أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مصطفى مجدي الجمال - اليسار والتغيير الاجتماعي















المزيد.....



اليسار والتغيير الاجتماعي


مصطفى مجدي الجمال

الحوار المتمدن-العدد: 5890 - 2018 / 6 / 1 - 11:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


اليسار والتغيير الاجتماعي
(المجتمع المدني
والحركات الاجتماعية)
- مسودة -
مصطفى مجدي الجمال

## قبل القراءة
تتناول هذه الورقة موضوعًا بالغ الاتساع، بأبعاده النظرية والتاريخية والعملية والمستقبلية. كما تحاول الورقة الاعتصام بصياغات ميسرة دون أن يكون هذا على حساب العمق.. وأخيرًا لا تزعم الورقة الحياد، فالانحياز هو حقيقة "علمية" (أيضًا) مؤكدة. ومن ثم فهي- أي الورقة- تعبر عن أفكار باحث ذي توجه يساري، يستفيد من الإنتاج الفكري الاشتراكي (العالمي والعربي والمصري) ومن ممارساته وخبراته الشخصية في التيار اليساري منذ أواخر الستينيات في القرن الماضي(1). والورقة معدة خصيصًالمحاضرة ألقيت منذ حوالي عامين في دورة تثقيفية لإحدى الجمعيات القبطية في مصر، والمعنية بقضايا التقدم والثقافة والتربية.

ا## التغير الاجتماعي
لا بد من التفرقة بين التغيُّر الاجتماعي والتغيير الاجتماعي. وهذا ما قد حلّته اللغة العربية بالتمييز بين عمليتين اتخذتا في اللغة الإنجليزية مسمى واحدا هو social changeفالتغير الاجتماعي يتعلق أساسًا بحدوث تغيرات موضوعية في المجتمع نتيجة تطورات في البنية الاقتصادية- الاجتماعية أو سياقات خارجية كالحروب والغزو والهجرات..الخ. أما التغيير الاجتماعي فيعني أساسًا وجود إرادة عند قوى اجتماعية وسياسية (تحت تأثير فكري معين) لإحداث تغييرات في المجتمع وفق مخطط أو برنامج معين يشمل الجوانب المتعلقة بتبديل الوعي (التعليم، الثقافة) وتطوير الظروف المعيشية اقتصاديًا واجتماعيًا.
لهذا السبب يميل اليساريون إلى استخدام مصطلح "التقدم الاجتماعي" لأن التغيير لا بد أن ينتج عن إرادة (هي في ذاتها تعبير عن واقع موضوعي مدرك)، ولا بد أن يكون صوب إرساء قيم ووقائع "تقدمية" (وفق تعريفهم للتقدم بالطبع).
يرى علماء الاجتماع عامة أن التغير الاجتماعي يعني تبدُّلاً في الآليات العاملة داخل البنية الاجتماعية. وبتحديد أكثر: حدوث تغيرات في الرموز الثقافية وقواعد السلوك والتنظيمات الاجتماعية والمنظومات القيمية. ويتم هذا التغير بفعل تفاعل معقد بين البيئة والتكنولوجيا والثقافة والاقتصاد والسياسة والدين والسكان والأنشطة الإنسانية الفردية والجماعية والاتصال بمجتمعات أخرى..
أي أن التغير الاجتماعي: (أ) عملية متواصلة، (ب) ينطوي على تغيير في بنية ووظائف المجتمع، (ج) يعني أيضًا تغييرًا إنسانيًا في أنماط حياة البشر وبخاصة العلاقات الاجتماعية، (د) تغيير علاقات الإنسان بالإنسان كالتغيير في المؤسسات السياسية والبنية الطبقية والنظم الاقتصادية وطرق الحياة.
ويمكن للتغير أن يكون سريعًا في السياقات التاريخية الاستثانئية (حروب، ثورات، كوارث طبيعية، إحياء ديني، كشف علمي كبير..)، كما يمكن أن يكون بطيئًا وحتى غير ملحوظ في سياقات أخرى.
من المهم التأكيد على أن الفكر اليساري يهتم برصد كل التغيرات الجارية في المجتمع، ولكن وفق الشروط التالية:
= رصد نوع ومستوى التفاعلات بين البنية التحتية (علاقات الإنتاج والاقتصاد عامةً..) والبنية الفوقية (القوانين، الثقافة، القيم، الحياة السياسية والفكرية..).
= التمسك بالمنظور الطبقي، أي تحديد علاقة كل طبقة في المجتمع بالتغييرات الحادثة.
= تمييز العناصر المتغيرة السلبية عن الإيجابية (من زاوية إعاقة أو اطراد الحركة باتجاه الثورة/ الطفرة).
= الاستفادة مما سبق في تحديد القوى الثورية وأدوارها في تغيير المجتمع نحو الاشتراكية، وكيفية تنظيمها، وبرمجة هذا الدور في مراحل ومهام تفصيلية، بما في ذلك تحديد أشكال ممارسة "الصراع" في المرحلة المعنية.
إذن لا ينظر اليسار إلى التغير الاجتماعي بمعزل عن مقولتي التقدم والثورة. والتقدم عند اليسار شامل، لكنه يعطي الأولوية لشرط وجود وتطور القوى الاجتماعية ذات المصلحة في التغيير، كما يعطي أهمية أيضًا لدور الفكر والنشاطية النقابية والسياسية لتوعية وتعبئة القوى سابقة الذكر كي تضطلع بدورها في "العملية الثورية".
ولا يوجد لدى اليسار برنامج واحد صالح لكل زمان ومكان. فالتغيير المستهدف في كل مجتمع يرتبط بشروطه الخاصة، وخاصة مستوى تطوره الاجتماعي/ الاقتصادي والسياسي والثقافي، ودرجة الوعي السياسي لدى الجمهور الطبقي الثوري، ومستوى تنظيماته الطليعية، إلى جانب العوامل الإقليمية والدولية..

