أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - مصطفى مجدي الجمال - كنت ضيفًا على المخابرات السودانية















المزيد.....

كنت ضيفًا على المخابرات السودانية


مصطفى مجدي الجمال

الحوار المتمدن-العدد: 6446 - 2019 / 12 / 24 - 19:10
المحور: كتابات ساخرة
    


في مثل هذه الأيام من تسع سنوات كانت لي تجربة غريبة في السودان.. كان السياق السياسي والاجتماعي العام في مصر متوترًا للغاية، وآخر علاماته ذلك التزوير الفاجر لانتخابات مجلس الشعب.. كانت نذر انتفاضة يناير 2011 تتجمع ويكاد السياسي المخضرم يشم روائح الحريق المقبل..

كانت هناك دعوة من أحد المراكز الفكرية ذات الطابع القومي العروبي الصريح في المشرق العربي، لحضور ندوة في الخرطوم عن موضوع لا أذكره بالتحديد لأنه يدخل في باب كل العناوين المعروفة كـ "أبعاد"، "تحديات"، "قضايا"..... الأمن القومي العربي في زمن العولمة.. الاستقطاب.. المؤامرات.. (أضف ما شئت..)..

الغريب أن المراسلات الخاصة بالتحضير للندوة كانت تأتي لجهة عملي من عاصمة مشرقية، ولاحظت أنه لا توجد أوراق بحثية مقدمة ولا حتى ورقة عمل أو جدول أعمال أو قائمة مشاركين أو مكان الندوة أو الإقامة.. ومع ذلك لم أهتم بالأمر لأنني لم أكن مدعوًا من الأصل، كما أن هذه الممارسات لم تكن مستغربة وسط هوجة الندوات وحلقات النقاش وورش العمل والقصف العقلي.... التي اجتاحت الحياة الفكرية والثقافية العربية منذ الثمانينيات..

تبرع مفكر قومي وأحد كبار المدعوين بترشيح اسمي لمنظمي الندوة دون علمي أو طلبي.. وفوجئت بوصول تذكرة طيران باسمي فجر يوم السفر المقرر.. فاستيقظ شوقي إلى الخرطوم كما أنني استبشرت لوجود صديق عزيز جدًا على قائمة المدعوين.. لكن الأمر الغريب أن هذا الصديق لم تصله التذكرة حتى قبل السفر بساعات رغم الوعود بالإرسال، وفي الوقت نفسه ضغط عليَّ للسفر كتمثيل لتيار معين.. فوقعت في "حيص بيص".. وفي النهاية قررت السفر فقد نادتني الخرطوم.. حتى لو كانت خرطومًا يحكمها وغد..

توجهت إلى المطار.. فوجدت شخصيتين مصريتين من العيار الثقيل في التيار القومي.. أحدهما من قادة الحركة المناهضة للتطبيع، والآخر ضابط كبير سابق ومحلل استراتيجي معروف.. قلت لا شك أن أحاديث ممتعة تنتظرني.. وكالعادة التي لا تنقطع كمتعة في كل سفرية، نودي على اسمي للقاء في مكتب أمن الدولة.. فاندهش رفيقا السفر، وكأن مجرد شخصي نذير بوقوع متاعب..

قدمت حقيبتي للضابط فقال: لا يا أستاذ مصطفى لن يتم تفتيش حقائبك بعد اليوم، ولكن نسألك فقط ما غرض زيارة السودان؟
قدمت له ورقة الدعوة للندوة فما أن نظر فيها حتى برقت عيناه.. وقال: الدعوة من "قطبي المهدي".. هل تعرفه شخصيًا؟
قلت له : تقريبًا مثقف أو أكاديمي سوداني..
رد عليّ الضابط بنظرة ساخرة لم أفهم كنهها وقتها.. كأنه يقول لي "يا لئيم"!!
عدت لزميليّ السفر اللذين لم يسألاني عن أي شيء.. وصعدنا للطائرة وهبطنا في الخرطوم مساءً..

توجهنا إلى ضباط الجوازات.. وقف كل منا في طابور كي ننجز أسرع.. وكالمتاعب المعتادة معي في كل المطارات التي مررت بها حتى لو ترانزيت، نظر لي الضابط نظرة متعمقة وقال لي: هل سبق أن زرت السودان؟ قلت: نعم. قال: متى؟ قلت: سنة 1970. فصمتَ برهة ونظر للجهاز أمامه.. قال: هذا وقت بعيد جدا قبل أن أولد.. ولماذا زرتنا وقتها؟ قلت: كنت طالبًا في الكلية الحربية المصرية التي نُقلت بعد النكسة إلى جبل الأولياء جنوب السودان.. فطلب مني الانتظار جانبًا.. وبينما أنا في الانتظار لمحت شابًا في جلباب أبيض أتى مسرعًا واصطحب رفيقيّ السفر إلى خارج المطار..

