أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - سعيد العليمى - الوهم الدستورى والصراع الطبقى - ماركس ، إنجلز ، لاسال ، لينين ، تروتسكى ، ستالين















المزيد.....



الوهم الدستورى والصراع الطبقى - ماركس ، إنجلز ، لاسال ، لينين ، تروتسكى ، ستالين


سعيد العليمى

الحوار المتمدن-العدد: 7141 - 2022 / 1 / 20 - 09:53
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


الوهم الدستوري والصراع الطبقي
نصوص مختارة




ماركس، إنجلز، لاسال،
لينين، تروتسكي، ستالين
ترجمة: سعيد العليمي



















لوحة الغلاف
مدينة برلين خلال الثورة الألمانية في مارس 1848.

(1)
جدل العلاقة بين الدستور والوضع التاريخي()
كارل ماركس
ملاحظة. في ظل لويس الثامن عشر أتى الدستور "بـ"فضل الملك (ميثاق فرضه الملك)، في ظل لويس فيليب، أتى الملك "بـ"فضل الدستور (فرض الملكية). ويمكن أن نلاحظ بصفة عامة تحول الموضوع إلى محمول، وارتداد المحمول إلى موضوع، إن استبدال هذا الذي يُحَدِد بذاك الذي يُحَدَدْ، هو دائمًا الثورة الأشد مباشرة. ليس فقط في الجانب الثوري. الملك يصنع القانون (الملكية القديمة) والقانون يصنع الملك (الملكية الجديدة).
وأيضًا هذا هو الحال فيما يتعلق بالدستور. وكذلك الرجعيون. حق البكورة هو قانون الدولة. كما تتطلب الدولة قانون البكورة. ونظرًا لحقيقة أن هيجل، من ثم، يجعل عناصر فكرة الدولة الموضوع، وأشكال الوجود القديمة للدولة هي المحمول، بينما في الواقع التاريخي فإن الواقع هو العكس، فان فكرة الدولة هي بدلًا من ذلك محمول تلك الأشكال للوجود، فهو يعبر فقط عن الطابع العام للفترة، عن غائيتها السياسية. إنه نفس الشيء مع فكرته عن وحدة الوجود الفلسفية والدينية. بواسطتها تصبح كل أشكال اللا عقل أشكالًا للعقل. ولكن هنا وبصفة جوهرية في الدين جعل العقل العامل المحدد، بينما في الدولة جعلت الدولة هي العامل المحدد. هذه الميتافيزيقا هي التعبير الميتافيزيقي عن الرجعية، عن العالم القديم بوصفه حقيقة النظرة العالمية الجديدة.

(2)
النص الدستوري والممارسة التاريخية()
ف. إنجلز
فورفارتس عدد 75، 18 سبتمبر، 1844
طورنا في المقال السابق معايير تقييم الوضع الراهن للإمبراطورية البريطانية في تاريخ الحضارة، وقدمنا الوقائع المتصلة التي تتعلق بتطور الأمة الانجليزية بالقدر الذي كانت فيه لازمة لهذا الغرض ولكنها قلما عرفت في القارة الأوروبية، وبعد أن بررنا هكذا فرضياتنا الأولية، يمكن لنا الآن أن ننطلق بدون لغط إضافي نحو موضوع بحثنا.
لقد كان وضع انجلترا حتى الآن مرغوبًا فيه من كل أمم أوروبا، وهو كذلك بالفعل لمن يقتصر على السطح ويلاحظ فقط بعيني السياسي. بريطانيا هي إمبراطورية من نوع ما هو ممكن اليوم، مثلها في ذلك مثل كل الإمبراطوريات من الناحية الجوهرية، لأن إمبراطوريتي الاسكندر وقيصر مثلتا أيضًا مثل الإمبراطورية البريطانية، حكم الأمم المتحضرة على البرابرة والمستعمرات(). ولا يمكن لبلد من البلدان أن يرقى لمستوى انجلترا في القوة والثروة، وهذه القوة والثروة لا ترقد في يدي مستبد فرد، كما كان الحال في روما، ولكنها تخص القسم المتعلم من الأمة. إن الخوف من الاستبداد والصراع ضد سلطة التاج انتهى منذ مائة عام مضى، ومما لا ينكر أن انجلترا هي أكثر البلدان حرية في العالم، وبمعنى آخر الأقل في عدم الحرية، ولا استثني شمال أمريكا، وعلى ذلك فإن الإنجليزي المتعلم يتمتع بدرجة من الاستقلال الداخلي لا يمكن لمواطن فرنسي ناهيك عن الألماني أن يتبجح بها. النشاط السياسي، الصحافة الحرة، التفوق البحري والصناعة الهائلة التي تملكها انجلترا قد طورت تمامًا الطاقة الكامنة في الشخصية القومية، الضفر بين القوة الأشد حزمًا والتروي الأشد هدوءًا، وذلك تقريبًا في كل فرد حتى أنه بشأن هذا الجانب أيضا فإن أمم القارة تتخلف بلا نهاية وراء الإنجليزي. إن تاريخ الجيش البريطاني والبحرية يمثل سلسلة من الانتصارات الباهرة، بينما نادرًا ما شهدت انجلترا عدوًا على شواطئها على مدى الثماني مائة عام الأخيرة، ومكانة أدبها لا يمكن أن ينافسها إلا أدب اليونان القديم وألمانيا، لقد أبرزت انجلترا اسمين عظيمين على الأقل؛ بيكون ولوك، في الفلسفة، وما لا يحصى في العلوم التجريبية، وإذا كانت المسألة هي أية امة قد قدمت الكثير، فلا أحد يمكن أن ينكر أن الإنجليز هم هذه الأمة.
هناك أشياء يمكن لانجلترا أن تفخر بها، وهي تتفوق بها على الألمان والفرنسيين، وقد عددتها هنا في البداية، حتى يمكن للألمان الطيبون أن يقتنعوا "بعدم تحيزي" منذ البداية، لأنني أعرف تمامًا أنه في ألمانيا من المقبول تمامًا إطلاق تصريحات متهورة عن الألمان أكثر من أي أمة أخرى. وإذا ما تحدثنا بصفة عامة، فإن الأشياء التي عددتها للتو تشكل كامل موضوع هذا الأدب، الهائل للغاية ومع ذلك غير المنتج بما لا حد له وغير الضروري، الذي تمخض عن انجلترا في القارة. لم يتراءى لأحد أن يستقصى طبيعة التاريخ الإنجليزي والطابع القومي الإنجليزي، وكم هو تافه كل الإنتاج الأدبي حول انجلترا، وهذا ما تكشفه حقيقة بسيطة وهى أن كتاب السيد راومر التافه عن انجلترا() لازال وفقًا لأفضل معلوماتي يعد الأفضل في موضوعه حتى الآن.
مادامت انجلترا قد جرى النظر إليها حتى الآن من الناحية السياسية، فدعونا نبدأ بذلك. دعونا نفحص الدستور البريطاني، الذي اعتبره التوري Tories "أكثر منتجات العقل البريطاني كمالًا"، ودعونا كتحيز آخر للسياسي، أن ننطلق حاليًا مما هو تجريبي تمامًا.
التقدير المعتدل للجمال النوعي للدستور البريطاني الذي تطور "تاريخيًا"، هذا يعنى بلغة ألمانية واضحة أن الأساس القديم الذي خلقته ثورة 1688 قد حفظ، وهذا الأساس، كما يسمونه، قد بني عليه فيما بعد. وسوف نرى حالًا أية سمات اكتسبها الدستور نتيجة لذلك، ولبرهة فإن مقارنة بسيطة بين الإنجليزي في 1688 مع الإنجليزي في 1844 قد تكفي لتبرهن على أن وجود أساس دستوري متطابق لكليهما هو بطبيعته عبث واستحالة. حتى إذا تغاضينا عن التقدم العام للحضارة، فإن الطابع السياسي للأمة وحده مختلف تمامًا عما كان عندئذ. كان قانون الدعاوى المتطابقة، قانون الضبط والإحضار، وقانون الحقوق، إجراءات قام بها الويج Whigs انبعثت من ضعف وهزيمة التوري في هذا الوقت وقد وجهت ضد هؤلاء التوري، بمعنى آخر، ضد الملكية المطلقة والكاثوليكية المكشوفة أو المستورة( ). ولكن خلال الخمسين سنة التالية اختفى التوري القدماء وتبنى خلفائهم المبادئ التي كانت حتى حينها ملكًا للويج، ومنذ أن صعد جورج الأول إلى العرش، فإن التوري الكاثوليك الملكيين قد أصبحوا ارستقراطية، حزب الكنيسة الأعلى، ومنذ الثورة الفرنسية، التي أيقظتهم أولًا فان المبادئ الايجابية للنزعة التورية قد تبخرت بشكل متزايد وتحولت إلى "نزعة محافظة" مجردة، الدفاع المكشوف الغافل عن الوضع القائم؛ وبالفعل فحتى هذه المرحلة قد خلفوها وراء ظهورهم بالفعل. وقد قررت التورية من خلال السير روبرت بييل أن تعترف بالتغير، وقد أدركت أنه لا يمكن الدفاع عن الدستور، وأنه يقدم تنازلات ليبقى ببساطة البنية المتداعية لأطول فترة ممكنة.
لقد عاين الويج تطورًا مهمًا مماثلًا، لقد ظهر حزب ديموقراطي جديد، ومع ذلك فلا زال يفترض في أساس 1688 أن يكون ملائمًا لعام 1844! والآن فإن النتيجة التي لا يمكن تفاديها لهذا "التطور التاريخي" هو أن التناقضات الداخلية التي تمثل الملامح المميزة للملكية الدستورية والتي عرضت بما يكفى حتى في الزمن الذي كانت فيه الفلسفة الألمانية لا زالت تحمل وجهة نظر جمهورية؛ إن هذه التناقضات تكتسي بأشد أشكالها تطرفًا في الملكية الإنجليزية الحديثة. وفي الواقع فإن الملكية الدستورية الإنجليزية هي ذروة الملكية الدستورية بوصفها كذلك، إنها الدولة الوحيدة التي لها، بقدر ما يمكن لذلك أن يكون ممكنًا في الوقت الراهن، أرستقراطية حقيقية بالميلاد حفظت مراكزها بالتوازي مع وعي عام عالي التطور نسبيًا، وعلى ذلك يوجد ثالوث السلطة التشريعية بالفعل الذي استعيد في القارة بشكل اصطناعي وأبقي عليه بصعوبة فحسب.
إذا كان جوهر الدولة، مثل جوهر الدين، هو خوف البشرية من ذاتها()، فان هذا الخوف يصل أعلى درجاته في الملكية الدستورية، وخاصة الإنجليزية. إن تجربة ثلاثة آلاف عام لم تجعل البشر أكثر حكمة وإنما على العكس جعلتهم أكثر تشوشًا وأكثر تحيزًا، لقد جعلتهم مجانين، ونتيجة هذا الجنون هو الوضع السياسي الراهن في انجلترا. إن الملكية المحضة توقظ الإرهاب؛ ويفكر الناس في الاستبدادين الشرقي والروماني. الأرستقراطية المحضة لم تعد مخيفة؛ العوام في روما وإقطاع القرون الوسطى، نبلاء فينيسيا وجنوه لم يكونوا سدى. والديموقراطية أفظع من كليهما؛ ماريوس وسولا، كرومويل وروبسبيير، الرأسان الملطخان بالدم لملكين، قوائم الإبعاد والدكتاتورية تتكلم بصوت عالٍ بما يكفى عن "فظائع" الديموقراطية. أضف إلى ذلك، فمن المعروف بصفة عامة أنه لا شكل من هذه الأشكال قد كان قادرًا على البقاء أبدًا لوقت طويل. فما كان يتعين عمله؟ بدلًا من الانطلاق في مسار مستقيم، وبدلًا من أن نخلص إلى عدم كمال وبالأحرى لا إنسانية كل أشكال الدولة أن الدولة ذاتها هي سبب كل هذه التجليات غير الإنسانية وأنها هي نفسها غير إنسانية، بدلًا من ذلك ارتاح الناس لوجهة النظر التي تقول بأن اللا أخلاقية ترتبط فقط بأشكال خاصة للدولة، استنبطوا من المقدمات الآنفة إن نتيجة ثلاث عوامل لا أخلاقية يمكن أن تكون نتاجًا أخلاقيًا، وخلقوا الملكية الدستورية.
إن البديهية الأولى للملكية الدستورية هي توازن السلطات، وهذه البديهية هي التعبير الأكثر اكتمالًا عن خوف البشرية من ذاتها [!!! (المترجم)]. وليس قصدي أن أعلق على هذه اللاعقلانية العبثية وعلى الافتقار للعملية في هذه البديهية، فإنني سوف أفحص هنا فحسب ما إذا كانت تنطبق على الدستور الإنجليزي، وكما وعدت، فسوف التزم تحديدًا بالوقائع التجريبية، إلى الحد الذي ستكون فيه بالفعل غزيرة حتى بالنسبة لسياسيينا التجريبيين. ومن ثم لن أتناول الدستور الإنجليزي كما يرد في تعليقات بلاكستون() أو في خيالات دي لولم() أو السلسلة الطويلة من التشريعات المؤسسة من العهد الأعظم (الماجنا كارتا Magna Carta) إلى قانون الإصلاح، ولكن كما هو في الواقع.( )
أولًا، العنصر الملكي. كل امرئ يعرف المغزى الفعلي للعاهل الملك في انجلترا، ذكرًا كان أم أنثى. إن سلطة الملك مختزلة عمليًا إلى الصفر، وإذا كانت الحالة، المشهورة على نطاق العالم أجمع، في حاجة لأي برهان إضافي، فإن حقيقة أن النضال الكلي ضد التاج قد توقف منذ ما يزيد على مائة عام مضت حتى أن الشارتيون الديموقراطيون الراديكاليون يعرفون أنه من الأفضل أن يقضوا وقتهم في أشياء أخرى غير هذا الصراع، لابد أن يشكل دليلًا كافيًا. ماذا يعتري إذن هذا القسم الثالث من السلطة التشريعية الذي يخول في النظرية للتاج؟ مع ذلك – في هذا، يصل الخوف إلى مداه - فان الدستور لا يمكن أن يحيا بدون الملكية. أزيلوا التاج، "القمة الذاتية" وسوف تتداعى سقوطًا كامل البنية المصطنعة. إن الدستور الإنجليزي بمثابة هرم مقلوب، والقمة هي في نفس الوقت القاعدة وبقدر ما أصبح العنصر الملكي أقل أهمية في الواقع، بقدر ما أصبح أكثر أهمية للمواطن الإنجليزي. لا يحدث في أي مكان، كما نعرف جميعًا، أن توقر شخصية غير حاكمة أكثر مما في انجلترا. وتتفوق الصحافة الانجليزية على الألمانية لمدى بعيد في الخنوع العبودي. ولكن عبادة الملك الكريهة هذه بوصفها كذلك، وتوقير فكرة خاوية؛ أو بالأحرى ليس فكرة وإنما كلمة "ملك" مفرغة من كل مضمون، هي ذروة الملكية، تمامًا مثل توقير كلمة "إله" التي هي ذروة الدين. إن كلمة "ملك" هي جوهر الدولة، مثل كلمة "إله" التي هي جوهر الدين، رغم أنه ليس لأي من الكلمتين معنى على الإطلاق. الشيء الجوهري بشأنهما معًا هو التأكد من أن الشيء الأساسي، أي الإنسان، الذي يقف وراء هذه الكلمات، لا يُناقش.
ثم العنصر الأرستقراطي. وهو يصيب نجاحًا قليلًا أكثر من التاج على الأقل في النطاق الذي خول له في الدستور. إذا كانت السخرية التي أهيلت بشكل مستمر على مجلس اللوردات لأكثر من مائة عام مضت قد أصبحت تدريجيًا جزءًا من الرأي العام لحد بعيد حتى أن هذا الفرع من السلطة التشريعية يعتبر بصفة عامة موئلًا لرجال الدولة المتقاعدين ويقدم لطبقة النبلاء كإهانة من قبل أي من ليس عضوًا قديمًا تمامًا بعد في مجلس العموم، سيمكن له أن يتصور بسهولة بأي جدارة تمسك ثاني السلطات السياسية التي أسسها الدستور. في الواقع فإن فعالية اللوردات في المجلس الأعلى قد قلصت إلى حد باتت فيه مجرد شكليات فارغة، ترتقي نادرًا فحسب كنوع من قوة القصور الذاتي كما بدا خلال وزارة الويج من عام 1830 حتى 1840؛ وحتى عندئذ لم يكن اللوردات أقوياء بذاتهم بما فيه الكفاية وإنما من خلال التوري، الحزب الذين يشكلوا ممثليه الحقيقيين، ومجلس اللوردات، ويفترض أن تكون ميزته الأساسية في النظرية الدستورية حقيقة أنه مستقل عن التاج والشعب بنفس القدر، بيد أنه في الواقع معتمد على حزب، أي، حالة الرأي العام، وأيضًا على التاج، نظرًا لحقه في صنع نبلاء. وبقدر ما كان المجلس الأعلى ضعيفًا، بقدر ما كان مركزه أثبت في الرأي العام. الأحزاب الدستورية؛ التوري، الويج والراديكاليون ينقبضون برعب مماثل من فكرة إلغاء هذه الشكلية الخاوية، ولا يذهب الراديكاليون أبعد من أن يلاحظوا أن اللوردات، بوصفهم السلطة الوحيدة في الدستور التي لا يحق لأحد مساءلتها، يمثلون شذوذًا ومن ثم فينبغي أن يحل محل النبلاء بالوراثة نبلاء بالانتخاب. مرة أخرى إنه الخوف من الإنسانية [!!! (المترجم)] الذي يبقى هذه الصيغة الخاوية، والراديكاليون الذين يطالبون بأساس ديموقراطي لمجلس العموم، يعايشون هذا الخوف لمدى أبعد من الحزبين الأخيرين من خلال محاولة دفع نسمات حياة جديدة في مجلس اللوردات العتيق البالي بحقنه بدم شعبي، حتى لا يتم هجره كلية. أما الميثاقيون (الشارتيون) فلديهم فكرة أفضل عما ينبغي أن يفعلوه، إنهم يعرفون أنه قبل هجوم ديموقراطي من مجلس العموم، فإن كامل البنية العفنة؛ التاج، اللوردات، وما إلى ذلك، يجب أن تنهار طوعًا، وبخلاف الراديكاليين فإنهم لا يقلقون بشأن إصلاح طبقة النبلاء.
ومثلما نمى توقير التاج بالتناسب مع نقصان سلطة التاج، فهكذا كلما سمت الارستقراطية عاليًا في التقدير الشعبي كلما تدهور النفوذ السياسي لمجلس اللوردات. ليست المسألة في أن أكثر الشكليات مهانة من العصر الإقطاعي قد استبقيت، حتى أن أعضاء في مجلس العموم حينما يظهرون بصفتهم الرسمية أمام اللوردات عليهم أن يقفوا وقبعاتهم في أيديهم أمام اللوردات الجالسون والمرتدون لقبعاتهم وأن الطريقة الرسمية لمخاطبة أحد النبلاء هي "لعل هذا يسعد سيادتكم"، إلخ، وأسوأ شيء في كل هذه الشكليات هو أنها تعبر بالفعل عن الرأي العام، الذي يعتبر اللورد كائنًا من نوع أعلى ويكن احترامًا للأنساب والألقاب الطنانة، وتذكارات العائلة القديمة، إلخ، الأمر البغيض لنا ويثير غثياننا نحن القاريين بوصف ذلك عبادة للتاج. في هذا الجانب من الشخصية الانجليزية أيضًا فإن لدينا نفس التوقير لكلمة خاوية لا معنى لها، المختلة تمامًا، الفكرة الثابتة وهي أن أمة عظمى، والجنس البشرى والكون، لا يمكن أن يعيش بغير كلمة "أرستقراطية".
لكل هذا، فللأرستقراطية رغم ذلك نفوذ هام في الواقع، ولكن مثلما أن سلطة التاج هي سلطة الوزراء، بمعنى آخر، سلطة ممثلي الأغلبية في مجلس العموم، وبذلك، اتخذت منعطفًا مختلفًا عما قصده الدستور، فكذلك فإن سلطة الارستقراطية تكمن في شيء مختلف تمامًا عن حقها الوراثي في مقعد في السلطة التشريعية. الأرستقراطية قوية بسبب إقطاعاتها الشاسعة، وثروتها بصفة عامة، وهي تشارك هذه السلطة مع الأثرياء الآخرين غير الأرستقراطيين، إن سلطة اللوردات فعالة ليس في مجلس اللوردات ولكن في مجلس العموم، وهذا يصل بنا إلى مكون السلطة التشريعية ويفترض وفقًا للدستور أن تمثل العنصر الديموقراطي.
فورفارتس عدد رقم 76، 21سبتمبر، 1844
إذا كان التاج ومجلس اللوردات عاجزان، يترتب على ذلك أن كل السلطة يجب أن تتركز في مجلس العموم، وهذا هو الحال. وفي الواقع فإنه يشرع القوانين ويطبقها من خلال الوزراء، الذين لا يشكلون سوى لجنة من المجلس. حيث أن المجلس كلي القدرة على هذا النحو، فقد كان لانجلترا أن تكون ديموقراطية محضة، حتى لو كان الفرعان الآخران من السلطة التشريعية يستمران في الوجود، مادام العنصر الديموقراطي كان ديموقراطيًا بالفعل. ولكن لا مشاحة في ذلك. لم تتأثر التنظيمات المحلية تمامًا بالتسوية الدستورية بعد ثورة 1688، المدن، البلدات والدوائر الانتخابية التي كان لها قبلًا حق أن ترسل عضوًا احتفظت به، ولم يكن هذا الحق بأي حال أحد "حقوق الإنسان العامة" الديموقراطية، وإنما امتيازًا إقطاعيًا كلية، منح بشكل متأخر في ظل حكم إليزابيث بشكل تحكمي تمامًا بنعمة وفضل التاج لمدن عديدة لم تمثل قبلًا. حتى الطابع التمثيلي الذي حازته الانتخابات إلى مجلس العموم أصلًا، قد فقد خلال "التطور التاريخي". إن تكوين مجلس العموم القديم معروف جيدًا. في المدن كان انتخاب عضو ما إما في أيدي فرد أو مؤسسة حصرية تختار أعضاءها، وبلدات قليلة كانت مفتوحة، بمعنى آخر، لها جمهور ناخبين كبير لحد بعيد، وهنا دفعت أشد الرشاوى صفاقة لآخر بقايا التمثيل الحقيقي. كانت البلدات المغلقة في أغلب الأحوال في يد فرد واحد، عادةً لورد، وفي الدوائر الانتخابية اضطهد كبار ملاك الأرض الأقوياء أي إثارة حرة عفوية قد تكون بين الناس، الذين كانوا جامدين سياسيًا. لم يكن مجلس العموم القديم أكثر من مؤسسة قروسطية مستقلة عن الشعب، ذروة الحق "التاريخي"، الذي لا يقدر على تقديم برهان عقلي واحد حقيقي أو ظاهر على وجوده، يقوم متحديًا كل عقل وعليه ينكر في 1794 من خلال لجنته أنه كان مجلسًا للممثلين وأن انجلترا كانت دولة تمثيلية()، في مقارنة مع دستور كهذا، فإن نظرية الحكومة التمثيلية، حتى التي تقوم على ملكية دستورية عادية مع مجلس مندوبين لابد أنها قد ظهرت ثورية باقتدار وتستحق اللوم، والتوري من ثم كانوا محقين تمامًا حينما وصفوا قانون الإصلاح بوصفه إجراء يتعارض تمامًا مع روح وحرف الدستور وإنه الذي قوض الدستور. قانون الإصلاح، على أي حال، شق طريقه، ومهمتنا الآن أن نرى ما الذي صنعه بالدستور الإنجليزي خاصة في مجلس العموم. في المحل الأول، فإن شروط انتخاب الأعضاء في الريف قد ظلت كما هي تمامًا. الناخبون هنا غالبًا على وجه الحصر مزارعين مستأجرين حصرًا، وهم معتمدون كليًا على مالك أرضهم مادام الأخير لا تربطه علاقات تعاقدية معهم، ويمكن له في أي وقت أن ينهي الإيجار. وأعضاء المقاطعات (في معارضتهم مع أهل المدن) يبقون، كما كانوا قبلًا مندوبي ملاك الأرض، مادامت أزمنة الاضطراب الأعظم فقط، كما في عام 1831( )، هي التي جرؤ المزارعون المستأجرون فيها أن يصوتوا ضد ملاك الأرض. وبالفعل، فإن قانون الإصلاح قد زاد حدة الشر فحسب، مدام قد زاد عدد أعضاء المقاطعات. من أعضاء المائتين اثنين وخمسين مقاطعة، يمكن للتوري نتيجة لذلك أن يعتمدوا على الأقل على مائتين، إلا حين يكون هناك اضطراب عام وسط المزارعين المستأجرين الذين قد يجعل أي تدخل لملاك الأرض غير حكيم. أُدخل التمثيل في المدينة، من الناحية الشكلية على الأقل، وكل رجل يشغل منزلًا قيمته الإيجارية السنوية عشر جنيهات إسترلينية على الأقل وضرائب مباشرة (معدل متدن، إلخ) نال صوتًا. ويعني هذا أن أغلبية ضخمة من الطبقات العاملة قد استبعدت، لأنه في المحل الأول فمن الطبيعي أن المتزوج فقط هو الذي يسكن في منازل منفصلة، وحتى لو كان عددًا له وزنه من هذه المنازل ذو إيجار سنوي قدره عشر جنيهات إسترلينية، فإن كل شاغليها يتفادون دفع الضرائب المباشرة ومن ثم فهم ليسوا ناخبين. حق الاقتراع العام كما روجه الشارتيون سوف يزيد ثلاثة أضعاف عدد الأشخاص الذين يحق لهم التصويت. وهكذا فإن المدن في أيدي الطبقة الوسطى، وهذا بدوره في المدن الأصغر لطالما يعتمد مباشرة أو غير مباشرة على ملاك الأرض، من خلال المزارعين المستأجرين، الذين يمثلون العملاء الرئيسيون للتجار أو الحرفيين. في المدن الكبرى فحسب تحقق الطبقة الوسطى بالفعل نوعًا من السيادة، وفي مدن المصانع الأصغر، خاصة في لانكشير، التي تفتقر فيها الطبقة الوسطى لعدد ذو وزن والريفيون لنفوذ ذو وزن، حيث وعلى ذلك فحتى أقلية من الطبقة العاملة سيكون لها أثر حاسم على الناتج، يقارب التمثيل الوهمي التمثيل الحقيقي في بعض المعايير. هذه المدن، على سبيل المثال؛ آشتون، أولدهام، روشديل، بولتون .. إلخ، أرسلت نتيجة لذلك على سبيل الحصر تقريبًا راديكاليين إلى البرلمان. في هذه الأماكن، مثلما في كل مدن المصانع عامة، فإن توسيعًا لحق الاقتراع وفق المبادئ الشارتية سوف يمكن هذا الحزب من أن يحوز أغلبية الأصوات. وبغض النظر عن هذه التأثيرات المتنوعة وشديدة التعقيد من الناحية العملية، فإن تأثيرات محلية متنوعة أيضًا يمكن الشعور بها، وأخيرًا، هناك تأثير له وزن هائل؛ وهو الرشوة. في المقال الأول من السلسلة الراهنة، سبق لنا أن ذكرنا أن مجلس العموم، من خلال لجنة الرشوة، أعلن أنه انتخب بالرشوة، وأن توماس دانكومب العضو الشارتي النافذ، أخبر مجلس العموم منذ زمن طويل بصراحة أنه ما من عضو في المجلس بكامله، بما فيه شخصه، يمكن أن يدعى أنه حصل على مقعده بالتصويت الحر في المقاطعات بدون رشوة( ). الصيف الماضي، أعلن ريتشارد كوبدن العضو عن ستوكبورت وقائد اتحاد مناهضة قانون الحبوب، في اجتماع عام في مانشستر أن الرشوة قد وصلت إلى نسب غير مسبوقة، وأنه في نادي التوري بكارلتون ونادي الإصلاح الليبرالي في لندن فإن تمثيل المدن قد أرسي على أعلى مزايد، وأن هذه الأندية قد تصرفت بوصفها مقاولين - من أجل بضع جنيهات يمكن أن نضمن لك مركزًا معينًا، إلخ - وفوق كل هذا لا يجب أن ننسى الطريقة الدقيقة التي تجرى بها الانتخابات، السُكر العام الذي تطرح أثناءه الأصوات، الحانات العامة حيث يُصبح المصوتون سكرانين على حساب المرشحين، الفوضى، الشجار، صراخ الجمهور في حجيرات الاقتراع؛ واضعين بذلك اللمسات النهائية على خواء التمثيل الساري لمدة 7 سنوات.
فورفارتس عدد رقم 77 ، 25 سبتمبر 1844
لقد رأينا أن التاج ومجلس اللوردات قد فقدا أهميتهما، كما رأينا كيف يتم اختيار مجلس العموم شديد القوة، والسؤال الآن: من إذن يحكم انجلترا بالفعل؟ المِلكية [الخاصة] تحكم. تمكن المِلكية الأرستقراطية من أن تسيطر على اختيار المندوبين للمناطق الريفية والمدن الصغيرة، وتمكن المِلكية التجار والمصنعين من أن يختاروا الأعضاء عن المدن الكبرى ولمدى معين الأعضاء عن المدن الصغرى، المِلكية تجعل في مستطاعهم زيادة نفوذهم بواسطة الرشوة. إن حكم المِلكية [الخاصة] معترف به في قانون الإصلاح بنصاب المِلكية الذي أُدخل فيه. وإلى المدى الذي تشكل فيه المِلكية والنفوذ الذي تضفيه المِلكية جوهر الطبقة الوسطى، من ثم إلى المدى الذي تعبئ فيه الأرستقراطية ملكيتها لتؤثر على الانتخابات ومن ثم فلا تتصرف كأرستقراطية ولكن تضع نفسها على مستوى واحد مع الطبقة الوسطى، وإلى المدى الذي يكون فيه نفوذ الطبقة الوسطى الفعلية إجمالًا ذا وزن أعظم من نفوذ الارستقراطية، إلى هذا المدى تحكم الطبقة الوسطى بالفعل. ولكن كيف ولماذا تحكم؟ لأن الناس لم يفهموا بالفعل بعد طبيعة المِلكية لأنهم بصفة عامة – على الأقل في الريف – لازالوا موتى ثقافيًا ومن ثم يتحملون طغيان المِلكية. من المعترف به أن انجلترا ديموقراطية، ولكن بنفس الطريقة التي بها روسيا ديموقراطية، حيث يحكم الناس وهم غير عالمين في كل مكان، والحكومة في كل دولة ليست شيئًا سوى تعبير آخر عن مستوى تعليم الناس. [!!! (المترجم)]
سوف يكون من الصعب أن نعود أدراجنا من ممارسة الدستور الإنجليزي إلى نظريته. حيث تقوم هناك أفظع التناقضات بين النظرية والممارسة، فالاثنان بعيدان كل منهما عن الآخر إلى الحد الذي لم يعد فيه بينهما أي تشابه. من ناحية هناك ثالوث السلطة التشريعية؛ من ناحية أخرى طغيان الطبقة الوسطى، من ناحية هناك نظام المجلسين؛ من ناحية أخرى مجلس العموم شديد القوة، من ناحية هناك الامتياز الملكي؛ من ناحية أخرى حكومة مختارة من قبل مجلس العموم، من ناحية هناك مجلس لوردات مستقل مع مشرعين بالوراثة؛ من ناحية أخرى مكان للأعضاء القدامى في مجلس العموم. كان على كل المكونات الثلاثة للسلطة التشريعية أن يسلم سلطته لعنصر آخر: التاج للوزراء، بمعنى آخر لأغلبية مجلس العموم، اللوردات لحزب التوري، أي، لعنصر شعبي، وللوزراء الذين يخلقون النبلاء، بمعنى آخر، أساسًا إلى عنصر شعبي أيضًا، والعموم إلى الطبقة الوسطى، أو، والذي يعتبر نفس الشيء، إلى الناس الذين لم يبلغوا سن الرشد سياسيًا. في الواقع فإن الدستور الإنجليزي قد كف عن الوجود تمامًا، إن كامل عملية التشريع المرهقة هي بمثابة مهزلة، لقد أصبح التناقض بين النظرية والممارسة غاية في السطوع حتى أنه ليس من الممكن أن يتواصل لفترة طويلة، وحتى لو ظهر أن حيوية هذا الدستور المؤلم قد زادت لحد ما بتحرر الكاثوليك( ) وهم من سيكون لدينا سبب للحديث عنهم في المستقبل، وبالإصلاح البرلماني والبلدي، هذه الإجراءات - التي هي في ذاتها بمثابة اعتراف بأن الأمل في حفظ الدستور قد جرى التخلي عنه – تدخل فيها عناصر تناقض بلا جدال المبادئ الجوهرية للدستور وهكذا تمعن في تجسيد التنازع بجعل النظرية تناقض نفسها.
لقد رأينا أن تنظيم السلطات في الدستور الإنجليزي يعتمد كلية على الخوف [!!! (المترجم)]. وهذا الخوف حتى أكثر وضوحًا في القواعد التي يتواصل بها التشريع، أي بما يسمى لوائح برلمانية. يجب على كل قانون أن يخضع لثلاث قراءات في كل من المجلسين، وبفواصل معروفة، وبعد القراءة الأولى يحال إلى لجنة تناقشه تفصيلًا، وفى الأحوال التي تكون له بعض الأهمية، يصبح المجلس كله لجنة ليناقش القانون ثم يعين مقررًا، الذي يقدم فيما بعد بكل جلال تقريرًا حوله لنفس المجلس الذي ناقش القانون. ونقول عرضًا أليس هذا أكثر الأمثلة مهابة على وجود "المتعالي في المحايث والمحايث في المتعالي" الأمر الذي يمكن أن يطمح له أي هيجلي؟ "إن المعرفة التي لدى مجلس العموم عن اللجنة هي المعرفة التي لدى اللجنة عن نفسها"، والمقرر هو "التجسيد المطلق للوسيط، الذي يتطابق فيه الاثنان". وهكذا يناقش كل قانون ثمان مرات قبل أن يتمكن من تلقى التصديق الملكي. مرة أخرى إنه بالطبع الخوف من الإنسانية الذي يكمن تحت هذا الإجراء العبثي. إنهم يدركون أن التقدم هو جوهر الإنسانية ولكن لا يملكون الشجاعة لأن يعلنوا التقدم بصراحة، إنهم يصدرون القوانين التي يفترض أن لها صلاحية مطلقة والتي تضع من ثم عوائق أمام التقدم، وبالاحتفاظ بحق تعديل القوانين، يسمح للتقدم الذي أنكروه في التو أن يعود ثانية من الباب الخلفي. ولكن يجب الانتباه إلى عدم الانطلاق سريعًا جدًا، وألا تكون هناك عجلة مغالى فيها! التقدم شيء ثوري، وخطير، ومن ثم يجب أن يكون هناك كابح قوى فوقه، قبل أن يقرروا الاعتراف به عليهم أن يتأملوا الأمر ثمان مرات. ولكن هذا الخوف، وهو بغير جدوى في حد ذاته، ويثبت فقط أن هؤلاء الذين يملأهم ليسوا بعد أحرارًا حقيقيين، يميل إلى أن يؤدى لإدخال إجراءات غير سليمة. وبدلًا من ضمان فحص شامل للقوانين، تصبح القراءة المتكررة لها زائفة تمامًا في الممارسة العملية ومجرد أمر شكلي. يتركز الجدل الأساسي عادة في القراءة الأولى أو الثانية، وأحيانًا أيضًا في المناظرات في اللجان، وفقًا لما يناسب المعارضة أكثر. إن عدم جدوى تعدد المناظرات هذا يصبح واضحًا حينما نعتبر أن مصير كل قانون قد تقرر بالفعل في البداية، وحين لا يتقرر، فإن المناظرة لا تتعلق بالقانون المحدد وإنما بوجود وزارة. إن حاصل كل هذه التصرفات الغريبة، التي تتكرر ثماني مرات، ليست هكذا مناقشة أهدأ في المجلس نفسه، وإنما شيء مختلف تماما لم يكن بأس حال قصد هؤلاء الذين أدخلوا هذه التصرفات الغريبة. الطبيعة الممتدة للتداولات تعطى الرأي العام وقتًا لتشكيل رأي حول الإجراء المقترح وإذا ما كانت هناك حاجة فيمكن معارضته بواسطة الاجتماعات والالتماسات، وغالبًا - كما حدث العام الماضي في حالة قانون التعليم للسير جيمس جراهام - ما تلقى النجاح. ولكن هذا كما قلنا، لم يكن الغرض الأصلي وكان يمكن أن يتحقق بشكل أشد بساطة.
بينما نحن الآن منشغلون باللوائح البرلمانية، يمكن لنا أن نذكر بضع نقاط إضافية وهي تشي بالخوف الذي يمثل جزءًا من الدستور الإنجليزي والطابع المشترك الأصلي لمجلس العموم. المناظرات في مجلس العموم ليست عامة، والدخول امتياز لا يؤمن عادة إلا بأوامر مكتوبة من أحد الأعضاء. وفي الأحوال التي تكون فيها انقسامات تُخلى الشرفات، وبالرغم من هذه السرية العبثية، فلطالما واجه المجلس معارضة ضارية في إلغاءها، مع أن أسماء الأعضاء الذين صوتوا مع أو ضد تكون منشورة في اليوم التالي في جميع الصحف. لم يكن الأعضاء الراديكاليون قادرين أبدًا على الحصول على موافقة لنشر المحاضر الأصلية - منذ أسبوعين رفض طلب بهذا الصدد( ) - ونتيجة لذلك فإن من يطبع التقارير البرلمانية التي تظهر في الصحافة مسئول وحده عن مضمونها ويمكن أن يقاضى، وفقًا للقانون حتى بواسطة الحكومة، من أجل نشر البيانات الافترائية من قبل أي شخص يشعر أنه أهين بسبب ملاحظة من عضو في البرلمان، بينما من افترى محمى من أي ملاحقة قانونية بسبب حصانته البرلمانية. هذه وجملة من المسائل الأخرى في اللوائح البرلمانية تظهر الطابع الحصري المناهض للشعب الذي يكتسي به البرلمان حتى بعد إصلاحه، والعناد الذي يتمسك به مجلس العموم بهذه العادات يظهر في غاية الوضوح أنه ليس لديه رغبة في أن يحول نفسه من هيئة مشتركة صاحبة امتياز إلى مجلس من ممثلي الشعب.
فورفارتس عدد رقم 78 ، 28 سبتمبر 1844
دليل آخر على هذا هو الامتياز الذي يتمتع به البرلمان، الوضع الاستثنائي لأعضائه إزاء البلاط وحق مجلس العموم في تقرير إجراء القبض على من يرغب. لقد استهدف بصفة أصلية التعديات التي يقوم بها التاج، الذي حرم منذ هذا الوقت من كل سلطته وهذا الامتياز قد استخدم في الأزمنة الحديثة ضد الشعب فقط. في 1771 غضب المجلس من غطرسة الصحف التي نشرت مداولاته، الأمر الذي كان بعد كل شيء من حق المجلس نفسه فقط أن يفعله، وحاول أن يضع نهاية لهذه الغطرسة باعتقال الطابعين ثم الرسميين الذين أطلقوا هؤلاء الطابعين. بالطبع لم يكن هذا أمرًا ناجحًا، ولكن المحاولة تبين طبيعة الامتيازات التي يتمتع بها المجلس، ويظهر فشله أنه حتى مجلس العموم، رغم كونه يعلو على الشعب، يعتمد رغم ذلك على الأخير، بمعنى آخر، إن مجلس العموم لا يحكم هو الآخر.
في بلد تشكل "المسيحية فيه جزءًا لا يتجزأ من قوانين البلاد" فإن الكنيسة القائمة هي بالضرورة جزء من الدستور. وفقًا لدستورها فإن انجلترا بصفة أساسية هي دولة مسيحية، بالفعل دولة مسيحية تامة التطور وقوية، وتمتزج الدولة والكنيسة تمامًا الواحدة مع الأخرى حتى لا يمكن فصلهما. هذه الوحدة بين الكنيسة والدولة يمكن أن توجد على أي حال في طائفة مسيحية واحدة، على حساب إقصاء كل الطوائف الأخرى، وهذه الطوائف التي جرى إقصاؤها هي من ثم بالطبع توصم بأنها هرطقية وهي ضحية الاضطهاد السياسي والديني. هذا هو الحال في انجلترا. وهكذا فقد رميت هذه الطوائف كلها معًا بوصفها فئة واحدة، واستبعدت، بوصفها من غير الممتثلين أو المنشقين، من أي اشتراك في الدولة، ضويقوا، وقيدوا في عباداتهم واضطهدوا بقوانين العقوبات. كلما أعلنوا بحمية أشد أنهم ضد وحدة الكنيسة والدولة، كلما جرى الدفاع عن هذه الوحدة بعنف أشد من قبل الحزب الحاكم ورفعت لمرتبة شأنًا حيويًا للدولة. حينما كانت الدولة المسيحية في انجلترا لازالت في أيام ذروتها، كان اضطهاد المنشقين وبالأخص الكاثوليك من ثم حدثًا يوميًا، اضطهاد كان باعتراف الجميع أقل عنفًا ولكن أكثر شمولًا وتلاحقًا من اضطهاد القرون الوسطى. توقف المرض عن أن يكون حادًا وأصبح مزمنًا، الانفجارات المفاجئة المتعطشة للدماء للغضب المعادى للكاثوليك قد تحولت إلى حساب سياسي بارد سعى لاستئصال البدعة بطريقة أنعم ولكن بضغط متواصل. تم تحويل الاضطهاد إلى المجال الدنيوي ومن ثم أصبح من الأصعب احتماله. عدم الاعتقاد في المقالات التسع والثلاثون( ) لم تعد هرطقة، بدلًا من ذلك اعتبروها جريمة ضد الدولة.
ولكن تقدم التاريخ لم يكن ليتوقف، التعارض بين تشريع 1688 والرأي العام كما وجد في 1828 كان عظيمًا جدًا حتى أنه في السنة الأخيرة وجد مجلس العموم نفسه مضطرًا لأن يلغي أشد القوانين قمعًا ضد المنشقين. ألغي قانون الدعاوى المتطابقة والمواد الدينية في قانون المؤسسات( )، وتحرر الكاثوليك( ) عقب ذلك في العام التالي رغم معارضة التوري الضارية. التوري أنصار الدستور، كانوا مصيبين تمامًا في معارضتهم حيث أن أحدًا من الأحزاب الليبرالية، ولا حتى الراديكالية هاجمت الدستور ذاته. كان على الدستور أن يبقى الأساس لهم أيضًا، وعلى أساس الدستور فقط كان التوري متسقين. لقد أدركوا، وقالوا كذلك، إن الإجراءات الآنفة سوف تؤدى بشكل حتمي لانهيار الكنيسة الانجيليكانية وبالضرورة لانهيار الدستور أيضًا، وأن إعطاء المنشقين الحقوق المدنية سوف يعنى تدميرًا واقعيًا للكنيسة الانجيليكانية والمصادقة على الهجمات على الكنيسة الانجيليكانية، وأنه لعدم اتساق خطير نحو الدولة نفسها أن تسمح لكاثوليكي بنصيب في الإدارة والتشريع مادام يعترف بسلطة البابا على سلطة الدولة. ولم يتمكن الليبراليون من الإجابة على حججهم، مع ذلك، فقد اتخذ التحرر طريقه ونبوءات التوري تبدأ في التحقق بالفعل.
وهكذا فبهذه الطريقة أصبحت الكنيسة الانجيليكانية اسمًا فارغًا وتختلف الآن فقط عن الطوائف الأخرى بميزة الثلاث مليون جنيه إسترليني التي تسحبها كل عام وبعض الامتيازات الصغيرة التي تكفى لتعزيز النضال ضدها. من ضمنها المحاكم الكنسية التي يمارس فيها الأسقف الانجيليكاني اختصاصًا مفردًا ولكن غير هام بالمرة والذي يكمن اضطهاده في تكاليف الإجراء القانوني بصفة خاصة، وهناك أيضًا رسوم الكنائس المحلية التي تستخدم لصيانة الأبنية المتاحة لاستخدام الكنيسة القائمة، ويدخل المنشقون تحت ولاية هذه المحاكم وهم ملزمون بالمثل بدفع هذه الرسوم.
ولكن لم يكن فقط التشريع ضد الكنيسة وإنما أيضًا التشريع لصالح الكنيسة هو ما أسهم باتجاه جعلها اسمًا خاويًا. وقد كانت كنيسة أيرلندا دائمًا مجرد اسم، كنيسة مؤسسة تمامًا أو حكومية، مراتبية كاملة من كبير الأساقفة نزولًا إلى الكاهن، لا تفتقر إلى شيء سوى المجمع، وتتمثل وظيفتها في الوعظ، والصلاة وإنشاد الابتهالات للمقاعد الخشبية الخاوية. كنيسة انجلترا لها جمهورها، هذا حقيقي، رغم أنها أيضًا، خاصة في ويلز ومقاطعات المصنع قد أزيحت إلى حد بعيد من قبل المنشقين، ولكن قلما يتعب الوعاظ الذين يتقاضون أجورًا جيدة أنفسهم بشأن رعيتهم. إذا رغبت في أن تتلف سمعة زمرة من الكهنة وتتسبب في سقوطه ، ادفع لها جيدًا، هذا ما يقوله بنتام، والكنيستان الانجليزية والايرلندية تشهدان على حقيقة هذا التصريح. في ريف ومدن انجلترا ما من شيء مكروه ومحتقر من قبل الناس أكثر من قس كنيسة انجلترا. وفي حالة شعب تقي مثل الشعب الإنجليزي، فإن هذا يعنى شيئًا بالفعل.
من الواضح بذاته أنه كلما أصبح اسم الكنيسة الانجيليكانية أكثر خواءً وبلا معنى، كلما ارتبط بها بشكل أشد تمسكًا الحزب المحافظ وبالتأكيد الحزب الدستوري المعزز، إن فصل الكنيسة عن الدولة يمكن أن يسيل دموع حتى اللورد جون رسل، ومن الواضح بذاته أيضًا أنه حينما يصير الاسم أشد خواءً، يصير اضطهاده أشد فظاظة ويُشعر به بشكل أشد. والكنيسة الايرلندية بصفة خاصة، لأنها الأكثر تفاهة، فهي تحظى بكراهية أكثر، ولا غرض لها سوى أن تزيد مرارة الشعب، سوى أن تذكرهم بأنهم شعب خاضع يكرههم المنتصر على دينه ومؤسساته.
وعلى ذلك فان انجلترا الآن على عتبة تحول من دولة مسيحية محددة إلى غير محددة، إلى دولة تؤسس ليس على طائفة واحدة محددة وإنما على مسيحية غير محددة، أداة لكل الطوائف القائمة. من الطبيعي أن تدافع الدولة القديمة المحددة المسيحية عن نفسها ضد عدم الاعتقاد، ويعاقب عليه قانون الردة لعام 1699 حتى بفقدان الحقوق المدنية السلبية وبالسجن، وهذا القانون لم يلغى أبدًا، ولكنه لم يعد يطبق أبدًا. قانون آخر أصله من أزمنة إليزابيث، ينص على أن أي أحد لا يتمكن من التواجد في الكنيسة يوم الأحد دون عذر مقبول (إن لم أكن مخطئُا، حتى الكنيسة الأسقفية البروتستانتية قد استسلمت، لأن إليزابيث لم تعترف بأية كنائس منشقة) يعاقب بغرامة أو بالسجن. وفي الريف لازال هذا القانون يطبق مرارًا، وحتى هنا، في لانكشير المتحضرة، وهي على مبعدة بضع ساعات من مانشستر هناك بعض قضاة سلام متعصبون - مثل السيد جيبسون، وهو عضو عن مانشستر قد أثار اللغط من أسبوعين في مجلس العموم( ) - حكموا على عدد كبير من الناس، أحيانًا حتى بست أسابيع في السجن، لأنهم لم يتمكنوا من الحضور إلى الكنيسة. على أي حال فإن القوانين الأساسية ضد الكفر هي تلك التي تجرد أحدًا من حقه في القسم إذا لم يكن يؤمن بالله أو بالثواب والعقاب في الآخرة، وجعل التجديف على الله جريمة يعاقب عليها. التجديف هو أي شيء يهدف لازدراء الإنجيل أو الديانة المسيحية، وكذلك الإنكار المباشر لوجود الله؛ عقوبة هذا هي السجن، عادة لمدة عام مع الغرامة.
فورفارتس عدد رقم 80 ، 5 أكتوبر، 1844
ولكن الدولة المسيحية غير المحددة تتجه نحو السقوط أيضًا، حتى قبل أن يعترف بها رسميًا بواسطة التشريع. إن قانون الردة هو، كما قلنا آنفًا، مهجور بشكل كامل، وفرض حضور الكنيسة بات أيضًا عتيقًا بالمثل وينفذ في أحوال استثنائية فقط، وقانون الردة أيضًا بدأ - والفضل يعود لعدم خوف الاشتراكيين الانجليز وخاصة ريتشارد كارليل – في أن يكون عتيقًا ويطبق هنا أو هناك فقط خصوصًا في المقاطعات المتعصبة مثل ادنبره، ويجري حتى تجنب رفض القسم حيث يكون ذلك ممكنًا. لقد أصبح الحزب المسيحي غاية في الضعف حتى أنه هو نفسه يدرك أن إعمالًا دقيقًا لهذه القوانين سوف يتمخض عنه إبطالها قبل أن يمضى وقت طويل، وهو يفضل من ثم أن يكون سلبيًا حتى يبقى سيف ديموقليس الخاص بالتشريع المسيحي معلقًا على الأقل على رؤوس غير المؤمنين وربما يستمر لأن يكون فعالًا بوصفه تهديدًا ومطهرًا.
بمعزل عن المؤسسات السياسية بالمعنى الدقيق التي قيمناها حتى الآن، هناك عدة أمور أخرى يمكن إدراجها ضمن دائرة الدستور. لقد كان هناك إغفال لحقوق المواطن، ضمن الدستور لحد بعيد، إذا ما تحدثنا بدقة، ليس للفرد حق في انجلترا. توجد هذه الحقوق إما خلال العرف أو بفضل المكانة الاجتماعية التي ليست مرتبطة تمامًا بالدستور. وسوف نرى كيف نشأ هذا الانفصال الغريب، لأننا سوف ننطلق الآن في نقد لهذه الحقوق.
الأول يتعلق بحق كل إنسان في أن ينشر آراءه بدون عائق ودون إذن مسبق من الحكومة؛ حرية الصحافة. إذا أخذناها بصفة إجمالية فمن الحقيقي أنه ما من مكان توجد فيه حرية الصحافة بشكل أكثر توسعًا مما في انجلترا، ومع ذلك فإن هذه الحرية هنا لازالت محدودة للغاية. لا تزال قوانين السب والقذف، والخيانة العظمى، وقانون التجديف() تثقل على الصحافة، وإذا كانت الصحافة نادرًا ما تُقمع فإن هذا لا يرجع إلى القانون وإنما لخوف الحكومة من عدم الشعبية التي لا يمكن تفاديها والتي سوف تترتب على قمع الصحافة. ترتكب الصحافة الانجليزية لكل الأحزاب انتهاكات صحفية كل يوم، ضد الحكومة وضد الأفراد، لكنهم يسمحون لها أن تمر بدون عواقب، حتى يمكن شن حملة محاكمة سياسية، وهنا توظف المناسبة للتعامل مع الصحافة كذلك. هذه هي الكيفية التي انتهت بها مع الشارتيين في 1842 ومؤخرًا مع المنسحبين الايرلنديين.( ) عاشت حرية الصحافة في انجلترا على المن والرحمة على مدى المائة عام الماضية بمثل ما عاشت الصحافة البروسية منذ 1842.
إن "حق الميلاد" الثاني بالنسبة للرجل الإنجليزي هو حق الاجتماع الشعبي، وهو حق لم تتمتع به أي أمة أخرى في أوروبا حتى اليوم. هذا الحق، رغم أنه عتيق، فقد ظاهره نص القانون بوصفه حق الشعب في الاجتماع بغرض مناقشة المظالم والتوجه بالتماس ردها من السلطة التشريعية. وهذه الصياغة تتضمن حدًا. إذا لم يتمخض الاجتماع عن التماس، فإن الأخير يكتسب صفة إن لم نقل أنها تحديدًا عدم القانونية، فعلى الأقل يكون طابعه ملتبسًا. في محاكمة أوكونيل أكد التاج بصفة خاصة على أن الاجتماعات التي وصفت بأنها غير قانونية لم تعقد للتداول في الالتماسات. على أي حال فإن الحد الأساسي تفرضه الشرطة، فيمكن للحكومة المركزية أو المحلية أن تمنع أي اجتماع مقدمًا، أو أن تتدخل وتفضه، وقد فعلت ذلك بما فيه الكفاية، ليس فقط في كلونتارف ولكن بالفعل في انجلترا في حالة الاجتماعات الشارتية والاشتراكية.( ) هذا لا يعتبر على أي حال اعتداء على حقوق ميلاد الإنجليزي لأن الشارتيين والاشتراكيين هم شياطين بؤساء لاحق لهم، ولا أحد يستهجن ذلك عدا جريدة نورثرن ستار Northern Star والعالم الأخلاقي الجديد New Moral World، ومن ثم لا يسمع أحد شيئًا عن ذلك في القارة .
ثم حق تشكيل الجمعيات. كل الجمعيات التي تستهدف أغراضًا قانونية مسموح بها، ولكن في أي حالة محددة، فإن الجمعيات الكبيرة هي المسموح بها، وقد لا يشمل هذا فروع الجمعية. إن تكوين الجمعيات التي تتفرع إلى فروع محلية، كل له تنظيمه، يسمح به فقط للمؤسسات الخيرية، أو لأغراض مالية بصفة عامة، ويمكن فقط أن تباشر عملها في انجلترا عند إصدار شهادة رسمية من موظف معين لهذا الغرض. حصل الاشتراكيون مثل هذه الشهادة لتنظيمهم بإعلان أن غرضهم كانت له هذه الطبيعة، وقد أُنكر هذا على الشارتيين، بالرغم من أنهم قد نسخوا لائحة الجمعية الاشتراكية كلمة بكلمة على طلبهم. وقد اضطروا الآن إلى أن يراوغوا القانون وقد وضعوا في موقف قد توقع زلة قلم واحدة يرتكبها عضو في الجمعية الشارتية( ) الجمعية كلها في شراك القانون. ولكن حتى بمعزل عن هذا، فإن حق تكوين الجمعيات، في تحققه الكامل، هو ميزة للأغنياء، فالجمعية تحتاج إلى نقود قبل أي شيء، وإنه لمن الأسهل لأغنياء الاتحاد المناهض لقانون الحبوب( ) أن يجمعوا مئات الآلاف من أن تجمع الجمعية الشارتية الفقيرة أو اتحاد عمال المناجم البريطاني لتلبية النفقات المكشوفة للجمعية. وجمعية لا موارد تحت تصرفها لن يكون لها على الأغلب تأثير كبير ولا يمكن لها أن تقوم بأي تحريض.
فورفارتس عدد رقم 83، 16 أكتوبر، 1844
إن حق الضبط والإحضار Habeas Corpus، أي، حق كل متهم في أن يفرج عنه بكفالة (تمثل الخيانة العظمى استثناءً) إلى أن يحين موعد المحاكمة، الحق الذي أطروه كثيرًا هو مرة أخرى امتيازًا للغنى. فالفقير لا يمكن أن يقدم ضمانًا وعلى ذلك فلابد أن يسجن.
آخر حقوق الفرد هذه هو حق كل إنسان في أن يحاكم أمام نظرائه وهو أيضًا امتيازًا للأغنياء. فالفقير لا يحاكم من نظرائه، فهو يحاكم وبلا استثناء من أعدائه الأصيلين، لأنه في انجلترا يتواجه الغنى والفقير في حرب مكشوفة الواحد مع الآخر. لابد أن يكون للمحلفين مؤهلات معينة، وطبيعتهم واضحة من حقيقة أن قائمة المحلفين في دبلن، وهي مدينة يبلغ تعداد سكانها 250000 نسمة، ليس فيها سوى 800 شخص مؤهلين. في أحدث محاكمات الشارتيين في مانشستر، واريك، وستافورد( ) حوكم العمال من قبل ملاك الأرض والمزارعين المستأجرين ومعظمهم من التورى، ومن قبل رجال صناعة وتجار وغالبيتهم من الويج، ولكن على أي حال فهم أعداء الشارتيين والعمال. ولكن هذا ليس كل شيء. فما من قضاة محلفين محايدين. حينما حوكم أوكونيل منذ أربعة أسابيع مضت في دبلن، فإن كل عضو من المحلفين كان عدوًا له حيث أنهم كانوا بروتستانت وينتمون للتوري. "نظراؤه" كان يمكن أن يكونوا كاثوليك ومنسحبين؛ وليس حتى هم، لأنهم كانوا أصدقاءه. إن وجود كاثوليكي ضمن المحلفين كان يمكن أن يمنع حكم المحلفين. وكان يمكن أن يجعل أي حكم لهم مستحيلًا، عدا التنحي. هذه الحالة بصفة خاصة هي مثل صارخ، ولكن من الناحية الأساسية هي نفس الشيء في أي قضية. إن المحاكمة بواسطة المحلفين هي في الجوهر مؤسسة سياسية وليست قانونية، ولكن بسبب أن كل القانون سياسي في أصوله، فإن واقع الممارسة القانونية يتكشف فيها، والمحاكمة الإنجليزية بواسطة المحلفين، لأنها الأكثر تطورًا إلى حد بعيد هي تتمة الكذب القضائي والأخلاقي. ونقطة البداية هي أكذوبة "المحلف المحايد"، وهي تنطبع في ذهن المحلفين حتى أن عليهم أن ينسوا أي شيء يتعلق بالقضية المنظورة بما فيه ما يمكن أن يكون قد سمعه قبل المحاكمة، ويحكم فقط حسب الدليل الذي قدم إلى المحكمة؛ كما لو كانت مثل هذه الأشياء ممكنة. الأكذوبة الثانية في موضوع "القاضي المحايد" أي من تتقوم وظيفته في تطبيق القانون وتقويم الأدلة التي يقدمها الجانبين، بدون انحياز، وبـ"موضوعية" تامة؛ كما لو كانت مثل هذه الأشياء ممكنة! أضف إلى ذلك فإن المطلوب من القاضي ألا يمارس بصفة خاصة ورغم أي شيء تأثيرًا على حكم المحلفين وألا يوحى به إليهم؛ بمعنى آخر، عليه أن يعرض المقدمات التي تبنى عليها النتائج، ولكن ليس عليه أن يستخلص النتيجة بنفسه، بل عليه ألا يستخلصها حتى لنفسه، لأن هذا سيكون له تأثير على عرض مقدماته؛ كل هذا ومائة استحالة أخرى، وأمورًا لا صلة لها بالبشر وغباوات إضافية مطلوبة، وهي كذلك حتى تخفى بلطف الغباوة الأصلية واللا إنسانية. لكن لا توجد ممارسة فعلية خادعة، ففي الممارسة يجرى تجاهل مثل هذه النفاية، فالقاضي يقدم للمحلفين ما يكفي بوضوح حتى يفهموا أي نوع من الأحكام عليهم أن ينطقوه، وهذا الحكم يرفع بانتظام إلى المحكمة من قبل المحلفين المطيعين.
وإلى ما يلي! يجب أن يُحمى المدعى عليه بكل الوسائل، المدعى عليه مثل الملك، مقدس لا ينتهك ولا يمكن أن يخطئ، بمعنى آخر، لا يستطيع أن يفعل شيئًا على الإطلاق، وإذا فعل شيئًا، فلا صلاحية له. وقد يعترف المدعى عليه بجريمته فلن يفيده ذلك شيئًا على الإطلاق. فالقانون يقرر أنه ليس جديرًا بالثقة! أعتقد أن ذلك كان في 1819 حيث اتهم رجل امرأته بالزنا بعد أن اعترفت لزوجها، خلال مرض ظنته مميتًا، أنها قد ارتكبت جريمة الزنا؛ ولكن محامى الدفاع عن الزوجة اعترض بأن الاعتراف ليس دليلًا، وأسقطت التهمة(). وتعزز أكثر قداسة المدعى عليه بالشكليات القانونية التي تحيط بالقضاء الإنجليزي والذي يقدم مثل هذا الحقل الخصب لخدع المحامين الذين يثيرون اعتراضات تافهة. حتى أن خطئًا فنيًا تافهًا يمكن أن يفسد محاكمة كاملة لتنحدر لأن تكون شيئًا لا يصدق. ففي عام 1800 وجد رجل مذنبًا في جريمة تزوير ولكن أفرج عنه لأن محامي الدفاع اكتشف قبل النطق بالحكم أنه في ورقة النقد المزورة كتب الاسم في شكله المختصر بارتو، بينما في عريضة الاتهام كتب اسم بارتلميو كاملًا. وكما قلت قبل القاضي الاعتراض بوصفه مقبولًا وأطلق سراح المدان(). في 1827 اتهمت امرأة بقتل طفل في وينشستر ولكن أطلق سراحها لأن في حكم محلفي التحقيق في أسباب الوفاة أعلن الأخيرون "بناء على قسمهم" (محلفو مولانا الملك بناء على قسمهم يعرضون أن، الخ) إن كذا وكذا قد حدث، حيث بما أن هيئة المحلفين المكونة من ثلاثة عشر رجلًا قد أقسمت ليس قسمًا واحدًا وإنما ثلاثة عشر قسمًا وكان ينبغي أن يقرأ الحكم "بناء على أقسامهم" (بالجمع)() منذ عام مضى حدث أن صبيًا سرق منديلًا من جيب أحدهم في مساء الأحد فمسك متلبسًا وقبض عليه. اعترض أبوه بأن ضابط الشرطة الذي قبض عليه اعتقله بشكل مخالف للقانون لأن هناك قانونًا يفيد بأنه لا يجوز لأحد أن يمارس المهنة التي يتكسب منها يوم الأحد، وعلى ذلك فإن رجل الشرطة ما كان له أن يقبض على أحد ما يوم الأحد. وافق القاضي على هذا، لكنه واصل استجواب الصبي، وحين اعترف الأخير أنه لص بالمهنة، حكم عليه بغرامة خمس شلنات لأنه مارس مهنته يوم أحد. استطيع أن أضيف على هذين المثلين مائة أخرى، ولكنهما واضحان بما يكفى. يقدس القانون الإنجليزي المدعى عليه ويطبق ذلك ضد المجتمع الذي وجد لحمايته بالفعل. ليست الجريمة كما في اسبرطة هي التي تعاقب وإنما الطريقة الغبية التي ارتكبت بها. أي شكل من أشكال الحماية ينقلب على الشخص الذي قصد أن يحميه، القانون قصد حماية المجتمع ويهاجمه، لقد قصد حماية المدعى عليه ويجرحه؛ لأنه من الواضح أن أي شخص فقير لحد البؤس لا يتمكن من مواجهة الخداع الرسمي برفقة محامٍ ماهر بالمثل في الخداع تقف ضده كل الأشكال التي خلقت لحمايته. إن أي شخص فقير إلى حد البؤس ليكون له محامٍ يدافع عنه أو عدد مناسب من الشهود ليس لديه أمل في أي قضية مشكوك فيها في الحد الأدنى. يمكن له أن يقرأ فقط قبل المحاكمة عريضة الاتهام والبيانات التي عملت أصلًا من أجل القضاة ومن ثم لا يعرف تفاصيل ما الذي سيوجه إليه (وهذا شديد الخطورة خاصة بالنسبة لإنسان برئ)، وعليه أن يرد على الفور حين ينتهي المدعي العام من صياغة طلباته في القضية وقد يتحدث مرة واحدة فقط، فإذا لم يتناول كل شيء، أو إذا كان الشاهد الذي لم يعتبره ضروريًا قد تغيب، هنا يكون قد ضاع.
فورفارتس عدد رقم 84، 19 أكتوبر، 1844
ولكن ذروة النظام بكامله هي القاعدة التي تقول بأن المحلفين الاثني عشر يتعين أن يصدروا حكمًا قضائيًا بالإجماع.
ما يحدث أنه يغلق عليهم في حجرة ولا يسمح لهم بالخروج حتى يتفقوا أو يدرك القاضي أنهم لا يستطيعون أن ينتهوا إلى إجماع. وهذا على أي حال فوق الطاقة البشرية بمعنى الكلمة وإلى حد كبير مناقض للطبيعة البشرية لأنه من السخف التام أن تطلب أن يكون اثنا عشر شخصًا من نفس الرأي حول موضوع معين. ولكن هذا متسق. إن إجراءات محاكم التفتيش هي أن يعذب المتهم بدنيًا أو ذهنيًا، نظام المحلفين يعلن المتهم مقدسًا ويعذب الشهود من خلال الاستجواب بطريقة ليست أقل هولًا من محاكم التفتيش، بل إنه يعذب حتى المحلفين، لابد أن يصلوا إلى حكم حتى وإن سقطت السماء أثناء العملية، يعاقب المحلفون بالسجن حتى يصدروا حكمًا، وإذا ما كانوا مفرطين في نزوتهم لأنهم يرغبون في أن يلتزموا بقسمهم، يعين محلفين جدد، وهناك إعادة محاكمة وهكذا حتى يصبح الادعاء أو المحلفين مرهقين من الصراع فيسلمون بلا شروط. وهو دليل كاف على أن النظام القانوني لا يمكن أن يحيا بدون تعذيب وهو في أي الأحوال بربري. ولكن ليست هناك إمكانية أخرى، إذا كنا نريد أن نحصل على يقين رياضي في أمور لا تسمح بمثل هذا اليقين، ولا يمكن إلا أن ننتهي إلى عبث وبربرية. وتكشف الممارسة مرة أخرى ما يكمن وراء كل هذه الأشياء، وفي الممارسة يتخذ المحلفون المخرج السهل وحيث لا يوجد بديل، يحنثون في قسمهم برباطة جأش تامة. في 1824، لم يوافق أحد المحلفين في أكسفورد. قال رجل: مذنب، وأحد عشر: ليس مذنبًا. وفي النهاية وصلوا إلى تسوية، كتب المختلف "مذنب" على عريضة الاتهام وانسحب، بعدئذ أتى مقدمهم مع المحلفين الآخرين، التقطوا الورقة وكتبوا "غير" أمام كلمة "مذنب" (واد، التاريخ البريطاني).
عد فونبلانك، وهو محرر جريدة اكسامينر (المحقق) Examiner، قضية أخرى وذلك في مؤلفه انجلترا في ظل سبع إدارات England under Seven Administrations. في هذه الحالة أيضًا لم يستطع المحلفون أن يصلوا إلى قرار، وفي نهاية الأمر لجأ المحلفون إلى سحب قرعة، أخذوا قشتين وسحبوا، رأى المجموعة التي سحبت القشة الأطول هو الذي جرى تبنيه.
بينما نحن معنيون بالمؤسسات الدستورية، يمكن لنا أن نفحص المسألة بتمعن حتى يمكن أن نكمل مسحنا للمؤسسة القانونية في انجلترا. من المعروف أن قانون العقوبات الإنجليزي هو الأقسى في أوروبا. حتى وقت قريب يعود إلى 1810 لم يكن أدنى في بربريته من قانون كارولينا( )؛ الحرق، تهشيم العظام على العجلة، قطع الجسد لأربع، نزع الأحشاء بينما لازال الشخص حيًا، إلخ، كل هذه كانت أشكالًا مستخدمة في العقوبة. منذ هذا الوقت، حقيقي إن أشد الشناعات فظاظة قد ألغيت، ولكن لازالت هناك عدة حالات من الوحشية والعار لم تلحق بنصوص القانون. تطبق عقوبة الإعدام على سبع جرائم (القتل، الخيانة العظمى، الاغتصاب، اللواط، اقتحام الأماكن أو الكسر، السرقة بالإكراه، والإحراق العمدي بقصد القتل)، وفي 1837 كانت هذه فقط هي أكثر الجرائم نطاقًا التي طبقت فيها عقوبة الإعدام وقصرت عليها، وبالإضافة إلى ذلك، يعرف قانون العقوبات الإنجليزي شكلين من العقوبة ينحاز فيها للبربرية خصوصًا؛ النفي، الإزراء من خلال المزاملة، الحبس الانفرادي، الإزراء من خلال العزلة، ما من شيء يمكن اختياره أكثر قسوة أو حقارة في تدمير ضحايا القانون بشكل منهجي منظم بدنيًا وعقليًا وأخلاقيًا ولإنزالهم إلى مستوى أدنى من مستوى الوحوش. إن المجرم الذي ينفى يجد نفسه في هاوية الانحطاط والبهيمية التي تعافها النفس وأفضل الرجال لا يمكن إلا أن يخضع في ستة شهور، من يرغب في أن يقرأ تقارير الشهود حول جنوب ويلز الجديدة وجزيرة نورفولك سوف يوافق حينما أقول أن ما ذكرته يقصر عن الحقيقة الفعلية. السجين في الحبس الانفرادي يجن، والسجن النموذجي في لندن، بعد ثلاث شهور من وجوده، أحيل ثلاثة منه إلى مستشفى الأمراض العقلية، هذا إذا تناسينا الهوس الديني الذي لا يزال ينظر إليه عادة بوصفه استقامة.
إن قوانين العقوبات ضد الجرائم السياسية قد انتهى تقريبًا لتعريفات تماثل تمامًا المطبقة في بروسيا، خاصة "إثارة الفتن" واستخدام "لغة تحريضية" قد صيغت بنفس الطريقة الغائمة التي تتيح حرية واسعة للقاضي والمحلفين. وفي هذا الحقل أيضًا فإن العقوبات أشق منها في أي مكان آخر، والنفي هو الشكل الأساسي.
إذا كانت هذه العقوبات القاسية وهذه الجرائم السياسية سيئة التحديد لها مغزى أقل في الممارسة مما قد يبدو طبقًا للقانون، فهذا يعود، من ناحية، إلى فشل في القانون ذاته، المشوش وغير الواضح، حتى أن محاميًا مترافعًا ذكيًا يمكن له أن يثير اعتراضات في صالح المدعى عليه عند كل منعطف. والقانون الإنجليزي هو إما نظام الشريعة العامة، بمعنى آخر، قانون غير مكتوب مثلما وجد في الوقت الذي جمعت فيه التشريعات أولًا ثم فرزت بمعرفة السلطات القانونية، وفي معظم الأمور الهامة فإن هذا القانون من الطبيعي ألا يكون يقينيًا وغامضًا، أو أنه القانون المكتوب ، الذي يحتوى على عدد لا نهائي من المراسيم الفردية الصادرة عن البرلمان جمعت على مدى يزيد عن خمسمائة عام يناقض كل منها الآخر وتمثل ليس "دولة قانون" وغنما حالة من اللا قانونية التامة. والمحامي المترافع هو كل شيء هنا، وكل من بدد وقتًا طويلًا في هذه الأدغال القانونية في فوضى هذه التناقضات هو شديد التمكن في محكمة قانون إنجليزية. لقد أدت عدم يقينية القانون بشكل طبيعي إلى الاعتقاد في سلطة الأحكام التي أصدرها القضاة السابقون في قضايا مماثلة، وهو ما يفاقم من عدم اليقين، مادامت هذه الأحكام ذاتها تناقض واحدها الآخر، وحصيلة سير المحاكمة يعتمد على تعلم وحضور ذهن المحامى المترافع. من ناحية أخرى، غياب أهمية قانون العقوبات الإنجليزي هي كيفما كان الأمر مسألة رحمة تمامًا، الخ، واعتبار للرأي العام، حيث لا يرغم القانون الحكومة على ذلك بأي حال، والمعارضة النشطة لكل إصلاحات القانون تبين أن السلطة التشريعية لا تميل حتمًا إلى تغيير حالة الأمور هذه. ولكن لا ينبغي أن ينسى أن الملكية الخاصة تحكم وعلى ذلك فإن هذه الرحمة تمارس فقط تجاه المجرمين "المحترمين"، أما على الفقراء، والمنبوذين، وعلى البروليتاري فتنقض وحشية القانون بكامل قوته ولا يهتم أحد أقل اهتمام بذلك.
هذا النزوع لتفضيل الأغنياء منصوص عليه بصراحة في متن القانون. بينما تخضع كل الجرائم الخطرة إلى أشد العقوبات، فإن الغرامة منصوص عليها لكل الانتهاكات الصغرى، والغرامات وهي نفسها بالطبع للغني والفقير والتي تؤثر قليلًا في الغني أو لا تؤثر فيه على الإطلاق، والتي لا يستطيع الفقير في تسع حالات من عشر أن يدفعها على الإطلاق ومن ثم يربط بدون لغط كثير إلى طاحونة الدوس لبضع شهور "لعدم القدرة على السداد". يحتاج المرء إلى أن يقرأ تقارير البوليس في أول صحيفة إنجليزية تقع في يده حتى يقتنع بحقيقة هذا التصريح. سوء معاملة الفقير أو المعاملة التفضيلية للغني في كل المحاكم القضائية غاية في الشمول، وهي تمارس علنًا وبصفاقة وترد في التقارير بلا أدنى خجل في الصحف حتى أنه من النادر أن يقرأ الإنسان جريدة دون أن تمتلئ نفسه سخطًا. دائمًا ما يعامل مثل هذا الرجل الغنى بلطف استثنائي، وبغض النظر عن كيف كانت وحشية جريمته "دائمًا ما يكون القضاة غاية في الأسف" لأنه تعين عليهم أن يحكموا عليه بما هو عادة غرامة تافهة تمامًا. لازالت إدارة القانون في هذا الصدد أكثر تجردًا عن الإنسانية من القانون ذاته، "القانون يطحن الفقراء بينما يحكم الأغنياء القانون" و"هناك قانون للفقراء وآخر للأغنياء" هذه الأقوال هي أقوال صحيحة تمامًا وقد باتت منذ زمن طويل من الحكم. ولكن هل يمكن للأمر أن يكون بخلاف ذلك؟ القضاة والمحلفون أنفسهم من الأغنياء وهم يختارون من الطبقة الوسطى ومن ثم فهم متحيزون لنوعهم وقد ولدوا أعداء للفقراء. وإذا أخذنا في الحساب الأثر الاجتماعي للملكية، الأمر الذي لا نستطيع أن نخوض فيه الآن، فلا يمكن لأحد أن يندهش بالفعل من مثل هذه الأوضاع البربرية للأمور.
سوف نتعامل مع مسألة التشريع الاجتماعي المباشر التي يبلغ فيها هذا العار ذراه، فيما بعد( ). على أي حال لا يمكن وصفه في دلالته الكاملة في هذه المرحلة.
دعونا إذن نلخص نتائج نقد القانون في انجلترا. مهما كانت الاعتراضات التي يمكن أن تثار ضده من وجهة نظر "الدولة الدستورية" فهي أمر لا أهمية كبرى له. حقيقة أن انجلترا ليست رسميًا ديموقراطية لا يمكن أن تجعلنا نتحيز ضد مؤسساتها. بالنسبة لنا هناك أمر واحد ذو أهمية: هو أننا قد شهدنا في كل مكان التناقض الفظيع بين النظرية والممارسة الواحد مع الآخر. كل سلطات الدستور، التاج، مجلس اللوردات ومجلس العموم، قد انحلت أمام عيوننا، لقد انتهينا إلى أن الكنيسة القائمة وكل ما يسمى بحقوق المولد للمواطن البريطاني ما هي إلا أسماء خاوية، وأنه حتى المحاكمة من قبل المحلفين هي في الواقع عرض مظهري فقط. وأنه حتى القانون لا وجود له، باختصار، وإن دولة، أعطت لنفسها أساسًا قانونيًا محددًا واضحًا، تنكر وتستغل هذا الأساس. الإنجليزي ليس حرًا بفضل القانون بل رغمًا عنه، إذا كان لنا أن نقول أنه حر على الإطلاق.
وقد رأينا إضافة إلى ذلك أي أدغال من الأكاذيب واللا أخلاقية تنبع من حالة الأمور هذه، يخضع الناس أنفسهم لأسماء خاوية وينكرون الواقع، إنهم لا يريدون أن يعرفوا أي شيء عنه وهم يقاومون إدراك ما يوجد بالفعل، ما خلقوه بأنفسهم، إنهم يخدعون أنفسهم ويخترعون لغة اتفاقية ذات مفاهيم اصطناعية كل منها محاكاة ساخرة للواقع ويميلون بخوف لتلك التجريدات الفارغة، حتى يتفادوا من ثم أن يمنحوا أنفسهم ما هو مهم في الحياة الفعلية، وهي في الممارسة، أشياء مختلفة تمامًا. إن كامل الدستور الإنجليزي وكل الرأي العام الدستوري ليس شيئًا سوى كذبة كبيرة تعزز دائمًا وتحجب بعدد من الأكاذيب الصغيرة تظهر عند نقطة ما أو أخرى طبيعتها الفعلية بدرجة من الوضوح في العلن. وحتى إذا انتهى شخص لإدراك أن كامل هذا التركيب هو بمثابة شيء مناقض للحقيقة وأكذوبة متخيلة، حتى حينئذ لا يزال ينصاع إليه، بالفعل بعناد أكثر غير مسبوق، حرصًا على الكلمات الخاوية، والحروف القليلة المصفوفة التي لا معنى لها من أن تنهار، لأن هذه الكلمات هي بعد كل شيء المحور الذي يدور حوله العالم وبدونها فإن العالم والبشرية يغرقهما بالضرورة ظلام الفوضى! ولا يمكن لنا إلا أن ننصرف باحتقار عميق عن هذا النسيج من الأكاذيب الصارخة الخفية، من النفاق وخداع الذات.
هل يمكن لحالة الأمور هذه أن تستمر طويلًا؟ لا مجال لذلك. إن صراع الممارسة ضد النظرية، الواقع ضد التجريد، الحياة ضد الكلمات الخاوية من أي معنى، بإيجاز الإنسان ضد انعدام الإنسانية، يجب أن يحسم، ولاشك لدي في من سيكون المنتصر.
الصراع قائم بالفعل. الدستور مزعزع حتى الأساس. أي شكل يتخذه المستقبل سوف ينبثق مما قلناه لتونا. العناصر الجديدة، الغريبة في الدستور هي ديموقراطية في طبيعتها، وسوف يكون من الواضح أن الرأي العام أيضًا يتطور في اتجاه ديموقراطي، المستقبل المنظور في انجلترا هو مستقبل ديموقراطي.
ولكن أي ديموقراطية! ليست ديموقراطية الثورة الفرنسية، التي كان نقيضها الملكية والإقطاع، ولكن الديموقراطية التي نقيضها الطبقة الوسطى والملكية الخاصة. إن كامل التطور السابق يكشف هذا. أن الطبقة الوسطى والملكية الخاصة مهيمنان، ليس للفقير حقوق، مضطهد يعامل كالخراف، يتبرأ الدستور منه ويسيء القانون معاملته، وصراع الديموقراطية ضد الأرستقراطية في انجلترا هو صراع الفقراء ضد الأغنياء. إن الديموقراطية التي تتجه نحوها انجلترا الآن هي ديموقراطية اجتماعية.
ولكن الديموقراطية في حد ذاتها ليست قادرة على شفاء الأمراض الاجتماعية. المساواة الديموقراطية وهم لا سبيل إلى تحقيقه، ولا يمكن أن يخاض نضال الفقراء ضد الأغنياء على أسس الديموقراطية أو حتى بالفعل على أسس السياسة بكاملها. وهكذا فإن هذه المرحلة هي انتقال فحسب، العلاج السياسي الخالص الأخير الذي لازال علينا أن نجربه ومنه يتجه عنصر جديد للتطور على الفور، مبدأ يتجاوز كل شيء له طبيعة سياسية.
هذا المبدأ هو مبدأ الاشتراكية.