## اليسار والاشتراكية
يُرجِع البعض نشأة النزعة الاشتراكية إلى عصور قديمة. فقد عرفت كل المجتمعات طبقات قاهرة وطبقات مقهورة. ومن هذا التضاد الواقعي/ الموضوعي نشأت عند بعض المفكرين أفكار لا ترى خلاصًا للإنسانية على الأرض إلا بالتراحم وأخلاقيات العدالة. وقد ارتبط التدين عند المصريين القدماء برضاء الإلهة "ماعت" (رمز العدالة) فرغم أن الملك كان يصبح إلهًا بعد موته، إلا أنه كان يمارس سلطاته المطلقة في إطار ضمان تحقيق العدالة، ويكفي مثلاً أن المصري القديم كان يكتب على قبره أنه قد أعطى العمال حقهم وأنهم قد أقسموا على ذلك ثلاث مرات(2). كما كان المصريون القدماء يؤمنون بحساب المتوفى عبر وزن قلبه أمام ريشة ماعت، فإن طَبَّ قلبه يكون هذا هلاكه الأبدي، وإن طبت الريشة يُعاد القلب إلى الجسد المحنط ليدخل الفردوس الأبدي. وقد ورد الدفاع التالي للمتوفى: "لم أقتل أحدا، ولم أفضح إنسانا، ولم أشْكُ عاملا لدى رئيس عمله، ولم أسرق. وقد كنت أطعم الفقير، وأعطي ملبسًا للعريان، وكنت أساعد اليتامى والأرامل ، وكنت أعطي العطشان ماءً".
وفي العهد القديم توعد النبي عاموس (الذي كان راعي غنم وجامع جميز) بالويل "المستريحين في صهيون"، وهم أولئك "المضطجعون على أسرة من العاج والمتمددون على فرشهم والآكلون خرافًا من الغنم وعجولاً وسط الصيرة"، "الشاربون من كؤوس الخمر والذين يدهنون بأفضل الأدهان"(3) و"يشترون الضعفاء بفضة والبائس بنعلين"(4). وتنبأ بأن الأمة التي تسوغ هذه الأفعال مصيرها الفناء. كما جاء بالمزامير "لا تشتهوا الغِنَى وإن زاد الغِنَى لا تضعوا عليه قلبًا"(5). وورد عن عيسى المسيح قوله لتلاميذه: "الحق أقول لكم، إنه ليعسر أن يدخل غني إلى ملكوت الله. وأقول لكم أيضًا: إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت السماوات"(6). وهو من طرد الصيارفة من الهيكل، وأدان إقراض الفقير بالفائدة، وقال: "مكتوب أن بيتي بيتًا للصلاة يُدعَى، أما أنتم فقد جعلتوه مغارة لصوص"(7).
كما أُثِر عن النبي محمد (ص) قوله: "ما آمن بي من بات شبعان وجارة جائع"، و"الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار" (وهي بالطبع أهم عناصر الحياة في بيئة وقتها). كما كانت الزكاة وسيلة للتطهير: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها"(8) ، وكذلك كان إطعام المساكين وإعتاق العبيد من مكفرات الذنوب. كما عرف التاريخ الإسلامي إصلاحيين مثل الخليفة عمر بن عبد العزيز والثائر أبي ذر الغفاري ("عجبت لمن لا يجد في داره قوت يومه ولا يخرج شاهرًا سيفه").
كانت هذه الدعوات السامية إلى الرحمة والإصلاح مصاحبة لتبلور المجتمع الطبقي (العبودي)، وليس المشاعي. وقد تطورت بعد ذلك رؤى "وضعية" (بشرية) على أيدي مصلحين اجتماعيين أفذاذ، خاصة مع تبلور المجتمع البرجوازي (الرأسمالي) في أوربا الغربية. وقد صوَّب هؤلاء المصلحون جُل غضبهم على المِلكية الخاصة باعتبارها "أم الشرور". لكنهم اختلفوا فيما بينهم بشأن "البديل". ورغم سلمية دعوات الاشتراكيين "الخياليين" فقد واجهوا اضطهادًا دفع بعضهم حياته ثمنًا له.
فمثلاً ذهب الإنجليزي توماس مور الذي قُطِعت رأسه (1478- 1535) في كتابه "المدينة الفاضلة" ("يوتوبيا" ومن اسمها أطلقت تسمية "الاشتراكيات الطوباوية") إلى أنه "لا سبيل إلا التوزيع العادل لكل شيء بإلغاء الملكية الخاصة.. لأنها إن استمرت فلا بد أن تزج الغالبية النافعة من الناس تحت عبء الفقر الثقيل"(9).
وجاء بعده انجليزي آخر هو فرنسيس بيكون (1561- 1626) فوضع كتابًا آخر بعنوان "أطلانطا الجديدة"(10) لكنه لم يركز في مدينته الفاضلة على علاقات الملكية بقدر ما ركز على زيادة الإنتاجية بقوة العلم.
بعد هذا ظهر جيل أكثر حدة من المفكرين الاشتراكيين، مثل الفرنسي جراكيس بابيف (1760- 1797) الذي صدر بحقه حكم بالإعدام، والذي نادى بالمساواة المطلقة وتأميم الشركات، وتأميم ممتلكات الأفراد بعد موتهم.. وهكذا تصبح الملكية كلها في يد الأمة في غضون 50 عامًا، ويُدار الإنتاج بواسطة موظفين يُنتخبون بالاقتراع العام(11). ودعا إلى عدم السماح بممارسة أي حق سياسي لمن لا يعملون.
وقد زامله أيضًا في نفس الفترة الأرستقراطي سان سيمون (1760- 1825) الذي قدم صورة مبهمة للاشتراكية، لكنه أكد على أنه لا يمكن إحداث تغيير في النظام الاجتماعي دون تغيير نظام الملكية، وأن الحل الوحيد لتحقيق سعادة الإنسان هو أن يتولى العمال والفنانون- المنتخَبون- إدارة شئون العالم، وإلغاء كل امتيازات المَوْلِد(12).
وعلى نفس المنوال كان البرجوازي الفرنسي شارل فرانسوا فورييه (1772- 1837) الذي طرح فكرة الانسحاب من المدن وأن تضطلع الدولة بإنشاء تجمعات سكانية طوعية (فالانستير) للإنتاج بالمشاركة، وحيث يقسم جزء من ناتج الصناعة على الأعضاء بالتساوي التام، والجزء الآخر يقسم إلى 12 نصيبًا: خمسة لقوة العمل وأربعة لرأس المال وثلاثة للموهبة(13). وقد أنشأ تلامذته وغيرهم مزارع في أمريكا لتطبيق أفكاره، لكنها فشلت جميعًا.
وجاء القرن التاسع عشر بمفكرين اشتراكيين أكثر حدة وأقل خيالية. منهم مثلاً أوجست بلانكي (1805- 1881) الاشتراكي الفرنسي الذي تبنى نهجًا انقلابيًا عنيفًا، ورأى أن مصدر الثروات الكبيرة "دنس" بمعنى الكلمة، نتيجة للنهب أو المصادرة أو الربا أو المضاربة... ورأى أن "الفقير هو الحاجة التي تعوز الغني"، وأن البرجوازية تحاول التغلب على أزماتها الدورية بالاستعمار، وأن الحل النهائي يكمن في الثورة الشيوعية التي تقيم الدكتاتورية العمالية(14).
