاحيات المجلس الفق ...
- الخارجية الروسية: أوكرانيا حشدت 125 ألف جندي من قواتها في من ...
- مدينة في الشرق الأوسط تحتلّ المرتبة الأولى في قائمة أغلى مدن ...
- السجن 3 سنوات لزوجة بارون المخدرات المكسيكي -إل تشابو-
- ألمانيا..ملامح سياسة الحكومة المقبلة في ملفي اللجوء والهجرة ...
- تقرير: المخابرات الإسرائيلية تضاعف جهودها لفهم ما يجري وراء ...


المزيد.....

- في العنف: نظرات في أوجه العنف وأشكاله في سورية خلال عقد / ياسين الحاج صالح
- حزب العمل الشيوعي في سوريا: تاريخ سياسي حافل (1 من 2) / جوزيف ضاهر
- بوصلة الصراع في سورية السلطة- الشارع- المعارضة القسم الأول / محمد شيخ أحمد
- تشظي الهوية السورية بين ثالوث الاستبداد والفساد والعنف الهمج ... / محمد شيخ أحمد
- في المنفى، وفي الوطن والعالم، والكتابة / ياسين الحاج صالح
- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - محمد شيخ أحمد - تشظي الهوية السورية بين ثالوث الاستبداد والفساد والعنف الهمجي الممنهج