(3)
انتهاك الدستور البروسي()
ف. إنجلز
هناك قانون في بروسيا، مؤرخ في 17 يناير 1820، يمنع الملك من أن يتعاقد على الاقتراض باسم الدولة دون مصادقة المجالس العامة، وهي مؤسسة من المعروف للقاصي والداني، أنها لا توجد بعد في بروسيا( ) وهذا القانون هو الضمان الوحيد الذي يملكه البروسيون إذا كان لهم أن يحصلوا أبدُا على دستور، الأمر الذي وعدوهم به منذ 1815. إن حقيقة وجود مثل هذا القانون ليست معروفة عمومًا خارج بروسيا، وقد نجحت الحكومة في عام 1823 في اقتراض ثلاث ملايين من الجنيهات في انجلترا؛ وهذا هو الانتهاك الأول. بعد الثورة الفرنسية عام 1830، وحيث أن الحكومة البروسية اضطرت لعمل استعدادات واسعة للحرب التي كانت ستنفجر وقتها على الأرجح، ولأنه لم يكن لديها نقود، فقد جعلت من "مصالح تجارة عبر الأطلنطي"( ) شأنًا حكوميًا، واقترضت اثني عشر مليونًا من الدولارات (1700000 جنيه إسترليني)، والتي كانت بالطبع بضمانة الحكومة، وأنفقتها الحكومة؛ الانتهاك الثاني. هذا إذا تغاضينا عن الانتهاكات الصغرى، مثل بضع مئات الآلاف من الجنيهات لذات الأمر، وقد ارتكب ملك بروسيا() في هذه اللحظة انتهاكًا ثالثًا عظيمًا. الائتمان الذي قدم لهذه المسألة قد استنفد، وحيث أن بنك بروسيا موجود بنفس الطريقة، أي شأنًا حكوميًا بشكل حصري فقد منحه الملك السلطة لإصدار أوراق نقدية في حدود عشرة ملايين دولار (1350000 جنيه إسترليني). هذه المبالغ، مع خصم 3 و1/3 مليون كوديعة و2/3 للنفقات المتزايدة للمؤسسة، تبلغ في الواقع مرتبة "قرض غير مباشر" قيمته ستة ملايين دولار أو تقريبًا مليون جنيه، سوف تكون الحكومة مسئولة عنه، وحتى هذا الوقت فليس هناك شركاء رأسماليون خاصون في بنك بروسيا. ولنا كل الأمل أن البروسيين وخاصة الطبقات الوسطى، وهي الأكثر اهتمامًا بالدستور، لن تدع هذا يمر دون احتجاج نشيط.

(4)
فخ الدستور البروسي()
ف. إنجلز
أخيرًا ظهر هذا العمل الذي طالما انتظرناه!( ) أخيرًا - إذا صدقنا التايمز، والجلوب وبعض الصحف الفرنسية وبعض الصحف الألمانية - ارتقت بروسيا إلى مصاف البلدان الدستورية. على أي حال لقد أثبتت جريدة نورثرن ستار بما يكفى أن هذا الذي يدعى دستورًا ليس سوى فخ قدم للشعب البروسي لخداعه بصرف نظره عن الحقوق التي وعد بها الملك الراحل() في الوقت الذي أراد فيه دعمًا شعبيًا. هذه هي الحقيقة، إن فريدريك ويليام يحاول بهذا الذي يسمى دستورًا أن يحصل على نقود بدون أن يقدم تنازلات للرأي العام، وهذا أمر مؤكد لا يعتريه الشك. وتوافق الصحف الديموقراطية في كل البلدان - في فرنسا، خاصة جريدتي ناسيونال National وريفورم Réforme، بل مجلة جورنال دي ديبا Journal des Débats الوزارية – على هذا الرأي. وتتمتم الصحافة الألمانية المقيدة نفسها بكلمات لا تفيد نتيجة أخرى، وأن حزب الحركة في بروسيا واعٍ تمامًا بالنوايا الخبيثة لمليكهم "الكريم، طاهر القلب". وها هو ذا السؤال المطروح: هل سينجح الملك في خططه؟ هل سيكون المجلس المركزي للمقاطعات غبيًا أو جبانًا إلى الحد الذي يضمن فيه قرضًا جديدًا، دون أن يؤمن للشعب توسيع حرياته وهكذا يعطى الملك الوسائل لتأمين استمرار النظام لفترة غير محددة من الوقت؟
ونحن نجيب: لن يفعلوا، لن يستطيعوا.
لقد كانت الخطة المتبعة من الحكومة في بروسيا حتى الآن نتيجة للوضع النسبي للنبلاء والطبقات الوسطى في ألمانيا. لقد فقدت النبالة الكثير من قوتها السابقة، ثروتها ونفوذها، حتى تتحكم في الملك كما فعلت من قبل. أما الطبقات الوسطى فلم تكن قوية بما يكفى لإزاحة وزن النبالة الميت، الذي أعاق تقدمها التجاري والصناعي. وهكذا تمكن الملك، ممثلًا السلطة المركزية للدولة، مدعومًا من طبقة موظفي الحكومة الوفيرة، مدنية كانت أم عسكرية، فضلًا عن وجود الجيش طوع أمره، تمكن من أن يخضع الطبقات الوسطى بواسطة النبالة، وأن يخضع النبالة بواسطة الطبقات الوسطى، متملقًا مصالح أحدهما، ثم متملقًا مصالح الأخرى، ثم موازنًا بقدر ما يستطيع، نفوذ كل منهما. هذه المرحلة من الملكية المطلقة قد خبرتها تقريبا أغلب البلدان المتحضرة في أوروبا، وفي أكثرها تقدمًا أفسحت مكانها لحكومة الطبقات الوسطى.
بروسيا، أكثر البلدان الألمانية تقدمًا، احتاجت حتى الآن طبقة وسطى، ثرية، قوية، متحدة وذات طاقة قادرة على زعزعة الحكم المطلق، وعلى سحق بقايا النبالة الإقطاعية. لقد وضع العنصرين المتنافسين أي طبقة النبلاء والطبقات الوسطى، على أي حال، في ظروف تشهد، بحكم التطور الطبيعي للصناعة والحضارة، نمو أحدهما (الطبقات الوسطى) في الثروة والنفوذ، بينما لابد للأخرى (النبالة) أن تتناقص، وتفتقر وتخسر أكثر فأكثر وتيرتها الصاعدة. بينما، تجد النبالة البروسية وكبار ملاك الأرض الكبار أنفسهم كل عام في وضع أسوأ، أولًا، بسبب الحروب المدمرة مع فرنسا في بداية هذا القرن، ثم بسبب قوانين الحبوب الانجليزية( )، التي منعتهم من دخول سوق هذا البلد، ثم بمنافسة استراليا، في واحد من منتجاتها الرئيسية؛ الصوف، وبسبب ظروف أخرى كثيرة؛ تزايدت بشدة ثروة الطبقات الوسطى في بروسيا وقوتها المنتجة، ونفوذها بصفة عامة. وخلقت الحروب مع فرنسا، ومنع السلع الإنجليزية المصنعة من الأسواق القارية، صناعة يدوية في بروسيا، وحين أعيد إقرار السلام، كان المصنعون محدثي النعمة أقوياء بما يكفى لإجبار الحكومة على منحهم ضرائب حمائية (1818). وسرعان ما تأسس بعد ذلك اتحاد جمركي، وهو اتحاد روج غالبًا على سبيل الحصر مصالح الطبقة الوسطى( ). وفوق كل شيء الصراع التنافسي العنيف الناشئ بين الأمم المصنعة والمتاجرة المختلفة خلال الثلاثين عامًا من السلام، أجبرت الطبقات الوسطى البروسية بطيئة النمو نسبيًا، إما أن تسمح لنفسها بأن تدمر كليًا بسبب المنافسة الأجنبية، أو أن تنطلق بأعظم جدية مثل جيرانها.
لم يكن تقدم الطبقات الوسطى ملحوظًا إلا بشكل ضئيل حتى عام 1840، حينما بدا لهم أن صعود ملك جديد() هو اللحظة المناسبة ليظهروا أنه منذ 1815، تغيرت الأوضاع بالأحرى في بروسيا. لست بحاجة إلى أن ألخص كيف تقدمت حركة الطبقات الوسطى منذ هذا الوقت وكيف لحقت بها أقسام المملكة الأخرى، حتى انضم إليها في النهاية كل الطبقات الوسطى، والقسم الأعظم من الفلاحين، وليس قليلًا من النبلاء. دستور تمثيلي، حرية الصحافة، محاكم علنية، عدم قابلية القضاة للعزل، محاكمة بواسطة محلفين؛ كانت هذه هي مطالب الطبقات الوسطى. لقد رأى الفلاحون أو ملاك الأرض الصغار جيدًا – على الأقل في أكثر أقسام المملكة استنارة – أن مثل هذه الإجراءات كانت تخدم مصالحهم أيضًا وأنها الوحيدة التي يمكن لهم أن يأملوا بواسطتها من أن يحرروا أنفسهم من بقايا الإقطاعية، وأن تكون لهم هيمنة على صنع التشريعات التي تعزز ملكيتهم. ظن القسم الأفقر من النبلاء أن النظام الدستوري ربما قد يعطيهم مكانًا مرموقًا في الجمعية التشريعية كيفما تطلبت مصالحهم، وأنه، في كل الأحوال، فإن هذا النظام لن يكون أكثر تدميرًا لهم من النظام الذين يحيون في ظله. لقد كانت نبالة بروسيا بالمعنى الضيق للكلمة وبوسن، التي اضطهدت بقسوة لحاجتها للأسواق لمنتجاتها هي التي انضمت للحركة الليبرالية بسبب هذه الاعتبارات.
وباتت الطبقات الوسطى ذاتها في وضع أشد فأشد تعبًا. لقد زادوا اهتماماتهم التصنيعية والتعدينية، وكذلك سفنهم، لمدى بعيد، لقد كانوا الممونين الرئيسيين لكل سوق الاتحاد الجمركي، زادت ثروتهم وأعدادهم زيادة مهولة. ولكن خلال السنوات العشر أو الخمس عشر الأخيرة هددتهم عمليات التقدم الضخم للصناعات الإنجليزية والتعدين بمنافسة قاتلة. كل فيض في السوق الإنجليزي ألقى بكميات كبيرة من السلع الإنجليزية في الاتحاد الجمركي، حيث بيعت بأسعار أكثر تدميرًا للألمان منها للإنجليز، لأن هؤلاء الأخيرين، قد حققوا خلال أزمنة التجارة المزدهرة، أرباحًا عظيمة في الأسواق الأمريكية وغيرها، بينما لم يتمكن البروسيون من بيع منتجاتهم في أي مكان عدا داخل دائرة خطوطهم الجمركية الخاصة. لقد أقصيت سفنهم تقريبًا عن موانئ الأمم الأجنبية، بينما دخلت الموانئ البروسية سفنا تحمل كل الأعلام على قدم المساواة مع السفن البروسية . وهكذا، رغم أن هناك بالمقارنة رأسمال قليل في بروسيا، إلا أنه قد بدأت صعوبة استثماره بربحية. لقد ظهر وكأن التجارة تعمل تحت ضغط مستمر، حدث إهلاك المصانع، والآلات، والمخزون التجاري ببطء ولكن باستمرار وهذا الاضطراب العام قد قطعه لوهلة مضاربات السكك الحديدية، التي كانت قد بدأت خلال الأعوام الثماني الماضية في بروسيا. وهذه المضاربات برفعها قيمة النقود الجاهزة، زادت من إهلاك المخزون التجاري، وكانت هي نفسها، في المتوسط، غير مربحة للغاية، على أساس العف النسبي لعدد السكان والتجارة في القسم الأعظم من البلاد. وقد قدمت، مع ذلك، فرصة أفضل للربح أكثر من استثمارات صناعية أخرى، وهكذا فإن كل من استطاع أن يضع بعض رأس المال فقد اشتغل بها. وسرعان ما اتخذت هذه المضاربات طابعًا محمومًا، وانتهت بأزمة تواصلت حوالي اثني عشر شهرًا مضطهدة السوق المالي البروسي. وهكذا وجدت الطبقات الوسطى نفسها في وضع عسير للغاية في بداية العام الحالي: تعانى الأسواق المالية من حاجة غير عادية للعملة النقدية، والمقاطعات المصنعة تتطلب أكثر من أي وقت مضى تلك الرسوم الحمائية التي رفضت الحكومة منحها، تتطلب المدن الساحلية قوانين ملاحة بوصفها الوسيلة الوحيدة لإراحتها، وفوق كل شيء، زيادة في أسواق القمح التي بلغت بالبلاد حافة المجاعة. كل أسباب السخط هذه فعلت فعلها في نفس الوقت، وبشكل أقوى على الشعب، عانى نساجو الكتان السيليزيين أعظم كساد، توقفت مصانع القطن، لا يعمل أحد تقريبًا في الراين مقاطعة التصنيع الكبرى، وهلك محصول البطاطس على الأغلب، وبيع الخبز بأسعار المجاعة. لقد أتت بوضوح اللحظة التي كان على الطبقات الوسطى أن تأخذ فيها الحكومة من أيدي الملك المعتوه، والنبالة الضعيفة، والبيروقراطية المزهوة بنفسها، وأن تحوزها لنفسها.
إنها حقيقة لافتة للنظر، غير أنها تتكرر في كل حقبة ثورية، أنه في ذات اللحظة التي توضع فيها طبقة قائدة للحركة في وضع مميز لإنجاز تلك الحركة، فإن الحكومة القديمة المهترئة تبلغ حد تسول مساعدة نفس الطبقة القائدة. وهكذا ففي 1789 في فرنسا، حينما دفعت المجاعة، وتدهور التجارة، والانقسامات داخل النبلاء، إذا جاز القول، الطبقات الوسطى إلى الثورة؛ في تلك اللحظة وجدت الحكومة أن مواردها النقدية قد نفدت واختزلت إلى بدأ الثورة بعقد اجتماع المجالس العامة( ). وهكذا في 1847 في بروسيا. في نفس اللحظة حينما أكرهت الظروف الطبقات الوسطى البروسية بطيئة النمو تقريبًا على تغيير نظام الحكومة، في هذه اللحظة وبسبب حاجة الملك إلى النقود أجبر على البدء في تغيير النظام الحكومي، وأن يعقد بدوره المجالس العامة البروسية. ولا سبيل إلى الشك في أن المجالس سوف تمحضه مقاومة أقل كثيرًا مما سوف يفعلون الآن، إذا كان سوق النقد يسيرًا، والمصانع بكامل تشغيلها (سوف يكون بسبب التجارة المزدهرة والبيع السريع، وما يترتب على ذلك من أسعار عالية للسلع المصنعة في انجلترا) وذرة بسعر منخفض معقول. ولكن ها هي ذي: في أزمنة اقتراب الثورة، فإن لكل الطبقات التقدمية في المجتمع كامل الفرص في جانبها.
لقد أظهرت لقراء جريدة ستار خلال مجرى الأعوام 1845 و1846 أكثر من مرة، إن ملك بروسيا في وضع مالي محرج(). وقد لفتتُ انتباههم في نفس الوقت إلى الخطط العديدة الذكية التي سعى وزراؤه بواسطتها إلى تخليصه، وتنبأت بأن المسألة بكاملها سوف تنتهي بانعقاد المجالس العامة. وهذا الحدث وقتها، لم يكن غير متوقعًا، ولا كما يُعرض الآن سببه الكرم الذي لا حد له لجلالته المسرفة، لا شيء سوى الضرورة المحضة، الفقر والكساد هي التي استطاعت دفعه لهذه الخطوة، وما من طفل في بروسيا لا يعرف ذلك. السؤال الوحيد إذن هو ذلك: هل الطبقات الوسطى البروسية، باستثمارها قرضًا جديدًا بضمانها، ستسمح للملك بأن يواصل كما فعل حتى الآن وأن يتجاهل لسبع سنين أخرى التماساتهم وحاجاتهم؟
لقد أجبنا بالفعل على هذا السؤال. لا يستطيعون أن يفعلوا هذا. لقد أثبتنا ذلك استنادًا إلى وضع الطبقات المعنية. وسوف نثبت ذلك من خلال تكوين المجالس العامة ذاتها.
أعضاء في طبقة النبلاء العليا والدنيا .......... 311
ممثلون للمدن والفلاحين ...................... 306
وحيث أن الملك قد أعلن عزمه على زيادة أعضاء النبالة العليا (الإجمالي 80) بخلق أمراء جدد، قد نضيف إلى النبالة، حوالي 30 أكثر، 341 عضوًا في النبالة، أو حزب الحكومة. اقتطع من هذا العدد الأقسام الليبرالية من النبالة الدنيا، أي، كل نبالة بروسيا بالمعنى الدقيق للكلمة، ثلثيها من بوزن وبعض الأعضاء من النبالة الرينانية، والسيليزية، والبراندبورجية، والويستفالية، حوالي 70 عضوًا، يصوتون مع المدن والفلاحين، وموقف الأحزاب كما يلي:
النبالة، أو حزب الحكومة .................... 271
المدن، والفلاحين، أو المعارضة الليبرالية .... 376
وهكذا، حتى السماح بأن يصوت ثلاثين أو أربعين مدينة أو أعضاء الطبقة الفلاحية من المقاطعات البعيدة للحكومة، فسوف تكون هناك دائمًا أغلبية ليبرالية تتراوح بين خمسة وعشرين إلى خمسين صوت متبقين، وبقدر قليل من الطاقة من جانب الليبراليين، سوف يكون من السهل تلبية كل طلب للنقود بطلب مقابل للمؤسسات الليبرالية. بالإضافة لذلك، لا شك، إنه في ظل الظروف الراهنة، فإن الناس سوف تدعم الطبقات الوسطى، وبضغطها من الخارج، وهو المطلوب بشدة، فهو يقوس شجاعة ويفعم طاقات هؤلاء الذين في الداخل.
وهكذا، فإن الدستور البروسي، التافه في حد ذاته، هو لكل هذه الأسباب، بداية حقبة جديدة لهذا البلد، ولكل ألمانيا. إنه علامة سقوط الحكم المطلق والنبالة، وصعود الطبقات الوسطى. إنه علامة بداية الحركة التي سوف تقود بغاية السرعة إلى وجود دستور تمثيلي للطبقات الوسطى، وصحافة حرة، وقضاة مستقلون والمحاكمة بنظام المحلفين، والله وحده يعلم أين ينتهي ذلك. إنه علامة تكرار 1789 في بروسيا. وإذا كانت الحركة الثورية التي تبدأ الآن سوف تهم الطبقات الوسطى مباشرة فقط، إلا أنها ليست لا مبالية بمصالح الشعب. من اللحظة التي ستشكل فيها سلطة الطبقات الوسطى، من هذه اللحظة يبدأ انفصال وتميز الحركة الديموقراطية. في النضال ضد الاستبداد والأرستقراطية، لا يمكن أن يلعب الشعب، والحزب الديموقراطي، إلا أن يلعبا دورُا ثانويُا، فالمكانة الأولى تخص الطبقات الوسطى. من هذه اللحظة على أي حال، فإن الطبقات الوسطى تؤسس حكومتها، تطابق نفسها مع استبداد وأرستقراطية جديدين ضد الشعب، من هذه اللحظة تتخذ الديموقراطية موقفها بوصفها حزب الحركة الحصري الوحيد، من هذه اللحظة يتبسط الصراع، ويختزل إلى حزبين، ويتغير وفق هذه الظروف إلى "حرب بكل الوسائل" إن تاريخ الأحزاب الديموقراطية الفرنسية والانجليزية يثبت ذلك تمامًا.
هناك ظرف آخر علينا أن نلاحظه. إن استيلاء الطبقات الوسطى البروسية على السلطة العامة سوف يغير الوضع السياسي لكل البلدان الأوروبية. سوف ينحل تحالف الشمال. النمسا وروسيا النهابين الرئيسيين لبولندا سوف يعزلا تمامًا عن باقي أوروبا، لأن بروسيا سوف تجذب معها الدول الأصغر في ألمانيا، التي لديها جميعا حكومات دستورية. وهكذا فإن توازن القوى سوف يتغير تمامًا في أوروبا نتيجة لهذا الدستور التافه، هجرة ثلاثة أرباع ألمانيا من معسكر أوروبا الشرقية الساكنة إلى معسكر أوروبا الغربية التقدمية. في فبراير 1846، انفجرت الانتفاضة البولندية الأخيرة( ). في فبراير 1847، يعقد فريدريك ويليام المجالس العامة. وثأر بولندا يلوح في الأفق!

(5)
حول المسألة الدستورية في ألمانيا()
ف. إنجلز
(1)
ما ينفك الأدب الاشتراكي الألماني يزداد سوءًا من شهر إلى شهر. وهو يقصر نفسه بشكل متزايد على تلك السيول العارمة لهؤلاء الاشتراكيين الحقيقيين الذين ترقى كل حكمتهم إلى مزيج من الفلسفة الألمانية والنزعة العاطفية الألمانية المبتذلة مع بعض الشعارات الشيوعية المشذبة. وهو يبدى نزعة سلمية تمكنه من أن يعبر عن أرائه الدفينة وإن في ظل الرقابة. حتى الشرطة الألمانية لا تجد فيه إلا القليل مما يمكن أن يعتبر استثنائيًا؛ وهذا دليل كافٍ على أنه ينتمي لا إلى العناصر التقدمية الثورية وإنما إلى العناصر الرجعية التافهة في الأدب الألماني.
وإلى هؤلاء الاشتراكيين الحقيقيين ينتمي ليس فقط هؤلاء الذين يسمون أنفسهم اشتراكيون بامتياز، وإنما أيضًا القسم الأعظم من هؤلاء الكتاب في ألمانيا، الذين قبلوا اسم حزب الشيوعيين. والأخيرون بالفعل، إذا كان لنا أن نقول ذلك، هم حتى الأسوأ.
في ظل هذه الظروف، غني عن القول أن هؤلاء الكتاب الشيوعيين المزعومون لا يمثلون بأي حال حزب الشيوعيين الألمان. فلا الحزب يعترف بهم بوصفهم ممثليه الأدبيين ولا هم يمثلون مصالحه. على النقيض، إنهم يرعون مصالح أخرى تمامًا، وهم يدافعون عن مبادئ أخرى تمامًا، وهي تتناقض في كل جوانبها مع تلك التي يتبناها الحزب الشيوعي.
الاشتراكيون الحقيقيون، الذين ينتمي إليهم، كما قلنا معظم الكتاب الشيوعيين الألمان المزعومين، قد تعلموا من الشيوعيين الفرنسيين أن الانتقال من الملكية المطلقة إلى الدولة التمثيلية الحديثة لا يزيل بأي شكل بؤس الجموع الأعظم من الشعب، لكنه يأتي بطبقة جديدة هي البورجوازية إلى السلطة. وقد تعلموا من الشيوعيين الفرنسيين أيضًا أن هذه البورجوازية تحديدًا، بواسطة رأسمالها تثقل بوطأتها الشديدة على الجماهير، وعلى ذلك فهي خصم الشيوعيين والاشتراكيين بامتياز على التوالي، بوصفهم ممثلي جمهور الشعب. ولم يجشموا أنفسهم عناء مقارنة مستوى التطور السياسي والاجتماعي لألمانيا مع مستوى فرنسا، ولا دراسة الأوضاع القائمة فعليًا التي يرتكز عليا كل التطور اللاحق، لقد نقلوا بعجلة ودون تأمل طويل معرفتهم التي حازوها إلى ألمانيا. ولو أنهم كانوا رجالًا حزبيين هدفوا لإحراز نتائج عملية ملموسة، ومثلوا مصالح معينة ترتبط بطبقة بكاملها، لكانوا قد أولوا انتباهًا على الأقل للطريقة التي تصرف بها خصوم البورجوازية في فرنسا، في جدالهم ضد البورجوازية؛ من محرري جريدة لا ريفورم La Réforme حتى الشيوعيين المتطرفين، وبصفة خاصة نحو واحد مثل الممثل المعترف به من الجمهور الأعظم للبروليتاريا الفرنسية، العجوز كابيه. لقد كان يجب أن يطرق رؤوسهم أن ممثلي الحزب هؤلاء لم ينخرطوا فقط بصفة مستمرة في السياسات اليومية وإنما أيضًا بصدد إجراءات سياسية مثل اقتراحات من أجل الإصلاحات الانتخابية، التي ليس للبروليتاريا فيها مصلحة مباشرة، ومع لك فإنهم يتخذون مع ذلك موقفًا أبعد ما يكون عن الازدراء المطلق. ولكن اشتراكيونا الحقيقيون ليسوا رجالًا حزبيين، إنهم منظرون ألمانًا. إنهم غير معنيين بالمصالح والنتائج العملية، وإنما بالحقيقة الأبدية.
إن المصالح التي يجاهدون لدعمها هي مصالح "الإنسان" والنتائج التي يلاحقونها مقصورة على "الانجازات" الفلسفية. وهكذا فقد احتاجوا فقط إلى أن يناغموا بين شروحهم ووعيهم الفلسفي الخاص، حتى يصخبوا عندئذ في الخارج صارخين أمام كل ألمانيا أن التقدم السياسي، مثل كل سياسة هو شيء شرير، وأن الحرية الدستورية بصفة خاصة ترفع البورجوازية إلى العرش، وهي الطبقة الأشد خطرًا على الشعب، وأنه بصفة عامة لا يمكن مهاجمة البورجوازية بالشكل الكافي.
في فرنسا، اتخذ حكم البورجوازية لمدة سبعة عشر عامًا شكله الأتم كمالًا أكثر مما في أي بلد في العالم. إن هجمات البروليتاريين الفرنسيين، وقادتهم الحزبيين وممثليهم الأدبيين على البورجوازية كانت من ثم هجمات على الطبقة الحاكمة، على النظام السياسي القائم، لقد كانت هجمات ثورية تحديدًا. يبرهن إلى أي مدى تدرك ذلك جيدًا البورجوازية الحاكمة المحاكمات الصحفية التي لا تعد واضطهاد الجمعيات، ومنع الاجتماعات والمآدب، وخدع الشرطة المائة التي يضطهد بها الإصلاحيين( ) والشيوعيين. في ألمانيا، الأوضاع مختلفة كلية. في ألمانيا ليست البورجوازية فقط خارج السلطة، بل إنها أشد أعداء الحكومات القائمة خطرًا. ولذلك فإن الهجوم المضلل الذي شنه الاشتراكيون الحقيقيون كان ملائمًا. إن النضال ضد البورجوازية، الذي لم يجلب غالبًا للشيوعيين الفرنسيين إلا السجن أو المنفى لم يجلب للاشتراكيين الحقيقيين إلا حق الطباعة، والحرارة الثورية التي ميزت جدالات البروليتاريا الفرنسية تضاءلت في الصدور الباردة للنظريين الألمان وتحولت إلى فتور يرضي الرقابة وفي هذه الحالة المخصية كانوا حليفًا مرحبًا به تماماً للحكومات الألمانية ضد البورجوازية المهددة. لقد تمكنت الاشتراكية الحقيقية من أن توظف أكثر القضايا التي جرت صياغتها ثورية بوصفها إطارًا حاميًا لمستنقع النظام الألماني القائم. إن الاشتراكية الحقيقية رجعية بكل ما في الكلمة من معنى.
لقد لاحظت البورجوازية منذ زمن طويل هذا الميل الرجعي عند الاشتراكية الحقيقية. ولكنهم اعتبروا ودون تمعن أن هذا الميل يوجد أيضًا لدى الممثل الأدبي للشيوعية الألمانية، وعابوا على الشيوعيين علنًا وسرًا أنهم مجرد ألاعيب في أيدي الحكومات والبيروقراطية والنبالة بجدالاتهم ضد قيام نظام تمثيلي، والمحاكمة من قبل محلفين، وحرية الصحافة وبصراخهم ضد البورجوازية.
لقد آن الأوان حتى يتبرأ الشيوعيون الألمان من المسئولية التي نسبت إليهم بسبب الأفعال والرغبات الرجعية للاشتراكيين الحقيقيين. لقد آن الأوان للشيوعيين الألمان، الذين يمثلون البروليتاريا الألمانية بحاجاتها شديدة الوضوح والملموسة، أن يقطعوا بأشد الطرق وضوحًا مع تلك العصبة الأدبية - لأنها لا شيء أكثر من ذلك - التي لا تعرف هي نفسها من تمثل وهكذا تتقلب ضد إرادتها بين أذرع الحكومات الألمانية، التي تعتقد في نفسها أنها "الإنسان المدرك" وهي لا تدرك شيئًا سوى تأليه الألماني البائس المبتذل. ليس هناك في الواقع ما يجمعنا نحن الشيوعيون مع الأوهام النظرية وشكوك الوعي لهذه الرفقة المخادعة. إن هجماتنا على البورجوازية تختلف عن هجمات الاشتراكيين الحقيقيين وكذلك عن هجمات النبلاء الرجعيين، على سبيل المثال الشرعيون الفرنسيون أو انجلترا الفتاة( ). إن الوضع الألماني القائم لا يمكن أن يستغل هجماتنا بأي حال، لأنها لازالت موجهة إليه أكثر مما هي موجهة ضد البورجوازية. إذا كانت البورجوازية، إذا جاز القول، عدونا الطبيعي، العدو الذي سيترتب على الإطاحة به وصول حزبنا إلى السلطة، فلازال الوضع الألماني القائم هو عدونا الأكبر، لأنه يقف بين البورجوازية وبيننا، لأنه يعوقنا عن التلاحم مع البورجوازية. لهذا السبب فإننا لا نعزل أنفسنا بأي طريقة عن الجمهور الأعظم من المعارضة للوضع القائم. إننا نشكل فقط قسمها الأكثر تقدمًا؛ وهو القسم الذي يتخذ من خلال فكره المتقدم المعلن ضد البورجوازية موقفًا مختلفًا تمامًا.
مع اجتماع الدايت المتحد البروسي يصل الصراع ضد الوضع القائم الألماني إلى منعطف. وعلى موقف هذا الدايت يعتمد استمرار أو نهاية هذا الوضع القائم. الأحزاب في ألمانيا، التي لازالت غير محددة الملامح إلى درجة كبيرة ومشوشة ومتشظية من خلال الدقائق الأيديولوجية، هكذا تواجه بضرورة أن توضح لنفسها أية مصالح تمثلها، أية تكتيكات عليها أن تتبعها، أن تميز نفسها عن الأحزاب الأخرى وأن تصبح عملية. ولا يمكن للحزب الأكثر شبابًا من بين هذه الأحزاب، الحزب الشيوعي، أن يتفادى هذه الضرورة. ويجب بالمثل أن يوضح لنفسه موقفه، وخطة حملته، ووسائل عمله، والخطوة الأولى هي التنصل من الاشتراكيين الرجعيين الذين يحاولون أن يتسللوا داخل الشيوعيين. يمكن له أن يتخذ هذه الخطوة بأسرع شكل لأنه قوي بما يكفي لرفض المساعدة من كل الحلفاء الذين قد يضعفون الثقة فيه.
(2)
الوضع القائم والبورجوازية
الوضع القائم في ألمانيا هو كما يلي.
بينما أصبحت البورجوازية في فرنسا وانجلترا قوية بما يكفى للإطاحة بطبقة النبلاء ولرفع نفسها إلى مرتبة الطبقة الحاكمة في الدولة، فإن البورجوازية الألمانية لم تبلغ تلك القوة بعد. إن لها بالفعل نفوذًا معينًا على الحكومات، ولكن في كل الحالات حينما يكون هناك تعارض في المصالح، فإن هذا النفوذ ينزاح لصالح طبقة النبلاء العقارية. وبينما تهيمن المدن في فرنسا وانجلترا على الريف، يهيمن الريف في ألمانيا على المدينة، والزراعة تهيمن على التجارة والصناعة. هذا هو الحال ليس فقط في الملكيات المطلقة وإنما أيضًا في الملكيات الدستورية في ألمانيا، ليس فقط في النمسا وبروسيا، وإنما أيضًا في ساكسونيا، وفورتمبرج، وبادن.
وسبب هذا هو أنه في تلك المرحلة من التطور تتلكأ ألمانيا خلف البلدان الغربية. تهيمن في الأخيرة بشكل ساحق التجارة والصناعة التي تزود جمهور السكان بمواد معيشتهم، ولكن لدينا فإنها الزراعة. لا تصدر انجلترا منتجات زراعية أيًا كانت غير أنها في حاجة دائمة للتموين من الخارج، تستورد فرنسا على الأقل منتجات زراعية بقدر ما تصدر، وكلا البلدين يؤسسان ثرواتهما على تصدير المنتجات الصناعية قبل أي شيء. أما ألمانيا فعلى النقيض، تصدر قليلًا من المنتجات الصناعية، وكمية كبرى من القمح، والصوف، والماشية إلخ. حينما تأسس النظام السياسي الألماني؛ في 1815، كانت الأهمية الطاغية للزراعة أعظم مما هي عليه الآن ومافتئت تزداد أكثر في ذلك الوقت بحكم حقيقة أن أغلب الأقسام الزراعية في ألمانيا تحديدًا على سبيل الحصر هي التي اشتركت بأشد الأشكال حماسًا في الإطاحة بالإمبراطورية الفرنسية.
إن الممثل السياسي للزراعة في ألمانيا مثلما هو في معظم البلدان الأوروبية؛ طبقة النبلاء، طبقة كبار ملاك الأرض. والنظام السياسي الذي يتوافق مع هيمنة طبقة النبلاء هو النظام الإقطاعي. لقد انهار النظام الإقطاعي في كل مكان بنفس الدرجة التي كفت فيها الزراعة عن أن تكون الفرع الحاسم في الإنتاج في البلاد، بنفس الدرجة التي تشكلت بها طبقة صناعية جانب المدن الصناعية خارج القرى.
إن الطبقة التي تتشكل جانب طبقة النبلاء والفلاحين التي تعتمد بقدر أكثر أو أقل عليها ليست الطبقة البورجوازية، التي تحكم اليوم في البلدان المتحضرة والتي تجاهد من أجل السيادة في ألمانيا، إنها طبقة البورجوازية الصغيرة.
ليس النظام السياسي القائم في ألمانيا أكثر من مساومة بين طبقة النبلاء والبورجوازية الصغيرة، الذي يبلغ حد وضع السلطة في يد طبقة ثالثة: البيروقراطية. في تكوين هذه الطبقة فإن الحزبين المتعاقدين الأعظمين يشتركان وفق وضعهما الخصوصي؛ طبقة النبلاء التي تمثل الفرع الأهم من الإنتاج، تحتفظ لنفسها بالمراكز العليا، وتقنع البورجوازية الصغيرة بالمراكز الدنيا إلا في الظروف الاستثنائية فتدفع مرشحيها للإدارة العليا. حين تخضع البيروقراطية لسيطرة مباشرة، كما هو الحال في الدويلات الدستورية في ألمانيا، تتقاسم طبقة النبلاء والبورجوازية الصغيرة بنفس الطريقة، وإنه لأمر مفهوم أن تحتفظ هنا أيضًا طبقة النبلاء بنصيب الأسد. لا يمكن للبورجوازية الصغيرة أن تطيح أبدًا بطبقة النبلاء، ولا أن تتساوى بها، فهي لا تستطيع شيئًا سوى أن تضعفها. هناك حاجة لطبقة أخرى إن أردنا الإطاحة بطبقة النبلاء، لها مصالح أشمل، وملكية أعظم وشجاعة أشد تصميمًا: إنها البورجوازية.
تنبثق في كل البلدان البورجوازية من البورجوازية الصغيرة مع تطور التجارة العالمية والصناعة الكبيرة، مع المنافسة الحرة المصاحبة لها وتركز الملكية. تمثل البورجوازية الصغيرة التجارة الداخلية والساحلية، الحرف اليدوية، الصناعة اليدوية؛ فروع صناعية تعمل داخل مجالات معينة، تتطلب رأسمالًا قليلًا، لها مردود بطئ ولا تثير إلا منافسة محلية راكدة. تمثل البورجوازية التجارة العالمية، التبادل المباشر لمنتجات كل الأقاليم، التجارة في النقود، الصناعة الكبيرة القائمة على استخدام الآلات؛ فروع إنتاج تتطلب أعظم المجالات الممكنة، أعظم رؤوس الأموال الممكنة وأسرع المردودات الممكنة، وتثير منافسة عاصفة شاملة. تمثل البورجوازية الصغيرة المصالح المحلية أما البورجوازية فتمثل المصالح العامة. يجد البورجوازي الصغير مركزه مؤمنًا، عندما يمارس تأثيرًا غير مباشر على تشريع الدولة، يشترك مباشرة في الإدارة المحلية ويصبح سيد بلديته المحلية. أما البورجوازي فلا يستطيع حماية مصالحه بدون سيطرة مباشرة دائمة على الإدارة المركزية والسياسة الخارجية وتشريع دولته. كان الإبداع الكلاسيكي للبورجوازية الصغيرة هو المدن الحرة في الرايخ الألماني، أما إبداع البورجوازية فقد كان الدولة التمثيلية الحديثة. والبورجوازي الصغير محافظ بمجرد أن تقدم له الطبقات الحاكمة بضع تنازلات، أما البورجوازي فثوري إلى أن يحكم هو نفسه.
ما هو إذن موقف البورجوازية الصغيرة تجاه الطبقتين اللتين تتقاسمان الحكم؟
بينما كانت قد تشكلت بورجوازية قوية في انجلترا منذ القرن السابع عشر وفى فرنسا منذ الثامن عشر، يمكن لنا أن نتحدث عن بورجوازية ألمانية منذ بدايات القرن التاسع عشر فحسب. لقد كان هناك قبل ذلك، وهذا حقيقي، بعض ملاك السفن الأغنياء في المدن الهانسية، وبعض من المصرفيين الأغنياء في الداخل، ولكن لم توجد طبقة من كبار الرأسماليين، وبالأحرى لم يكن هناك قبل كل شيء رأسماليون صناعيون كبار. لقد كان نابليون هو خالق البورجوازية الألمانية. لقد أعطى نظامه القاري( ) وحرية التجارة التي باتت ضرورية بضغطه على بروسيا، أعطى الألمان صناعة يدوية ووسعت من صناعة التعدين لديهم. بعد بضع سنوات باتت هذه الفروع الجديدة أو الموسعة من الإنتاج بالفعل غاية في الأهمية، كما باتت البورجوازية التي نتجت عنها غاية في النفوذ، حتى أنه في عام 1818 رأت الحكومة البروسية أنه كان من الضروري منحها حماية جمركية. وقد كان مرسوم الجمارك البروسي لعام 1818 بمثابة أول اعتراف رسمي من قبل الحكومة بالبورجوازية. لقد جرى الاعتراف وإن على مضض وبقلب متثاقل بأن البورجوازية قد أصبحت طبقة لا غنى عنها بالنسبة للبلاد. كان التنازل الثاني للبورجوازية هو الاتحاد الجمركي( ). إن إدخال أغلب الدويلات الألمانية في النظام الجمركي البروسي قد أملته أصلًا ببساطة وبلا شك اعتبارات مالية وسياسية، ولكن لم يستفد أحد منه بقدر ما استفاد الألمان، وبصفة أخص البورجوازية البروسية ورغم أن الاتحاد الجمركي قد جلب هنا وهناك بعض المميزات الصغيرة لطبقة النبلاء والبورجوازية الصغيرة، إلا أنه أذى إجمالًا كلا المجموعتين بشكل أكبر بسبب بزوغ البورجوازية والمنافسة الأحد وإبدال وسائل الإنتاج السابقة. منذ ذلك الوقت تطورت البورجوازية سريعًا بالأحرى. ورغم أن تطورها في خلال الثلاثين عامًا الماضية لم يكن تقريبًا عظيمًا مثل البورجوازية الإنجليزية والفرنسية، غير أنها أسست مع ذلك معظم فروع الصناعة الحديثة، وفي بضع مقاطعات أبدلت البطريركية الفلاحية أو البورجوازية الصغيرة، ركزت رأس المال إلى حد معين، وأنتجت نوعًا من البروليتاريا، وبنت امتدادات طويلة معقولة من السكك الحديدية. وقد وصلت على الأقل إلى نقطة يتعين عليها فيها أن تمضي إلى أبعد وتجعل من نفسها الطبقة الحاكمة أو أن ترتد على فتوحاتها السابقة، النقطة التي تشكل فيها الطبقة الوحيدة التي يمكن لها الآن أن تجلب التقدم في ألمانيا، يمكن لها في هذه اللحظة أن تحكم ألمانيا. إنها بالفعل في الواقع الطبقة القائدة في ألمانيا ويعتمد وجودها بكامله على صيرورتها شرعيًا كذلك أيضًا
مع نشوء البورجوازية وتنامي نفوذها يترافق، بالفعل، العجز المتنامي للطبقات الحاكمة الرسمية حتى الآن. لقد باتت طبقة النبلاء مفقرة أكثر فأكثر ومثقلة بالديون منذ أيام نابليون. وقد رفع شراء الحرية من السخرة تكاليف إنتاج القمح بالنسبة لطبقة النبلاء وعرّضها للمنافسة من طبقة جديدة من الفلاحين الصغار المستقلين؛ مساوئ كانت على المدى الطويل أبعد من أن تعوض من قبل الفلاحين الذين غالوا في أنفسهم حين اشتروا حريتهم. حدّت المنافسة الروسية والأمريكية من سوق قمحها، وحدث نفس الشيء لصوفها بسبب المنافسة الأسترالية وفي بعض سنوات من جنوب روسيا. وبقدر ما ارتفعت تكاليف الإنتاج وزادت المنافسة كلما انكشفت عدم قدرة طبقة النبلاء على إدارة إقطاعاتها بشكل مربح وعلى تطبيق الطرق الأحدث في الزراعة. مثل طبقة النبلاء الفرنسية والإنجليزية في القرن الماضي، وظفت طبقة النبلاء الألمانية المستوى الناهض للحضارة من أجل أن تبدد ثروتها بفخامة على ملذاتها في المدن الكبرى. بدأت تلك المنافسة بين طبقة النبلاء والبورجوازية في التربية الثقافية والاجتماعية، في الثروة والبروز، الذي يسبق في كل مكان هيمنة البورجوازية وينتهي، مثل أي شكل آخر من أشكال المنافسة بانتصار الطرف الأغنى. تحولت طبقة النبلاء الريفية إلى نبلاء بلاط ومن ثم كان مآلها أن تدمر فقط على نحو أسرع وأوكد. إن عوائد الثلاثة في المائة التي تخص النبلاء هبطت قبل ربح الخمسة عشر في المائة التي تعود إلى البورجوازية، وقد لجأ أصحاب الثلاثة في المائة إلى الرهون، والائتمانات البنكية لطبقة النبلاء وما إلى ذلك حتى يتمكنوا من أن ينفقوا بما يلائم أوضاعهم، ومن ثم دمروا أنفسهم فحسب وإن على نحو أسرع. القلة من أرستقراطية الأرض التي امتلكت من الحكمة ما يكفي لعدم تدمير نفسها شكلت مع ملاك الأرض الصاعدين حديثًا طبقة جديدة من الملاك الصناعيين. وتقوم هذه الطبقة بالزراعة دون أوهام إقطاعية ودون لامبالاة الرجل النبيل، بوصفها استثمارًا، صناعة، مع الاستعمالات البورجوازية لرأس المال، والمعرفة الخبيرة والعمل. مثل هذه الطبقة هي أبعد من أن تكون غير متوائمة مع حكم البورجوازية حتى أنها في فرنسا تقف سلمية تمامًا بجانبه وتشارك وفق ثروتها في الحكم. إنها تشكل هذا القسم من البورجوازية الذي يستغل الزراعة.
وهكذا باتت طبقة النبلاء غاية في العجز حتى أن جزءًا منها قد انتقل إلى صفوف البورجوازية.
وقد كانت البورجوازية الصغيرة بالفعل في موقف ضعيف بشأن العلاقة بالنبلاء ويمكنها أن تقف بشكل أقل في مواجهة البورجوازية. وقد كانت بعد الفلاحين، هي الطبقة الأكثر إثارة للشفقة التي طالما تطفلت على التاريخ. وهي لم تتقدم بمصالحها المحلية الصغيرة، حتى في ذروتها (العصور الوسطى المتأخرة) أبعد من حدود التنظيمات المحلية، والنضالات والتقدمات المحلية، من وجود يقوم على المعاناة بجانب طبقة النبلاء، وليس إلى الهيمنة السياسية العامة. مع نشوء البورجوازية فهي تفقد حتى مظهر المبادرة التاريخية. وإذ انحشرت بين طبقة النبلاء والبورجوازية وتحت ضغط مماثل من التفوق السياسي للأولى ومن منافسة رأس المال الثقيل من الأخيرة، انقسمت إلى قسمين. أحد القسمين، وهو الأغنى من البورجوازية الصغيرة في المدن الكبيرة، يلتحق بالبورجوازية الثورية بهذا القدر أو ذاك من الجبن، الآخر يُجند من ساكني المدن الأفقر خاصة من تلك المدن الريفية الصغيرة، يميل نحو حالة الأشياء القائمة ويدعم طبقة النبلاء بكامل وزنه من الخمود. وبقدر ما تتطور البورجوازية أكثر بقدر ما يسوء مركز البورجوازية الصغيرة. ويدرك هذا القسم الثاني تدريجيًا أيضًا أنه في ظل الأوضاع القائمة فإن خرابه مؤكد، بينما في ظل حكم البورجوازية مع قيام احتمال هذا الخراب، فإنه يتمتع على الأقل باحتمال صعوده إلى مراتب البورجوازية. وكلما كان خرابه مؤكدًا، كلما وضع نفسه تحت راية البورجوازية. وبمجرد وصول البورجوازية إلى السلطة تنقسم البورجوازية الصغيرة مرة أخرى. إنها تزود كل أقسام البورجوازية بالمجندين، وأضف إلى ذلك أنها تشكل، بين البورجوازية والبروليتاريا التي تبزغ الآن بمطالبها ومصالحها، سلسلة من الحلقات الراديكالية السياسية والاشتراكية، التي يمكن لنا لأن ندرسها بتمعن في مجلس النواب الإنجليزي أو الفرنسي وكذلك في الصحافة اليومية. بقدر ما تتسلل البورجوازية بشكل أكثر حدة في حشود البورجوازية الصغيرة غير المنضبطة وسيئة التسليح بمدفعيتها الثقيلة المتمثلة في رأس المال، مع أرتالها المغلقة من شركات المحاصة، بقدر ما تصبح البورجوازية الصغيرة عاجزة، وبقدر ما يكون فرارها بغير نظام، حتى لا تبقى أي طريقة أخرى للهرب لها إلا وراء طوابير البروليتاريا الممتدة وأن تسير تحت رايتها، أو أن تستسلم للبورجوازية بغير قيد أو شرط. يمكن متابعة هذا المشهد المسلي في انجلترا عند كل أزمة تجارية وفي فرنسا في اللحظة الراهنة. وفي ألمانيا فقد بلغنا فقط تلك المرحلة حين بلغت البورجوازية الصغيرة لحظة اليأس واعتصرت من أجل النقود تتخذ القرار الشجاع بإدانة النبلاء وتضع ثقتها في البورجوازية.
وعلى ذلك فإن البورجوازية الصغيرة مثلها مثل طبقة النبلاء عاجزة عن أن ترفع نفسها إلى مرتبة الطبقة الحاكمة في ألمانيا، وعلى النقيض فهي تضع نفسها كل يوم تحت إمرة البورجوازية.
ويبقى الفلاحون والطبقات غير المالكة.
الفلاحون، الذين ندرج ضمنهم هنا فقط الفلاحون الملاك والمستأجرون الصغار، مع استبعاد عمال المياومة وعمال المزارع، ويشكل الفلاحون بالمثل طبقة عاجزة مثل البورجوازية الصغيرة، غير أنهم يختلفون عنها، وهذا ما يميزهم، بشجاعتهم الكبيرة. ولكنهم عاجزون بالمثل عن اجتراح كل المبادرات التاريخية. وحتى تحررهم من قيود القنانة حدث فقط تحت حماية البورجوازية. حيث يسمح لهم غياب طبقة النبلاء والبورجوازية أن يحكموا، كما هو الحال في المقاطعات الجبلية في سويسرا والنرويج، وتقترن بهم البربرية ما قبل الإقطاعية، وضيق الأفق المحلي، والبلادة، التعصب الأعمى، والإخلاص والاستقامة. وحيثما، كما هو الحال في ألمانيا، تواصل طبقة النبلاء وجودها جانبهم، فإنهم معتصرون، تمامًا مثل البورجوازية الصغيرة، بين طبقة النبلاء والبورجوازية. وحتى يحموا مصالح الزراعة ضد السلطة النامية للتجارة والصناعة فلابد أن يتضامنوا مع طبقة النبلاء. وحتى يحموا أنفسهم إزاء المنافسة الطاغية من طبقة النبلاء وخاصة ملاك الأرض البورجوازيين، فلابد أن يتضامنوا مع البورجوازية. لأي جانب ينحازون في النهاية هذا يتوقف على طبيعة ملكيتهم. والمزارعون الكبار في ألمانيا الشرقية، الذين يمارسون هم أنفسهم هيمنة إقطاعية معينة على عمال مزارعهم، متداخلون للغاية مع طبقة النبلاء بشأن كل مصالحهم حتى يصعب فصلهم عنهم. ملاك الأرض الصغار في الغرب الذين ظهروا من تفتت إقطاعات النبلاء، والمزارعون الصغار في الشرق الذين لازالوا يخضعون للقضاء الكنسي ولازالوا جزئيًا ملزمين بالسخرة، مضطهدون على نحو مباشر جدًا من طبقة النبلاء أو يقفون في معارضة حادة لهم ليست لدرجة الانحياز لجانب البورجوازية. يبرهن على واقع الحال هذا مجالس الدايت البروسية في المقاطعات.
وعلى ذلك فحكم الفلاحين أيضًا أمر لا يمكن التفكير فيه. وقلما يفكر الفلاحون أنفسهم فيه حتى أنهم حتى أنهم في غالبيتهم العظمى قد وضعوا أنفسهم تحت تصرف البورجوازية.
وغير المالكين، وبلغة عامة، الطبقات العاملة؟ سرعان ما سوف نتحدث عنهم بشكل مطول( )، ويكفى في الوقت الحالي أن نشير إلى التقسيمات داخلهم. هذا التقسيم إلى عمال مزارع ، عمال مياومة، حرفيون، عمال مؤقتون، عمال مصانع، بروليتاريا رثة، مع انتشارهم على مساحة عظيمة غير مأهولة بالسكان ذات مواضع مركزية ضعيفة، يجعل من المستحيل لهم بالفعل أن يدركوا أن مصالحهم مشتركة، أن يصلوا إلى تفاهم، أن يشكلوا أنفسهم في طبقة. لا يجعل هذا التقسيم والانتشار من الممكن لهم إلا الانحصار في نطاق مصالحهم اليومية المباشرة، إلا أن يرغبوا في أجر جيد مقابل عمل جيد. أي، أنه يحصر العمال في أن يروا مصالحهم في مصالح مستخدميهم، ومن ثم جاعلين كل قسم بمفرده من العمال جيش احتياطيًا للطبقة التي تستخدمهم. إن عامل الزراعة وعامل المياومة يدعم مصالح النبيل أو المزارع الذي يعمل على أرضه. ويخضع العامل المؤقت للنفوذ الفكري والسياسي لسيده. ويترك العامل الصناعي ليستغل من صاحب المصنع في التحريض من أجل تعريفة حمائية. ويقاتل البروليتاري الرث بقبضته من أجل حفنة تايلرات في الشجارات بين البورجوازية، والنبلاء والشرطة. وحين يكون لدى طبقتان من أصحاب الأعمال مصالح متناقضة يتعين تدعيمها، يوجد نفس الصراع بين طبقتي العمال التي يوظفونها.
إنها لغاية في القلة تلك الكتلة من العمال في ألمانيا المستعدة لأن تنهض بدور في الشئون العامة.
إجمالًا. طبقة النبلاء تتدهور بشكل شديد، البورجوازية الصغيرة والفلاحون، بكامل وضعهم في الحياة، غاية في الضعف، والعمال لا يزالون أبعد من أن يكونوا ناضجين بما يكفى حتى يتمكنوا من أن يتصدروا كطبقة حاكمة في ألمانيا. وتبقى هناك البورجوازية فقط.
إن بؤس الوضع الألماني الحالي يتقوم فيما يلي: ما من طبقة بمفردها كانت قوية بما يكفى لتؤسس فرعها الإنتاجي بوصفه الفرع الإنتاجي القومي بامتياز وهكذا تضع نفسها بوصفها ممثلًا لمصالح كامل الأمة. كل الطوائف والطبقات التي بزغت في التاريخ منذ القرن العاشر؛ النبلاء، الأقنان، الفلاحون الخاضعين للسخرة، الفلاحون الأحرار، البورجوازية الصغيرة، العمال المؤقتين، عمال الصناعة، البورجوازية والبروليتاريين، كلها تتواجد جانب بعضها البعض. هؤلاء من بين هذه الطوائف والطبقات التي تمثل ملكيتهم فرعًا من الإنتاج، أي النبلاء، والفلاحون الأحرار، البورجوازية والبورجوازية الصغيرة، قد اشتركوا في الحكم السياسي بالتناسب مع أعدادهم، وثروتهم، ونصيبهم في الإنتاج الكلي للبلاد. ونتيجة هذا التقسيم هو، كما قلنا، إن طبقة النبلاء قد حصلت على نصيب الأسد، والبورجوازية الصغيرة النصيب الأصغر، وإنه من الناحية الرسمية فإن البورجوازية يعتد بها فقط كبورجوازية صغيرة، والفلاحون كفلاحين لا يعتد بهم على الإطلاق، لأنهم بالنفوذ الضئيل الذي يملكونه، يقسمون أنفسهم بين الطبقات المختلفة. هذا النظام الذي تمثله البيروقراطية هو التلخيص السياسي للعجز العام والتفاهة وللضجر الكئيب ولوضاعة المجتمع الألماني. ويناظر ذلك انقسام ألمانيا إلى 38 دويلة محلية وريفية مع انقسام النمسا وبروسيا إلى مقاطعات مستقلة استقلالًا ذاتيا من الداخل، والعجز المسيء ضد الاستغلال والركل من الخارج. ويكمن سبب هذا البؤس العام في النقص العام في رأس المال. في ألمانيا التي يضربها الفقر فإن كل طبقة بمفردها قد حملت منذ البداية سمة المحدودية المدنية، وبالمقارنة مع نفس الطبقات في المجتمعات الأخرى كانت بائسة ومقموعة. كم تظهر النبالة العليا والدنيا منذ القرن الثاني عشر كبورجوازية صغيرة جانب النبالة الفرنسية والإنجليزية الغنية خلية البال، المليئة بفرح الحياة والمحددة الأهداف مقصودة في كامل سلوكها! كم يبدو سكان المدن الحرة الألمانية في الرايخ والمدن الهانسية صغارًا، تافهين ومحدودي الأفق بجانب باريسيي المدن المتمردين في القرنين الرابع والخامس عشر، ومتطهرو (بيوريتانيو) لندن في القرن السابع عشر! كيف لا تزال أقطابنا الرئيسية في الصناعة، والمالية، والتجارة البحرية تبدو كبورجوازية صغيرة بجانب أمراء البورصة في باريس، وليون ولندن وليفربول ومانشستر! حتى الطبقات العمالية في ألمانيا هي بورجوازية صغيرة تمامًا. وهكذا فللبورجوازية الصغيرة العزاء على الأقل في وضعها السياسي والاجتماعي المضطهد لكونها "الطبقة النموذجية في ألمانيا" ولأنها من نقل لكل الطبقات الأخرى اضطهادها النوعي واهتمامها بوجودها.
كيف يمكن تجاوز الفقر؟ هناك طريقة واحدة ممكنة: لابد لطبقة واحدة أن تكون قوية بما يكفى لتجعل نهوض الأمة بكاملها معتمدًا على نهوضها، لتجعل تقدم مصالح الطبقات الأخرى معتمدًا على تقدم مصالحها. يتعين أن تصبح مصالح هذه الطبقة الواحدة في الوقت الراهن مصلحة قومية ويتعين أن تصبح هذه الطبقة ذاتها في الوقت الراهن ممثل الأمة بأسرها. من تلك اللحظة، فإن هذه الطبقة ومعها أغلبية الأمة، تجد نفسها في تناقض مع الوضع القائم ويتوافق الوضع السياسي القائم مع حالة كفت عن الوجود: حالة تنازع مصالح الطبقات المختلفة. تجد المصالح الجديدة نفسها محظورة، وحتى جزء من الطبقات التي تأسس الوضع القائم لصالحها لم يعد يرى مصالحه الخاصة ممثلة فيه. إن إزالة الوضع القائم، سلمًا أو عنفًا، هو النتيجة الضرورية. ويحل مكانه هيمنة الطبقة التي تمثل في الوقت الراهن غالبية الأمة، والتي يبدأ في ظل حكمها تطورًا جديدًا.
حيث أن الافتقار إلى رأس المال هو أس الوضع القائم، والضعف العام، فإن امتلاك رأس المال، وتركزه في يد طبقة واحدة، يمكن له وحده أن يعطى هذه الطبقة القوة لأن تخلف هذا الوضع القائم.
هل توجد الآن هذه الطبقة التي يمكن لها أن تطيح بالوضع القائم في ألمانيا؟ إنها توجد، بالرغم من أنها مقارنة بالطبقات المماثلة في انجلترا وفرنسا، ربما بطريقة بورجوازية صغيرة جدًا، لكنها لازالت موجودة وبالفعل في البورجوازية.
البورجوازية هي الطبقة الوحيدة في ألمانيا التي تعطي على الأقل قسمًا كبيرًا من ملاك الأرض الصناعيين، والبورجوازية الصغيرة، والفلاحين، والعمال، وحتى أقلية بين النبلاء، نصيبًا في مصالحها وقد وحدت هذه كلها تحت رايتها.
حزب البورجوازية هو الوحيد في ألمانيا الذي يعرف تحديدًا بأي شيء ينبغي استبدال الوضع القائم، الوحيد الذي لا يحد نفسه بالمبادئ المجردة والاستنباطات المنطقية، ولكنه يرغب في أن ينفذ فورًا إجراءات عملية غاية في التحدد، والعينية، وهو الوحيد المنظم إلى درجة معينة على أسس محلية وولاياتية ولديه نوع من خطة حملة، باختصار، إنه الحزب الذي يقاتل أولًا وقبل أي شيء ضد الوضع القائم وهو مهتم بشكل مباشر بالإطاحة به.
حزب البورجوازية من ثم هو الوحيد الذي تتوفر له فرص النجاح في الوقت الحاضر.
والسؤال المطروح إذن هو: هل البورجوازية مضطرة بالضرورة لأن تستولي على السلطة السياسية لحسابها وأن تطيح بالوضع القائم، وهل هي قوية بما يكفى، إذا وضعنا في الاعتبار قوتها الخاصة وضعف خصومها، على الإطاحة بالوضع القائم؟
سوف نرى.
إن القسم الحاسم من البورجوازية الألمانية هو ملاك المصانع. ويعتمد على ازدهار الصناعة ازدهار كامل التجارة الداخلية، وهامبورج وبريمن وإلى مدى معين التجارة البحرية في شتيتن، والبنوك، وعليها تعتمد عائدات السكك الحديدية، ومعها القسم الأعظم من أعمال البورصة. أما المستقلون عن الصناعة فهم فقط مصدرو القمح والصوف في مدن البلطيق وطبقة المستوردين عديمة الأهمية للمنتجات الصناعية الأجنبية ومن ثم فإن احتياجات ملاك المصانع تمثل هكذا كامل احتياجات البورجوازية والطبقات التي تعتمد عليها في الوقت الحاضر.
ينقسم ملاك المصانع فضلًا عن ذلك إلى قسمين: الأول يقوم بالمعالجة الأولية للمواد الخام ويصدرها تجاريًا نصف مصنعة، والآخر يطرحها في السوق كسلع تامة الصنع. تنتمي المجموعة الأولى إلى الغزالين، والثانية إلى النساجين. وفي ألمانيا يشمل القسم الأول أيضًا منتجي الحديد().
... لإدخال تقنيات جديدة مخترعة، ولتأسيس اتصال جيد، وللحصول على آلات رخيصة، ولتدريب عمال مهرة، فإن هذا يتطلب نظامًا صناعيًا كاملًا، إنه يتطلب تشابك كل فروع الصناعة، وموانئ بحرية هي المساعد الإضافي للداخل الصناعي حيث تقوم بتجارة مزدهرة. وكل هذا قد تمت البرهنة عليه من قبل الاقتصاديين منذ زمن طويل. ولكن يتطلب مثل هذا النظام الصناعي أيضًا اليوم، في الوقت الذي نشهد فيه واقعة أن انجلترا هي تقريبًا البلد الوحيد الذي لا يخشى المنافسة، نظام حماية كامل يتضمن كل فروع الصناعة التي تهددها المنافسة الأجنبية. لا يمكن للحكومة البروسية أن تقيم مثل هذا النظام، ولا كل بلدان الاتحاد الجمركي. فلا يمكن إقامته وتشغيله إلا من قبل البورجوازية الحاكمة نفسها. ولهذا السبب أيضًا فإن البورجوازية الألمانية لا تستطيع أن تؤثر بعد ذلك بدون السلطة السياسية.
مثل هذا النظام الحمائي، علينا أن نضيف، لازال غاية في الضرورة في ألمانيا مادام التصنيع يعاني هناك آلام الاحتضار. وبدون تعريفة منظمة سوف تقتل منافسة الآلة الإنجليزية التصنيع، وسوف يصيب الخراب البورجوازية، والبورجوازية الصغيرة والعمال الذي عالهم التصنيع حتى الآن. وهو سبب كاف للبورجوازية الألمانية حتى تخرب ما يبقى من الصناعة بالأحرى مع الآلات الألمانية.
إن التعريفات الحمائية هي ضرورية من ثم للبورجوازية الألمانية وعن طريق هذه البورجوازية ذاتها فحسب يمكن إدخالها. إذا كان لهذا السبب وحده، إذن عليها أن تسيطر على سلطة الدولة.
ولكن لا يتم فقط تعويق ملاك المصانع عن التوظيف الكامل لرأسمالهم بسبب التعريفات غير الكافية، وإنما تعيقهم أيضًا البيروقراطية. فإذا كانوا يقابلون في مسألة التشريع الجمركي بلامبالاة من الحكومة، فإنهم في علاقاتهم مع البيروقراطية يقابلون أشد أشكال عداوتها مباشرة.
لقد قامت البيروقراطية لتحكم البورجوازية الصغيرة والفلاحين. هذه الطبقات التي انتشرت في المدن أو القرى، ومصالحها لا تتجاوز الحدود المحلية الأضيق، لها بالضرورة آفاقًا محدودة تتوافق مع نمط حياتهم المحدودة. إنهم لا يستطيعون أن يحكموا دولة كبرى، كما أنهم لا يمكن أن يمتلكوا عمق الرؤى ولا المعرفة لموازنة المصالح المتنازعة المختلفة. وقد كان في تلك المرحلة من الحضارة تحديدًا أن كانت البورجوازية الصغيرة أكثر ازدهارًا حتى أن المصالح المختلفة قد تداخلت بأشد الأشكال تعقيدًا (يمكن لنا أن نفكر في الطوائف الحرفية ومنازعاتها). لا يمكن للبورجوازية الصغيرة ولا الفلاحين من ثم أن تؤثر دون بيروقراطية ذات وزن عددي وقوية. يجب أن يتركوا أنفسهم يعتمدوا على الآخرين حتى يتفادوا التشوش الأعظم وحتى لا يدمروا أنفسهم بمئات الآلاف من القضايا.
ولكن البيروقراطية، التي تمثل ضرورة للبورجوازية الصغيرة، سرعان ما تصبح قيدًا غير محتمل على البورجوازية. وبالفعل تصبح الرقابة الرسمية والتدخل في مرحلة التصنيع غاية في الإرهاق، وقلما تكون صناعة المشغل ممكنة تحت سيطرة كهذه. لذا أبعد ملاك المصانع الألمان حتى الآن البيروقراطية عن ظهورهم بقدر إمكانهم عن طريق رشوتهم وهو الأمر الذي لا يمكن لومهم عليه بالتأكيد. ولكن هذا العلاج يحررهم فقط من النصف الأقل من العبء، بغض النظر عن استحالة رشوة كل الرسميين الذين يتصل بهم صاحب مصنع، فالرشوة لا تعفيه من المتطلبات المسبقة، المكافآت الشرفية للقضاة، المهندسون المعماريون، الميكانيكيون، ولا من النفقات الأخرى التي يفرضها نظام المراقبة، ولا من العمل الإضافي وتبديد الوقت. وكلما تطورت الصناعة كلما ظهر "الرسميون ذوى الضمائر"؛ أي رسميون ذوي أفق ضيق محض أو ذوي كراهة بيروقراطية للبورجوازية، يزعجون ملاك المصنع بأشد المغالطات إثارة للحنق.
البورجوازية مضطرة من ثم لتحطيم سلطة هذه البيروقراطية البطيئة المنشغلة بالتوافه. من اللحظة التي تقع فيها سلطة الدولة تحت سيطرة البورجوازية، يتوقف استقلال البيروقراطية عن الوجود، بالفعل من هذه اللحظة، يتحول معذبو البورجوازية إلى خدامها المتواضعين. القوانين والمراسيم السابقة التي أرشدت فحسب عمل الرسميين على حساب البورجوازية الصناعية انزاحت أمام قوانين جديدة ترشد عمل الصناعيين على حساب الرسميين .
البورجوازية مجبرة أكثر على أن تفعل هذا سريعًا، وكما رأينا، فإن كل أقسامها معنية مباشرة بالزيادة الممكنة السريعة لصناعة المشغل، ولا يمكن لصناعة المشغل أن تنمو في ظل نظام من المضايقات البيروقراطية.
إن خضوع الجمارك والبيروقراطية لمصالح البورجوازية الصناعية هما الإجراءين الذين تعنى بهما البورجوازية على نحو أكثر مباشرة. ولكن هذا لا يفي بكل حاجاتها على أي حال. والبورجوازية مضطرة لأن تخضع كل نظام التشريع، والإدارة والعدالة، تقريبًا في كل الدويلات الألمانية لمراجعة شاملة، حيث أن هذا النظام بأكمله يخدم لإبقاء ودعم وضع اجتماعي تسعى البورجوازية دومًا للإطاحة به. إن الأوضاع التي يمكن أن توجد في ظلها طبقة النبلاء والبورجوازية الصغيرة جنبًا إلى جنب تختلف كليًا عن حياة البورجوازية، والأولى فقط هي التي يعترف بها في الدويلات الألمانية. دعونا نأخذ الوضع القائم كمثال. إذا أمكن للبورجوازية الصغيرة أن تخضع نفسها للبيروقراطية القضائية والإدارية، إذا كان لهم أن يعهدوا بأملاكهم وأشخاصهم لاختصاص وبلادة لجهة "مستقلة" أي طبقة قانونية مكتفية بذاتها بيروقراطيًا، والتي قدمت لهم بالمقابل حماية ضد تعديات طبقة النبلاء الإقطاعية وأحيانًا أيضًا ضد هؤلاء المنتمين إلى الإدارة البيروقراطية، لا يمكن للبورجوازية أن تفعل ذلك. بالنسبة للقضايا التي تتعلق بالملكية تتطلب البورجوازية على الأقل حماية علنية المحاكمة، وبالنسبة للمحاكمات الجنائية حماية علنية المحلفين كذلك، أي السيطرة الدائمة على العدالة من خلال مندوبي البورجوازية.
يمكن للبورجوازي الصغير أن يصبر على إعفاء طبقة النبلاء والرسميين من الإجراءات القانونية العامة لأن اتضاعه الرسمي يتوافق بهذه الطريقة تمامًا مع وضعه الاجتماعي الأدنى. البورجوازي، الذي يتعين أن يُدَمَر، أو أن يجعل طبقته الأولى في المجتمع والدولة لا يمكن أن يفعل ذلك.
يمكن للبورجوازي الصغير بغير الإخلال بالمسار الناعم لطريقته في الحياة، أن يترك التشريع بصدد الملكية العقارية للنبلاء وحدهم، يتعين عليه في الواقع، مادام لديه ما يكفي لعمله لحماية مصالحه المدينية من نفوذ وتعديات النبلاء. لا يمكن للبورجوازي أن يترك بحال تنظيم علاقات الملكية في الريف لسلطة النبلاء، لأن التطور الكامل لمصالحه الخاصة يتطلب الاستغلال الصناعي الأتم للزراعة أيضًا، وخلق طبقة من الفلاحين الصناعيين، حرية بيع ونقل الملكية العقارية، إن حاجة المالك العقاري لتدبير النقود بالرهن يعطى البورجوازي هنا فرصة ويجبر طبقة النبلاء على أن تسمح للبورجوازية على الأقل، في العلاقة بقوانين الرهن، أن تؤثر في التشريع الذي يحكم الملكية العقارية.
إذا كان البورجوازي الصغير، بأعماله ذات النطاق الصغير، وبمردوده البطيء وبزبائنه محدودي العدد المركزين في منطقة صغيرة، لم يجد التشريع البروسي البائس القديم حول التجارة غاية في القمعية بل وكان ممتنًا حتى لنتف الحماية التي يوفرها، فإن البورجوازي لا يستطيع أن يتحمله أكثر من ذلك.
إن البورجوازي الصغير، الذي نادرًا ما تتقوم معاملاته البسيطة للغاية بين تاجر وتاجر، ولكنها تقريبًا دائما بمثابة مبيعات من تاجر جملة أو منتج مباشرة للمستهلك؛ نادرًا ما يفلس ويكيف نفسه بسهولة مع قوانين الإفلاس البروسية. وطبقًا لهذه القوانين، فإن ديون الكمبيالات تدفع من الأصول العامة قبل ديون الدفتر ولكن من المعتاد أن تلتهم تكاليف المحكمة الأصول بكاملها. فقد صيغت القوانين قبل كل شيء في مصلحة البيروقراطية القضائية التي تدير الأصول، ثم في مصلحة غير البورجوازي بوصفه متعارضًا مع البورجوازي. إن النبيل بصفة خاصة، الذي يسحب أو يتلقى كمبيالة على المشترى أو المرسل إليه القمح الذي شحنه، هو من ثم مغطى، وكذلك بصفة عامة كل هؤلاء الذين لديهم شيئًا ليبيعوه مرة في السنة فحسب ويسحبوا عائد البيع في معاملة واحدة. من بين هؤلاء المشتغلون بالتجارة فإن بائعي الجملة والمصرفيين هم مرة أخرى يخضعون للحماية، غير أن مالك المصنع مُهمَل بالأحرى. البورجوازي، الذي تكون معاملاته من تاجر إلى تاجر فقط، وزبائنه مبعثرون، الذي يتلقى كمبيالات على العالم أجمع، الذي ينبغي أن يتحرك وسط نظام معاملات غاية في التعقيد، والذي ينخرط في الإفلاس في كل لحظة؛ يمكن أن يدمر فقط بواسطة هذه القوانين العبثية.
البورجوازي الصغير مهتم بالسياسة العامة لبلده فقط إلى الحد الذي يريد فيه أن يترك في سلام، دورته الضيقة في الحياة تجعله غير جدير برصد علاقات دولة بدولة. إن البورجوازي، الذي عليه أن يتعامل أو أن يتنافس مع أكثر الأقطار بعدًا لا يمكن أن يخط طريقه بدون نفوذ غاية في المباشرة على السياسة الخارجية لدولته. يمكن للبورجوازي الصغير أن يدع البيروقراطية وطبقة النبلاء تفرض الضرائب عليه لنفس الأسباب التي أخضع بها نفسه للبيروقراطية، غير أن للبورجوازي اهتمام مباشر تمامًا بأن لا تؤثر الأعباء العامة الموزعة على هذا النحو على أرباحه إلا بأقل قدر ممكن.
بإيجاز، إذا كان البورجوازي الصغير يمكن أن يرضى ذاته بمعارضة وزنه الخامد لطبقة النبلاء والبورجوازية، وبأن يؤمن لنفسه نفوذًا على السلطة الرسمية من خلال قوة القصور الذاتي، فإن البورجوازي لا يستطيع أن يفعل ذلك. يجب أن يجعل طبقته تسيطر، و يجعل مصالحه حاسمة، تهيمن في التشريع، والإدارة، والعدالة، والضرائب، والسياسة الخارجية. على البورجوازية أن تطور ذاتها إلى حد التمام، وأن توسع رأسمالها يوميًا وأن تخفض يوميًا نفقات إنتاجها للسلع، وأن توسع يوميًا صلاتها التجارية وأسواقها، وأن تحسن اتصالاتها يوميًا، حتى لا تدمر، المنافسة على الصعيد العالمي تجبرها على أن تفعل ذلك. وحتى تكون قادرة على أن تتطور بحرية وحتى التمام، ما تتطلبه تحديدًا هو الهيمنة السياسية، وإخضاع كافة المصالح لمصلحتها الخاصة.
وحتى لا تدمر تتطلب البورجوازية الألمانية الهيمنة السياسية الآن، كما بيننا عاليه حين تناولنا مسألة التعريفات الحمائية وموقفها من البيروقراطية. ولكن الدليل الصارخ على هذا هو الحالة الراهنة للنقد الألماني وسوق السلع.
إن ازدهار الصناعة الإنجليزية في 1845 ومضاربات السكة الحديدية التي أدت إليها كان لها أثر في هذه المناسبة على فرنسا وألمانيا أكثر من أي فترة حية أبكر في مجال الأعمال. إن ملاك المصانع الألمان قاموا بأعمال جيدة، حفزت الأعمال الألمانية بصفة عامة. وجدت المقاطعات الزراعية سوقًا ملائمًا لقمحها في انجلترا. أفعم الازدهار العام سوق النقد بالحيوية، وسهل الائتمان وجذب إلى السوق عددًا كبيرًا من كميات صغيرة من رأس المال، التي كان منها الكثير في ألمانيا يرقد شبه عاطل. كما في انجلترا وفرنسا، لحد ما فقط فيما بعد ولحد ما ...()