كما ظهر تيار فوضوي (لا سلطوي) يرى أن تحقيق المجتمع الفاضل يجب أن يتم عن غير طريق الدولة ووصولاً إلى إلغائها، وإرساء أشكال الحكم الذاتي/ المباشر للجماعات. لعل أشهرهم الفيلسوف والثائر الفرنسي بيير جوزيف برودون (1809- 1865) الذي كان الأكثر بلاغة في الهجوم على الرأسمالية، ولكن كتاباته اتسمت بكثير من التناقض، فمثلاً بينما صاح بأن "الملكية الخاصة هي السرقة" وأن الشرور الاجتماعية أساسها وجود "الحكومة" فهي التي تستعبد وتسحق وتفرض عدم العدالة. ولهذا كان عداؤه شديدًا للمذاهب الاشتراكية الأخرى التي تعتمد على دور الدولة "العمالية" أو الاشتراكية(15).
غير الفوضوي الروسي الكبير والمحرض العنيف ميخائيل باكونين (1814- 1876) فقد وضع نظرية كاملة للفوضوية، وكان من أشد خصوم كارل ماركس. وقد رأى أن الثورة عمل شعبي تلقائي ثلاثة أرباعه خيال والربع الباقي للواقعية والتنظيم، وأنها ترفض أي مساومة أو اتفاق مؤقت. ورفض باكونين كل أشكال التنظيم والمركزية. ورفض الشيوعية لأنه رأى فيها نفيًا للحرية وتركيزًا للملكية في يد الدولة. أما هو فطالب بتنظيم المجتمع والملكية الاجتماعية من أسفل إلى أعلى، عن طريق التنظيم التلقائي للعمل والملكية الاجتماعية لاتحادات المنتجين.
أما الفيلسوف الألماني الكبير كارل ماركس (1818- 1882) فهو الشخصية الأخطر على الإطلاق في تاريخ الفكر الاشتراكي بالتعاون مع توءمه الفكري فرديش إنجلس (1820- 1895) ويكفى أن كتيبهما "البيان الشيوعي" من أكثر الكتب طبعًا بعد الكتب السماوية، وأن أفكارهما كانت المبادئ الملهمة مباشرة لثورات كبرى ودول عظمي. وقد استلهم ماركس فلسفته من فكرة جدل الأفكار عند الفيلسوف الألماني فردريش هيجل (1770- 1831) لكنها قلبها إلى المادية الجدلية، وانطلق إلى تطبيق هذا على التطور الاجتماعي فرأى أن الواقع الاجتماعي هو المحدد الأساسي للوعي الاجتماعي، ومن ثم أرسى منطق المادية التاريخية الذي أوصله لتحديد حلقات تطور المجتمع البشرية (مشاعية- عبودية- إقطاعية- رأسمالية ثم اشتراكية). ورهن ماركس الثورة الاشتراكية بالدور التاريخي للطبقة العاملة الصناعية التي ستحرر نفسها وتحرر بقية الطبقات والفئات المقهورة عن طريق إقامة دكتاتورية البروليتاريا(16).
ولكن توقعات ماركس لم تصدق بالنسبة لاندلاع الثورة في أوربا (ألمانيا وانجلترا تحديدًا) وإنما اندلعت في روسيا بمجتمعها شبه الإقطاعي ورأسماليتها المتخلفة. وهنا يبرز دور شخص آخر هو الثوري الروسي فلاديمير أوليانوف (الشهير باسمه المستعار: لينين 1870- 1924) الذي قاد الثورة البلشفية عام 1917 وأقام الدولة السوفيتية. حتى أن معظم الماركسيين بعد ذلك أصبحوا يتحدثون عن الماركسية- اللينينية. ومن أهم إضافات لينين على الماركسية: فكرة إمكانية قيام الثورة الاشتراكية في بلد واحد (وليس انتظار ثورة بعرض قارة أوربا) وفي بلد يمثل أضعف حلقات الرأسمالية حتى لو كان بلدًا متخلفًا، وقدم لينين تصورًا مفصلاً لتكوين حزب ثوري يلعب دور الطليعة الثورية، ورأى دورًا ثوريًا للفلاحين والجنود، واتخذ موقفًا قويًا من الإمبريالية والحرب، واعترف بحق تقرير المصير للأقاليم غير الروسية التي ضمتها الإمبراطورية القيصرية، وقدم تحليلاً مفصلاً لرأسمالية الدولة الاحتكارية.
ولم يتوقف التطور الفكري والسياسي للحركات الاشتراكية عن إنتاج نسخ أخرى من الفكر الاشتراكي. فكانت الماوية في الصين التي ركزت على الدور الثوري للفلاحين. كما استمرت الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية بتركيزها على الإصلاح والبرلمانية الدستورية، وقد تأثرت بها فيما بعد تيارات "الشيوعية الأوربية" انطلاقًا من نقد الحقبة الستالينية في الاتحاد السوفيتي، فتخلت مثلاً عن فكرة دكتاتورية البروليتاريا وتأقلمت مع اقتصاد السوق.
كما نشأت اشتراكيات في بلدان العالم الثالث مثل الكاستروية والجيفارية التي اختطت لنفسها طريق حرب العصابات التي يقوم بها عدد قليل من الثوار الذين يلتحقون فيما بعد بالحركات الفلاحية ثم العمالية والطلابية في المدن. ووجدت أيضًا الاشتراكية الإسلامية(17) لكنها كانت مجرد مواكبة لتطورات سياسية في بلدانها، والاشتراكية الأفريقية (نيريري في تنزانيا ونكروما في غانا وسيكوتوري في غينيا ومنجستو في إثيوبيا..) التي اهتمت باستثمار التقاليد الجماعية في ثقافة بلدانها من أجل التمهيد لما رأته مجتمعًا اشتراكيًا. ولكنها- أي الاشتراكية الأفريقية- كانت في بعض الحالات تبريرًا للحكم الدكتاتوري وسعيًا وراء الدعم السوفيتي.
أما الاشتراكية العربية فكانت الناصرية أبرز وجوهها. وقد حرصت الناصرية على تقديم نفسها كـ "تطبيق عربي للاشتراكية العلمية" حيث دعت إلى تحالف قوى الشعب العامل بدلاً من دكتاتورية البروليتاريا (العمال والفلاحين والجنود والمثقفين والرأسمالية الوطنية "غير المستغلة") ورفضت "دموية" الصراع الطبقي ودعت إلى "تذويب" الفوارق بين الطبقات، وشددت على القومية العربية والدور التقدمي للدين(18).
برز أيضًا دور لاهوت التحرر، خاصة في أمريكا اللاتينية حيث ارتبط بالحركات الاجتماعية وقدم نموذجه الخاص لمقاربة العدل والمساواة انطلاقًا من التراث المسيحي. وقد رأى هذا التيار أن البؤس المتفشي في القارة (الجوع، عشوائيات الفقراء، الأمية، وفيات الأطفال، البطالة الكبيرة، الأجور البخسة..) وفساد الحكم يجب إرجاعهما إلى "النظام" الرأسمالي. ورغم النقد الشديد الذي وجهه هذا التيار للرأسمالية فإنه لم يقدم تصورًا متكاملاً للبديل. كما تعرض قادة لاهوت التحرير لاتهامات بتبني الماركسية، ولكنهم رفضوا مثلاً الصراع الطبقي كفكرة حاكمة في الماركسية وإن نظروا إليه كحقيقة واقعة.