استدعاني الضابط الشاب ليسألني عن الغرض من زيارة الخرطوم الآن .. قلت: حضور ندوة.. قال: أين ستعقد؟ قلت: لا أعلم وأنا عضو في وفدنا وبالتأكيد سيأتي مندوب لأخذنا إلى الفندق.. وتذكرت أن معي الدعوة للندوة فأخرجتها له.. وبمجرد أن قرأها اربدَّت ملامحه وختم الجواز.. ودخلت الخرطوم..

ظللت أتسكع مدة في انتظار مندوب مجهول لندوة غامضة في مكان غير معلوم فلم يأت أحد.. سألت الاستعلامات هل بحث أحد عن شخص باسمي، قالوا لا.. ومما زاد الطين بلة أنني أتيت على عجل فلم أحمل هاتف أحد من أصدقائي بالسودان، ولا أعلم اسم الفندق حتى آخذ "تكسيًا" له.. بدأ الليل يزحف وتفاقم غضبي وشعرت أنني تائه وعاجز عن التصرف.. فجاءني شاب يعمل بائعًا في أحد محلات المطار.. وطلب مني الاستراحة عنده.. فقلت له: لا.. دلّني على صالة المغادرة سأعود إلى القاهرة على أول طائرة.. رجاني الشاب أن أنتظر ووعد بحل المشكلة..

ذهب إلى الاستعلامات ثم عاد وطلب منى ورقة الدعوة التي لا يوجد بها عنوان أو رقم هاتف أو اسم شخص سوى "قطبي المهدي".. أعطيت الورقة للشاب فعاد بها لمكتب الاستعلامات، ولما عاد إلى كان ينتفض وقال لي إن هذا اسم مدير المخابرات السودانية السابق ومازال له وضعه المهم جدًا في الدولة كمستشار سياسي للبشير.. فقلت: ياصلاة النبي.. وهل هذا هو مستوى مسئول كهذا حتى في تنسيق مسائل بالغة البساطة. وطلب مني الانتظار ربع ساعة..

جلست ولم يمر وقت طويل حتى رأيت الشاب ذا الجلباب الأبيض يأتي مهرولاً ويتجه نحوي مباشرة ليقدم كومة اعتذارات، وبرر ما حدث بأن عدد الوفد المصري كان غير معروف فظنوا أنه مكون من الزميلين الآخرين فقط. أما الزميلان فلم ألومهما، فربما ظنا عندما لم يجداني وقت خروجهما من مكاتب المطار أنني جئت للخرطوم في "مهمة أخرى"!!

أخذني الشاب في سيارة إلى فندق ضخم وفخم جدًا ويعتبر من أهم المعالم المعمارية في الخرطوم.. وعلمت فيما بعد أن القذافي هو من أنشأه وهو ملكية ليبية.. دخلت الغرفة في الثالثة صباحًا.. وقال لي الشاب إنني يجب أن أنزل للإفطار في السابعة لأن "المؤتمر" سيبدأ مبكرًا.. لاحظت كلمة "مؤتمر" وليس "ندوة" في ورقة موضوعة على المنضدة.. لم تكن الغرفة عادية وإنما جناح بالغ الفخامة.. ولما كان الجوع قد قرصني فقد التهمت الكثير من الفاكهة والمشروبات في ثلاجة الغرفة وعلى المنضدة..

لم أنم سوى ساعتين ونزلت للدور الأرضي للإفطار.. حيث وجدت رفاقًا فلسطينيين أعرفهم من ترددهم على القاهرة وترددنا على دمشق، فعلمت منهم تركيبة الندوة والداعين والمدعوين.. المهم بدأت الجلسة الأولى بأحد عشر متحدثًا على المنصة.. وفي واسطة العقد يجلس قطبي المهدي.. وهذا بالطبع نذير سوء لأنك لا يمكن أن تجد محصولاً فكريًا أو سياسيًا وسط هذا الزخم الخطابي الفارغ..

وزعوا علينا أخيرًا جدول الأعمال.. والغريبة أنه لم يشتمل على مداخلة لأي من المصريين الثلاثة.. رغم هذه الوفرة الغريبة في المتحدثين بكل جلسة.. ولما سئل المنظمون قالوا إن بإمكاننا التحدث في المناقشات لا كالمتحدثين الرئيسيين في الجلسات.. ذهبنا إلى تفسيرات عدة في هذا الشأن.. ربما لمشاكل بين مصر والسودان، أو رغبة من الزملاء المشرقيين لأن يلعبوا "بلا منافس"، أو لصلة بعضنا المعروفة بمعارضين سودانيين.. لا أستطيع الجزم بشيء..