(6)
ثلاث دساتير جديدة()
ف. إنجلز
إن تنبؤاتنا بشأن انتصار وشيك للبورجوازية() قد تحققت في الواقع بسرعة أكثر مما توقعنا أن تحدث. في أقل من أسبوعين تحولت ثلاث ملكيات مطلقة إلى بلدان دستورية: الدانمارك، ونابولي، وساردينيا.
لقد تطورت الحركة في إيطاليا بشكل ملحوظ. الدولة البابوية، وتوسكانى وساردينيا أخذت مكانها على التوالي على رأس الحركة، كل بلد يدفع الآخر أبعد فأبعد، وكل تقدم أتى دائمًا بتقدم آخر في أعقابه. لقد كان اتحاد الجمارك الإيطالي( ) هو الخطوة الأولى باتجاه تشكيل البورجوازية الإيطالية، التي أخذت موضع القيادة بشكل واضح في الحركة القومية وباتت في تصادم يومي مع النمسا. لقد حققت البورجوازية تقريبًا كل شيء يمكن تحقيقه في ظل ملكية مطلقة، وأصبح وجود دستور تمثيلي يوميًا ضرورة ملحة أكثر فأكثر بالنسبة لها. ولكن كسب المؤسسات الدستورية؛ كانت هذه هي الصعوبة تحديدًا لدى البورجوازية الإيطالية. كان الأمراء ممتنعين، ولم تجرؤ البورجوازية على مواجهتهم بشكل تهديدي لأنها لم تشأ أن تلقي بهم في أحضان النمسا مرة أخرى. ربما ركن إيطاليو الاتحاد الجمركي للانتظار طويلًا، لولا أن أتتهم المعونة فجأة من ناحية لم يتوقعوها؛ لقد ثارت صقلية، وطرد أهالي باليرمو القوات الملكية خارج المدينة في شجاعة غير مسبوقة()، وحاول سكان أبروزي Abruzzi، أبوليا Apulia وكالابريا Calabria القيام بانتفاضة جديدة. نابلي ذاتها استعدت لمعركة، وفرديناند الدموم، المضغوط من كل الجهات، بغير أمل في تلقي قوات نمساوية، كان أول الأمراء الايطاليين الذين اضطروا أن يمنحون دستورًا وحرية صحافة كاملة. وصلت الأنباء جنوه وتورين؛ كلا المدينتين طلبتا ألا تتلكأ سردينيا وراء نابلي؛ واضطر شارلس ألبرت؛ المنغمس في الحركة لحد لم يعد يستطيع فيه الانسحاب، والمحتاج للنقود من أجل التسلح ضد النمسا؛ للاستسلام للتمثيلات المشددة لتورين وجنوه وأن يمنح هو أيضًا دستورًا. مما لاشك فيه أن توسكاني سوف تلي، وأن على بيوس التاسع أن يمنح تنازلات جديدة.
لقد أحرزت البورجوازية الإيطالية انتصارها الحاسم في شوارع باليرمو. إنها منتصرة الآن؛ ما يمكن أن يتمخض عن ذلك يمكن فقط أن يكون استغلال هذا الانتصار في كل الجوانب وتأمين نتائجه ضد النمسا.
إن انتصار البورجوازية الإيطالية هو أيضًا هزيمة للنمسا. كيف صر مترنيخ العجوز بأسنانه في غضب؛ الرجل الذي شهد ثورة نابولي آتية من بعيد، والذي توسل مرة بعد أخرى للبابا وتوسكاني للحصول على إذن لقواته بالمرور عبر مناطقهم، والذي كان عليه رغم ذلك أن يوقف قواته من الباندوريين والكروات عند نهر البو! أتى إليه من نابولي رسولًا بعد آخر؛ فرديناند، وكوكل، ودل كاريتو كانوا يستغيثون طلبًا للمساعدة، ومترنيخ الذي حكم بلا منازع في إيطاليا ما بين 1823 و1831( )، لم يستطع أن يفعل شيئًا. كان عليه أن ينظر بهدوء وأن يرى آخر وأوثق حليف يعتمد عليه يهزم ويهان في إيطاليا، وكل وزن نابلي يوضع في الميزان ضد النمسا بفضل الثورة. وقد كان لديه مائة وخمسون ألف رجل منتظرين على نهر البو! ولكن انجلترا كانت هناك، وإذا كان النمساويون قد عبروا نهر البو، لكانت هذه علامة احتلال فينيسيا وقصف تريستا؛ وهكذا فقد كان على جلادي مترنيخ أن ينتظروا وأن يراقبوا وبنادقهم في أيديهم بينما تُخطف نابولي منهم.
كان سلوك انجلترا في كل الشأن الإيطالي دقيقًا للغاية. بينما القوى الكبرى الأخرى، فرنسا وكذلك روسيا، قد فعلا كل ما في وسعيهما لدعم مترنيخ، وقد أخذت انجلترا مكانها منفردة، بمفردها تمامًا، جانب الحركة الايطالية. إن للبورجوازية الانجليزية اهتمامًا عظيمًا لإحباط اتحاد جمركي حمائي نمساوي إيطالي وبالعكس إيجاد اتحاد جمركي ضد النمسا في إيطاليا مؤسس على التجارة الحرة. لهذا السبب فهي تدعم البورجوازية الإيطالية، التي تحتاج هي نفسها في الوقت الراهن التجارة الحرة من أجل تطورها، والتي هي لذلك الحليف الطبيعي للبورجوازية الإنجليزية.
في نفس الوقت فإن النمسا تتسلح. وهذا التسليح يدمر ماليتها تمامًا. ليس لدى النمسا نقود، وقد اتجهت إلى روتشيلد من أجل قرض، وقد أعلن روتشيلد أنه لا يريد حربًا ولن يقدم أية نقود دعمًا للحرب. وبالفعل، هل لازال هناك أي مصرفي يمكن أن يقدم النقود إلى الملكية النمساوية العفنة من أجل حرب قد يدخل فيها بلد مثل انجلترا؟ وهكذا فلا يمكن لمترنيخ أن يعتمد بعد ذلك على البورجوازية. وهو يتجه لإمبراطور روسيا الذي أصبح في السنوات الأخيرة رأسماليًا كبيرًا، بفضل مناجم إقليمي الأورال وآلتاي وتجارة القمح؛ إلى القيصر الأبيض، الذي ساعد بالفعل ذات مرة فريدريك ويليام الرابع مقدمًا 15 مليون روبل فضي، الذي يبدو بصفة عامة أنه يتحول إلى روتشيلد لدعم كل الملكيات المطلقة المنهارة. لقد قيل إن القيصر نيقولا قد منح 75 مليون؛ مقابل نسبة روسية، وغنى عن القول، بضمان جيد. إن ذلك من أجل الأفضل. فإذا كان على القيصر أن يغطي نفقات الملكيات البروسية والنمساوية إضافة إلى نفقاته الخاصة، إذا بددت نقوده بدون نجاح ضد إيطاليا، فسوف يستنفد كنزه قريبًا.
هل ستغامر النمسا بحرب؟ نظن ذلك بصعوبة. إن ماليتها مضطربة؛ والمجر في حالة اختمار ثوري تام، وبوهيميا ليست آمنة، في ميدان المعركة نفسه، في لومبارديا، رجال العصابات سوف يظهرون في كل مكان. وأكثر من أي شيء آخر فإن الخوف من انجلترا سوف يكبح مترنيخ. في هذه اللحظة فإن السيد بالمرستون هو أقوى رجل في أوروبا، وقراره يحدد المسألة، وهذه المرة فإن قراره قد عرف بوضوحٍ كافٍ.
وفي نهاية الطرف الآخر من أوروبا تمامًا، في الدانمارك، يموت ملك() يعقد ابنه() الجلف، المرح، مدمن مشروب الشنبص فورًا جمعية من الوجهاء، جمعية من الطبقات للتداول حول دستور عام للدوقيات() والدانمارك. ومن ثم سوف يشين الألمان أنفسهم في كل مكان، فعلى الدوقيات أن تعلن أنها لا تريد هذا الدستور لأن ذلك سوف يعني أنهم سيقتطعون من وطنهم الألماني المشترك( ).
هذا شديد السخف بالفعل. فإن للدوقيتين عددًا أقل من السكان للغاية قياسًا بالدانمارك، ومع ذلك فإن عدد ممثليهم سوف يكون متماثلًا. وسوف يكون للغتهم حقوقًا متساوية في الجمعية، وفي الأوراق الرسمية، وفي كل شيء. باختصار، يقدم الدانماركيون كل تنازل ممكن للألمان، والألمان يثابرون في عنادهم القومي العبثي. لم يكن الألمان أبدًا ذوي تفكير قومي حين تطابقت مصالح القومية مع مصلح التقدم؛ لقد كانوا دائمًا كذلك حينما تناقضت مصالح القومية مع التقدم. حينما كان من المهم أن يكونوا ذوي تفكير قومي لعبوا دور الكوزموبوليتانيين؛ وحينما كان من المهم ألا يكونوا مباشرة ذوي تفكير قومي أصبحوا كذلك إلى حد العبث. لقد جعلوا من أنفسهم موضعًا للسخرية في كل الأحوال.
إما أن سكان الدوقيات أكفاء، وأكثر تقدمًا من الدانماركيين؛ وفي هذه الحالة سوف ترجح كفتهم على الدانمركيين في مجلس مندوبي الطبقات وما من سبب لديهم للشكوى، وإما أنهم ألمان كسالى ويتخلفون وراء الدانماركيين في التطور الصناعي والسياسي، وفي أي من الحالتين فقد باتوا في رعاية الدانماركيين. ولكنه غاية في العبث بالفعل لأناس شلزويج وهولشتين الأقحاح أن يسألوا 40 مليون ألمانيًا أن يساعدوهم ضد الدانماركيين وأن يرفضوا اتخاذ مواقعهم في ميدان المعركة حيث يمكن لهم أن يقاتلوا بنفس المميزات مثل خصومهم، إنه لفي غاية العبث أن يلوذوا بشرطة الاتحاد الكونفيدرالي الألماني( ) ضد الدستور.
بقدر ما يوجه الدستور الدانمركي ضربة ضد بروسيا يوجه دستور نابولي ضربة ضد النمسا، رغم أنه في ذاته ليس إلا رد فعل لإجهاض التجربة الدستورية البروسية في 3 فبراير( ). وإضافة إلى إحراجاتها السابقة العديدة نالت الحكومة البروسية الآن دولة دستورية جديدة بوصفها إحدى جاراتها؛ وفي نفس الوقت تفقد حاميًا مخلصًا وحليفًا.
بينما اندرجت ايطاليا والدانمارك هكذا في مراتب البلدان الدستورية، فإن ألمانيا تتلكأ خلفهم. كل أمة تتحرك إلى الأمام، الأمم الأصغر، والأضعف، قادرة دائمًا على أن تجد موضعًا في التعقيدات الأوروبية التي تمكنها بالرغم من جيرانها الرجعيين الكبار من أن تكسب لصالحها مؤسسة حديثة بعد الأخرى. المسألة أن 40 مليون ألماني لم يحفزوا أنفسهم أبدًا. وإن كان من الحقيقي أنهم لم يعودوا نائمين ولكنهم لا يزالون يتحدثون ويرغون ويزبدون، ولازال عليهم أن يتحركوا.
ولكن إذا كان على الحكومات الألمانية أن تعلق أية أمال كبرى على خوف البورجوازية من الحركة، فسوف يكون معنى هذا أنهم يخدعون أنفسهم لحد بعيد. الألمان هم آخر من يقفون في الصف لأن ثورتهم سوف تكون مختلفة عن ثورة الصقليين. إن البورجوازي الألماني وضيقي الأفق يعرفون جيدًا أن ورائهم تقف بروليتاريا تنمو يوميًا وأنها في اليوم الذي يعقب الثورة سوف تطرح مطالب مختلفة تمامًا عما يرغبان فيه. وهكذا فإن البورجوازي الألماني وضيقي الأفق يسلكان من ثم بطريقة جبانة، غير حاسمة ومترددة؛ فهما يخافان الصراع ليس بقدر أقل مما يخافان الحكومة.
إن ثورة ألمانية هي أخطر بما لا يقاس من ثورة في نابولي. في نابولي هناك مواجهة فقط بين النمسا وانجلترا، أما في الثورة الألمانية فإن الشرق بكامله والغرب بكامله سوف يتواجهان الواحد مع الآخر. وسوف تحقق الثورة في نابولي هدفها بمجرد اكتساب المؤسسات البورجوازية بكل ما تحمل الكلمة من معنى؛ سوف تبدأ الثورة الألمانية بالفعل حينما تكون قد وصلت إلى هذا الحد.
لهذا السبب فإن الألمان يجب أولًا وقبل كل شيء أن يُفضحوا بكل ما في الكلمة من معنى في عيون الأمم الأخرى كلها، يجب أن يصبحوا، أكثر مما هم بالفعل، أضحوكة كل أوروبا، يجب عليهم أن يُضطروا للثورة. ولكنهم عندئذ سوف ينهضون، ويضعون نهاية الحكم الألماني الرسمي القذر المشوش وبثورة راديكالية يستعيدون شرف ألمانيا.

(7)
الدولة الدستورية النموذجية()
كارل ماركس
كولونيا، 21 أكتوبر، إننا نعود دائمًا، ودائمًا ما يكون ذلك برضا متجدد، إلى بلجيكا، "دولتنا الدستورية النموذجية".
لقد برهننا في أعدادٍ سابقةٍ من جريدتنا أن "الفقر" هو "أعظم رعايا ليوبلد". كما بينا أنه إذا ما استمرت فقط الجرائم التي يرتكبها الصبية والفتيات تحت سن 18 في التطور عفويًا بنفس المعدل كما في 1845 - 1847، "فسوف تكون بلجيكا كلها حوالي عام 1856 في السجن، بما فيه الأطفال الذين لم يولدوا بعد". وقد أثبتنا في نفس المقال أن تجفيف مصادر بلجيكا الصناعية من الدخول يترافق مع نمو الفقر والجريمة (العدد 68 من الجريدة الرينانية الجديدة)!
اليوم سوف ننظر في الوضع المالي لـ"الدولة النموذجية".
الميزانية العادية لعام 1848 119000000 فرنك
القرض الإجباري الأول 12000000 فرنك
القرض الإجباري الثاني 25000000 فرنك
أوراق نقدية بمعدل تبادل ثابت 12000000 فرنك
الإجمالي 168000000 فرنك
بالإضافة لأوراق نقدية بمعدل
تبادل ثابت مضمون من الدولة 40000000 فرنك
إجمالي 208000000 فرنك
تقف بلجيكا، هكذا يقول لنا روجييه، مثل صخرة وسط العواصف العالمية التاريخية، ولكنها لم تتأثر بها. إنها تقف على الأساس الوطيد لمؤسساتها العريضة. إن مبلغ 208000000 فرنك هو الترجمة النثرية للسلطة العجائبية لتلك المؤسسات النموذجية. إن بلجيكا الدستورية لن تسقط بسبب التطور الثوري. وإنما ستهلك بذُل الإفلاس.
إن الحكومة البلجيكية الليبرالية، حكومة روجييه، مثل كل الحكومات الليبرالية، ليست سوى حكومة الرأسماليين، ورجال البنوك والبورجوازية الكبيرة. سوف نرى فوراً كيف أنها رغم تنامي الفقر وتدهور الصناعة، لا تترفع عن استخدام أشد الوسائل مكرًا لتستغل دائمًا أبدًا الأمة بكاملها لصالح بارونات البنوك.
إن القرض الثاني المذكور في التصنيف عاليه، قد أنتزع بصفة أساسية من البرلمان عبر تأكيد أن صكوك الحكومة قابلة للاسترجاع. وقد أصدرت صكوك الحكومة هذه في ظل حكومة (دي تيه) الكاثوليكية من قبل وزير المالية الفرنسي مالو. وقد صدرت هذه الصكوك الحكومية مقابل قروض طوعية قدمت للدولة من قبل بعض بارونات المال. وقد ألفت الفكرة الرئيسية، الفكرة التي لا تنضب للخطب الصارخة التي وجهها روجييه وشركائه ضد حكومة دي تيه.
ولأي وجهة تنطلق الحكومة الليبرالية؟ إنها تعلن في جريدة المونيتور - بلجيكا لديها جريدة مونيتور أيضًا - إصدارًا جديدًا للصكوك بفائدة 5 في المائة.
أي وقاحة تلك التي تؤدي لإصدار صكوك حكومية جديدة بعد أن جرى الحصول على قرض إجباري خفية، تحت ذريعة وحيدة بأن صكوك الحكومة الأشد ضررًا التي أصدرها (مالو) كان لها أن تسترجع ! لكن هذا ليس كل شيء.
صدرت صكوك الحكومة بفائدة 5 في المائة. بينما تدر السندات البلجيكية التي تضمنها الدولة أيضًا، فائدة تتراوح بين 7 و8 في المائة. من سوف يستثمر أمواله إذن في صكوك الحكومة؟ أضف إلى ذلك، أن وضع البلاد بصفة عامة والقروض الإجبارية قد تركت قلة ممن يستطيعون أن يقدموا قروضًا طوعية للدولة.
ما هو إذن غرض هذا الإصدار الجديد للصكوك الحكومية؟
ليست البنوك قادرة حتى الآن أن تضع في التداول كل الأوراق النقدية بمعدل تبادل ثابت قانونًا وهو ما خولتها الحكومة الليبرالية في أن تصدرها. ولا زال هناك في أوراقها التجارية عدة ملايين من هذه السندات التي لا نفع فيها ولا تثمر شيئًا طالما بقيت مخزونة خفية في الأوراق التجارية. هل هناك طريقة أفضل لوضع هذه السندات في التداول من إعطائها للحكومة مقابل صكوك الحكومة التي لا تأتى إلا بفائدة 5 في المائة؟
وهكذا فإن البنك يسحب 5 في المائة على عدة ملايين من قصاصات الورق التي لم تكلفه شيئًا، والتي لها قيمة تبادلية فقط لأن الدولة أعطتها قيمة تبادلية. إن الجماهير البلجيكية من دافعي الضرائب سوف تجد عجزًا في الميزانية التالية يقدر ببضعة مئات من الآلاف الإضافية من الفرنكات وسيكون عليها واجب ملزم بان توفرها لصالح البنك البائس.
هل هناك ما يدهش في أن يجد بارونات المال البلجيكيين الملكية الدستورية مربحة لهم أكثر من الجمهورية؟ لقد أعزت الحكومة الكاثوليكية وحمت بصفة أولية ما هو أقدس، أي، مصالح ملاك الأرض. وتنظر الحكومة الليبرالية بعناية فائقة أيضًا لمصالح ملاك الأرض، وبارونات المال وخدم البلاط. هل هناك ما يثير الدهشة في أنه تحت قيادتها الماهرة فإن هذه الأحزاب، التي تنقض بشراهة هي أيضًا على الثروة القومية، أو بالأحرى في حالة بلجيكا على الفقر القومي، والتي تتشاجر أحيانًا في مثل هذه المناسبات فيما بينها، هي الآن، في وئام تام، تحتضن بعضها بعضًا وتشكل حزبًا كبيرًا واحدًا فقط هو: "الحزب القومي"؟


(8)
دستور الجمهورية الفرنسية
الذي أقر في 4 نوفمبر 1848()
كارل ماركس
تتصدر الدستور مقدمة بلاغية، وما يستحق الانتباه فيه المقاطع التالية:
1. تعلن فرنسا أنها جمهورية.
2. الجمهورية الفرنسية ديموقراطية، واحدة وغير منقسمة.
3. ومبادؤها هي حرية، مساواة، إخاء، وأسسها هي العائلة، العمل، الملكية، النظام العام.
5. وهى تحترم استقلال الأمم الأخرى، وتعمل من أجل احترام استقلالها أيضًا. وهى لن تشن حروبًا عدوانية، ولن تستخدم أبدًا قوتها ضد حرية أي شعب. (روما!( ))
قبل انتفاضة يونيو، خطَّت الجمعية الوطنية دستورًا تضمن من بين حقوق وواجبات أخرى اعترف بها للإنسان، المواد التالية:
مادة 6: الحق في التعليم حق مكفول لكل المواطنين بما يضمن لهم التطور الكامل لقدراتهم البدنية والأخلاقية والذهنية، وذلك بواسطة تعليم مجاني تكفله الدولة.
مادة 7: الحق في العمل هو حق كل مواطن في المجتمع في أن يعيش من عمله. وعلى ذلك فإن واجب المجتمع هو أن يزود بالعمل كل القادرين ممن لا يجدونه.
مادة 9: الحق في الإعانة هو حق اليتيم، والعاجز والمسن في أن ترعاه الدولة.
بعد أن منحت انتصارات 1848 الشجاعة للطبقة الوسطى، محيت هذه المواد من الدستور، وتبدو الآن فيه على النحو التالي:
"م1. (1) تكمن السلطة العليا في جماع المواطنين الفرنسيين. وهى أبدية غير قابلة للتنازل عنها. وليس لفرد أو جزء من الشعب ممارستها."
"م2. (2) حقوق يضمنها الدستور: لا يمكن أن يقبض على أحد أو أن يتم سجنه إلا بالطريقة التي يحددها القانون."
"3. لمسكن كل من يقيم على الأرض الفرنسية حرمة لا يجوز انتهاكها - ولا يجوز دخوله إلا وفقًا للطرق التي يحددها القانون."
نلاحظ هنا وفى كل مكان أن الدستور الفرنسي يضمن الحرية، ولكن دائماً ما يرفقها بجملة من الأحكام الاستثنائية يحددها القانون، أو التي سيحددها القانون! وكل الاستثناءات التي شرعها الإمبراطور نابليون، وعهد عودة الملكية، ولويس فيليب لم تجر استعادتها فقط، وإنما، تكاثرت بما لا حد له. وهكذا، على سبيل المثال، فإن قانون التاسع من أغسطس 1849، الذي يتعلق بحالة الأحكام العرفية يُمَّكن الرئيس أثناء عدم انعقاد الجمعية من إعماله في غيابها، وهو القانون الذي يخول السلطات العسكرية حق تقديم كل المتهمين السياسيين أمام المحاكم العرفية. أضف إلى ذلك فهو يمنحها حق دخول وتفتيش أي مسكن نهارًا أو ليلًا، أن تصادر الأسلحة، أن تبعد كل الأشخاص الذين ليس لهم موطن معلوم في المكان الذي أعلن خضوعه للأحكام العرفية.
أما بالنسبة للأجانب، فإن "الحق" الوحيد الذي يتمتعون به على التراب الفرنسي، هو حق الاعتقال، والإبعاد وذلك بقدر ما تعتقد سلطات البوليس أن هذا هو الأمر الملائم.
أما بالنسبة للفرنسيين، فيمكن اعتقال أي مواطن فرنسي إذا ما أصدر موظف رسمي واحد أمرًا رسميًا بهذا المعنى!
"4. لا يمكن لأحد أن يحاكم من أي كان سوى قاضيه الطبيعي. ولا يمكن تشكيل محكم استثنائية تحت أي مسمى أو أية ذريعة."
لقد رأينا آنفًا أنه في ظل "الأحكام العرفية" فإن المحاكم العسكرية تلغى المحاكم الأخرى. أضف إلى ذلك فإن المجلس قد أسس "محكمة استثنائية"، أُسميت "المحكمة العليا"، في 1848 لقسم من المعتقلين السياسيين، وبعد الانتفاضة في يونيو نفوا 15000 منتفض بدون محاكمة على الإطلاق!!
"5. تلغى عقوبة الإعدام في الجرائم السياسية"..
لكنهم يُنفوا إلى مستوطنات موبوءة بالحمى، حيث يُقضى عليهم، غاية ما في الأمر أن هذا يحدث بطريقة أشد بطئًا، وبشكل مؤلم لحد بعيد.
"8. للمواطنين حق تشكيل الجمعيات، والاجتماع سلميًا غير مسلحين، وتقديم العرائض، والتعبير عن أرائهم من خلال الصحافة أو غيرها. وليس للتمتع بهذه الحقوق حد سوى الحقوق المتساوية للآخرين، والسلامة العامة."
حقيقة أن الحد الذي تضعه "السلامة العامة" يسلب التمتع بهذه الحقوق تمامًا، تدلل عليه بوضوح تام الوقائع التالية:
1. حرية الصحافة؛ وفقًا لقوانين 11 أغسطس 1848 ويوليو 1849 لم يعاد فقط طلب تأمينات لإصدار الصحف، ولكن أعيد تجديد كل أنواع الحظر التي وضعها الإمبراطور نابليون، من وقتها، وجعلت أكثر صرامة.
يزيد قانون23 يوليو 1850 قيمة التأمين! ويمد نطاق التشريع لكل الصحف الأسبوعية، والمجلات، والدوريات، الخ.( ) أضف إلى ذلك فإنه يستلزم أن يوقع كل مقال باسم كاتبه، ويعيد استخدام الأختام في الصحف. ولا يكتفي بذلك، فيفرض خاتمًا على روايات التسالي، وعلى الكراسات الأدبية المحضة أيضًا، ويفرض ذلك تحت طائلة عقوبة غرامات مالية ضخمة! بعد سن القانون الذي نوهنا عنه آنفًا، اختفت الصحافة الثورية تمامًا. وهى لطالما قاتلت ضد الاضطهاد: أسبوعًا بعد أسبوع، صحيفة بعد صحيفة وكراسًا عقب كراس كانت تتهم، وتغرم، وتقمع. لقد جلست الطبقة الوسطى في مقاعد المحلفين، وسحقت صحافة الطبقة العاملة.
لقد بلغ النظام الذروة بقانون 30 يوليو 1850، الذي أعاد الرقابة على الدراما. وهكذا فإن حرية الرأي قد استؤصلت من ملاذها الأدبي الأخير.
2. حق تشكيل الجمعيات والاجتماعات العامة؛ خضعت النوادي طبقاً للمرسومين الصادرين في 28 يوليو و2 أغسطس 1848، لجملة من لوائح البوليس، أنكرت عليها أي حرية تقريباً. وعلى سبيل المثال، ليس مصرحاً لها إصدار قرارات في شكل تشريعي، الخ. وطبقاً لنفس القانون، فإن كل الحلقات غير السياسية والاتحادات الخاصة قد وضعت تماماً تحت إشراف ونزوة البوليس.
ووفقاً لقانون 19 - 22 يونيو 1849 فان الحكومة مخولة، بأن تغلق وتمنع لمدة عام واحد كل النوادي والاجتماعات التي لا تقرها. وطبقاً لقانون 6 - 12 يونيو 1850، فإن هذه السلطة قد منحت للحكومة لمدة عام آخر، وجرى توسيع نطاقها فعلياً لتشمل لقاءات جمع الشمل والاجتماعات التي تتعلق بانتخاب المندوبين، التي قد لا ترضى عنها الحكومة! والنتيجة هي أنه من الناحية الفعلية، ومنذ يوليو 1848، فقد توقفت النوادي والاجتماعات العامة، باستثناء الحلقات الملكية والبونابرتية.
وطبقاً لقانون 29 نوفمبر 1849، يتعرض لعقوبة السجن لمدة لا تتجاوز ثلاثة شهور، وغرامة لا تتجاوز 3000 فرنك كل من اتحد من العمال وتضامن من أجل طلب زيادة في الأجر، واستناداً إلى نفس القانون، فان هؤلاء العمال يخضعون لمراقبة البوليس لمدة خمس سنوات (الأمر الذي يعنى التسول، الخراب والاضطهاد) بعد أن يستكملوا تنفيذ العقوبة.
هذا يكفى بالنسبة لحق تشكيل الجمعيات وعقد الاجتماعات العامة.
"9. حق التعليم مجاني. وتمارس حرية التعليم وفق الشروط التي يحددها القانون، وتحت رقابة الدولة."
هنا تتكرر المزحة القديمة . "التعليم مجاني" ولكن "وفق شروط يحددها القانون" وهذه الشروط تحديدا هي التي تنتزع حرية التعليم كلية.
وفى ظل قانون 15 مارس 1850، فإن نظام التعليم بكامله قد وضع تحت إشراف الكهنوت.
يقف على رأس هذا الفرع من الحكومة المجلس الأعلى للتوجيه العام، يترأسه أربع أساقفة فرنسيون. وهو يخضع كل المدرسين، رغم أنهم مختارين من المجالس العامة أو المجالس الرعوية، لهيمنة القسس. وقد وضع المدرسين في وضع يشبه الخضوع والانضباط العسكريين، تحت القسس، العمد، الكهنة، وحرية التعليم تتضمن وفقاً للقانون الذي اقتبسناه آنفاً، ما يلي: لا يحق لأحد أن يعلم بدون إذن السلطات المدنية والكهنوتية.
"11. لا يجوز انتهاك حقوق الملكية."
"14. الدين القومي مضمون."
"15. تفرض الضرائب من أجل الخدمات العامة فقط. ويسهم فيها كل مواطن حسب ملكيته وقدرته."
الباب الثالث - حول تفويض المنصب
يؤكد هذا القسم على أن
"1. تستمد السلطة العامة من الشعب، ولا يمكن جعلها وراثية."
"2. تقسيم السلطات هو الشرط الأولي لأي حكومة حرة."
هنا لدينا الحماقة الدستورية القديمة. إن شرط "الحكومة الحرة" ليس تقسيم السلطة بل وحدتها. لا يمكن لآلية الحكومة أن تكون بسيطة للغاية. إنها دائماً حرفة المخادعين أن يجعلوها معقدة وغامضة.
الباب الرابع - حول السلطة التشريعية
إن السلطة التشريعية موكولة لمجلس واحد يضم 750 نائباً، بمن فيهم من يمثلون الجزائر والمستعمرات. ولا يجوز لأية مجالس تدعى لتعديل الدستور أن يقل عدد أعضائها عن 900 شخص. يستند النظام الانتخابي على عدد السكان. يلي ذلك أربع مقاطع، سوف يتعين علينا أن نوردها كاملة؛
"24. حق الانتخاب عام ومباشر، وشكل التصويت سرى."
"25. كل الفرنسيين ممن بلغوا الواحد والعشرين من العمر، متمتعين بحقوقهم السياسية والمدنية لهم حق الانتخاب دون الرجوع إلى أي جدول انتخابي."
"26. كل الناخبين ممن بلغوا الخامسة والعشرين من العمر، لهم الحق في أن يُنتخبوا كنواب، بدون قيود تتعلق بالموطن."
"27. سوف يحدد قانون الانتخاب الأسباب التي يمكن على أساسها حرمان المواطن الفرنسي من حق أن ينتخب أو أن يُنتخب."
تعبر المواد السابقة عن نفس الروح تماماً، مثلها في ذلك مثل بقية الدستور."كل الفرنسيين ناخبون، ماداموا يتمتعون بحقوقهم السياسية"؛ ولكن "قانون الانتخاب" يحدد مَن مِن الفرنسيين لن يتمتع بحقوقه السياسية!
إن قانون الانتخاب الصادر في 15 مارس 1849، أدخل تحت هذه الفئة كل المجرمين، ولكن ليس مرتكبي الجرائم السياسية. غير أن قانون الانتخاب الصادر في 31 مايو 1850 أضاف ليس فقط مرتكبي الجرائم السياسية، أي كل هؤلاء الذين قد أدينوا بـ"انتهاك الآراء القديمة المقررة"، وإنما من ناهضوا القوانين التي تنظم الصحافة، كما أنه وضع بالفعل قيوداً تتعلق بالموطن، حتى إن ثلثي الشعب الفرنسي لا يتمكن من التصويت!
هذا هو ما يعنيه "حق الانتخاب العام والمباشر" في فرنسا.
"28. لا يمكن لموظف عام يتقاضى أجره من الدولة أن يكون نائباً للشعب. ولا يمكن لنائب أن يشغل وظيفة يتقاضى عليها أجراً تعتمد على الدستور خلال مدة قيام الجمعية التشريعية."
لقد تم تقييد هذه الشروط بالقرارات اللاحقة، وهى قد ألغيت من الناحية الفعلية.
"30. تجرى الانتخابات في الأقسام، في المكان الرئيسي للمقاطعة، وبواسطة التذاكر الانتخابية."
"31. تنتخب الجمعية الوطنية لمدة ثلاث سنوات، يعقبها إجراء انتخابات جديدة."
"32. الانعقاد فيها دائم، غير أن لها سلطة التأجيل، وفى هذه الحالة عليها أن تعين لجنة بوصفها ممثلة لها لا يقل عدد أعضائها عن 25 مندوباً، وأعضاء مكتب الجمعية. ولهذه اللجنة سلطة دعوة الجمعية في حالات الطوارئ."
"33 - 38. يجوز إعادة انتخاب النواب. وهم لا يرتبطون بأي تعليمات ثابتة، ولديهم حصانة، ولا يمكن معاقبتهم أو إدانتهم على الآراء التي يبدونها في الجمعية، وهم يتلقون أجراً لا يجوز لهم رفضه."
أما بالنسبة لـ"حصانة النائب" و"حريته في التعبير عن آراءه"، فإن الأغلبية قد أصدرت قاعدة جديدة بعد الثالث عشر من يونيو تعطي السلطة لرئيس الجمعية الوطنية في أن يقرر لوم النائب، وتغريمه، وحرمانه من أجره، وطرده بشكل مؤقت؛ وهكذا تستأصل "حرية الرأي" تماماً. أصدرت الجمعية في 1850 قانوناً يعرض النواب للقبض عليهم بسبب الديون حتى في خلال دورة انعقاد الجمعية، وإذا لم يدفعوا في خلال وقت معين، يفقدون وظيفتهم كنواب.
وهكذا فلا توجد لا حرية النقاش أو حصانة النواب في فرنسا؛ ولكن حصانة رجال الائتمان فقط.
"39 - 42 سوف تكون جلسات الجمعية عامة. غير أنه يجوز للجمعية أن تشكل نفسها في لجان خاصة بناء على طلب العدد المقرر من النواب. وحتى يصدر القانون صحيحاً، يتعين أن ينال أصوات أكثر من نصف النواب زائد واحد. وفى غير حالات الاستعجال لا يمكن إصدار قانون دون أن يقرأ ثلاث مرات، مع وجود فترة فاصلة تقدر بخمسة أيام بين كل قراءة وأخرى."
لا تُراعي هذه الصيغة التي جرت استعارتها من "الدستور" الانجليزي، في فرنسا في أي من المناسبات الهامة؛ وبالفعل، في تلك المناسبات التي كانت أشد ما تقتضى ذلك. على سبيل المثال، فقد جرى إصدار القانون الانتخابي المؤرخ في 31 مايو عقب قراءة واحدة.

الباب الخامس - حول السلطة التنفيذية
"43 - 44 توكل السلطة التنفيذية إلى الرئيس. على أن يكون من أصل فرنسي، بالغاً من العمر 30 عاماً على الأقل، وألا يكون قد فقد أبداً صفته كمواطن فرنسي."
الرئيس الأول للجمهورية الفرنسية، لويس بونابرت لم يفقد فقط صفته كمواطن فرنسي، ولم يكن فقط شرطياً خاصاً انجليزياً( )، ولكنه كان متجنساً سويسرياً.
"45 - 70 ينتخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات، ولا يجوز إعادة انتخابه قبل مضى أربع سنوات على انتهاء شغله للمنصب. وينطبق نفس القيد ضمناً على أقاربه حتى الدرجة السادسة. وتجرى الانتخابات يوم الأحد الثاني من شهر مايو، في السنة الرابعة بعد انتخابه. وينتخب بالتصويت السري، وبالأغلبية المطلقة. فإذا لم يحصل أي مرشح على أكثر من نصف الأصوات المسجلة، مليونين على الأقل، يجوز للجمعية أن تنتخب رئيساً من بين المرشحين الخمسة الذين حصلوا على أعلى الأصوات. ويقسم الرئيس على احترام الدستور، وله أن يتقدم باقتراحات للجمعية، من خلال وزراءه، وله أن ينظم الجيش، دون أن يترأسه شخصياً، وليس له أن يتنازل عن أي جزء من التراب الفرنسي، ولا أن يحل أو يعطل الجمعية، كما لا يحق له تعطيل سلطة الدستور. وله أن يتفاوض ويصدق على المعاهدات، والتي لا تصبح ملزمة قطعياً إلا بعد مصادقة الجمعية عليها. ولا يجوز له أن يعلن حرباً دون إقرار الجمعية. وله أن يمارس حق العفو، ولكن ليس له أن يمنح عفواً عاماً. أما عن هؤلاء الذين أدانتهم المحكمة العليا فلا يمكن أن يعفى عنهم الأمن قبل الجمعية الوطنية. وللرئيس أن يؤجل نشر قانون، ويطلب أن تتداوله الجمعية مرة أخرى. وبذلك تصبح المداولة نهائية. وهو يعين السفراء والوزراء، وله أن يوقف، خلال ثلاثة شهور، العمد، والمجالس المحلية، والحرس الوطني، الخ .. التي انتخبها المواطنون أنفسهم.
ويتعين أن تمهر كل مراسيمه بتوقيع مزدوج من الوزير المختص، ولا ينطبق ذلك على إقالة الوزراء أنفسهم. الرئيس، والوزراء، والموظفون العامون مسئولون فرادى كل في مجال اختصاصه عن أعمال الحكومة. يعتبر كل عمل يحاول به الرئيس أن يؤثر، أو يؤخر، أو يمنع المجلس من ممارسة وظائفه المعتادة عملاً من أعمال الخيانة العظمى. ويعد الرئيس بهذا العمل فاقداً لسلطاته على الفور؛ ويتعين على كل مواطن في هذه الحالة رفض إطاعة أوامره وتنتقل سلطاته فوراً إلى الجمعية، وعلى قضاة محكمة العدالة العليا أن تجتمع حالاً، وأن تستدعى المحلفين إلى مكان معين لمحاكمة الرئيس وشركاءه.
للرئيس أن يستخدم مقراً رسمياً، وله أن يتقاضى أجراً سنوياً قدره 600000 فرنك فرنسي أو 24000 جنيه إسترليني (يتقاضى الآن 2160000 فرنك أو 86400 جنيه إسترليني)، وللوزراء مقعد بحكم المنصب في الجمعية الوطنية ولهم الحق في مخاطبة الجمعية حين يشاءون. وللجمعية الوطنية أن تنتخب نائباً لرئيس الجمهورية من ثلاثة يرشحهم الرئيس خلال شهر من تاريخ انتخابه. ويقسم نائب الرئيس نفس القسم الذي يقسمه الرئيس، على ألا يكون من ذوى قرابة الرئيس، وهو يحل محل الرئيس إذا ما منعه عارض من أداء عمله، ويقوم بمهمة رئيس مجلس الدولة. إذا خلا منصب الرئيس بسبب الوفاة، أو لأي سبب آخر، تجرى الانتخابات خلال حد أقصاه شهر واحد.
الباب السادس - مجلس الدولة
"71 - 75. مجلس الدولة هو مجلس استشاري فحسب، يقوم المقترحات المقدمة إليه من الوزراء، أو التي تقدم إليه من المجلس.
الباب السابع - الإدارة الداخلية
يتناول هذا الفصل الكهنوت، الحكام الرئيسيون، المجالس العامة ومجالس المقاطعات. إن المادة الوحيدة ذات الشأن، والتي وظفت إلى أقصى حد ممكن هي الآتية:
"80. يجوز للرئيس وبمصادقة مجلس الدولة، أن يحل المجالس العامة، ومجالس الولايات، والمجالس العمومية."
الباب الثامن - حول السلطة القضائية
إذا ما تحدثنا بصفة عامة، يعيد هذا الفصل إنتاج تشريعات الإمبراطور نابليون. وتستحق الإضافات الآتية بعض الملاحظة على أي حال:
"81. تمارس العدالة مجاناً، باسم الشعب الفرنسي."
على ضآلة هذا الأمر، فإن المرء لا تقطع رأسه من أجل لا شيء!
"91 - 100 تتناول محكمة العدالة العليا، التي لها وحدها سلطة محاكمة الرئيس، والتي يمكن أن يستدعى أمامها الوزراء، وكل المجرمين السياسيين التي تعتقد الجمعية الوطنية أن من الملائم إحالتهم إلى هذه المحكمة."
تتألف هذه "المحكمة العليا" من خمس قضاة تختارهم محكمة النقض (وهى أعلى محكمة في فرنسا) من بين أعضائها، ومن ستة وثلاثين محلفاً يختارون من المجالس العامة للأقسام، بواسطة هيئة أرستقراطية تماماً. الوحيدون الذين حوكموا أمام هذه المحكمة، هم المتهمون في 15 مايو 1848؛ (هنا تظهر أسماء باربي وبلانكي أمام هذا القضاء !) والمندوبين الذين أجريت تسوية معهم في 13 يونيو 1849.
طبقا لقانون 7 أغسطس 1848، شطبت أسماء كل من يجهلون القراءة والكتابة من جداول المحلفين، وعلى ذلك استبعدوا ثلثي السكان الراشدين!
الباب التاسع - القوات المسلحة
استبقى كامل القانون العسكري القديم كما هو. ولا تدخل جرائم الجنود في اختصاص المحاكم المدنية. ويكشف المقطع التالي روح هذا الدستور.
"102. يلزم كل مواطن فرنسي بأداء الخدمة العسكرية، وأن يخدم في الحرس الوطني باستثناء الحالات التي يحددها القانون."
ويمكن لكل من يملك نقوداً أن يستعفي من الالتزام بأداء الخدمة العسكرية.
الطبقات العاملة مستبعدة كلية حالياً من مراتب الحرس الوطني، في القانون المنظور الآن، الذي تمت قراءته للمرة الثانية! أضف إلى ذلك فإن للرئيس الحق في أن يوقف لمدة عام الحرس الوطني لكل إيبارشية؛ وبالفعل، فقد جرى حل الحرس الوطني في نصف فرنسا بأجمعها!
الباب العاشر - تشريعات خاصة
"110. توكل الجمعية الوطنية الدستور ليقظة ووطنية الشعب بكامله."
وتوكل "اليقظة" و"الوطنية" للمرحمات الرقيقة المنبثقة عن المحكمة العليا! 13 يونيو!
الباب الحادي عشر - حول تنقيح الدستور
"111 . إذا ما عبرت الجمعية، عند اختتام دورتها، عن رغبتها في إجراء تغيير في الدستور، فيجرى التنقيح بالطريقة التالية : لا يمكن للرغبة التي أبدتها الجمعية أن تصبح قانوناً إلا عقب ثلاث مناقشات متتالية، ويتعين أن تجري كل منها عقب شهر يفصل بين كل منها، على أن يتم ذلك بثلاث أرباع الأصوات، على ألا يقل عدد المصوتين عن 500. والجمعية التي دعيت بغرض التنقيح تنتخب لمدة ثلاث شهور فقط ولا يحق لها، في غير حالات الاستعجال أن تتعرض لأي مسألة أخرى."
هذا هو "دستور الجمهورية الفرنسية" وهذه هي الطريقة التي جرى توظيفه بها. سوف يلاحظ القارئ أن الدستور من بدايته حتى نهايته هو عبارة عن جملة من الكلمات الأنيقة، تخفي أشد التصاميم غدراً. ومن بداية صياغاته، يتضح أنه من المستحيل انتهاكه، لأن كل مادة من مواده تحتوي على نقيضها؛ فهي تلغي نفسها تماماً بمعنى الكلمة. وعلى سبيل المثال: "التصويت عام ومباشر"، "ويستثنى من ذلك الحالات التي يحددها القانون".
وعلى ذلك لا يمكن أن يقال أن القانون الصادر في 31 مايو 1850 (الذي يحرم ثلثي الشعب من حق الانتخاب) ينتهك الدستور على الإطلاق.
يكرر الدستور دائماً صيغة أن تنظيم وحد حقوق وحريات الشعب (على سبيل المثال: حق تشكيل الجمعيات، حق الانتخاب، حرية الصحافة، الحق في التعليم .. الخ) سوف يحددها قانون عضوي لاحق، وهذه "القوانين العضوية" "تحدد" الحرية الموعودة وذلك بتدميرها. إن خدعة منح الحرية كاملة هذه، ووضع أجمل المبادئ، ثم ترك تطبيقها اللاحق، التفاصيل، تتقرر من خلال القوانين اللاحقة، هذه الخدعة استعارتها الطبقة الوسطى النمساوية والبروسية من أنماطها الأصلية الفرنسية، وقد حدث نفس الشيء في الدستور الفرنسي لعام 1830، وفي تلك التي جرى إنفاذها قبلاً.أيها الشعب! عليك أن تعقد العزم بشان التفاصيل،( ) كما هو الحال مع المبادئ، قبل أن تصل إلى السلطة. وهكذا فإن الصراع قد دار في البرلمان الانجليزي حول هذه المسألة تحديداً!
إن المواد الوحيدة التي تتخذ طابعاً ايجابياً وقاطعاً هي تلك المواد التي تتعلق بانتخاب الرئيس (45) وتنقيح الدستور (111). فهي المواد الوحيدة التي يمكن انتهاكها، لأنها وحدها التي لا تحمل تناقضاتها الخاصة داخلها.
لقد استهدفت الجمعية التأسيسية بها بونابرت في عام 1848، الذي أزعجت مكائده الرئاسية المندوبين.
إن التناقضات الأبدية لدستور النصب هذا، تظهر بما يكفى من الوضوح، إن الطبقة الوسطى يمكن أن تكون ديموقراطية بالكلمات، ولكنها لن تكون كذلك بالأفعال - سوف يعترفون بحقيقة المبدأ، لكنهم لن يضعوه موضع التنفيذ أبداً - أما الدستور الحقيقي لفرنسا فيمكن أن تجده ليس في الوثيقة التي سجلناها، وإنما في القوانين العضوية التي سنت على أساسه، والتي أعطينا القارئ موجزاً عنها. لقد كانت المبادئ هناك – وتركت التفاصيل للمستقبل ، وفى تلك التفاصيل جرى سن تشريعات طغيانية فاجرة.
وسوف يتجلى الإمعان في الاستبداد الذي تم بلوغه في فرنسا بتبيان تلك النظم التي سنت للطبقة العاملة.
تزود الشرطة كل عامل بسجل؛ تحتوى الصفحة الأولى منه على اسمه، وعمره، ومحل ميلاده وتجارته أو حرفته، ووصفاً لشخصه. وهو ملزم من ثم بأن يدخل اسم صاحب عمله الذي يعمل لديه، والأسباب التي دعته لتركه. لكن ليس هذا هو كل شيء على الإطلاق: ويوجد السجل لدى صاحب العمل، ويودع بواسطته في مكتب البوليس مع وصف يقدمه صاحب العمل لشخصية العامل. وحين يترك العامل وظيفته، عليه أن يذهب إلى مكتب البوليس لأخذه ولا يحق له أن يحصل على عمل جديد بدون إبرازه. وهكذا فان عيش العامل يعتمد كلية على البوليس. ولكن ليس هذا بعد كل شيء: يخدم هذا السجل بوصفه جواز سفر. فإذا كان عرضة لذلك يكتب البوليس فيه "صالح للعودة" ويلزم العامل بالعودة إلى إيبارشيته! لا نحتاج إلى التعليق على هذا الكشف الرائع! دع القارئ يتصور بنفسه مداه الكامل، وأن يتتبعه حتى نتائجه الفعلية. فلا يوجد ما يشابهه لا في قنانة إقطاع القرون الوسطى، ولا في نظام المنبوذين في الهند. لا عجب أن تطلع الشعب الفرنسي إلى لحظة الانتفاضة. ولا عجب أيضا أن اتخذت نقمته شكل عاصفة. لقد كانوا رحيمين في 1830، كما كانوا رحيمين في 1848 ولكن منذ هذا الوقت قويض على حريتهم، وسالت دماءهم بغزارة، وكل سجن في فرنسا مليء بالأسرى المحكوم عليهم لمدى الحياة، لقد نقل 15000 ألف أسيراً جملة واحدة وينيخ عليهم الآن الاستبداد المروع الذي وصفناه آنفاً. لم التعجب من أن تخشى الطبقة الوسطى الشعب، وأن تبذل كل ما في وسعها حتى تبقى لحظة الثأر مرجأة. ولكنها منقسمة على نفسها. فلديها مطامح تمعن في التنازع بين بعضها البعض، والرئيسي يتوقف على ما هو محتمل.
لعبة نابليون
السؤال الآن هو هل سيطول أمد السلطات الرئاسية، وهل سيجرى تنقيح الدستور. لا يمكن إعادة انتخاب نابليون، بدون انتهاك فاضح للدستور، لأنه أولاً لا يمكن إعادة انتخابه إلا بعد مضي أربع سنوات من انتهاء مدته في منصبه، وثانياً، لا يمكن تنقيح الدستور إلا بأغلبية الثلثين. ولا توجد أغلبية تناصر هذه المسألة، ومن ثم فان إعادة انتخاب موافقة للدستور غير ممكنة.
ومن ثم فان البديل الوحيد أمام بونابرت هو أن يتحدى الدستور ويشهر السلاح ويحاربه أو أن يسلم سلطاته بشكل شرعي في الزمن المحدد. سيصبح كافينياك رئيساً في الحالة الأخيرة، وسوف تكتمل جمهورية الطبقة الوسطى. في الحالة الأولى ستصبح الأمور أكثر تعقيداً.
إن لعبة نابليون الآن من ثم هو أن يلعب على سخط الشعب. إن الطبقة الوسطى عدو نابليون؛ إن الشعب يعرف ذلك، وما من رابطة تعاطف بينهما. وإن كان، على أي حال، يتشاطر عار القمع مع الطبقة الوسطى فإن رغبته في أن يطرح ذلك من على أكتافه ملقياً إياه بكامله على أكتافها، قد يعنى أن عقبة كبرى قد أزيحت.
وهذا هو ما يسعى إليه؛ كما أثبت ذلك خطابه الراهن في ديجون، حيث يقول:
"كل قانون رديء كانت الجمعية هي التي سنته، وكل قانون جيد اقترحته إما رفض أو استبعد من قبل هذه الهيئة. لقد أحبطوني عند كل محاولة لتحسين أوضاعكم، وأثاروا العقبات الوهمية التي لا وجود لها ضد التحسينات المقترحة."( )
من ثم فهو يسعى لأن يقود التنوير من رأسه وصولاً لرأس الجمعية. وفى نفس الوقت فإن الجيش معه أكثر مما هو مع الجمعية الأخيرة، وهذا هو بؤس الشعب. إن أي تغيير تقريباً سوف يكون إلى الأفضل في تقدير الأغلبية، بيد أن المستنيرين ليسوا سوى الأقلية.
ومن ثم، بافتراض أن الطبقة الوسطى سوف تخاطر بالصراع في ظل كافينياك، وباكتشاف أن بونابرت ماضي العزم، فإن الشعب سوف يقاتلهما بالضرورة، وسوف يقاتل بونابرت مع الشعب. وهما معاً سوف يثبتان أنهما أقوياء للغاية قياساً بالجمعية. بعد ذلك سوف يأتي الوقت الحرج، وهو أن تجد الجمعية الجماهير على وشك الانتصار، آنئذ سوف تفضل أهون الشرين. سوف تفضل إمبراطورية أو دكتاتورية نابليون، على جمهورية ديموقراطية أو اجتماعية وسوف تتوصل إلى تسوية مع الرئيس. وإذ الأخير مروع بقدر ما هم مروعون فيمكن للقوى الديموقراطية أن تقبل مساعدتهم. سوف يكون الجيش، أو قسماً منه على الأقل، أكثر ارتباطاً بنابليون بسبب الإثارة، والخطر و"مجد" الكفاح، وسوف يتخذ الصراع حينئذ مظهراً جديداً، مظهر الجيش والبورجوازية ضد الشعب. تعتمد القضايا المطروحة على الشجاعة، والحس، وعلى وحدة الأخيرين. إن لعبة نابليون هي أن يحرض الشعب على الطبقة الوسطى. ثم أن يحرض الطبقة الوسطى على الشعب ثم يستخدم الجيش ضدهما معاً.
يحمل المستقبل أحداثاً كبرى، وحاضر فرنسا هو من أشد الدراسات التي يمكن أن يطرحها التاريخ إثارة.



(9)
ماركس والدستور البريطاني()
كارل ماركس
لندن، 2 مارس.
بينما اخفق الدستور البريطاني في كل مسألة وضعته فيها الحرب موضع اختبار من كل الجوانب، فإن حكومة الائتلاف داخل الوطن، الحكومة الأكثر دستورية من بين الحكومات في تاريخ انجلترا قد تحطمت. مات أربعون ألف جندي بريطاني على شواطئ البحر الأسود؛ ضحايا الدستور البريطاني! ضباط، هيئة أركان، قوميسارات، الإدارة الطبية، خدمات النقل، الملكية، الخيالة(أ)، مكتب المهمات الحربية، الجيش والبحرية كلها قد انكسرت حتى فقد العالم الثقة فيهم، مع ذلك فقد رضيّ الجميع بمعرفة أنهم ببساطة قد أدوا واجبهم في نظر الدستور البريطاني! لقد تكلمت جريدة التايمز بشكل أكثر صدقًا مما نظن حينما تعجبت وهى تشير لهذا الإفلاس العام: "إنه الدستور البريطاني الذي يخضع للمحاكمة"(ب). لقد حوكم ووجد مذنبًا.
ولكن ما هو الدستور البريطاني؟ هل ينطوي بصفة أساسية على نظام تمثيلي وحدودًا للسلطة التنفيذية؟ إن هذه الملامح لا تميزه عن دستور الولايات المتحدة لشمال أمريكا ولا عن دساتير شركات المحاصة البريطانية التي لا حصر لها التي تفهم "أعمالها". إن الدستور البريطاني بالفعل ليس إلا تسوية قديمة ،عتيقة من طراز عفا عليه الزمن، بين البورجوازية، التي لا تحكم رسميًا، ولكن في الواقع موجودة في كل المجالات الحاسمة للمجتمع المدني، وأرستقراطية الأرض، التي تحكم رسميًا. أصلًا، بعد الثورة "المجيدة" لعام 1688 دخل قسم واحد من البورجوازية فقط في التسوية وهو الأرستقراطية المالية( )، وأدخلت وثيقة الإصلاح لعام 1831 قسمًا آخر، أي الميللوقراطية(جـ) كما يسميها الإنجليز أي أصحاب المقامات العليا من البورجوازية الصناعية( ). وتاريخ التشريع منذ عام 1831 هو تاريخ التنازلات التي قدمت للبورجوازية الصناعية بدءًا من قانون الفقراء الجديد حتى إلغاء قوانين القمح( ) ومن إلغاء قوانين القمح إلى ضريبة التركات على الملكية العقارية.
حتى إذا كان الاعتراف بالبورجوازية – وهي الشريحة العليا فقط من الطبقات الوسطى - إجمالًا قد تم أيضًا سياسيًا بوصفها طبقة حاكمة، فقد كان ذلك بشرط وحيد هو أن كامل نظام الحكومة بكل تفاصيله، حتى القسم التنفيذي للسلطة التشريعية، أي، صنع القوانين فعليًا في كل من مجلسي البرلمان، قد بقى بأمان في يد الأرستقراطية العقارية. [حوالي] 1830 فضلت البورجوازية تجديد التسوية مع الأرستقراطية على التسوية مع جمهور الشعب الإنجليزي. الآن الارستقراطية التي تحكم مهيمنة، وفق مبادئ معينة وضعتها البورجوازية، في الوزارة، في البرلمان، في الإدارة، في الجيش والبحرية؛ هذا القسم من الأمة البريطانية، وهو القسم الأهم نسبيًا قد اكره الآن للتو على أن يوقع شهادة وفاته وأن يصرح تحت أعين العالم بأجمعه أنه لم يعد لديه القدرة على حكم بريطانيا. علينا أن نلاحظ فقط تلك المحاولات لإعطاء الجثة صدمة كهربائية! وزارة بعد وزارة تشكل لتنحل فحسب بعد نظام من أسابيع قليلة. هذه الأزمة دائمة، والحكومة فقط هي المؤقتة. كل الأعمال السياسية معلقة، وكلٍ يصرح بأن غرضه فقط هو أن يجعل الآلة السياسية شغالة بما يكفى لمنع توقفها التام. وحتى مجلس العموم لا يتعرف على نفسه في الوزارات التي خلقت على صورته.
وفي وسط هذا العجز العام لم يكن يتعين شن الحرب فقط، ولكن كان ينبغي محاربة عدو أشد خطرًا من الإمبراطور نيقولا الثاني. هذا العدو هو الأزمة في التجارة والصناعة والتي تنمو منذ سبتمبر الماضي أكثر عنفًا وشمولًا كل يوم. وقد أغلقت يدها الحديدية فورًا أفواه رسل التجارة الحرة المزيفون الذين بشروا لسنوات بأن الأسواق المغرقة والأزمات الاجتماعية قد اختفت إلى الأبد في المملكة الظلالية للماضي منذ إلغاء قوانين القمح. الأسواق المغرقة هناك، ولكن لا يصرخ أحد الآن بصوت أعلى حول الافتقار لليقظة الذي منع المصنعين من تحديد الإنتاج إلا نفس الاقتصاديين الذين كانوا لا يزالون يعلموننا منذ خمسة شهور مضت - بعصمة العقائدية – أنه لا يمكن أبدًا أن يكون هناك فيض إنتاج.
لقد كشف هذا المرض عن نفسه بالفعل بشكل مزمن في وقت الإضراب في بريستون( ) بعد ذلك بوقت قصير أدى الإغراق في السوق الأمريكية إلى انفجار الأزمة في الولايات المتحدة الأمريكية. ورغم أن الهند والصين عانتا ومعهما كاليفورنيا واستراليا من زيادة المخزون السلعي فقد استمرت تشكل منافذ تصريف لفيض الإنتاج. ولأن المصنعين الانجليز لم يعد بإمكانهم بيع سلعهم في السوق المحلى إلا بأسعار منخفضة، فقد لجأوا لإرسال سلعهم إلى الخارج أمانة واقتضاء ثمنها بعد البيع، خاصة إلى الهند، والصين، واستراليا وكاليفورنيا. مكن هذا البديل التجارة من أن تنطلق لوهلة باضطرابات أقل مما لو كانت السلع كلها قد طرحت في الأسواق على الفور. ولكن ما أن وصلت تلك الشحنات إلى مرافئ الوصول، حتى حددت الأسعار هناك، وبنهاية سبتمبر كان الإحساس بالتأثير قد وصل إلى انجلترا.
غيرت الأزمة عندئذ طابعها فتحولت من مزمنة إلى حادة. وأول ما انهار من بيوت تجارية كان طبّاعي القطن، ومن بينها شركات قديمة مؤسسة في وحول مانشستر. وبعدئذ جاء دور ملاك السفن وتجار استراليا وكاليفورنيا، وبعدهم البيوت الصينية، وأخيرًا الهندية. كلٍ أخذ دوره، وأغلبهم عانى بشدة، وكان على الكثيرين أن يوقفوا أعمالهم، والخطر لم ينته بالنسبة لأي من فروع التجارة هذه. وعلى النقيض، فإنه ينمو بثبات. وقد ضرب أيضًا صناع الحرير، وقد تقلصت صناعتهم إلى الحد الذي باتت فيه لا شيء، وتعاني البلدات التي كانت تمارس فيها أعظم العوز. والآن سوف يأتي دور غزّالي القطن ومصنعيه. لقد خضع الكثير منهم وسوف يشاركهم الكثيرون بعد مصيرهم. كما رأينا آنفًا(د) يعمل غزّالي الغزل الدقيق وقتًا قصيرًا فقط. وسوف يلجأ غزّالي الغزل الخشن قريبًا لنفس العلاج. وقسمًا منهم يعمل بضعة أيام في الأسبوع فقط. فلأي مدة بمقدورهم احتمال ذلك؟
بضعة شهور أخرى، وسوف تصل أزمة مناطق المصنع إلى نفس عمق أزمة عام 1842 هذا إن لم تتجاوزها. ولكن سرعان ما سيشعر عامة بأثرها وسط الطبقات العاملة، حتى إن الحركة السياسية التي كانت غافية بهذا القدر أو ذاك بين هذه الطبقات على مدى السنوات الست الماضية، مخلفة وراءها فقط أطرًا (كادرًا) من أجل تحريض جديد، سوف تنبثق مرة أخرى. إن الصراع بين البروليتاريا الصناعية والبورجوازية سوف يشتعل مرة أخرى في نفس الوقت الذي يصل فيه الصراع بين البورجوازية والارستقراطية ذروته. وعندئذ فإن القناع الذي أخفى حتى الآن الملامح الحقيقية لمظهر بريطانيا السياسي عن الأجانب، سوف يسقط. مع ذلك، فإن هؤلاء الذين لا يألفون ثروة هذا البلد في مواردها البشرية والمادية سوف يشكون في أنها ستبزغ منتصرة متجددة نضرة من هذه الأزمة العظيمة المهددة.


(10)
حول جوهر الدساتير()
فرديناند لاسال
مقدمة المحررين
نعيد أدناه نشر ترجمة إنجليزية مختصرة لخطاب لاسال الشهير حول طبيعة الدساتير، وهو واحد من الوثائق الكلاسيكية للحركة العمالية الأممية.
يستخدم لاسال هنا المنهج المادي التاريخي ليفسر الطابع الحقيقي للأشكال الدستورية للحكم؛ وهي ظواهر سياسية يقل إدراكها، حين تكون لها الهيمنة والسيادة تحديدًا، أي في البلدان الديموقراطية.
ينظر لهذه الدساتير عمومًا برهبة خرافية. ويعتقد أنها نتاجات فوق تاريخية ثبتت وباتت نهائية بصفة أساسية، وأنها تتضمن مبادئ تعد صالحة في كل الأزمان وفى ظل كل الظروف. ويشغل الدستور في الميثولوجيا القومية نفس المكان الذي تشغله العقيدة (الدوجما) في الدين. وفي نقضه لأقنمة الدساتير، يكشف لاسال الأصول التاريخية الواقعية للدساتير في الصراع الطبقي، وقواعده المادية الفعلية في علاقات القوى بين الطبقات المعنية في بلد بعينه، وفى زمن بعينه.
كقاعدة يتطابق التقنين الموجود مع الدستور الفعلي. مع ذلك، يشير لاسال إلى أنه ما من مقاربة أشد وهمًا وزيفًا من هذه. الدساتير المكتوبة هي تعابير قانونية فحسب عن العلاقات الطبقية التي تأسست كنتاج للصراع المتفاقم في المجتمع. وهي تظل ذات فاعلية فقط طالما لم تجر تغيرات عميقة في العلاقات القائمة بين القوى التي صنعت الدستور.
وعلى سبيل المثال، فإن الدستور الأصلي للولايات المتحدة، الذي صاغه ممثلو ملاك العبيد الجنوبيين والرأسماليين الشماليين، قد اعترف بمؤسسة العبودية بوصفها حقًا من "الحقوق التي لا يمكن أن يتنازل عنها" المواطن الأمريكي. لقد أسس هذا الحق ووضعته الحكومة موضع التطبيق لثلاثة أرباع القرن. ثم جرت تحولات عظيمة في علاقات القوى الطبقية خلال هذه الفترة في الولايات المتحدة. فقد تدهورت قوى ملاك العبيد في الجنوب بينما سادت وهيمنت قوى الرأسماليين الشماليين. ولم يعد الدستور المكتوب يعكس العلاقات الفعلية بين القوى المتصارعة في الولايات المتحدة. حطم انتصار الشمال في الحرب الأهلية ملاك العبيد وأعطى المكانة السياسية العليا للرأسماليين الشماليين. وقد انعكست هذه المرحلة الجديدة من الصراع الطبقي واكتسبت صلاحيتها بإصدار تعديلات على دستور الولايات المتحدة وإزالة مؤسسة العبودية، والقضاء على طبقة ملاك العبيد. يخدم مثال الولايات المتحدة في تبيان كيف أن الدستور الفعلي، أي علاقة القوى الطبقية هي التي تحدد طابع الدستور المكتوب.
الدساتير المكتوبة هي تطور حديث؛ فهي نتاج للمجتمع البورجوازي بصفة أساسية في فترة صعوده. إن ظهور الأشكال الدستورية للحكم وتطويرها قد وسم مراحل متعاقبة في تطور الديموقراطية البورجوازية. غير أن الأشكال الدستورية أصبحت مع تدهور الرأسمالية أشد فأشد ضعفًا، وأزيحت جانبًا بواسطة الحكام الاحتكاريين ووكلائهم في قطر بعد آخر. يتجلى الآن الدستور الفعلي في الحكم المكشوف لرأس المال المالي في ظل الفاشية أو في أشكال أخرى من الديكتاتورية. فقد أزيحت هذه الدساتير المكتوبة العتيقة جانبًا. وفي ظروف كهذه فإن تأسيس نظام اجتماعي جديد هو الذي يمكنه وحده من خلال دفع الصراع الطبقي أن يمنح دستورًا جديدًا للشعب، يحمي حقوقه الديموقراطية الأولية ومكتسباته الاجتماعية.
المحررون

