أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ربيحة الرفاعي - بين الخلق من طين ونظرية الخلق العلمية















المزيد.....

بين الخلق من طين ونظرية الخلق العلمية


ربيحة الرفاعي
كاتبة وباحثة

(Rabiha Al-refaee)


الحوار المتمدن-العدد: 6122 - 2019 / 1 / 22 - 08:49
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ثمة اختلاف كبير بين أن تقول إذ ترى ثوبا حريريا جميل التفصيل أنه من لعاب دودة القزّ، مشيرا إلى مبتدأة، وبين أن تشرح تفاصيل سيرورة ذلك من لحظة مباشرة الغدد اللعابية في فم دودة القز إفراز سائل صاف لزج يخرج من خلال فتحات تسمى المغازل، لنسج شرنقتها، فاحتكاكه بالهواء فتصلبه خيطا حريريا يبلغ طوله 300إلى 900 متر، ثم قيام الإنسان بقتل دودة القز المتشرنقة قبل اكتمال نمّوّها كي لا تمزق الخيط في خروجها، فجمع الخيوط، فنسجها قماشا، ثم وضع تصميم الثوب، فقص القماش فحياكته وصولا لصيرورته الثوب الذي رأيت.
وهو مثال أوردته في كتابي" كانت أولا "، وأتحمس جدا لاستخدامه مدخلا للحديث في حكاية الخلق من طين، لما فيه من إشارة لاختزال حكاية طويلة في مصطلح أو تعبير يشملها في دلالته بما لا يصح معه إغفالها عند ذكره، وهو بزعمي منطقي التوظيف عند الحديث عن العلاقة بين نظرية الخلق العلمية وخلق الإنسان من طين كما ذكر في القرآن وفي المسيحية واليهودية، ونقرأ في ذكر الله لخلق الإنسان من طين وخلق الإنسان من تراب في القرآن الكريم قوله تعالى
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾ (السجدة 7).
﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ﴾ (ص 71).
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ (المؤمنون 12).
﴿ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا ۚ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ﴾(الصافات 11).
﴿ قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾(الحجر 33).
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ (الحجر26).
﴿ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ (الرحمن 14).
وفي ما تقدم من الآيات –وفي آيات غيرها- إشارة للبدء.. بدأ خلق الإنسان من طين ومن تراب ومن صلصال، والطين لغة هو التراب المختلط بالماء، وقد يسمى بذلك وإن زالت عنه رطوبة الماء. ومنه قولهم الطينة الخلقة والجبلّة، وطانه على الخير أي جبله عليه.
قال أبو إسحق في قوله تعالى أأسجد لمن خلقت طينا: نصب طينا على الحال أي خلقته في حال طينته" كما في لسان العرب.
والصلصالُ هو الطين اليابسُ الذي لم تصبْه نارٌ، والحمأ هو الطينُ المتغيِّر إلى السوادِ.

والطين في الجيولوجيا وعلم البيئة: وحل أو تراب مختلط بالماء، وهو مادة تتكون من سيليكات وألومنيات بعض العناصر مختلطة ببعض المواد العضوية، حبيباتها دقيقة متماسكة.