## ما هو اليسار
نشأ تعبير "اليسار" أولاً في تسعينيات القرن الثامن عشر بفرنسا. وقد ورد تعريفه في الموسوعة البريطانية بأنه "ذلك القسم من الطيف السياسي المرتبط بشكل عام بالمساواة والسيطرة الشعبية أو الدولتية على المؤسسات الرئيسية في الحياة السياسية والاقتصادية. ويعود أصل التسمية إلى برلمان الثورة الفرنسية حيث جلس المندوبون الاشتراكيون على يمين المنصة. ويميل اليساريون إلى مناهضة مصالح النخب التقليدية، بما فيها الأثرياء والأرستقراطيين، ويدافعون عن مصالح الطبقة العاملة (البروليتاريا). ويميلون إلى اعتبار الرفاه الاجتماعي أهم ما يجب أن تستهدفه الحكومة. وتعتبر الاشتراكية هي الأيديولوجية المعيارية لليسار في معظم بلدان العالم، بينما تعتبر الشيوعية أيديولوجية يسارية أكثر جذرية"(19).
مع ذلك يتسع تعريف اليسار ليشمل القوى السياسية الموجودة على يسار النظام بشكل عام، أي الأقرب إلى تبني مصالح اجتماعية أكثر شعبية من مصالح النخب السائدة. ولذلك يكون من الأفضل الحديث عن اليسار الاشتراكي. ومن ثم كلما وردت كلمة "يسار" في هذه الورقة فإنها تعني اليسار الاشتراكي، سواءً كان أمميًا أم قوميًا، إصلاحيًا أم ثوريًا، منظمًا في صورة حزب أم تيار فكري أم حركة مجتمعية.
وقد ارتبط ظهور اليسار، كقوة مجتمعية وسياسية في كل البلدان، بتبلور النظام الرأسمالي وسلطة الطبقة البرجوازية. فالرأسمالية كي توجد أصلاً لا بد لها من "خلق" الطبقات العاملة. ومن ثم فإن استقبال الفكر الاشتراكي من الخارج، أو استلهامه من التاريخ الوطني، لا يكفي لبلورة حركة سياسية ليسار اشتراكي. ولعل هذا يفسر تأخر ظهور اليسار في البلدان المتخلفة، وإن كان قد ظهر في مصر في وقت مبكر نسبيًا (العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر) بفعل عوامل عديدة مثل دور المثقفين الثوريين الأجانب المتمصرين والوافدين، ودور طلاب البعثات التعليمية العائدين من أوربا متأثرين بالفكر الاشتراكي، فضلاً عن التطور الطبيعي للوعي الوطني المناهض للاستعمار، وللنخب المحلية المتواطئة معه، إلى وعي اجتماعي ثوري.
جدير بالذكر أن أول منشور "شيوعي" عرفته مصر كان عام 1897 وقد دعا المصريين إلى التمرد على الاحتلال والاحتفال بذكرى "كميونة باريس" التي وقعت أحداثها عام 1870. وأخذ العديد من المثقفين المصريين يبشرون بالفكر الاشتراكي بصور بدائية بالطبع ويغلب عليها العنصر الأخلاقي والتشوش العلمي، حتى كتب سلامة موسى عام 1913 رسالته بعنوان "الاشتراكية" بعد عودته من انجلترا، كما أصدر مصطفى حسنين المنصوري كتابه "تاريخ المذاهب الاشتراكية" عام 1915.. وتعددت الكتابات في هذا الاتجاه. واتسع الإعجاب "الشعبي" حتى بالثورة البلشفية في روسيا. وتكررت الإضرابات العمالية في الترام والمناجم وغيرها، ونجحت النوايات الاشتراكية السرية في تاسيس الاتحاد العام للعمل في فبراير 1921. وفي أعقاب ثورة 1919 أعلن عن إنشاء "الحزب الاشتراكي المصري" في أغسطس 1921 ليكون أول حزب اشتراكي في القارة الأفريقية. لكنه تعرض للحل على يدي سعد زغلول.
وقد تعرضت التيارات والمنظمات الاشتراكية في مصر للملاحقة منذ نشأتها. سواء بالقمع البوليسي، الحظر القانوني (إلى حد اعتبار الشيوعية "جريمة اجتماعية")، والتشويه الإعلامي. ومنذ حل حزب العشرينيات ظلت الحركة الاشتراكية محظورة، ولم يُعترف بحزب يساري حتى عام 1976.
ويمكن للكاتب إجمال بعض الملاحظات على المسيرة التاريخية لليسار المصري في النقاط التالية:
= كان اليسار المصري أول تيار سياسي يربط بين الكفاح من أجل الاستقلال الوطني وبين البعد الاجتماعي، بمطالبته بالإصلاح الزراعي والعدل الاجتماعي وتكافؤ الفرص.
= أدرك اليسار المصري مبكرًا أن الاستقلال السياسي يظل شكليًا ما لم يرتبط بالاستقلال الاقتصادي عن سيطرة المنظومة الرأسمالية العالمية، وخصوصًا بناء قاعدة صناعية وطنية، وحماية السوق الوطنية.
= أدرك اليسار المصري في مجمله أهمية البعد القومي/ العربي للثورة الوطنية المصرية، وخطورة إنشاء الكيان الصهيوني، وفي الوقت نفسه رفض اتخاذ هذا تكئة للاعتداء على الحريات السياسية والحقوق الاجتماعية لصالح النخب.
= نظرًا لطبيعة تركيز اليسار على البعد الطبقي، فإنه كان من أشد المدافعين عن الوحدة الوطنية، ورفض سياسة الهوية التي تحدث تصدعات وسط الشعب داخل القوى الثورية نفسها. وقد كان اليسار دومًا مدافعًا عن المواطنة ومدنية الدولة والعلمانية، وتبوأ غير المسلمين الكثير من المواقع القيادية فيه، حتى أن هذا صار من عناصر التهجم الدعائي عليه.
= عمل اليسار المصري على النشاط في المجتمع المدني بإنشاء جمعيات ثقافية والقيام بحملات توعية صحية ومحو الأمية...الخ، لكن القيود الأمنية الشديدة تجاه أنشطته هو بشكل خاص في هذا المجال حالت دون أن يؤتي الجهد ثماره كاملة. وإن كان المثقفين والفنانين اليساريين قد قدموا إبداعات مأثورة في مجالهم.
= اهتم اليسار المصري بتفعيل والمشاركة في الحركات الاجتماعية، خاصة وسط الطلبة والمثقفين والعمال والفلاحين والمرأة.. وتبنى القضايا المثارة وقدم فيها فكره وحلوله.
= كما شهدت التسعينيات بداية توجه قادة يساريين للنشاط في الجمعيات الحقوقية، ونجحوا فعليًا في إرساء ثقافة حقوق الإنسان السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وإن أحدث هذا خلافًا داخل اليسار نفسه حول أولويات ومركز ثقل النشاط.
= غلب على اليسار لفترة تبعيه خطابه الفكري لأي من الاتحاد السوفيتي والصين، وهو ما أوقع الكثير من عناصره في الجمود النصوصي. لذا عندما سقط النموذج السوفيتي ووقعت التطورات المعروفة في الصين بعد رحيل ماوتسي تونج، وجد الاشتراكيون أنفسهم أمام تحدي الإبداع الفكري "المصري" لفكر اشتراكي ثوري.
= لم يتمكن اليسار المصري من التغلب دائمًا على الأمراض المرتبطة منطقيًا بالحياة السرية المفروضة على نشاطه التنظيمي لعقود طويلة، فكثرت الانقسامات، التي زادها سوءًا اعتقال الآلاف من أعضائه في مختلف العهود.

