أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد عبد القوي - ماذا لو عرف العرب الفرق الجوهري بين الفكر والشخص ؟!















المزيد.....

ماذا لو عرف العرب الفرق الجوهري بين الفكر والشخص ؟!


محمد عبد القوي

الحوار المتمدن-العدد: 5767 - 2018 / 1 / 24 - 07:57
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في كثيرٍ من المجتمعات يخلط الناس - علي إختلاف مداركهم ومكانتهم الثقافية - بين الفكر والشخص بين الفكر والإنسان
وإذا تحدث أحدٍ ما عن فكرة تعارض فكرهم فإنهم يرفضون الشخص بالكلية ويتهمونه بكل القبح والآثام التي في العالم، أما وإن قال فكرة تتفق مع فكرهم فإنه يصبح كل القبول وكل ما في القلوب والعقول والكون من خير ومُثل وجمال
يقبلون الشخص إذا ما إتفق مع أفكارهم، ويرفضونه إذا ما إختلف معهم
إن هذا الأمر يحدث في كل مناحي الحياة حتي في وسائل التواصل الإجتماعي فتجد الواحد منهم يتفاعل مع كتابات أقل ما يقال عنها أنها تافهه ضيقة الأفق والنظر الثاقب لكنه مع ذلك يجد فيها كل الرصانة والجمال والذكاء لا لشيء إلا لأنه يقبل شخص كاتبها، وفي نفس الوقت لا يتفاعل مع كتاباتِ أخري مهما إتسمت بالذكاء والجمال والدقة المنهجية والفكرية لا لشيء إلا لأنه يرفض شخص كاتبها
إنه لو كان الإنسان يساوي الفكر لما كان هناك معني للتقدم والتأخر - للحب والبغض - للذكاء والحماقة
أي لما كان هناك معني للمتقدم ولما كان هناك معني للمتأخر ...ولما كان هناك معني للمحب الطيب ...ولما كان هناك معني للحاقد الشرير ولما كان هناك معني للذكي ولما كان هناك معني للأحمق الغبي
إنه لو كان الفكر يساوي الشخص لما كانت هناك تفرقة بين الناس وخصالهم
إنه لو كان الإنسان يساوي الفكر لكان معني ذلك تساوي البدائيين الذين يعيشون عالة علي الطبيعة وعلي غيرهم مع المتقدمين الذين يخضعون الطبيعة لهم ويسخرونها لتخدمهم وتخدم البدائيين بواسطتهم أي بواسطة المتقدمين
إنه لو كان الإنسان يساوي الفكر لأصبح جميع البشر السيد المسيح أو النبي إبراهيم أو النبي محمد ولتحولت الأرض إلي أجمل وأخير وأطيب مكان في الكون وإلي بقعة من النور والضياء تبتهج فيها الملائكة هاتفين للحق والعدل والخير وللإله
وإنه لو كان الإنسان يساوي الفكر لأصبح جميع البشر هتلر أو نيرون أو موسيليني أو ستالين ولتحولت الأرض إلي أشرّ وأقبح مكان في الكون وإلي بقعة من الظلام تصطرع فيها الشياطين هاتفين للشر والظلام لأنهم يستمدون منه - أي من الشر - وجودهم وحياتهم
الإنسان يساوي الفكر ؟! إذن أيها العالم قم بحرق كتب التاريخ والآثار والأدلة علي وجود ماضي لك يقول بأنك كنت متخلف لأنك لم تكون يوماً غير ما أنت عليه الآن
الإنسان يساوي الفكر ؟! إذن أيها العالم توقف عن التفكير وعن بذل المجهود وعن إبتكار النظريات وعن بناء المشاريع لأنك حالياً تساويها
إن الإنسان لو كان يساوي الفكر لما كان هناك معني للثقافة وللعلم وللإختراع وللتحضر وللتقدم
إن كل خسائر البشر في كل تاريخهم كانت بسبب الأفكار الرديئة المزعومة الموعوظ بها...وإن كل مكاسب البشر في كل تاريخهم كانت بسبب الأفكار الرصينة الجيدة
إنه من المستحيل أن نستعيد البشر الذين ماتوا في الماضي بينما نستطيع إستعادة الأفكار التي مضت ...ولعل إستعادة العرب لأفكار الماضي كي يتصرفون بمقتضاها وينظرون من خلالها إلي العالم خير دليل