فكيف نقرأ الآيات إذا في إطار ما يقول ظاهر نصّها ودلالاته من جهة، وما هو متحقق لدينا من علوم من جهة أخرى، متحررين ابتداء مما غرس في أذهاننا من موروث فرضته التفاسير التي اعتمدت أساسا لفهما الآيات؛ سقفا معرفيا قوامه المحدودية العلمية والمعلوماتية ، واستحواذ الأسطورة والإسرائيليات على المردود الفكري والثقافي في زمانها، وهوما نراه واضحا فيما بين أيدينا من تفسير للآيات ...
ولعل من الضرورة بمكان هنا، وتأييدا لزعمي بتورط الأسطورة في تفسير آيات الخلق استعراض بعض ما تقوله الأساطير ونراه حاضرا في تصوّر الخلق الذي فرضته علينا التفاسير، حيث تفسّر الأسطورة الوجود ابتداء بالمياه الابتدائية التي هي وفقا لها الإلهة الأولة التي انبثق عنها كل شئ ، ومن الإلهة الأولى ولدت الأرض والسماء متحدتين، وأنجبتا الهواء الذي فصل بينهما، والهواء في الأسطورة السومرية هو الإله إنليل، الذي أنجب الإله أنكي والأخير هو من خلق الإنسان عبدا للآلهة، وتقول الأسطورة في هذه الجزئية منها في نص يتألف من 141 سطر يعود بلغته ومفرداته إلى مرحلة البابلية القديمة (حوالي 1900 ق.م) ، أن الإله إنكي Enki إله المياه السفلية العذبة وإله الذكاء والخلق ومهارة الصنع وناشر الحضارة والمعرفة هو إله دائم الإسترخاء على فراشه ، وأن الآلهة كانت تتذمر لطول نومه بينما تعاني هي/الآلهه متاعب العمل، ووفقا للأسطورة تطلب منه أمه الإلهة نامّو Nammu الأم البدئية، تصوّر وخلق البشر لإراحة الآلهة، والقيام بالعمل عنهم، فيعدّ قالبا ليملأ بالصلصال -بما يماثل النموذج الأولي للصناعة في سومر بزمان الأسطورة- ويكلف أمه وسبع من الآلهات المساعدات بعرك الصلصال ليعطي شكلا لذلك القالب فيصنع البشر، ويكلف الإلهة ننماخ (وهي الأرض الأم في الأسطورة) أن تطبع عليه صورة الآلهة( ).