لقد دعيت لأخاطب هذا الجمهور المبجل، وقد اخترت لهذه المناسبة موضوعًا جديرًا بانتباهكم لأنه يأتي في ذروة أوانه. سوف أتحدث عن جوهر الدساتير.
وسوف أبدأ حديثي بالسؤال: ما هو الدستور؟ ما الذي يشكل جوهره؟
يتحدث الجميع اليوم من الصباح حتى المساء عن الدستور. في كل جريدة، في كل لقاء، في كل حانة، تدور المناقشة حتى السأم حول الدستور.
ومع ذلك، إذا طرحنا بجدية سؤال: ما هو جوهر مفهوم الدستور، فإنني أخشى أنه من بين الكثيرين الذين يناقشون المسألة بسطحية شديدة فإن قلة قليلة هي التي يمكن أن تقدم إجابة مرضية.
سوف يشعر الكثيرون عندما يطرح عليهم هذا السؤال أن عليهم أن يلتقطوا مجلد التقنين التشريعي البروسي لعام 1850 ويقرءوا منه المقاطع التي تتعلق بالدستور.
قصور التعريفات الشكلية
ولكن، بعد كل شيء، لن يشكل هذا إجابة على سؤالي. ففي هذا المجلد نجد المحتوى الخاص لدستور معين فحسب، أي البروسي، وعلى ذلك، فهو لا يمكن أن يزودنا بإجابة على السؤال المطروح. ما هو جوهر، مفهوم الدستور بصفة عامة؟
إذا قيض لي أن أسأل هذا السؤال لمحامٍ، فقد يجيب: "الدستور هو تعاقد، عقد مقدس بين الملك وشعبه، يؤسس للمبادئ الأساسية لتشريع البلاد وحكمها". أو بقدر ما هنالك من دساتير جمهورية أيضًا، فربما قدم تعريفًا أكثر عمومية: "الدستور هو القانون الأساسي الصادر المعلن في البلاد الذي يؤسس تنظيم الحقوق العامة في تلك البلاد".
ولكن كل هذا، والتعريفات القانونية الشكلية المماثلة تحملنا خارج مجال الإجابة الحقيقية لسؤالي كما هو حال الإجابة السابقة بالضبط.
فهي جميعاً تزودنا فحسب بوصف اصطناعي لكيف ينشأ الدستور، وما هي وثائقه، لكنها لا تفسر ما هو. إنها تزودنا بمعايير معينة، علامات يمكن أن نتعرف بها على الدستور قانونيًا واصطناعيًا. ولكنها لا تقول لنا ما هو مفهوم، جوهر الدستور. إنها تتركنا من ثم في الظلام بشكل كامل فيما يتعلق بما إذا كان الدستور جيدًا أم رديئًا، ممكنًا أم غير ممكن، مستقرًا أم غير مستقر. ويمكننا أن نحكم على ذلك فقط إذا ما عرفنا جوهر الدستور بصفة عامة، حينئذ فقط يمكننا أن نحدد ما إذا كان دستورًا معينًا يتطابق مع هذا الجوهر، أو بأي كيفية يرتبط بالأخير تحديدًا. ولكن هذه الطبيعة الجوهرية (للدستور) لا يمكن أن تفسرها تعريفات قانونية اصطناعية يمكن أن تكون قابلة للتطبيق على قدم المساواة على كل قصاصة من الورق توقعها أمة ومليكها، التي يعلن أنها دستور بغض النظر عن مضمونها. إن مفهوم الدستور وحده هو مصدر كل الفن الدستوري وكل الحكمة الدستورية التي تنبع منه بغاية البساطة في ومن ذاته، وسوف تكون مقتنعًا بذلك عندما تكتشف هذا المفهوم.
وعلى ذلك أكرر: ما هو الدستور؟ ما هو جوهر، مفهوم الدستور؟
منهج مفيد في التحليل
مازلنا بدون هذه المعرفة، ولابد من أن نجد الإجابة بالبحث عنها معًا. ولكي نجدها دعونا نطبق منهجًا لابد أن يطبقه البشر دائمًا حين يرغبون في تحصيل فهم واضح لشيء ما. وهذا المنهج غاية في البساطة أيها السادة. وهو يتضمن التالي، أن نقارن الشيء الذي نسعى لفهمه بشيء آخر من ذات الطبيعة، ثم نحاول أن نحدد، بقدر ما نستطيع من الوضوح والتحدد، بأي طريقة يختلف كل منهما عن الآخر رغم تشابههما. بتطبيق هذا المنهج فإنني أسأل الآن: ما هو الفرق بين الدستور والقانون؟
الدستور والقانون متجانسان، أي من طبيعة واحدة. لابد أن يكتسب الدستور قوة القانون، لذا، لابد أن يكون قانونًا. ولكن لا ينبغي أن يكون قانونًا فقط، وإنما شيئًا ما أكثر من القانون. لذا فإن هناك فرق بين الاثنين. هناك مئات الحقائق التي تثبت أن هناك فرق محدد وأن الدستور يجب أن لا يكون ببساطة قانونًا ولكن شيئًا أكثر من القانون. على سبيل المثال، لا نجد شيئًا صادمًا في حقيقة إصدار قوانين جديدة. وعلى النقيض أنتم تدركون أنه من الضروري إصدار قوانين جديدة قلت أو كثرت كل عام على الأغلب. ومع ذلك فمن المستحيل إصدار قانون واحد جديد بدون أن تتغير لذلك العلاقات القانونية القائمة. إن قانونًا جديدًا يترك النظام القانوني القائم بدون تغيير سوف يكون بلا معنى تمامًا واصطناعيًا ولن يجرى تبنيه. وهكذا أنتم لا تجدون شيئًا صادمًا في تغيير القوانين، ولكن على النقيض يعتبر هذا بصفة عامة المهمة الدقيقة للهيئات الحاكمة.
ولكن بمجرد أن يمس دستوركم فإنكم تشعرون بأن هناك انتهاكاً جرى فتصرخون: ارفعوا أيديكم عن الدستور! لماذا يوجد هذا الاختلاف؟ إن هذا الاختلاف لا يقبل الجدل لحد بعيد حتى إن بعض الدساتير تتضمن موادًا مباشرة تحول دون أي تغيير فيها، بعضها الآخر يتضمن موادًا يمكن أن يضاف بها إليه بنسبة الثلثين بدلًا من مجرد أغلبية الأصوات في الهيئة التشريعية، وهناك أخرى تنص على أن الهيئة التشريعية حتى في صلتها بالسلطات الحكومية الأخرى، لا يمكن أن تضيف للدستور وإنما يمكن لها أن تقترح التعديلات فحسب، ولا يمكن إنفاذها إلا بانتخاب الشعب لهيئة تمثيلية جديدة، لهذا الغرض وحده.
تشهد كل هذه الوقائع، بأنه وفقًا للنظرات العالمية، فإن الدستور يجب أن يكون شيئًا أكثر قدسية، أكثر قوة، أكثر ثباتًا ولا تغيرًا من القانون العادي.
ومن ثم فإنني أسأل مرة أخرى ما الذي يميز الدستور عن القانون؟
تتقوم الإجابة المعتادة على هذا السؤال فيما يلي: الدستور ليس ببساطة قانونًا يماثل أي قانون آخر، إنه القانون الأساسي للبلاد. ومن الممكن تماما أيها السادة أن تكمن الحقيقة في هذه الإجابة بشكل غير واضح. ولكن هذا الشكل غير واضح إلى الحد الذي لا يمكن أن يخدم فيه غرضًا على الإطلاق. لأن هناك سؤالًا آخر يطرح مباشرة. ما هو الاختلاف بين القانون والقانون الأساسي؟ نتيجة لذلك فإننا لم نتقدم بأكثر مما كنا قبلًا. لقد حصلنا على تعبير جديد فحسب – أساسي قليل – الذي لا يساعدنا على الإطلاق طالما لم نعرف ماهية الاختلاف بين القانون الأساسي والقانون الآخر.
الاختلاف بين القانون العادي والقانون الأساسي
دعونا نرى ما إذا كان من الممكن أن نسبر الموضوع بشكل أعمق بتحليل الأفكار التي يحتويها تعبير "القانون الأساسي"، بمعنى آخر، في أي شيء يختلف القانون الأساسي عن القانون الآخر حتى يبرر تسميته "القانون الأساسي".
يجب أن يكون القانون الأساسي:
1. هذا النوع من القانون الذي يتسم بنفوذه العميق أكثر من أي قانون عادى آخر ويشار إلى ذلك بالتعبير أساسي ولكن يجب أيضًا كقانون أساسي:
2. أن يكون تحديدًا أساس القوانين الأخرى، أي، أن القانون الأساسي يجب أن يكون البداية الخلاقة للقوانين العادية الأخرى حتى يشكل أساس الأخيرة، وعلى ذلك يجب أن يكون القانون الأساسي فعالًا في كل القوانين العادية الأخرى.
3. ولكن الشيء الذي له أساس لا يمكن أن يكون شيئًا معينًا أو شيئًا آخر بشكل اعتباطي، لا يمكن أن يكون شيئًا آخر غير ما هو عليه. إن أساسه لن يسمح له بأن يكون شيئًا آخر.
فقط هذا الذي يفتقد الأساس، والذي يكون من ثم عرضيًا، يمكن أن يكون ما هو، وأيضًا ربما، شيئًا آخر. على النقيض من ذلك، كل شي له أساس هو بالضرورة ما هو. على سبيل المثال للكواكب حركة معينة. وهذه الحركة إما لها أو ليس لها أساس يحددها. فإذا لم يكن لها، تكون الحركة إذن عرضية، وقد تختلف في أي لحظة معينة. ولكن إذا كان لها أساس، أي، كما يدعى الفلكيون، فإن قوة جاذبية الشمس، تؤسس إذن بالفعل لأن تكون حركة الكواكب محددة ومنظمة بأساس - قوة جاذبية الشمس - ولا يمكن أن تختلف عما هي عليه. وعلى ذلك فإن مصطلح "أساس" يحتوى على فكرة الضرورة، على قوة فعالة مؤثرة تجعل بالضرورة ما هو "مؤسس عليها" ما هو عليه بالفعل.
وعلى ذلك، إذا كان الدستور هو القانون الأساسي للبلاد، إذن فهو شيء علينا أن نُعينه بتفصيل أكبر، أو كما اكتشفنا بالفعل، لابد أن يكون قوة فعالة تجعل بالضرورة كل القوانين والمؤسسات القانونية في البلاد ما هي عليه، حتى أنه نتيجة لذلك لا يمكن إطلاقًا أن تصدر قوانين أخرى غير هذه؛ وهذا بالنسبة لنا أول شعاع ضوء، أيها السادة.
والآن، هل هناك شيء في الأمة أيها السادة – ومع هذا السؤال يتكشف لنا تدريجيًا ضوء كامل – هل هناك شيء في الأمة، قوة مؤثرة ما قادرة على أن تمارس نفوذًا على كل القوانين الأخرى التي تصدر بطريقة تجعلها على الجملة ما هي عليه، بالضرورة كذلك وليست شيئًا آخر؟
أساس كل الدساتير
بالطبع أيها السادة، هناك شيء كهذا، وهذا الشيء ليس شيئًا سوى؛ علاقات القوى الفعلية القائمة في مجتمع معين.
تؤلف علاقات القوى الفعلية القائمة في مجتمع معين القوة الفعالة المؤثرة التي تحدد كل القوانين والمؤسسات القانونية في هذا المجتمع بطريقة معينة بحيث لا يمكن أن تكون غير ما هي عليه من ناحية سماتها الجوهرية.
وسأسارع بتوضيح هذا بمثال وضع افتراضي. وبالشكل الذي سأقدمه، فإن هذا الوضع، ومما لاشك فيه، مستحيل تمامًا. ولكن بغض النظر عن حقيقة أن هذا الوضع، كما سنرى حالًا، قد يحدث في شكل آخر، فالمسألة ليست مسألة ما إذا كان هذا شيء، يمكن أن يحدث أم لا، وإنما مسألة أننا يمكن أن نفحص من خلال هذا الوضع الافتراضي فحسب طبيعة الأشياء التي تتكشف إذا افترضنا حدوثها.
انتم تعلمون أيها السادة، أنه في بروسيا ما له قوة قانونية هو ما هو منشور في التقنين الشرعي. وهذا التقنين مطبوع في المجموعة القانونية. النصوص الأصلية للقانون محفوظة في بعض أرشيفات الدولة، مجموعات القوانين المطبوعة محفوظة في أرشيفات أخرى، ومكتبات، ومحلات بيع الكتب.
والآن، دعونا نفترض أن حريقًا مريعًا قد شب، شيئًا مثل الحريق الكبير في هامبورج، وأن كل أرشيفات الدولة هذه، والمكتبات ومحلات الكتب، والمجموعة القانونية نفسها، قد احترقت، ودعونا نوغل في افتراضنا بأن ظروفا نادرة تضافرت فحدث نفس الشيء في كل مدن المملكة، وحتى المكتبات الخاصة التي احتوت نسخًا من التقنين الشرعي قد احترقت، حتى لم يبقَ في كل بروسيا قانون واحد في شكله المعتمد.
بهذه الطريقة، سوف تحرم البلاد من كل قوانينها، ولن يكون هناك ما يمكن عمله سوى إصدار قوانين جديدة.
هل تعتقدون أيها السادة، أننا سنكون حينئذ أحرارًا في أن ننطلق اعتباطيًا ونصدر ما نرغب فيه من قوانين أيًا كانت، أي نوع ظننا أنه مرغوب فيه؟ دعونا نرى.
دعوني افترض أنكم ستقولون أن القوانين قد فقدت، وسوف نصدر قوانينًا جديدة ولن نواصل منح الملكية المركز الذي تمتعت به حتى الآن، أو ما هو أكثر، لن نمنحها أي مركز أيًا كان.
وضع افتراضي
سوف يرد الملك على هذا بأن يقول فحسب: قد تكون القوانين قد فقدت، ولكن ماذا عن ذلك؟ من الناحية الفعلية، يطيع الجيش أوامري، ويتحرك حيثما آمره، من الناحية الفعلية فإن قادة الأسلحة والمتاريس يطلقون المدافع بناء على أوامري ويرسلون المدفعية إلى الشوارع، ويستندون، كما أفعل أنا، على هذه القوة الفعلية، ليس لدى أي خوف من أن تمنحوني أي مركز آخر سوى الذي أرغبه.
أترون أيها السادة، إن ملكًا يطيعه الجيش والمدافع؛ هذا جزء من الدستور!
أو قد افترض أنكم ستقولون: نحن 18 مليون بروسي. ووسط هؤلاء الـ 18 مليون هناك بالكاد حفنة من كبار ملاك الأرض الأرستقراطيين يمكن ملاحظتهم. ونحن لا نفهم لما تُعطى هذه الحفنة الضئيلة من ملاك الأرض الأرستقراطيين مثل هذا النفوذ الذي يعادل نفوذ بقية الـ 18 مليون إذا وضعوا معًا، ولا لم ينبغي أن يشكلوا مجلس اللوردات، الذي توازن قراراته قرارات مجلس العموم، المنتخب من الأمة جمعاء، ويسمح لهم بأن يعترضوا عليها، عندما تكون لهذه القرارات قيمة ما، إذا كانت هذه رغبتهم. افترض أنكم قد تتكلمون بجزع وتقولون: كلنا "لوردات" ولا نريد مجلسًا خاصًا للوردات.
حسنًا، أيها السادة، إنه أمر مفروغ منه أن ملاك الأرض الارستقراطيين لن يكونوا قادرين على إطلاق فلاحيهم ضدكم. على العكس، فسوف ينشغلون لأقصى حد بأن ينقذوا أنفسهم من فلاحيهم.
ولكن لقد مارس كبار ملاك الأرض الارستقراطيين دائمًا نفوذًا كبيرًا على الملك والبلاط، وبفضل هذا النفوذ يمكن لهم أن يرسلوا الجيش والمدافع بيسر ضدكم كما لو كانت هذه القوة تحت إمرتهم.
وهكذا ترون أيها السادة، أن طبقة النبلاء التي تتمتع بنفوذ على الملك والبلاط؛ هي جزء من الدستور!
أو دعوني افترض على النقيض من ذلك، أن الملك وطبقة النبلاء قد قرروا أن يعيدوا نظام الطوائف الحرفية الذي يرجع للقرون الوسطى، ليس فقط للحرف الصغيرة، كما حاولنا منذ بضع سنوات مضت، ولكن على نطاق يماثل القرون الوسطى، أي في الإنتاج الاجتماعي بصفة عامة ليشمل أيضًا الصناعة اليدوية، وكذلك الصناعة الآلية. تعلمون أيها السادة، أنه في ظل نظام طوائف القرون الوسطى لا يمكن لرأس المال أن ينتج، إن إنتاج المصانع على النطاق الكبير، الإنتاج الآلي، سوف يكون مستحيلًا. لأنه في ظل هذا النظام، على سبيل المثال، هناك حدود ثبتها القانون بين فروع العمل المختلفة، حتى بين تلك التي ترتبط بوثوق ببعضها البعض، فلم يكن مسموحًا لصانع يدوي أن يقرن بين نوعين منهما. فلا يمكن لعامل جص أن يسد فجوة، وكانت هناك منازعات بين الحدادين وصانعي الأقفال لا نهاية لها فيما يخص نطاقات تجارتهما على التوالي. ولا يمكن لطابع قطن أن يستأجر صباغا. أضف إلى ذلك، في ظل نظام الطوائف فان كمية الإنتاج المسموح بها لمصنع يدوى بمفرده كانت ثابتة قانونًا، وهكذا ففي كل مدينة، وكل تجارة، كان مسموحًا لكل معلم حرفة أن يوظف عددًا محدودًا ثابتًا موصوفًا قانونًا من العمال.
أنتم ترون، وفق هذين الاعتبارين، أن الإنتاج الكبير، الإنتاج بالآلات، والنظام الآلي لا يمكن أن يستمر يوما واحدًا في ظل نظام الطوائف. يتطلب الإنتاج الكبير بلا جدال، أولًا، اقتران فروع مختلفة مترابطة من العمل في يد رأسمال واحد كبير، وثانيًا، الإنتاج الكبير والمنافسة الحرة ، أي، التشغيل الحر غير المقيد، في توظيف العمال.
ماذا يمكن أن يحدث، إذا حدثت محاولة، على الرغم من كل ذلك، لإدخال نظام الطوائف الحرفية اليوم؟
القوى الاجتماعية تحدد الدستور
السادة بورسيج وإيجلز، وآخرون، وهم كبار صناع القطن والحرير، الخ، سوف يغلقون مصانعهم ويصرفون العمال. وحتى هيئات السكك الحديدية سوف تفعل نفس الشيء. سوف تتوقف التجارة والصناعة. عددًا واسعًا من معلمي الحرف سوف يصرفون صبيانهم إما طوعًا أو مدفوعين لذلك. هذه الكتلة الواسعة من الشعب سوف تندفع في الشوارع طالبة الخبز والعمل. وسوف تقف البورجوازية الكبيرة وراءهم، مستخدمة نفوذها لتحفزهم، مشجعة إياهم بمركزها، مساعدة إياهم بالتمويل، ومثل هذا الصراع سوف يترتب عليه ألا يكون النصر مع الجيش.
وهكذا أيها السادة، ترون أن بورسيج وإيجلز، والصناعيين الكبار بصفة عامة، هم جزء من الدستور!
أو دعوني افترض أن الحكومة أرادت أن تتخذ إجراءًا مصيريًا بشأن مصالح كبار المصرفيين. على سبيل المثال، سوف تقرر الحكومة أن البنك القومي لن يخدم كما يفعل الآن المصرفيين الكبار والرأسماليين، الذين حتى بدون هذا، يتحكمون بالفعل في كل النقود والائتمان وهم وحدهم من يستطيعون اليوم أن يخصموا فواتيرهم في البنك القومي، أي، هم وحدهم من يحصلون على الائتمان هناك؛ وأن على البنك ألا يجعل الائتمان رخيصًا لهم وإنما يتعين أن يكرس نفسه لتوسيع الائتمان ليشمل الفقراء، وصغار ومتوسطي المنتجين، وإنه من ثم كان ضروريًا إعادة تنظيم البنك القومي بطريقة يحقق بها هذه الغاية. هل سيحدث هذا أيها السادة؟
بالفعل، أيها السادة، لن يستثر هذا الإجراء انتفاضة، مع ذلك سوف يكون من المستحيل على الحكومة الحالية أن تتخذه.
أيها السادة، تحتاج الحكومة من وقت لآخر، مبالغ كبيرة من النقود وهى لا تجرؤ حتى على جبايتها من الضرائب. وفي ظروف كهذه، فإنها تجد مخرجًا من خلال التهام أموال المستقبل؛ أي أنها تقترض وتصدر سندات على الدولة لتغطيتها. ولهذا فهي تحتاج المصرفيين. مما لا ريب فيه، فإن القسم الأعظم من سندات الدولة يجد طريقه على المدى الطويل إلى أيدي كامل الطبقة المالكة وذوي الدخل من الأمة. ولكن غالبًا ما يأخذ هذا وقتًا طويلًا للغاية. على أية حال، تحتاج الحكومة النقود على الفور، وجملة واحدة، أو على أقساط قليلة، ولهذا الغرض فهي تحتاج إلى وسطاء، وكلاء يمكن لهم أن يقدموا كامل المبلغ فورًا، من يتحملون مسؤولية الحصول على صكوك الدولة التي يتلقونها في التبادل وينقلونها تدريجيًا إلى أيدي الجمهور، والذين إضافة إلى ذلك يحققون ربحًا من الزيادة المفتعلة لهذه الإصدارات في البورصة. هؤلاء الوسطاء هم مصرفيون كبار ولهذا السبب لا تستطيع الحكومة أن تشتبك معهم في شجار الآن.
وهكذا ترون أيها السادة، أن المصرفيين من آل مندلسون وشليكر، وبورصة الأسهم بصفة عامة؛ هم جزء من الدستور!
أو أنني سوف افترض أن الحكومة قد قررت إصدار قانون، مثل ذلك القانون الصيني الذي ينص على أنه إذا سرق الابن فان العقوبة تطال الأب. لن ينجح مثل هذا المقترح، لأنه سوف يناقض الضمير العام والثقافة العامة. كل موظف حكومي، بل وحتى مستشاري الملك، سوف يرفعون أيديهم بفزع، حتى أعضاء مجلس اللوردات سوف يناهضونه. ترون من ثم أيها السادة، أنه وفي حدود معينة فإن الضمير العام والثقافة هي بالمثل جزء من الدستور !
الثقافة والتقاليد هي قوى اجتماعية
أو أنني سوف افترض أن الحكومة قررت إبقاء طبقة النبلاء، والمصرفيين، الصناعيين الكبار، وكبار الرأسماليين راضية، وأن تحرم الطبقة الوسطى والعمال من حريتهم السياسية. هل يمكن لهذا أن ينجح أيها السادة؟
أوه، بالطبع، أيها السادة سوف ينجح هذا لبعض الوقت؛ لقد كانت لدينا الفرصة بالفعل لأن نشهد أنه يمكن تحقيق ذلك بنجاح، وسوف تكون لدينا فرصة لأن نتمعن في هذا فيما بعد.
ولكنني، افترض الحالة الآتية: لا يتقوم المشروع الذي تخيلته ببساطة في حرمان الطبقة الوسطى والعمال من حريتهم السياسية وإنما من حريتهم الشخصية أيضًا، أي أن يقترح أن نعلن أنهم ليسوا أحرارًا وإنما أقنانًا أو أرقاء لكبار الملاك، كما كانت الأوضاع في أماكن كثيرة منذ عدة قرون مضت. هل يمكن لهذا أن ينجح؟
لا، هذا لن ينجح، حتى لو ظاهره الملك، وطبقة النبلاء وكل البورجوازية الكبيرة. لأنكم في هذه الحالة سوف تقولون: لا! إننا نفضل أن نقتل على أن نخضع لهذا! العمال ودون أن ينتظروا بورسيج وإيجلز ليغلقوا مصانعهم، سوف يندفعون في الشوارع، وسوف تهب الطبقة الوسطى لمساعدتهم، ولحد بعيد سيكون صعبًا التغلب على مقاومتهم المشتركة، أنتم ترون أيها السادة، أنه في أشد الحالات تطرفًا، فإنكم جميعًا جزء من الدستور!
الدستور الفعلي
لقد رأينا الآن، أيها السادة، ماذا يعني دستور البلاد، أي: علاقات القوى الفعلية الموجودة في البلاد.
ولكن ما هو هذا الذي يسمى عادة دستورًا؟ ما هو الدستور القانوني / الشرعي ؟ الآن أيها السادة ترون بأنفسكم ما هو.
إنه علاقات القوى الفعلية هذه وقد وضعت على الورق، وقد اتخذت شكلًا مكتوبًا، وبعد أن دونت هكذا، لم تعد ببساطة علاقات قوى فعلية وإنما أصبحت قوانينًا، مؤسسات قانونية، يعاقب من يعارضها!
وكذلك من الواضح لكم الآن، أيها السادة، كيف سجلت علاقات القوى هذه في شكل مكتوب، مما حولها إلى علاقات قانونية.
من الطبيعي أنهم لا يدونون عبارة: السيد بورسيج جزء من الدستور، والسيد مندلسون جزء من الدستور، الخ، ولكنهم يعبرون عن كل هذا بطريقة أكثر نقاوة.
وعلى سبيل المثال، إذا كان من المرغوب فيه أن يؤسس لوضع يكون فيه لعدد صغير من الصناعيين الكبار والرأسماليين في ظل الملكية سلطة تماثل - وأكبر بكثير – من كل مواطني الطبقة الوسطى، والعمال والفلاحين معًا، فإن هذا سوف يكتب بأي حال بصراحة ووضوح، ولهذه الغاية يصدر قانونًا يشبه، على سبيل المثال، القانون الانتخابي على ثلاث درجات لعام 1849، حيث ينقسم السكان وفقه إلى ثلاث فئات انتخابية، مصنفون حسب قدر الضرائب المدفوعة، التي يحددها نصاب الملكية التي يمتلكونها.
وفقًا للقوائم الرسمية التي صدرت في 1849، وبعد إصدار القانون الانتخابي ذي الثلاث درجات، وكان هناك في بروسيا في هذا الوقت 3255600 ناخبين أوليين ويقعون في ثلاث فئات انتخابية:
153808 مصوت ينتمون للفئة الأولى،
409945 مصوت ينتمون للفئة الثانية،
2691950 مصوت ينتمون للفئة الثالثة،
أكرر، أن هذه الأرقام مأخوذة من القوائم الرسمية.
ستلاحظ أن هناك 153808 غاية في الثراء لهم سلطة سياسية في بروسيا تماثل 2691950 مواطن من الطبقة الوسطى، والفلاحين أو العمال، وأضف إلى، هؤلاء الـ 153808 ممن هم غاية في الثراء و409945 ممن هم أثرياء باعتدال التي تؤلف الفئة الثانية لها تماما سلطة سياسية ضعف ما لدى بقية الأمة معًا، حتى الـ 153808 الذين غاية في الثراء مع نصف المصوتين 409945 من الفئة الثانية لها سلطة سياسية أكثر من النصف الباقي ممن هم أثرياء باعتدال مع الـ 2691950 من الفئة الثالثة.
العلاقات الطبقية والدستور المكتوب
وهكذا ترون أنه بهذه الطريقة تمامًا فإننا نحصل على نفس النتيجة كما لو كانت الحالة مدونة في الدستور بكلمات فجة مثل: للشخص الغنى سلطة سياسية تعادل سبعة عشر ضعفًا مقارنة بالمواطن العادي أو سبعة عشر شخصًا آخرين.
قبل إصدار هذا القانون الانتخابي على ثلاث درجات، كان نافذًا، بالتوافق مع قانون أبريل 1848، نظام انتخابي عام منح كل مواطن في ظله بغض النظر عما إذا كان غنيًا أو فقيرًا، حق المشاركة على قدم المساواة في تحديد إرادة وهدف الدولة. أنتم ترون في هذه الظروف أيها السادة، تصديقًا لما لاحظته سلفًا؛ هذا سهل بما يكفى، لسوء الحظ، لحرمانكم؛ مواطني الطبقة العاملة والطبقة الوسطى، من حريتكم السياسية مادام الحق في الممتلكات الشخصية وأجسامكم وممتلكاتكم لم ينتهك مباشرة وبعنف. لقد تخليتم بخفة عن حقكم المتساوي في الانتخاب العام. وفي حدود معلوماتي أنه منذ أن حدث ذلك لم يتم أي تحريض بصدد استعادة هذا الحق.
أضف إلى ذلك، إذا كان من المرغوب فيه أن ينص في الدستور على أن عددًا قليلًا من طبقة النبلاء سوف تكون لهم سلطة تعادل كل الأغنياء، والموسرين ومن لا ملكية لهم - سلطة تعادل أصوات الناخبين في الفئات الثلاث معًا، أي، الأمة كلها – سوف يتم تجنب صياغة الأمر مرة أخرى بهذه الطريقة الفجة (لأنه ولاحظوا جيدًا، أيها السادة، مرة وإلى الأبد، إن أي شيء واضح ومكشوف يبدو مبتذلًا) ولكن سوف يتم صيغته على النحو التالي: سوف يكون هناك مجلس لوردات مشكل من بين ملاك الأرض القدامى، ويتعين أخذ موافقتهم على كل القرارات الصادرة عن مجلس العموم، ومن ثم فمفاد ذلك أن السلطة السياسية قد أعطيت لحفنة من الأرستقراطية العقارية التي ترجح إرادة إجماع الأمة وكل طبقاتها.
وإذا كان من المرغوب فيه أيضًا أن يُنَص في الدستور على أن يكون للملك شخصيًا سلطة تعادل – أو حتى أكبر من – كل الفئات الثلاث مجتمعة معًا، أكبر من الأمة كلها حتى إذا وضعت معها الأرستقراطية العقارية، حينئذ يتم هذا على النحو التالي:
تنص المادة 47 من الدستور على أن: "يعين الملك كل المناصب في القوات المسلحة"، ونقرأ المادة 108: "لا يقسم الجيش قسم الولاء للدستور"، وإلى جانب هذه المادة قامت نظرية تأسست من ناحية المبدأ على هذه المادة؛ تلك التي تتصل بالجيش حيث يشغل الملك فيها تقريبًا مركزًا مختلفًا تمامًا عن علاقته بكل مؤسسات الدولة الأخرى، ففي تلك التي تتصل بالجيش هو ليس الملك فقط، وإنما شيئًا آخرًا، خاص بشكل مطلق، غامض، وغير معروف، لأن مصطلحا خاصا قد نحت خصيصا من اجل ذلك ، "رئيس الحرب" ( سيد الحرب Kriegsherr)، وبسبب هذه الاعتبارات تبين أن مجلس العموم أو الأمة لا علاقة لهما بالجيش، ولا يمكن أن تتدخلا في شئونه وتنظيمه، وإنما يمكن لهما أن يصوتا لتمويله.
لابد أن نقر أيها السادة – إن الحقيقة تأتي أولًا! - أن هذه النظرية لها أساس لا يمكن إنكاره في المادة 108 من الدستور. لأنه إذا أعلن الدستور ذات مرة أن القوات المسلحة، بخلاف كل مؤسسات الدولة الأخرى، بمن فيهم الملك والضباط، لا حاجة بهم لأن يقسموا على الولاء للدستور ذاته، إذن يُعترف من ناحية المبدأ أن الجيش يقف خارج الدستور، وما من شيء يجمعه به، ومفاد ذلك أنه يرتبط حصريًا بشخص الملك بمفرده وليس الأمة.
مصدر سلطة الملك
متى تأسس ذلك، لا يتمتع الملك بسلطة سياسية تعادل بل ترجح عشر مرات الأمة كلها إن وضعت معًا حتى لو كانت قوة الأمة الفعلية هي عشرة، أو عشرين، أو خمسين مرة أعظم من قوة الجيش. وسبب هذا التناقض الظاهري غاية في البساطة.
إن أداة الملك في سلطته السياسية وهو الجيش، منظم، ويتحرك دائمًا، منضبطًا ومستعدًا دائمًا للحركة؛ بخلاف قوة الأمة، حتى وإن كانت أعظم، فهي غير منظمة. إرادة الأمة، وبصفة خاصة درجة التصميم الضروري لتطبيق هذه الإرادة، ليس من السهل إدراكها حتى للشعب نفسه، ما من أحد يعلم إذن كم واحدًا على وجه الدقة سيتبعه. في نفس الوقت، تفتقر الأمة لتلك الأسلحة التي تمتلكها القوى المنظمة. تلك الدعامات الدستورية الأهم التي أشرت إليها سلفا؛ المدافع. من الحقيقي أنه يدفع لهم من الموارد القومية، ومن الحقيقي أنهم استعدوا واعدوا فقط بسبب العلم الذي ينبثق من المجتمع؛ الفيزياء، التقنية، الخ. إن وجودهم ذاته هو دليل على القوة الكبرى للمجتمع المدني، لنجاحات العلم الكبرى، التقنية، التصنيع، والمهارات من كل الأنواع.
دور الجيش في ظل الملكية
ولكن علينا هنا أن نتذكر قصيدة لفرجيل: Sic vos non vobis! لقد صنعته لكنك لم تصنعه لنفسك! لأن المدافع قد صنعت دوما للقوة المنظمة، ومن ثم تعرف الأمة أنه في حالة الصدام سوف تجد أن منتجات سلطتها هذه مصطفة ضدها. ولهذا فإن القوة المنظمة حتى وإن كانت صغيرة عدديًا غالبًا ما تستطيع ولوقت طويل أن تهزم القوى غير المنظمة للأمة حتى وإن كانت أكبر، إلى أن تنمى إرادتها ووعيها من خلال قيادة رشيدة وخلق مناسبات لتمرس الجماهير، آنئذ يمكن للقوة الكبرى غير المنظمة أن تكون مستعدة لمواجهة القوة المنظمة.
نحن نعرف الآن جوهر كل من دستوري البلاد، دستورها الفعلي – علاقات القوى الفعلية الموجودة في البلاد – ودستورها المكتوب الذي إذا ما ميزناه بالتضاد مقارنة بالأول يمكن أن نسميه قصاصة من ورق.
من الواضح أن الدساتير الفعلية قد عاشت في كل البلاد وفي كل الأوقات، وما من شيء أشد ضحالة أو أشد تضليلًا من الفكرة الشائعة عن أن الدساتير تخص العصر الحديث.
لكل بلد في كل عصر من ثم دستور فعلي. ولكن ما هو خاص بالعصور الحديثة – ومن المهم أن نتذكر هذا دائمًا – ليس الدستور الفعلي وإنما الدستور المكتوب؛ قصاصة الورق.
في الواقع، نحن نشهد في العصور الحديثة نضالًا في كل البلدان تقريبًا من أجل تأمين دستور مكتوب يصيغ القانون الأساسي، على قصاصة من الورق، المبادئ التي ستقوم عليها المؤسسات والممارسات الحاكمة للبلاد.
ما هو سبب هذا النضال الخصوصي للأزمنة الحديثة؟
النضال الحديث من أجل دستور مكتوب
وهذا سؤال آخر مهم، بالإجابة عليه فقط يمكننا أن ننهض بمهمة وضع دستور، كيف نفكر في الدساتير التي حصلنا عليها بالفعل وأي موقف نتخذه إزاءها. فقط من إجابة هذا السؤال يمكن أن نبلغ فهمًا لفن كيفية وضع الدساتير وكل الحكمة الدستورية. وعلى ذلك أسأل: ما هو سبب النضال الخصوصي في الأزمنة الحديثة للحصول على دساتير مكتوبة؟ حسنًا، من أي مصدر يأتي؟
من الواضح، فقط من حقيقة أن تغييرًا جرى في علاقات القوى الفعلية في البلدان التي جرى فيها هذا النضال. إذا بقيت العلاقات ثابتة، إذا ألحت بشكلها القديم، فسوف يكون من المستحيل ومما لا يمكن تصوره أن يشعر هذا المجتمع بأنه مضطر لصياغة دستور جديد. سوف يحتفظ بالقديم، وفي أقصى الأحوال، سوف يضم معًا فحسب الأقسام المشتتة من دستوره.
كيف تجرى التغيرات في علاقات القوى الفعلية داخل المجتمع؟
تطور الملكية المطلقة
دعونا نتخيل دولة قروسطية قليلة السكان – مثلما هو الحال على الأغلب في كل الدول القديمة – حيث يوجد أمير وطبقة نبلاء تملك أغلب البلاد. بسبب تشتت السكان، قسم ضئيل فقط من السكان يمكنه أن ينخرط في الصناعة والتجارة، ما دامت أغلبية السكان ما تزال تحتاج إلى أن تعمل في الأرض وأن تنتج السلع الزراعية. وما دامت الأرض تملكها كلها على الأغلب طبقة النبلاء وتدخل في علاقات متنوعة مع الأخيرة بوصفهم تابعين، وأقنانًا، وعبيدًا، ومستأجرين وراثيين الخ. تعبر هذه العلاقات جميعًا عن درجات مختلفة من نفس وذات اعتماد الشعب على طبقة النبلاء، وهذا الاعتماد يضطر السكان لأن يخدموا كأتباع وأن يشتركوا في حروبهم وثأرهم. اعتمادًا على فائض المنتجات الزراعية لإقطاعاتهم، تستبقى طبقة النبلاء في قلاعها حراسًا وفرسانًا؛ محاربين من كل نوع. وليس للأمير، في مواجهة قوة طبقة النبلاء، قوة أخرى فعلية سوى دعم هؤلاء النبلاء الذين يتبعونه طوعًا – لأنه سوف يجد صعوبة في إجبارهم - ومعهم المساعدة التي لا يؤبه لها من المدن قليلة السكان.
ماذا يمكن أن يكون عليه دستور دولة كهذه؟
سوف يتوافق بالضرورة مع علاقات القوى الفعلية في البلاد.
سوف يختص الدستور طبقة النبلاء، بوصفها طبقة، في كل شأن بالمركز الأول الحاكم. وبدون قبول ومصادقة طبقة النبلاء، لن يكون الأمير قادرا على أن يطلب ما قيمته فلسًا كضرائب؛ سوف تكون علاقته بطبقة النبلاء هي a primus inter pares؛ علاقة أول بين متساوين. ويا أيها السادة، هذا هو نوع الدستور تمامًا الذي امتلكته بروسيا وغالبية الدول الأخرى خلال القرون الوسطى.
الآن دعونا نفترض أن السكان بدءوا في الزيادة بسرعة أكثر فأكثر، وبدأت الصناعة والصناعة اليدوية في الازدهار، وهكذا تقدم وسائل العيش لنمو جديد في السكان، الذين يبدءون في ملء المدن. يتطور رأس المال والثروة النقدية في أيدى البورجوازية والطوائف الحرفية المدينية. ماذا يحدث عندئذ؟
إن نمو سكان المدينة، وهو نمو مستقل عن طبقة النبلاء بل بالأحرى معادٍ لها، يمارس أثره في صالح الأمير، فهو يزيد من إمداد المحاربين الذين تحت إمرته، ومع المساعدات من المواطنين المدينيين والمشاريع الإنتاجية؛ الذين يعانون من الاضطرابات الناجمة عن الحروب الإقطاعية الدائمة؛ والذين تاقوا إلى النظام والأمن ونظام قانوني متماسك لصالح التجارة والصناعة؛ والذين هم من ثم على استعداد لدعم الأمير بالرجال والأموال، وهو يستطيع حينما تنشأ الحاجة، أن يحشد قوة عسكرية تفوق لحد بعيد قوى طبقة النبلاء. ثم يبدأ الأمير في أن يضيق أكثر فأكثر من سلطات طبقة النبلاء. وينتزع منهم حق شن الحرب.
فإذا انتهكت طبقة النبلاء قانون البلاد، ينطلق الأمير لهدم قلاعهم، وأخيرًا، في مجرى الزمان، تزيد الصناعة الثروة النقدية وسكان البلاد إلى الحد الذي يمكن الأمير من تشكيل جيش دائم، ويمكن للأمير أن يحرك فرق جيشه في مواجهة الفئة الحاكمة؛ طبقة النبلاء... وهو يلغى الإعفاءات الضريبية التي تتمتع بها طبقة النبلاء وكذلك حقها في فرض جباية ضريبية على المجتمع.
ترون هنا كيف أن تغييرًا في علاقات القوى الفعلية يؤدى إلى تغيير في الدستور ويؤسس للملكية المطلقة.
ليس الملك في حاجة لكتابة دستور جديد، والملكية عملية لأقصى حد حتى تبدد وقتها في ذلك. في يد الملك أداة القوة الفعلية، الجيش الدائم الذي يشكل الدستور الحقيقي للمجتمع، وفي مجرى الزمان، يعترف الملك وأتباعه بالفعل بهذا بوصف المجتمع بأنه "دولة عسكرية".
إذ لم تعد طبقة النبلاء قادرة على أن تنافس الملك، فإنها تتخلى أخيرًا عن فكرة الاحتفاظ بقوات مسلحة لنفسها. وينسون معارضتهم السابقة للملك، وينسون مركزهم المتساوي القديم مع الملك، ويعتزل أغلبهم في إقطاعياتهم، ليقبضوا معاشاتهم ويسهموا في مجد الملك.
نشأة البورجوازية
كيفما كان الأمر، تستمر الصناعة والتجارة في التطور، وبقدر ما تزدهرا، ينمو السكان أكثر فأكثر.
يبدو على السطح أن هذا التقدم يعمل كما كان الأمر قبلًا في صالح الملك الذي تمكن من ثم من زيادة قواته المسلحة ...
ولكن أخيرًا، يحقق تقدم المجتمع المدني تناسبًا سريعًا حتى يصبح من المستحيل على الملك أن يبقى، حتى من خلال الجيش في ذات النطاق رغم القوى النامية للمواطنين المدينيين.
سوف توضح بضعة أرقام هذا الأمر.
فى عام 1657 ، كان في برلين 20000 مقيم. وفي نفس هذه الفترة، بلغ عدد الجيش ما بين 24000 و30000.
في عام 1803، ضمت برلين 153070 مقيمًا. في 1819، أي بعد ستة عشر عامًا، 192646. بلغ الجيش الدائم في هذا العام 137639 رجلًا... وكما ترون، زاد الجيش الدائم أربعة أضعاف. ولكن سكان برلين تضاعفوا أكثر من تسعة أضعاف.
والآن هناك شيء آخر، وحتى تطور غير عادى يبدأ.
في عام 1846، زاد سكان برلين إلى حوالي 389308 - تقريبا 400000 – ضعف ما كانوا عليه في 1813. في خلال ستة وعشرين عامًا، أصبح سكان المدينة أكثر من الضعف...
من ناحية أخرى ، بلغ الجيش الدائم في 1846 فقط 138810 مقابل 137639. لقد نما بالكاد منذ 1819، ولم يشارك على أي نحو في النمو الضخم للسكان المدنيين.
مع هذا النمو الضخم، يبدأ سكان المدينة في اعتبار أنفسهم قوة سياسية مستقلة. يدًا بيد مع نمو السكان هذا يتساوق النمو في الثروة وكذلك بالمثل يحدث نمو مذهل للعلم، والتعليم العام، والوعي العام، والثقافة؛ التي تشكل كما نعرف، جزءًا من الدستور. يبدأ سكان المدينة في الحديث هكذا: "نحن لن نبقى بعد ذلك جمهورًا لطيفًا يقوده الملك؛، نحن نرغب في أن نحكم أنفسنا ، والملك لابد أن يحكم ويشغل نفسه بشئوننا بالطريقة التي نرغبها نحن".
بإيجاز، فإن علاقات القوى الفعلية في المجتمع قد تغيرت. بمعنى آخر لقد حان أوان 18 مارس 1848!
وهكذا ترون أيها السادة، نشأ نفس الوضع الذي افترضناه في البداية بوصفه افتراضيًا ومستحيلًا. لقد افترضنا أن المجتمع قد فقد كل قوانينه بسبب حريق. وفى الواقع فقد فقدوا لا بسبب حريق وإنما بسبب عاصفة.
“Das Volk stand auf.
Der Sturm brach los.”
لقد نهض الشعب،
وانطلقت العاصفة
سبب هزيمة ثورة 1848
بعد ثورة ناجحة في المجتمع، تبقى الحقوق الخاصة غير منتهكة، ولكن كل القوانين التي ترتبط بالصراعات العامة إما أن يطاح بها أو تستبقى طابعًا مؤقتًا، ولابد أن تسن قوانين جديدة.
تنشأ الحاجة آنئذ لصياغة دستور جديد ومكتوب. وقد دعا الملك نفسه إلى جمعية وطنية في برلين من أجل إصدار دستور مكتوب، أو - كما قيل فيما بعد – أنهم توصلوا معه لاتفاق بشأنه.
وقد وصلنا الآن للسؤال: ما هي الشروط الضرورية لدستور جيد ومستقر؟
يتبين من كامل عرضنا بوضوح أن هناك شرطًا لازمًا، أعني، أنه ينبغي على الدستور أن يتوافق مع علاقات القوى الفعلية القائمة في البلاد. حينما لا يكون هذا حقيقيًا فإن نزاعًا لا يمكن قمعه ينشأ، وهو أمر لا يمكن تجنبه. وفي هذا النزاع فإن الدستور المكتوب – تلك القصاصة من الورق – تنهزم دوما من قبل الدستور الفعلي؛ علاقات القوى الفعلية في البلاد.
أي مسار كان يتعين اتّباعه؟
كان يتعين، قبل كل شيء، عدم عمل دستور مكتوب، وإنما دستور فعلى، يحدث تغييرًا في علاقات القوى الفعلية في البلاد لصالح المواطنين.
من الحقيقي أن أحداث 18 مارس قد أظهرت أن قوة الأمة كانت بالفعل أعظم من قوة الجيش الدائم. فبعد معركة طويلة دامية اضطرت القوات للتراجع.
ولكنني قد لفت انتباهكم قبلًا إلى الاختلاف الهام بين قوة الجيش وقوة الأمة، وهو أن قوة الجيش، رغم أنه أصغر عدديًا، فهو أكثر حقيقية على مدى زمني معين من قوة الأمة التي تفوقه لحد بعيد.
ينشأ الاختلاف، كما تتذكرون، من حقيقة أن قوة الأمة غير منظمة بينما قوة الجيش منظمة، دائمة التدرب، وقادرة على شغل الميدان في أي وقت ضد الأمة، التي تتحد من أجل العمل فقط تحت تأثير الأحداث الكبرى وفي لحظات نادرة.
نتيجة لذلك، كان يتعين حتى لا يصبح انتصار 18 مارس فارغًا بالنسبة للشعب، أن توظف لحظة الانتصار لتغيير تنظيم الجيش بحيث يستحيل علي الجيش الدائم أن يوظف ثانية كأداة في يد الملك ضد الأمة.
كان يجب تحديد الوقت الذي يقضيه الجندي في الخدمة، على سبيل المثال، بمدة لا تجاوز ستة شهور، وهي فترة تقر السلطات العسكرية بأنها كافية لمواطن حتى يتعلم الفنون العسكرية ولكنها ليست طويلة حتى تطور سيكولوجيا فئوية. أضف إلى ذلك فإن هذه الفترة القصيرة سوف يترتب عليها تزويد دائم للجيش من صفوف الشعب، ومن ثم تحويله من جيش الملك إلى جيش الشعب.
كان لابد، إضافة إلى ذلك، أن يشترط أن كل الضباط الصغار – على الأقل حتى رتبة رائد – لابد أن ينتخبوا من رجالهم ولا يعينوا، حتى لا يشغل مراكز الضباط من لهم روح معادية أساسًا للشعب وهذا يعمل في تسهيل تحول الجيش إلى أداة عمياء لسلطة الملك.
يجب أن يخضع الجيش أيضًا – عدا في الأمور المنفصلة العسكرية المحضة – للمحاكم المدنية العادية، حتى يبقى جزءً من الشعب وليس شيئًا منفصلًا عنه، والحيلولة دون تطوير روح الفئة.
لابد وأن يكون كل السلاح المخصص لأغراض الدفاع – عدا تلك القطع الضرورية ضرورة مطلقة لأغراض التدريب – في حيازة السلطات المدنية المنتخبة من الشعب.
لما حافظت الملكية البروسية على وجودها
من كل هذا، لم نفعل أي شيء في ربيع وصيف 1848. وبعد هذا، هل يمكن لنا أن نندهش من أن الثورة المضادة في نوفمبر 1848 قد جعلت انجازات مارس لا معنى لها؟ بالتأكيد لا، إن رد الفعل هذا كان نتاجًا حتميًا لحقيقة أنه لم تجرِ تغيرات في علاقات القوى الفعلية الحقيقية.
إن الملوك، يا أصدقائي، مخدومون أفضل منكم لحد بعيد! إن خدم الملوك ليسوا متحدثين جيدين، مثل كثير من خدام الشعب. إنهم أناس عمليون، يفهمون غريزيًا ما هو جوهري. كان السيد فون مانتويفل متحدثًا رديئًا. ولكنه كان رجلًا عمليًا! عندما حظر الجمعية الوطنية، في نوفمبر 1848، وأنزل المدافع إلى الشوارع؛ ما الذي توجه لفعله أولًا؟ أن يكتب دستورًا رجعيًا؟ مطلقًا. لقد عرف أن أمامه متسع من الوقت لذلك. وقد أعطاكم بالفعل دستورا ليبراليًا للغاية في ديسمبر 1848.
ولكن بأي شيء بدأ في نوفمبر؟ ماذا كان إجراءه الأول؟ أوه، أيها السادة، أنتم تتذكرون ذلك، بالطبع، لقد بدأ بتجريد المواطنين من السلاح، بنزعه السلاح منهم. أنتم ترون، أيها السادة، إن أول عمل يقوم به المنتصر، إذا كان لا يرغب في انفجار العداوات مجددًا ضده في أية لحظة، هي أن يجرد المهزوم من السلاح.
عانينا في بداية تحليلنا لتوضيح الطبيعة الجوهرية للدستور. قد يبدو للبعض أن ذلك قد تم عمله بمشقة. ولكن لابد وأنكم لاحظتم، أننا ما أن قبضنا على الجوهر، فقد تلى ذلك النتائج والاستنتاجات الأشد إدهاشًا الواحدة بعد الأخرى، وأن لدينا الآن فهم أفضل بكثير، وأوضح بكثير للمسألة أكثر مما لدى الآخرين؛ لقد وصلنا، بالفعل، إلى نتائج مناقضة مباشرة لتلك النظرات التي تهيمن على العقل الجمعي.
دعونا نحلل بإيجاز بعضًا من هذه الاستنتاجات.
لقد بينت أنه في عام 1848 لم يتخذ أيًا من الإجراءات الضرورية التي كان يمكن لها أن تغير علاقات القوى الفعلية في البلاد؛ أي التي كان يمكن أن تحول الجيش من أداة للملكية إلى أداة للشعب.
لقد تصادف أن كان هناك، اقتراح واحد، مال لهذا الاتجاه ومثل الخطوة الأولى في هذا الطريق. أقصد مقترح شتين، الذي استهدف إجبار الوزارة على إصدار أمر للجيش هدفه عزل كل الضباط الرجعيين من مناصبهم.
لكنكم سوف تتذكرون، أيها السادة، أن الجمعية الوطنية لم تسارع بتبني هذا المقترح مثلها مثل البورجوازية بكاملها ومعها نصف البلاد حيث صرخوا: "إن وظيفة الجمعية الوطنية هي أن تصيغ دستورًا، لا أن تتشاحن مع الوزارة، ولا أن تبدد الوقت في الأمور العارضة، وليس لها أن تتدخل في شئون السلطة التنفيذية". "اكتبوا دستورًا، فقط اكتبوا دستورًا" هكذا انتشرت الصرخة كما لو أن حريقا قد شب.
وهكذا ترون، أن كل البورجوازية ونصف البلاد الذين أطلقوا هذه الصرخة، لم يعرفوا شيئًا مطلقًا عن جوهر الدساتير!
لابد أن يعكس الدستور العلاقات الطبقية الفعلية
تمثل صياغة دستور مكتوب، أقل الأمور أهمية، فهذا يمكن القيام به، خلال ثلاثة أيام، وهو آخر شيء كان يتوجب عمله. لقد جرى هذا قبل أوانه ومن ثم كان بلا فائدة. أن نغير علاقات القوى الفعلية في البلاد؛ أن نتدخل في السلطة التنفيذية؛ أن نتدخل بطريقة، لنغيرها بشكل لا تستطيع فيه أن تضع نفسها ثانية بشكل مستقل في مواجهة إرادة الأمة؛ هذا ما كان ضروريا، هذا ما كان ينبغي عمله حتى نجعل الدستور مستقرًا.
بقدر ما بدأت الجمعية الوطنية العمل على الدستور المكتوب مبكرًا، بقدر ما لم تمنح الوقت حتى لإنهائه، وأزيحت بواسطة أدوات السلطة التنفيذية التي لم تحطم.
الاستنتاج الثاني؛ تخيلوا أن الجمعية لم تزاح وأنها نجحت بالفعل في صياغة وتبني دستور.
هل كان هذا سيغير الأمر جوهريًا؟
على الإطلاق، أيها السادة، والدليل على ذلك يكمن في الحقائق ذاتها. لقد حظرت الجمعية الوطنية، لكن الملك، استخدم الوثائق التي تركتها وراءها تلك الجمعية، وكتب وأعلن دستورًا في 5 ديسمبر 1848، والذي كان في نقاطه الرئيسية هو الدستور الذي كان يمكن أن نتوقعه من الجمعية.
وهذا الدستور هو منحة من الملك – لم ينتزع منه – وإنما أعطاه طوعًا بعد انتصاره. ولهذا السبب أكثر يتبين لما ينبغي لهذا الدستور، كما يبدو، أن يكون مستقرًا.
لا، أيها السادة! مستحيل تمامًا! إذا كانت لديكم شجرة تفاح في الحديقة وعلقتم عليها لاصقة كتبتم عليها "هذه شجرة كمثرى" هل تتغير شجرة التفاح بناء على ذلك؟ لا. وإذا ما جمعتم كل عائلاتكم وكل المقيمين في المقاطعة وأقسمتم بصوتٍ عالٍ واحتفالي: "هذه شجرة كمثرى"، سوف تبقى الشجرة كما هي وسوف تثمر في العام القادم تفاحًا وليس كمثرى.
وهكذا الأمر مع الدستور. لا فارق فيما كتب على قصاصة من الورق، ما دام يناقض وضع الأشياء الفعلي، علاقات القوى الفعلية.
تنازلات لا معنى لها
منح الملك في قصاصة الورق المؤرخة 5 ديسمبر 1848 عددًا من التنازلات، كلها، على أية حال ، تناقضت مع الدستور الفعلي، علاقات القوى الفعلية؛ السلطة التي استمرت في يد الملك بلا نقصان. لهذا السبب كان على الدستور الفعلي أن يفرض نفسه خطوة فخطوة على الدستور المكتوب بنفس الضرورة التي تكمن خلف قانون الجاذبية. ورغم أن دستور 5 ديسمبر 1848 قد تم تبنيه من قبل لجنة مراجعة، كان على الملك أن يجرى التغيير الأول فيه: قانون الانتخاب على ثلاث درجات لعام 1849. بمساعدة المجلسين اللذين تأسسا بمقتضى نفس القانون الانتخابي، أدخلت التغييرات الأساسية اللاحقة على الدستور حتى اقسم الملك على دعمه عام 1850. وبعد أن أقسم، بدأت التغييرات حقًا! كل عام منذ 1850 يحمل علامة هذه التغييرات. ما من راية خفقت في مائة معركة مزقت أكثر وأصيبت بالخروق مثلما حدث لدستورنا!
الاستنتاج الثالث؛ تعلمون أيها السادة، أن هناك في هذه المدينة حزب، لسان حاله الرسمي جريدة الشعب (Volkszeitung)؛ حزب، أقول، أنه يحرس بحمية بقايا هذه الراية؛ دستورنا البالي، حزب يسمى نفسه بسبب هذا "الأتباع المخلصون للدستور" وشعاره "دعونا نتشبث بالدستور! بحق السماء، الدستور! الشرطة! ساعدونا! العون! مقدور علين ! نحن هالكون!".
أيها السادة، حينما وحيثما تصادفون حزبًا شعار معركته الدعوى الجبانة؛ "دعونا نتشبث بالدستور"، ماذا يمكن أن تستنبطوا من هذا؟ وأنا لا أسألكم عن نواياكم ولا رغباتكم. إنني اسأل فقط عن أفكاركم، أي استنتاجات سوف تستخلصونها من مثل هذا المشهد؟
حسنًا، أيها السادة، لسنا في حاجة إلى أن نكون أنبياء، سوف تقولون بيقين إن هذا الدستور يقف على مؤخرته، فهو طيب مثل الموتى، فبعد بضع سنوات، سيتعين عليه أن يكف عن الوجود. الأسباب بسيطة؛ مادامت الدساتير المكتوبة تطابق علاقات القوى في الأمة، لن ترفع مثل هذه الشعارات أبدًا. يبتعد المرء مسافة عن مثل هذا الدستور ويحترس من الاقتراب أكثر. ولا يفكر أحد في الاشتباك مع دستور كهذا ، وإلا سيتأتى عن ذلك الأسوأ إن حدث. حينما يتوافق الدستور وعلاقات القوى الفعلية، لن يتراءى لأي حزب أن يتبنى شعارا كشعار "التشبث" به. وحينما يسمع مثل هذا الشعار، فإنها علامة مؤكدة لا تقبل الجدال على أنه صيحة ذعر، بمعنى آخر، إنه دليل على أن هناك شيئا ما في الدستور المكتوب يناقض الدستور الفعلي؛ علاقات القوى القائمة. وحينما يوجد تناقض كهذا فإن الدستور المكتوب مقضي عليه لا محالة؛ ولا يستطيع الرب ولا الصرخات إنقاذه!
يمكن تعديله – إلى اليسار أو إلى اليمين – لكنه لن يبقى. إن شعار الحفاظ عليه بذاته سوف يشي بذلك عند أي إنسان مفكر. يمكن تعديله ناحية اليمين حين تغيره الحكومة بطريقة توكل فيها السلطة للقوة المنظمة في المجتمع. أو أن تنهض القوة غير المنظمة في المجتمع وتظهر مجددًا تفوقها على القوة المنظمة. في هذه الحالة، سوف يتغير الدستور إلى اليسار بنفس درجة ميل الحالة السابقة إلى اليمين. وفي الحالتين الدستور ضائع.
فن وحكمة كتابة الدساتير
إذا كنتم أيها السادة لم تكتفوا بتحليل خطابي الذي تشرفت بإلقائه عليكم بعناية، وإنما تمعنتم في كل الاستنتاجات التي تترتب عليه، فسوف تكتسبون جماع الفن الدستوري والحكمة الدستورية.
ليست المسائل الدستورية أولًا وقبل أي شيء مسألة حق وإنما مسألة قوة، يكمن الدستور الفعلي لأي أمة في علاقات القوى الواقعية الفعلية القائمة، أما الدساتير المكتوبة فتكون صالحة ومستقرة فقط، حينما تعبر بدقة عن علاقات القوى الفعلية في مجتمع ما؛ هذه هي المبادئ التي يتعين عليكم أن تتذكروها.
لقد طورت اليوم هذه المبادئ في صلتها بالقوة العسكرية؛ أولًا، لأن الوقت لم يسمح لي أن أحلل جوانب أخرى، وثانيًا، لأن القوى المسلحة هي القوة ذات الوزن والحاسمة من بين كل القوى المنظمة. ولكنكم تفهمون أن نفس الشيء ينطبق على تنظيم إدارة القضاء، موظفي الحكومة، الخ. فهذه أيضًا تمثل أدوات القوة المنظمة في المجتمع.
تذكروا هذا الخطاب جيدًا، أيها السادة، وسوف تعلمون، إذا ما وضعتم أبدا مرة أخرى في مركز يمكنكم من كتابة دستور، كيف تتناولونه وكيف يمكن للمهمة أن تنجز فقط من خلال تغيير علاقات القوى الفعلية وليس من خلال تسويد صحيفة من ورق.
حتى آنئذ، وللاستعمال اليومي، سوف يكون لديكم أيضًا ما استخلصتموه من خطابي، دون أن أكون قد قلت كلمة عنه؛ ما هي الإلحاحية التي استدعت الإصلاحات العسكرية الجديدة، فيما يتعلق بزيادة القوات المسلحة، التي تُطلب منكم من خلال البرلمان. سوف تكونون الآن قادرين أن تلمسوا المصدر الداخلي الذي تنبثق منه مثل هذه الاقتراحات.
الملكية أيها السادة، لديها موظفون عمليون، لا خطباء مفوهون، ولكن مثل هؤلاء الموظفون العمليون، هم ما أرغب في أن يتوفروا لكم.

(11)
احتجاج الشعب الفنلندي()
فلاديمير إ. لينين
ننشر أدناه النص الكامل لعريضة جماهيرية أخرى يعبر من خلالها الشعب الفنلندي عن احتجاجه الشديد ضد سياسات الحكومة، التي انتهكت ومازالت تنتهك، الدستور الفنلندي، حانثة بالقسم المقدس الذي اقسمه كل القياصرة ، من ألكسندر الأول حتى نيقولا الثاني.
لقد قدمت العريضة لمجلس الشيوخ الفنلندي في 17 سبتمبر 1901، لتسليمها للقيصر. وقد وقعت من قبل 473363 مواطن فنلندي شملت رجالًا ونساءً من كل فئات المجتمع، أي، تقريبا نصف مليون مواطن. يبلغ عدد سكان فنلندا الإجمالى 2500000 نسمة، وهكذا فإن هذه العريضة تعبر بشكل حقيقي عن صوت الشعب كله.
وإليكم النص كاملًا:
"أيها العاهل القوي، الرحيم، الإمبراطور والدوق الأعظم! إن تغيير جلالتكم الملكية لقانون الخدمة العسكرية في فنلندا قد أثار ذعرًا عامًا وحزنًا عميقًا عبر الإقليم.
إن الأوامر، والبيان، والقانون حول الخدمة العسكرية، الذي صادقت عليه جلالتكم الإمبراطورية في 12 يوليو (29 يونيو) هذا العام تمثل كلها انتهاكًا كاملًا للقوانين الأساسية للدوقية العظمى، وللحقوق الغالية التي تخص الشعب الفنلندي وكل مواطني البلاد بفضل قوانينها.
مع مراعاة القوانين الأساسية، واللوائح التي تحكم واجبات المواطنين للدفاع عن الإقليم يمكن للقوانين أن تصدر فقط بشرط مصادقة الدايت(). كان هذا هو الإجراء الذي صدر به قانون الخدمة العسكرية لعام 1878، وقد روعي الاتفاق بين الإمبراطور ألكسندر الثاني والدايت حيث صدر بشكل مشترك. وخلال حكم الإمبراطور ألكسندر الثالث، أجريت عدة تغييرات نوعية في هذا القانون، ولكن لم يكن أيًا منها دون إقرار الدايت. بالرغم من هذا، فقد أعلن إلغاء قانون 1878، بدون إقرار الدايت، والأوامر الجديدة التي صدرت وحلت محل القوانين القديمة فتختلف اختلافًا كليًا مع قرار المندوبين المبعوثين للدايت الاستثنائي عام 1899.
أحد أهم الحقوق التي خولت لكل مواطن فنلندي هو حق أن يحيا ويعمل تحت حماية القوانين الفنلندية. اليوم، آلاف الآلاف من المواطنين الفنلنديين محرومين من هذا الحق لأن قانون الخدمة العسكرية الجديد يجبرهم على أن يخدموا في الوحدات الروسية ويحول الخدمة العسكرية إلى معاناة لأبناء وطننا ممن سوف يجندون جبرًا في هذه الوحدات، وهم غرباء عنهم في اللغة، والدين، والسلوك، والعادات.
تقضي اللوائح الجديدة على كل حد قانوني ثابت للأعمال السنوية المشتركة. أضف إلى ذلك، فهي لا تعترف بأي حق تمنحه القوانين الأساسية للدايت في الإسهام في إعداد الميزانية العسكرية.
انتهاكًا للمبدأ الأساسي لقانون 1878، حتى الميليشيا قد جعلوها تعتمد تمامًا على أريحية وزير الحرب.
إن الانطباع الذي خلقته هذه اللوائح لم تعدله إجراءات الإعفاء التي أشير إليها في البيان، أي أنها تنفذ لفترة انتقالية لم تعين بعد، لأن النقص المؤقت في عدد المجندين سوف يتبعه مباشرة مجندون لا حد لهم للخدمة مع الوحدات الروسية.
لم يطلب الشعب الفنلندي إعفاءه من العبء العسكري الذي حمله. لقد أثبت الدايت الذي يعبر عن رأى الشعب، استعداد فنلندا لزيادة نصيبها في الدفاع عن الدولة بقدر ما تستطيع، بشرط أن يظل المركز القانوني للقوات الفنلندية كمؤسسة فنلندية محفوظًا.
وعلى النقيض من هذا، تنص اللوائح الجديدة على أن أغلبية الوحدات الفنلندية لابد أن تلغى على أن يسمح للضباط الروس بدخول الخدمة في الوحدات القليلة الأخرى المتبقية، كما أن ضباط الصف في هذه الوحدات لابد أن يعرفوا اللغة الروسية، مما يعني أن المواطنين فنلنديي الأصل المنحدرون من طبقة الفلاحين بصفة أساسية سوف يمنعوا من شغل هذه المناصب، وأن هذه القوات سوف تكون تحت إمرة قيادة روسية وأنهم، حتى في أوقات السلم قد يعسكرون خارج فنلندا.
هذه الأوامر، التي لا تنطوي على إصلاح وإنما تستهدف فحسب إلغاء القوات القومية لفنلندا، هي علامة عدم ثقة لم يفعل فيها الشعب الفنلندي خلال ما يقرب من قرن من الاتحاد مع روسيا شيئًا يجعله يستحقها.
تتضمن لوائح الخدمة العسكرية الجديدة أيضًا تعابيرًا، مفادها أن الشعب الفنلندي لا وطن خاص له وأن حقوق المواطنة الفنلندية لهؤلاء الذين ولدوا فيها قد أنكرت عليهم. تشي هذه التعابير بالأهداف التي لا تتماشى مع حقوق الشعب الفنلندي التي لا يمكن التنازل عنها ويتعين عليه أن يحفظها، في اتحاده مع روسيا، والمركز السياسي الذي ضمن بحزم لفنلندا في 1809.
أحاط سوء حظ عاثر بإقليمنا خلال السنوات الحالية. فقد تبين مرارًا وتكرارًا أن القوانين الأساسية للإقليم قد تم تجاهلها، جزئيا في الإجراءات التشريعية وجزئيًا في تولية الروس المناصب الهامة. لقد أديرت البلاد بطريقة توحي بأن الهدف كان زعزعة السلام والنظام، إعاقة المتابعات المفيدة، والتسبب في الاحتكاكات بين الروس والفنلنديين.
إن أعظم سوء حظ حاق بالبلاد، على أي حال، هو إصدار لوائح الخدمة العسكرية الجديدة.
في رده المتواضع المؤرخ 27 مايو 1899، وصف الدايت على نحو تفصيلي الأمر، الذي ينبغي أن تصدر طبقًا له القوانين الأساسية لفنلندا بشأن إصدار قانون للخدمة العسكرية. لقد أشير إلى أنه إذا صدر قانون للخدمة العسكرية بأي طريقة أخرى، فإن هذا القانون، حتى إذا وضع بالقوة موضع التنفيذ، لا يمكن أن يعترف به كإجراء قانوني، ولن يعدو في عين الشعب الفنلندي أن يكون سوى عمل من أعمال العنف.
كل شيء أشار إليه الدايت يستمر في أن يكون حس الشعب الفنلندي الذي لا يتغير بالعدالة، وهو حس لا يمكن أن يتغير بالعنف.
علينا أن نخشى أن تتمخض نتائج خطيرة على لوائح لا تتوافق مع قوانين البلاد. إن ضمير موظفي الحكومة سيدخل في نزاع عنيف مع إحساسهم بالواجب، لأن ضميرهم سوف يحثهم على رفض أن يقادوا وفق هذه اللوائح. كما أن عددًا من المهاجرين القادرين جسمانيًا سوف يضطرون لمغادرة البلاد خشية من زيادة التغييرات أكثر إذا ما أعلن عن تنفيذ اللوائح عمليًا.
إن لوائح الخدمة العسكرية الجديدة، مثلها مثل أي إجراء آخر موجه ضد حقوق الشعب الفنلندي في أن يكون له وجود سياسي وقومي منفصل، لابد أن تبذر عدم الثقة بين الملك والشعب، وتستثير سخطًا متصاعدًا يبلغ حد الشعور بالقهر القومي، حد عدم اليقين، ومصاعب جمة للمجتمع وأعضاءه في عمله لرفاهية الإقليم. لا يمكن تجنب هذه الشرور إلا باستبدال اللوائح المذكورة بقانون خدمة عسكرية صادر بشكل مشترك مع الدايت، وبصفة عامة مع مراعاة دقيقة للقوانين الأساسية من قبل السلطات الحكومية للإقليم.
لا يمكن للشعب الفنلندي أن يكف عن أن يكون شعبًا مستقلًا. يوحده مصير تاريخي مشترك ، ومفاهيم قانونية وعمل ثقافي، وسوف يبقى شعبنا صادقًا في حبه لوطنه فنلندا ولحريته الموروثة. لن يتخلى الشعب عن مطامحه في أن يحتل بجدارة مكانه المتواضع الذي خصه به القدر بين الأمم.
حازمون في اعتقادنا في حقوقنا، وفي احترامنا لقوانيننا، وهي دعامة حياتنا الاجتماعية، ولسنا أقل حزمًا في اعتقادنا، بأن وحدة روسيا القوية لن تتكبد ضررًا إذا ما استمرت فنلندا تدار في المستقبل وفق المبادئ الجوهرية التي أرسيت في 1809 وبهذه الطريقة تشعر بالسعادة والسلام في اتحادها مع روسيا.
يضطرنا الإحساس بالواجب نحو بلادنا نحن قاطني كل الجماعات والفئات الاجتماعية أن نسلم لجلالتكم الملكية سجلًا صادقًا غير مزخرف لأحوال الدولة. وقد أشرنا فوق ذلك إلى لوائح الخدمة العسكرية التي صدرت مؤخرًا، مناقضة كما هو واقع الحال للقوانين الجوهرية المضمونة شرعيًا للدوقية العظمى، ولا يمكن لنا اعتبارها عملًا قانونيًا. وإننا لنعتبر من واجبنا أن نضيف إلى ذلك أن العبء العسكري في ذاته ليس تقريًبا غاية في الأهمية للشعب الفنلندي بقدر خسارة الحقوق المؤسسة برسوخ والهدوء المؤسس قانونًا في هذه المسألة ذات الأهمية القصوى. إننا من ثم نلتمس بكل تواضع من جلالتكم الملكية بسماحة نفسكم أن تولوا الأمر الذي أشرنا إليه في عريضتنا العناية التي تستدعيها خطورة المسألة. وإننا، الخ،..."
لدينا القليل الذي يمكن أن نضيفه للعريضة السالفة، التي تمثل اتهام الشعب لعصابة منتهكي القانون الروس الرسميين.
سوف نعدد الحقائق الأساسية لـ"المسألة الفنلندية".
لقد ألحقت فنلندا بروسيا في 1809، خلال الحرب مع السويد. وحيث أنه رغب في كسب الفنلنديين، الذين كانوا رعايا سابقًا للملك السويدي، قرر ألكسندر الأول أن يعترف ويصادق على الدستور الفنلندي القديم. وفقًا لهذا الدستور، لا يمكن أن يسن أي قانون أساسي، أو يعدل، أو يفسر، أو يلغى بدون إقرار الدايت، أي جمعية ممثلي كل الطوائف الاجتماعية، صادق ألكسندر الأول بشكل رسمي في عدة بيانات على "الوعد المقدس بأن يحفظ الدستور المستقل للبلاد".
صادق على هذا الوعد المقدس لاحقًا كل الملوك القياصرة التاليين، بمن فيهم نيقولا الثاني، الذي أعلن في بيان 25 أكتوبر (6 نوفمبر) 1894 أنه "وعد بحفظها [القوانين الأساسية] بإنفاذها الدائم وتطبيقها بدون انتهاك".
حنث قيصر روسيا بقسمه المقدس في أقل من خمس سنوات، وقد سبق ذلك حملة تشويه قامت بها الصحافة الخانعة الفاسدة، وصدر بيان 3 فبراير 1899، متضمنًا لوائح جديدة، يمكن وفقًا لها إصدار القوانين بدون إقرار الدايت "إذا كانت هذه القوانين تتعلق بالإمبراطورية ككل أو كانت جزءًا من تشريع إمبراطوري" كان هذا انتهاكًا فاضحًا للدستور، انقلابًا حقيقيًا، لأنه ما أسهل ما يمكن أن يقال عن أي قانون أنه يتعلق بمتطلبات الإمبراطورية ككل!
لقد تم هذا الانقلاب بواسطة العنف: هدد الحاكم العام بوبريكوف بأن يستدعي القوات إلى فنلندا إذا رفض مجلس الشيوخ أن ينشر البيان. وفقًا لتصريحات صدرت عن الضباط الروس، وزعت الذخائر على القوات الروسية المتمركزة في فنلندا، كما أسرجت الخيول، الخ.
وقد تبع أول أعمال العنف أعمالًا أخرى لا حصر لها. وقمعت الصحف الفنلندية الواحدة بعد الأخرى، وألغى حق الاجتماع. أغرقت فنلندا بحشود الجواسيس الروس والاستفزازيون الحقراء الذين حرضوا الشعب على التمرد، الخ، الخ. وأخيرًا صدر قانون الخدمة العسكرية في 29 يونيو 1901 (12 يوليو)، بدون موافقة الدايت، وقد تم تناول القانون بشكل كاف في العريضة.
كلا من بيان 3 فبراير 1899 وقانون 29 يونيو 1901 غير شرعيان. وهذا هو عنف الحانث بقسمه الذي يعمل مع مجموعة من الباشبوزوقات يسمون الحكومة القيصرية. سوف يكون بلا جدوى بالطبع ، بالنسبة لـ 2,5 مليون فنلندي أن يفكروا في انتفاضة، لكننا كلنا، نحن المواطنون الروس، لابد أن نتمعن في هذا الخزي الذي يلحق بنا العار. نحن مازلنا عبيدًا للحد الذي مازلنا نُستغَل فيه لاستعباد شعوب أخرى. ومازلنا نتحمل حكومة تقهر كل تطلع للحرية في روسيا بضراوة الشناقين، إضافة إلى أننا نستخدم القوات الروسية بغرض الانتهاك العنيف لحريات الآخرين.

(12)
السوق الدستوري()
ف . لينين
كما لاحظت الدوائر الارستقراطية في سانت بطرسبورج بصواب كامل، فإن بوليجين يلعب الآن لكسب الوقت. فهو يحاول أن يؤجل الإصلاحات التي وعد بها القيصر لأطول أمد ممكن، وأن يختزلها إلى توافه لن تقلص بأي حال من سلطة القيصر الأوتوقراطي ومن الموظفين الأوتوقراطيين. وبدلًا من دستور، فإنه يعد، كما أشرنا قبلًا ذات مرة في جريدة فبريود() بتشكيل هيئة استشارية لا تتمتع بأي حق مهما كان. الآن لدينا تأكيدًا بشأن ما قلناه، أي، نص مشروع بوليجين المنشور في الجريدة الليبرالية الألمانية فوسيشه تسايتونج Vossische Zeitung. وفقًا لتلك الجريدة، فقد ذكر كل من بوليجين، ويرمولوف، وشرباتوف، وميشرسكي والأمير موروسوف بوصفهم مؤلفي المشروع وهو في جوهره كما يلي:
للمناقشة (ليس أكثر!) وصياغة مشروعات القوانين، سيتم إنشاء مؤسستين: (1) مجلس دولة، و(2) جمعية دولة. يمكن تقديم أي مشروعات قوانين بواسطة أي عضو في مجلس الدولة أو بواسطة عدد لا يقل عن عشرين عضوًا من أعضاء الجمعية. تناقش مشروعات القوانين وتمرر بواسطة الجمعية، بعد ذلك للمجلس وأخيرًا للقيصر لنيل موافقته. يقرر القيصر الشكل الذي ستصبح به مشروعات القوانين قانونًا، أو يعترض عليها جميعًا.
وهكذا ، فإن "دستور" بوليجين لا يحد من الحكم الأوتوقراطي على الإطلاق ولكنه ينشئ مجرد هيئتين استشاريتين على وجه الحصر: مجلس أعلى ومجلس أدنى! يتكون المجلس الأعلى، أو مجلس الدولة، من 60 عضوًا تنتخبهم جمعيات النبلاء من 60 محافظة (بما فيها المحافظات البولندية) وكذلك من الأعضاء الذين يعينهم القيصر من بين الموظفين الرسميين والضباط. على ألا يتجاوز العدد الإجمالي للأعضاء 120 عضوًا. مدة العضوية ثلاث سنوات. ويمكن لجلسات المجلس أن تكون علنية أو مغلقة، وفقًا لما يقرره المجلس.
يتكون المجلس الأدنى، أو جمعية الدولة من أعضاء منتخبين فقط (ويمكن للوزراء ورؤساء الدوائر أن يتواجدوا في كلا الهيئتين بحكم وظائفهم)، أي: 10 ممثلين من كل من الـ 34 زيمستفو من زيمستوفات المحافظات (بإجمالي 340)؛ 8 ممثلين من كل من الثلاث محافظات التي لديها مؤسسات زيمستفو ولكنها تفتقر لمؤسسات للنبالة (بإجمالي 24 )؛ 8 من كل من التسع محافظات الشمالية (72)؛ 5 من كل من المحافظات البولندية العشر (50)؛ 5 من كل من محافظات البلطيق الثلاث (15)؛ 30 من سيبريا؛ 30 من القوقاز؛ 15 من آسيا الوسطى وإقليم ما وراء القوقاز؛ 32 من فنلندا؛ 20 من المدن الكبرى (سانت بطرسبورج، 6؛ موسكو، وارسو، أوديسا، 2؛ لودز، كييف، ريجا، وخاركوف، واحد لكل منها)؛ 10 من الكهنة الأرثوذكس اليونانيين؛ واحد لكل من الكاثوليك، اللوثريين، الأرمن، المسلمين، واليهود. ويبلغ إجمالي هذا 643 عضوًا. على هذه الجمعية أن تنتخب لجنة تنفيذية تتكون من رئيس، واثنين من نواب الرئيس، و15 عضوًا. وسوف تكون مدة عضويتهم ثلاث أعوام. على أن تكون اللجنة التنفيذية مؤسسة دائمة، وتلتقي الجمعية مرتان كل عام: في فبراير ومارس ثم في أكتوبر ونوفمبر. وسوف تكون الجلسات علنية أو مغلقة وفقًا لما تقرره الجمعية. يتمتع الأعضاء بحصانة شخصية طوال مدة عضوية الجمعية. وتقتصر العضوية على الرعايا الروس الذين لا تقل أعمارهم عن 25 عامًا، ويجيدون القراءة والكتابة باللغة الروسية. وسوف يتقاضون أجرًا يبلغ 3000 روبلًا في العام.
سوف تُجرى الانتخابات كما يلي: في كل من محافظات الزيمستفو الأربعة والثلاثين، سوف ينتخب عضوين بواسطة مجلس النبلاء، ثلاثة بواسطة جمعية زيمستفو المحافظة، واحد من المدن من قبل منتخبين خاصين، ثلاثة من الفلاحين من قبل منتخبين خاصين، وواحد من التجار، وأيضًا بواسطة المنتخبين. وسوف ينتخب المندوبين من المحافظات التي لا توجد بها زيموستفات على أساس مشابه، ونحن لن نعدد كل هذه المؤسسات البيروقراطية البوليسية العبثية. وحتى نصف الطريقة المقترحة للانتخابات غير المباشرة، سوف نضرب مثلًا بإجراء انتخابات ممثلي الفلاحين في زيمستوفات المحافظات.
تنتخب كل مقاطعة ريفية صغيرة ثلاثة ناخبين. يلتقي هؤلاء في مركز الناحية، ويترأسهم مارشال النبلاء(!) ويختارون ثلاث منتخبين من الدرجة الثانية. هؤلاء المنتخبون يلتقون في عاصمة المحافظة، ويترأسهم ماريشال نبلاء المحافظة، وينتخبوا ثلاث ممثلين للفلاحين، ويتعين أن يكونوا هم أنفسهم فلاحين. وهكذا تجري الانتخابات على ثلاث مراحل!
لا يعمل السيد بوليجين بشكل رديء على الإطلاق. فهو يتقاضى أجره من القيصر عن خدمات يقدمها. ودستوره، كما يمكن للقارئ أن يلاحظ، صورة زائفة للتمثيل الشعبي بكل ما في الكلمة من معنى. إن سلطة الأوتوقراطية، كما بينا، لم يجر تقييدها على أقل تقدير. وكلا الهيئتين لها طابع استشاري محض، بينما القيصر وحده هو من له سلطة أن يقرر. وجملة الأمر ببساطة هو أن هناك وعدًا جميلا لم يقطع ليُحافَظ عليه. في المحل الأول، فإن هذا "تمثيل" للنبالة بصفة خاصة، لملاك الأرض. وللنبالة نصف الأصوات في المجلس الأعلى وقريبًا من النصف في المجلس الأدنى (من الممثلين العشرة لكل زيمستفو محافظة، اثنان من النبالة مباشرة وثلاثة من مجالس الزيمستفو، وهي حسب كل النوايا والأهداف مجالس للنبالة). ومشاركة الفلاحين في الانتخابات مستبعدة بشكل يثير السخرية. إن نظام الانتخابات على ثلاث درجات يضمن أن عامة الشعب قد جرى استبعادهم تمامًا قبل دخولهم إلى الجمعية.
وفي المحل الثاني، فإننا لنصدم بالإقصاء الكامل للعمال. إن التمثيل في برلمان الخراف هذا مؤسس بالكامل على مبدأ الطبقة الاجتماعية. ما من "طبقة" عمالية ولا يمكن أن تكون. وفي حالة سكان المدن والتجار، يجري التلاعب بشدة بالانتخابات حتى أن البورجوازية الصناعية والتجارية تصفى عبر درجات المنتخبين المتباينة، وإنه لمما ينير لنا الوضع للغاية أن نرى كيف تزاح البورجوازية إلى الخلف مقارنة بالنبلاء. إن خدام القيصر، فيما يبدو ، لا يخشون كثيرًا ليبرالية ملاك الأرض، إنهم لاذعون بما يكفى ليدركوا تحت هذه القشرة الليبرالية الطبيعة المحافظة العميقة لهذا "الجنتلمان المتوحش"( ).
وسوف يخدم غرضًا مفيدًا للغاية أن نجعل دستور بوليجين معروفًا على نطاق واسع في أوساط العمال والفلاحين. لا يمكن لنا أن نُظهر بشكل أشد وضوحًا المطامح الفعلية والأساس الطبقي للسلطة القيصرية التي يفترض أن تقف فوق الطبقات. ولا يمكن لنا أن نتخيل إلا بصعوبة مادة أفضل لدروس موضوعية في حق الاقتراع العام المباشر والمتساوي من خلال تصويت سري.
إنه لمن المثير أيضًا أن نرى هذا "الدستور" الهزيل دستور ملاك الأرض والبيروقراطيين في ضوء التقارير الأخيرة عن الأحزاب السياسية. وباستثناء الأحزاب المتطرفة، الإرهابيون والرجعيون ، فإن مراسلًا إنجليزيًا ما (الذي يتضح أنه يختلط بـ"المجتمع" وعلى ذلك لا يرى العوام مثل العمال) يحصي ثلاثة أحزاب: (1) المحافظون، أو حزب الجامعة السلافية ( النظام "المحبذ للسلافية": للقيصر، قوة السلطة؛ لرعاياه، قوة الرأي، أي، جمعية تمثيلية ذات سلطات استشارية فقط)؛ (2) الحزب الليبرالي أو "الانتهازي" ( وقائده، شيبوف، وبرنامجه - مثله مثل كل الانتهازيين – "الجلوس بين مقعدين")؛ و(3) الراديكالي أو ("أو" هذه غاية في الدلالة!) الحزب الدستوري، الذي يضم معظم أناس الزيمستفو، أساتذة جامعة "وطلبة"(؟). برنامجه: حق الاقتراع العام مع التصويت السري.
يقال أن المحافظين يلتقون الآن في سانت بطرسبورج، وسوف يلتقي الليبراليون في أول مايو في موسكو، والراديكاليون في نفس الوقت في سانت بطرسبورج. ويقال أن الدوائر الحكومية تنظر إلى التصويت السري بوصفه "إعلانًا للجمهورية". و"الراديكاليون" هم الأكثر عددًا من بين كل الأحزاب.
إن مشروع بوليجين، وفقًا لكل الظواهر، هو مشروع الحزب المحافظ. ويشبه مشروع معسكر أوسفوبجدينيه Osvobozhdeniye للغاية برنامج الحزب "الراديكالي أو الدستوري" (في الواقع، ليس راديكاليًا بالمرة وإن كان دستوريًا بائسًا). وأخيرًا الحزب "الليبرالي"، أو حزب شيبوف، ويحتمل أنه يتطلع أكثر قليلًا مما قدمه بوليجين وأقل قليلًا مما تطلبه الدستوريون.
السوق يعاين يومًا مشهودًا. والمساومة نشطة. والسادة المهذبون يبرزون من أجل سعر مرتفع وكذلك السادة البارعين من البلاط. كل شيء يشير إلى أن كل منهما يعملان قليلًا بعجلة ثم- يعقدان صفقة، قبل أن يتدخل العمال والفلاحون.
تلعب الحكومة لعبة عميقة. إنها تهدد المحافظين بالليبراليين؛ وتهدد الليبراليين بـ"راديكاليي" أوسفوبجدينيه؛ وهي تهدد الأخيرين بشبح الجمهورية. إذا ما ترجمنا ذلك إلى لغة المصالح الطبقية، وخاصة المصالح الرئيسية – استغلال العمال من قبل البورجوازية – تعنى هذه اللعبة: دعونا نتوصل لاتفاق، أعزائي ملاك الأرض والتجار، دعونا نقسم السلطة سلميًا، في روابط من التناغم، قبل أن يتأخر الوقت على ذلك، قبل أن تشتعل الثورة الشعبية الحقيقية، قبل أن يفاجئنا نهوض كل الطبقة العاملة وكل الفلاحين، الذين لن يبتلعوا دساتير هزيلة، وانتخابات غير مباشرة، أو أي هراء بيروقراطي.
على البروليتاريا الواعية طبقيًا ألا تكون لديها أوهام. فالضمان الوحيد للتحرر الحقيقي من كامل نظام القنانة، نظام الحكم المطلق يكمن فيها فقط، في الطبقة العاملة يدعمها الفلاحون، في انتفاضة مسلحة يقومان بها، في نضالهما المستميت تحت شعار "الموت أو الحرية".