إن الإنسان يموت بينما الأفكار لا تموت وإنما تظل يُنظر إْليها علي أنها صواب أو يُنظر إليها علي أنها خطأ
الإنسان ينتقل من حال إلي حال بينما الفكر جلمود راسخ ...الإنسان متغير بينما الفكر ثابت
إن هناك فرق شاسع بين الفكر والشخص - بين الفكر والإنسان وليس الإثنان شيئاً واحداً ليُحكم عليهم حكماً واحداً، لأنهم شيئين، لأنهم صيغتين، لأنهم كيانين
إننا إذا رجعنا إلي تراث الإنسان الفكري كله، منذ ثلاثة آلاف عام - أيام المثلث الذهبي ((سقراط وأفلاطون وأرسطو)) وباقي مدارس أيونيا الفلسفية - مروراً بالعصر الوسيط ثم الحديث وإكتشاف منهج التفكير العلمي ثم إلي يومنا هذا وبتفكيرٍ بسيط فإننا نستخلص إلي وجود أربعة أزمان يسيران علي الإنسان وليس زمناً واحداً فقط كما هو شائع، والزمن الأول هو الزمن الفيزيائي - زمن الإنسان منذ مجيئه إلي هذا العالم - وهو زمن الساعات والأيام والشهور ...إنه زمن حتمي يتوقف مروره علي مرور الأيام والشهور والسنين
أما الزمن الثاني فهو الزمن البيولوجي - زمن الأنسجة والأعضاء والخلايا الداخلية في جسم الإنسان ، والعمر في هذا الزمن يتوقف علي مدي محافظة الإنسان علي نفسه فيكون الشخص بادياً علي أنه شاباً في حين أن عمره الفيزيائي ستون أو سبعون عاماً وهذا لأنه يحافظ علي نفسه وجسمه ، ويكون بادياً كهلاً في حين أن عمره الفيزيائي عشرون أو ثلاثون عاماً لأنه لا يحافظ علي نفسه وجسمه فلا يمارس الرياضة ويأكل بعدم إنتظام ويدخن السجائر والمخدرات والخمور ...إلخ فبالتالي يبدو كهلاً
وأما الزمن الثالث فهو الزمن الوجودي - الزمن الفلسفي - الزمن الداخلي، والعمر في هذا الزمن يتوقف علي شعور الإنسان وإحساسه ...علي سبيل المثال، عندما تجلس مع حبيبتك وزوجتك فستمر الساعة علي أنها دقيقة، وعندما تجلس مع شخص لا تستلطفه فستمر الدقيقة علي أنها ساعة ...إنه زمن الشعور والإحساس عند الإنسان
وأما الزمن الرابع فهو الزمن (الفكري) الثقافي - الزمن العقلي، والعمر في هذا الزمن يتوقف علي مدي قراءاتك وأبحاثك، فعندما تقرأ كتاباً، إستغرق مؤلفه نحو سنةٍ في تأليفه وأنت تقرأه في ساعة ونص فقط فأنت تضيف هذه السنة إلي عمرك، وكلما قرأت كتباً كثيرة ومجلداتٍ أكثر فستضيف إلي عمرك سنين وسنين كثر، ربما يكون عمرك حينها خمسة آلاف عام، ربما يكون عشرة آلاف عام، ربما مائة ألف عام ... إنك كلما تقرأ كُتبٌ ومجلدات كلما تكون بوتقةٌ تنصهر فيك المعلومات فتنتج معارف جديدة، كلما كنت كبير السن العقلي أي كبير الثقافة أي كبير القامة، أي عظيم الفكر
إن الإنسان وعاء لأفكار تماماً كقدر الطعام الذي هو وعاء للطعام ولا يصح أن يقول عاقل متيقن ركيز أن القدر والطعام شيئاً واحداً
إن الإنسان في حياته يحوي أفكاراً ثم تتبدل هذه الأفكار بأفكارٍ أخري تناقضها وتعارضها، ربما يحوي أفكاراً تتبدل كل يوم وكل لحظة بأفكار أخري تعارضها وتناقضها أشد ما يكون التعارض والتناقض ...لقد كان الصحابة التقاة هم كل أشرار وفساد العالم قبل إسلامهم ، كانوا يرتكبون الفواحش بكل أنواعها ومساوئها ولكن ماذا أصبحوا عند المسلمين ؟! ما قيمتهم الآن لدي المسلمين ؟! ... ولقد كان بولس هو شاؤول كل الشرور والآثام ولكن ماذا أصبح لدي المسيحيون ؟! لقد أنكر بطرس المسيح ثلاثاً ولكن ماذا أصبح عند المسيحيين ؟! لقد تفلسف نيتشه طوال حياته ثم أصبح مجنونا آخر عمره - وما الفارق هنا لأعظم بين الفلسفة والفكر الرصين وبين الجنون والهذيان !