" الآلهة الذين ولدتهم أنا، يتّهمون!
غادر فراشك يا بني، ومارس مواهبك بذكاء.
لتصنع من يحل محل (؟) الآلهة.
لكي يتوقفوا عن العمل!
لدى استماعه كلمة أمّه نامّو.
غادر أنكي فراشه.
وبعد أن قام] [ … الذكي والحكيم والفطن ] [ … والماهرصانع كل شئ،
(قام بإعداد قالب وضعه بالقرب منه ودرسه بإمعان.
وعندما توصّل أنكي الصانع بشكل طبيعي،
توصل إلى إنجاز مشروعه بدقة (؟)
توجه عند ذلك إلى أمه نامّو:
أماه، المخلوق الذي فكّرت به
هو ذا جاهز للقيام بالعمل من أجل الآلهة!
عندما تعمدين إلى عرْك كتلة من الصلصال
تستخرجينها من ضفاف الأبسو
سوف نعطي شكلا (؟) لصلصال ذلك القالب (؟)" ( 1)
وبعيدا عن الغوص في دراسة أي الأساطير أخذت عن الأخرى وليس هذا موضوعنا، نكتفي بالإشارة إلى عنوان مقولة الخلق في بعض تلك الأساطير بنسبتها، حيث تقول اسطورة "اينوما ايليش" Enuma Elishالبابلية التي تعود لبدايات الألف الثاني قبل الميلاد ويعتبرها بعضهم سفر التكوين والخليقة الأول، أن الإله مردوخ بعد أن خلق السموات والأرض بشق تعامة نصفين، أخذ التراب ومزجه بدم الإله " كنجو "kingu إله الشر الذى كان قد ذبح فى المعركة، وصنع منه الإنسان ليكون خادما للالهة( 2)، وهو بذلك طين أيضا، وفي نص سيبار نقرأ:
"ثم صنع مردوخ مغرفة من قصب وضعها على وجه الماء.
وعجن طينا وسكبه مستعملا المغرفة.
فلكي يخلد الآلهة ويهدأوا في مساكنهم.
خلق لهم الإنسان إلى جانبهم خلق لهم بذور البشر"( 3).
بينما تعود نسبه هذا الخلق من طين في الأسطورة المصرية للإله خنوم khnum الذي تصوّره النقوش المصرية القديمة صانع فخار شكّل الإنسان من طين ونفخ في أنفه نسمة الحياة، وما زالت هذه النقوش ماثلة حتى اليوم تعلن للناس سبق أسطورية هذه الحكاية للديانات السماوية التي استنسخها أتباعها بوثنية ما زالت تسكن أعماقهم وألبسوها لكلام الله.
ونسبت الأسطورة الإغريقية وبعد سلالات بشرية ذهبية ففضية فبرونزية فحديدية خلقتها الآلهة لتمجيدها ومن ثم خسفتها للعالم السفلي تكليف كبير الآلهه زيوس للإله "بروميثيوس" بخلق البشر، وتقول الأسطورة فيما يكاد يكون نقلا عن الأسطورة السومرية، أنه استعان بأخيه أبيمثيوس، الذي هداه إلى الطين فصنع منه الإنسان على صورة الآلهة وأنهم كانوا جميعا رجالا... ونفخ أيدوس (كيوبيد إله الحب) فيه من روحه، ونفثت فيه الإلهة أثينا منيرفا نفثتين هما النفس والعقل، ووفقا لرواية الشاعر الإغريقي هسيود 700 ق.م. فإن بروميثيوس هو خالق الذكور من البشر من الطين. وتشير نصوص الأساطير إلى أن الآلهة هم من منح البشر نَفَس الحياة، تماما كما تحدثت أسطورة أخرى عن تصنيع البشر في قوالب ملئت بالصلصال، ولعل في جبل الصلصال بدم إله ما يفسر حديث الأسطورة عن اعتبار الإنسان من نفس إله ومن روح إله إضافة لكونه من صلصال( 4).
هكذا تحدثت الأساطير عن خلق الإنسان، بصنعة إله لم ترتق ملكاتهم الذهنية وقدرتها على التحليق لتصور قدرته على الإبداع أسمى من صنمية التشكيل من طين، في زمن كانت أقصى إمكاناتهم فيه صناعة الفخار، لكن فهما جديدا بدأ يتشكل لدى الإنسان منذ عصر الثورات العلمية في القرن السابع عشر، وباتت ملكاته الذهنية قادرة على التحليق أبعد بقرون مما كان لرجل الكهف، في ظل ما تحقق له معرفيا وما استند إليه في معرفته من علوم، مما أدى لنظريات في الخلق مختلفة، حاولت إخضاع أمره للعلم والمقارنة والمنطق، فكانت النظرية العلمية ونظرية داروين، في مواجهة النظرية الأيدولوجية التي اعتقد بها الأولون وخطّوها في أساطيرهم، واعتقد بها بعدهم أتباع الديانات السماوية وفرضوها على النصوص الدينية. فما الذي تقوله النظرية العلمية، وكيف تفسّر الخلق؟

• النظرية العلمية (الإيبوجينسيس)
يبلغ عمر الأرض أربعة مليارات وأربعمائة ألفسمة، أي يقارب نصف المليار من السنوات، وليست بشابة يدورعمرها حول الستة آلاف سنة كما تقول بعض نظريات الخلق الدينية، وقد ظهرت الحياة عليها منذ تلك المليارات الأربعة، وتقول الأبحاث أن نسبة النظائر المستقرة ل الكربون والحديد والكبريت قبل حوالي 2.4 بليون سنة أظهرت نشاط الكائنات الحية على المعادن والرواسب اللاعضويه، وتدل العلامات أو الادلة الجزيئية البيولوجيه على حدوث عملية التمثيل الضوئي، مما يشير لوجود الحياه على الارض في ذلك الوقت، وقد نشر في العام 2002 بحث لوليام تشوف في مجلة Nature العلمية، يتحدث عن تكوينات جيولوجية من نوع الرقائق الكلسية الموجودة في جلاسيير ناشيونال بارك، تحتوي على ميكروبات Cyanobacteria يصل عمرها لحوالي 3.5 بليون سنة.