## اليسار والمجتمع المدني
يعود مصطلح المجتمع المدني إلى القرن الثامن، وتحديدًا في "رسالة في تاريخ المجتمع المدني" لآدم فيرجسون عام 1767 في إطار تناوله للتناقض بين ما تصوره "الحضارة الأوربية" و"الاستبداد الشرقي"، ثم أخذه هيجل ليعني به المجال القائم بين الدولة والأسرة، وقد نشأ مصطلح الاقتصاد أصلاً بالارتباط بالأسرة المعيشية. ومن ثم رأى أن المجتمع المدني هو المجال الوسيط بين الدولة والاقتصاد، فالدولة مؤسسة تقوم على القسر، والاقتصاد يقوم على المصلحة الذاتية(20).
وهو الفهم الذي رفضه كارل ماركس حيث اعتبر أن المجتمع البرجوازي يتصف بالأنانية الاقتصادية والصراع الطبقي. ولم يقبل بالرؤية التي تقرن المجتمع المدني بـ "التعاون المتحضر" وإنما بثقافة برجوازية تحاول التعمية على الصراع الموضوعي بين الطبقات(21).
غير أن المفكر الإيطالي أنطونيو جرامشي (1891- 1937) أعاد إحياء فكرة المجتمع المدني في القرن العشرين، ولكن بثوب جديد، حيث رأى أن الدولة هي خليط من القوة والرضا (أو القسر والهيمنة)، وبينما يضطلع المجتمع السياسي بتنظيم القوة، يتكون المجتمع المدني من مجموعة من المؤسسات التي توفر الرضا. ومن ثم يتوجب على مثقف الطبقة العاملة المحلي/ العضوي تحويل المجتمع المدني بنشاطه فيه، ما يؤدي إلى تحدي الهيمنة السائدة. وكان جرامشي يريد تحديدًا بناء هيمنة بديلة لهيمنة الكنيسة على المستويات المحلية. ومن المهم ملاحظة أن جرامشي لم يلغِ أهمية سعي الأحزاب الاشتراكية للسيطرة على الحكم، كما لم يتجاهل الدور الذي تضطلع به النقابات والإعلام(22).
وبعد جرامشي أخذ كثير من كتاب اليسار يطورون الأفكار حول دور المجتمع المدني في التنمية، وتفعيل المشاركة الشعبية، وتثقيف الجمهور، وتعميق الديمقراطية السياسية بعتباره ساحة للجدل العام..الخ. وهو ما لا يمنع بالطبع من الحديث عن المجتمع المدني كساحة لمعركة الأفكار في إطار الصراع الاجتماعي. ومع ذلك فإن سيطرة البرجوازية على وسائل الإعلام والاتصال يعمق هيمنتها على المجتمع، وإن كانت وسائل التواصل الاجتماعي قد أحدثت تغيرًا ملموسًا في الاتجاه المعاكس.
وبالنسبة لتناول الورقة لمصطلح المجتمع المدني فمن الممكن الاتفاق- إجرائيًا- على التعريف التالي: "المجتمع المدني هو مجال في السياسة العامة تحاول من خلاله الجماعات والحركات ذاتية التنظيم والأفراد، المستقلين نسبيًا عن الدولة، التعبير عن قيمها وخلق اتحاداتها وتضامنياتها ودعم مصالحها. ويمكن أن يتضمن المجتمع المدني العديد من الحركات الاجتماعية (الجماعات النسائية، روابط الجيرة، الجماعات الدينية والمنظمات الفكرية) والاتحادات المدنية من كل الفئات الاجتماعية (مثل النقابات، جماعات أصحاب الأعمال، الإعلاميين، المهنيين..)"(23).
مع ذلك يرى الكاتب أن مصطلح المجتمع المدني مصطلح أيديولوجي أكثر منه علميًا، حيث مازال عصيًا على التعريف الدقيق في كل موسوعات العلوم الاجتماعية، كما ارتبط كل تعريف له بزمن ومكان وأيديولوجية ومفكرين محددين. وليس أدل على هذا من دخول البنك الدولي وغيره من مؤسسات العولمة النيوليبرالية على هذا الخط منذ التسعينيات. خاصة بعدما أدرك البنك أن برامج التثبيت والتكيف الهيكلي (الإصلاح الاقتصادي في صيغة مخففة) التي يتم فرضها على بلدان العالم الثالث (وشرق ووسط وجنوب أوربا) تؤدي إلى موجة غير مسبوقة من الإفقار والبطالة والمرض والجهل..الخ جراء انسحاب الدولة من دورها الاجتماعي في إعادة توزيع الدخل، وفي التنمية الاقتصادية.
في البداية ارتكنت المؤسسات القائدة للعولمة على دعم النظم الدكتاتورية باعتبارها القادرة على تمرير تلك السياسات الاقتصادية الموجعة. أي أنه تم تأجيل دعوات الدمقرطة لحين فرض واقع اللبرلة (وهو عكس ما تم مع البلدان الاشتراكية السابقة مثلاً حيث كان من المستحيل تصور اللبرلة الاقتصادية في ظل نظم سياسية صارمة، فكان لا بد من البدء باللبرلة السياسية). غير أن هذه السياسة لم تمنع وقوع انفجارات اجتماعية وسياسية وحروب أهلية في قارات العالم الثالث. من ثم ارتأت تلك المؤسسات ضرورة البحث عن بدائل لتلطيف نتائج السياسات النيوليبرالية، من خلال توفير الإغاثة والرعاية للفئات المهمشة والضعيفة، وبالتالي تعبئة عناصر محلية تنسق هذه الأدوار بدون أعباء على الجهاز الحكومي، ويمكن مساعدتها من خلال المعونات والبرامج الخارجية. ولهذا بالطبع أبعاده السياسية أيضًا، من خلال استيعاب واحتواء الكثير من الراديكاليين في هذه الأنشطة.
وقد تحدثت تقارير البنك الدولي صراحة عن ضرورة أن تعمل المنظمات الأهلية على تشجيع القطاع الخاص والخصخصة وعدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية. كما اعتبر البنك الدولي أن "المجتمع المدني" وفق تعريفه يمثل "دولة الظل" التي تنوب عن "الدولة الأساسية" في بعض المهام التي كانت منوطة تقليديًا بالأخيرة، مثل إنشاء المدارس وإدارتها، والمستوصفات، والأشغال العامة، وإعانة المحتاجين، والتدريب المهني...الخ.
غير أن ما يثير الجدل أكثر هو دور المنظمات الحقوقية والدفاعية (حقوق الإنسان، البيئة، المرأة، السلام...) في مجالات تتداخل بقوة مع المجتمع السياسي، حتى لو اقتصرت على نشر المفاهيم أو إعداد الكوادر أو إصدار تقارير الرصد...).
ويجدر بنا أولاً تأكيد أن مصر عرفت الجمعيات الأهلية قبل قرنين، وظلت مستقلة تماما حتى بدأت الدولة في الإشراف عليها وتوجيهها منذ عام 1939 ثم مرت بفترة من التضييق عليها في الستينيات حتى أوائل السبعينيات، وبدأت مرحلة أخرى من التمدد مع تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي بعد حرب أكتوبر 1973، وإن استمرت القيود الشديدة على النشاط الأهلي، وبخاصة في مجال حقوق الإنسان وما أشبه. وهو ما اضطر العديد من المنظمات الحقوقية إلى اللجوء للتحايل بتسجيل نفسها كشركات مدنية، أو المجازفة بالاستمرار كأمر واقع رغم عدم إشهارها رسميًا(24).
ومن المثير للدهشة أن التنظيمات والجماعات ذات المرجعية الدينية في مصر كانت الأكثر استفادة من أطروحة الهيمنة عند جرامشي، وفي الوقت نفسه استطاعت التماهي مع أغراض مؤسسات العولمة بالنسبة لدور المجتمع المدني "التلطيفي"، وكذا الدور الذي لعبته قوى خارجية ساعدت "الإسلام السياسي"- مثلاً- لتحقيق أهداف استراتيجية معينة تخصها. فتحركت هذه الجمعيات في كل الاتجاهات (إغاثة، تنمية، دعاية ثقافية، أنشطة حقوقية) مستفيدة من تمويل هائل أغضت أجهزة الدولة "الرقابية" البصر عنه.
كذلك اندمجت المنظمات الأهلية المصرية- بكل أنواعها واتجاهاتها- في شبكات تمويل عالمية، تنفيذًا لأجندات خاضعة لأولويات الخارج وليس احتياجات المجتمع. وأصبح الكثيرون من نشطاء المجتمع المدني ينشئون المنظمات ويضعون البرامج المناسبة لما ورد في خطط تمويل تلك الشبكات، وليس العكس.
وهو ما يدعونا أيضًا للنظر باهتمام إلى الحركات الاجتماعية بما لا يقل أبدًا عن اهتمامنا بالمنظمات غير الحكومية. مع مراعاة أن هناك حركات اجتماعية من أعلى لديها مشروعاتها الخاصة لإعادة إنتاج وتوسيع هيمنتها، مستفيدة من نفاذها المتفوق إلى مصادر ومواقع القوة الاقتصادية والسياسية والثقافية. بينما الحركات الاجتماعية من أسفل تمثل مشروعات جماعية للجماعات الضعيفة التي تنظم سلسلة من الأنشطة المحلية المتصاعدة بهدف التغلب على العقبات أمام تطورها وإشباع احتياجاتها، والتي تفرضها البنية الاجتماعية والسياسية وربما الثقافية السائدة.
وقد عرفت مصر في الماضي حركات اجتماعية تقليدية كالحركات العمالية والفلاحية والطلابية والنسائية، وذلك في إطار النضال الوطني والصراع الطبقي في المجتمع. ورغم أن هذه الحركات قد دافعت عن مصالح قوى اجتماعية محددة، إلا أن هذا لم يَحُلْ دون أن تلعب دورًا حزبيًا/ سياسيًا غير مباشر، بل كانت في أحيان كثيرة بمثابة المضخة التي تَرفد الأحزاب بأفضل الكوادر من قلب الحركات النضالية.
وهو ما دعا السلطات المتوالية إلى اتخاذ التدابير القانونية والأمنية، والإفساد أيضًا، لتحجيم وإضعاف تلك الحركات. ومع قدوم العولمة أخذت حركات جديدة تتناول كل منها قضية جزئية أو تفصيلية في مجالات حقوق الإنسان والبيئة والطفولة والأقليات والإعاقة والشيخوخة...الخ. وتعمل كل منظمة أو حركة بمعزل عن الأخرى حتى في المجال الواحد، ومن ثم غياب أي استراتيجية موحدة أو حتى تنسيق ميداني في إطار ما ينتظر من المجتمع المدني القيام به.
وقد كان اليسار منخرطًا في معظم الحركات الاجتماعية التقليدية بدرجات متفاوتة، خاصة العمالية والطلابية والنسائية، وبالمثل يوجد اليسار بقوة في الحركات الاجتماعية الجديدة، بل ويتبوأ أفراد منه قيادتها في بعض الحالات.
وفي كل الحالات تعتبر الحركات الاجتماعية جزءًا من المجتمع المدني، بما في ذلك الحركات الاجتماعية الرجعية (العرقية، الجهوية، المتعصبة دينيًا...) وفق تعريف المجتمع المدني كساحة للصراع.