(13)
المسألة الدستورية في روسيا()
ليون تروتسكي
في اليوم الذي نشر فيه الدستور بإقرار قنسطنطين بيتروفيتش بوبيدونوستسيف، شعرت أنت سيدي البروفيسور أنه من الضروري أن تخاطب "المجتمع" الروسي. عقدت لك الجريدة التي تخدم قسمًا من الإنتليجنسيا الرسمية المعارضة ندوة. وبالرغم من شعبيتها فإنني لا أعتبر جريدة سينوتشستفا (أبناء الوطن) Synotechestva جريدة سياسية ذات نفوذ لها قدر من القوة السياسية الفعلية يظاهرها. ولا أظن بحال أنك متحدث رسمي عن أي حزب. ولا أظن أنك، بضغط صوتك، يمكنك أن تدفع الحزب الليبرالي إلى طريق يرضيك. بمعنى آخر، أنا لا أعتبرك قائدًا سياسيًا. إذ شعرت على الأقل أنه من الضروري أن أتوجه إليك بخطاب مفتوح فإنني أفعل ذلك لسبب واحد هو أن أفكارك التي تدور حول فكرة المقاومة الأقل، تصوغ تحيزًا سياسيًا لا حق لك في أن تعتبره ملكيتك الشخصية. وإذا لم تكن قد أفصحت عنها لقام بذلك غيرك. ولأنه، وأنت لن تجادل في ذلك، حين يهمن نوع من التحيز في المجتمع سوف نجد دائمًا بروفيسورًا، يجسده، بسلطته العلمية؛ وسوف نلقى دائمًا مطبوعة ليبرالية جاهزة لإخفاء انتهازيته الجماعية وراء غطاء السلطة العلمية الفردية للبروفيسور. هذا في نظام الأشياء أيها البروفيسور!
في بداية خطابك عرضت تقييمات مختلفة لحادثة السادس من أغسطس، حيث تضافر التهوين من دلالتها بالمبالغة فيها، ولكنك لم تعرض مسألة معينة: وهي أن تتحقق من أن هذا الحادث قد "تجاوز حدًا معينًا، أي، أننا نقف اليوم على الجانب الآخر من الممر الذي مشينا عليه أمس" وأنه "لا يمكننا أن نعود إلى المسار التاريخي السابق الذي كان موجودًا أمس".
أنت ومعك كل الصحافة الليبرالية وشبه الليبرالية مقتنعون بأن "نهر الروبيكون()قد تم عبوره"، أي أنه "حدث!"، ما هو هذا الشيء الذي "حدث"؟ من الذي عبر وفوق أي روبيكون؟ أنت تقول أن العودة للوراء مستحيلة. ولم هي مستحيلة؟ ولمن؟
هل من الصعب على الرجعية أن تعود إلى مسار الحكم المطلق المحض؟ وإذا كان هذا مستحيلًا فلمَ؟ هل يعود ذلك لأسباب عامة: لأن هناك حاجة للنقود، وأن المزاج الثوري يتنامى، أو لأن لدينا من الآن فصاعدًا الوثيقة الإمبراطورية الصادرة في السادس من أغسطس؟ إذا ما كنت تعتبر مثل هذه الأسباب العامة فالواقع إذن أنها وجدت قبل السادس من أغسطس وعليه، لا حاجة للقول بأننا لم نجادل في حقيقة أن الحكم المطلق سوف يمحى بشكل حتمي. ولكن متى وكيف؟
لا تحدد الأسباب العامة هذا مسبقًا. غير أنها تتطلب قرارًا عمليًا لهذه المسألة بالمبادرة، بالفكر وبالتنظيم الشجاع للقوى السياسية الواعية. هل تظن أن البيان نفسه يجعل العودة للماضي مستحيلة؟ لكن بأي طريقة؟ ما الذي غيره في ترابطات القوى الطبقية بين الرجعية والثورة؟ هل أعطى الشعب أي شكل من أشكال السلطة الحقيقية التي لم تكن في حوزته من قبل؟ لا لم يعطه. هل هو يحد من سلطة البيروقراطية؟ لا، لا يحدها. عندما تظن أنه يمكن لك أن تخلق حدًا فاصلًا مصنوعًا من الورق المعجن بين حقبتين اجتماعيتين تاريخيتين، فأنت، أيها السيد البروفيسور، تكشف فقط عن الجانب الضعيف من صفاتك الذهنية. يشتغل اليوم الحكم المطلق كما اشتغل قبل السادس من أغسطس؛ بالجهاز البيروقراطي، بالمحاكم، بالشرطة والجيش. مقيض له الدمار ولكن حيث تتوفر تحت تصرفه كل هذه الوسائل سوف يكون الحاكم. إنه قادر على أن يقبض وأن يبسط. قادر على أن يمنح أو يمنع حرية التعبير. في الواقع الفعلي فإن الروبيكون التاريخي يجري عبوره فقط في تلك اللحظات التي تنتقل فيها الوسائل المادية للسيادة المسلحة من أيدي الحكم المطلق إلى أيدي الشعب. ولكن مثل هذه الأشياء، سيدي البروفيسور، لا يمكن أن تتم عبر التوقيع على قطعة من الورق. مثل هذه الأشياء تجري في الشوارع. وهي تكتمل من خلال الصراع. إنها تتقرر بتصادم الشعب مع الرجعية المسلحة.
إذا ما حاولنا، يا سيدي البروفيسور، أن نتذكر الثورة الفرنسية العظمى حينئذ سنتعلم أن الفرنسيين عبروا الحد ليس في الثامن من أغسطس حينما وقع لويس السادس عشر بيان إنشاء مجلس طبقات الأمة، وإنما في الرابع عشر من يوليو حينما تسلح شعب باريس ودافع عن حقوقه بالقوى المسلحة. وأنجز النصر التام الحاسم والنهائي بانتفاضة العاشر من أغسطس، حيث تمت الإطاحة بالملكية. الرابع عشر من يوليو والعاشر من أغسطس. ها هي ذي العلامات الواقعية الفعلية للحرية الفرنسية؛ وبالقطع ليست التوجيهات ولا الفرمانات التي كانت قصاصات من الورق تطفو على ميدان هذا الصراع المرير.
إذا ما عدنا إلى أحداث 1848 فعلينا أن ندرك أن الحد التاريخي لم يكن بيان فريدريك الرابع ملك بروسيا الذي دعا لانعقاد اللاندتاج المتحد القديم، ولكن يوم انتصار ثورة الشوارع، الثامن عشر من مارس. وذاكرة التاريخ التي تنبذ كل تواريخ التقويم العادية، تحفظ أيام الرابع عشر من يوليو، العاشر من أغسطس والثامن عشر من مارس كأيام نحتفل فيها بالحرية.
أنت تعتقد أننا عبرنا الحدود تمامًا. لقد تحققت الأهداف؛ و"أنه سيكون خطئًا سياسيًا لا يغتفر ترك هذه المواقع بدون دفاع أو حتى هجرها بلا خوف مادام هذا سيكون أمرًا مرغوبًا فيه لدى هؤلاء الذين يريدون أن يحتلوا مباشرة هذه المواقع".
وأنت تواصل: "ظهر في روسيا اليوم "ممثل الشعب" ولا يمكن لنا إنكار هذه الحقيقة بأي نوع من أنواع التفسير سواء أتى من اليمين أو من اليسار". وأنت تدعو هؤلاء الذين يماثلونك للدفاع عن هذا الممثل ضد الضربات الآتية من اليمين أو من اليسار. وفي نفس اليوم، يكتب السيد سيرومياتنيكوف( ) معك في جريدة سلوفا Slovo: "حزبان متطرفان سوف يسعيان لتدميرها [الإدارة الذاتية للدولة] ونحن، الوسط التقدمي، سوف نحرس اتساق الجهاز التشريعي الجديد من محاولات زعزعة الثقة به وتدميره"( ).
"القول بأننا لم نكسب شيئًا من إعلان هذا القانون"، هذا ما تكتبه سيدي البروفيسور، "سوف يرقى لمرتبة مساعدة الخصوم اليمينيين". والسيد سيرومياتنيكوف يعلق ويسهب: "ربما يمكن أن يكون هناك توحيد مؤقت للرجعيين والجمهوريين الاشتراكيين في تحالف مؤقت ضد المحاولات الأولى في روسيا لإقامة حكم القانون". أنت يا سيدي البروفيسور، مثل كل الكتاب الليبراليين توجه خطابك لما يسمى "المجتمع" وتقول لمن فيه: ابقوا "في مراكزكم!" انتخبوا ممثلين للدفاع عن حقوقكم!
ولكن حين تتوجه إلى "المجتمع" فإنك تبني خطابك حتى تغوي كل الشعب بهذا. ولكن بهذه الطريقة تحديدًا فانك تتآمر في رطانة صحفية ليبرالية مع الطبقات المالكة ضد الشعب. هل يبدو هذا التصريح لك جزئيًا وغير منصف؟ على أية حال، فإن روح مقالتك قد صيغ تحديدًا على هذا النحو. دقيقة سيدي البروفيسور.
إنك لا تقنع جمهرة الناس لأنهم محرومين من الحقوق الانتخابية. وهم غير قادرين على مقاطعة الدوما مادامت الدوما تقاطعهم. والممثلون الحقيقيون لمصالح الناس لا يمكن أن يدخلوا دوما الدولة. هذه الدوما تخصكم. هذه مؤسسة لسيادة الطبقات المالكة المستغلة. إن البروليتاريا الواعية التي عبرت بوضوح وجلاء عن موقفها تجاه دوما الدولة حين كانت لازالت مشروعًا، صاغت بالطريقة التالية "خطابها إلى ممثلي الزيمستفو والدوما" الذين كانوا قد منحوا حقوق الخيانة السياسية المدنية لاشتراكهم في الانتخابات:
"إن الاشتراك في الانتخابات العامة لمجلس الدوما (الاستشاري) تعني إضفاء الشرعية على الحكومة القيصرية كلية القوة.
إن الاشتراك في الانتخابات العامة لمجلس الدوما تعنى الحرمان الفظ للشعب من حقوقه الانتخابية.
إن الاشتراك في الانتخابات العامة لمجلس الدوما يعنى الالتحاق بشكل صريح بمعسكر الحكومة القيصرية.
نحن العمال، نعلن بجدية أننا سنعتبر كل هؤلاء الذين يشاركون في كوميديا الانتخابات الخادعة لمجلس الدوما بمثابة أعداء الشعب."
هكذا تكلم العمال المتقدمون. إذا كان لديك، سيدي البروفيسور، أي نوع من أنواع الفهم لشعور الناس، والجمهور البروليتاري بصفة خاصة، فسوف توافق إذن على أن هذه الأصوات هي التي تتلقى أوسع استجابة. ولكن إذا كان الأمر كذلك فقد كان عليك إذن أن تفكر عشر مرات قبل الحديث في منتدى سياسي قائلًا للطبقات المالكة المستغلة:
"بالرغم من حقيقة أن قانون الانتخابات يفصلكم عن الجماهير؛ وبرغم حقيقة أن الجماهير الكادحة لم تكن فقط غير ميالة لأن تصدق تفويضكم القانوني ولكنها أعلنت سلفًا أن الاشتراك في الانتخابات هو عمل من أعمال الخيانة في حد ذاته؛ وبرغم حقيقة أنكم غير قادرين على اجتذاب دعم كل الشعب؛ وبرغم حقيقة أن القطيعة معهم تعنى موتكم السياسي؛ انتخبوا، انتخبوا حتى يمكنكم أن تحتلوا مناصبكم، انتخبوا باسم ورقة 6 أغسطس، تجاهلوا صوت اليسار الذي هو صوت الشعب نفسه."
سوف تتألف دوما الدولة في أغلبها من العناصر الثرية في المعارضة، المنفصلة بامتيازاتها السياسية عن الشعب والتي ليست معنية بشكل مباشر بأن تدمر القانون الانتخابي. في ذلك الوقت، حين يصعد الجناح اليميني للحزب الليبرالي إلى السلطة، ويبدأ في أن يصل جذوره بجذور البيروقراطية القيصرية، فإنكم أيها الديموقراطيون الدستوريون - السادة بيترونكفيتش، روديشيف وميليوكوف - سوف تكونون في الجناح اليساري. نعم سيدي البروفيسور. في الدوما سوف تظهر أنت، ويالرعبك ضمن اليسار المتطرف لأن الآخرين سوف يكونون أشد محافظة منك. سوف تثير ضوضاء معارضة عاجزة، مغطيًا الصفقات مع الرجعية بلغة ليبرالية مؤثرة، وخادعًا الشعب بمنظورات خيالية عن الانتقال إلى الديموقراطية بدون آلام من خلال البيروقراطية والبلوتوقراطية().
أن تطلب من الطبقات المستغِلة أن توظف امتيازاتها السياسية التي منحت لها بأن تساند صراحة قانون الانتخاب القيصري، هذا الصدع الذي يتم صياغته قانونيًا بين المعارضة صاحبة الأملاك وثورة الشعب، وأنت تدعو بشكل ساخر إلى الوحدة وبذلك تنشر تشوشًا خطيرًا. ماذا يعنى هذا سيدي العزيز؟
تلقي الحكومة القيصرية لك بطرف الحبل الذي تضعه حول عنق الشعب أما الطرف الآخر ففي يدها الملوثة بالدماء. وهنا يتحدث أستاذ التاريخ الذي يجب أن يعرف كيف تنتهي تجارب كهذه بالنسبة للشعب – نداءات من اليمين لقبول الأنشوطة() ونداءات من اليسار لأجل الوحدة. لو أردت أن أكون فظًا لأسميت هذا سيدي البروفيسور عار من الناحية السياسية.
لا يُعلم التاريخ أساتذة التاريخ شيئًا. إن أخطاء وجرائم الليبرالية ذات طابع أممي. وأنت تكرر ما فعله أسلافك في موقفك منذ نصف قرن مضى. مثلكم أنتم ظن من كانوا قادة الليبرالية البروسية أن الكلمة الملكية قد أنشأت تلك الحدود التي حالت بعدها دون الرجوع إلى الماضي. وقتها قلما قلقوا حول مثل هذه الأشياء المبتذلة مثل النصر المسلح للشعب ونزع سلاح المهزومين الذي أعقبه من قبل الرجعية. لقد تجاهلوا بوضوح صوت "اليسار". أتعلم لأي شيء قاد هذا؟ لحقيقة أن الحكم المطلق قد أعاد لنفسه نصيب الأسد من سلطة ما قبل مارس. لقد ظهر هذا بغاية السرعة وبغاية الوضوح. في نهاية خمسينات القرن التاسع عشر، عشر سنوات بعد 1848، عامل الملك البرلمان باحتقار عظيم. رفض البرلمان أن يمنحه نقودًا فتجاهل الملك لوائح البرلمان واستغل موارد الشعب بوصفها حافظة نقوده الخاصة. صرخ الليبراليون الحكماء وأساتذة التاريخ والأخلاق وقانون الدولة، وببلاغة قائلين إن هذا كان عودة إلى الماضي، ووفقًا للصحائف الدستورية كان مستحيلًا كلية تمامًا. غني عن القول إن الناس تحدثوا هنا عن "الاستحالة" الأخلاقية أو القانونية. ولكن الحكم المطلق سخر من هذا مشيرًا بصواب، إلى أن الوسائل المادية كانت كافية بالنسبة له. وكان ذلك أمرًا صائبًا.
تحدثت الجريدة القديمة الخانعة فستنيك افروبي (النذير الأوروبي) Vestnik Evropy ضد المقاطعة، مستخدمة مثال - وبعمق، هذا هو أنت – النزاع الدستوري البروسي في نهاية خمسينات وبداية ستينات القرن التاسع عشر عندما لم يغادر الحزب الليبرالي مراكزه المثيرة للشفقة في برلمان الملك.
شارك الحزب الليبرالي البروسي في الدوما الخاصة به، وأصدر قرارات حافلة بالكلمات واحتج وأظهر ضعفه، وساوم على المبادئ التي تتعلق بالتمثيل وغذى خيال الجمهور حول النظام البرلماني. احتفظ الحكم المطلق بكل ما كان ضروريًا له أن يحفظه وترك لممثلي الشعب كل ما اعتبر أنه من الأوفق لمصلحته أن يتركه. بشغل مراكزه() وبتغطية كل شيء بساتر من النظام الدستوري اللامع، جعل الحزب الليبرالي هذا العمل أسهل بالنسبة له.
في عام 1862 سمع صوت من الاحتجاج الشجاع ضد التشوه الدستوري للحزب الليبرالي. وكان هذا هو صوت فرديناند لاسال( ). ماذا طلب هذا الصوت؟ مقاطعة للبرلمان. قال لليبراليين: أنتم وتفاهاتكم شبه الدستورية تقفون بين الشعب وأعدائه. أنتم تسترون العلاقات الفعلية. أنتم تعوقون تراكم الحمية الثورية عند الجماهير. أنتم تعوقون التصفية الحاسمة للحكم المطلق.
ولكن البورجوازية الليبرالية لم تنصت "بشجاعة" لصوت اليسار (ولهذا فقد كان لديها دائمًا شجاعة كافية!)، وبقوا في مراكزهم أي في مراكز خيانة الحرية وعليه فإن بروسيا وألمانيا المتبرسة() مدينتان للبورجوازية الليبرالية بنظامهما شبه المطلق.
عندئذ قال لاسال "تكمن كل القضايا السياسية الكبرى في التعبير عما هو قائم وتبدأ بهذا. ويكمن كل جبن سياسي في الصمت وفي إخفاء ما هو قائم". استيقظ الآن سيدي البروفيسور، وادر وجهك للشعب وبمليء صوتك عبر عما هو قائم.
إن دوما الدولة بمثابة احتقار متعمد لتمثيل الشعب. وهؤلاء هم ممثلو الشعب بغير شعب. إن مجلس الدوما يدخل ممثلي الطبقات المالكة إلى الغرفة الأمامية لمجلس الدولة. إن مجلس الدوما هو صفقة منظمة للرجعية مع الطبقات المالكة بغرض خنق ثورة الشعب. إن منح الحقوق السياسية من أعلى هو حق الخداع السياسي للشعب. هذا تعبير موجز ودقيق لما هو كائن بالفعل.
من المؤكد أنك لن تقول هذا للشعب. ولكن نحن نقوله. إذا ما حاولت أن تجادلنا – ليس في المآدب الليبرالية وإنما أمام الجماهير – فإننا عندئذ، سوف نريك بلغتنا الثورية الحادة الفظة أننا قادرون على أن نكون مقنعين وبليغين، سوف نريك هذا سيدي البروفيسور!
بعد التعبير الواضح عما هو كائن سوف تكون قادرًا على أن تجد ما هو أكثر ميزة بالنسبة لك. سوف تكون قادرًا على أن تعقد صفقة أو أن ترفضها، أن تدخل الغرفة الأمامية أو أن تبقى مع الناس في الشوارع. إن حزب البروليتاريا، حزب الثورة ليس مسئولًا أمام الجماهير عن سلوك الليبراليين. أنت خائف من أن تفض شراكتك مع الدوما لأنه بالنسبة لك في صحراءك القاحلة غير المثمرة التي تجولت حولها الليبرالية الروسية لمدة عقود، هذا الوهم الدستوري يبدو حقيقيًا، أنتم تسألون أنفسكم في عناء رهيب؛ إذا لم يكن الدوما سيدعى أين إذن الطريق الدستوري؟ بالنسبة لكم، فإن كل الجدال العظيم بين الشعب والحكم المطلق يختزل إلى مؤتمرات الزيمستفو، والمندوبين المخلصين، والعناوين الدستورية، والاستجوابات، والاجتماعات والبيانات. ما من كلمة واحدة تظهر في مقالاتكم عن سيرورات نمو توحيد الجماهير ووعيها الثوري، التي بدونها لا يمكن التفكير في الخطوات الأخيرة لليبرالية والملكية. يبدو لكم أنه بمجرد أن انتزع البيان من القيصر فقد أعطيتم إمكانية أن تقفوا على الأرض الصلبة لهذه الوثيقة الشكلية، مفسرين إياها، مستخلصين استنتاجاتكم منها مدافعين عنها بكل ما أوتيتم من وسائل شخصية. أنتم تدعون المدافعين عن الحرية لان يكونوا "متيقظين"، وتظنون أنه ترتيبًا على ذلك فإن موقع حماية الحرية هو مجلس الدوما. لا أعرف ما إذا كانت الحركة الثورية قد وجدت بالنسبة لكم قبل السادس من أغسطس ولكن بعد هذا اليوم، عليها أن تكف عن الوجود بالنسبة لكم .
الحركة الثورية للجماهير؛ هنا، سيدي البروفيسور، هي المسألة الصغيرة التي تتجاهلها في حساباتك السياسية. وفي ذات الوقت حتى بعد السادس من أغسطس، كما من قبل هذا اليوم، كانت الجماهير الثورية وظلت هي القوة الوحيدة للانتفاضة الديموقراطية. ما من قوة أخرى، سيدي البروفيسور. لا يهم كم أنتم أذكياء في تخريجاتكم الدستورية بوصفكم مندوبي المستقبل، حالما تهدأ الثورة سوف تطردكم الرجعية، كل الأربعمائة والعشرون من "ممثلي الشعب" كما حدث في الماضي في برلين، وفرانكفورت وفيينا لأنها دعتكم وفي ذهنها غرض معين. إذا لم تهدأ الثورة عندئذ سوف تتجه البيروقراطية إليكم كعون لها. فإذا ما حاولتم بالفعل أن تكونوا مثل هذا العون – واضطركم وضعكم إلى أن تفعلوا هذا – فإن الثورة المنتصرة سوف تقذف بكم للشارع، مثلما فعلت مع برلمان لويس فيليب.
أنت تقترح ألا تتشوش بأصوات تأتى من اليمين أو من اليسار. لحسن الحظ، سيدي البروفيسور، فإنك وأنصارك مهددين بخطر من اليمين واليسار معًا.
إن الجماهير الثورية هي القوة الطبيعية للانتفاضة الديموقراطية. أي دور يمكن لمجلس الدوما المنتخب من القمة مع التغاضي الصامت للأسفل، أن يلعبه في نمو الثورة؟ سوف يتصرف مباشرة بوصفه كابحًا للثورة أو سيحاول أن يكون كذلك. تحاول الأحزاب التشريعية لـ"النظام" البورجوازي أن تستخدمه كقاعدة تنظيمية لتحطيم ثورة العمال وأن تعد الأرض لثورة مضادة قيصرية. نحن لا نظن أنك أيها السيد ميليوكوف سوف تكون قادرًا على لعب مثل هذا الدور القائد في الإطاحة بثورة العمال من قبل الكتلة القيصرية البورجوازية: لأجل هذا فان آخرين مطلوبين. فأنت وأمثالك تهيئون ببساطة الشروط الضرورية.
أنت تريد أن تكون لديك انتخابات سلمية، مصورًا مجلس الدوما بوصفه مرحلة انتقالية بينما تلك القوى الاجتماعية، الممثلون الذين يشكلون تكوينه، سوف يهبون للدفاع عنه بالقوى المسلحة بوصف ذلك الملاذ الأخير.
وأنت تصور المهام التالية بوصفها التعميق والتقوية المنطقيان للدستور استنادًا إلى واقع أساسه الشرعي، بينما تتضمن المهام حيازة الشروط المادية للسلطة من أيدي الحكم المطلق بانتصار الثورة. أنت تتجاهل الجماهير حين تكون المهمة هي أن تعطيها شعارات الحرب. أنت تتجاهل الثورة حين تكون المهمة هي أن تدفعها إلى الأمام. كم ستكون تعاسة الحرية الروسية إن اعتمدت عليك! ولكن لحسن الحظ فإن الحرية هي قضية الثورة والثورة هي قضية الجماهير. إنك ترتبط بالجماهير من خلال مشاعر غامضة فحسب، ولكن هذه المشاعر تتأتى من إرهاب معذب. أنت تحاول أن ترفض صوت اليسار. لكن الجماهير تنصت لهذا الصوت، وهذا هو صوتنا. إننا هنا نشكل المشاعر والأفكار. إننا هنا نخلق الكوادر الثورية. إننا نعلم الجماهير ألا تؤمن بك وألا تذهب إليك. إذا لم تقنعك قوة منطقنا، فإننا سوف نجبرك على أن تنحني أمام منطق قوتنا. مناصرتنا هي في الرابطة الثورية للأحداث. فوق تواريخك: السادس من نوفمبر( )، السادس من يوليو( ) والسادس من أغسطس( )، تقف تواريخنا: التاسع من يناير والرابع عشر من يوليو( ). لازال على الثورة أن تقول كلماتها الأخيرة. هذا الإطار العريض العاتي يضع الحكم المطلق تحت سكينه؛ وينحدر هذا كله أدنى فأدنى. فلندع حكماء الليبرالية يفطنون لوضع أياديهم تحت هذا الحد الصلب المتألق. دعهم يفطنون: وإلا سوف يفاجون على حين غرة بالضربة المحررة الأخيرة إلى "مراكزهم"!
ملحق
أغسطس 1906
منذ عام مضى كتبنا أننا لم نعتبر السيد ميليوكوف قائدًا. والآن نصحح أنفسنا: إذا كان يمكن لنا أن نشير لأي أحد في مراتب الديموقراطيين الدستوريين كقائد فسوف يكون هذا الشخص هو السيد ميليوكوف. إن حزبه يعترف بذلك في صمت. ولا منافس له.
حاول الأمير إ. تروبيتسكوي( ) أن يعارض سلطته بسلطة ميليوكوف ومني بالهزيمة. لقد عرض ميوله الرجعية باكرًا للغاية، وكشف بعمق شديد عن ازدراء مطلق للمقاربة الفلسفية المثالية لكل الالتزامات الديموقراطية. وقد أجبر على ترك الحزب.
بقى السيد إ. بيترونكفيتش( )، في الظل سواء كان واعيًا بذلك أم جرى هذا عكس إرادته وخرج منه إلى الضوء ليس بنجاح كبير ليعطه حق أن يكون قائدًا. في نوفمبر العام الماضي، في مؤتمر الزيمستفو في موسكو، أعلن السيد بيترونكفيتش أنه ثوري ومد يده للأحزاب المتطرفة. وفجأة اتخذت الأحداث منحى لم يكن متوقعًا. عند هذه المسألة تحديدًا تجاهل الكونت فيته( ) المؤتمر وأجرى مفاوضات خاصة مع بيترونكفيتش عبر التلغراف. كان مؤتمر الزيمستفو يسير بسرعة حتى يتسع للوزير، وفجأة نُشر في صحافة موسكو تلغراف الكونت فيته الشخصي إلى الثورى من تفير. هل تم عمل ذلك حتى يندفع المؤتمر إلى اليمين؟ هذا، ما بدا أنه واقع الحال. ولكن السيد بيترونكفيتش طرد كل الشكوك: بدا ظهور التلغراف وكأنه نتيجة للتهور من جانب أصدقاءه السياسيين. إنه لمن المعروف لحد الشيوع أن للدبلوماسيين العميقين غالبًا أصدقاء غير حذرين وإن عدم حذرهم يؤدي أحيانًا خدمات جليلة. ابتدأ السيد بيترونكفيتش في مجلس الدوما بالدعوة إلى عفو عام وأكمل دوره لعدة أيام قبل فض الدوما بتقديم مقترحات باسم الحزب الدستوري الديموقراطي، ضد المشروع المعتدل لمجموعة العمل وضد حتى المشروع الأكثر اعتدالًا للجنة الزراعية، داعيًا إلى مشروع ثالث غير معتدل في جبنه، بتوجيه بيان إلى الفلاحين. أضف إلى ذلك فإن هذا "الثوري" من تفير هاجم مجموعة العمل وأعطى أسبابًا لخصومه ليعتقدوا أن هذه الطريقة الكريهة للخروج قد اتخذها بيترونكفيتش بغرض صريح هو أن يكون قادرا على تقديم نفسه في بيترهوف من أفضل موقع ممكن. بغض النظر عما إذا رأينا في أفعال قائد تفير العجوز هذا، بعض الخبث أو قدرًا كبيرًا من البراءة ، ففي كل الأحوال كان مقدرًا له دور ثانوي.
السيد روديشييف؟( ) ولكن، بدون شك، هو نفسه لا يعتبر نفسه قائدًا. هذا خطيب حزبي ثر. وفي خطاباته صياغات مدهشة بل وحتى عاطفة. وعلى أي حال ليس هناك ظل لمضمون فيها. وهذا حقيقي بصفة خاصة بالمعنى السياسي لأنها تقع فقط في قدر هؤلاء الذين يعرفون بقوة ماذا يريدون. بالتأكيد، السيد روديتشييف ليس قائدًا. وهو بالتأكيد، مستريح لذلك بسهولة بتقديراته لنفسه بوصفه المدافع عن حقوق العامة.
أما السيد ستروفه( ) فهو أقل من كل الآخرين قدرة على الادعاء بلعب دور القائد الحزبي. لأنه على مدى الستة شهور الأخيرة قد جادل بحمية، وإن كان بغير نجاح، قراء غير مبالين. ومن الواضح أن هناك حدًا لا يجد وراءه المدنسين سياسيًا والفاسدين أخلاقيًا إجابة متعاطفة. فقد عبر السيد ستروفه حده بالفعل. وفي سيكولوجيته السياسية لا يبقى مكان واحد حي: ما من مبادئ يمكن أن تكون عزيزة عليه ولا التزام يمكن أن يتسلط عليه. لهذا السبب فهو نفسه ليس قادرًا على أن يكون "عزيزًا" على أي أحد كما أنه ليس قادرًا على أن تكون له سلطة على أي أحد.
إن هذه الطريقة للاستبعاد قد قادتنا للاستنتاج بأن هناك قائدًا واحدًا هو الموجود، وهذا القائد هو السيد ميليوكوف. وهو محرر لسان حال الحزب الرئيسي، إلهام اللجنة المركزية، والموجه السري لفريق الدوما، وبكلمة هو القائد...
ما الذي يجعل السيد ميليوكوف قائدًا لهذا الائتلاف الذي أسئ اختياره الذي اعتبر، وربما، يعتبر نفسه حتى هذا اليوم أشد الأحزاب السياسية قوة في روسيا؟ وبالفعل ما الذي يجعل السيد ميليوكوف قائدًا؟ فهو لا يملك فهمًا واضحًا لمسار التطور الثوري، ولا خطة واضحة للعمل. ما الذي يجيده بالفعل؟ إن قدرته الوحيدة هي أن يُعلم حزبه أن يحبط الثورة، أن يؤخر إجابة الأسئلة التي طرحتها وبعدم الاشتراك في إحداثها. لم يكن من الممكن تفادي النظام البرلماني في روسيا. فسوف يتأسس في نهاية المطاف. وكل المهام تتقوم في انتظار تأسيسه بصبر. لم يكن هناك غنى عن السيد ميليوكوف في تقرير هذه المهام.
إن ما يسمى بالحزب الديموقراطي الدستوري مكون من عناصر اجتماعية مختلفة علقت في لحظات مختلفة من تطورها السياسي. مادام الاستقلال الذاتي الأشد، والشرائح والمجموعات المنفصلة تحمل بشكل لا راد له التحلل داخل الحزب، الذي يوحد المدنيين، والبورجوازية الصغيرة، والإنتليجنسيا والفلاحين الأثرياء، ومادامت قضايا التكتيك تروج المزيد من الاستقلال السياسي إذن، بالتأكيد، فإن الشعور بضرورة حفظ الذات حزبيًا تجبر الكاديت على تبني تكتيكات الاستنكاف عن التكتيك. والسيد ميليوكوف قادر على صياغة هذا الاستنكاف بطريقة يفوق فيها نظراءه. إذا كانت هذه الموهبة تصنع قائدًا إذن فالسيد ميليوكوف، بلا شك، هو قائد سياسي. القادة الأفراد من طراز السيد ميليوكوف لهم ميل لتفضيل السياسة الخفية: إنها طريقة الدبلوماسية الحزبية الداخلية الحاذقة للتحالفات الشخصية والمقاربات التي تماثل لعب الشطرنج التي يصاغ بها الاستنكاف عن الممارسة. ليست مهمتهم أن يوظفوا الحالة الثورية وإنما أن يحموا حزبهم من الحالة الثورية. ويبدو لهم أنه يمكن للمرء أن يجد مخرجًا من كل التناقضات ولهذا يحتاج فقط إلى أن يصوغ السؤال بصواب. بالنسبة لهم فإن فن حفظ وحدة الحزب يقود إلى فن تأليف القرارات التي تستبعد الخلاف. وبالنسبة لهم فإن الأسئلة السياسية تقررها الكلمات لا العكس. وبالرغم من أنهم يحبون معارضة سياساتهم "العملية" بالنظريين الثوريين للاشتراكية الديموقراطية فإن الإسهاب والخلط، في الواقع الفعلي، هو جوهر معجمهم السياسي. إذا ما ثار نزاع حول سؤال: دوما دولة أم جمعية تأسيسية؟ سوف يحلون المسألة هكذا: دوما دولة مع وظائف دستورية. وحول مسألة غرفة واحدة أم غرفتين؛ يتعين أن يصوت كل أعضاء الحزب حسب رغبتهم. السيد ميليوكوف، وعلينا أن نكرر، إنسان ثر في مثل هذه التركيبات وهذا السبب تحديدًا هو ما يجعله قائدًا.
ولكن السياسة سوف تكون فنًا محتقرًا إذا ما أراد أحد أن يختزلها إلى فن للكلمات. لحسن الحظ فإن الحال ليس كذلك. ضد سياسة كهذه يتحدث أشد الأعداء فظاعة: الوقائع. الأحداث الثورية أقل صبرًا من الأحزاب الثورية. في يوم أو في ساعة تدمر العمل المرهف الذي جرى لشهور. إنهم يجبرون على التصادم أقوى الأجسام، التي اتحدت أسماؤها بشكل اصطناعي في قرارات الحزب. لقد وضعت علامة الموت على قادة الأمس السياسيين. هناك في حزب ميليوكوف عناصر تتحرك نحو الثورة وعناصر تبتعد عنها؛ ليس كثيرًا في الحزب ولكن من تحت الحزب. ويهيمن السيد ميليوكوف وسيظل يهيمن، طالما كانت مهمة القادة إخفاء تناقض اتجاهات التطور عن قسمي الحزب. ولكن الآن، بعد إخفاق تكتيكات التجديد السلمي من خلال الدوما، فعلى الثورة أن تطور هذا التناقض حتى أقصى مدى له. ولن يتعين علينا أن ننتظر طويلُا حتى يحدث هذا.
يصف أحد الرواد من مؤرخي الثقافة الروسية، في مقاله عن تطور الشقاق، احد فروعه على النحو التالى :
هذا الاتجاه (بوبوفشينا Popovshchina()) تقاسم المصير العام لكل الاتجاهات. ويمكن لمثل هذا الاتجاه أن يتطور فحسب في اتجاه التطرفات التي يحتويها. ولكونه تسوية بين الأرثوذكس ومن هم من غير بوبوفشينا، أنصار بوبوفشينا يمكن لهم أن يتصلوا بكنيسة الدولة أو الحزب الأكثر تطرفًا للانشقاق. ولكن التقارب مع كنيسة الدولة الحاكمة قد أعيق قبل كل شيء بسبب موقف النخب الإكليركية والدنيوية من الانشقاق. لم تكن التسويات في ظل الأوضاع الراهنة ممكنة بشروط يمكن أن تكون مرضية لكلا الجانبين، وعلى ذلك، لن تكون مخلصة... وبقدر ما يعني الأمر من هم من غير أنصار بوبوفشينا كان يمكن لهذا أن يكون مسموحًا به للأكثر إقدامًا. وعلى ذلك فإن التذبذب بين التطرفين بغير توقف عند أحدهما، كان ينتهي ببوبوفشينا إلى أن تسلق في مرق أفكارها القديمة. أي نمط من الإدراك الجاد للتطور الداخلي سوف يعنى أنه لا يمكن إدخال تغيير ما ذو مغزى، لأن نتيجة مثل هذا التطور ستنحرف من إطار هذا الاتجاه الوسطى إلى جانب أو آخر( ).
هذا التشخيص لبوبوفشينا يغطي، وفقًا للمؤلف نفسه، كل الاتجاهات الوسطية ولا يمثل أي شيء أصيل. وإذا وجدنا من المفيد أن نلفت الانتباه إليه فسوف يكون ذلك لسبب وحيد وهو أن مؤلف هذه السطور لم يكن أحدًا سوى السيد ميليوكوف نفسه. نحن لا نعرف أي استنتاجات استخلصها ميليوكوف من هذا من أجل وضعه السياسي الخاص. ولكن في إجماله – وأنا لا أظن أن لدى السيد ميليوكوف عزم كاف لدحض هذا – فهو يلون نفسه بتشخيصه الذي لا رحمة فيه لكل "الاتجاهات الوسطية".
لأنها مساومة بين الملكية والديموقراطية، والطبقات صاحبة الامتياز والشعب فإن حزب السيد ميليوكوف سوف يكون قادرًا فقط على أن يقارب إما سلطة الدولة أو حزب ثوري أشد تطرفًا. ولكن مقاربة سلطة الدولة يعيقه قبل كل شيء موقفه من معارضة سلطة الدولة ذاتها. ما يخص مقاربة الثورة جذاب فحسب للأشد حزمًا. بهذه الطريقة؛ التحول الدائم بين أمرين متطرفين – بين اضطهاد اليمين و"فوضى" اليسار – حال عدم تقرير لأي جانب ننحاز، فإن الليبرالية الملكية الروسية مقدر عليها أن توجد في دائرة شريرة من الأفكار السياسية التي ولى زمنها. والتطور الداخلي لهذا الحزب مستحيل مادامت نتائج هذا التطور سرعان ما تقود من نتيجة لأخرى متجاوزة حدود الموقع الوسطى. وحيث يكون التطور الداخلي مستحيلًا يأتي التفكك الداخلي الذي لا يمكن تفاديه. سوف يكون على السيد ميليوكوف في مستقبل غير بعيد أن يسعد بأن يرى صواب مقاربته التاريخية الثقافية في مصير حزبه الخاص. ماذا سوف يحدث له، لفنه كقائد سياسي ولأرشيف قراراته الذي يعنى كل شيء ولاشيء، إنا لا نجرؤ على أن نتنبأ!
ل. تروتسكي
أغسطس 1906

(14)
تصفية الثورة بالعنف في إطار دستوري()
ف. لينين
لقد تلت وعود الدستور أفظع وأقبح أعمال العنف وحشية، وبدا أنها صممت خصيصًا بقصد أن تعطي الشعب بعد موضوعًا صارخًا عن المغزى الحقيقي لسلطة الأوتوقراطية الفعلية. إن التناقض بين الوعود والكلمات وقصاصات الأوراق، من ناحية، وحقائق الواقع من ناحية أخرى قد بدت أكثر اتضاحًا بما لا حد له. لقد بدأت الأحداث تزودنا بتأكيد صارخ عن حقيقة أعلناها منذ زمن طويل لقرائنا، وسوف نكررها المرة بعد الأخرى، أي، إلى أن يطاح بالسلطة الفعلية للقيصرية، فإن كل تنازلاتها، حتى إن بلغت جمعية تأسيسية، هي سراب، ووهم، ونتف من الخداع.
وقد جعل عمال بطرسبورج الثوريون هذا الأمر واضحًا تمامًا في واحدة من نشراتهم اليومية( ) التي لم تصلنا بعد، ولكن وردت الإشارة إليها المرة بعد المرة في الصحافة الأجنبية، التي صعقتها وأخافتها سطوة البروليتاريا. كتبت لجنة الإضراب (إننا نترجم من الانجليزية إلى الروسية() من هنا يتأتى بعض من عدم الدقة التي لا يمكن تجنبها في الصياغة) "لقد مُنحنا حرية الاجتماع ولكن اجتماعاتنا يحاصرها الجنود. وقد مُنحنا حرية الصحافة، لكن الرقابة مستمرة. لقد وعدونا بحرية التعليم، ولكن الجامعة تحتلها قوات الجيش. لقد وعدونا بحرمة الأشخاص، ولكن السجون تكتظ بالمعتقلين. لقد منحونا فيته()، ولكن لا يزال تريبوف() موجودًا. لقد منحونا دستورًا، لكن الأوتوقراطية لازالت قائمة. لقد مُنحنا كل شيء ولكن ليس لدينا أي شيء".
لقد علق تريبوف "بيان" القيصر. وأوقف تريبوف الدستور. والمغزى الحقيقي للحريات قد أوضحه نفس التريبوف. كما وأد العفو الشامل بواسطة تريبوف.
ولكن من هو تريبوف هذا؟ هل هو شخصية فذة، وتمثل إزاحته دلالة خاصة؟ لا شيء من هذا القبيل. إنه أحد أكثر رجال الشرطة عادية، الذي يقوم بالعمل اليومي للأوتوقراطية، وتحت أمره العسكريون والشرطة.
ولكن لما تصادف أن هذا الشرطي وهو غاية في العادية بعمله "الروتيني" قد اكتسب فجأة مثل هذه الأهمية الاستثنائية؟ حدث هذا بسبب أن الثورة قد حققت تقدمًا عظيمًا، وجعلت الحل أقرب. بقيادة البروليتاريا، يصبح الشعب أشد نضجًا من الناحية السياسية كل يوم، لا بل كل ساعة، أو، إن شئت ليس بالعام وإنما بالأسبوع. بينما كان تريبوف بالنسبة لشعب نائم سياسيًا مجرد شرطي غاية في العادية، إلا أنه بالنسبة لشعب أصبح واعيًا وبات قوة سياسية، أصبح لا يحتمل، لأنه يشخصن كل وحشية ، وإجرامية وبلادة القيصرية.
الثورة تُعَلِّم. إنها تزود كل طبقات الشعب وكل قوميات روسيا بدرس ممتاز حول طبيعة الدستور. الثورة تُعَلِّم بأن تضع في الصدارة المهام السياسية الملحة المباشرة، في أشد أشكالها وضوحًا وضغطًا، فهي تدفع هذه الجماهير إلى أن تدرك هذه المهام، وتجعل وجود الشعب ذاته مستحيلًا، بدون انجاز هذه المهام، إنها تعرى تفاهة كل الذرائع والمراوغات والوعود والاعترافات على تباينها. " لقد منحونا كل شيء ولكن ليس لدينا شيء". بالفعل لقد "مُنحنا" فقط وعودًا، مادمنا لا نملك سلطة فعلية. لقد اقتربنا من الحرية، وقد أجبرنا الكل على اختلافهم، حتى القيصر على أن يعترف بالحاجة للحرية. وما نريده على أي حال ليس الاعتراف بهذه الحاجة، وإنما الحرية ذاتها. ما نريده ليس قصاصة من ورق تتضمن وعودًا بسلطة تشريعية لممثلي الشعب، وإنما نريد السيادة الفعلية للشعب. وكلما اقتربنا أكثر من هذه السيادة، كلما أصبح غيابها لا يطاق أكثر. وكلما كانت بيانات القيصر أكثر إغواءً، كلما بات حكمه بالنسبة لنا لا يحتمل.
سيصل الصراع إلى منتهاه، وهو الإجابة على سؤال ما إذا كانت السلطة الفعلية ستظل في يد حكومة القيصر. بالنسبة للاعتراف بالثورة، فقد جرى الاعتراف بها الآن بصفة عامة. وقد تم الاعتراف بها منذ زمن طويل من جانب السيد ستروفه وسادة جريدة اسفوبوجدينيه. وقد اعترف بها الآن السيد فيته ونيقولا رومانوف. "إنني أعدكم بأي شيء ترغبون فيه" هكذا يقول القيصر "دعوني فقط احتفظ بالسلطة، دعوني أنجز وعودي الخاصة". هذا هو لب بيانات القيصر، وغرضها أن تخمد النضال المقرر. يعلن القيصر "يمكن أن أمنحكم كل شيء عدا السلطة"، ويجيب الشعب الثوري " كل شيء عدا السلطة وهم".
إن المغزى الحقيقي لتلك البلادة البادية التي وقعت فيها الشؤون الروسية يكمن في رغبة القيصر في خداع الشعب وتجنب الثورة بعقد صفقة مع البورجوازية. يبذل القيصر وعودًا أعظم للبورجوازية، بأمل أن تتجه الطبقات المالكة، والناس، أخيرًا نحو "القانون والنظام". كيفما كان الأمر، بينما يتمثل "القانون والنظام" في تجاوزات تريبوف والمائة السود، فإن نداء القيصر يبدو على الأغلب وكأنه صوت صارخ في البرية. إن القيصر يحتاج كلا من فيته وتريبوف بقدر متساوٍ؛ فيته من أجل أن يجتذب البعض، وتريبوف من أجل أن يروع البعض الآخر؛ فيته من أجل الوعود، وتريبوف من أجل العمل؛ فيته من أجل البورجوازية، وتريبوف من أجل البروليتاريا. يتكشف أمام أعيننا مرة أخرى، وعلى مستوى أعلى من التطور فحسب هذه المرة، مشهد يماثل ما شهدناه في بداية إضرابات موسكو؛ يقوم الليبراليون بالتفاوض بينما ينهض العمال بالقتال.
لدى تريبوف فهم ممتاز لدوره ومغزاه الفعلي. وربما كان إلى حد ما متهورًا للغاية قياسًا بالدبلوماسي فيته، ولكنه كان خائفًا من أن يتخلف بفعل التطور السريع للثورة. بل إنه كان مضطرًا لأن يتهور، لأنه يدرك أن القوات التي تحت إمرته آخذة في الضعف.
بالتزامن مع بيانها حول الدستور، بدأت الأوتوقراطية في اتخاذ خطوات لإعاقة صدور الدستور. لقد شرع المائة السود في العمل بطريقة لم تشهدها روسيا من قبل. تردنا تقارير عن مجازر، ومذابح، وأعمال غير مسبوقة من الوحشية تتدفق من كل أنحاء البلد. إن الإرهاب الأبيض عنيف. وتقوم الشرطة، عندما يكون في مستطاعها، بتحريض وتنظيم حثالة المجتمع الرأسمالي لممارسة النهب والعنف، مغرقة نفاية السكان الحضريين بالمشروبات الروحية، ناصبة مذابح لليهود، محرضة على العنف ضد "الطلاب" والمتمردين، مساعدة في "إعطاء درس" لأعضاء الزيمستفو(). تعمل الثورة المضادة بكامل طاقتها. وقد برهن تريبوف على أنه جدير بلقمة خبزه. تطلق المدافع الآلية نيرانها (في أوديسا)، وتفقأ الأعين (في كييف)، ويلقى بالناس من الطوابق العليا إلى الشارع، وتؤخذ المنازل عنوة ويطرد من فيها، وتشعل الحرائق ولا يسمح لأحد بإطفائها، وهؤلاء الذين يجرؤون على إبداء مقاومة للمائة السود يرمون بالرصاص. من بولندا إلى سيبريا، من شواطئ خليج فنلندا إلى البحر الأسود؛ تظهر لنا الصورة نفسها.
ولكن بالتزامن مع انفجار وحشية المائة السود، مع هذا الاحتفال الذي هيأته الأوتوقراطية، هذه التشنجات الأخيرة للوحش القيصري، فإن هناك هجمات غضة تشنها البروليتاريا وهي كالعادة تبدو فقط وكأنها تهدأ بعد كل نهوض في الحركة. في الواقع الفعلي، فإنها تجمع قواها فحسب وتستعد لتوجيه ضربة حاسمة. ولأسباب سبق أن ذكرناها، فإن فظاعات الشرطة في روسيا قد اكتست طابعًا مختلفًا تمامًا عما جرى في الماضي. توازي انفجارات انتقام القوزاق بانتقام تريبوف، تبين أن قوة القيصر تتحلل بسرعة. ويمكن أن نلاحظ هذا في المقاطعات، وفي فنلندا، وفي سانت بطرسبورج؛ ومن الواضح أن ذلك يتجلى في الأماكن التي يكون فيها الناس في أدنى الأوضاع ويبدون أقل تطورًا من الناحية السياسية، في المناطق الطرفية حيث تفتقر وجود سكان روس، وكذلك في العاصمة، التي تعد بأن تكون مسرحًا للدراما الأكثر عظمة للثورة.

(15)
لا ضمانة لدستور ديموقراطي
سوى الانتفاضة الشعبية()
ف. لينين
... هناك حديث عن الحرية، وعن التمثيل الشعبي؛ كما يخطب البعض عن الجمعية التأسيسية، غير أن ما لا يرونه على الدوام في كل ساعة بل وفى كل دقيقة، أنه بدون ضمانات جادة لكل هذه الأشياء الجيدة فإنها تبقى مجرد جمل خاوية. أما الضمانة الجادة فلا يمكن أن تأتينا بها إلا الانتفاضة الشعبية الظافرة، إلا بالهيمنة التامة للبروليتاريا والفلاحين المسلحين على ممثلي السلطة القيصرية، الذين، تراجعوا خطوة للوراء تحت تأثير ضغط الشعب، ولكنهم أبعد من أن يكونوا قد استسلموا للشعب، وأبعد من أن يكونوا قد أطيح بهم بواسطة الشعب. وإلى أن يتحقق ذلك الهدف لا يمكن أن تكون هناك حرية حقيقية، ولا تمثيل شعبي حقيقي، ولا جمعية تأسيسية حقيقية لها سلطة أن تقيم نظامًا جديدًا في روسيا.
ما هو الدستور؟ صحيفة من الورق سطرت عليها حقوق الشعب. ولكن ما هو الضمان الذي لدينا بأن هذه الحقوق سيعترف بها فعلًا؟ يكمن الضمان في قوة طبقات الشعب التي باتت واعية بهذه الحقوق، بعد أن استطاعت كسبه. دعونا لا نسمح إذن بأن تضللنا الكلمات – التي تليق بثرثاري الديموقراطية البورجوازية فحسب – دعونا لا ننسى للحظة أن القوة يبرهن عليها فقط بالانتصار في خضم النضال، وأننا لازلنا حتى الآن بعيدون عن أن نكون قد حققنا انتصارًا كاملًا بعد. دعونا لا نصدق الكلمات الجميلة، لأننا نعيش في أزمنة لا زال الصراع المكشوف فيها جاريًا، وتختبر فيها كل الكلمات والوعود على الفور في تحققها العملي، بينما توظف الكلمات والبيانات والوعود عن الدستور لخداع الشعب، ولإضعاف قوته، وبعثرة صفوفه، وإغواءه بأن يتخلى عن سلاحه. ما من شيء يمكن أن يكون أكثر زيفًا من هذه الوعود والكلمات ، ولنا كل الفخر في أن نقول أن بروليتاريا روسيا قد نضجت من أجل الصراع ضد كل من القوة الوحشية، وضد الانحراف الليبرالي الدستوري، ويؤيد ما أقول النداء الذي صاغه عمال السكك الحديدية الذي نشر عنه حديثًا في الصحافة الأجنبية (للأسف الأصل ليس لدينا). يقول النداء "اجمعوا الأسلحة يا رفاق"، "نظموا أنفسكم من أجل النضال بلا كلل، وبطاقة مضاعفة. فقط بتسليح وحشد صفوفنا سوف نكون قادرين على الدفاع عما كسبناه، ونحقق استجابة تامة لمطالبنا. سيأتي وقت ننهض فيه مرة أخرى كرجل واحد في نضال جديد أكثر عنادًا من أجل الحرية التامة".
في مثل هذا تتمثل ضماناتنا الوحيدة. مثل هذا هو الدستور الحقيقي الوحيد لروسيا الحرة! وبالفعل، انظر إلى بيان 17 أكتوبر وحقائق الحياة الروسية: هل يمكن لشيء أن يكون أكثر دلالة من التضاد بين هذا الاعتراف بالدستور من قبل القيصر على الورق، و"الدستور" الفعلي، أي التطبيق الفعلي لسلطة القيصر؟ في مواجهة هذا، يقدم بيان القيصر وعودًا لها طابع دستوري بجلاء. ولكنهم بينوا لنا ثمن هذه الوعود. لقد أعلن أن لشخصية الفرد حرمة لا تنتهك، مع ذلك فإن هؤلاء الذين لا يوافقون هوى الأوتوقراطية يبقون في السجون، أو في المنفى، أو مبعدين. لقد أعلن عن حرية الاجتماع، مع ذلك فإن الجامعات التي كانت أول من أبدع حرية الاجتماع فعليًا في روسيا، قد أغلقت، وسدت مداخلها بحراس من الشرطة والجنود. الصحافة حرة، ولهذا فان جريدة نوفايا جيزن( ) المتحدثة باسم مصالح العمال، قد صودرت لأنها طبعت برنامج الاشتراكيين الديموقراطيين. إن أماكن وزراء المائة السود قد شغلها وزراء أعلنوا أنهم يقفون في صف حكم القانون، مع ذلك لازال المائة السود "شغالون" بدرجة أشد كثافة في الشوارع بمساعدة الشرطة والجيش، ومواطنو روسيا الحرة الذين لا يروقون للأوتوقراطية يعدمون، أو يضربون ويهرسون بحرية مع حصانة الإفلات من العقوبة.
بمثل هذه النماذج الجلية أمام أعيننا، يجب أن نكون عميانًا، أو أعمتنا الأنانية الطبقية، حتى نعلق أي أهمية حقيقية جادة في الوقت الراهن على ما إذا كانت هناك وعود من الوزير فيته بحق الاقتراع العام، أو ما إذا كان القيصر سوف يوقع بيانًا يدعو فيه الجمعية "التأسيسية" للانعقاد. حتى إذا جرت مثل هذه "التصرفات" فهي لن تقرر حصيلة الصراع، ولن يكون بمقدورها أن تخلق الحرية الفعلية للتحريض الانتخابي، أو أن تضمن أن جمعية شعبية من الممثلين سوف يكون لها طابعًا تأسيسيًا حقيقيًا. على الجمعية التأسيسية أن تعطى تجسيدًا قانونيًا وشكلًا برلمانيًا لبنية روسيا الجديدة، ولكن قبل أن يمكن تعزيز انتصار الجديد على القديم، ولإضفاء شكل مناسب على هذا الانتصار، فلابد من إحراز الانتصار الفعلي، لابد من تحطيم قوة المؤسسات القديمة، ولابد من كنس هذه الأخيرة، لابد من تقويض الصرح القديم وتسويته بالأرض، وتدمير أية إمكانية لأي مقاومة جادة من جانب الشرطة وعصابتها.
الحرية الانتخابية التامة، والسلطة الكاملة للجمعية التأسيسية يمكن ضمانهما فقط من خلال الانتصار التام للانتفاضة، والإطاحة بالحكم القيصري، على أن تحل محله حكومة ثورية مؤقتة. وعلى كل جهودنا أن تتوجه لتحقيق هذا الهدف، يجب أن يتصدر تنظيم وإعداد الانتفاضة كل المهام على نحو مطلق. وبقدر ما تكون الهبة منتصرة فحسب وبقدر ما يقود النصر إلى التدمير الحقيقي للعدو؛ بقدر ذلك فحسب سوف تكون جمعية ممثلي الشعب شعبية ليس على الورق فحسب، وكذلك تأسيسية بالفعل لا بالاسم فقط.
فلتسقط كل أنواع التضليل، والزيف، وكل التعمية! لقد أعلنت الحرب، وقد اشتعل القتال، وما نعاينه الآن ليس شيئًا سوى خمود أو ركود مؤقت بين معركتين. وما من وقوف في منتصف الطريق. إن حزب "البيض" هو خداع مطلق. إن من لا يقف في صف الثورة فهو إذن من المائة السود. لسنا نحن فقط من يقول هذا. نحن لم نبدع مثل هذا الوصف. إن الأحجار التي لطختها الدماء تصرخ بهذه الكلمات في شوارع موسكو وأوديسا، في كرونشتادت والقوقاز، في بولاندا وفي تومسك.
إن من لا يقف في صف الثورة فهو إذن من المائة السود. وإن من لا يرغب في أن يضحى من أجل الحرية الروسية حتى لا تصبح هذه الحرية حرية الشرطة في أن تستخدم العنف، والإكراه على شهادات كاذبة، و[الرشوة بـ]الفودكا، والهجمات الغادرة على أناس عزل من السلاح، يجب أن يسلح نفسه وأن يتأهب للمعركة على الفور. لابد أن ننال الحرية الحقيقية، وليس وعودًا بالحرية، ولا مزق من الورق عن الحرية. لا يتعين علينا أن ننجز فحسب خزيًا وإذلالًا لسلطة القيصر، ولا مجرد اعتراف بحقوق الشعب من هذه السلطة، وإنما تدمير هذه السلطة، مادامت سلطة القيصر تعنى سلطة المائة السود على روسيا. وهذه النتيجة لا تخصنا أيضًا. لقد جرى استخلاصها من وقائع الحياة ذاتها، إنه الدرس الذي علمتنا إياه أحداث الزمن. إنه صوت هؤلاء الذين وقفوا جانبًا حتى الآن بعيدًا عن أي مذهب ثوري ولم يجرؤوا على اتخاذ خطوة واحدة حرة في الشارع، وفي اجتماع، أو في البيت، دون أن يعانوا مخاطرة مريعة داهمة من أن يسحقوا، يعذبوا أو يمزقوا إلى قطع من قبل هذه العصابة أو تلك من أتباع القيصر.
وأخيرًا، لقد اضطرت الثورة هذه "القوة الشعبية" على الخروج إلى العلن؛ قوة أتباع القيصر. لقد كشفت للنظر العام على من يعتمد حكم القيصر، ومن هم بالفعل من يدعمون هذا النظام. وإليكم إياهم، هذه القوات الضارية من الشرطة، الجنود السذج المدربون على الانضباط، رجال الدين المسعورون، أصحاب الحوانيت الغلاظ، ورعاع المجتمع الرأسمالي الذين دوختهم الفودكا. إن هؤلاء هم من يسودون الآن في روسيا مع تستر أو دعم تسعة أعشار مؤسساتنا الحكومية. ها هي ذي فندييه( ) الروسية (الرجعية. المترجم) التي تشبه فندييه الفرنسية بنفس القدر الذي يشبه به العاهل "الشرعي" نيقولا رومانوف المغامر نابليون. كما أن رجعيتنا لم تقل كلمتها الأخيرة أيضًا؛ لا تخطئوا إطلاقا بهذا الصدد أيها المواطنون. فهي أيضا قد بدأت للتو في عرض قواها بدقة. وهى أيضًا لديها "احتياطيها من المواد القابلة للاحتراق" التي تراكمت خلال قرون من الجهل، والاضطهاد، والقنانة، والشرطة كلية الجبروت. إنها تقرن داخلها التخلف الآسيوي الصافي مع كل الملامح الكريهة للطرق الناعمة التي تستخدم لاستغلال وتسفيه هؤلاء الذين هم الأشد اضطهادًا وتعذيبًا بحضارة المدن الرأسمالية، وقد خفضوهم حتى باتوا في أوضاع أسوأ من أوضاع الحيوانات المفترسة. مثل هذه الرجعية لن تختفي استنادًا لأي بيان يصدر عن القيصر، أو عن مجلس القساوسة، أو بناء على تغييرات في المراتب العليا أو الدنيا في البيروقراطية. فهي لا يمكن أن تحطم إلا من قبل قوة بروليتاريا منظمة ومستنيرة، لأن البروليتاريا وحدها، وهي المستغلة بحكم وضعها، جديرة باستنهاض كل من يليها، وتوقظ فيهم الإحساس أنهم بشر ومواطنون، وتريهم طريق الخلاص من الاستغلال. فقط البروليتاريا يمكنها أن تخلق أنوية جيش ثوري عاتٍ، عاتٍ في مثله العليا، وفي انضباطه، وفي تنظيمه، وببطولته في النضال، بطولة لا تستطيع أن تتصدى لها أي رجعية.

(16)
المقاطعة والدستور الملكي البوليسي()
ف. لينين
3
إن الصلة التي تربط بين المقاطعة والأوضاع التاريخية التي تميز فترة محددة في الثورة الروسية لا يزال علينا أن نتفحصها من زاوية أخرى. ماذا كان المضمون السياسي لحملة المقاطعة الاشتراكية الديموقراطية في خريف 1905 وربيع 1906؟ لم يكن محتواها يتضمن بالطبع تكرار كلمة مقاطعة أو دعوة الشعب إلى عدم المشاركة في الانتخابات. كما لم يكن مضمونها مقصورًا على نداءات تدعو للهجوم المباشر متجاهلة المسارات الدائرية والمنحنيات التي أملتها الأوتوقراطية. بالإضافة إلى هذه الفكرة وليس بموازاتها، بل بالأحرى في مركز كل حملة المقاطعة، كان النضال ضد الأوهام الدستورية. وكان هذا النضال في الحقيقة الروح الحية للمقاطعة. تذكروا خطابات أنصار المقاطعة وكامل تحريضهم، وانظروا إلى القرارات الرئيسية التي اتخذها المقاطعون وسوف ترى إلى أي حد هذا حقيقي.
لم يكن المناشفة قادرون أبدًا على فهم هذا الجانب من المقاطعة. لقد اعتقدوا دائمًا أن النضال ضد الأوهام الدستورية في فترة ميلاد الدستورية بمثابة هراء، وعبث، و"فوضى". لقد جرى التعبير عن وجهة النظر المنشفية هذه بقوة في خطاباتهم في مؤتمر ستوكهولم( ) خاصة - كما أذكر - في خطابات بليخانوف، هذا إن تغاضيت عن الأدب المنشفي.
للوهلة الأولى فإن موقف المناشفة حول هذه المسألة سوف يبدو بالفعل فوق النقد مثلهم مثل الرجل الذي يعلم أصدقائه خفية بأن الجياد تأكل الشوفان. في فترة ميلاد الدستورية تعلن عن النضال ضد الأوهام الدستورية! أليست تلك فوضوية؟ أليست همهمة غامضة؟
إن ابتذال هذه المسألة الذي تأثر بالإشارة المضللة إلى الحس العام الواضح لمثل هذه الحجج مؤسس على حقيقة أن الفترة الخاصة للثورة الروسية قد أهملت في صمت، وأن مقاطعة دوما بوليجين قد نسيت، وإن المراحل العيانية للمجرى الذي اتخذته ثورتنا قد حل محله مخطط عام لكل ثورتنا، في الماضي والمستقبل، بوصفها الثورة الحبلى بالدستورية. هذه عينة تبين انتهاك منهج المادية الجدلية من قبل أناس، مثل، بليخانوف، تحدثوا عن هذا المنهج بأقصى ما يمكن من الفصاحة.
نعم، ثورتنا البورجوازية ككل، مثل كل ثورة بورجوازية، هي في المدى الطويل، سيرورة نظام دستوري ولا شيء أكثر. هذه هي الحقيقة. إنها حقيقة مفيدة لعرض المظاهر شبه الاشتراكية لبرنامج بورجوازي ديموقراطي أو آخر، النظرية، التكتيكات، وما إلى ذلك. ولكن هل سيكون بمقدورك أن تستخلص أي فائدة من هذه الحقيقة بصدد مسألة ما هو نوع التوجه الدستوري الذي يتعين على حزب العمال أن يقود البلاد على نهجه في حقبة الثورة البورجوازية؟ أو بصدد مسألة كيف تحديدًا يتعين على حزب العمال أن يناضل من أجل توجه دستوري محدد (وبدقة جمهوري) خلال فترات محددة في الثورة؟ لن تتمكن من الإجابة. إن هذه الحقيقة المفضلة عند إكسلرود وبليخانوف لن تنيرك حول هذه المسائل أكثر مما ينيرك الاعتقاد بأن الحصان يأكل الشوفان الأمر الذي لا يمكنك من أن تختار حيوانًا مناسبًا وتركبه.
إن النضال ضد الأوهام الدستورية ينبغي، كما قال البلاشفة عام 1905 وبداية 1906، أن يكون شعار اللحظة، لأن الحالة الموضوعية في هذه الفترة واجهت القوى الاجتماعية المتصارعة بأن عليها أن تقرر مسألة ما إذا كان الطريق المستقيم للنضال الثوري المباشر والمؤسسات التمثيلية التي خلقتها الثورة مباشرة على أساس الديموقراطية التامة أو الطريق الملتوي المستدير لدستور ملكي والمؤسسات البوليسية "الدستورية" ( بين معقوفتين !) من نمط "الدوما"، سوف ينتصر في المستقبل القريب.
هل الحالة الموضوعية تثير هذه المسألة بالفعل، أم أن البلاشفة قد "اصطنعوها" بسبب خطلهم النظري؟ لقد جرت الإجابة على هذا السؤال من قبل تاريخ الثورة الروسية.
لقد كان نضال أكتوبر 1905 بالفعل نضالًا لمنع الثورة من أن تتحول لمسارات ملكية دستورية. لقد كانت فترة أكتوبر - ديسمبر بالفعل الفترة التي شهدت تحقق التوجه الدستوري الحر البروليتاري، الديموقراطي حقًا، العريض، الجريء الذي عبر فعلًا عن إرادة الشعب في تعارضها مع النزعة شبه الدستورية لدستور دوباسوف وستوليبين( ). النضال الثوري من أجل توجه دستوري ديموقراطي حقيقي (أي، مبني على أرض نظفت تمامًا من النظام القديم وكل الأشياء البغيضة التي ارتبطت به) يستدعي أشد النضالات عزمًا ضد الدستور الملكي البوليسي الذي يستخدم كطعم للشعب. وهذا الأمر البسيط أخفق خصوم الاشتراكية الديموقراطية من مناهضي المقاطعة تمامًا في فهمه.
تبرز أمامنا الآن مرحلتان من تطور الثورة الروسية بكل جلاء هما: مرحلة الصعود (1905) ومرحلة الهبوط (1906 - 1907). مرحلة التطور الأقصى لنشاط الشعب، التي شهدت وجود منظمات حرة وواسعة لكل طبقات السكان، مرحلة أقصى تطور لحرية الصحافة وأقصى تجاهل من قبل الشعب للسلطة القديمة، ومؤسساتها وقيادتها؛ وكل هذا بدون أي توجه دستوري صودق عليه بيروقراطيًا وتم التعبير عنه في قواعد وتنظيمات شكلية. وبعد ذلك مرحلة التطور الأقل والتدهور الثابت للنشاط الشعبي، والتنظيم وحرية الصحافة، الخ، تحت راية (فليغفر الله لنا!) "دستور" ملفق، مصادق عليه ، ومحمي من قبل الدوباسوفيين والستوليبيين.
الآن، حين يبدو كل شيء خفي شديد الجلاء شديد الوضوح، سوف يكون من الصعب أن تجد متحذلقًا يجرؤ على إنكار شرعية وضرورة النضال الثوري للبروليتاريا لمنع الأحداث من أن تتخذ منحى ملكيًا دستوريًا، شرعية وضرورة النضال ضد الأوهام الدستورية.
الآن سوف يكون من الصعب أن تجد مؤرخًا معقولًا جديرًا بالاسم لن يقسم مجرى الثورة الروسية بين 1905 وخريف 1907 إلى فترتين: "مناهضة الدستور" (إذا جاز لي استخدام هذا التعبير) فترة المد، وفترة الجزر "الدستوري"، فترة الانتصار، وتحقيق الحرية بواسطة الشعب بدون التوجه الدستوري (الملكي) البوليسي، وفترة اضطهاد وقمع الحرية الشعبية بواسطة "الدستور" الملكي.
تتجلى الآن فترة الأوهام الدستورية، فترة الدوما الأولى والثانية غاية في الوضوح بالنسبة لنا، ولم يعد من الصعب أن ندرك أهمية النضال الذي شنه الاشتراكيون الديموقراطيون الثوريون في هذا الوقت ضد الأوهام الدستورية. ولكن في ذلك الوقت، في 1905 وبداية 1906 لم يفهم هذا لا الليبراليون في المعسكر البورجوازي ولا المناشفة في المعسكر البروليتاري.
مع ذلك فقد كانت فترة الدوما الأولى والثانية فترة الأوهام الدستورية بكل المعاني وفي كل الجوانب. إن الوعد المهيب بأن "لن يصبح أي قانون نافذًا بدون موافقة الدوما" لم يتم انتهاكه في هذه الفترة. وهكذا وجد الدستور على الورق، ولم يكف أبدًا عن تدفئة كل الطيات الخانعة لقلوب الكاديت الروس( ). وضع كلا من دوباسوف وستوليبين في هذه الفترة الدستور الروسي في محك الممارسة، جربوه واختبروه جاهدين أن يكيفوه ويوفقوه مع الأوتوقراطية القديمة. لقد ظهر دوباسوف وستوليبين بوصفهما رجلي العصر الأشد قوة، وقد عملا جاهدين من أجل أن يجعلا "الوهم" واقعًا. وقد برهن الوهم أنه وهمًا. وقد أثبت التاريخ تمامًا صحة شعار الاشتراكيين الديموقراطيين الثوريين. ولكن لم يكن أنصار دوباسوف وستوليبين فقط هم من حاولوا إعمال "الدستور"، ولم يكن فقط الكاديت الخانعين هم الذين امتدحوه ورفعوه إلى السماء، ومثل الخدم (من طراز السيد روديتشييف في الدوما الأول) الذين أجهدوا أنفسهم لإثبات أن القيصر لم يكن ليلام، وسوف يكون من باب الافتراض اعتباره مسئولًا عن مذابح اليهود. لا. خلال هذه الفترة فإن الجماهير العريضة من الشعب كذلك كانت لا تزال بلا شك تؤمن لهذه الدرجة أو تلك بـ"الدستور"، وتؤمن بالدوما رغم تحذيرات الاشتراكيين الديموقراطيين.
يمكن أن يقال عن فترة الأوهام الدستورية في الثورة الروسية بأنها كانت فترة افتتان الأمة بأسرها بالصنم البورجوازي، مثلها في ذلك مثل أمم كاملة في أوروبا الغربية افتتنت أحيانًا بوثن القومية البورجوازية، معاداة السامية، الشوفينية الخ. إنه لمما يؤكد الثقة في الاشتراكيين الديموقراطيين أنهم وحدهم لم يؤخذوا بهذه الخدعة البورجوازية، أنهم وحدهم فقط في حقبة الأوهام الدستورية دائمًا ما حافظوا على راية النضال خفاقة ضد الأوهام الدستورية.
¬_________
لم إذن، يثار السؤال الآن، كانت المقاطعة أداة نوعية للنضال ضد الأوهام الدستورية؟
هناك ملمح حول المقاطعة يثبط بشكل غير إرادي، للوهلة الأولى، كل ماركسي. مقاطعة الانتخابات هي رفض للبرلمانية، شيء يبدو إلى حد بعيد مثل الرفض السلبي، الاستنكاف، أو التملص. هكذا اعتبره بارفوس (الذي لا يملك سوى النماذج الألمانية ليحتذيها) حينما هب عاصفًا، في خريف 1905 مغيظًا، غاضبًا ولكن دون نجاح، محاولًا أن يثبت أن المقاطعة الايجابية كانت كذلك شيئًا رديئًا لأنها ظلت كما هي مقاطعة... وهكذا اعتبرت أيضًا من قبل مارتوف، الذي لم يتعلم شيئًا حتى اليوم من الثورة والذي يتحول أكثر فأكثر إلى ليبرالي. وقد بين من خلال مقالته الأخيرة في جريدة تافاريش( ) أنه غير قادر حتى على طرح المشكلة بطريقة تتلائم مع اشتراكي ديموقراطي ثوري.
ولكن هذا الملمح الأشد قابلية للاعتراض، إن جاز القول، بصدد المقاطعة بقدر ما يعني ذلك ماركسي، قد تم توضيحه تمامًا بواسطة الملامح النوعية للفترة التي أوجدت أساسًا مثل هذه الطريقة في النضال. لقد كانت الدوما الملكية الأولى، دوما بوليجين، طعمًا استهدف إبعاد الناس عن الثورة. كان هذا الطعم تمثال عرض (مانيكان) ألبسوه ثوب الدستورية. لقد جرت غواية الكل لابتلاع الطعم. مال البعض من خلال المصالح الطبقية الأنانية، والبعض الآخر من خلال الجهل، لانتزاع تمثال عرض دوما بوليجين، وفيما بعد تمثال عرض دوما فيته. لقد كان الجميع متحمسون، وآمن الكل بها بإخلاص. لم يكن الاشتراك في الانتخابات مجرد حقيقة واقعة، أداء بسيط لواجبات المرء المدنية العادية. لقد كان الاستهلال المهيب لملكية دستورية. لقد كان انعطافًا عن الطريق الثوري المباشر نحو الطريق الملكي الدستوري.
لقد اتجه الاشتراكيون الديموقراطيون في مثل هذا الزمن لنشر راية احتجاجهم محذرين بأقصى فعالية، وبأشد الطرق تعبيرًا. وقد عنى هذا رفض الاشتراك، الامتناع ومنع الناس، مطلقين نداء للهجوم على النظام القديم بدلًا من العمل داخل إطار مؤسسة أقامها النظام القديم. تطلب الحماس على النطاق القومي لوثن البورجوازية البوليسي الخاص بالملكية "الدستورية" من الاشتراكيين الديموقراطيين، بوصفهم حزب البروليتاريا، تظاهرة على المستوى القومي أيضًا تبين وجهة نظرهم محتجين ضد ومعرين هذا الوثن، كما تطلب نضالًا بأقصى قوة ضد تأسيس المؤسسات التي جسدت هذا الوثن.
هاأنت ذا تملك التبرير التاريخي الكامل ليس فقط لمقاطعة دوما بوليجين، التي قوبلت بنجاح فوري، بل لمقاطعة دوما فيته التي كانت إخفاقًا بكل المعايير. نرى الآن لما كانت إخفاقًا بينًا فحسب، لما كان على الاشتراكيين الديموقراطيين أن يستبقوا احتجاجهم ضد المنعطف الملكي الدستوري لثورتنا حتى آخر لحظة. لقد أثبت هذا المنعطف في الواقع أنه منعطف لطريق مسدود. لقد أثبتت الأوهام حول الملكية الدستورية أنها ليست سوى مقدمة أو علامة، زينة، تصرف الانتباه عن الاستعداد لإلغاء هذا "الدستور" من قبل النظام القديم...
لقد قلنا إن على الاشتراكيين الديموقراطيين أن يستبقوا احتجاجهم ضد قمع الحرية بواسطة "الدستور" حتى النهاية. ماذا نعنى بـ"حتى النهاية"؟ نعني حتى تصبح المؤسسة التي كان يناضل ضدها الاشتراكيون الديموقراطيون حقيقة ناجزة رغمًا عن الاشتراكيين الديموقراطيين، حتى صار المنعطف الدستوري الملكي في الثورة الروسية، الذي عنى بشكل حتمي (لوقت معين) تدهور الثورة وهزيمة متلاحقة للثورة، حقيقة ناجزة رغم الاشتراكيين الديموقراطيين. لقد كانت فترة الأوهام الدستورية فترة محاولة بلوغ مساومة. لقد ناضلنا وكان علينا أن نناضل ضدها بكل قوتنا. وكان علينا أن نذهب إلى الدوما الثاني، وكان علينا أن نحسب حساب المساومة عندما فرضتها الظروف علينا وضد إرادتنا، رغم جهودنا، وبثمن هزيمة نضالنا. أما لأي وقت نظل نحسب حسابها فهذا أمر آخر بالطبع.
ما الذي يمكن أن نستخلصه من كل هذا فيما يتعلق بمقاطعة الدوما الثالث؟ هل هي، ربما، أن المقاطعة التي هي ضرورية في بداية فترة الأوهام الدستورية، ضرورية أيضًا في نهاية الفترة؟ سوف تكون "فكرة لامعة" لمزاج "السوسيولوجيا القياسية" وليست استنتاجًا جادًا. لا يمكن أن يكون للمقاطعة الآن نفس المعنى الذي كان لديها في بداية الثورة الروسية. اليوم لا يمكن لنا أن نحذر الشعب ضد الأوهام الدستورية ولا أن نناضل حتى نحول بين الثورة وبين أن تنعطف نحو طريق ملكي دستوري مسدود. لا يمكن أن يكون للمقاطعة شرارتها الحيوية الأولى. إذا كان لابد أن تكون هناك مقاطعة، فسوف يكون لها في كل الأحوال دلالة مختلفة، سوف تحتوي في كل الأحوال على مضمون سياسي مختلف.
أضف إلى ذلك، فإن تحليلنا للخصوصية التاريخية للمقاطعة يزودنا ببرهان معين ضد مقاطعة الدوما الثالث. في فترة بداية المنعطف الدستوري كان انتباه الأمة بأجمعها مركزًا على الدوما. وقد ناضلنا مستخدمين المقاطعة والتزمنا بالنضال ضد تركيز الانتباه على الاتجاه الذي يؤدي إلى طريق مسدود، النضال ضد افتتان كان مرجعه الجهل، والظلامية، والضعف، أو النشاط الأناني المعادي للثورة. أما اليوم، فمن غير الوارد ليس فقط على النطاق القومي، بل حتى على الإطلاق وجود أي حماس ظاهر للدوما بصفة عامة أو الدوما الثالث بصفة خاصة. ومن ثم ليست هناك حاجة لأي مقاطعة.