وينسب علماء الطبيعة لعمليات تطوّر دقيقة، استغرقت ما لا يقل عن مليار عام ظهور المواد العضوية من مواد غير عضوية كالميثان والأمونياك وغاز الفحم والآزوت وغيرها، أو ما يمكن اعتباره تحول المادة غير الحية لمادة حيّة، في ظل الظروف الأولى لنشوء الحياة على الأرض، وبتوظيف الهيدروجين الذي يعتبر العنصر الأساسي الذي بدأ منه كل شئ، والذي بدأ تشكّله خلال الدقائق الأولى من البدء عندما أخذت البروتونات والإلكترونات تتحد في الغيمة الناتجة عن الانفجار العظيم (5)، وأيضا الماء وهو جزيئات من الهيدروجين والأكسجين، بالإضافة لقوانين الطبيعة صاحبة الدور الفاعل في التطوير وإحداث الطفرات، والزمان الذي استغرقه كل ذلك والمكان الذي تم فيه (6 )، وثمة اتفاق علمي يقول بأن تفاعلات كيميائية بسيطة مقارنة بالكيمياء الحيوية المعقدة التي تشكل حياتنا هي التي أنتجت هذه الكيمياء المعقدة.
وفي كل حال فقد ظهرت نظريات حاولت تصوّر التسلسل الدقيق للأحداث الكيميائية التي أدت لتكوّن أول الأحماض النووية، ومن أبرزها نظرية عالم الحديد والكبريت بمعنى التمثيل الغذائي من غير الجينات، وفرضيةعالم الــ RNA بمعنى أشكال الحياة البدئية التي تقوم على RNA.

وفي هذا الإطار القائل بأن الكائنات الحية قد تم تكوينها بواسطة وسائل كيميائية بحتة كان قد اقترح كل من العالمين الروسي ألكسندر أوبارين والانجليزي جون هالدين في بدايات القرن العشرين نظريتهما القائلة بأن " كل المكونات اللازمة للحياة قد وجدت على الأرض منذ بداية نشأة الكون، وأن الطاقة الواردة من الشمس وبعض العمليات الأخرى غير المعلومة قد ساهمت في جعل الحياة تبدأ على الأرض".
ونشر الباحث الأمريكي هارولد يوري في العام 1952 بحثا مكملا لنظرية أوبارين هاردين يقول فيها أن الأرض تكوّنت من سحابة نجمية ترابية باردة، وأن عنصر الهيدروجين كان يغلب على تكوينها كباقي الكون بالإضافة لعناصر أخرى كالأكسجين والنيتروجين والكربون، وأن هذه العناصر ارتبط بعضها ببعض مشكلا الماء والأمونيا والميثان.( 7)

وقد حاول العالم الأمريكي ستانللي ميللر بالتعاون مع أستاذه هارولد يوري إثبات ذلك بخلق حالة محاكية لظروف الأرض عند بدء الكون من خلال تكوين نظام مؤلف من كرة زجاجية تشبه الغلاف الجوي البدائي على الأرض الذي يتكون من غازات الهيدروجين والأمونيا والميثان، وكرة زجاجية ثانية في الأسفل تحتوي على الماء المغلي وبخار الماء يتصاعد عبر أنبوب باتجاه الكرة الزجاجية الأولى، وكبديل للأشعة فوق البنفسجية قام بإحداث صواعق بتمرير تيار كهربائي لتأمين الطاقة، ونجحت التجربة بإنتاج ثلاث أحماض أمينية هي غليزين وآلانين وأسباراجين. ونشرت النتائح في مجلة prestigious journal Science في عام 1953 ، وتوالت التجارب التي كانت أكثر دقّة، وحققت نتائج وصلت لإنتاج أحماض أمينية، ودهون ونيوكليوتيدات، ويلاحظ عنا أن الأحماض الأمينية هي لبنات البناء الرئيسية لبناء البروتين والببتيد، وهي مجموعة من المركبات العضوية متكونة من مجموعة أمين (–NH2) على الأقل مشتبكة مع مجموعة كربوكسيل (–COOH) ، والنوكليوتيدات هي الجزيئات الأساسية الصغيرة للأحماض النووية، وتستطيع تركيب جزيئات كبيرة. تتابع جزيئات سكر أحادي وإستر حمض الفسفوريك في سلسلة، بحيث يرتبط بكل جزيء سكر أحد القواعد النووية. بلايين القواعد النووية تشكل بلايين النوكليوتديات التي تتراص في التركيب اللولبي المزدوج المسمى DNA.