## نتائج
(1) لما كان الفكر اليساري يعتبر الحزب الطليعي هو أرقى أشكال التنظيم الاجتماعي (الحزب عند الشيوعيين مثلاً هو سلاح الطبقة العاملة، وعقل العصر وشرفه وضميره) فإنه يجتهد لعدم انجراف كوادره الحزبية وراء قضايا جزئية على حساب الشمولية، أو قضايا تمس هامشًا صغيرًا في المجتمع على حساب هموم قطاعات ضخمة منه. ويتطلب الفكر اليساري من المؤمن به أن يكون دائمًا وسط الناس، مستوعبًا لظروف حياتهم، وناقلاً للوعي الذي يحمله، وأن ينشط في كل التنظيمات المدنية والشعبية المناسبة.
(2) على الرغم من التحفظ على أنشطة ومفاهيم وأجندات بعض المنظمات، وعلى مستوى استقلاليتها عن الدولة والخارج، فإنه من الواجب توجيه النقد الديمقراطي الموضوعي لها، وبذل الجهد الممكن لتعديل المسار.
(3) على مستوى الوعي والرؤية، يبذل اليسار الجهد لتوسيع نطاق رفض مفاهيم مؤسسات العولمة للمجتمع المدني وأدواره.
(4) يرفض اليسار بقوة كل محاولات الملاحقة والتضييق على المنظمات الأهلية والحركات الاجتماعية، ويتضامن معها، وفي الوقت نفسه لا يمكن إنكار أن بعض اليساريين لديهم حساسية مبالغ فيها إزاء المنظمات الحقوقية، وهو موقف يرتبط أساسًا بموقفهم السياسي المتقارب مع الحكم.
(5) يجب ألا تنناقض أو لا تتناسب أولويات مشاريع وبرامج المنظمات الأهلية مع أولويات النضال الوطني والديمقراطي.
(6) استقلال المنظمات الأهلية هو عنوان جدارتها، فإن اتخذت وضعية التابع لقوى أجنبية أو رأسمالية محلية أو الحكومة يؤدي هذا إلى فقدان طابعها المدني، أي أن مدنيتها مرتبطة بوطنيتها، ولا مساومة في هذا.
(7) يواجه المجتمع المدني ثنائية قوامها الواقعي هو نخبوية المنظمات وعفوية الحركات الاجتماعية، ومن هنا تحتاج المنظمات إلى مزيد من الديمقراطية، كما تحتاج الحركات الاجتماعية إلى قيادات- من داخلها- أكثر وعيًا، وهي المهمة التي مازالت مفتقدة بسبب ضعف الأحزاب اليسارية.
(8) مازال التمويل المحلي لمنظمات المجتمع المدني يركز على الأنشطة الخيرية والتنموية، وهو ما يدفع المنظمات الحقوقية إلى الاعتماد بالكامل على التمويل الخارجي (الشمالي). وتلك مشكلة تتسم بالحساسية السياسية والأمنية. وإلى أن تتمكن هذه المنظمات من تدبير نصف تمويلها من مصادر محلية يجب عليها- على الأقل- الالتزام بالشفافية التامة وقواعد المساءلة أمام أعضائها والدولة والجمهور.
(9) العمل التطوعي هو الافتراض الأول في المنظمات أن تكون تطوعية. وإن كان هذا لا ينفي الحاجة إلى بعض المهارات الإدارية والفنية بأجر، لكنه يجب أن يكون في أضيق الحدود.
(10) ستظل المنظمة المدنية معزولة أو خافتة الصوت مال ترتبط بالحركات الاجتماعية، إذ أن من مهام المنظمات أن تضطلع بتيسير نشاط الحركات الاجتماعية (دراسات، توعية، دعاية، تدريب...). ومن المفهوم أيضًا أن التيسير لا يعني التوجيه أو ادعاء القيادة.
(11) أخيرًا تعتبر الديمقراطية الداخلية في المنظمة الأهلية هي الضامن الأكبر لكل ما سبق، من خلال فتح عضويتها، وانتظام انتخابات قياداتها، واعتماد لوائح داخلية ديمقراطية، والانفتاح على المحافظات.. للتغلب على الطابع العائلي والشللي والنخبوي والقاهري لكثير منها.