(17)
تبدد الأوهام الدستورية()
ف. لينين
"شكرا لله لدينا دستور!" هكذا هتف السيد ميليوكوف بعد الثالث من يونيو 1907. لقد بحث قائد البورجوازية الليبرالية عن عزاء في تأكيدات مسلية من هذا النوع، وهو يخفي عدم ثقته في الشعب ومقاومته، وخوفه، من ترك الطريق "الدستوري".
ومن الأمور المعبرة، التي تحدث الآن، أن يترافق اعتراف نفس السيد ميليوكوف أو جريدته الليبرالية ذات العقلية الرسمية رش (الكلمات) Rech مع "بداية الحركة الاجتماعية الصاعدة" (عدد 26)، مع وضوح انهيار هذه المبادئ الدستورية. ويكمن تحت هذه الأوهام الرغبة في استبعاد وإنكار واقع لا يبهج (والضرورة غير السارة لانتهاج طريق لا يشبه في شيء الطريق "الدستوري")، الرغبة في أن يهدهد المرء نفسه والآخرين بالشعارات "الدستورية".
وانظروا الآن إلى ما يتوجب على الليبراليين أن يقولوه في الوضع الراهن!
" الوضع كئيب في الدوما لأن لا صراع يدور داخله" (عدد 25).
حسنا أيها السادة لقد كنتم أنتم من قال أن لدينا دستور!
"لقد نطقت كل الكلمات. ما هو مطلوب الآن هو الأفعال، ولكن لا إيمان فيها. من هنا اللامبالاة" (نفس المصدر).
لقد هدهدتم أنفسكم بالإيمان بالكلمات، التي وجهتموها بصفة أساسية إلى الأوكتوبريين. والآن تقرون بأنكم قد نطقتم هذه الكلمات لتغطوا افتقاركم للإيمان بالأفعال.
لقد أدنتم أنفسكم، أيها السادة الليبراليون.
أما الديموقراطيون بصفة عامة، والعمال بصفة خاصة، فليس لديهم إيمان بالكلمات (حول الدستور)....()

(18)
الأزمة الدستورية في بريطانيا()
ف. لينين
عند تناولنا الحوادث المثيرة عن أيرلندا، في جريدة بوت برافدي Put Pravdy عدد رقم 34، تحدثنا عن سياسة الليبراليين، الذين سمحوا لأنفسهم أن يخافوا من المحافظين().
منذ أن كتبت هذه السطور، جرت أحداث جديدة حولت هذا النزاع الخصوصي (بين الليبراليين والمحافظين) حول مسألة الحكم الذاتي لأيرلندا إلى أزمة دستورية عامة في بريطانيا.
حيث أن المحافظين قد هددوا بإشعال "تمرد" بروتستانتي في أولستر ضد الحكم الذاتي في أيرلندا، فإن الحكومة الليبرالية حركت قسمًا من قواتها حتى تفرض احترام إرادة البرلمان.
ولكن ماذا حدث؟
تمرد جنرالات وضباط الجيش البريطاني!
لقد أعلنوا أنهم لن يقاتلوا ضد أولستر البروتستانتية لأن هذا يناقض نزعتهم "الوطنية"، وأنهم سوف يستقيلوا.
لقد صدمت الحكومة الليبرالية تمامًا بتمرد ملاك الأرض الذين يقفون على رأس الجيش. لقد اعتاد الليبراليون أن يعزوا أنفسهم بالأوهام الدستورية وبجمل حول حكم القانون، ويغمضون عيونهم عن علاقات القوى الفعلية، عن الصراع الطبقي. وقد كانت علاقة القوى الفعلية هذه هي أنه، نظرًا لجبن البورجوازية، فإن بضع مؤسسات وامتيازات ما قبل بورجوازية وقروسطية للأرستقراطية العقارية قد استبقيت في بريطانيا.
من أجل قمع تمرد الضباط الأرستقراطيين، كان على الحكومة الليبرالية أن تحتكم إلى الشعب، إلى الجماهير، إلى البروليتاريا، ولكن هذا كان شيئًا يخافه سادة البورجوازية الليبرالية "المستنيرين" أكثر من أي شيء آخر. لقد قدمت الحكومة بالفعل تنازلات للضباط المتمردين، وحثتهم على سحب استقالاتهم، وأعطتهم ضمانات مكتوبة بأن القوات لن تستخدم ضد أولستر.
وقد بذلت جهود ليخفوا عن الشعب الحقيقة المخزية بأنهم أعطوا مثل هذا الضمان المكتوب (21 مارس، التقويم الجديد) وأن القادة الليبراليين؛ أسكويث ومورلي وآخرين، كذبوا بأشد الطرق التي لا تصدق خزيًا في تصريحاتهم الرسمية. على أي حال ظهرت الحقيقة. أي حقيقة أن الوعود المكتوبة التي قدمت للضباط لم تنكر. ومن الواضح أن "الضغط" قد مورس من قبل الملك. إن استقالة وزير الحرب سيلي، وتولية منصبه الوزاري أسكويث "نفسه"، ثم إعادة انتخاب أسكويث، والمنشور الصادر للقوات حول احترام القانون؛ كل هذا لم يكن شيئًا سوى نفاق رسمي صرف. وتظل الحقيقة وهي أن الليبراليين قد خضعوا لملاك الأرض، الذين هزءوا من الدستور.
مشاهد عاصفة تلت ذلك في البرلمان. كال المحافظون سخرية واحتقارًا مستحقًا لليبراليين، في الوقت الذي احتج فيه رئيس الوزراء رامسي ماكدونالد، وهو واحد من أشد السياسيين الليبراليين - العمال اعتدالًا، احتج بأشد التعابير قوة ضد مسلك الرجعيين. وقد قال أن هؤلاء الناس كانوا مستعدين دائمًا للانفجار ضد المضربين، ولكن حين وصل الأمر لأولستر رفضوا أن يقوموا بواجبهم لان قانون الحكم الذاتي الأيرلندي قد أثر على مصالحهم وتحيزاتهم الطبقية. (ملاك الأرض في أيرلندا إنجليز، والحكم الذاتي لأيرلندا، الذي سوف يعنى الحكم الذاتي للبورجوازية الأيرلندية والفلاحين، يهدد وينتقص إلى حد ما من الشهية النهمة للإقطاعيين النبلاء.) هؤلاء الناس، واصل رامسي ماكدونالد، فكروا فقط في قتال العمال، ولكن حين تطلب الأمر إجبار الأغنياء والملاك على احترام القانون، رفضوا القيام بواجبهم.
تمرد ملاك الأرض هذا ضد البرلمان البريطاني، البرلمان "كلي القدرة" (مثلما ظن وقال الليبراليون البلهاء، وخاصة الليبراليين المتعلمين مئات المرات) له دلالة عظيمة. 21 مارس (8 مارس، التقويم القديم) 1914 سوف يكون علامة فارقة على عصر، اليوم الذي مزق فيه النبلاء ملاك الأرض الدستور البريطاني والقانون البريطاني إلى مزق وقصاصات وأعطوا درسًا ممتازًا في الصراع الطبقي.
ينجم هذا الدرس عن استحالة ثلم التطاحنات الطبقية بين البروليتاريا والبورجوازية البريطانية بواسطة سياسة الليبراليين الإصلاحية المنافقة المخادعة الفاترة. لن يضيع هذا الدرس وسط الحركة العمالية البريطانية، فسوف تنطلق الطبقة العاملة الآن بسرعة لزعزعة إيمانها المبتذل بتلك القصاصة من الورق التي تسمى القانون والدستور البريطاني، الذي مزقته الأرستقراطية البريطانية أمام عيون كل الشعب.
لقد تصرف الأرستقراطيون كأنهم ثوريون من اليمين ومن ثم مزقوا كل المواثيق، مزقوا الخمار الذي منع الشعب من أن يرى الصراع الطبقي غير السار ولكن الواقعي بلا شك. لقد رأى الجميع ما الذي كانت البورجوازية والليبراليين يخفونه بنفاق (أنهم منافقون في كل مكان، ولكن ما من مكان، ربما، يوجد فيه منافقون شديدو البراعة مثلما في بريطانيا). لقد رأى الجميع أن المؤامرة لفل إرادة البرلمان قد تم الاستعداد لها منذ وقت طويل. ويقع الحكم الطبقي الحقيقي ولا يزال يقع خارج البرلمان. إن المؤسسات القروسطية المذكورة آنفًا، والتي لم تكن فعالة لوقت طويل (أو بدت بالأحرى غير فعالة)، سرعان ما اشتغلت وأثبتت أنها أقوى من البرلمان. وليبراليو بريطانيا البورجوازيون الصغار، بخطاباتهم عن الإصلاحات وجبروت البرلمان التي استهدف بها هدهدة العمال، قد اثبتوا أنهم رجال جوف، أغبياء، موجودون لخداع الشعب. لقد "أخرست" الأرستقراطية بسرعة، هؤلاء الرجال الذين في السلطة.
كم من الكتب قد كتب خاصة من قبل الليبراليين الألمان والروس، في مدح القانون والسلام الاجتماعي في بريطانيا! يعرف الجميع أن المهمة التاريخية لليبراليين الألمان والروس هي أن يظهروا الإعجاب الذليل بما أنتجه الصراع الطبقي في بريطانيا وفرنسا، وأن يعلنوا نتيجة هذا الصراع بوصفها "حقائق العلم"، علم يقف "فوق الطبقات". وفي الواقع، على أي حال، قد كان "القانون والسلام الاجتماعي" مجرد نتيجة مختصرة للسبات الذي عانته البروليتاريا البريطانية تقريبًا في الفترة بين خمسينات القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين.
لقد شارف احتكار بريطانيا على النهاية. واحتدمت المنافسة العالمية. وارتفعت تكاليف المعيشة. وسحقت اتحادات الرأسماليين الكبار صغار ومتوسطي رجال الأعمال وأناخت بكلكلها على العمال. لقد استيقظت البروليتاريا البريطانية مرة أخرى بعد نهاية القرن الثامن عشر، بعد الحركة الشارتية لثلاثينات وأربعينات القرن التاسع عشر.
وسوف تسم الأزمة الدستورية لعام 1914 مرحلة هامة أخرى في تاريخ هذه اليقظة.


(19)
النضال ضد الأوهام الدستورية()
ف. لينين
الأوهام الدستورية هي تلك الأوهام التي نصفها بأنها خطأ سياسي، ويحدث ذلك حين يعتقد الناس في وجود نظام عادي قانوني، منتظم وله شرعية - باختصار نظام "دستوري" - رغم أنه لا يوجد من الناحية الفعلية. قد يبدو للوهلة الأولى أنه في روسيا اليوم، أي في يوليو 1917، لا يمكن أن تنشأ مسألة الأوهام الدستورية، حيث لم يوضع لدينا دستور بعد. ولكن سوف يكون من فادح الخطأ التفكير على هذا النحو. ففي الواقع فإن السمة الجوهرية للوضع السياسي الراهن في روسيا هو أن هناك عددًا واسعًا للغاية من الناس يتبنى أوهامًا دستورية، وعليه فإنه لمن المستحيل فهم أي شيء عن الوضع السياسي الراهن في روسيا دون تقييم هذا الأمر. ويقينًا لا يمكن أن نخطو خطوة واحدة باتجاه صياغة صحيحة لمهامنا التكتيكية في روسيا اليوم ما لم نركز بشكل منهجي وبصرامة قبل أي شيء على تعرية الأوهام الدستورية، كاشفين جذورها ومعيدين تأسيس منظور سياسي دقيق.
دعونا نتناول ثلاثة أفكار وهي الأشد نموذجية وتمثيلًا للأوهام الدستورية الراهنة، وعلينا أن نتمعن فيها بعناية.
الفكرة رقم 1: هي أن بلادنا توشك أن يكون لها جمعية تأسيسية ومن ثم فإن كل ما يجري الآن هو مؤقت، عرضي غير جوهري وغير قاطع، وكل شيء سوف يراجع قريبًا وينظم بدقة من قبل الجمعية التأسيسية.
الفكرة رقم 2: أن أحزابًا معينة مثل الاشتراكيين الثوريين أو المناشفة أو حلفائهما يحوزون أغلبية واضحة لا جدال فيها في صفوف الشعب أو في المؤسسات "الأكثر نفوذًا" مثل السوفيتيات، ومن ثم، فإن إرادة هذه الأحزاب والمؤسسات، مثل إرادة أغلبية الشعب بشكل عام، لا يمكن أن يتم تجاهلها وبالأحرى لا يمكن انتهاكها في روسيا الجمهورية الديمقراطية والثورية.
الفكرة رقم 3: هي أن هناك إجراءً معينًا مثل إغلاق صحيفة البرافدا Pravda، لم يعتبر شرعيًا سواء من قبل الحكومة المؤقتة أو من قبل السوفييتات، لذا فقد كان مرحلة انتقالية فحسب، حدثًا عارضًا، لا يمكن على الإطلاق اعتباره شيئًا قاطعًا ومحددًا.
دعونا نفحص كل فكرة من هذه الأفكار.
-1-
وعدت الحكومة المؤقتة الأولى أنها ستعقد جمعية تأسيسية. واعتبرت أن وظيفتها الأساسية هي أن تعد البلاد لجمعية تأسيسية. وحددت الحكومة المؤقتة الثانية يوم 30 سبتمبر موعدًا لعقد الجمعية التأسيسية. وأعادت الحكومة المؤقتة التالية بمهابة تأكيد هذا التاريخ.
مع ذلك، فالاحتمالات واحد في المائة أن تنعقد الجمعية التأسيسية في هذا التاريخ. وحتى إذا انعقدت، فالاحتمالات مرة أخرى واحد في المائة ألا تكون عاجزة ولا نفع فيها كما كانت الدوما الأولى؛ إلى أن تنتصر ثورة ثانية في روسيا. حتى تُقَدِرَ هذا، عليك أن تنفصل للحظة عن الصخب الحالي من الجمل الفارغة، والوعود والأعمال التافهة التي تشوش تفكيرك، وأنظر إلى الشيء الرئيسي، أي إلى ما يحدد كل شيء في الحياة العامة؛ الصراع الطبقي.
من الواضح أن البورجوازية في روسيا قد باتت وثيقة الارتباط بملاك الأرض. وهذا ما تظهره الصحافة كلها: وتبينه الانتخابات، وكامل سياسة حزب الكاديت والأحزاب التي تقع على يمينه، كما تشي به الخطب التي تلقى في "مؤتمرات"، الأشخاص "المعنية". تفهم البورجوازية تمامًا ما لا يفهمه الثرثارون الاشتراكيون الثوريون البورجوازيون الصغار والمناشفة اليساريون، وهو أن الملكية الخاصة للأرض في روسيا لا يمكن أن تلغي بدون تعويض، دون القيام بثورة اقتصادية عملاقة، وبوضع البنوك تحت رقابه شعبيه وتأميم المؤسسات وتبنى أشد الإجراءات الثورية صرامة ضد الرأسمال. وتفهم البورجوازية ذلك تمامًا. وفي ذات الوقت، على أية حال، عليهم أن يعرفوا، ويروا ويشعروا أن الغالبية العظمى من الفلاحين في روسيا سوف تنعطف الآن إلى اليسار أكثر من شيرنوف وكذلك لإعلان مصادره الملكيات العقارية. لأن البورجوازية تعرف أفضل مننا، كم من التنازلات الجزئية العديدة قد قدمت لهم من قبل شيرنوف، مثلًا من 6 مايو حتى 2 يوليو حول تأخير وحجب المطالب الفلاحية المتعددة، وكذلك كم من الجهد اقتضى من يمين الاشتراكيين الثوريين (صدق أو لا تصدق يعتبر تشرنوف كرجل "وسطي" من قبل الاشتراكيين الثوريين!) في مؤتمر الفلاحين وفي اللجنة التنفيذية لمؤتمر مندوبي فلاحي عموم روسيا لـ"طمأنة" الفلاحين وتغذيتهم بالوعود.
تختلف البورجوازية الكبيرة عن البورجوازية الصغيرة في أنها تعلمت من تجربتها الاقتصادية والسياسية الشروط التي يُحفظ فيها "النظام" (أي إخضاع الشعب) في ظل الرأسمالية. إن البورجوازيين هم رجال أعمال يقومون بمعاملات تجارية كبيرة ومعتادون على تناول حتى الأمور السياسية بطريقة تشبه بدقة إدارة الأعمال. إنهم يمسكون الثور من قرنيه() ولا يضعون ثقتهم في الكلمات.
سوف تأتي الجمعية التأسيسية في روسيا اليوم بأغلبية من الفلاحين الذين يقفون على اليسار أكثر من الاشتراكيين الثوريين. البورجوازية تعرف ذلك ومن ثم تميل إلى حشد مقاومة عارمة لأي انعقاد مبكر لها. فمع انعقاد الجمعية التأسيسية سوف يكون من المستحيل، أو يصعب بشكل متزايد، مواصلة الحرب الإمبريالية بروح الاتفاقيات السرية التي عقدها نيقولا الثاني، أو حماية الملكيات العقارية أو دفع تعويض مقابلها. الحرب لن تنتظر. والصراع الطبقي لن ينتظر. لقد كان هذا أمرًا واضحًا حتى في الوهلة القصيرة التي امتدت من 28 فبراير إلى 21 أبريل.
كانت هناك منذ بدايات الثورة الأولى وجهتا نظر بصدد الجمعية التأسيسية. ترنح الاشتراكيون الثوريون والمناشفة تمامًا تحت وطأة الأوهام الدستورية ونظروا للأمر بسذاجة البورجوازية الصغيرة التي لا تسمع عن الصراع الطبقي: لقد أعلنت الجمعية التأسيسية، ستكون هناك جمعية تأسيسية وهذا هو جماع الأمر بالنسبة لها! وكل شيء آخر هو من صنع الشيطان. بينما قال البلاشفة: يمكن للقوة والسلطة المتزايدة للسوفييتات أن تضمن انعقاد ونجاح الجمعية التأسيسية. لقد أكد المناشفة والاشتراكيون الثوريون على المرسوم: الإعلان، الوعد، بيان دعوة الجمعية التأسيسية. بينما أكد البلاشفة على الصراع الطبقي: إذا كان للسوفييتات أن تنتصر، سوف يكون من المؤكد أن تجتمع الجمعية التأسيسية، وإذا لم تنتصر فلن يكون لدينا مثل هذا اليقين.
هذا هو ما حدث تمامًا بالفعل. لقد شنت البورجوازية على طول المدى بشكل مكشوف وبشكل مستتر نضالًا متصلًا لا هوادة فيه ضد دعوة الجمعية التأسيسية. كان هذا الصراع مشوبًا بالرغبة في تأجيل انعقادها إلى ما بعد الحرب. لقد عبر ذلك عن نفسه من خلال حقيقة أنهم أجلوا تاريخ انعقادها عدة مرات. وإذا بهم، بعد 18 يونيو، أو بعد أكثر من شهر من تشكيل الوزارة الائتلافية، قاموا أخيرًا بتعيين تاريخ الانعقاد، وقالت جريدة بورجوازية موسكوفية بأن هذا قد تم تحت ضغط الدعاية البلشفية. وقد نشرت جريدة برافدا مقتبسًا دقيقًا من هذه الصحيفة.
بعد 4 يوليو، حين قاد خنوع وجبن الاشتراكيين الثوريين والمناشفة إلى "انتصار" الثورة المضادة تسربت جملة قصيرة ولكن ذات دلالة بالغة - الانعقاد "المبكر المستحيل" للجمعية التأسيسية!! - تسربت إلى جريدة ريش. وفي 16 يوليو ظهر موضوع في جريدتي فوليا نارودا (إرادة الشعب) Volya Naroda وروسكايا فوليا (إرادة روسيا) Russkaya Volya، أفاد بأن الكاديت قد أصروا على تأجيل انعقاد الجمعية التأسيسية تحت ذريعة أنه من "المستحيل" عقدها في مثل هذه المهلة "القصيرة"، وأضاف بأن المنشفي تسيريتيلي، خادم الثورة المضادة، قد أقر بتأجيلها حتى 20 نوفمبر!
مما لاشك فيه أن هذا الموضوع قد تسرب ضد إرادة البورجوازية التي لا يمكن أن تستفيد من مثل هذه "الانكشافات". ولكنه انكشف. وإذ ترك المضادون للثورة أنفسهم يركضون وراء 4 يوليو فقد عتموا الحقيقة. وفي ذروة استهلال استيلاء البورجوازية المضادة للثورة على السلطة بعد 4 يوليو تبع ذلك فورًا إجراءً (إجراء شديد الصرامة) ضد دعوة الجمعية التأسيسية.
هذه حقيقة. وهذه الحقيقة تكشف عن العبثية القصوى للأوهام الدستورية وما لم تقم ثورة جديدة في روسيا، ما لم تجرى الإطاحة بسلطة البورجوازية المعادية للثورة (بصفة أولية الكاديت) وما لم يسحب الشعب ثقته من حزبي الاشتراكيين الثوريين والمناشفة، أي الأحزاب المساومة مع البورجوازية فإن الجمعية التأسيسية إما لن تتحقق ابدًا، أو أنها ستكون من نمط جمعيات "ثرثاري فرانكفورت"( ) أي جمعية عاجزة تافهة من البورجوازيين الصغار الخائفين حتى الموت من الحرب، ومن احتمال أن تقوم البورجوازية بـ"مقاطعة الحكومة"، وممزقون بلا حول ولا طول بين الجهود المسعورة في أن يحكموا بدون البورجوازية والخوف من السير بدونها.
إن مسألة الجمعية التأسيسية خاضعة لمسألة سياق وحصاد الصراع الطبقي بين البروليتاريا والبورجوازية. أفشت جريدة رابوتشايا جازيتا (جريدة العامل) Rabochaya Gazeta منذ بعض الوقت ملاحظة تفيد بأن الجمعية التأسيسية سوف تكون جمعية وطنية. إن هذا مثل على التبجح الخاوي البائس المحتقر لخدامنا المناشفة المرتبطين بالبورجوازية المناهضة للثورة. إذا لم تكن شيئًا من نمط "ثرثاري فرانكفورت" أو الدوما الأولى، إذا كان لها أن تكون جمعية وطنية، فلابد أن تواتيها الشجاعة، والقدرة والقوة على توجيه ضربات لا رحمة فيها ضد المناهضين للثورة بدلًا من عقد مساومات معهم. لهذا السبب لابد أن تكون السلطة في يد الطبقة الأكثر تقدمًا والأشد تصميمًا وثورية في أيامنا. لهذا الغرض يجب أن تدعم هذه الطبقة من قبل جمهور الفقراء المدينيين والريفيين (أشباه البروليتاريين). لهذا السبب فإن البورجوازية المناهضة للثورة أي بصفة أولية الكاديت وكبار ضباط الجيش يجب أن يتم التعامل معهم بلا رحمة. هذه هي الشروط الواقعية، الطبقية، المادية الضرورية لعقد جمعية. عليك فقط أن تسجل هذه الشروط بطريقة دقيقة وواضحة لتفهم غباوة رابوتشايا جازيتا المتبجحة والحماقة التامة للأوهام الدستورية التي يحتضنها الاشتراكيون الثوريون والمناشفة بصدد جمعية تأسيسية في روسيا اليوم.
- 2 -
حين انتقد ماركس "الاشتراكيين الديموقراطيين" البورجوازيين الصغار عام 1848، كان قاسيًا بصفة خاصة في إدانتهم لاستعمالهم المفرط للجمل الجوفاء حول "الشعب" وأغلبية الشعب بصفة عامة( ). وإنه لأمر جيد أن نتذكر هذا عند تناول الفكرة الثانية، عند تحليل الأوهام الدستورية عن "الأغلبية".
حتى يمكن للأغلبية أن تقرر في الدولة بالفعل، فلابد من توفر شروط معينة، أحد هذه الشروط التأسيس الجدي لنظام سياسي، شكل لسلطة الدولة، يجعل من الممكن تقرير الأمور بواسطة الأغلبية وضمان ترجمة هذه الإمكانية إلى واقع. هذا شيء. أما المسألة الأخرى فهي أن التركيب الطبقي لهذه الأغلبية والعلاقة الداخلية بين هذه الطبقات داخلها (وخارجها) ينبغي أن تمكنها من جر عربة الدولة بتنظيم وفعالية. يعرف أي ماركسي أن هذين الشرطين العيانيين يلعبان دورًا حاسمًا في مسألة الأغلبية الشعبية وفي اتجاه شئون الدولة وجهة تتوافق مع إرادة الأغلبية. ومع ذلك فإن الأدب السياسي للاشتراكيين الثوريين والمناشفة، وسلوكهم السياسي بالأحرى، يشي بافتقار تام لفهم هذين الشرطين.
إذا كانت السلطة السياسية في أيدي طبقة تتفق مصالحها مع مصالح الأغلبية، يمكن لتلك الدولة أن تحكم حقًا بالتوافق مع مصالح الأغلبية. ولكن إذا كانت السلطة السياسية في أيدي طبقة تتباين مصالحها مع مصالح الأغلبية، فإن أي شكل من أشكال حكم الأغلبية ينحوا إلى أن يصبح خداعًا أو قمعًا للأغلبية. وتقدم كل الجمهوريات البورجوازية مئات وآلاف الأمثلة من هذا النوع. وفي روسيا فإن البورجوازية تحكم الحياة الاقتصادية والسياسية. ومصالحها، خاصة خلال الحرب الإمبريالية، تتناقض بعنف مع مصالح الأغلبية. وعلى ذلك فمن وجهة نظر مادية وماركسية، وليس من وجهة نظر حقوقية قانونية شكلية، يجب أن نعرض هذا التناقض، ونحارب الخداع البورجوازي للشعب.
لقد بين وأثبت اشتراكيونا الثوريون ومناشفتنا تمامًا، وعلى النقيض، أن دورهم الحقيقي يتمثل في كونهم أداة البورجوازية في خداع الشعب ("الأغلبية")، وكونهم وسيط الخداع ومن المسهمين فيه. وهذا بغض النظر عن أن هناك أفرادًا مخلصون من الاشتراكيين الثوريين والمناشفة تتمثل وجهات نظرهم الجوهرية السياسية في أنه يمكن الخروج من الحرب الإمبريالية وتحقيق "السلام دون إلحاقات وتعويضات" وبدون دكتاتورية البروليتاريا وانتصار الاشتراكية، وأنه من الممكن تأمين نقل الأرض إلى الشعب دون تعويض وتحقيق "سيطرة" على الإنتاج لصالح الشعب بدون هذا الشرط؛ فإن هذه الأفكار الجوهرية السياسية (وبالطبع الاقتصادية) للاشتراكيين الثوريين والمناشفة هي في الممارسة، ليست شيئا سوى خداع ذات بورجوازي صغير، أو خداع الجماهير ("الأغلبية") بواسطة البورجوازية وهو نفس الشيء.
هذا هو "تعديلنا" الأول والأساسي لمسألة الأغلبية كما يفهمها ديموقراطيو البورجوازية الصغيرة، واشتراكيون من نمط لوي بلان، الاشتراكيون الثوريون والمناشفة. ما هي في الواقع قيمة "الأغلبية" حين تكون الأغلبية شيئًا شكليًا فقط وحين تكون الأغلبية، في الحقيقة، من الناحية المادية هي أغلبية الأحزاب التي تخدع بها البورجوازية الأغلبية؟
وبالطبع - يقودنا هذا إلى "تعديلنا" الثاني إلى الشرط الثاني من الشروط الجوهرية المذكورة أعلاه - فهذا الخداع يمكن أن يفهم بدقة فقط إذا ما تحققنا من جذوره الطبقية ومعناه الطبقي. هذا ليس خداعًا للذات، وليس (إذا ما عرضنا ذلك بوضوح) "احتيالًا"، ولكنها فكرة ولدها الوهم انبثقت من الوضع الاقتصادي الذي تجد فيه الطبقة نفسها. إن البورجوازي الصغير يوجد في وضع اقتصادي، وأوضاع حياته تجعل من المواتي ألا يستطيع مقاومة خداع ذاته، إنه ينجذب بلا إرادة وبشكل حتمي لوهلة نحو البورجوازية واللحظة التالية نحو البروليتاريا. ومن المستحيل اقتصاديًا بالنسبة له أن يتابع خطًا "مستقلًا".
إن ماضيه يجذبه نحو البورجوازية، ومستقبله يجذبه ناحية البروليتاريا. تقديره الصائب يشده ناحية الأخيرة وتحيزه( ) (إذا ما استخدمنا تعبيرًا مألوفًا لدى ماركس) يشده ناحية الأولى. حتى تصبح أغلبية الشعب أغلبية فعلية في إدارة الدولة، والخادم الحقيقي لمصالح الأغلبية، والحامي الحقيقي لمصالحها، وما إلى ذلك، يتعين توفر شرط طبقي، وهو، ضرورة أن تنضم أغلبية البورجوازية الصغيرة بقواها للبروليتاريا الثورية، على الأقل في اللحظة الحاسمة والمكان الحاسم.
بدون هذا، فإن الأغلبية تكون مجرد وهم قد يتجلى للحظة، قد يبرق أو يلتمع، قد تصنع ضوضاء وتكلل بالغار، ولكنها محكوم عليها بشكل مطلق ومحتوم بالإخفاق مع ذلك. وهذا، عرضًا، ما قاد الاشتركيون الثوريون والمناشفة إلى كارثة، كما بينت الثورة الروسية في يوليو1917.
أضف إلى ذلك، فإن الثورة تختلف عن الوضع "العادي" في الدولة وتحديدًا لأن القضايا التي تتعلق بحياة الدولة يقررها الصراع الطبقي المباشر والصراع الشعبي وصولًا إلى الصراع المسلح. ولا يمكن أن يكون الأمر على غير هذا النحو حين تكون الجماهير حرة ومسلحة. تتضمن هذه الحقيقة الجوهرية أنه لا يكفي في وقت الثورة التحقق من "إرادة الأغلبية"؛ يجب أن تبرهن على أنك الأقوى في اللحظة الحاسمة وفي المكان الحاسم، يجب أن تنتصر. بدءًا بحرب الفلاحين في القرون الوسطى في ألمانيا، وعبر كل الحركات والحقب الثورية الكبرى، بما فيها ثورات 1848، و1871، و1905 رأينا أمثلة عديدة على أن الأقلية الأفضل تنظيمًا، الأوعى سياسيًا والأفضل تسليحًا تملى إرادتها على الأغلبية وتهزمها.
لقد أكد فريدريك إنجلز بصفة خاصة على الدرس الذي ينبغي استخلاصه من التجربة، الدرس الذي يعتبر إلى حد معين عامًا بالنسبة لانتفاضة الفلاحين في ألمانيا في القرن السادس عشر وبالنسبة إلى ثورة 1848 في ألمانيا؛ وهي غياب وحدة العمل والافتقار إلى التمركز من جانب المضطهدين نظرًا لوضعهم البورجوازي الصغير في الحياة( ). إن تناول الأمر من وجهة النظر هذه، يؤدي بنا إلى نفس النتيجة؛ وهي أنه لا يمكن ولا تستطيع أغلبية بسيطة من جماهير البورجوازية الصغيرة أن تحسم شيئًا، لأن الملايين غير المتحدة من الملاك الريفيين الصغار يمكن أن يحوزوا التنظيم، والوعي السياسي في العمل ومركزة العمل فقط (وهو أمر لازم للنصر) حين يقادوا إما من قبل البورجوازية أو من قبل البروليتاريا.
نحن نعلم أن مشاكل الحياة الاجتماعية في المدى الطويل تحل بواسطة الصراع الطبقي في أشد أشكاله ضراوة وشراسة؛ الحرب الأهلية. في هذه الحرب، كما في أي حرب أخرى - وهي حقيقة معروفة أيضًا ولم يجادل فيها أي أحد من ناحية المبدأ - فإن الاقتصاد هو الذي يقرر. إنه لمن النموذجي وذو الدلالة تمامًا أنه بينما لا ينكر الاشتراكيون الثوريون والمناشفة هذا "من ناحية المبدأ" وبينما يدركون تمامًا الطابع الرأسمالي لروسيا اليوم، فإنهم لا يستطيعون أن يواجهوا هذه الحقيقة برصانة. فهم خائفون من أن يعترفوا بحقيقة أن كل بلد رأسمالي، بما فيه روسيا، منقسم من الناحية الأساسية إلى ثلاث قوى رئيسية: البورجوازية والبورجوازية الصغيرة والبروليتاريا. الأولى والثالثة معروفة ومعترف بها من الجميع. مع ذلك فإن الثانية - والتي تمثل بالفعل الأغلبية العددية! – لا يهتم أحد بان يقيمها بواقعية، من الناحية الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية.
الحقيقة لا تنافق. لذا يستنكف الاشتراكيون الثوريون والمناشفة عن أن يتعرفوا على أنفسهم.
-3-
حينما كنت أوشك على البدء في هذا المقال، كان إغلاق جريدة البرافدا مجرد "حادثة"، مسألة لم تكن الحكومة قد أضفت عليها صفة قانونية بعد. أما الآن، بعد 16 يوليو فقد أغلقت الحكومة البرافدا رسميًا.
إذا نظر إليه تاريخيًا وككل، عبر عملية إعداده وتنفيذه، يلقي هذا الإجراء ضوءًا باهرًا على "طبيعة الدستور في روسيا" وعلى خطر الأوهام الدستورية.
إنه من المعروف أن حزب الكاديت، الذي يتزعمه ميليوكوف وجريدة رش (الكلمات) Rech ظلوا يطالبون باتخاذ إجراءات قمعية ضد البلاشفة منذ أبريل. هذا الطلب باتخاذ إجراءات قمعية، الذي قدم بأشكال مختلفة - من مقالات "أشبه بمقالات رجال الدولة" في جريدة رش إلى صرخات ميليوكوف المتكررة "اعتقلوهم" (لينين والبلاشفة الآخرين) - قد كان واحدًا من المكونات العظمى، إن لم يكن المكون الأعظم، للبرنامج السياسي الرسمي للكاديت في الثورة.
لقد كان حزب الكاديت يطالب بشكل منهجي وبغير كلل وبصفة مستمرة باتخاذ إجراءات قمعية ضد البلاشفة قبل ألكسينسكي وشركاه بوقت طويل. وفي يونيو ويوليو اخترع واصطنع التهمة الكاذبة التي تلطخ سمعة أي أحد بأن البلاشفة كانوا جواسيسًا ألمانًا وتلقوا أموالًا من ألمانيا، وقبل ذلك بوقت طويل التهمة الكاذبة - وهي تناهض الحقائق المعروفة والوثائق المنشورة - عن "الانتفاضة المسلحة" أو عن "التمرد". ومادام قد تم الاستجابة لهذا الطلب، كيف يتعين علينا أن نفكر في شرف أو ذكاء هؤلاء الذين ينسون، أو يتظاهرون بأنهم ينسون، الأصل الطبقي والحزبي الحقيقي لهذا الطلب؟ كيف يمكن لنا بحق السماء أن نمتنع عن وصف الجهود العابثة التي يقوم بها الاشتراكيون الثوريون والمناشفة بأنها تزييف فظ أو غباوة سياسية لا تصدق حين يريدون أن يثبتوا أنهم يعتقدون أن "المصادفة" التي تبدت في 4 يوليو بشأن الإجراءات القمعية ضد البلاشفة كانت حادثًا "عرضيًا" أو "معزولًا"؟ يتعين بالتأكيد أن يكون هناك حد لتشويه الوقائع التاريخية التي لا جدال فيها!
عليك أن تقارن فقط حركة 20 - 21 أبريل() مع حركة 3 - 4 يوليو حتى تدرك فورًا أنهما متشابهتان في طبيعتيهما: كلتاهما تضمنتا وقائع موضوعية مثل الانفجار الشعبي العفوي للغضب، نفاد الصبر والنقمة، الطلقات الاستفزازية من اليمين، القتل في نيفسكي، الصرخات الافترائية من البورجوازية، خاصة الكاديت، انتهاءً إلى "لقد كانت جماعة لينين هي التي أطلقت النار في نيفسكي"، تفاقم واستفحال الصراع الشديد بين العمال والبورجوازية، التشوش التام لأحزاب البورجوازية الصغيرة؛ الاشتراكيون الثوريون والمناشفة، ومدى التذبذب المريع في سياساتهم وفي مقاربتهم لمسألة سلطة الدولة بصفة عامة. يقدم لنا 9 - 10 يونيو و18 يونيو نفس الصورة الطبقية تمامًا وإن بشكل مختلف.
إن مجرى الأحداث واضح بما يكفى: إنه يظهر تنامي السخط الشعبي ونفاد الصبر والنقمة واستفحال شديد للصراع بين البروليتاريا والبورجوازية، خاصة من أجل تحقيق النفوذ على جماهير البورجوازية الصغيرة. ويرتبط بهذا تطوران تاريخيان هامان للغاية اللذان جعلا الاشتراكيين الثوريين والمناشفة معتمدون على الكاديت المناهضون للثورة. هذان التطوران هما؛ أولًا، تشكيل وزارة ائتلافية في 6 مايو حيث تبين أنهم عالة طفيلية على البورجوازية، متورطين بعقد صفقات واتفاقات مع الأخيرة مقدمين لهم آلاف "الخدمات"، مؤخرين الإجراءات الثورية الأشد جوهرية مرة بعد أخرى، وثانيًا،الهجوم على الجبهة. وقد تضمن الهجوم بشكل لا راد له العودة للحرب الإمبريالية، وزيادة قصوى في نفوذ، ووزن ودور البورجوازية، الشوفينية الأشد انتشارًا بين الشعب، وأخيرًا وليس آخرًا،() انتقال السلطة - أولًا السلطة العسكرية ثم سلطة الدولة بصفة عامة - إلى الرتب العليا من ضباط الجيش المناهضين للثورة.
كان هذا هو مجرى الأحداث التاريخية في الفترة بين 20 - 21 أبريل و3 - 4 يوليو الذي عمق وزاد حدة التناقضات الطبقية، والذي مكن البورجوازية المناهضة للثورة بعد 4 يوليو من أن تنجز ما ظهر بغاية الوضوح في 20 – 21 أبريل من أنه برنامجهم وتكتكيهم، هدفهم المباشر وطرائقهم "النظيفة" التي كان لها أن تؤدي لتحقيق هذا الهدف.
لا يمكن لشيء أن يكون أكثر خلوًا من المغزى من الناحية التاريخية، أشد إثارة للشفقة من الناحية النظرية أو أكثر سخفًا من الناحية العملية من التعبير المبتذل (الذي ردد صداه، عرضًا، ل. مارتوف كذلك) عن 4 يوليو، من أن البلاشفة قد "تسببوا" في هزيمة أنفسهم وقد ترتبت هذه الهزيمة على نزعتهم "المغامرة" الخاصة، وهكذا، وما إلى ذلك. كل هذا العواء، كل هذه الجدالات التي انتهت إلى أنه "لم يكن يتعين علينا" أن نشترك (في محاولة إضفاء طابع "سلمى منظم" على الغضب والنقمة الشعبية الشرعية تمامًا!!)، هي إما ردة محضة، إذا أتت من بلاشفة، أو التعبير العادي عن الحالة المروعة والمشوشة للبورجوازية الصغيرة. في الواقع الفعلي، فإن حركة 3 - 4 يوليو قد نمت من حركة 20 - 21 أبريل وما تلاها بشكل حتمي كما يعقب الصيف الربيع. لقد كان واجب الحزب البروليتاري المطلق أن يبقى مع الجماهير وأن يحاول أن يضفى طابعًا سلميًا ومنظمًا على أعمالها المبررة بدلًا من أن ينتحي جانبًا ويغسل يديه مثل بيلاطس البنطي، بناءً على الادعاء المتحذلق بان الجماهير لم تكن منظمة حتى آخر رجل فيها، وأن حركتها قد ارتكبت أحيانًا بعض التجاوزات؛ وكأنه لم تكن هناك تجاوزات في 20 - 21 أبريل، وكأنه قد وجدت في التاريخ أبدًا حركات شعبية ذات شأن خالية من التجاوزات!
لقد حدثت هزيمة البلاشفة بعد 4 يوليو بشكل محتوم تاريخيًا ترتيبًا على مجرى الأحداث السابق لأنه في 20 - 21 أبريل لم تكن البورجوازية الصغيرة وقادتها؛ الاشتراكيون الثوريون والمناشفة، مرتبطون بالهجوم ولم يكونوا قد تورطوا بعد بصفقاتهم مع البورجوازية في "الوزارة الائتلافية"، بينما كانوا في 4 يوليو وثيقي الارتباط ومتورطون ولم يكن أمامهم سوى الانصياع للتعاون (في اتخاذ الإجراءات القمعية، وفي حملات الافتراء، وفي المجازر) مع الكاديت المناهضين للثورة. في 4 يوليو انزلق الاشتراكيون والمناشفة إلى الأبد إلى مستنقع الثورة المضادة؛ وقد كانوا ينزلقون نحوه بثبات خلال شهر مايو ويونيو بسبب دورهم في الحكومة الائتلافية وموافقتهم على سياسة الهجوم.
قد يبدو أننا قد انحرفنا عن موضوعنا، وهو إغلاق جريدة البرافدا، وقمنا بإجراء تقويم تاريخي لأحداث 4 يوليو. ولكن الأمر يبدو من الظاهر هكذا، غير أنه لا يمكن فهم أي من الحدثين إلا في ارتباطه بالآخر. لقد رأينا أنه لو نظرنا للأمر وصلته الداخلية بالأحداث، أي إغلاق البرافدا، ثم القيام بالاعتقالات وأشكال الاضطهاد الأخرى للبلاشفة لرأينا أنها جميعًا ليست شيئًا سوى تحقيق البرنامج الدائم للثورة المضادة ، والكاديت بصفة خاصة.
سوف يكون أمرًا كاشفًا للغاية أن نرى من نفذ بصفة خاصة هذا البرنامج، وبأية وسائل؟
دعونا ننظر إلى الحقائق. في 2 - 3 يوليو كانت الحركة تنمو: كان الشعب يغلي غاضبًا بسبب تراخى الحكومة، وارتفاع تكاليف المعيشة والاضطراب الاقتصادي والهجوم. انسحب الكادي، لاعبين لعبة التراجع مقدمين إنذارًا للاشتراكيين الثوريين والمناشفة، تاركينهم، مربوطين بالسلطة ولكن بغير سلطة، جاعلينهم يسددون ثمن هزيمة الشعب ونقمته.
حاول البلاشفة في 2 - 3 يوليو أن يكبحوا الجماهير عن الحركة. وقد اعترف بذلك حتى شاهد عيان من جريدة دييلو نارودا (قضية الشعب) Dyelo Naroda التى قدمت تقريرا عما حدث في فوج جريناديير في 2 يوليو. فاضت الحركة في مساء 3 يوليو، وصاغ البلاشفة نداءً مؤكدين على ضرورة أن تكون الحركة "سلمية ومنظمة". في 4 يوليو زادت الطلقات المستفزة من اليمين عدد الضحايا من كلا الجانبين. وينبغي أن نشير إلى أن وعد اللجنة التنفيذية بتقصي الحوادث، وإصدار نشرتين يوميًا، إلخ إلخ، قد ظل وعدًا فارغًا! لم يفعل الاشتراكيون الثوريون شيئًا ما، إنهم لم يطبعوا حتى قائمة كاملة بأسماء الموتى من الجانبين!!
صاغ البلاشفة في ليلة 4 يوليو نداءً لوقف الحركة وطبعته جريدة البرافدا في نفس الليلة. ولكن في نفس هذه الليلة، أولًا، بدأت قوى الثورة المضادة في الوصول إلى بتروجراد (من الواضح أن ذلك تم بناء على استدعاء أو إقرار الاشتراكيين الثوريين والمناشفة، وسوفييتاتهم؛ وهى مسألة "دقيقة" جرى بالطبع التزام أشد الصمت نحوها حتى الآن مع أن أي قدر من السرية بات أمرًا ماضيًا!). ثانيًا، في نفس هذه الليلة قام الكاديت العسكريون وأشباههم، ومن الواضح أنهم كانوا يتحركون بناء على تعليمات بولوفيتسييف، وبأمر منه، وكذلك من هيئة الأركان، بهجمات على البلاشفة. وفي ليلة 4 - 5 يوليو حدث هجوم على مكاتب البرافدا. وجرى تحطيم مطبعتها ترود Trud في 5 - 6 يوليو، واغتيل عامل اسمه فوينوف في ساطعة النهار لأنه كان يحمل جريدة ليستوك برافدي Listok “Pravdy” من المطبعة، كما جرى اقتحام المنازل والاعتقالات وسط البلاشفة ونزع سلاح الفيالق الثورية.
من الذي بدأ هذا كله؟ لا الحكومة ولا السوفيتتات، ولكن العصابة العسكرية المناهضة للثورة التي تلتف حول هيئة الأركان والتي تتصرف تحت اسم "المخابرات المضادة" مروجة أكاذيب بيريفيرزييف وألكسينسكي من أجل استفزاز الجيش، وما إلى ذلك.
الحكومة غائبة. وأيضًا السوفيتيات، وهم يرتعشون خوفًا على مصيرهم فهم يتلقون رسائل متلاحقة بأن القوزاق قد يأتون ويحطمونهم. وبدأت صحافة المائة السود والكاديت، التي قادت عملية مطاردة البلاشفة، في مطاردة السوفيتيات.
لقد قيد الاشتراكيون الثوريون والمناشفة أنفسهم تمامًا بسبب كامل سياساتهم. ولأنهم مقيدون، فقد استدعوا (أو احتملوا أن تستدعى) القوات المناهضة للثورة إلى بتروجراد. وقد قيدهم ذلك أكثر. لقد غرقوا في أدنى مستنقع الثورة المضادة القذر. وصرفوا بجبن لجنتهم الخاصة، التي كانوا قد عينوها للتحقيق في "قضية" البلاشفة. ولقد خانوا البلاشفة بصفة أساسية لصالح المناهضين للثورة. وشاركوا بخساسة في مراسم جنازة القوزاق الذين قتلوا، وبهذا تزلفوا للثورة المضادة.
إنهم مقيدون تمامًا. إنهم في قاع المستنقع.
إنهم يجربون هذا وذاك وشيئًا آخر، فهم يعطون كيرينسكي الوزارة، ويذهبون إلى كانوسسا إلى الكاديت، وينظمون "زيمسكي سوبور"() أو "تتويج" للحكومة المناهضة للثورة في موسكو( ). كيرنسكي يقيل بولوفتسييف.
ولكن لا شيء يتأتى من كل هذه الجهود. فهي لم تغير بأي حال واقع الأحوال. أقال كيرينسكي بولوفتسييف، ولكنه في نفس الوقت يجسد ويضفى شرعية على إجراءات وسياسات بولوفتسييف، فهو يغلق البرافدا، يطبق عقوبة الإعدام على الجنود، يحظر الاجتماعات على الجبهة، ويواصل اعتقال البلاشفة (حتى كولنتاي!) تطبيقًا لبرنامج ألكسينسكي.
إن "طبيعة الدستور في روسيا" تتجلى بوضوح صارخ: الهجوم على الجبهة والائتلاف مع الكاديت في المؤخرة قد ألقيا الاشتراكيين الثوريين والمناشفة في مستنقع الثورة المضادة. في الواقع، فإن سلطة الدولة تنتقل إلى أيدي المناهضين للثورة، العصابة العسكرية. إن كيرنسكي وحكومة تسيريتلي وتشيرنوف هم مجرد ستار لها؛ فهم مضطرون لإضفاء الشرعية على إجراءاتها، وأفعالها وسياساتها بعد حدوثها.
إن المساومات الدائرة بين الكاديت وكيرينسكي، تسريتيلي وتشيرنوف ذات أهمية ثانوية، إن لم تكن بلا أهمية إطلاقًا. وسواء كسب الكاديت في هذه المساومة، أو صمد تسيريتلي وتشيرنوف "وحدهما" فلن يكون لهذا أثر على واقع الأوضاع الفعلية. الحقيقة الأساسية الواضحة هي أن الاشتراكيين الثوريين والمناشفة قد تأرجحوا باتجاه المناهضين للثورة (تأرجحًا فرضته السياسة التي تابعوها منذ 6 مايو).
إن دورة التطور الحزبي قد اكتملت. لقد انزلق الاشتراكيون الثوريون والمناشفة بثبات نحو القاع؛ بدءًا من تعبيرهم عن "الثقة" في كيرنسكي من 28 فبراير حتى 6 مايو، الذي ربطهم بمناهضي الثورة، حتى 5 يوليو، حين بلغوا القاع.
إننا نصل إلى مرحلة جديدة. إن انتصار المناهضين للثورة قد خيب أمل الشعب في حزبي الاشتراكيين الثوريين والمناشفة وهذا يمهد الطريق للجماهير حتى تتبنى سياسة دعم البروليتاريا الثورية.

(20)
الدستور السوفييتي عام 1918()
(مقتطف)
فلاديمير إ. لينين
مقدمة
يشكل إعلان حقوق الشعب العامل والمستغل، الذي صادق عليه المؤتمر الثالث لسوفييتات عموم روسيا المنعقد في يناير 1918، مع دستور الجمهورية السوفييتية الذي صادق عليه المؤتمر الخامس، قانونًا واحدًا أساسيًا لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية.
يصبح هذا القانون الأساسي نافذًا من وقت نشره في صيغته النهائية في جريدة إزفستيا بواسطة اللجنة التنفيذية المركزية لعامة روسيا. وسوف ينشر في كل الوسائط المحلية للحكومة السوفيتية ويعرض بشكل بارز في كل المؤسسات السوفيتية.
ويوجه المؤتمر الخامس مفوضية الشعب للتعليم العام إلى أن تدخل في كل المدارس والمؤسسات التربوية الأخرى للجمهورية الروسية وبلا استثناء، دراسة المواد الأساسية في الدستور الحالي، وكذلك شرحها وتفسيرها.



إعلان الحقوق
القسم الأول
إعلان حقوق الشعب العامل والمستغل
الفصل الأول:
(كل السلطة للسوفييتات)
مادة 1: تعلن روسيا جمهورية سوفييتات لمندوبي العمال والجنود والفلاحين. كل السلطة، مركزيًا ومحليًا لهذه السوفييتات.
مادة 2: تقوم جمهورية روسيا السوفييتية على مبدأ الاتحاد الحر للأمم الحرة بوصفها اتحادًا فيدراليًا للجمهوريات القومية السوفييتية.
الفصل الثاني:
مادة 3: يتقوم هدفها الأساسي في القضاء على كل استغلال للإنسان من قبل الإنسان، والقضاء التام على كل تقسيم للمجتمع إلى طبقات، وممارسة قمع لا رحمة فيه للمستغِلين، وتحقيق التنظيم الاشتراكي للمجتمع، والعمل من أجل انتصار الاشتراكية في كل البلدان، كما يقرر المؤتمر الثالث لسوفييتات عموم روسيا إضافة إلى ذلك:
(إلغاء الملكية الخاصة للأرض، تأميم الموارد،
وعدم الاعتراف بالقروض، وتأسيس الجيش الأحمر)
أ‌. واستنادًا على تشريك الأرض، تلغى الملكية الخاصة للأرض، وتعتبر كل الأرض ملكية كل الشعب وتنتقل ملكيتها للشعب العامل بدون أي تعويض، على أساس حيازة الأرض وفق أسس المساواة.
ب‌. تعتبر كل الغابات، والثروة المعدنية والمياه ذات الأهمية القومية، وكل الحيوانات، والإقطاعات النموذجية والمشاريع الزراعية ملكا للأمة.
ج. نصادق هنا على القوانين السوفييتية حول رقابة العمال والمجلس الأعلى للاقتصاد من أجل ضمان سلطة الشعب العامل على المستغلين وكخطوة أولى نحو التحويل الكامل للمصانع، والمناجم، والسكك الحديدية ووسائل الإنتاج الأخرى والنقل إلى ملكية جمهورية العمال والفلاحين السوفييتية.
د. يعتبر المؤتمر الثالث للسوفييتات أنه وجه ضربته الأولى للمصارف العالمية ورأس المال المالي، بإصداره القانون السوفييتي حول إلغاء القروض التي عقدتها حكومة القيصر، وملاك الأرض والبورجوازية، ويعبر عن ثقته في أن السلطة السوفييتية سوف تتقدم بثبات على هذا الطريق حتى الانتصار التام لانتفاضة عمالية أممية ضد حكم رأس المال.
ه. لتأمين سيادة سلطة الشعب العامل ولاستبعاد أية إمكانية لعودة سلطة المستغلين فقد رسمنا بما يلي: تسليح الشعب العامل، وإنشاء الجيش الأحمر الاشتراكي للعمال والفلاحين، وتجريد الطبقات المالكة من السلاح تجريدًا تامًا.
الفصل الثالث:
(حق الأمم في تقرير المصير)
مادة 4: نعرب عن التصميم الحازم على انتزاع البشرية من براثن رأس المال المالي والإمبريالية، اللذين أغرقا في هذه الحرب الأشد إجرامًا العالم في الدماء، لذا فإن المؤتمر الثالث للسوفييتات يصادق بدون تحفظ على السياسة السوفييتية في شجب المعاهدات السرية، وتنظيم أوسع تآخى مع عمال وفلاحي الجيوش المتحاربة والعمل بوسائل ثورية مهما كلف الأمر على تحقيق سلام ديموقراطي للشعب العامل، بدون إلحاقات وتعويضات، على أساس الحق في حرية تقرير المصير.
مادة 5: يصر المؤتمر الثالث للسوفييتات ومن أجل الهدف نفسه على القطيعة التامة مع السياسة البربرية للحضارة البورجوازية، التي بنت ازدهار المستغِلين في أمم قليلة مختارة على استعباد مئات الملايين من الشعب العامل في آسيا، وفي المستعمرات بصفة عامة، وفى البلدان الصغرى.
(حرية الأمم المجاورة)
مادة 6: يدعم المؤتمر الثالث للسوفييتات سياسة مجلس مفوضي الشعب التي أعلنها بشأن استقلال فنلندا الكامل، وسحب الجيوش من بلاد فارس، وإعلان حرية تقرير المصير لأرمينيا.
الفصل الرابع:
(كل السلطة للمنظمات السوفييتية)
مادة 7: يقرر المؤتمر الثالث لسوفييتات عموم روسيا أنه الآن، في لحظة نضال الشعب الحازم ضد المستغِلين، لا يجب أن يكون هناك مكان للمستغِلين في أي هيئة حكومية. ويتعين أن تكون السلطة بأجمعها وحصريًا للشعب العامل ولممثليها مطلقي الصلاحية؛ أي مندوبي سوفييتات العمال والجنود والفلاحين.
(حق الأمم المتحدة فيدراليًا في أن تختار شروط الاتحاد الفيدرالي)
مادة 8: وفي ذات الوقت، وحرصًا على خلق اتحاد حر وطوعي حقًا للطبقات العاملة في كل أمم روسيا؛ ومن ثم أرسخ وأمتن، فإن المؤتمر الثالث للسوفييتات يحصر مهمته في إقرار المبادئ الأساسية لاتحاد فيدرالي بين الجمهوريات السوفيتية في روسيا، تاركًا للعمال والفلاحين في كل أمة أن يقرروا بشكل مستقل، وفي مؤتمرات سوفييتاتهم ما إذا كانوا يرغبون في الاشتراك في الحكومة الفيدرالية وفى سائر المؤسسات السوفييتية الأخرى، وبأي شروط.