وأيًا كان التفسير لهذا الجو غير المريح.. فقد قررت ألا أتحدث إطلاقًا في هذا "المهرجان الخطابي".. وأن أكتفي بالاستمتاع بالشمس.. وفكرت في التنزه بالعاصمة، لكن بمجرد الخروج من الباب لاحظت- من واقع خبرتي- المراقبة اللصيقة.. وللحظة خفت وقررت أن أكتفي بالتأمل والطعام والشمس والحوارات الفردية..

المهم أن المنظمين رأوا ضعفًا في الحضور بعد الجلسة الافتتاحية فقرروا الإتيان بجحافل من طلاب جامعة "أفريقيا" التي أنشأها القذافي أيضًا بالخرطوم.. وكان من الواضح أنهم لا صلة لهم بالموضوعات المتحدث عنها.. للأسف كان كل مايهمهم هو البوفيه المفتوح.. فكانت جبال الطعام تُنسف في دقائق لتحل محلها جبال أخرى..

ومن الطريف أن إدارة الفندق شعرت بالحرج لعدم حصول الضيوف على الطعام على نحو لائق بسبب الطلبة.. فتقرر مثلاً أن تتحرك الحافلات المقلة لهم قبل وجبة العشاء بنصف ساعة.. وأخذ الطلبة يتلكأون في الذهاب لكنهم اضطروا آسفين للمغادرة.. ولكن بعد أن نزل الطعام بعشر دقائق وجدنا الحافلات قد عادت ونزل الطلبة منها مهرولين صوب المطعم..

في اليوم الأخير كان أحد أعضاء الوفد المصري قد هاجم المنظمين بشدة لعدم التعامل اللائق معنا.. فاتصلت بي سيدة منهم وقالت إنها تنتظر مني مداخلة رئيسية في الجلسة الأخيرة.. فقلت لها للأسف طائرتي ستغادر الخرطوم قبل الجلسة بساعة..

في مطار القاهرة نظر ضابط الجوازات للجهاز أمامه ثم صوب إلى نظرة فاحصة وقال لي انتظر لحظة.. قلت له عبارتي المعتادة:
إيه الكمبيوتر زغرد ؟



#مصطفى_مجدي_الجمال (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عشر سنوات على خطاب أوباما الثقافي
- كرهت أستاذي.. والسبب ناصر
- رفيقي الملاكم اليساري
- حوار خصب مع سمير أمين
- حقارة أن تتهكم على شعبك ولا ترى عيبك
- الكيماوي الأمريكي الحلال
- آخر أوراق سمير أمين
- أعراض ليبرالية
- اليسار والتغيير الاجتماعي
- حاورت خالد محيى الدين
- من ليالي المشقة والفزع
- خرافة الحديث غير الرسمي للمتحدث الرسمي
- الشفاء من الليبرالية
- حتى لو كانت صفقة أو تمثيلية
- شذرات من حكايتي مع الأدب والفن
- أمريكي ضميره حر
- ومضى رأفت سيف.. الرفيق المنير
- مصطفى وهبه الذي يجب أن تعرفوه
- رومانسية المتحدث باسم -الحركة المدنية الديمقراطية-
- الطائفية ذريعة ووسيلة للإمبريالية


المزيد.....




- فادي جودة شاعر فلسطيني أمريكي يفوز بجائزة جاكسون الشعرية لهذ ...
- انتهى قبل أن يبدأ.. كوينتن تارانتينو يتخلى عن فيلم -الناقد ا ...
- صورة فلسطينية تحتضن جثمان قريبتها في غزة تفوز بجائزة -مؤسسة ...
- الجزيرة للدراسات يخصص تقريره السنوي لرصد وتحليل تداعيات -طوف ...
- حصريا.. قائمة أفلام عيد الأضحى 2024 المبارك وجميع القنوات ال ...
- الجامعة الأمريكية بالقاهرة تطلق مهرجانها الثقافي الأول
- الأسبوع المقبل.. الجامعة العربية تستضيف الجلسة الافتتاحية لم ...
- الأربعاء الأحمر -عودة الروح وبث الحياة
- أرقامًا قياسية.. فيلم شباب البومب يحقق أقوى إفتتاحية لـ فيلم ...
- -جوابي متوقع-.. -المنتدى- يسأل جمال سليمان رأيه في اللهجة ال ...


المزيد.....

- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - مصطفى مجدي الجمال - كنت ضيفًا على المخابرات السودانية