وباعتبار الـ RNA الذي يتكون من أربع قواعد نوكليوتيداتية وهي : الأدينين والجوانين والسيتوزين واليوراسيل، مرشحا ليكون العامل الذي بدأت به الحياة على الأرض، لكونه يعمل على تخزين المعلومات الوراثية وهي مهمة الـDNA، ومحفزا لردود الفعل وهي مهمة البروتين، اعتبر العلماء أنه إذا تم تكوين هذه القواعد بشكلٍ تلقائي في الأرض المبكرة؛ فقد تم حلَ جزء كبير من لغز نشأة الحياة. ويلاحظ هنا أن كل الخلايا الحية تستعمل نفس المجموعة الأساسية من النيوكليوتيدات والأحماض الأمينية.
وبإيجاز نقول أن الباحثين يعتقدون بأن كيمياء عالية الطاقية أدت لنشوء جزئ ذاتي التناسخ مثل الـ RNA وجمعية الخلايا البسيطة، قبل حوالي أربع مليارات سنة، ويرى العلماء أن جزيئات الفسفولبيد المكونة من الفوسفات وذيلين من الدهن، والتي تقوم باجتماعها بتكوين شكل كروي احتكاما لصفاتها الكيميائية، والقادرة على الانقسام إذا بات حجمها كبيرا، والتي تشكل الطبقة المزدوجة منها المكوّن الأساس لسطح كل الخلايا الحية، لو استطاعت أن تحتوي جزيئات الـRNA المصنعة طبيعياً لنتج ما يشبه الخلايا الحية البسيطة.