الهوامش
(1) باحث وكاتب. عضو مجلس إدارة مركز البحوث العربية والأفريقية.
(2) زاهي حواس، "الحرية عند الفراعنة"، صحيفة الشرق الأوسط، لندن، 30 يوليو 2015.
(3) الإصحاح السادس من سفر عاموس.
(4) المصدر السابق، الإصحاح الثامن.
(5) المزمور 62.
(6) إنجيل متى، الإصحاح 19/ 23- 24.
(7) المصدر السابق، الإصحاح 21/ 13.
(8) سورة التوبة، آية 103 .
(9) انظر :
More, Thomas (2004), Wegemer, Gerald B Smith, Stephen W, eds., A Thomas More Source Book, Catholic University of America Press.
(10) انظر : حبيب الشاروني (1981)، فلسفة فرنسيس بيكون، دار الثقافة، الدار البيضاء.
(11) انظر : بول لويس (1972)، الفكر الاشتراكي في مائة وخمسين عامًا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 9- 22.
(12) انظر موسوعة الهلال... ص 257- 264).
(13) بول لويس.... ص 35- 47
(14) المصدر السابق ، ص 71- 82.
(15) المصدر نفسه، ص 145- 158.
(16) لا يمكن للباحث الإشارة المقتضبة إلى مصادر محددة عن ماركس فهي كثيرة جدًا. وبالإمكان الاطلاع على المادة الخاصة به في الموسوعة البريطانية مثلاً. وكذلك:
Singer, Peter (2001), Marx: A Very Short Introduction, Oxford University Press.
(17) انظر مثلا :مصطفى السباعي (زعيم الإخوان المسلمين في سوريا) (1960)، اشتراكية الإسلام، الدارة القومية للطباعة والنشر، الطبعة الثانية.
(18) انظر مثلاً : عبد المنعم البيه وآخرون (1965)، الاشتراكية العربية، المنهج والتطبيق، دراسة مقارنة، دار الجامعات المصرية، الإسكندرية.
(19)
(20) انظر بشكل خاص: سعيد بنسعيد العلوي وآخرون (1992)، المجتمع المدني ومستقبل الديمقراطية في العالم العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت. ومركز البحوث العربية (1992) فضايا المجتمع المدني العربي في ضوء أطروحات جرامشي، القاهرة.
(21) يمكن الرجوع إلى : كارل ماركس (1844)، المخطوطات الاقتصادية والفلسفية. وله طبعات عديدة.
(22) https://sites.google.com/site/arcommunistslibrary/gramsci
(23) Linz and Stepan, Linz J. and Stepan A. (1996) Problems of democratic transition and consolidation, John Hopkins University Press, USA. 1996:7.
(24) انظر مثلاً : مصطفى كامل السيد (1995) مفهوم المجتمع المدني والتحولات العالمية، مركز البحوث والدراسات السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، القاهرة. ونازلي معوض (تحرير) (1999)، الخبرة السياسية المصرية في مائة عام، مركز البحوث والدراسات السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، القاهرة.