(21)
دستور اتحاد الجمهوريات
الاشتراكية السوفييتية الجديد()
ليون تروتسكي
إلغاء السوفييتات
يجرى العمل ما وراء أسوار الكرملين على استبدال الدستور السوفييتي بآخر جديد، وهو حسب إعلانات ستالين، ومولوتوف وآخرين، سوف يكون الدستور "الأكثر ديموقراطية في العالم". ومما لا ريب فيه، أنه قد تثار شكوك بصدد الإجراءات التي يجري بها إعداد الدستور. فحتى وقت قريب، لم يرد ذكر لهذا الإصلاح الكبير، سواء في الصحافة أو في الاجتماعات. وما من أحد قد اطلع على مسودة الدستور حتى الآن. في نفس الوقت قال ستالين لمحاوره الصحفي روي هوارد، في 1 مارس، 1936 أنه "من المحتمل أن نصادق على دستورنا الجديد في نهاية هذا العام". وهكذا يتبين أن ستالين مطلع على التاريخ الدقيق للمصادقة على هذا الدستور، الذي لا توجد لدى الشعب معلومات عنه عمليًا. ومن المستحيل ألا نستنتج من ذلك أن "الدستور الأكثر ديموقراطية في العالم" قد أعد وقدم بطريقة ليست ديموقراطية بالمرة. وقد أكد ستالين لهوارد، ومن خلاله لشعوب اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية أنه "وفقًا للدستور الجديد سوف يكون حق الانتخاب عامًا، متساويًا، مباشرًا، وسريًا".
إن عدم المساواة في حقوق الانتخاب التي انحازت للعمال في مواجهة الفلاحين سوف تلغى. وعلى ذلك، من الواضح، أن المواطنين وليس المصانع هم من سيصوتون، كل واحد لنفسه. وحالما يقال أنه "لم تعد هناك طبقات" آنئذ يتساوى كل أعضاء المجتمع. ويمكن حرمان الأفراد من حقهم الانتخابي عن طريق المحاكم فقط. كل هذه المبادئ مأخوذة كليًا من نفس برامج الديموقراطية البورجوازية بعينها التي حلت محلها السوفييتات في وقتها. لقد تبنى الحزب دائمًا فكرة أن النظام السوفييتي هو شكل أعلى من الديموقراطية. وكان على النظام السوفييتي أن يضمحل مع دكتاتورية البروليتاريا، التي كان تعبيرًا عنها. تسفر مسألة الدستور الجديد من ثم عن مسألة أخرى أشد جوهرية: هل ستتواصل الديكتاتورية في أن تصبح "أقوى" بدءً من الآن، كما تتطلبه كل الخطب الرسمية والمقالات، أم أنها ستبدأ في التخفف، وتضعف، ثم "تضمحل"؟ يمكن تقويم معنى الدستور الجديد بصواب على ضوء هذا المنظور فقط. ودعونا نضيف هنا على الفور أن المنظور ذاته لا يعتمد على الإطلاق على معيار الليبرالية الستالينية وإنما على البنية الفعلية للمجتمع السوفييتي الانتقالي.
في تبيان الإصلاح، تشير جريدة البرافدا بغموض وبدون فطنة على الإطلاق إلى برنامج الحزب الذي كتبه لينين في 1919 الذي ينص بالفعل على أن "... الحرمان من حق الانتخاب وأية قيود أخرى على الحرية أيًا ما كانت هي ضرورية فقط كإجراءات مؤقتة في سياق الصراع ضد محاولات المستغلين لإبقاء أو استعادة امتيازاتهم. بقدر ما يختفي الإمكان الموضوعي لاستغلال الإنسان للإنسان، بقدر ما ستزول ضرورة هذه الإجراءات المؤقتة بالمثل، وسوف يكافح الحزب من أجل تضييقها، ثم يجنح لإزالتها كليًا" (التشديد لنا). يمكن أن تخدم هذه التوجهات بلا شك في تبرير رفض "الحرمان من حق الانتخاب" في مجتمع اختفى فيه إمكان الاستغلال. ولكن ارتباطًا بهذا يتطلب البرنامج إلغاءً مماثلا لـ"أية قيود أخرى على الحرية أيًا ما كانت". لأن ما يسم ولوج المجتمع الاشتراكي ليس جعل الفلاحين مساوون للعمال، وليس إعادة حق الانتخاب لـ 3 - 5 في المائة من المواطنين ذوى الأصول البورجوازية، ولكن بتأسيس حرية حقيقية لـ100 في المائة من السكان. مع إزالة الطبقات، وفقًا للينين، وطبقًا لماركس، لن تضمحل الديكتاتورية فقط وإنما الدولة ذاتها أيضًا. لم يقل ستالين شيئًا بعد، على أي حال، عن "القيود على الحرية" سواء للصحفي هوارد أم لشعوب اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية.
سارع مولوتوف لمساعدة ستالين، ومن المحزن القول، ليس على نحو ملائم. عند الرد على سؤال رئيس تحرير جريدة لو تومب Le Temps، قال مولوتوف، "الآن كثيرًا ما لا تكون (؟) هناك حاجة لتلك الإجراءات الإدارية التي استخدمناها سابقًا"، ولكن "يجب أن تكون السلطة السوفييتية قوية بالطبع وثابتة في صراعها ضد الإرهابيين ومخربي الملكية العامة ..." إذن "سلطة سوفييتية" بدون سوفييتات، ديكتاتورية بروليتاريا بدون بروليتاريا، وإضافة إلى ذلك، ديكتاتورية ليست ضد البورجوازية وإنما ضد ... الإرهابيين واللصوص. في كل الأحوال لم يستشرف أبدًا برنامج الحزب هذا النمط من الدولة.
إن وعد مولوتوف بعدم اللجوء "كثيرًا" لهذه المعايير القصوى الأمر الذي قد يبرهن على عدم ضرورتها لا يساوى شيئًا في حد ذاته، بل إنه يفقد كل قيمته عند الإشارة لأعداء القانون والنظام، وهم من يجعلون من المستحيل تحديدًا رفض الإجراءات الطارئة.
من أين، على أي حال، ينهض أعداء القانون والنظام هؤلاء، هؤلاء الإرهابيون واللصوص، وأضف إلى ذلك بمثل هذه الأعداد المهددة بشكل يبرر الاحتفاظ بالديكتاتورية في مجتمع لا طبقي؟ هنا لابد أن نهب لمساعدة مولوتوف. كانت الأعمال الإرهابية في فجر السلطة السوفييتية تتواصل وتستديم من قبل الاشتراكيين الثوريين والبيض في جو لم تنته فيه بعد الحرب الأهلية. حينما فقدت الطبقات السائدة السابقة كل آمالها، اختفى الإرهاب كذلك. كان إرهاب الكولاك، الذي تتبدى آثاره حتى الآن، دائمًا محليًا في طابعه، وقد رفد حرب الأنصار ضد النظام السوفييتي. لم يكن هذا ما خامر عقل مولوتوف. فالإرهاب الجديد لا يعتمد لا على الطبقات القديمة أو الكولاك. إن إرهابيي السنوات الحالية يجندون حصرًا من صفوف الشباب السوفييتي، من مراتب الشيوعيين الشباب والحزب. بينما الإرهاب الفردي عاجز كليًا عن حل تلك المهام التي تطرح نفسها، فله، على أي حال، أهمية عظمى نظرًا لأعراضه لأنه يشخص التناقض العدائي بين البيروقراطية وجماهير الشعب العريضة، وخاصة الجيل الأكثر شبابًا. الإرهاب هو المكمل التراجيدي للبونابرتية. كل بيروقراطي فرد يخشى من الإرهاب، ولكن البيروقراطية ككل تستغله لتبرير احتكارها السياسي. لم يكتشف ستالين ومولوتوف أي بارود في هذا الحقل أيضًا.
وأسوأ شيء، على أي حال، هو حقيقة أنه من المستحيل مطلقًا أن نلم، سواء من التحقيقات الصحفية أو من التعليقات الطبيعة الاجتماعية للدولة التي يعد من أجلها الدستور الجديد. لقد اعتاد النظام السوفييتي أن يعتبر رسميًا تعبيرًا عن دكتاتورية البروليتاريا. ولكن إذا كانت الطبقات قد قوضت، إذن بسبب هذه الحقيقة بالذات فإن الأساس الاجتماعي للديكتاتورية يكون قد تقوض أيضًا. من إذن هو حاملها الآن؟ من الواضح السكان ككل. ولكن حينما يصبح كامل الشعب، المتحرر من التناقضات الطبقية، حامل الديكتاتورية، فهذا لا يعنى شيئًا سوى انحلال الديكتاتورية داخل المجتمع الاشتراكي، ومن ثم تصفية الدولة. إن منطق الماركسية منيع. تبدأ تصفية الدولة بدورها مع تصفية البيروقراطية. هل يتضمن الدستور الجديد، ربما، على الأقل تصفية الشرطة السرية؟ هل يمكن لأحد أن يغامر بالتعبير عن هذه الفكرة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، سوف تجد الشرطة السرية على الفور أدلة مضادة مقنعة. لقد قضى على الطبقات، وقضى على السوفييتات، وتمخضت النظرية الطبقية عن المجتمع إلى لا شيء، ولكن تبقى البيروقراطية. وهو المطلوب إثباته.
سوف نعود لاحقًا إلى مسألة إلى أي مدى يتوافق الانتخاب الشامل، المتساوي، المباشر مع مزاعم المساواة الاجتماعية التي يتمتع بها كل المواطنين. ولكن إذا قبلنا بهذه الفرضية عن إيمان، فسوف يربكنا أكثر السؤال التالي: لماذا، إذا كان هذا هو واقع الحال، يتعين أن تكون الانتخابات سرية؟ ممن يخاف السكان هنا بالضبط في البلد الاشتراكي؟ ضد محاولات من بصفة خاصة هناك ما يستلزم إجراءً دفاعيًا؟ إن خوف الطفل من الظلام له أسس بيولوجية محضة، ولكن حين لا يجرؤ الكبار على التعبير عن آرائهم علنًا، فمعنى ذلك أن لخوفهم طابع سياسي. وبالنسبة للماركسي، فإن السياسة هي دائمًا وظيفة الصراع الطبقي. في المجتمعات الرأسمالية يهدفون بالتصويت السري تقديم حماية للمستغلين في مواجهة إرهاب المستغلين. وإذا كانت البورجوازية قد وافقت أخيرًا على إصلاح كهذا - بالطبع تحت ضغط الجماهير - فقد كان بسبب إن البورجوازية نفسها كانت مهتمة بحماية دولتها على الأقل جزئيًا ضد إرباك من صُنعها. ولكن في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية من الواضح أنه لا يمكن أن يكون هناك أي ضغط من قبل المستغلين على الكادحين. ضد من إذن، من الضروري حماية المواطنين السوفييت بواسطة التصويت السري؟
في ظل الدستور الروسي القديم، جرى تبنى التصويت برفع الأيدي كسلاح في يد الطبقة الثورية ضد الأعداء من البورجوازية والبورجوازية الصغيرة. وقد خدم نفس الغرض بالقيود الموضوعة على حق الانتخاب نفسه. الآن، في نهاية العقد الثاني بعد الثورة لم يعد هناك أعداء طبقيون ولكن الكادحين أنفسهم في غاية الخوف من أنهم لا يستطيعون أن يصوتوا إلا تحت غطاء السرية. وهذا يعنى تحديدًا جماهير الشعب، الأغلبية العظمى، لأنه من المستحيل السماح بتبني التصويت السري بصفة خاصة مراعاةً للأقلية المناهضة للثورة!
ولكن من يرهب الشعب؟ الإجابة واضحة؛ إنها البيروقراطية. إنها تسعى لحماية الكادحين ضد نفسها بواسطة التصويت السري. لقد أدلى ستالين بهذا الاعتراف بصراحة. ردًا على سؤال، "لماذا التصويت السري" كانت إجابته حرفيًا كما يلي: "لأننا نريد أن نعطى الشعب السوفييتي الحرية الكاملة لأن يصوت لهؤلاء الذين يريد أن ينتخبهم"، وهكذا فإننا نعرف من ستالين أن "الشعب السوفييتي" لا يستطيع اليوم أن يصوت لمن يريد أن ينتخبهم. "نحن" نستعد فقط لإعطائهم هذه الفرصة. من هي "نحن" هذه التي يمكن أن تمنح أو تمنع حرية التصويت؟ إنها الفئة التي يتحدث ويعمل باسمها ستالين: البيروقراطية. لقد كان ستالين في حاجة لأن يضيف أن اعترافه الهام ينطبق بنفس القدر على الحزب مثلما انطبق على الدولة، وإنه، بصفة خاصة هو نفسه يحتل منصب السكرتير العام من خلال نظام لا يسمح لأعضاء الحزب بأن ينتخب من يرغبهم. إن جملة "إننا نريد أن نعطى الشعب السوفييتي" هي في حد ذاتها وبلا حدود أكثر أهمية من كل الدساتير التي لم يكتبها ستالين بعد، لأن هذه الجملة القصيرة هي دستور جاهز الصنع، فضلًا عن أنها، حقيقية للغاية، وليست أسطورة.
مثل البورجوازية الأوروبية في زمانها، فإن البيروقراطية السوفييتية مضطرة اليوم لأن تلجأ للتصويت السري من أجل أن تطهر جهاز دولتها جزئيًا على الأقل، الذي تستغله بوصفها "المالك الشرعي" من الفساد الذي صنعته. كان ستالين مضطرًا إلى أن يعطى تلميحًا عن هذا الدافع للإصلاح. فقد قال للصحفي هوارد، "هناك مؤسسات ليست بالقليلة في بلادنا تعمل بشكل رديء ... سوف يكون الانتخاب السري بمثابة سوط في يد السكان ضد أجهزة الحكومة، التي تعمل على نحو رديء". اعتراف ثانٍ جدير بالملاحظة! بعد أن خلقت البيروقراطية بأيديها المجتمع الاشتراكي، فإنها تشعر أنها في حاجة ... إلى سوط؛ ليس فقط لأن أجهزة الحكومة "تعمل بشكل رديء"، وإنما قبل كل شيء لأنها فاسدة تمامًا ولها رذائل العصب التي لا رقابة عليها.
منذ زمن يعود إلى عام 1928 كتب راكوفسكي ما يلي بصدد حالات التدهور المعنوي الفظيعة للبيروقراطية التي تكشفت علنًا: "إن أشد الملامح خطرًا وتميزًا في موجة مد الفضائح هي سلبية الجماهير، وهى أكثر في أوساط الشيوعيين منها في الناس غير الحزبيين، إزاء مظاهر التحكم التي لم يسمع عنها، والتي كان العمال أنفسهم شهودها نتيجة للخوف من هؤلاء الذين يديرون السلطة، أو ببساطة بسبب اللامبالاة السياسية، فقد مرت بدون احتجاج، أو اكتفوا بالتذمر فحسب". لقد مضى أكثر من ثماني سنوات منذ هذا الوقت، وأصبح الوضع أسوأ بما لا حد له. إن حكم ستالين الأوتوقراطي قد أسس لمحاباة الأقارب، التحكم، التبذير، النهب، والرشوة في نظام الإدارة. إن انحلال الجهاز الذي يتجلى في كل لحظة، قد بدأ في أن يهدد وجود الدولة ذاتها كمصدر للسلطة، والدخل، ولامتيازات الفئة الحاكمة. ومن ثم بات الإصلاح ضروريًا. وإذ ارتعبوا مما جنت أيديهم فقد توجه رؤساء الكرملين إلى السكان بنداء لمساعدتهم على تطهير وتقويم الجهاز الإداري.
تضع البيروقراطية، على أي حال، بتوجهها إلى الشعب حتى يكون سوطًا مفيدًا، شرطًا واحدًا مطلقًا؛ ألا تكون هناك سياسة. فلابد أن تظل هذه الوظيفة المقدسة حتى آنئذ من احتكار "القائد". بالنسبة للسؤال الحساس الموجه من المحاور الأمريكي الذي يتعلق بإمكان وجود أحزاب أخرى فقد أجاب ستالين: "مادام ليست هناك طبقات، ومادامت الخطوط الفاصلة بين الطبقات قد أزيلت() يبقى هناك اختلافًا طفيفًا فقط وليس جوهريًا بين الفئات المتعددة في المجتمع الاشتراكي، لكن لا يمكن أن تكون هناك أرض خصبة لإنشاء أحزاب متصارعة. ما دام ليست هناك طبقات متعددة فلا يمكن أن يكون هناك أحزاب متعددة، لأن الحزب هو جزء من طبقة". هناك أخطاء بعدد الكلمات وأحيانًا ضعفها!
وفقًا لستالين، يبدو أن الخطوط الفاصلة بين الطبقات ترسم بصرامة ، وأنه في كل فترة معينة فإن حزبًا واحدًا فقط هو الذي يتوافق مع كل طبقة. لقد تحول المذهب الماركسي حول الطبيعة الطبقية للأحزاب إلى كاريكاتور بيروقراطي سخيف؛ الديناميكيات السياسية مستبعدة تمامًا من العملية التاريخية من أجل مصالح النظام الإداري. ومن منظور الواقع ليست هناك حالة واحدة يمكن أن نصادفها عبر كامل مدى التاريخ السياسي لحزب واحد فقط يتوافق مع طبقة واحدة. ليست الطبقات متجانسة، وإنما تمزقها التطاحنات الداخلية، وهي تصل حتى إلى حل للمهام المشتركة فقط من خلال صراع داخلي بين الاتجاهات، والتجمعات، والأحزاب. وفي حدود معينة ربما يسمح بالقول بأن "الحزب جزء من طبقة" ولكن بقدر ما يكون للطبقة "أجزاء" متعددة – بعضها يتجه للمستقبل، وبعضها يتجه للماضي – يمكن لنفس الطبقة الواحدة أن تتمخض عن عدة أحزاب. ولنفس السبب، فإن حزبًا واحدًا يمكن له أن يرتكز على أجزاء من عدة طبقات.
من الملاحظ تمامًا، أن هذا الخطأ المشين منعدم النزاهة مطلقًا في طابعه، لأنه كما ترون، في علاقته باتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية ينطلق من التأكيد بأنه لا توجد هناك طبقات مطلقًا. أي جزء من طبقة يمثل الحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي إذن، بعد القضاء على الطبقات جميعًا؟ حين يضل ستالين بلامبالاة في حقل النظرية، فإنه يبرهن على أكثر مما قصد. يترتب على تعليله ليس عدم إمكان أن توجد أحزاب مختلفة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، بل أنه لا يمكن أن يوجد حتى حزب واحد. حيث لا توجد طبقات فلا مجال للسياسة بصفة عامة. ستالين على أي حال يضع استثناءً كريمًا من هذا القانون في حالة الحزب الذي هو سكرتيره العام.
يكشف تاريخ الطبقة العاملة أفضل من أي شيء آخر إفلاس نظرية الأحزاب الستالينية. رغم حقيقة أن الطبقة العاملة في بنيتها الاجتماعية، وهذا مما لاشك فيه، هي الأقل من منظور عدم التجانس من بين كل طبقات المجتمع الرأسمالي، ووجود "فئة" مثل الأرستقراطية العمالية والبيروقراطية العمالية التي ترتبط بها يؤدى إلى خلق أحزاب إصلاحية، تتحول بشكل حتمي إلى واحدة من أدوات الحكم البورجوازي. ولا يعنى شيئًا من وجهة نظر السوسيولوجيا الستالينية ما إذا كان الاختلاف بين الأرستقراطية العمالية والجمهور البروليتاري "جوهريًا" أم "طفيفًا" فقط، ولكن تحديدًا بسبب هذا الاختلاف نشأت ضرورة تأسيس الأممية الثالثة في حينها. من ناحية أخرى، فمن الثابت أن بنية المجتمع السوفييتي غير متجانسة ومعقدة بما لا حد له من بنية البروليتاريا في البلدان الرأسمالية. لهذا السبب بالذات يمكن أن تكون هناك تربة خصبة كافية لقيام عدة أحزاب.
ستالين مهتم في الحقيقة، ليس بسوسيولوجيا ماركس وإنما باحتكار البيروقراطية. وهذان شيئان مختلفان كليًا. كل بيروقراطية عمالية، حتى تلك التي لا تدير الدولة، تميل إلى النظرة القائلة بأنه لا توجد "تربة خصبة" داخل الطبقة العاملة للمعارضة. إن قادة حزب العمال البريطاني يطردون الثوريين من النقابات تأسيسًا على أنه لا مكان لصراع الأحزاب داخل إطار طبقة عاملة "متحدة". يتصرف السادة فاندرفلده، ليون بلوم، جوهو، إلخ بطريقة مشابهة. وما يملي عليهم تصرفهم ليس ميتافيزيقا الوحدة وإنما المصالح الأنانية للعصب ذات الامتيازات. البيروقراطية السوفييتية أكثر قوة بما لا يقاس، ثرية، وتعتمد على ذاتها أكثر من البيروقراطية العمالية في البلدان الرأسمالية. يتمتع العمال المهرة في الاتحاد السوفييتي بامتيازات غير معروفة للفئات العليا من العمال في أوروبا وأمريكا. هذه الفئة المزدوجة – البيروقراطية التي تعتمد على الأرستقراطية العمالية – هي حاكم البلاد. إن الحزب الحاكم حاليًا في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية ليس شيئًا سوى الآلة السياسية لفئة مميزة. هناك ما يمكن أن تخسره البيروقراطية الستالينية ولا شيء آخر تكسبه. وهى لا تميل للمشاركة فيما تحوزه. وبالنسبة للمستقبل أيضًا فهي تنوى أن تحتفظ بـ"التربة الخصبة" لنفسها.
مما لا ريب فيه، فإن الحزب البلشفي قد شغل أيضًا مركزًا احتكاريًا في الدولة خلال الفترة الأولى من العهد السوفييتي. على أي حال، إن مطابقة هاتين الظاهرتين الواحدة بالأخرى يعنى الخطأ في اعتبار المظاهر واقعًا. خلال سنوات الحرب، وفي ظل ظروف تاريخية غاية في الصعوبة، وجد الحزب البلشفي نفسه مضطرًا بشكل مؤقت أن يحظر وجود أحزاب أخرى، ليس لأن الأخيرة افتقرت إلى "التربة الخصبة" – ففي هذه الحالة لم تكن تظهر هناك حاجة حتى لمنعها – وإنما على النقيض، تحديدًا لأنه كانت هناك تربة خصبة موجودة؛ هذا هو ما جعلها خطرة. لقد أوضح الحزب علنًا للجماهير مغزى ما كان يفعل، لأنه كان من الواضح لكل واحد أن المناط كان الدفاع عن ثورة معزولة ضد أخطار مميتة. اليوم، كلما زينت البيروقراطية الواقع الاجتماعي أكثر، كلما استغلته بلا حياء لصالحها. إذا كان من الحقيقي أن مملكة الاشتراكية قد أتت بالفعل، واختفت التربة الخصبة للأحزاب السياسية فما من حاجة لمنعها. يتبقى فقط، بالتوافق مع البرنامج، إلغاء "أية قيود على الحرية". ولكن البيروقراطية لن تسمح بالكثير من الهمهمة عن دستور كهذا. إن الزيف الداخلي لكامل البناء جلي بما لا يدع مجالًا لالتباس.
وفي سعيه لتبديد الشكوك العادية من قبل محاوره، قدم ستالين فكرة جديدة: "لن يتقدم المرشحين من الحزب الشيوعي فقط وإنما من كل ضروب المنظمات العامة غير الحزبية. ولدينا المئات من هؤلاء ... قد يكون لكل فئة (في المجتمع السوفييتي) مصالحها الخاصة وتعبر عنها من خلال منظماتنا القائمة المتعددة". من الواضح، أنه لهذا السبب، سيكون الدستور الروسي الجديد "أكثر الدساتير ديموقراطية في العالم".
هذه النتفة من السوفسطائية ليست أفضل من البقية. تتمثل أهم "فئات" المجتمع السوفييتي في: قمم البيروقراطية ومراتبها الوسطى والدنيا، الأرستقراطية العمالية، أرستقراطية الكولخوز (المزارع الجماعية)، جماعات العمال العادية، المراتب الوسطى من الكولخوز، الفلاحين المُلاك، فئات الكدح من العمال والفلاحين، وما وراءهم من البروليتاريا الرثة، المشردون، والعاهرات وما إلى ذلك. أما بالنسبة للمنظمات العامة السوفييتية - النقابية، التعاونية، الثقافية، الرياضية، الخ - فهي لا تمثل أبدًا مصالح "فئات" مختلفة لأن لها جميعا نفس البنية التراتبية الواحدة. حتى في هذه الحالات حينما تكون المنظمات مؤسسة على دوائر ذات امتيازات، كما هو الحال على سبيل المثال بالنسبة للنقابات والتعاونيات، حيث يلعب الدور الفاعل فيها على وجه الحصر ممثلي القمم ذوى الامتياز، بينما "الحزب"، أي المنظمة السياسية للفئة الحاكمة، فله الكلمة الأخيرة. إن اشتراك المنظمات غير السياسية في الصراع الانتخابي سوف يؤدى ترتيبًا على ذلك إلى لا شيء سوى منافسة بين العصب المختلفة من البيروقراطية ضمن الحدود التي وضعها الكريملين. تحسب القمم الحاكمة أن تتعلم بهذه الطريقة بعض الأسرار الخفية عنها وأن تعيد طلاء جهازها، دون أن تسمح في ذات الوقت بصراع سياسي لابد وأن يتجه إليها بشكل حتمي.
المغزى التاريخي للدستور الجديد
تكشف البيروقراطية مرة أخرى في شخص قائدها الأشد سلطوية، بأي ضآلة تفهم الاتجاهات التاريخية التي تحدد حركتها. حين يلاحظ ستالين أن الاختلاف بين الفئات المتعددة في المجتمع السوفييتي "طفيفًا وليس جوهريًا"، فمن الواضح أن ما يتراءى له حصريًا هم المُلاك الفلاحون الأفراد، الكثيرون بما فيه الكفاية حتى اليوم بما يعادل عدد سكان تشيكوسلوفاكيا، وكل "الفئات" الأخرى التي تعتمد على وسائل إنتاج ملك للدولة أو جماعية. هذا مما لا جدال فيه. ولكن يبقى هناك اختلافًا "جوهريًا" بين الجماعي، أي ملكية الجماعة في الزراعة، والملكية المؤممة في الصناعة، ومازال من الممكن الإحساس به في المستقبل. نحن لن ندخل، على أي حال، في مناقشة لهذه المسألة الهامة. وماله أهمية معتبرة أكثر مباشرة هو الاختلاف بين "الفئات" التي تتحدد ليس بعلاقتها بوسائل الإنتاج وإنما بمواد الاستهلاك. إن مجال التوزيع، هو بالطبع، "بناء فوقي" فقط في علاقته بمجال الإنتاج. على أي حال، إن مجال التوزيع تحديدًا هو الذي يمتلك أهمية حاسمة في الحياة اليومية للشعب. من منظور ملكية وسائل الإنتاج، الاختلاف بين الماريشال وعامل النظافة، بين رئيس التروست والعامل غير الماهر، بين ابن مفوض الشعب ومشرد لا مأوى له ليس "جوهريًا". ولكن البعض يشغل شققًا فاخرة، ويستمتع بعدة داتشات (بيوت صيفية) في عدة مناطق بالبلاد، تحت تصرفهم أفضل السيارات، وقد نسوا كيف يلمعون أحذيتهم منذ وقت طويل، بينما يعيش آخرون، وليس ذلك نادرًا، في ثكنات، دون حواجز توفر قدرًا من الخصوصية، ويحيون في نصف مجاعة، ولا ينظفون أحذيتهم فقط بسبب أنهم حفاة. لأصحاب المقامات العليا يبدو هذا الاختلاف "طفيفًا" فقط، أي، لا يستحق الانتباه. بالنسبة للعامل غير الماهر يبدو، وليس ذلك بلا سبب، "جوهريًا".
بالإضافة إلى الإرهابيين، وفقًا لمولوتوف، فإن موضوع الديكتاتورية في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية هو اللص. ولكن هذه الوفرة في أناس يمارسون هذه المهنة هي علامة مؤكدة على العوز الذي يخيم على المجتمع. وحيث أن المستوى المادي للأغلبية الساحقة غاية في التدني لدرجة أن ملكية الخبز والأحذية لابد أن تحمى بفرق إطلاق النار، تبدو الأحاديث عن انجازات الاشتراكية المزعومة وكأنها سخرية مشينة من البشر!
في مجتمع متجانس حقًا، تلبى فيه الحاجات الطبيعية للمواطنين دون شجار أو ضغينة، لا يمكن أن نتصور فيه ليس فقط البونابرتية المطلقة وإنما البيروقراطية أيضًا. ليست البيروقراطية فئة فنية وإنما اجتماعية. تظهر كل بيروقراطية في / وتحافظ على نفسها مستندة على الطبيعة المتنافرة للمجتمع، على تضاد المصالح والصراع الداخلي. وهي تنظم التضادات الاجتماعية في مصالح الطبقات أو الشرائح المميزة، وتنتزع جزية ضخمة لهذا من الكادحين. هذه الوظيفة عينها، رغم الثورة الكبرى في علاقات الملكية، يجرى انجازها، بسخرية وليس بغير نجاح، من قبل البيروقراطية السوفييتية.
لقد نشأت الأخيرة مرتكزة على السياسة الاقتصادية الجديدة (النيب)، مستغلة التناقض بين الكولاك ورجل النيب من ناحية، والفلاحين والعمال، من ناحية أخرى. حينما أصبح الكولاك قويًا، ورفع يده ضد البيروقراطية نفسها، فإن الأخيرة، فى صالح الدفاع عن النفس، كانت مضطرة لأن تستند على جمهور القاعدة. كانت البيروقراطية أضعف الجميع خلال سنوات الصراع ضد الكولاك (29 – 1932). تحديدًا لهذا السبب، شرعت بحمية في تكوين أرستقراطية عمالية وكولخوزية، مؤسسة فروقًا صادمة في هياكل الأجور، والحوافز، وشارات التكريم وإجراءات أخرى مماثلة استدعت ثلثها الضرورة الاقتصادية وثلثيها المصالح السياسية للبيروقراطية. على هذا التضاد الاجتماعي الجديد الذي يزداد عمقًا، رفعت الفئة الحاكمة نفسها إلى ذراها البونابرتية الراهنة.
في بلد لم تبرد فيه حمم الثورة بعد، غالبًا ما يخاف أصحاب الامتيازات كثيرًا من امتيازاتهم، خاصة في مواجهة العوز الاجتماعي. إن الفئة السوفييتية العليا مرعوبة من الجماهير، حيث يراودها خوف بورجوازي خالص. ويقدم ستالين للامتيازات النامية للفئة الحاكمة تبريرًا "نظريًا" بواسطة الكومنترن، وهو يدافع عن الأرستقراطية السوفييتية في مواجهة السخط الموجه ضدها بمعسكرات الاعتقال. ستالين هو القائد الذي لا يجادل للبيروقراطية والارستقراطية العمالية وهو يحتفظ بصلة دائمة فقط مع هاتين "الفئتين". وتنبثق "عبادة" مخلصة للزعيم من هذه الدوائر فقط. هذا هو جوهر النظام السياسي الحالي للاتحاد السوفييتي.
ولكن للإبقاء على هذه الآلية، فإن ستالين مضطر لأن يساند "الشعب" ضد البيروقراطية من وقت إلى آخر، وبالطبع مع الإذعان الصامت للأخيرة. وهو مضطر حتى لأن يجد سوطًا من أسفل في مواجهة الانتهاكات التي تأتى من أعلى. وكما قلنا سلفًا، فإن هذا هو أحد دوافع الإصلاح الدستوري. وهناك دافع آخر ليس أقل أهمية.
يلغى الدستور الجديد السوفييتات، ويذيب العمال في كتلة السكان العامة. من الحقيقي أن السوفييتات قد فقدت منذ وقت طويل دلالتها السياسية. ولكن ربما عادت للحياة مع نمو التناقضات الاجتماعية ومع استيقاظ الجيل الجديد. وفوق كل شيء، بالطبع، يخشى من سوفييتات المدن مع المشاركة النامية للشيوعيين الشباب الطازجين المتطلبين. في المدن يسطع التضاد بين الترف والحاجة الملحة لحد بعيد. وأول ما يعنى الأرستقراطية السوفييتية هو التخلص من سوفييتات العمال والجيش الأحمر.
برغم التجميع، فإن التناقض المادي والثقافي بين المدينة والقرية قد مس بالكاد. مازال الفلاحون متخلفون ومذررون للغاية. توجد التناقضات الاجتماعية أيضًا داخل الكولخوزات وبين الكولخوزات. تجد البيروقراطية أنه من الأسهل التلاؤم مع السخط في القرية. وهى قادرة أيضًا على أن تستغل الكولخوزات بقدر من النجاح ضد عمال المدن. أن تخفف من احتجاج العمال ضد عدم المساواة الاجتماعية المتزايدة بثقل الجماهير الأشد تخلفًا في القرية؛ هذا هو الغرض الرئيسي من الدستور الجديد، الذي لم يوصل لستالين ولا مولوتوف أي شيء بصدده للعالم بالطبع. ونشير عرضًا، إلى أن البونابرتية تعتمد دائمًا على القرية ضد المدينة. ويظل ستالين في هذا أيضًا أمينًا للتراث.
لقد اخفق عالمان محافظان مثل آل ويب() في أن يريا أي اختلاف كبير بين البلشفية والقيصرية قبل عام 1923، ولكن بالمقابل، اعترفا تمامًا بـ"ديموقرطية" نظام ستالين. ولا عجب؛ فقد كان هذان الإنسانان طوال حياتهما أيديولوجيي البيروقراطية العمالية. وكمسألة حقيقة، تحمل البونابرتية السوفييتية نفس العلاقة بالديموقراطية البورجوازية التي تحملها البونابرتية البورجوازية أو التي تحملها حتى الفاشية للديموقراطية البورجوازية. كلاهما تنشآن بشكل متساوٍ من الهزائم المرعبة للبروليتاريا العالمية. وسوف يتحطمان مع انتصارها الأول.
البونابرتية، كما يشهد التاريخ، قادرة على أن تتلاءم تمامًا مع حق الانتخاب العام وحتى السري. والطقس الديموقراطي للبونابرتية هو الاستفتاء. من وقت إلى آخر يطرح السؤال على المواطنين: مع أو ضد القائد؟ والقائد، من جانبه، يتخذ الاحتياطات حتى يشعر المواطن بأن فوهة المدفع مصوبة إلى معبده. منذ أيام نابليون الثالث، الذي يبدو الآن كهاوٍ ريفي، فإن هذا التكنيك قد اكتسب تطورًا غير مسبوق، كشاهد، قل، المشهد الأخير لجوبلز. يقصد بالدستور الجديد إذن أن يصفي قانونيًا النظام السوفييتي البالي، مستبدلًا إياه بالبونابرتية على أساس استفتائي.
مهام الطليعة
استخلاص استنتاجات أعمق مما قاله ستالين ومولوتوف لمحرر جريدة لو تومب Le Temps من أن مسألة الأحزاب في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية ليست "مسألة حيوية حيث أننا نقترب حثيثًا من التصفية الكاملة لـ ... الطبقات" أي دقة في المفاهيم والمصطلحات! في عام 1931، صفوا الـ"الطبقة الرأسمالية الأخيرة، وهي طبقة الكولاك"، وفى عام 1936 هم "يقتربون حثيثًا" من تصفية الطبقات. في مختلف الأحوال والظروف، ليست مسألة الأحزاب مسألة "حيوية" بالنسبة لمولوتوف. وتختلف كليًا، على أية حال، وجهات النظر التي يتبناها حول هذا الأمر هؤلاء العمال الذين يعرفون أن البيروقراطية، بينما تقمع الطبقات المستغلة من ناحية، تعد لمولدها الجديد من ناحية أخرى. أما بالنسبة لهؤلاء العمال المتقدمين فأظن أن مسألة حزبهم الخاص، المستقل عن البيروقراطية، هو أشد المسائل حيوية. وستالين ومولوتوف يفهمان ذلك جيدًا جدًا بالفعل: لم يكن بدون سبب أنهم طردوا مما يسمى الحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي خلال الشهور القليلة الأخيرة عشرات الآلاف من البلاشفة اللينينيين، أي، في الواقع حزب ثوري كامل.
حينما طرح محرر لو تومب Le Temps بشكل مهذب مسألة التكتلات وإمكان تحولها إلى أحزاب مستقلة، أجاب مولوتوف بفطنته المعهودة: "في الحزب ... جرت محاولات لخلق تكتلات خاصة ... ولكن مضت عدة سنوات منذ أن تغير الوضع في هذا الصدد جوهريًا والحزب الشيوعي متحد حقًا". كان من الأفضل أن يضيف، وهذا ثابت بالتطهيرات اللامتناهية ومعسكرات الاعتقال. على أي حال، الوجود غير الشرعي لحزب معارض ليس عدم وجود وإنما شكل صعب فقط من الوجود. قد تبرهن عمليات القبض على فعاليتها الشديدة ضد أحزاب طبقة تغادر المسرح التاريخي: لقد برهنت الديكتاتورية الثورية لسنوات 17 - 1923 على هذا تمامًا. ولكن عمليات القبض التي تتجه ضد الطليعة الثورية لن تنقذ البيروقراطية الشائخة، التي تتطلب وفقًا لاعترافه الخاص "سوطًا".
إنها أكذوبة بل أكذوبة ثلاثية الادعاء بأن الاشتراكية قد تحققت في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. إن ازدهار البيروقراطية هو دليل بربري على أن الاشتراكية التي كانت هدفًا مازالت بعيدة. مادامت إنتاجية العمل في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية أدنى بضع مرات من الموجودة في البلدان الرأسمالية المتقدمة، مادام الناس لم يتحرروا بعد من أسر الحاجة، مادام الصراع القاسي يستمر في التواصل من أجل مواد الاستهلاك، مادامت البيروقراطية الفردية تتلاعب بحصانتها على التناقضات الاجتماعية؛ سيظل قائمًا تمامًا خطر العودة البورجوازية محتفظًا بكامل قوته. وفي الوقت الراهن، ومع تنامي عدم المساواة على أساس النجاحات الاقتصادية، فقد تزايد الخطر. يكمن في هذا وفي هذا فقط تبرير الحاجة لسلطة الدولة. ولكن الدولة المتحللة بيروقراطيًا قد أصبحت هي ذاتها الخطر الرئيسي على المستقبل الاشتراكي. يمكن التقليل من عدم المساواة لمستوياتها الاقتصادية المحتومة في مرحلة معينة، ويمكن قطع طريق نحو العدالة الاشتراكية، فقط من خلال السيطرة السياسية الفاعلة للكادحين، بدءًا بطليعتهم. إن إعادة إحياء حزب البلاشفة بموقع مضاد لحزب البونابرتيين هو المفتاح لكل الصعوبات والمهام الأخرى.
في الطريق نحو الهدف، يتعين علينا أن نوظف الإمكانات الفعلية التي تظهر في كل مرحلة. وأي أوهام حول الدستور الستاليني لن يكون لها موضع بالطبع. ولكن من غير المسموح به أيضًا أن ننحيه جانبًا بوصفه شيء تافه لا مغزى له.
تنهض البيروقراطية بمخاطرة الإصلاح ليس وفق رغبتها وإنما بحكم الضرورة. يحدثنا التاريخ عن عدة حالات لديكتاتورية بيروقراطية تلوذ من أجل خلاصها بإصلاحات "ليبرالية"، وتواصل إضعاف نفسها. بطرح البونابرتية عارية، يخلق الدستور الجديد غطاءًا شبه قانوني للصراع ضده. يمكن أن يكون التنافس بين العصب البيروقراطية هو الثغرة التي يمر منها الصراع السياسي الأعرض. يمكن للسوط ضد "مؤسسات الحكومة التي تعمل بشكل رديء" أن يتحول إلى سوط ضد البونابرتية. وكل شيء يعتمد على درجة نشاط العناصر المتقدمة في الطبقة العاملة.
يتعين على البلاشفة اللينينيين من ثم أن يتابعوا بانتباه انعطافات وتحولات الإصلاح الدستوري، ويضعوا في اعتبارهم باجتهاد تجربة الانتخابات الأولى المقبلة. يجب أن نتعلم كيف نوظف التنافس بين مختلف "المنظمات العامة" في صالح الاشتراكية. يجب أن نتعلم كيف ننخرط في معارك حول موضوع الاستفتاء كذلك. البيروقراطية خائفة من العمال، يجب أن نكثف عملنا وسطهم بجرأة أكثر وعلى نطاق أشد توسعًا. البونابرتية خائفة من الشباب، يجب أن نحشده حول راية ماركس ولينين. يجب أن نقود طليعة الجيل الشاب من مغامرات الإرهاب الفردي، وهو نهج هؤلاء الذين يأسوا، إلى الطريق الرحب للثورة العالمية. من الضروري تدريب كادر بلشفي جديد وهو الذي سيأتي بديلًا للنظام البيروقراطي المنحل.

(22)
حول مسودة دستور
اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية()
جوزيف ف. ستالين
(يحيي كل الحاضرين ظهور الرفيق ستالين على المنصة بهتافات عالية متصلة. يقف الجميع. تسمع هتافات من كل أنحاء القاعة: "مرحى للرفيق ستالين!"، "عاش الرفيق ستالين!"، "عاش ستالين العظيم!"، "مرحى للعبقري العظيم، الرفيق ستالين!"، "عاش"، "الجبهة الحمراء"، "مرحى للرفيق ستالين!")
1. تشكيل لجنة الدستور ومهامها
أيها الرفاق، تشكلت لجنة الدستور التي سلمت مسودتها للنظر فيها من قبل المؤتمر الحالي، كما تعرفون، بقرار خاص من المؤتمر السابع لسوفييتات اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. وقد تم تبنى القرار في 6 فبراير، 1935. وينص على:
"1. تعديل دستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية في اتجاه:
أ) مزيد من مقرطة النظام الانتخابي باستبدال حق الانتخاب غير المتساوي بحق الانتخاب المتساوي، والانتخابات غير المباشرة بالانتخابات المباشرة، والتصويت العلني بالتصويت السري،
ب) طرح تعريف أكثر دقة للأساس الاقتصادي والاجتماعي للدستور بجعل الدستور يتسق مع علاقات القوى الطبقية الراهنة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية حيث جرى (إنشاء صناعة اشتراكية جديدة، والقضاء على طبقة الكولاك، ونجاح نظام المزارع الجماعية، وتعزيز الملكية الاشتراكية بوصفها أساس المجتمع السوفييتي، وما إلى ذلك).
2. أن توجه اللجنة التنفيذية المركزية لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية أن تنتخب لجنة دستور التي سوف توجه إلى أن تصيغ نصًا معدلًا للدستور وفقا للمبادئ المشار إليها في المادة 1، وأن تسلمه للمصادقة عليه في دورة انعقاد اللجنة التنفيذية المركزية لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية.
3. أن تخاض الانتخابات العادية المقبلة لأجهزة الحكومة السوفييتية في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية وفق النظام الانتخابي الجديد."
كان هذا في 6 فبراير 1935. في اليوم التالي على تبنى هذا القرار، أي، 7 فبراير 1935 انعقدت الدورة الأولى لـ اللجنة التنفيذية المركزية لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، والتقت تنفيذا لقرار المؤتمر السابع للسوفييتات في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، وشكلت لجنة دستور تضم 31 شخصًا. وأعطت توجيهاتها للجنة الدستور بأن تجهز مسودة لدستور معدل في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. كانت هذه هي الأسس الشكلية والتعليمات التي صدرت عن الهيئة العليا في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. التي كان على عمل لجنة الدستور أن ينطلق منها.
وهكذا كان على لجنة الدستور أن تدخل تغييرات على الدستور النافذ الآن، الذي تبنيناه في 1924، واضعين في اعتبارنا التغييرات باتجاه الاشتراكية التي ظهرت في حياة اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية في الفترة من 1924حتى اليوم.

2. التغييرات الحاصلة في حياة اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية
في الفترة من 1924 حتى 1936
ما هي التغييرات الحاصلة في حياة اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية التي ظهرت في الفترة من 1924حتى 1936 والتي كان على لجنة الدستور أن تعكسها في مسودة الدستور؟
ما هو جوهر هذه التغييرات؟
ماذا كان الوضع في 1924؟
كانت هذه هي الفترة الأولى من السياسة الاقتصادية الجديدة، حينما سمحت الحكومة السوفييتية بدرجة معينة من إحياء الرأسمالية بينما تتخذ كل الإجراءات لتطوير الاشتراكية، حينما قدرت أن تؤمن، في سياق المنافسة بين النظامين الاقتصاديين – النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي - تفوق النظام الاشتراكي على النظام الرأسمالي. كانت المهمة هي تعزيز موقع الاشتراكية في سياق هذه المنافسة، لتحقيق القضاء على العناصر الرأسمالية ولاستكمال انتصار الاشتراكية بوصفها النظام الأساسي للاقتصاد القومي.
إن صناعتنا، خاصة الصناعة الثقيلة، قدمت صورة مزرية في هذا الوقت. ومن الحقيقي أنها قد استعيدت تدريجيًا، ولكنها لم ترفع مخرجاتها بعد لأي درجة تقارب مستوى ما قبل الحرب. لقد كانت مؤسسة على التقنية القديمة، المتخلفة، غير الكافية. وقد كانت تتطور باتجاه الاشتراكية. مثل القطاع الاشتراكي من صناعتنا في هذا الوقت حوالي 80 في المائة من إجماليها. ولكن ما يزال القطاع الرأسمالي يسيطر على مالا يقل عن 20 في المائة من الصناعة.
قدمت زراعتنا صورة أكثر بشاعة. من الحقيقي أن طبقة ملاك الأرض قد قضى عليها، ولكن من ناحية أخرى، الطبقة الرأسمالية الزراعية، طبقة الكولاك، ما زالت تمثل قوة معتبرة لحد بعيد. وإجمالًا، تشبه الزراعة في هذا الوقت محيطًا لا حد له من مزارع الفلاحين الصغار الأفراد ذات أدوات فنية قروسطية متخلفة. يوجد في هذا المحيط في شكل جزر ونقاط صغيرة معزولة، مزارع جماعية، ومزارع دولة، وهى إذا ما تحرينا الدقة، لم تكن بعد ذات دلالة معتبرة في اقتصادنا القومي. كانت المزارع الجماعية ومزارع الدولة ضعيفة، بينما كان الكولاك قويًا. لم نتحدث في هذا الوقت عن القضاء على الكولاك، وإنما على تقييدهم.
ونفس الشيء لابد من قوله عن تجارة البلاد.
مثل القطاع الاشتراكي في البلاد حوالي 50 إلى 60 بالمائة، لا أكثر، بينما احتل كل بقية المجال التجار، والمتاجرين الخاصين الآخرين. هكذا كانت الحياة الاقتصادية في بلادنا في 1924. ما هو الوضع الآن في 1936؟
كنا في هذا الوقت في المرحلة الأولى من السياسة الاقتصادية الجديدة، أي بدايات النيب، الفترة التي شهدت قدرًا معينًا من إحياء الرأسمالية، الآن، على أي حال، نحن في آخر مراحل النيب، نهاية النيب، فترة التصفية الكاملة للرأسمالية في كل مجالات الاقتصاد القومي.
خذوا الحقيقة التي يتعين أن نبدأ بها، خلال هذه الفترة نمت صناعتنا وباتت قوة عملاقة.
الآن لا يمكن أن نصفها بأنها ضعيفة أو سيئة التجهيز. على النقيض، إنها مؤسسة الآن على أدوات فنية جديدة، غنية، حديثة، مع صناعة ثقيلة متطورة قوية، وحتى صناعة بناء آلات أكثر تطورًا. ولكن أكثر الأشياء أهمية هو أن الرأسمالية قد اختفت كلية من مجال صناعتنا، بينما يتحكم شكل الإنتاج الاشتراكي وحده في مجال صناعتنا. الواقع أن حجم مخرجات صناعتنا الاشتراكية الراهن يتجاوز صناعة ما قبل الحرب بسبعة أضعاف الأمر الذي لا يمكن أن نعتبره تفصيلًا لا شأن له.
في مجال الزراعة، بدلا من محيط المزارع الفلاحية الصغيرة الفردية، بأدواتها البائسة فنيًا، مع نفوذ الكولاك القوي، لدينا الآن ميكنة الإنتاج، وقمنا على نطاق أكبر مما في أي مكان آخر في العالم بالعمل بأدوات فنية حديثة، في شكل نظام شامل من المزارع الجماعية ومزارع الدولة. كل واحد يعلم أن طبقة الكولاك في الزراعة قد قضى عليها، بينما قطاع المزارع الفلاحية الصغيرة الفردية، بأدواتها الفنية القروسطية المتخلفة، تشغل الآن مكانًا ضئيلًا، وحصتها في الزراعة فيما يخص مجال المحاصيل لا يبلغ أكثر من اثنين أو ثلاثة بالمائة. لا ينبغي أن نتغاضى عن حقيقة أن المزارع الجماعية الآن رهن تصرفها 316000 تراكتور بطاقة إجمالية قدرها 5700000 حصان، ومع مزارع الدولة الجماعية، زيادة على 400000 تراكتور بطاقة إجمالية 7580000 حصان.
أما بالنسبة لتجارة البلاد، فإن التجار والمضاربين قد قضي عليهم تمامًا في هذا المجال. التجارة كلها الآن في يد الدولة، الجمعيات التعاونية، والمزارع الجماعية.
تجارة سوفييتية جديدة – تجارة بلا مضاربين، تجارة بدون رأسماليين – قد قامت وتطورت.
وهكذا بات الانتصار الكامل للنظام الاشتراكي في كل مجالات الاقتصاد القومي حقيقة. وماذا يعنى هذا؟
هذا يعني أن استغلال الإنسان للإنسان قد قضى عليه، وأزيل بينما الملكية الاشتراكية لتطبيقات وأدوات الإنتاج قد تأسست بوصفها أساسًا لا يمكن زعزعته للمجتمع السوفييتي. (تصفيق متواصل)
ونتيجة لكل هذه التغيرات في مجال الاقتصاد القومي في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية لدينا الآن اقتصاد اشتراكي جديد، لا يعرف الأزمات ولا البطالة، ولا يعرف الفقر ولا الخراب، الذي يقدم لمواطنينا كل فرصة لأن يحيوا حياة مزدهرة ومثقفة.
هذه هي بصفة أساسية، التغيرات التي جرت في مجال اقتصادنا خلال الفترة من 1924 إلى 1936.
واتساقًا مع هذه التغيرات في الحياة الاقتصادية في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، تغيرت أيضًا البنية الطبقية لمجتمعنا.
لقد أزيلت، كما تعرفون، طبقة ملاك الأرض نتيجة للنهاية المنتصرة للحرب الأهلية. أما بالنسبة للطبقات الاستغلالية الأخرى، فقد شاركت مصير طبقة ملاك الأرض. كما كفت الطبقة الرأسمالية في الصناعة عن الوجود. وكفت طبقة الكولاك في مجال الزراعة عن الوجود. وكف التجار والمضاربون في مجال التجارة عن الوجود. وهكذا قضى على كل الطبقات المستغلة.
وتبقى هناك الطبقة العاملة.
وتبقى هناك طبقة الفلاحين.
وتبقى هناك الإنتلجينسيا.
ولكن سوف يكون من الخطأ أن نفكر أن هذه الجماعات الاجتماعية لم تتعرض لتغيرات خلال هذه الفترة، وكأنها بقيت على حالها كما كانت، فلنقل، في فترة الرأسمالية.
خذ على سبيل المثال، الطبقة العاملة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. بقوة العادة، نسميها غالبًا البروليتاريا. ولكن ما هي البروليتاريا؟ البروليتاريا هي طبقة محرومة من أدوات ووسائل الإنتاج، في ظل نظام اقتصادي تكون فيه أدوات ووسائل الإنتاج ملكًا للرأسماليين حيث يستغل الرأسماليون البروليتاريا. البروليتاريا هي طبقة يستغلها الرأسماليون. ولكن في بلادنا، كما تعلمون، قد قضي على الطبقة الرأسمالية بالفعل وصودرت أدوات ووسائل الإنتاج من الرأسماليين ونقلت إلى الدولة، التي تمثل الطبقة العاملة قوتها القائدة. ونتيجة لذلك، فإن طبقتنا العاملة، بعيدة عن أن تكون محرومة من أدوات ووسائل الإنتاج، وعلى النقيض فهي تملكها بشكل مشترك مع كل الشعب. وحيث أنها تملكها، وقد قضي على الطبقة الرأسمالية، فقد استبعد أي إمكان لاستغلالها. حيث أن هذا هو الحال، هل يمكن أن تسمى طبقتنا العاملة بروليتاريا؟ من الواضح، أنه من غير الممكن. قال ماركس أنه إذا كان على البروليتاريا أن تحرر نفسها، فعليها أن تسحق الطبقة الرأسمالية، وأن تنتزع أدوات ووسائل الإنتاج من يد الرأسماليين، وأن تزيل شروط الإنتاج التي تخلق البروليتاريا. ألا يمكن القول بأن الطبقة العاملة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية قد حققت هذه الشروط من أجل تحررها؟
بلا جدال يمكن ولابد أن يقال هذا. ولكن ماذا يعنى هذا؟ يعنى هذا أن بروليتاريا اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية قد تحولت كلية إلى طبقة جديدة، إلى الطبقة العاملة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية التي قضت على النظام الاقتصادي الرأسمالي، التي أسست الملكية الاشتراكية لأدوات ووسائل الإنتاج وتقود المجتمع السوفييتي على طريق الشيوعية.
وكما ترون، فإن الطبقة العاملة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية هي طبقة عاملة جديدة كلية، طبقة عاملة تحررت من الاستغلال، لم يعرف التاريخ مثلها من قبل.
دعونا نتوجه لمسألة الفلاحين.
من المعتاد أن يقال أن الفلاحين طبقة من صغار المنتجين، وأعضاؤها متذررون، منتشرون على وجه الأرض يكدحون في عزلة في مزارعهم الصغيرة بأدواتهم الفنية المتخلفة، وأنهم عبيد الملكية الخاصة ومستغلون من ملاك الأرض دون عواقب، ومن الكولاك، والتجار، والمضاربون، والمرابون، ومن ماثلهم.
وبالفعل، ففي البلدان الرأسمالية فإن الطبقة الفلاحية، إذا تناولناها في عمومها، هي طبقة كذلك بالفعل.
هل يمكن أن يقال أن طبقتنا الفلاحية اليوم، الفلاحين السوفييت، مأخوذون في جملتهم يشبهون تلك الطبقة الفلاحية؟ لا، لا يمكن أن يقال ذلك. لم تعد هناك في بلادنا طبقة بهذا الشكل. طبقتنا الفلاحية السوفييتية هي طبقة فلاحية جديدة كليًا. لم يعد هناك في بلادنا ملاك أرض أو كولاك، تجار ومرابون ممن يمكن أن يستغلوا الفلاحين.
وعلى ذلك، فإن طبقتنا الفلاحية هي طبقة تحررت من الاستغلال. أضف إلى ذلك، فطبقتنا الفلاحية السوفييتية، بأغلبيتها الساحقة، هي طبقة فلاحية ذات مزارع جماعية، أي، أنها تؤسس عملها وثروتها ليس على العمل الفردي وعلى الأدوات الفنية المتخلفة، وإنما على العمل الجماعي وعلى أدوات حديثة. وأخيرًا، فاقتصاد فلاحينا مؤسس، ليس على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وإنما على الملكية الجماعية، التي نمت على أساس العمل الجماعي.
كما ترون، فإن الطبقة الفلاحية هي طبقة فلاحية جديدة كليًا. لم يعرف تاريخ البشرية لها مثيلًا.
وأخيرًا، دعونا نتوجه لمسألة الإنتلجينسيا، لمسألة المهندسين والفنيين، للعاملين على الجبهة الثقافية، للموظفين بصفة عامة، وما إلى ذلك. تعرضت الإنتلجينسيا أيضًا لتغيرات كبرى خلال هذه الفترة فلم تعد الإنتلجينسيا القديمة المحافظة التي حاولت أن تضع نفسها فوق الطبقات، والتي كانت بالفعل، في قسمها الغالب، قد خدمت كبار الملاك والرأسماليين. إن الإنتلجينسيا السوفييتية هي إنتلجينسيا جديدة كليًا. مرتبطة في أعمق جذورها بالطبقة العاملة وبالفلاحين. في المحل الأول فقد تغير تركيب الإنتلجينسيا حيث لا يشكل الناس الآتون من الأرستقراطية والبورجوازية إلا نسبة ضئيلة من الإنتلجينسيا السوفييتية ، من 80 إلى 90 في المائة من الإنتلجينسيا هم أناس أتوا من الطبقة العاملة، ومن الفلاحين، أو من فئات أخرى من السكان الكادحين. وأخيرًا، فإن أنشطة الإنتلجينسيا ذاتها قد تغيرت. كان عليها قبلًا أن تخدم الطبقات الثرية، فلم يكن لديها بديل. اليوم لابد وان تخدم الشعب، لأنه لم يعد هناك أي طبقات مستغلة. ولهذا السبب تحديدًا فهي عضو متساوٍ في المجتمع السوفييتي، الذي تقف فيه جنبًا إلى جنب مع العمال والفلاحين، متعاونة معهم، ومنخرطة في بناء مجتمع اشتراكي لا طبقي جديد.
كما ترون، فإن هذه إنتلجينسيا عاملة جديدة كليًا، لن تجدوا لها مثيلًا في أي بلد آخر من بلدان الأرض.
هذه هي التغيرات التي جرت خلال هذه الفترة بصدد البنية الطبقية للمجتمع السوفييتي. علام تدل هذه التغيرات؟
أولًا، تدل على أن الخطوط الفاصلة بين الطبقة العاملة والفلاحين والإنتلجينسيا قد محيت، وأن الحصرية الطبقية القديمة تختفي. وهذا يعنى أن المسافة بين الجماعات الاجتماعية تتلاشى بثبات.
ثانيًا، وهي تدل على أن التناقضات الاقتصادية بين الجماعات الاجتماعية تنحل وتنمحي.
وأخيرًا تعني أن التناقضات السياسية بينها هي أيضًا تنحل وتنمحي.
هذا هو الوضع بشأن التغيرات في البنية الطبقية لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية.
إن صورة التغيرات في الحياة الاجتماعية في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية لن تكتمل إذا لم نقل بضع كلمات عن التغيرات في مجال آخر أيضًا. ما يحضرني هو مجال العلاقات القومية في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. كما تعلمون، هناك حوالي داخل الاتحاد السوفييتي ستين أمة، ومجموعة قومية، وقومية. الدولة السوفييتية دولة متعددة القوميات. ومن الجلي، فإن مسألة العلاقات بين شعوب اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية لا يمكن إلا أن تكون ذات أهمية أولى بالنسبة لنا. تشكل اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية كما تعلمون في 1922، في المؤتمر الأول لسوفييتات اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. وقد تشكل على أساس المساواة والانتساب الطوعي لشعوب اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. الدستور القائم الآن، جرى تبنيه عام 1924، وقد كان أول دستور لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. لقد كانت هذه هي الفترة التي لم تكن فيها العلاقات بين الشعوب قد استقرت بشكل سليم، حينما كانت بقايا عدم الثقة نحو الروس الكبار قائمة ولم تختفِ بعد، وحينما كانت القوى الطاردة مازالت فعالة. كان من الضروري في ظل هذه الظروف أن نقيم تعاونًا أخويًا بين الشعوب على أساس المساعدة المتبادلة اقتصاديًا، وسياسيًا، وعسكريًا موحدين إياهم في دولة فيدرالية موحدة متعددة القوميات. ولم يكن بمقدور الحكومة السوفييتية ألا تدرك صعوبة هذه المهمة.
لقد كان أمامها التجارب غير الناجحة للدول متعددة القومية في البلدان البورجوازية. لقد كان أمامها تجربة النمسا – المجر القديمة، التي انتهت إلى الإخفاق. مع ذلك، فقد قررت أن تقوم بتجربة إنشاء دولة متعددة القومية، لأنها عرفت أن دولة متعددة القومية قامت على أساس الاشتراكية لابد وأن تصمد أمام كل وأي اختبار.
لقد مضى أربعة عشر عامًا منذ هذا الوقت. وهي فترة طويلة بما يكفي لاختبار التجربة؟ لقد أظهرت هذه الفترة بما لا يدع مجالًا للشك أن تجربة تكوين دولة متعددة القومية قائمة على الاشتراكية كانت ناجحة تمامًا. هذا هو الانتصار الموثوق فيه للسياسة القومية اللينينية. (تصفيق متصل)
كيف يمكن أن نفسر هذا الانتصار؟
إن غياب الطبقات المستغلة، وهي المنظمة الرئيسية للمعاناة بين الأمم، غياب الاستغلال، الذي يزرع عدم الثقة المتبادلة ويشعل الانفعالات القومية، حقيقة أن السلطة في يد الطبقة العاملة وهي خصم كل استعباد والحامل الحقيقي لأفكار الأممية، الممارسة الفعلية للعون المتبادل بين الشعوب في كل المجالات الاقتصادية والحياة الاجتماعية، وأخيرًا، الثقافة القومية المزدهرة لشعوب اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، الثقافة القومية في الشكل والاشتراكية في المضمون؛ كل هذه والعوامل المشابهة قد أحدثت تغييرًا راديكاليًا في مظاهر شعوب اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، واختفى شعورهم بانعدام الثقة المتبادلة، وتطور بينهم شعور بالثقة المتبادلة، وهكذا تأسس تعاون أخوي حقيقي بين الشعوب ضمن نظام دولة اتحادية مفردة.
نتيجة لذلك، لدينا الآن دولة اشتراكية كاملة التكوين وقد تشكلت، وصمدت لكل الاختبارات، والتي يمكن لأي دولة قومية في أي جزء من العالم أن تحسدها على استقرارها. (تصفيق حاد)
هذه هي التغيرات التي جرت خلال هذه الفترة في مجال العلاقات القومية في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية.
هذا هو إجمالي التغيرات التي جرت في مجال الحياة الاقتصادية والسياسية – الاجتماعية لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية من 1924 حتى 1936.
3. الخصائص الرئيسية النوعية لمسودة الدستور
كيف انعكست كل هذه التغيرات في حياة اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية في مسودة الدستور الجديد؟
بمعنى آخر: ما هي الخصائص الرئيسية النوعية لمسودة الدستور التي سلمت للنظر فيها من المؤتمر الحالي؟
لقد كلفت اللجنة بأن تعدل دستور 1924. وقد أثمر عمل لجنة الدستور نصًا جديدًا للدستور، مسودة دستور جديد لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. انطلقت لجنة الدستور عند كتابة الدستور الجديد، من افتراض أنه لا ينبغي الخلط بين الدستور والبرنامج. هذا يعني أن هناك اختلافًا جوهريًا بين البرنامج والدستور. فبينما يتحدث البرنامج عن ذلك الذي لم يوجد بعد، عن ذلك الذي ينبغي أن يتحقق ويكتسب في المستقبل، فإن الدستور على النقيض، لابد وأن يتحدث عن ما هو قائم بالفعل، عن ذلك الذي تحقق وجرى كسبه الآن، في الوقت الحاضر. فالبرنامج يتعامل بصفة أساسية مع المستقبل، أما الدستور فمع الحاضر.
مثالان نضربهما على سبيل البيان.
لقد نجح مجتمعنا السوفييتي، بصفة أساسية، في تحقيق الاشتراكية، لقد خلق نظامًا اشتراكيًا، أي لقد حقق ما اسماه الماركسيون بكلمات أخرى المرحلة الأولى أو الدنيا من المجتمع الشيوعي. وعليه، فقد حققنا، بصفة أساسية، بالفعل المرحلة الأولى من الشيوعية؛ الاشتراكية. (تصفيق متواصل)
المبدأ الأساسي في هذه المرحلة من الشيوعية هي، كما تعلمون، صيغة: "من كل حسب طاقته، ولكل حسب عمله" هل ينبغي أن يعكس دستورنا هذه الحقيقة، حقيقة أن الاشتراكية قد تحققت؟ هل ينبغي أن يستند على هذا الانجاز؟ بلا جدال لابد من ذلك. لابد من ذلك لأن الاشتراكية في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية هي شيء قد تحقق وكسبناه بالفعل.
ولكن المجتمع السوفييتي لم يصل بعد المرحلة الأعلى من الشيوعية، حيث يكون المبدأ الحاكم صيغة: "من كل حسب طاقته، ولكل حسب حاجته" رغم أنه يضع نصب عينيه هدف تحقيق المرحلة الأعلى من الشيوعية في المستقبل. هل يمكن لدستورنا أن يتأسس على المرحلة العليا للشيوعية، التي لم توجد بعد والتي مازال عليها أن تتحقق؟
لا. لا يمكن، لأنه بالنسبة لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية لم تتحقق بعد المرحلة الأعلى من الشيوعية والتي سوف تتحقق في المستقبل. لا يمكن، إذا لم يكن عليه أن يتحول إلى برنامج أو إعلان عن انجازات المستقبل.
هذه هي حدود دستورنا في اللحظة التاريخية الراهنة.
وهكذا فإن مسودة دستورنا الجديد هي موجز للطريق الذي عبرناه، موجز للمكتسبات التي حققناها بالفعل. بمعنى آخر، إنها تسجيل وتجسيد تشريعي لما تحقق بالفعل وكسبناه كحقيقة واقعية. (تصفيق حاد)
هذا هو الملمح الأول النوعي لمسودة الدستور الجديد لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية.
أضف إلى ذلك، تنطلق دساتير البلدان البورجوازية عادة من الاعتقاد بأن النظام الرأسمالي نظام غير قابل للتغيير. وينطوي العماد الأساسي لهذه الدساتير على مبادئ الرأسمالية، على أعمدتها الرئيسية: ملكية الأرض، الغابات، المصانع، الأشغال، وأدوات ووسائل الإنتاج الأخرى، استغلال الإنسان للإنسان ووجود المستغِلين والمستغَلين، عدم الأمان للأغلبية الكادحة في قطب في المجتمع، والترف لغير الكادحين وهم الأقلية الآمنة في قطب آخر. وهي تستقر على هذه ومعها الأعمدة المشابهة للرأسمالية. إنها تعكسها، وهي تجسدها في القانون.
وبخلاف هذه، فإن مسودة الدستور الجديد لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية ينطلق من حقيقة أن النظام الرأسمالي قد صفي، وأن النظام الاشتراكي قد انتصر في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. العماد الأساسي لمسودة الدستور الجديد لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية هو مبادئ الاشتراكية، التي تمثل أعمدتها أشياء أنجزت وتحققت بالفعل: الملكية الاشتراكية للأرض، والغابات، والمصانع، وأدوات ووسائل الإنتاج الأخرى، القضاء على الاستغلال والطبقات المستغلة، القضاء على الفقر بالنسبة للأغلبية والترف بالنسبة للأقلية، القضاء على البطالة، العمل كالتزام وواجب مشرف على كل مواطن قادر بدنيًا، وفقًا لصيغة: "من لا يعمل، لا يأكل"، الحق في العمل، أ] ، حق كل مواطن في أن يحصل على توظيف مضمون، الحق في الراحة ووقت الفراغ، الحق في التعليم الخ الخ. تستند مسودة الدستور الجديد على هذه القواعد وما ماثلها من أعمدة الاشتراكية. وهو يعكسها، ويجسدها في القانون.
هذا هو الملمح النوعي الثاني لمسودة الدستور الجديد.
أضف إلى ذلك. تنطلق الدساتير البورجوازية ضمنيُا من الفرضية القائلة بأن المجتمع يحتوى على طبقات متعادية، على طبقات تملك الثروة وطبقات لا تملك ثروة، وأنه ليس مهمًا من يصل إلى السلطة، فإن قيادة المجتمع بواسطة الدولة (الديكتاتورية) لابد وأن تكون في أيدي البورجوازية، وأن هناك حاجة للدستور لتعزيز نظام اجتماعي مرغوب فيه من قبل الطبقات المالكة، ومفيد لها.
وبخلاف الدساتير البورجوازية، فان مسودة الدستور الجديد لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية ينطلق من حقيقة أنه لم تعد هناك أي طبقات متعادية في المجتمع، وان هذا المجتمع يضم طبقتين صديقتين، من العمال والفلاحين. وأن هذه الطبقات، الطبقات العاملة هي الموجودة في السلطة، وأن قيادة المجتمع بواسطة الدولة (الديكتاتورية) هي في يد الطبقة العاملة، أكثر الطبقات تقدمًا في المجتمع، وأن هناك حاجة للدستور بغرض تعزيز نظام اجتماعي مرغوب فيه من قبل الشعب العامل ومفيد له.
هذا هو الملمح النوعي الثالث لمسودة الدستور الجديد.
أضف إلى ذلك. تنطلق الدساتير البورجوازية ضمنيًا من فرضية أن الأمم والأعراق لا يمكن أن تحوز حقوقًا متساوية، وأن هناك أممًا ذات حقوق كاملة وأمم ذات حقوق غير كاملة، إضافة إلى ذلك، توجد فئة ثالثة من الأمم والأعراق، المستعمرات على سبيل المثال، لها حتى حقوق أقل من الأمم ذات الحق غير الكامل. وهذا يعني، أن كل هذه الدساتير في أساسها قومية، أي، دساتير الأمم الحاكمة.
بخلاف هذه الدساتير، فإن مسودة دستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، هو على النقيض، أممي بعمق فهو ينطلق من فرضية أن لكل الأمم والأعراق حقوقًا متساوية. وهو ينطلق من حقيقة أنه لا الاختلاف في اللون أو اللغة، أو المستوى الثقافي، أو مستوى التطور السياسي، أو أي اختلاف آخر بين الأمم والأعراق يمكن أن ينهض سندًا لتبرير عدم المساواة في الحقوق القومية. إنه ينطلق من فرضية أن كل الأمم والأعراق بغض النظر عن وضعها الماضي والحالي، بغض النظر عن قوتها أو ضعفها، لابد أن تتمتع بحقوق متساوية في كل مجالات حياة المجتمع الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والثقافية.
هذا هو الملمح النوعي الرابع لمسودة الدستور الجديد.
والملمح النوعي الخامس لمسودة الدستور الجديد هو تماسكه واتساقه في نزوعه الديموقراطي. من وجهة النظر الديموقراطية، يمكن تقسيم الدساتير البورجوازية إلى مجموعتين: مجموعة من الدساتير تنكر بصراحة أو تنعدم فيها فعليًا حقوق المساواة بين المواطنين أو حرياتهم الديموقراطية. المجموعة الأخرى من الدساتير تقبل عن طيب خاطر، بل وحتى تروج للمبادئ الديموقراطية، لكنها في نفس الوقت تبدى تحفظات وتضع قيودًا تبتر هذه الحقوق والحريات الديموقراطية.
وهم يتحدثون عن حق الانتخاب العام لكل المواطنين، ولكن في ذات الوقت يحدونه بموطن الإقامة، والمؤهلات التعليمية وأحيانًا حتى بنصاب للملكية. إنهم يتحدثون عن الحقوق المتساوية للمواطنين، ولكنهم يتحفظون بأن هذا لا ينطبق على النساء، أو ينطبق عليهن جزئيًا. وهكذا وما إلى ذلك.
ما يميز مسودة الدستور الجديد لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية هو أنه يخلو من مثل هذه التحفظات والقيود. حيث أنه لا يوجد فيه تقسيم للمواطنين إلى فعالين وسلبيين، ففيه، كل المواطنين فعالين. فهو لا يعترف بأي تمييز في الحقوق بين الرجال والنساء "مقيمين" أو "غير مقيمين"، من ذوى الأملاك أو ممن لا ملكية لهم، متعلمون أم غير متعلمين.
بالنسبة له، كل المواطنين لهم حقوق متساوية. ليس وضع الملكية، ولا الأصل القومي، ولا الجنس، ولا المنصب، إنما القدرة الشخصية والعمل الشخصي، هو ما يحدد وضع كل مواطن في المجتمع.
وأخيرًا، ما تزال هناك خاصية نوعية أخرى لمسودة الدستور الجديد. تقتصر الدساتير البورجوازية عادة على بيان الحقوق الشكلية للمواطنين، دون أن تعنى بشروط ممارسة هذه الحقوق، حول فرصة ممارستها، حول الوسائل التي يمكن أن تمارس بها. إنهم يتحدثون عن حقوق المواطنين، ولكنهم ينسون أنه لا يمكن أن تكون هناك مساواة بين صاحب العمل والشغيل، بين مالك الأرض والفلاح، إذا كان الأول يملك الثروة والثقل السياسي في المجتمع بينما الأخير محروم من كليهما؛ إذا كان الأولون مستغِلين، والأخيرين مستغَلين. أو أيضًا: هم يتحدثون عن حرية الكلام، والاجتماع، والصحافة، وينسون أن كل هذه الحريات قد تكون جميعًا صوتًا فارغًا بالنسبة للطبقة العاملة، إذا لم يكن للأخيرة من سبيل إلى الأماكن المناسبة للاجتماعات، محلات الطباعة الجيدة، مع وجود كميات كافية من ورق الطباعة.
ما يميز مسودة الدستور الجديد أنه لا يقصر نفسه على بيان حقوق المواطنين الشكلية، وإنما يشدد على ضمان هذه الحقوق، والوسائل التي يمكن بها لهذه الحقوق أن تمارس. فهو لا يعلن حقوق المواطنين فحسب، وإنما يضمنها بمنحها تجسيدًا قانونيًا بحقيقة أن نظام الاستغلال قد قضى عليه، لحقيقة أن المواطنين قد تحرروا من كل استغلال. وهو لا يعلن الحق في العمل فحسب، بل يضمنه بمنحه تجسيدًا قانونيًا لحقيقة أنه ليست هناك أزمة في المجتمع السوفييتي، وأن البطالة قد قضي عليها. وهو لا يعلن فحسب الحريات الديموقراطية وإنما يضمنها قانونيًا بتجسيدها بتقديم موارد مادية محددة. وواضح، من ثم، أن النزعة الديموقراطية في مسودة الدستور الجديد ليست هي النزعة الديموقراطية "العادية" و"المعترف بها عالميًا" بشكل مجرد، وإنما هي الديموقراطية الاشتراكية.
هذه هي الملامح النوعية المبدئية للدستور الجديد في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية.
هذه هي الطريقة التي يعكس بها الدستور الجديد التقدم والتغيرات التي حدثت في الحياة الاقتصادية والسياسية - الاجتماعية لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية في الفترة من 1924 إلى 1936.
4. النقد البورجوازي للدستور الجديد
بضع كلمات حول النقد البورجوازي لمسودة الدستور الجديد.
إن مسألة موقف الصحافة البورجوازية الأجنبية من مسودة الدستور له بلا شك بعض الأهمية. بقدر ما تعكس الصحافة الأجنبية الرأي العام لأقسام متنوعة من سكان البلدان البورجوازية، لا نستطيع أن نتجاهل نقدها لمسودة الدستور.
أول رد فعل للصحافة الأجنبية على الدستور قد جرى التعبير عنه باتجاه محدد؛ وهو التكتم علي مسودة الدستور، وأنا أشير هنا لموقف الصحافة الأشد رجعية، الصحافة الفاشية. ظنت هذه المجموعة من النقاد أنه من الأفضل التكتم على مسودة الدستور وأن تتظاهر بأنه ليس هناك مسودة كهذه، ولم تكن هناك أبدا. قد يقال أن الصمت ليس نقدًا.
ولكن هذا ليس حقيقيًا. إن منهج التزام الصمت، كمنهج خاص في تجاهل الأشياء، هو أيضًا شكل من النقد؛ وهى صيغة غبية مثيرة للسخرية، هذا حقيقي، ولكنها شكل من النقد، لكل هذا. (ضحك وتصفيق). ولكن صمتهم لم يكن ذو فائدة. ففي النهاية كانوا مضطرين لفتح الصمام وأن يخطروا العالم أنه، وإن كان الأمر محزنًا، بأن هناك مسودة دستور لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية بالفعل، وليس فقط أنها موجودة وإنما هي تبدأ في أن تمارس تأثيرًا خبيثًا على عقول الناس. ولم يكن من الممكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك، لأنه، قبل أي شيء، هناك شيء يدعى الرأي العام في العالم، وهناك الجمهور القارئ، الناس الأحياء، الذين يريدون أن يعرفوا الحقائق وأن الاحتفاظ بهم في شباك الخداع لفترة طويلة هو أمر غير ممكن. فالخداع لا يحمل أحدًا بعيدًا ...
المجموعة الثانية من النقاد تعترف بأن هناك بالفعل شيء يدعى مسودة الدستور، لكنه يعتبر أن هذه المسودة ليست بذات أهمية كثيرة، لأنها ليست بالفعل مسودة دستور وإنما قصاصة من ورق، وعدًا فارغًا، مع فكرة أنها ليست إلا انجازًا لمناورة معينة لخداع الشعب.
وقد أضافوا أن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية لا يمكن أن يصدر مسودة أفضل، لأن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية هو نفسه ليس دولة، ولكنه مجرد مفهوم جغرافي (ضحك عام)، ومادام ليس دولة، فإن دستوره لا يمكن أن يكون دستورًا حقيقيًا. ويمثل نموذجيًا هذه المجموعة من النقاد، وهي تبدو غريبة، المجلة الألمانية شبه الرسمية: "المراسل الألماني الدبلوماسي - السياسي" هذه المجلة تعلن بوضوح أن مسودة دستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية هي وعد فارغ، خداع وتدليس، "قرية بوتمكين". وهى تعلن بدون تردد أن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية "ليس شيئًا أكثر أو اقل من مفهوم جغرافي محدد بدقة" (ضحك عام)، وبالنظر إلى هذا، فإن دستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية لا يمكن أن يعتبر دستورًا حقيقيًا.
ماذا يمكن أن نقول عن هؤلاء الذين يسمون بالنقاد؟
يصور الكاتب الروسي العظيم شيدرين في واحدة من حكاياته، موظفًا رسميًا برأس خنزير، ضيق الأفق جدًا وبليد الذهن، ولكنه واثق بذاته ومتحمس إلى أقصى حد. بعد أن أرسى هذا البيروقراطي "النظام والهدوء" في الإقليم "تحت سلطته" وبعد أن قضى على الآلاف من سكانه وأحرق ما لا حصر له من مدن في سياق هذه العملية، نظر حوله، وفي الأفق لمح أمريكا؛ بلد معروف قليلًا، حيث، يظهر أن هناك حريات من نوع أو آخر تخدم في تحريض الناس، وحيث تدار الدولة بطريقة مختلفة. لمح البيروقراطي أمريكا وأصبح ساخطًا: أي بلد هذا، كيف وصل إلى هناك، وبأي حق يوجد؟ (ضحك وتصفيق) وبالطبع، كانت قد اكتشفت مصادفة منذ بضعة قرون ولكن ألا يمكن أن تغلقها مرة أخرى حتى لا يبقى منها شبح؟ (ضحك عام) عندئذ كتب أمرًا: "أغلقوا أمريكا مرة أخرى!". (ضحك عام)
يبدو لي أن السادة من "المراسل الألماني الدبلوماسي – السياسي" وبيروقراطي شيدرين يشبها أن يكونا حبتي بازلاء. ( ضحك وتصفيق ) لقد كان اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية دائمًا قذى في عين هؤلاء السادة. وقف اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية لمدة تسعة عشرة عامًا كمنارة تنشر روح التحرر داخل الطبقة العاملة في كل أنحاء العالم مثيرًا غضب أعداء الطبقة العاملة. وقد تبين أن هذا الاتحاد للجمهوريات الاشتراكية السوفييتية لا يوجد فقط، وإنما ينمو أيضًا، ولا ينمو فقط، بل إنه حتى يزدهر، وهو لا يزدهر فقط بل يؤلف مسودة دستور جديد، مسودة تثير العقول وتلهم الطبقات المضطهدة بأمل جديد. (تصفيق)
كيف يمكن للسادة في هذه المجلة الألمانية شبه الرسمية أن يكونوا إلا ساخطين بعد هذا؟ أي نوع من البلدان هذا؟ ويعوون، بأي حق يوجد؟ (ضحك عام) وإذا كان قد اكتشف في أكتوبر 1917، لم لا يمكن أن نغلقه مرة أخرى حتى لا يتبقى منه شبح؟
وعلى ذلك فقد قرروا: اغلقوا اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية مرة أخرى، اعلنوا على الملأ أن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية ليس شيئًا سوى مفهوم جغرافي. (ضحك عام)
عند كتابة أمره بإغلاق أمريكا مرة أخرى، فإن بيروقراطي شيدرين بالرغم من كل بلادته الذهنية أظهر بعض الواقعية بأن أضاف لنفسه: "على أية حال، يبدو أن ذلك ليس في نطاق سلطاتي". (انفجارات من الضحك والتصفيق) لا أعرف ما إذا كان السادة في المجلة الألمانية شبه الرسمية قد وهبوا ذكاءً كافيًا ليشكوا في أنه – بينما يمكنهم بالطبع أن "يغلقوا" هذا القطر أو ذاك على الورق – ونحن نتحدث بجدية على أية حال، أن "ليس هذا مما يدخل في نطاق سلطتهم ..." (انفجارات من الضحك وتصفيق)
اما بالنسبة لوصف دستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية بأنه وعد فارغ ، "قرية بوتمكين" الخ، فإنني أود أن أشير إلى عدد من الحقائق الراسخة التي تتحدث عن نفسها.
أطاحت شعوب اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية في عام 1917 بالبورجوازية وأسست دكتاتورية البروليتاريا، أسست حكومة سوفييتية. هذه حقيقة، وليست وعدًا.
أضف إلى ذلك، قضت الحكومة السوفييتية على طبقة ملاك الأرض ونقلت للفلاحين ما ينوف على 150000000 هكتار من ملاك الأرض السابقين، والحكومة، وأراضي الأديرة، زيادة على وفوق ما كان من أراضى في حيازة الفلاحين بالفعل. وهذه حقيقة وليست وعدًا.
أضف إلى ذلك، أن الحكومة السوفييتية صادرت الطبقة الرأسمالية، وانتزعت البنوك، والمصانع، والسكك الحديدية وأدوات ووسائل الإنتاج الأخرى، وأعلنت هذه ملكية اشتراكية، ووضعت على رأس هذه المشاريع أفضل أعضاء الطبقة العاملة. هذه حقيقة، وليست وعدًا. (تصفيق متواصل)
أضف إلى ذلك، بعد أن نظمت الصناعة والزراعة وفق خط اشتراكي جديد، مع قاعدة تقنية جديدة، أحرزت الحكومة السوفييتية اليوم مركزًا تنتج فيه الزراعة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية مرة ونصف أكثر مما كانت تنتجه في فترة ما قبل الحرب، وحيث تضاعف الدخل القومي أربع أضعاف مقارنة بفترة ما قبل الحرب. كل هذه حقائق وليست وعودًا. (تصفيق متواصل)
كما أن الحكومة السوفييتية قد قضت على البطالة، وقررت الحق في العمل، الحق في الراحة ووقت الفراغ، الحق في التعليم، قدمت أوضاعًا مادية وثقافية أفضل للعمال، والفلاحين والإنتلجينسيا، وقد أمنت إدخال حق الانتخاب العام، المباشر والمتساوي مع التصويت السري لمواطنيها.
كل هذه حقائق وليست وعودًا. (تصفيق متواصل)
وأخيرًا، خرج اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية بمسودة دستور جديد والذي ليس وعدًا وإنما تسجيل وتجسيد تشريعي لهذه الحقائق المعروفة عامة، تسجيل وتجسيد تشريعي لما تحقق بالفعل وكسبناه.
قد يسأل أحدهم: بالنظر إلى كل هذا، إلى أي شيء يمكن أن يرقى كل حديث هؤلاء السادة من المجلة الألمانية شبه الرسمية عن "قرى بوتمكين" سوى أن يكون محاولة من جانبهم لأن يخفوا عن الشعب الحقائق بشأن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، أن يضللوا الشعب، أن يخدعوه.
هذه هي الحقائق. والحقائق، كما يقال، أشياء عنيدة. قد يقول السادة من المجلة الألمانية شبه الرسمية: لعمري إنها أسوأ حقائق. (ضحك) ولكن حينئذ، يمكن لنا أن نجيبهم بكلمات المثل الروسي المشهور: "لم تصنع القوانين من أجل الحمقى". (ضحك وتصفيق متواصل)
أما المجموعة الثالثة من النقاد فلا تنفر من الاعتراف ببعض القيمة في الدستور الجديد، وهم يعتبرونه شيئًا جيدًا، ولكن، كما ترون، فإنهم يشكون كثيرًا فيما إذا كان عدد من مبادئه يمكن أن يطبق عمليًا، لأنهم مقتنعون أن هذه المبادئ غير عملية بشكل عام ولابد أن تبقى حرفًا ميتًا. وهؤلاء، إذا ما وصفناهم باعتدال، متشككون. وهؤلاء المتشككون يمكن أن تجدهم في كل البلدان.
ولابد من أن نقول أن هذه ليست المرة الأولى التي نلقاهم فيها. حينما استولى البلاشفة على السلطة عام 1917 قال المتشككون: ربما لم يكن البلاشفة بأصحاب أردياء، ولكن لن يأت شيء من حكومتهم، سوف يفشلون. وتبين في الواقع، على أية حال، أنه لم يكن البلاشفة هم الذين فشلوا، وإنما هؤلاء المتشككون.
قالت هذه المجموعة من المتشككين خلال الحرب الأهلية والتدخل الأجنبي: ليست الحكومة السوفييتية شيئًا رديئًا، بالطبع، ولكن يمكن أن نغامر بقول أن كولتشاك ودينكين، ومعهما الأجانب، سوف يصلون إلى السلطة. تبين على أية حال، أن المتشككين كانوا مخطئين أيضا في حساباتهم.
حينما نشرت الحكومة السوفييتية الخطة الخمسية الأولى ظهر المتشككون مرة أخرى في المشهد وقالوا: الخطة الخمسية الأولى شيء جيد، بالطبع، ولكنها عسيرة التحقق، ومن غير المحتمل أن تنجح خطة البلاشفة الخمسية الأولى. وقد برهنت الوقائع، على أية حال، أن المتشككين قد لازمهم سوء الحظ: جرى تنفيذ الخطة الخمسية في أربع سنوات.
ونفس الشيء لابد أن يقال عن مسودة الدستور الجديد والانتقادات التي وجهت إليه من قبل المتشككين. وما أن طبعت المسودة حتى ظهرت هذه المجموعة من النقاد مرة أخرى في المشهد بشكها العابس وريبتها بشأن قابلية بعض مبادئ الدستور للتطبيق العملي.
ما من أدنى مرتكز للشك في هذه الحالة، أيضًا، سوف يفشل المتشككون، سوف يفشلون اليوم مثلما فشلوا عدة مرات قبلًا.
تصف المجموعة الرابعة من النقاد، وهى تنتقد مسودة الدستور الجديد، بأنه "ينحرف إلى اليمين" وباعتباره "تخليًا عن دكتاتورية البروليتاريا"، وبوصفه بأنه "تصفية للنظام البلشفي". "لقد انحرف البلاشفة إلى اليمين، هذه حقيقة"، هذا هو ما يعلنونه في جوقة من الأصوات المختلفة. والمتحمسون خاصة في هذا الصدد جريدة بولندية معينة، وأيضًا بعض الصحف الأمريكية.
ماذا يمكن لنا أن نقول عن هذا النوع من النقاد؟
إذا كان توسيع قاعدة ديكتاتورية الطبقة العاملة وتحويل الديكتاتورية إلى نظام لقيادة المجتمع أكثر مرونة، ومن ثم، أكثر قوة من قبل الدولة يفسر من جانبهم ليس بوصفه تقوية لديكتاتورية البروليتاريا وإنما إضعاف لها ، أو حتى تخليًا عنها، يكون من المشروع أن نسأل : هل يعرف هؤلاء السادة بالفعل ماذا تعنى ديكتاتورية البروليتاريا.
إذا كانوا يعرضون التجسيد التشريعي الذي أعطي لانتصارات الاشتراكية، والتجسيد التشريعي الذي أعطي لنجاحات التصنيع، والتجميع، والمقرطة بوصفها "انحرافًا إلى اليمين" فمن المشروع أن نسأل: هل يعرف هؤلاء السادة الفرق بين اليسار واليمين؟ (ضحك عام وتصفيق)
لا يمكن أن ينتابنا أدنى شك بأن هؤلاء السادة قد ضلوا الطريق تمامًا في نقدهم لمسودة الدستور، وإذ ضلوا طريقهم، فإنهم يخلطون اليسار باليمين.
لا يمكن إلا أن نتذكر، في هذا الصدد، "الخادمة " بيلاجيا في رواية جوجول "النفوس الميتة". يحكي جوجول أن بيلاجيا عرضت أن تعمل كدليل لسائق العربة، سيليفان، بينما لا تعرف يمين الطريق من يساره، فضلت طريقها وتورطت في وضع محرج. لابد من أن نعترف أنه رغم كل مزاعمهم فإن ذكاء نقادنا في الجريدة البولندية لا يعلو كثيرا على ذكاء "الخادمة" بيلاجيا في "النفوس الميتة". (تصفيق) ألا تذكرون أن سائق العربة سيليفان قد رأى أنه من الملائم تعنيف بيلاجيا لخلطها اليمين باليسار وقال لها: "أيتها السيقان القذرة ... أنتِ لا تعرفين اليمين من اليسار". يبدو لي أن ناقدينا تعيسي الحظ لابد وأن يعنفوا بذات الطريقة: "أوه، أيها النقاد الآسفون ... أنتم لا تعرفون ما هو اليمين وما هو اليسار". (تصفيق متواصل)
وأخيرًا، هناك بعد مجموعة أخرى من النقاد.
بينما تتهم المجموعة الأخيرة مسودة الدستور بالتخلي عن ديكتاتورية الطبقة العاملة، فإن هذه المجموعة، على النقيض، تتهمه بأنه لم يغير أي شيء في الوضع القائم في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، بترك ديكتاتورية الطبقة العاملة كما هي لم تمس، وبعدم منح الحرية للأحزاب السياسية، وبالإبقاء على المركز القيادي الراهن للحزب الشيوعي في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية وهذه المجموعة من النقاد تدعى أن غياب حرية تشكيل الأحزاب في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية هو من أعراض انتهاك مبادئ الديموقراطية. ولابد أن اعترف أن مسودة الدستور الجديد تستبقى نظام ديكتاتورية الطبقة العاملة، بالضبط كما أنها تستبقي بلا تغيير المركز القيادي للحزب الشيوعي لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. (تصفيق حاد) إذا كان النقاد المبجلون يعتبرون هذا خللًا في مسودة الدستور، فليس لنا إلا أن نأسف لذلك. ونحن البلاشفة نعتبر ذلك ميزة في الدستور الجديد. (تصفيق حاد)
بالنسبة لحرية تشكيل مختلف الأحزاب السياسية، فنحن نتبنى إلى حد ما وجهة نظر مختلفة. الحزب هو قسم من طبقة، أكثر أقسامها تقدمًا. تعدد الأحزاب، ومن ثم، حرية الأحزاب، يمكن أن توجد فقط في مجتمع توجد فيه طبقات متطاحنة مصالحها متعادية ولا يمكن التوفيق بينها؛ حيث يوجد هناك مثلًا، رأسماليون وعمال، ملاك أرض وفلاحون، كولاك وفلاحون فقراء، الخ. ولكن في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية لم تعد هناك مثل هذه الطبقات كالرأسماليين، وملاك الأرض، والكولاك، الخ. ففي اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية هناك فقط طبقتان، العمال والفلاحون، ومصالحهما - أبعد ما تكون عن المعاداة من جانبيهما - وإنما على النقيض، ودية. نتيجة لذلك، لا توجد ركيزة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية لوجود أحزاب متعددة، وبناء عليه، لحرية تشكيل هذه الأحزاب.
في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية هناك ركيزة فقط لحزب واحد، وهو الحزب الشيوعي. في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية يمكن لحزب واحد فقط أن يوجد، الحزب الشيوعي، الذي يدافع بشجاعة عن مصالح العمال والفلاحين حتى النهاية. وهو لا يدافع عن مصالح هذه الطبقات بشكل رديء على الإطلاق، ولا يمكن أن يثور الشك حول هذا أبدًا. (تصفيق حاد) إنهم يتحدثون عن الديموقراطية. لكن ما هي الديموقراطية؟
الديموقراطية في المجتمعات الرأسمالية، حيث توجد طبقات متطاحنة، هي، في التحليل الأخير، ديموقراطية للأقوياء، ديموقراطية للأقلية المالكة. في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، على النقيض الديموقراطية هي ديموقراطية للشعب العامل، أي، الديموقراطية للجميع. ولكن يترتب على ذلك أن مبادئ الديموقراطية قد انتهكت، ليس بمسودة الدستور الجديد في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، ولكن بالدساتير البورجوازية. لذلك أظن أن دستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية هو الدستور الوحيد الديموقراطي حتى النهاية في العالم.
هذا هو الوضع بشأن النقد البورجوازي لمسودة الدستور الجديد لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية.
5. تعديلات وإضافات إلى مسودة الدستور
دعونا ننتقل إلى تعديلات وإضافات مسودة الدستور التي اقترحها المواطنون خلال مناقشة المسودة على نطاق الأمة.
أنتجت المناقشة على نطاق الأمة لمسودة الدستور، كما تعلمون، عددًا كبيرًا لحد بعيد من التعديلات والإضافات. وقد نشرت كلها في الصحافة السوفييتية. بالنظر إلى التنوع العظيم للتعديلات وحقيقة أنها ليست ذات قيمة متساوية، فلابد، في رأيي، أن تقسم إلى ثلاث فئات.
تتقوم الملامح المميزة لتعديلات الفئة الأولى في أنها لا تتعامل مع المسائل الدستورية وإنما مع المسائل التي تنطوي في إطار العمل التشريعي الجاري للهيئات التشريعية المقبلة. بعض المسائل التي تتعلق بالتأمين، بعض المسائل التي تتعلق بتطور المزارع الجماعية، بعض المسائل التي تتعلق بالتطور الصناعي، المسائل المالية؛ هذه هي الموضوعات التي تتناولها هذه التعديلات.
من الواضح أن مؤلفي هذه التعديلات لم يكونوا واضحين بشأن الفارق بين المسائل الدستورية ومسائل التشريع الجاري. لذلك يكافحون من أجل تضمين أكثر ما يمكن من القوانين في الدستور، وهكذا يميلون إلى تحويل الدستور إلى شيء يشبه في طبيعته مجموعة القوانين. لكن الدستور ليس مجموعة قوانين. الدستور هو قانون أساسي، وهو قانون أساسي فقط. لا يستبعد الدستور بل يفترض العمل التشريعي الجاري من جانب الهيئات التشريعية المقبلة. يقدم الدستور الأساس القانوني لأنشطة هذه الهيئات التشريعية المقبلة. وعلى ذلك فإن التعديلات والإضافات من هذا النوع، التي لا تأثير مباشر لها على الدستور، يتعين في رأيي، أن تحال للهيئات التشريعية المقبلة في بلادنا.
وتحت الفئة الثانية لابد أن ندخل تلك التعديلات والإضافات التي تجهد لأن تدخل في الدستور مواد من الإحالات التاريخية، أو مواد من الإعلانات التي تتعلق بما لم تنجزه السلطة السوفييتية بعد وما يتعين عليها أن تنجزه في المستقبل. أن تصف في الدستور المصاعب التي تغلب عليها الحزب، الطبقة العاملة، وكل الشعب العامل خلال السنوات الطويلة من النضال من أجل الاشتراكية، أن نشير في الدستور إلى الهدف النهائي للحركة السوفييتية، أي، بناء المجتمع الشيوعي الكامل؛ هذه هي الموضوعات التي تتناولها هذه التعديلات والإضافات، بتنويعات مختلفة. وأظن أن مثل هذه التعديلات والإضافات يجب أن تنحى جانبًا لأنه لا أثر مباشر لها على الدستور. فالدستور هو تسجيل وتجسيد تشريعي للمكتسبات التي تحققت وتأمنت بالفعل. ما لم نرغب في أن نشوه هذا الطابع الجوهري للدستور، فعلينا أن ننأى عن ملئه بالإحالات التاريخية إلى الماضي أو بالإعلانات التي تتعلق بالانجازات المقبلة للشعب العامل لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. لهذه الأشياء لدينا وسائل ووثائق أخرى.
وأخيرًا، تحت الفئة الثالثة لابد أن نضع التعديلات والإضافات التي لها تأثير مباشر على الدستور.
عدد كبير من هذه التعديلات في هذه الفئة هو ببساطة مسألة صياغة. وعلى ذلك فيمكن أن نحيلها إلى لجنة الصياغة في المؤتمر الجاري التي أظن أن المؤتمر سيشكلها، مع تعليمات بأن تقرر ما يخص النص النهائي للدستور الجديد.
أما بالنسبة لبقية التعديلات في الفئة الثالثة، فهي ذات مغزى مادي أعظم، وفي رأيي لابد من قول بضع كلمات عنها.
1. أولًا وقبل كل شيء حول التعديلات الخاصة بالمادة الأولى من مسودة الدستور. هناك أربع تعديلات.
البعض يقترح أن نستبدل بالكلمات "دولة العمال والفلاحين" بكلمات "دولة الشعب العامل". والآخرون يقترحون أن نضيف كلمات "والإنتلجينسيا العاملة". وتقترح مجموعة ثالثة أن نستبدل الكلمات "دولة العمال والفلاحين" بكلمات "دولة كل الأعراق والقوميات التي تقطن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية".
مجموعة رابعة تقترح أن نستبدل كلمة "فلاحين" بكلمتي "مزارعين جماعيين" أو "كادحو الزراعة الاشتراكية".
هل يتعين تبنى هذه التعديلات؟ أظن لا.
عم تتحدث المادة 1 من مسودة الدستور؟ إنها تتحدث عن التركيب الطبقي للمجتمع السوفييتي. هل يمكن لنا نحن الماركسيين أن نتجاهل مسألة التركيب الطبقي لمجتمعنا في الدستور؟
لا، لا يمكن. كما نعرف يتكون المجتمع السوفييتي من طبقتين، العمال والفلاحين. وعن هذا تتحدث المادة 1 من مسودة الدستور. وعلى ذلك فإن المادة 1 من الدستور تعكس بدقة التركيب الطبقي لمجتمعنا. وقد يسأل: ماذا عن الإنتلجينسيا العاملة؟ لم تكن الإنتلجينسيا طبقة (اجتماعية) أبدًا، ولا يمكن أن تكون طبقة؛ فهي فئة وستظل فئة، تجلب أفرادها من كل طبقات المجتمع. جلبت الإنتلجينسيا أعضاءها في الأيام الخوالي من صفوف طبقة النبلاء، من البورجوازية، وجزئيًا من صفوف الفلاحين، ولحد لا يؤبه له من صفوف العمال. في زمننا، وفى ظل السوفييتات، تجلب الإنتلجينسيا أعضاءها بصفة أساسية من صفوف العمال والفلاحين. ولكن بغض النظر عن من أين تجلب أعضاءها، وأي طابع يمكن أن تتسم به، فإن الإنتلجينسيا فئة وليست طبقة.
هل ينتهك هذا الوضع حقوق الإنتلجينسيا العاملة؟ لا ليس بأقل درجة! لا تتناول المادة الأولى من مسودة الدستور حقوق فئات المجتمع السوفييتي، وإنما التركيب الطبقي لهذا المجتمع. يتناول الفصلين العاشر والحادي عشر من مسودة الدستور. حقوق الفئات المختلفة في المجتمع السوفييتي، بما فيها حقوق الإنتلجينسيا العاملة.
واضح من هذين الفصلين أن العمال، والفلاحين، والإنتلجينسيا العاملة يتمتعون تمامًا بحقوق متساوية في مجالات الحياة الاقتصادية، والسياسية والاجتماعية، والحياة الثقافية في البلاد.
وعلى ذلك، لا يمكن أن تكون هناك مسألة انتهاك لحقوق الإنتلجينسيا العاملة.
ولابد أن يقال نفس الشيء عن الأمم والأعراق التي تشكل اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. ففي الفصل الثاني من مسودة الدستور أشير إلى أن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية هو اتحاد من الأمم تملك حقوقًا متساوية. هل يجدر بنا أن نكرر هذه الصيغة في المادة 1 من مسودة الدستور، التي لا تتناول التركيب القومي للمجتمع السوفييتي، بل تركيبه الطبقي؟ من الواضح، أنه لا يجدر بنا أن نفعل ذلك. وبالنسبة لحقوق الأمم والأعراق التي تكون اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية فقد جرى تناولها في الفصل الثاني، والعاشر، والحادي عشر من مسودة الدستور. ويتضح من هذه الفصول أن أمم وأعراق اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية تتمتع بحقوق متساوية في كل مجالات الحياة الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية في البلاد.
وعلى ذلك لا يمكن أن تكون هناك مسألة انتهاك للحقوق القومية.
سوف يكون من الخطأ أيضًا أن نستبدل كلمة "الفلاحون" بكلمات "المزارع الجماعي" أو "كادحو الزراعة الاشتراكية". في المحل الأول، لأنه بجانب المزارعين الجماعيين ما يزال هناك أكثر من مليون مزرعة وسط الفلاحين لا تدخل ضمن المزارعين الجماعيين. ماذا نفعل بشأنهم؟ هل يقترح مؤلفو هذا التعديل أن نلغيهم من دفاترنا. ليس من الحكمة أن نفعل ذلك. ثانيًا، حقيقة أن أغلبية الفلاحين قد بدأت الزراعة الجماعية لا يعنى أنهم قد كفوا عن أن يكونوا فلاحين، وأنه لم يعد لهم اقتصادهم الشخصي، ومزارعهم الخاصة، الخ. ثالثًا، بالنسبة لكلمة "عامل" سوف يكون علينا ان نستبدلها بكلمات "كادحو الصناعة الاشتراكية"، والتي لم يقترحها مؤلفو التعديلات لسبب أو آخر.
وأخيرًا، هل اختفت الطبقة العاملة وطبقة الفلاحين بالفعل في بلادنا؟ وإذا لم يكونوا قد اختفوا هل جدير بنا أن نستبعدهم من قاموسنا الذي استقررنا عليه بشأنهم؟ يتضح، أن التعديل الذي خامر المؤلفين لا يتعلق بالمجتمع الراهن، وإنما بالمجتمع المقبل حيث لن يعد للطبقات وجود حينما يكون العمال والفلاحين قد تحولوا إلى كادحين في مجتمع شيوعي متناغم. وعلى ذلك فهي تستبق أوضاعنا ولكن حينما نكتب دستورًا لا ينبغي أن ننطلق من المستقبل، وإنما من الحاضر، مما يوجد بالفعل. فلا ينبغي للدستور أن يستبق الوضع الفعلي.
2. ثم يلي ذلك تعديل للمادة 17 من مسودة الدستور. يقترح التعديل أن نستبعد تماما المادة 17، التي تحتفظ لجمهوريات الاتحاد بحق الانفصال بحرية من اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. وأظن أن هذا المقترح خاطئ ومن ثم لا ينبغي تبنيه من المؤتمر. أن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية هو اتحاد طوعي من جمهوريات الاتحاد لها حقوق متساوية.
أن نستبعد من الدستور المادة التي تخول حق الانفصال بحرية من اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية معناه أننا ننتهك الطابع الطوعي لهذا الاتحاد. هل يمكن أن نوافق على هذه الخطوة؟ أظن أننا لا يمكن ولا ينبغي أن نوافق عليها. لقد قيل أنه ما من جمهورية واحدة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية يمكن أن تريد الانفصال عن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، وعلى ذلك فليس للمادة 17 أهمية عملية.
من الحقيقي، بالطبع، إنه ما من جمهورية واحدة يمكن أن ترغب في الانفصال عن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية.
ولكن هذا لا يعني على أدنى تقدير أننا لا ينبغي أن نثبت في الدستور حق جمهوريات الاتحاد في الانفصال بحرية عن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية ما من جمهورية متحدة ترغب في إخضاع جمهورية متحدة أخرى. ولكن هذا لا يعني على أدنى تقدير أن علينا أن نحذف من دستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية المادة التي تتناول المساواة في الحقوق بين جمهوريات الاتحاد.
3. ثم هناك اقتراح وهو أن نضيف مادة جديدة للفصل الثاني من مسودة الدستور، بما مفاده ما يلي: عند الوصول إلى مستوى مناسب من التطور الاقتصادي والثقافي ترفع الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية المستقلة ذاتيًا إلى وضع اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. هل يمكن أن نتبنى هذا الاقتراح؟ لا أظن أن علينا أن نتبناه. لقد كان اقتراحًا خاطئًا، ليس فقط بسبب مضمونه، وإنما أيضًا بسبب الشرط الذي يضعه، لا يمكن للنضج الاقتصادي والثقافي أن يكونا أساسًا محفزًا لتحويل الجمهوريات المستقلة ذاتيًا إلى فئة جمهوريات الاتحاد بقدر ما أن التخلف الاقتصادي والثقافي يمكن أن يكون أساسًا حافزًا لترك أية جمهورية بعينها في قائمة الجمهوريات المستقلة. ليس هذا تناولًا ماركسيًا، ولا لينينيًا للمسألة. فعلى سبيل المثال، تظل جمهورية التتار مستقلة ذاتيًا بينما جمهورية الكازاخ ستصبح جمهورية اتحاد، ولكن هذا لا يعني أنه من وجهة النظر الثقافية والاقتصادية أن جمهورية الكازاخ أعلى مستوى من جمهورية التتار. الحال هو العكس تمامًا. ويمكن أن يقال نفس الشيء، على سبيل المثال، عن جمهورية الفولجا الألمانية المستقلة ذاتيًا وعن جمهورية اتحاد القرغيز، حيث وضع الأولى أعلى ثقافيا واقتصاديًا من الأخيرة، رغم أنها تظل جمهورية مستقلة ذاتيًا.
ما هي أسس تحويل الجمهوريات المستقلة ذاتيًا إلى فئة جمهوريات الاتحاد؟
هناك ثلاث أسس.
الأول، لابد أن تكون الجمهورية المعنية جمهورية حدودية، ليست محاطة من جميع الجهات بإقليم اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، لأنه مادامت جمهوريات الاتحاد لها الحق في الانفصال عن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية فإن الجمهورية، في صيرورتها جمهورية اتحاد، لابد أن تكون في وضع فعلي ومنطقي يمكنها من أن تثير مسألة الانفصال عن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. ويمكن لهذه المسألة أن تثار فقط من قبل جمهورية، فلنقل، متاخمة لدولة أجنبية، ومن ثم ليست محاطة من كل جانب بإقليم اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. بالطبع، ما من واحدة من جمهورياتنا سوف تثير بالفعل مسألة الانفصال عن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. ولكن مادام حق الانسحاب من اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية مكفوًلا لجمهوريات الاتحاد، فلابد أن يرتب على نحو لا يصبح فيه قصاصة من ورق. خذوا، على سبيل المثال، جمهورية البشكير أو جمهورية التتار. دعونا نفترض أن هذه الجمهوريات المستقلة قد تحولت إلى فئة جمهوريات اتحاد. هل يمكن لها فعليًا ومنطقيًا أن تثير مسألة الانفصال عن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية؟ لا، لا يمكنها. لماذا؟ لأنها محاطة من كل جانب بأقاليم وجمهوريات سوفييتية، وإذا ما تكلمنا بدقة، ما من مكان تذهب إليه إن انفصلت عن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية (ضحك وتصفيق) وعلى ذلك، سوف يكون من الخطأ أن تتحول مثل هذه الجمهوريات إلى فئة جمهوريات الاتحاد.
الثاني، أن القومية التي تمنح اسمها لجمهورية سوفييتية لابد أن تؤلف بدرجة أكبر أو أقل أغلبية مدمجة داخل تلك الجمهورية. فلنأخذ جمهورية القرم المستقلة ذاتيًا، على سبيل المثال. إنها جمهورية حدودية، ولكن تتار القرم لا يؤلفون الأغلبية في تلك الجمهورية، على النقيض، فإنهم أقلية. وعلى ذلك، سوف يكون من الخطأ تحويل جمهورية القرم إلى فئة جمهوريات اتحاد.
الثالث ، لابد ألا يكون عدد سكان هذه الجمهورية قليلًا جدًا، لابد أن يكون لها، مثلًا، ليس أقل بل أكثر من مليون، على الأقل؟ لأنه سوف يكون من الخطأ افتراض أن جمهورية سوفييتية صغيرة ذات عدد قليل من السكان وجيش صغير سوف تأمل في الحفاظ على وجودها كدولة مستقلة. لا يمكن أن يراودنا أدنى شك بأن الوحوش الامبريالية صائدة الفرائس سرعان ما سوف تضع يدها عليها. وأظن أنه ما لم تتوفر هذه الأسس الموضوعية الثلاثة، سوف يكون من الخطأ في اللحظة التاريخية الراهنة إثارة مسألة تحويل أي جمهورية مستقلة ذاتيًا إلى فئة جمهوريات الاتحاد.
4. بعد ذلك هناك اقتراح بأن نستبعد من المواد 22 و23 و24 و25 و26 و27 و28 و29 التعداد التفصيلي للتقسيمات الإدارية لجمهوريات الاتحاد إلى مناطق وأقاليم. وأظن أن هذا المقترح هو أيضًا غير مقبول. هناك أناس في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية مستعدون دائمًا وتواقون لأن يواصلوا بلا تعب إعادة تشكيل المناطق والأقاليم وهكذا يتسببون في تشوش وعدم يقين عملنا. تضع مسودة الدستور قيدًا على هؤلاء. وهذا أمر جيد للغاية، لأنه هنا، كما في أشياء أخرى كثيرة، نحن في حاجة لجو من اليقين، نحتاج إلى الاستقرار والوضوح.
5. يختص التعديل الثالث بالمادة 33. يعتبر خلق مجلسين غير ملائم، ويقترح إلغاء القوميات السوفييتية. وأظن أن هذا التعديل أيضًا خاطئ. إن نظام المجلس الواحد أفضل من نظام المجلسين إذا كان اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية دولة أمة واحدة. إن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية ليس دولة قومية واحدة. إن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، كما نعلم هو دولة متعددة القوميات. هذا هو سوفييت الاتحاد. ولكن بالإضافة إلى المصالح المشتركة، فإن قوميات اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية لها مصالحها، الخاصة النوعية، المرتبطة بسماتها القومية النوعية. فهل يمكن لنا تجاهل هذه المصالح النوعية؟ لا. لا يمكن. هل نحتاج هيئة خاصة عليا لتعكس هذه المصالح تحديدًا؟ بلا جدال نحن في حاجة لها. ولا يمكن أن يكون هناك شك أننا بدون هذه الهيئة ستستحيل علينا إدارة دولة متعددة القوميات مثل اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. ستكون هيئة كهذه المجلس الثاني. سوفييت قوميات اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية.
لقد جرت الإحالة إلى التاريخ البرلماني للدول الأوروبية والأمريكية، لقد أشير إلى أن نظام المجلسين في تلك البلاد قد أثمر نتائج سلبية فحسب؛ أن المجلس الثاني ينحل عادة إلى مركز للرجعية وكابح للتقدم. كل هذا حقيقي. ولكن يرجع هذا إلى حقيقة أنه لا توجد في هذه البلدان مساواة بين المجلسين. فكما نعلم، فليس من النادر أن يمنح المجلس الثاني حقوقًا أكثر من المجلس الأول، أضف إلى ذلك، فان المجلس الثاني كقاعدة يؤلف بشكل غير ديموقراطي، وأعضاءه نادرًا ما لا يكونون معينين من أعلى. ومما لا شك فيه، سوف نتجنب هذه النواقص إذا أرسينا المساواة بين المجلسين وإذا تشكل المجلس الثاني على نحو ديموقراطي مثل الأول.
6. أضف إلى ذلك، هناك تعديل لمسودة الدستور يقترح وجود عدد متساوٍ من الأعضاء في كل من المجلسين. وأظن أننا يمكن أن نتبنى هذا المقترح. ففي رأيي، أن له مميزات سياسية واضحة، لأنه يؤكد على مساواة المجلسين.
7. ويلي ذلك تعديل لمسودة الدستور تقترح أن ينتخب أعضاء سوفييت القوميات بالتصويت المباشر، كما هو الحال بصدد أعضاء سوفييت الاتحاد. وأظن أننا يمكن أن نتبنى هذا المقترح أيضًا.
الحقيقي، أنه قد يخلق عوائق فنية معينة خلال الانتخابات، ولكن، من ناحية أخرى، سوف تكون له مميزات سياسية كبيرة لأنه سوف يعزز مكانة القوميات السوفييتية.
8. ثم يعقب ذلك تعديل على المادة 40، يقترح أن تمنح اللجنة التنفيذية للسوفييت الأعلى حق إصدار تشريعات مؤقتة.
أظن أن هذا التعديل خاطئ ولا ينبغي أن يتبناه المؤتمر.
لقد حان الوقت لنضع نهاية لوضع تقوم فيه بضع هيئات بالتشريع بدلًا من هيئة واحدة. ويعاكس هذا الوضع مبدأ أن القوانين يجب أن تكون مستقرة. ونحن في حاجة لاستقرار القوانين الآن أكثر من أي وقت مضى. لابد وأن تمارس السلطة التشريعية في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية من قبل هيئة واحدة، وهو السوفييت الأعلى في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية.
9 . ويلي ذلك، تعديل مقترح على المادة 48 من مسودة الدستور، تطالب بأن ينتخب رئيس السوفييت الأعلى لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية ليس من السوفيت الأعلى في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. بل من كل سكان البلاد. أظن أن هذه الإضافة خاطئة، لأنها تعاكس روح دستورنا. وفقًا لنظام دستورنا لا يجب أن يكون هناك رئيس فرد في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، منتخب من كل السكان موازيًا للسوفييت الأعلى، قادر على أن يضع نفسه في تعارض مع السوفييت الأعلى. الرئيس في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية هو كولليجيوم()، وهو بريزيديوم السوفييت الأعلى، بما فيه رئيس بريزيديوم السوفييت الأعلى، المنتخب، ليس من قبل كل السكان، وإنما من السوفييت الأعلى، ومسئول أمام السوفييت الأعلى. تبين التجربة التاريخية أن هيكلًا كهذا للهيئات العليا هو الأكثر ديموقراطية، ويحفظ البلاد من العوارض غير المرغوبة.
10. ويقفوا ذلك تعديل آخر للمادة 48.
ويقرأ على النحو التالي: زيادة عدد نواب رئيس البريزيديوم للسوفييت الأعلى في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية إلى أحد عشر، واحد من كل جمهورية اتحادية. وأظن أننا يمكن أن نتبنى هذا التعديل، لأنه سيكون تحسينًا كما أنه سوف يعزز فقط مكانة بريزيديوم السوفييت الأعلى لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية.
11. ثم يلي ذلك تعديل المادة 77. وهو يدعو لتنظيم جديد لمفوضية شعب في كل الاتحاد؛ مفوضية الشعب لصناعة الدفاع. وأظن أن هذا التعديل يجب أن نقبله بالمثل (تصفيق) لأنه قد حان الوقت لان نفصل صناعة دفاعنا وأن تكون لها مفوضية شعب. يبدو لي أن هذا سوف يحسن فقط دفاع بلادنا.
12. ويتبع ذلك تعديل على مادة مسودة الدستور، يطالب بأن تتغير المادة بحيث تتضمن حظرًا للشعائر الدينية. أظن أن هذا التعديل لابد أن نرفضه لأنه يناقض روح دستورنا.
13. وأخيرًا، هناك تعديل آخر له طابع مادي بدرجة أو أخرى. أشير هنا إلى تعديل المادة 135 من مسودة الدستور.
وهي تقترح أن يمنع من التصويت رجال الدين، ورجال الحرس الأبيض السابقون، وكل الأغنياء السابقون، وكذلك الأشخاص غير المنخرطين في أعمال نافعة اجتماعيًا، أو، وفي كل الأحوال، أن يكون حق انتخاب هذه الفئة قاصرًا على التصويت لا الترشح. أظن أن هذا التعديل لابد أن يرفض كذلك. لقد حرمت الحكومة السوفييتية العناصر غير العاملة والمستغلة من حق الانتخاب ليس لكل الوقت، وإنما بشكل مؤقت، حتى فترة معينة. وقد كان هناك وقت حينما شنت هذه العناصر حربًا مفتوحة ضد الشعب وقاومت بنشاط القوانين السوفييتية. وكان القانون السوفييتي الذي نص على حرمانهم من الانتخابات رد الحكومة السوفييتية على هذه المقاومة. وقد مر وقت كافٍ منذ ذلك الحين. في خلال هذه الفترة نجحنا في القضاء على الطبقات المستغلة، وأصبحت الحكومة السوفييتية قوة لا تقهر. ألم يحن الوقت بعد حتى نراجع هذا القانون؟ أظن أنه قد حان. يقال أن هذا خطر، كعناصر معادية للحكومة السوفييتية، يمكن لبعض من الحرس الأبيض السابق، الكولاك، الكهنة، الخ، أن يتسللوا إلى الهيئات العليا الحاكمة للبلاد. ولكن من أي شيء نخاف؟ إذا كنتم تخافون من الذئاب ابتعدوا عن الغابة. (ضحك وتصفيق حاد)
في المقام الأول، ليس كل الكولاك السابقون، والحرس الأبيض والكهنة معادون للحكومة السوفييتية.
ثانيًا، إذا ما انتخب الشعب في مكان أو آخر أشخاصًا معادين، سوف يكشف هذا أن عملنا الدعائي كان غاية في سوء التنظيم، وأننا نستحق مثل هذا العار، إذا، على أي حال، ما كان عملنا الدعائي يدار بطريقة بلشفية، فلن يدع الشعب أشخاصًا معادون يتسللون إلى الهيئات الحاكمة العليا. وهذا يعنى أننا يجب أن نعمل لا أن ننتحب (تصفيق حاد)، يجب أن نعمل وألا ننتظر أن يوضع كل شيء أمامنا جاهزًا بأمر رسمي. وفي وقت سابق يعود إلى عام 1919، قال لينين، أنه لن يمضى وقت طويل حتى تعتبر الحكومة السوفييتية أنه من الملائم تطبيق حق الانتخاب العام دون أية قيود. ولاحظوا من فضلكم: دون أية قيود. لقد قال ذلك في وقت لم نكن قد تغلبنا فيه على التدخل الأجنبي العسكري بعد وحين كانت صناعتنا وزراعتنا في حالة مزرية. مضى سبعة عشر عامًا منذ هذا الوقت. أيها الرفاق، أليس هذا هو الوقت الذي يتعين علينا فيه أن ننفذ وصية لينين. أظن ذلك.
وها هو ذا ما قاله لينين في 1919 في "مسودة برنامج الحزب الشيوعي الروسي". اسمحوا لي أن أقرأه:
"لابد أن يوضح الحزب الشيوعي الروسي لجماهير الشعب العامل، حتى نتجنب التعميم الخاطئ لاحتياجات تاريخية عارضة، إن حرمان قسم من المواطنين من حق الانتخاب لا يؤثر في الجمهورية السوفييتية، كما كان الحال في أغلب الجمهوريات البورجوازية الديموقراطية، على فئة معينة من المواطنين تحرم من حق الانتخاب مدى الحياة، وإنما ينطبق فقط على المستغِلين، فقط على هؤلاء الذين ينتهكون القوانين الأساسية لجمهورية السوفييت الاشتراكية، ويصرون على الدفاع عن أوضاعهم كمستغلين، وللحفاظ على العلاقات الرأسمالية. وعلى ذلك، ففي الجمهورية السوفييتية، هناك من جانب، قوة مضافة للاشتراكية كل يوم وتقليص في عدد هؤلاء الذين لديهم إمكانات موضوعية في أن يبقوا مستغلين أو أن يستبقوا العلاقات الرأسمالية، وهذا يقلل بشكل آلي نسبة الأشخاص المحرومين من حق الانتخاب. وفي روسيا في الوقت الراهن لا تزيد هذه النسبة بالكاد عن اثنين أو ثلاثة بالمائة. من ناحية أخرى ففي مستقبل غير بعيد قد يخلق توقف الغزو الأجنبي واكتمال مصادرة المصادَرين، في ظروف معينة وضعًا تختار فيه سلطة الدولة البروليتارية طرائق أخرى لقمع مقاومة المستغِلين ثم تطبق حق الانتخاب العام دون أية قيود".
(لينين، الأعمال الكاملة، الطبعة الروسية، المجلد 24، ص 94)
أظن أن هذا واضح.
هذا هو الوضع بشأن التعديلات والإضافات التي اقترحت بشأن مسودة دستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية.
6. مغزى دستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية الجديد
إذا حكمنا على نتائج المناقشة على مستوى الأمة، التي استمرت تقريبًا خمسة شهور، فقد نفترض أن مسودة الدستور سوف يوافق عليها المؤتمر الحالي. (تصفيق حاد وهتافات. يقف الجميع)
في خلال بضعة أيام سوف يكون لدى الاتحاد السوفييتي دستور اشتراكي جديد، مؤسس على مبادئ الديموقراطية الاشتراكية المتطورة تمامًا.
سوف يكون وثيقة تاريخية تتناول بمصطلحات بسيطة ومختصرة، تقريبًا بأسلوب المضابط، وقائع انتصار الاشتراكية في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، مع وقائع تحرر الشعب العامل في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية من العبودية الرأسمالية، وقائع انتصار ديموقراطية متماسكة وتامة وكاملة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية.
سوف يكون وثيقة تشهد على حقيقة أن ما حلم به ملايين الناس الشرفاء في البلدان الرأسمالية وما زالوا يحلمون به قد تحقق بالفعل في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. (تصفيق حاد)
سوف يكون وثيقة تشهد على حقيقة أن ما أنجز في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية هو مما يمكن تحقيقه تمامًا في بلدان أخرى أيضًا. (تصفيق حاد)
ولكن يترتب على هذا أن المغزى الأممي للدستور الجديد لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية يمكن بالكاد المبالغة فيه.
اليوم، حينما تلوث موجة اضطراب فاشية الحركة الاشتراكية للطبقة العاملة وتلطخ المطامح الديموقراطية لأفضل الشعوب في العالم المتحضر، فإن دستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية سوف يكون وثيقة اتهام ضد الفاشية، معربًا عن أن الاشتراكية والديموقراطية لا تقهر. (تصفيق) سوف يقدم الدستور الجديد عونًا معنويًا ودعمًا حقيقيًا لكل هؤلاء الذين يحاربون اليوم البربرية الفاشية. (تصفيق حاد)
وما يزال الأمر الأعظم هو مغزى دستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية الجديد بالنسبة لشعوب اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، بينما سيكون مغزى دستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية بالنسبة لشعوب البلدان الرأسمالية بمثابة برنامج للعمل، فهو ذو مغزى لشعوب اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية بوصفه تلخيصًا لنضالاتهم، تلخيصًا لانتصاراتهم في النضال من أجل تحرر البشرية. بعد طريق النضال والحرمان الذي اجتزناه، فمن السار والمبهج أن يكون لدينا دستور، يتناول ثمار انتصاراتنا. من السار والمبهج أن نعلم ما الذي قاتل شعبنا من أجله وكيف حقق هذا الانتصار ذي الأهمية التاريخية الأممية. من السار والمبهج أن نعلم أن دماء شعبنا الذي أريق بغزارة لم يضع سدى، فقد حقق نتائج. (تصفيق متواصل)
إن هذا يسلح طبقتنا العاملة، وفلاحونا، والإنتلجينسيا العاملة روحيًا.
هذا يدفعهم إلى الأمام ويثير فيهم شعورًا بالفخر المشروع. وهو يزيد الثقة في قوتنا ويحفزنا لنضالات غضة ولتحقيق انتصارات جديدة للشيوعية.
(احتفاء حماسي راعد. يقف الجميع. هتافات من كل أنحاء القاعة: "عاش الرفيق ستالين". يقف الجميع وينشدون "الأممية" وبعده يستعاد الاحتفاء الحماسي. هتافات "عاش قائدنا، الرفيق ستالين، مرحى").
البرافدا 26 نوفمبر 1936