• اتفاق مع نظرية الخلق العلمية
وبتراكم التجارب العلمية التي تخرج بنتائج تدعم نظرية الخلق العلمية وتفتح الآفاق لطروحات تزيد من وضوحها، وحين نقرأ آيات الخلق من طين، وقد باتت هذه النظرية من معارفنا، التي لا يصح متى قام الدليل العلمي عليها؛ أن نتشبث بتفاسير تقول بما يناقضها، نجد اتفاقا يطمئن إليه العقل بين ما تقول الآيات من بدء خلق الإنسان من طين وما تقول النظرية العلمية في النشأة الأولى للخلية الحية، التي تقول – كما رأينا- باتحاد عناصر ابتدائية هي مما حوى كوكب الأرض في مراحله الأولى من ماء وغاز وغيره، مما ما فتئ العلماء -الباحثين في أصل الخلق بعلم- جادّين مجتهدين في العمل على معرفته؛ مشكِّلة أول انتقال من المادة غير الحية للمادة الحيّة، التي أنشأ الله منها الخلائق جميعا، ومنهم الإنسان، فالعلماء يتحدثون عن مكونات أساسية حملتها الأرض، ومنها ينطلقون في نظرياتهم وتجاربهم، والله تعالى يذكر التراب والطين الذي هو ماء وتراب وهواء، بكل ما تحمل هذا المواد الثلاث من مكونات أساسية هو أعلم بها. والله ذكر في القرآن أصل خلق من طين ولم يذكر أنه خلقه أو خلق غيره من الخلائق دفعة واحدة مشكلا صنما من طين ومانحا إياه الحياة بعد صنمية، كما لم يذكر ما يتعارض مع أن يكون قد خلقه وكل الخلائق بتدرّج طويل وضع بإرادته قواعده ونواميسه. وفي هذا تجلِ لإعجازية لغة القرآن، وبلاغتها -ولنتذكر هنا مثال دودة القز والثوب الحريري- حيث يَرِد الطين في الآيات هنا مفهوما تجريديا يختصر جميع المفاهيم المتصلة التابعة له من سيليكات وأمونيات وغازات وغيرها مما حوى كوكب الأرض في ترابه ومائه، كاسم فائق الشكل يقرب المعلومة للمتلقي، ويعفيه من تفاصيل اختصاصية قد تربك فهمه أو لا يحتاجها. حيث التجريد هو عملية يتم من خلالها اشتقاق المفاهيم من خلال استخدام وتصنيف المفاهيم الحرفية الحقيقية أوالمبادئ الأولى أو وسائل أخرى متصلة. للخروج بمفهوم يعمل كاسم فائق الشكل لجميع المفاهيم التابعة، ويتفق هذا الفهم لمعنى الطين مع ما تقوله النظريات العلمية وأدلتها، ولا تعارض إذا بين الأصل الطيني للبشر في القرآن ومقولة العلم في نشأة الحياة والخلق إلا في تفاسير أوردت تفاصيل لقوالب، وعجن طين، وصنمية تشكيل لصورة آدم عند خلقه؛ لم يَرِد منها في القرآن شئ، وبادعائها عليه في تفسير آياته وشرحها للخلق منسوبا إليه، ليّ لأعناق الآيات، وتدليس بتلبيسها ما ليس فيها من أساطير الأولين؛ سومرية وبابلية وآكادية وغيرها.

الهوامش
(1) الشّواف، قاسم - ديوان الأساطير . ج1 ص63- 66.
(2) موسكاتى، سبتينو - الحضارات السامية القديمة، ص 85.
(3) السواح، فراس – مغاغمرة العقل الأولى – ص91.
(4) الشواف، قاسم– ديوان الأساطير، سومر وآكاد وآشور. ج2. ص85.
(5) ديتفورت، هويمارفون. تاريخ النشوء. دار الحوار للنشر والتوزيع. سوريا. ترجمة محمود كبيبو ص37.
(6) أخبار العلوم https://sci-ne.com/article/story_5214
(7) صدقي، حاتم - أهم اختراعات واكتشافات القرن العشرين ط1- 2007. ص 123 المكتبة الأكاديمية– مصر




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,235,936,114
- لم تخلق المرأة من ضلع رجل


المزيد.....




- أبواق المساجد بين مرجعيات الدولة والسلوك المدني
- الاستحمام في شلالات مياه متجمدة... طقوس دينية بوذية في الياب ...
- هل يملك سيف الإسلام الحل ويترشح لرئاسة ليبيا؟
- معارضون للهجرة وبناء المساجد.. 5 من أخطر دعاة الكراهية ضد ال ...
- سيارة مدرعة... الفاتيكان يكشف عن خطته لحماية البابا فرنسيس م ...
- قرار من السيسي بشأن الأقباط في مصر
- ما رسائل ودلالات زيارة بابا الفاتيكان للعراق؟
- نزاع قضائي بين رئيسة المسيحي الديمقراطي إيبا بوش ورجل مسن ‏ ...
- شاهد.. النجف الاشرف تستعد لاستقبال بابا الفاتيكان
- هل تعرقل احتجاجات جنوب العراق زيارة بابا الفاتيكان؟


المزيد.....

-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور
- خَلْق الكون في مقاربته القرآنية! / جواد البشيتي
- للقراءة أونلاين: القبر المحفور للإسلام - دراسة نقدية شاملة ... / لؤي عشري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ربيحة الرفاعي - بين الخلق من طين ونظرية الخلق العلمية