#مصطفى_مجدي_الجمال (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حاورت خالد محيى الدين
- من ليالي المشقة والفزع
- خرافة الحديث غير الرسمي للمتحدث الرسمي
- الشفاء من الليبرالية
- حتى لو كانت صفقة أو تمثيلية
- شذرات من حكايتي مع الأدب والفن
- أمريكي ضميره حر
- ومضى رأفت سيف.. الرفيق المنير
- مصطفى وهبه الذي يجب أن تعرفوه
- رومانسية المتحدث باسم -الحركة المدنية الديمقراطية-
- الطائفية ذريعة ووسيلة للإمبريالية
- توءمة ملتصقة بين الحزب الشيوعي والتجمع
- مناظرة قبل العِشاء
- عبد الناصر والسادات وعادل حسين
- يسار جامعة المنصورة ومؤتمر جمصة 74
- المخاطر والبدائل
- الكراهية المنطقية
- -كعب أخيل- الليبرالي
- لعبت كرة الجولَّة والطوزَّة والكَفَر
- يومها خِفْتُ عليه


المزيد.....




- رصدته كاميرا بث مباشر.. مراهق يهاجم أسقفًا وكاهنًا ويطعنهما ...
- زلة لسان جديدة.. بايدن يشيد بدعم دولة لأوكرانيا رغم تفككها م ...
- كيف تتوقع أمريكا حجم رد إسرائيل على الهجوم الإيراني؟.. مصدرا ...
- أمطار غزيرة في دبي تغرق شوارعها وتعطل حركة المرور (فيديو)
- شاهد: انقلاب قارب في الهند يتسبب بمقتل 9 أشخاص
- بوليتيكو: المستشار الألماني شولتس وبخ بوريل لانتقاده إسرائيل ...
- بريجيت ماكرون تلجأ للقضاء لملاحقة مروجي شائعات ولادتها ذكرا ...
- مليار دولار وأكثر... تكلفة صد إسرائيل للهجوم الإيراني
- ألمانيا تسعى لتشديد العقوبات الأوروبية على طهران
- اكتشاف أضخم ثقب أسود في مجرة درب التبانة


المزيد.....

- الموجود والمفقود من عوامل الثورة في الربيع العربي / رسلان جادالله عامر
- 7 تشرين الأول وحرب الإبادة الصهيونية على مستعمًرة قطاع غزة / زهير الصباغ
- العراق وإيران: من العصر الإخميني إلى العصر الخميني / حميد الكفائي
- جريدة طريق الثورة، العدد 72، سبتمبر-أكتوبر 2022 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 73، أفريل-ماي 2023 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 74، جوان-جويلية 2023 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 75، أوت-سبتمبر 2023 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 76، أكتوبر-نوفمبر 2023 / حزب الكادحين
- قصة اهل الكهف بين مصدرها الاصلي والقرآن والسردية الاسلامية / جدو جبريل
- شئ ما عن ألأخلاق / علي عبد الواحد محمد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مصطفى مجدي الجمال - اليسار والتغيير الاجتماعي