(23)
الاتحاد السوفييتي في مرآة الدستور الجديد()
ليون تروتسكي
1. العمل "كل بقدر طاقته" والملكية الشخصية
في الحادي عشر من شهر يونيو 1936، صادقت اللجنة التنفيذية المركزية على مسودة دستور سوفييتي جديد، الذي سوف يكون، وفقًا لإعلان ستالين، الذي تكرره يوميًا الصحافة كلها "أكثر الدساتير ديموقراطية في العالم". ومما لا ريب فيه، فإن الطريقة التي وضع بها الدستور كافية لأن تثير شكوكنا بهذا الصدد. فلم تقال أية كلمة لا في الصحافة ولا في أي اجتماعات عن هذا الإصلاح الكبير. أضف إلى ذلك، ففي مطلع شهر مارس وفي الأول منه، عام 1936، أعلن ستالين للصحفي الأمريكي الذي حاوره، روى هوارد: "نحن بلا أدنى شك سوف نتبنى دستورنا الجديد في نهاية هذا العام"، وهكذا علم ستالين بدقة تامة متى سيتم تبنى الدستور الجديد بالتحديد، بينما لم يكن الشعب يعلم عنه شيئًا على الإطلاق في هذا الوقت. ومن المستحيل ألا نستنتج من ذلك أن "أكثر الدساتير ديموقراطية في العالم" قد صنع وقدم بطريقة ليست ديموقراطية تمامًا. مما لا ريب فيه، قدمت المسودة في يونيو لـ"نظرها" من قبل شعب الاتحاد السوفييتي، ولكن سوف يكون سدى، على أية حال، أن نبحث في كل أنحاء سدس هذه الكرة الأرضية عن شيوعي واحد يجرؤ على أن ينتقد صنيع اللجنة المركزية، أو أي مواطن غير حزبي يرفض مقترحًا قدمه الحزب الحاكم. لقد اختزل النقاش إلى إرسال قرارات الامتنان إلى ستالين من أجل "الحياة السعيدة". إن مضمون وأسلوب هذه التحايا قد جرى صنعه بتمكن في ظل الدستور القديم.
يختتم القسم الأول، المعنون البنية الاجتماعية بهذه الكلمات: "تحقق في الاتحاد السوفييتي، مبدأ الاشتراكية: من كلٍ حسب طاقته ولكل حسب عمله"، لقد تسربت هذه الصيغة المتناقضة داخليًا، إن لم نقل الهرائية، وصدقوا إن شئتم، من الأحاديث والمقالات الصحفية إلى النص المتأمل فيه لقانون الدولة الأساسي. وهي لا تشهد فقط على مستوى التدني النظري الكامل عند المشرعين، وإنما أيضًا على الكذبة التي يصطبغ بها الدستور الجديد كمرآة للفئة الحاكمة. وليس من الصعب أن نخمن أصل "المبدأ" الجديد. استخدم ماركس حين كان يصف المجتمع الشيوعي، الصيغة الشهيرة: "من كل حسب طاقته، ولكل حسب حاجته"، وشقا هذه الصيغة متلازمان. "من كل حسب طاقته"، في المجتمع الشيوعي، وليس بالمعنى الرأسمالي، تعني: أن العمل قد كف الآن عن يكون إلزامًا، وأصبح حاجة فردية، وأن المجتمع لم يعد في حاجة أكثر لاستخدام أي إجبار. المرضى والشاذين هم فقط من سيرفضون العمل. يعني العمل "حسب طاقتهم"؛ بالتوافق مع قواهم البدنية والنفسية، بدون أي عنف نحو ذواتهم، وسوف يملأ أعضاء المشاعة، بفضل التقنية العالية، مخازن المجتمع بما يكفى لحد يمكن المجتمع من أن يمنح بسخاء كل واحد والجميع "طبقًا لحاجته"، دون إهمال الرقابة. هذه الصيغة الشيوعية ذات الجانبين المتلازمين تفترض إذن الوفرة، المساواة، تطور شامل للشخصية، وانضباط ثقافي رفيع.
الدولة السوفييتية في كل علاقاتها هي أشد قربًا لأن تكون رأسمالية متخلفة منها إلى الشيوعية. وهي لا تستطيع أن تفكر بعد في أن تمنح كلٍ "بقدر حاجته". ولكن لهذا السبب بالذات فلا يمكن أن تسمح لمواطنيها بأن يعملوا "بقدر طاقتهم". وهي تجد نفسها مضطرة لأن تنفذ نظام الدفع مقابل العمل بالقطعة وهو المبدأ الذي يمكن التعبير عنه على النحو التالي: "انتزع من كل واحد أكثر ما يمكنك، واعطه بالمقابل أقل ما تستطيع"، مما لا ريب فيه، ما من أحد في الاتحاد السوفييتي يعمل بأكثر من "طاقته" بمعنى الكلمة المطلق؛ أي، فوق إمكاناته البدنية والنفسية. ولكن هذا حقيقي أيضًا بشأن الرأسمالية فهي تطبق أشد الأساليب وحشية وكذلك الأساليب الناعمة في الاستغلال ضمن حدود عينتها الطبيعة. حتى البغل الذي يعمل تحت لسعات السوط يعمل "بقدر طاقته" ولكن لا يترتب على ذلك أن السوط يمثل مبدأ اجتماعيًا بالنسبة للبغال. لا يكف العمل المأجور حتى في ظل النظام السوفييتي عن أن يحمل لاصقة اتضاع العبودية. الدفع "بقدر العمل" - هو في الواقع ، دفع في صالح "الذهني" على حساب البدني، وخاصة العمل غير الماهر - وهو مصدر للظلم ، والاضطهاد والإكراه بالنسبة للأغلبية، والامتيازات و"الحياة السعيدة" للقلة.
بدلًا من الاعتراف بصراحة بأن قواعد العمل البورجوازي والتوزيع ما تزال تهيمن في الاتحاد السوفييتي، شق كاتبوا الدستور هذا المبدأ الشيوعي إلى نصفين، وأجلوا النصف الثاني لمستقبل غير معلوم، معلنين أن النصف الأول قد تحقق بالفعل، متعثرين ميكانيكيًا بينما هو القاعدة الرأسمالية للأجر بالقطعة، مسمين كامل هذا الشيء "مبدأ الاشتراكية" وعلى هذا التزييف انتصب هيكل دستورهم!
مما لها أعظم مغزى عملي في المجال الاقتصادي هي بلا شك المادة العاشرة، وهي بخلاف معظم المواد لها مهمة واضحة تمامًا، وهي ضمان للملكية الشخصية للمواطنين في مواد اقتصادهم المنزلي، والاستهلاك، والراحة، والحياة اليومية ضد الانتهاك الصادر عن البيروقراطية نفسها. مع استثناء "الاقتصاد المنزلي"، فإن ملكية من هذا النوع، مطهرة من سيكولوجية الجشع والحسد التي ترتبط بها، لن يحتفظ بها فقط في ظل الشيوعية بل ستحظى بتطور غير مسبوق. وإنه لموضع شك، مما لا ريب فيه، أن يريد إنسان رفيع الثقافة أن يثقل نفسه بنفايات البذخ. ولكنه لن يرفض أي وسيلة من وسائل الراحة. إن المهمة الأولى للشيوعية هي أن تضمن راحة العيش للجميع. وفي الاتحاد السوفييتي، على أي حال، مازالت مسألة الملكية الشخصية ترتدي طابعًا بورجوازيًا صغيرًا لا شيوعيًا. إن الملكية الشخصية للفلاحين وغير الأثرياء من سكان المدن هي هدف أفعال انتهاك تحكمية من جانب البيروقراطية، التي كثيرًا ما تؤمن في درجاتها الدنيا بمثل هذه الوسائل راحتها النسبية الخاصة. يجعل نمو ازدهار البلاد الآن من الممكن أن نشجب الاستيلاء على الملكية الشخصية، بل ويدفع حتى الحكومة لحماية التراكمات الشخصية كحافز لزيادة إنتاجية العمل. وفي نفس الوقت - وليس هذا بذي أهمية صغيرة تأمين حماية قانونية للكوخ، والبقرة وأثاث بيت الفلاح أو العامل أو الموظف العامل، كما يضفى أيضًا شرعية على منزل البيروقراطي في المدينة، ومنزله الصيفي، وسيارته، وسائر "موضوعات الاستهلاك الشخصي والراحة" الأخرى التي استولى عليها على أساس المبدأ "الاشتراكي": "من كل حسب طاقته، ولكل حسب عمله". من المؤكد أن سيارة البيروقراطي سوف يحميها القانون الأساسي الجديد بشكل أكثر فعالية من عربة الفلاح.
2. السوفييتات والديموقراطية
ما يميز الدستور الجديد عن القديم في المجال السياسي، هو رجوعه عن النظام السوفييتي للانتخاب استنادًا للطبقة والمجموعات الصناعية إلى نظام الديموقراطية البورجوازية المؤسس على ما يسمى التصويت "الشامل، المتساوي والمباشر" لسكان متذررين. وهذا أمر، إذا ما طرحناه بإيجاز، مفاده تصفية ديكتاتورية البروليتاريا قانونيًا. فحيث لا يوجد رأسماليون لا توجد بروليتاريا - هذا ما يقوله صناع الدستور الجديد - وعلى ذلك فان الدولة نفسها تتحول من كونها بروليتارية لتصبح قومية. هذه الحجة بكل إغواءها الزائف، إما متأخرة 19 عامًا عن أوانها أو أنها متقدمة عدة سنوات على زمانها. تدخل البروليتاريا بالفعل عند مصادرة الرأسماليين، في مرحلة تصفية نفسها كطبقة. ولكن من التصفية من زاوية المبدأ إلى الذوبان في المجتمع بالفعل يكون الطريق أكثر استطالة، كلما كانت الدولة مضطرة لأن تقوم بالعمل الأولي للرأسمالية لمدة أطول. مازالت البروليتاريا السوفييتية توجد كطبقة متميزة بعمق عن الفلاحين، والإنتيليجنسيا الفنية والبيروقراطية؛ أضف إلى ذلك بوصفها الطبقة الوحيدة المعنية بانتصار الاشتراكية حتى النهاية. يريد الدستور الجديد أن يذيب هذه الطبقة في "الأمة" سياسيًا، قبل أن تذوب اقتصاديًا في المجتمع بوقت طويل.
مما لا ريب فيه، أن المصلحين قرروا بعد بعض التردد أن يسموا الدولة، مثلما كان الحال في السابق، السوفييت. ولكنها خدعة سياسية فظة فقط أملتها نفس الاعتبارات التي جعلت إمبراطورية نابوليون تستمر في أن تسمى جمهورية. السوفييتات في جوهرها هي أجهزة الحكم الطبقي، ولا يمكن أن تكون شيئًا آخر. المؤسسات المنتخبة ديموقراطيًا للحكم الذاتي المحلي هي البلديات، مجالس الدوما، الزيمستفوات، أي شيء تريد، عدا أنها سوفييتات. إن جمعية دولة تشريعية عامة مؤسسة على صيغ ديموقراطية هي برلمان متأخر (وبالأحرى كاريكاتيره)، ولكن ليس بأي حال الجهاز الأعلى للسوفييتات. وعند محاولتهم في أن يغطوا أنفسهم بالسلطة التاريخية للنظام السوفييتي، فقد أظهر المصلحون فحسب أن الإدارة الجديدة جوهريًا التي يريدون إعطاءها للدولة لا تجرؤ الحياة بعد على أن تأتي بها تحت اسمها الخاص.
التسوية في الحقوق السياسية بين العمال والفلاحين في حد ذاتها قد لا تدمر الطبيعة الاشتراكية للدولة إذا كان نفوذ البروليتاريا على البلاد مضمونًا بشكلٍ كافٍ بالحالة العامة للاقتصاد والثقافة. وتطور الاشتراكية بالتأكيد لابد وأن ينطلق في هذا الاتجاه. ولكن إذا كانت البروليتاريا، بينما تبقى أقلية وسط السكان، تكف فعلًا عن أن تحتاج صعودًا سياسيًا حتى تضمن مجرى اشتراكيًا للحياة الاجتماعية، هذا يعنى أن إكراه الدولة ينتهي إلى لا شيء، موسعًا مكانًا للانضباط الثقافي.
إن إلغاء عدم المساواة الاختياري لابد أن يسبقه في هذه الحالة إضعاف متميز وواضح للوظائف الإجبارية للدولة. وعن هذا، لم تنطق أية كلمة سواء في الدستور الجديد، أو ما هو أكثر أهمية، في الحياة.
مما لا ريب فيه، "يضمن" الميثاق الجديد للمواطنين ما يسمى بـ"حريات" الكلام، والصحافة، والتجمع ومواكب الشوارع. ولكن كل من هذه الضمانات له شكل الكابح الثقيل أو القيد في الأيدي والأقدام. تعني حرية الصحافة استمرارًا للرقابة العنيفة المسبقة التي يقبض على سلاسلها سكرتارية اللجنة المركزية التي لم ينتخبها أحد. وهكذا فإن حرية المدح البيزنطي، "مكفولة" تمامًا بالطبع. بينما، مقالات لينين، وخطبه، ورسائله، نهاية بـ"وصيته" سوف تستمر محتجزة في ظل الدستور الجديد لأنها تغضب القادة الجدد فحسب. فإذا كان هذا هو الحال مع لينين، فليس من الضروري أن نتحدث عن مؤلفين آخرين. وسوف تكون السيطرة الفظة والجاهلة على العلم والأدب والفن باقية كلية. "حرية التجمع" سوف تعني، كما كان الحال سابقًا، التزام مجموعات معينة من السكان بأن تظهر في الاجتماعات التي تدعو لها السلطات لتبني قرارات أُعدت سلفًا . وفي ظل الدستور الجديد مثلما كان الحال في ظل القديم، مئات الشيوعيين الأجانب، الذين يثقون في "حق اللجوء" السوفييتي، سوف يظلون في السجون والمعتقلات بسبب جرائم ضد دوجما الزعماء المعصومين. في مسألة "الحرية" سوف يظل كل شيء كما كان قديمًا. وحتى الصحافة السوفييتية لا تحاول أن تزرع أوهامًا حول ذلك. على النقيض، فإن الهدف الأساسي للإصلاح الدستوري قد أعلن أنه "تعزيز أبعد للديكتاتورية". ديكتاتورية من؟ وعلى من؟
كما سمعنا سلفًا، فقد أعدت الأرض للمساواة السياسية بإلغاء التناقضات الطبقية. ولم تعد هناك طبقة وإنما ديكتاتورية "الشعب". ولكن حينما يصبح حامل الديكتاتورية هو الشعب، محررًا من التناقضات الطبقية، فإن هذا يعني فقط ذوبان الديكتاتورية في المجتمع الاشتراكي؛ وقبل كل شيء، تصفية البيروقراطية. هكذا يعلمنا المذهب الماركسي. ربما كان مخطئًا. ولكن كاتبوا الدستور أنفسهم يشيرون وإن كان بحذر شديد، إلى برنامج الحزب الذي كتبه لينين. وها هوذا ما يقوله البرنامج بالفعل: "إن الحرمان من الحقوق السياسية، وكل الحدود الموضوعة على الحرية أيًا كانت من ناحية أخرى، هي ضرورية حصرًا في شكل إجراءات مؤقتة ... بالتناسب مع اختفاء الإمكان الموضوعي لاستغلال الإنسان للإنسان، سوف تختفي أيضًا ضرورة هذه الإجراءات المؤقتة". إن التخلي عن "الحرمان من الحقوق السياسية" يرتبط بشكل لا ينفصم بإلغاء "كل الحدود الموضوعة على الحرية أيًا كانت". إن ما يسم ظهور المجتمع الاشتراكي ليس فقط حقيقة أن الفلاحين يتساوون مع العمال، وأن الحقوق السياسية استعيدت لنسبة صغيرة لمن هم من أصل بورجوازي، وإنما قبل كل شيء بحقيقة أن الحرية الحقيقية قائمة بالنسبة لمائة في المائة من السكان. مع تصفية الطبقات، لا تذوي البيروقراطية فقط، وليس الديكتاتورية فقط، وإنما الدولة ذاتها. دع شخصًا غير فطن، يحاول أن يتمتم، على أي حال حتى بتلميح في هذا المنحى؛ سوف تجد الشرطة السرية أساسًا ملائمًا في الدستور الجديد لإرساله إلى واحد من معسكرات الاعتقال المتعددة. ألغيت الطبقات. ولم يبق من السوفييتات إلا الاسم. ولكن البيروقراطية ما تزال هناك. تعني المساواة بين العمال والفلاحين، في الواقع، المساواة لانعدام الحقوق إزاء البيروقراطية.
وليس بذي دلالة أقل إدخال التصويت السري. إذا ما آمنت أن المساواة السياسية الجديدة تتوافق مع المساواة الاجتماعية المتحققة، سوف يبقى هناك عندئذ سؤال محير: لم يتعين في هذه الحالة أن يُحمى التصويت بجعله سريًا؟ من هو بالضبط من يخافه سكان البلد الاشتراكي، ومن محاولات من ينبغي حمايته؟ لقد رأى الدستور القديم في التصويت العلني، مثلما في تحديد الحقوق الانتخابية، سلاحًا للطبقة الثورية ضد الأعداء من البورجوازية والبورجوازية الصغيرة. ولا يمكن لنا أن نفترض أن التصويت السري الآن يجري إدخاله لملائمته لأقلية مناهضة للثورة. إنها، بشكل واضح، مسألة الدفاع عن حقوق الشعب. ولكن من يخافه الشعب الاشتراكي الذي أطاح حديثًا بالقيصر، وبطبقة النبلاء والبورجوازية؟ إن المتملقين لم يفكروا حتى لوهلة في هذا الأمر. مع ذلك ففيه الكثير مما يفوق كل كتابات أنصار باربوس، ولويس فيشر، ودورانتي، وويب، ومن ماثلهم.
في المجتمع الرأسمالي مقصد التصويت السري هو الدفاع عن المستغلين من إرهاب من يستغلونهم. إذا كانت البورجوازية قد تبنت إصلاحًا كهذا، فمن الواضح أن ذلك كان تحت ضغط الجماهير، وكان هذا بسبب أنها أصبحت فقط معنية بحماية دولتها على الأقل جزئيًا من الإفساد الذي أدخلته بنفسها. ولكن في مجتمع اشتراكي لا يمكن أن يكون هناك فيما يبدو، إرهاب من جانب المستغلين. ممن يتعين أن يكون ضروريًا حماية المواطنين السوفييت؟ الإجابة واضحة: من البيروقراطية. كان ستالين صريحًا بما يكفى ليعترف بهذا. وبالنسبة لسؤال: لم الانتخابات السرية ضرورية؟ فقد أجاب حرفيًا: "لأننا ننوى أن نعطي الشعب السوفييتي الحرية الكاملة للتصويت لمن يريد أن ينتخبه". وهكذا تعلم الإنسانية من مصدر موثوق أن "الشعب السوفييتي" لا يستطيع أن يصوت بعد لهؤلاء الذين يريد أن ينتخبهم. سوف يكون من التعجل أن نستنتج من هذا أن الدستور الجديد سوف يمنحهم حقًا هذه الفرصة في المستقبل. الآن توًا، نحن مشغولون، على أية حال، بجانب آخر من المشكلة. من بالضبط هذه الـ"نحن" التي بمقدورها أن تمنح أو تمنع الشعب من الانتخاب الحر؟ إنها نفس البيروقراطية التي يتكلم باسمها ستالين ويتصرف . وهذا العرض الذي قام به ينطبق على الحزب الحاكم تمامًا وكذلك على الدولة، لأن ستالين نفسه يشغل منصب السكرتير العام للحزب بمساعدة نظام لا يسمح للأعضاء بأن ينتخبوا من يريدون. إن كلمات "إننا ننوي أن نعطي الشعب السوفييتي" حرية التصويت هي بالمقارنة أكثر أهمية من الدستورين القديم والجديد مأخوذين معًا. ، لأنه في تلك الجملة غير الحذرة يكمن الدستور الفعلي للاتحاد السوفييتي كما رسم، لا على الورق، بل في صراع القوى الحية.
3. الديموقراطية والحزب
إن الوعد بإعطاء الشعب السوفييتي الحرية ليصوت "لهؤلاء الذين يريد أن ينتخبهم" هو صورة شعرية أكثر منها صيغة سياسية. سوف يكون من حق الشعب السوفييتي أن يختار "ممثليه" فقط من بين المرشحين الذين يقدمهم له القادة المركزيين والمحليين تحت راية الحزب. مما لا ريب فيه، مارس الحزب البلشفي خلال الفترة الأولى من الحقبة السوفييتية أيضًا احتكارًا. ولكن أن نطابق بين هاتين الظاهرتين معناه أننا نستبدل الواقع بالظاهر. كان منع أحزاب المعارضة إجراءً مؤقتًا أملته ظروف الحرب الأهلية، والحصار، والتدخل والمجاعة. كان للحزب الحاكم، حيث كان يمثل في هذه الفترة تنظيمًا حقيقيًا لطليعة الطبقة العاملة، حياة داخلية غنية وخصبة. حل صراع الجماعات والفرق إلى حد معين محل صراع الأحزاب. في الوقت الراهن، حينما انتصرت الاشتراكية "نهائيًا وبلا رجعة" فإن تكوين الفرق بات يعاقب عليه بمعسكرات الاعتقال أو فرق الإعدام. إن حظر الأحزاب الأخرى، قد رفع من أن يصبح شرًا مؤقتًا إلى مستوى المبدأ. بل لقد جرى حتى سحب حق الاهتمام بالشئون السياسية من الشاب الشيوعي، وتم ذلك في نفس لحظة إعلان الدستور الجديد. أضف إلى ذلك يتمتع المواطنون والمواطنات بحق الانتخاب من سن 18، ولكن حد العمر للشباب الشيوعي الموجود حتى 1936 (23 عامًا) قد ألغى كليًا. لقد أُعلنت السياسة مرة وإلى الأبد احتكارًا لبيروقراطية لا رقابة عليها.
ردًا على سؤال من محاور أمريكي حول دور الحزب في الدستور الجديد أجاب ستالين: "حينما لا تكون هناك طبقات، حينما تنمحي الحدود بين الطبقات()، يبقى هناك شيء واحد في طبيعة ما هو ليس باختلاف جوهري على الإطلاق بين الفئات المتنوعة الصغيرة في المجتمع الاشتراكي. لا يمكن أن تكون هناك تربة مغذية لخلق أحزاب تصارع بعضها البعض. حيث لا توجد عدة طبقات، لا يمكن أن يكون هناك عدة أحزاب، لأن الحزب هو جزء من طبقة". الأخطاء بعدد الكلمات وأحيانًا ضعفها! يبدو من ذلك أن الطبقات متجانسة التكوين، وأن الحدود بين الطبقات موضوعة بدقة مرة وإلى الأبد، وأن وعي طبقة يتطابق مع موضعها في المجتمع. إن التعاليم الماركسية حول الطبيعة الطبقية للحزب تتحول هكذا إلى كاريكاتير. إن ديناميكية الوعي السياسي مستبعدة هنا من العملية التاريخية في صالح الأمر الإداري. وفي الواقع فإن الطبقات غير متجانسة، فهي ممزقة بالتناقضات المتطاحنة، وهي لا تصل إلى حل للقضايا العامة إلا من خلال صراع داخلي بين الاتجاهات، والمجموعات، والأحزاب. ومن الممكن بتحديدات معينة، أن نسلم بأن "الحزب جزء من طبقة". ولكن بما أن للطبقة "أجزاء" مختلفة - بعضها يتطلع للأمام وبعضها يتطلع إلى الخلف – فيمكن لنفس الطبقة الواحدة أن تخلق عدة أحزاب. ولنفس السبب يمكن لنفس الحزب أن يرتكز على أجزاء من عدة طبقات. ولن نجد مثلًا عن حزب واحد فقط يتطابق مع طبقة واحدة في كامل مجرى التاريخ السياسي؛ ويفترض هذا، بالطبع، أن لا تستبدل المظهر البوليسي بالواقع.
تمثل البروليتاريا في بنيتها الاجتماعية أقل الطبقات من حيث عدم التجانس في المجتمع الرأسمالي. مع ذلك، فإن وجود "فئات قليلة" مثل أرستقراطية العمال وبيروقراطية العمال كافٍ ليكون ركيزة للأحزاب الانتهازية التي تحولت بفعل مجرى الأشياء إلى واحد من أسلحة الهيمنة البورجوازية. ما إذا كان الاختلاف من وجهة نظر السوسيولوجيا الستالينية بين أرستقراطية العمال والجمهور البروليتاري "جوهريًا" أو "شيء في طبيعة" الأمور فقط ليس أمرًا مطلقًا. فمن هذا الاختلاف نشأت ضرورة في وقت ما للانفصال عن الاشتراكية الديموقراطية وإنشاء الأممية الثالثة.
حتى إن كان في المجتمع السوفييتي "لم تعد هناك طبقات اجتماعية"، مع ذلك فإن على الأقل هذا المجتمع هو غير متجانس بشكل أكثر ومعقد أكثر مقارنة بالبروليتاريا في البلدان الأوروبية، وترتيبًا على ذلك يمكن أن يقدم تربة مغذية ملائمة لعدة أحزاب. عند القيام بهذه النزهة الرعناء في حقل النظرية، برهن ستالين على قدر أكبر مما أراد أن يثبت. فمن تعليلاته يترتب ليس فقط أنه لا يمكن أن يكون هناك أحزابًا مختلفة في الاتحاد السوفييتي، وإنما لا يمكن أن يكون هناك حتى حزب واحد. لأنه حيث لا توجد طبقات، فليس هناك بصفة عامة مكان للسياسة. مع ذلك يستنتج ستالين من هذا القانون نتيجة "سوسيولوجية" في صالح الحزب الذي هو سكرتيره العام.
يحاول بوخارين أن يتناول المسألة من جانب آخر. يقول، في الاتحاد السوفييتي، مسألة أين نذهب – إما خلفًا للرأسمالية وإما أمامًا إلى الاشتراكية – لم تعد موضوعًا للمناقشة. وعلى ذلك فإنه "لا يمكن أن يسمح لمشايعي الطبقات المعادية التي صفيت بأن ينتظموا في أحزاب". هذا إذا تغاضينا عن حقيقة أنه في بلد الاشتراكية المنتصرة سوف يكون مشايعو الرأسمالية دون كيشوتيون مثيرون للسخرية فحسب غير قادرين على إنشاء حزب، والاختلافات السياسية القائمة أبعد من أن تشكل في البديل: إلى الاشتراكية أم إلى الرأسمالية. هناك أسئلة أخرى: كيف الذهاب إلى الاشتراكية، بأي إيقاع، الخ. اختيار الطريق ليس أقل أهمية من اختيار الهدف. من الذي سيختار الطريق؟ إذا كانت التربة التي تغذي الأحزاب السياسية قد اختفت بالفعل، فما من سبب إذن لمنعها. وعلى النقيض، فهذا هو الوقت، بالتوافق مع برنامج الحزب، لإلغاء "كل الحدود الموضوعة على الحرية أيًا كانت".
في محاولة لتبديد الشكوك الطبيعية عند محاوره الأمريكي، قدم ستالين اعتبارًا جديدًا: "سوف تقدم قائمة من المرشحين ليس فقط من قبل الحزب الشيوعي وإنما من المنظمات الاجتماعية غير الحزبية. ونحن لدينا المئات منهم ... كل فئة من الفئات القليلة (في المجتمع السوفييتي) يمكن أن يكون لها مصالحها الخاصة وتعكسها (تعبر عنها؟) من خلال المنظمات الاجتماعية القائمة التي لا حصر لها؛ النقابات، التعاونيات، والمنظمات الثقافية الخ" ليست هذه السوفسطائية بأفضل من الأخرى. إن المنظمات "الاجتماعية" السوفييتية لا تمثل على الإطلاق مصالح "الفئات القليلة" المختلفة، لأنها جميعا لديها نفس البنية التراتبية. حتى في هذه الحالات التي تمثل فيها بوضوح منظمات جماهيرية، كما في النقابات والتعاونيات، فإن الدور الفاعل فيها يلعبه على نحو حصري ممثلو المجموعات العليا ذات الامتيازات، وتبقى الكلمة الأخيرة لـ"الحزب"؛ أي البيروقراطية. يحول الدستور الناخب فحسب من بونطيوس إلى بيلاطس.
لقد تم التعبير عن ميكانيكية هذا بتحديد كامل في نفس نص القانون الأساسي. إن المادة 126 وهى محور الدستور كنظام سياسي، "تضمن حق" كل مواطن ذكرًا أو أنثى في أن يتشكلوا في نقابات وتعاونيات، ومنظمات شبابية، ورياضية، ودفاعية، وثقافية، وتقنية وعلمية. أما بالنسبة للحزب – فإن هذا، تركيز للسلطة – هنا ليس هذا مسألة حق للكل، وإنما امتياز للأقلية. "إن المواطنين الأشد فعالية ووعيًا() الآتون من صفوف الطبقة العاملة والفئات الأخرى من الجماهير الكادحة، متحدون في الحزب الشيوعي ... الذي يؤلف الأنوية القائدة لكل المنظمات، اجتماعية وحكومية". هذه الصيغة الصريحة المذهلة أُدخلت في نص الدستور نفسه، تكشف كامل خيالية الدور السياسي لهذه "المنظمات الاجتماعية" الأفرع الخاضعة للرسوخ البيروقراطي.
ولكن إذا لم يكن هناك صراع أحزاب، ربما كان للفرق المختلفة أن تكشف عن نفسها داخل الحزب الواحد في هذه الانتخابات الديموقراطية؟ ردًا على سؤال صحفي فرنسي بصدد التجمعات في الحزب الحاكم، أجاب مولوتوف: "في الحزب ... بذلت جهود لخلق فرق خاصة ... ولكن مضت بالفعل عدة سنوات منذ أن تغير الوضع جوهريًا بهذا الصدد والحزب الشيوعي بات وحدة بالفعل". وهذا مبرهن عليه بأفضل شكل من خلال التطهيرات المستمرة ومعسكرات الاعتقال. بعد تعليق مولوتوف، فإن آليات الديموقراطية واضحة تمامًا. "ماذا يبقى من ثورة أكتوبر"، يسأل فيكتور سيرج، "إذا كان كل عامل يسمح لنفسه أن يطرح طلبًا، أو يعبر عن حكم نقدي، يخضع للسجن؟ أوه، بعد ذلك يمكنك أن تقرر ما شئت من تصويتات سرية كما يعجبك!" هذا حقيقي: حتى هتلر لم يعتدِ على التصويت السري.
لقد انزلق المصلحون في جدال نظري حول العلاقات المتبادلة بين الطبقات والأحزاب لحد الشجار. إنها ليست مسألة سوسيولوجيا، وإنما المصالح المادية. إن الحزب الحاكم الذي يتمتع باحتكار في الاتحاد السوفييتي هو الآلة السياسية للبيروقراطية، الذي لديه ما يفقده في الواقع ولا شيء يكسبه أكثر. وهو يريد أن يحفظ "التربة المغذية" لنفسه فقط.
***
في بلد لم تبرد فيه حمم الثورة بعد، تحرق الامتيازات هؤلاء الذين يملكونها مثل الساعة الذهبية المسروقة التي تحرق لصًا غير محترف. لقد تعلمت الفئة السوفييتية الحاكمة أن تخشى الجماهير بخوف بورجوازي تمامًا. يعطى ستالين الامتيازات الخاصة النامية للدوائر العليا تبريرًا "نظريًا" بمساعدة الأممية الشيوعية، ويدافع عن الأرستقراطية السوفييتية من السخط الشعبي بمساعدة معسكرات الاعتقال. وحتى تواصل هذه الآلية الاشتغال، فإن ستالين مضطر من وقت لآخر أن ينحاز إلى "الشعب" ضد البيروقراطية؛ بالطبع، بموافقتها الضمنية. وهو يجد من المفيد أن يلجأ إلى التصويت السري من أجل أن يطهر جهاز الدولة على الأقل جزئيًا من الفساد الذي يفترسه.
بشكل مبكر يعود إلى 1928، كتب راكوفسكي، مناقشًا عددًا من حالات شغل العصابات البيروقراطية التي كانت قد ظهرت على السطح: "إن أشد ما يصدم والشيء الأشد خطرًا في انتشار هذه الموجة من الفضائح هو سلبية الجماهير، والجماهير الشيوعية حتى أكثر من غير الحزبية ... بسبب الخوف من هؤلاء الذين في السلطة، أو ببساطة بسبب اللامبالاة السياسية، لقد جعلوا هذه الأشياء تمر دون احتجاج، أو أنهم اكتفوا بالتذمر". خلال الثماني سنوات التي انصرمت منذ هذا الوقت، أصبح الوضع أسوأ بما لا يقارن. إن انحلال الآلة السياسية، الذي يكشف نفسه في كل خطوة، قد بدأ يهدد وجود الدولة ذاتها التي لم تعد الآن أداة للتغيير الاجتماعي للمجتمع، وإنما كمصدر للسلطة، والدخل والامتيازات للفئة الحاكمة. كان ستالين مضطرًا أن يعطى لمحة عن هذا الدافع وراء الإصلاح. "لدينا مؤسسات غير قليلة تعمل على نحو رديء ... سوف يكون التصويت السري في الاتحاد السوفييتي سوطًا في يد السكان ضد أجهزة السلطة التي تعمل بشكل رديء" هذا هو ما قاله لروى هوارد. اعتراف لامع! بعد أن خلقت البيروقراطية مجتمعًا اشتراكيًا بيدها، باتت تشعر بالحاجة إلى ... سوط! هذا أحد دوافع الإصلاح الدستوري وهناك سبب آخر ليس بأقل أهمية.
عند إلغاء السوفييتات، يذيب الدستور الجديد العمال في جمهور السكان العام. مما لا ريب فيه، أن السوفييتات قد فقدت منذ وقت طويل دلالتها السياسية. ولكن مع نمو التناقضات العدائية الاجتماعية الجديدة، واستيقاظ جيل جديد، قد تعود للحياة مرة أخرى. وبصفة خاصة، بالطبع، سوفييتات المدن مع الإسهام المتزايد للشباب الشيوعي الغض والمتطلب. وفي المدن فإن التضاد بين الترف والحاجة غاية في الوضوح لكل الناظرين. إن الهم الأول للأرستقراطية السوفييتية هو أن تتخلص من سوفييتات العمال والجيش الأحمر. فمن السهل التعامل مع سكان المدن المتناثرين. أما المزارعون الجماعيون فيمكن حتى أن يستخدموا ببعض النجاح ضد عمال المدن. وليست هذه هي المرة الأولى التي تعتمد فيها بيروقراطية رجعية على الريف في صراعها ضد المدينة.
إن ما هو مبدئي وله مغزى في الدستور الجديد، ويرفعه عاليًا فوق أشد الدساتير ديموقراطية في البلدان البورجوازية هو اتسامه بإعادة صياغة مخففة للوثائق الجوهرية لثورة أكتوبر. أيًا كان الأمر فيما يتصل بتقدير الانتصارات الاقتصادية، فإنه يشوه الواقع بمنظورات زائفة ومتبجحة. وأخيرًا أيًا ما كان ما يتعلق بالحرية والديموقراطية فهو مشبع تمامًا بروح الاغتصاب والسخرية.
يمثل الدستور الجديد، كما هو حاصل، خطوة واسعة للخلف من المبادئ الاشتراكية، إنه حيك وفصل ليناسب المجموعة الحاكمة، وعلى ذلك فهو يتبع نفس المسار التاريخي مثل التخلي عن الثورة العالمية لصالح عصبة الأمم، واستعادة العائلة البورجوازية، واستبدال الجيش الدائم بالميليشيا، وإعادة بعث الرتب والزخرفات، ونمو عدم المساواة. وبالتعزيز القانوني للبيروقراطية المطلقة "ما فوق الطبقية"، يخلق الدستور الجديد مقدمات ميلاد طبقة مالكة جديدة.

المحتويات
(1) جدل العلاقة بين الدستور والوضع التاريخي 3
(2) النص الدستوري والممارسة التاريخية 5
(3) انتهاك الدستور البروسي 35
(4) فخ الدستور البروسي 37
(5) حول المسألة الدستورية في ألمانيا 45
(6) ثلاث دساتير جديدة 65
(7) الدولة الدستورية النموذجية 73
(8) دستور الجمهورية الفرنسية الذي أقر في 4 نوفمبر 1848 77
(9) ماركس والدستور البريطاني 93
(10) حول جوهر الدساتير 99
(11) احتجاج الشعب الفنلندي 125
(12) السوق الدستوري 131
(13) المسألة الدستورية في روسيا 137
(14) تصفية الثورة بالعنف في إطار دستوري 153
(15) لا ضمانة لدستور ديموقراطي سوى الانتفاضة الشعبية 157
(16) المقاطعة والدستور الملكي البوليسي 163
(17) تبدد الأوهام الدستورية 171
(18) الأزمة الدستورية في بريطانيا 173
(19) النضال ضد الأوهام الدستورية 177
(20) الدستور السوفييتي عام 1918 (مقتطف) 193
(21) دستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية الجديد 197
(22) حول مسودة دستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية 211
(23) الاتحاد السوفييتي في مرآة الدستور الجديد 245
المحتويات 257



#سعيد_العليمى (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حزب العمال الشيوعى المصرى ومنتقدوه - تجار الثورة العابرون - ...
- بندلى جوزى وكتابه من تاريخ الحركات الفكرية فى الإسلام
- أنطون مارون – أول شهيد للحزب الشيوعى المصرى القديم ( 1924 )
- حزب العمال الشيوعى المصرى - ضد كل أشكال تصفية القضية الفلسطي ...
- حزب العمال الشيوعى المصري - ملاحظات أولية حول خطوط الحركة ال ...
- تروبادورالثورة الدائمة بشير السباعى - تشماويون وتروتسكيون
- ح ع ش م - الموقف من هزيمة يونيو - حزيران 1967
- التنظيم الشيوعى المصرى ( تشم ) – سلف ح ع ش م - ملف قضايا الش ...
- تونى كليف ضد القضية الفلسطينية ؟ 2
- تونى كليف ضد القضية الفلسطينية ؟
- مداخلات حول انحرافات الحركة الشيوعية المصرية
- ح ع ش م - أروى صالح حين مسها حلم الثورة
- ح ع ش م - ابراهيم فتحى ورحلته عبر التنظيمات الشيوعية
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ...
- تأريخ ح ع ش م – عصمت الماجد ومقاومة الكارثة الوطنية – 6
- تأريخ ح ع ش م – مجدى أحمد حسين وغوايات الأيديولوجية – 5
- تأريخ ح ع ش م – صلاح العمروسي ومهمات النضال الفلسطينى – 4
- تأريخ ح ع ش م – فتح الله وناطورة – الكتابات العمالية – 3
- تأريخ ح ع ش م – ابراهيم فتحى والكتابات التأسيسية -2
- تأريخ ح ع ش م - وأروى ماقبل المبتسرون - 1


المزيد.....




- خبير بالأمم المتحدة: -عمل قسري واسترقاق- محتمل في شينجيانغ ا ...
- السفير السوري: الدولة اللبنانية خطت خطوة إيجابية باتجاه عودة ...
- المتحدث باسم الخارجية الايرانية يعرب عن استعداد طهران لابرام ...
- وكالة: تحركات الأمم المتحدة لعزل روسيا تفتر بعد نحو 6 أشهر م ...
- منظمة حقوقية: السعودية تتعامل مع المنتقدين بمثابة الإرهابيين ...
- نقص المساعدات يفاقم معاناة اللاجئين السوريين في الأردن
- اعتقالات واسعة في مناطق متفرقة بالضفة
- الهجوم على سلمان رشدي يظهر تهديدات لحرية التعبير - الفايننشا ...
- -قسد-: الجيش التركي سينقل قسرا عددا كبيرا من اللاجئين إلى سو ...
- -قسد-: الجيش التركي سينقل قسرا عددا كبيرا من اللاجئين إلى سو ...


المزيد.....

- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي
- حكام الكفالة الجزائية دراسة مقارنة بين قانون الأصول المحاكما ... / اكرم زاده الكوردي
- الحماية القانونية للأسرى وفقاً لأحكام القانون الدولي الإنسان ... / عبد الرحمن علي غنيم
- الحماية القانونية للأسرى وفقاً لأحكام القانون الدولي الإنسان ... / عبد الرحمن علي غنيم
- الوهم الدستورى والصراع الطبقى - ماركس ، إنجلز ، لاسال ، ليني ... / سعيد العليمى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - سعيد العليمى - الوهم الدستورى والصراع الطبقى - ماركس ، إنجلز ، لاسال ، لينين ، تروتسكى ، ستالين