ولقد أنجز نيوتن وماكسويل وجاليليو أفكاراً عظيمة ولا يستطيع عاقل أن يرفضها لأنهم صيغوا وإبتُكِروا بواسطة أشخاص متدينين لا يتناسبون وإعتقاد غير المتدينين
ولقد أنجز هوكينج ودوكينز وساجان أفكاراً عظيمة ولا يستطيع عاقل أن يرفضها لأنهم صيغوا وإبتُكِروا بواسطة أشخاص غير متدينين لا يتناسبون وإعتقاد المتدينين
إن كل إختراع وإبتكار وتقدم - لو أنه حوسب بمنطق الخلط بين الأفكار والأشخاص لظل العرب يسافرون بالبعير ويتصلون ببعضهم عن طريق الصراخ علي بعضهم البعض ولظلوا قروداً يلعبون علي الشجر في مقابل الأمم التي تقدمت وسافرت إلي القمر لأن من صنع كل هذا التقدم لا يتفق مع العرب سواء إن كان أفكاراً أو أشخاصاً
وكل هذا قد أُنجِز لأن هناك فرق شاسع بين الفكر والشخص
قد يحوي القاتل فكرة القتل ثم يبغضها، قد يحوي اللص فكرة السرقة ثم يبغضها ، قد يحوي الحالم فكرة الطيران ولكنها لا تناسبه ، قد يحوي الكون كله في داخله ولكنه لا يستطيع أن يجتازه ...قد يحوي الإنسان كل شيء وأي شيء لكنه في ذاته بلا نموذج فعلي لأي شيء
كم أتمني أن يعرف ويفهم العرب الفرق بين الفكر والشخص ...كم أتمني أن يفهمون هذا جيداً
إنهم لو عرفوا وفهموا هذا جيداً فسوف تتغير حياتهم وكل رؤاهم وتفاسيرهم لكل شيء حولهم
إنهم سيعرفون أن الإنسان يفعل الفعل بناءً علي ما يحوي من الفكر ولا يفعل الفعل لأنه طيب أو لأنه شرير
إن الإنسان ليس طيباً ولا شريراً ولكنه إحتمال بين الإثنين - إنه إحتمال يتحقق إحداه بالفكر الذي يملأ وعاء الإنسان فإذا حمل أفكاراً شريرة ستكون أفعاله شريرة ...وإذا حمل أفكاراً طيبة ستكون أفعاله طيبة
إنهم سيعرفون أن خطأ الإنسان وذنبه هو من نتاج الفكر الذي يحتويه فقط وعندها سيضعون في حسبانهم عند الحكم علي الإنسان جزءاً يسيراً من الأخلاقية وبأن هذا الإنسان من الممكن أن يتغير بعد ذلك لأنه وعاء لأفكار تتبدل وتتغير بشكلٍ مستمر
ليس معني أن يخطيء الإنسان أن يسحب عليه لقب الخطَّاء الدائم، وليس معني أن يصيب الإنسان أن يسحب عليه لقب الصواب الدائم
إنهم سيعلمون أن الإنسان يصيب ويخطيء، وحياته كلها تدور بين الصواب والخطأ لأنه أحياناً يقع تحت كل الظروف الممكنة التي تجعله يسقط، وظروفه هذه تصوغ حالته النفسية فيحوي أفكاراً وبالتالي يقول أشياء ربما لا تتفق مع قناعاته المعهودة، ربما يرفضها، ربما يبغضها، ربما يعدد ذنوبها كثيراً، لهذا فإنهم وقتها لن يقيَّموا إنساناً بناءً علي خطأ ما أو أخطاء ما ...إنهم وقتها لن يرفضوا الإنسان لكلامٍ يقوله أو فعل يؤتيه ...إنهم وقتها سيناقشون الأفكار الرديئة التي جعلت هذا الإنسان يسقط وينقدونها حتي لا يقع فيها إنسانٌ آخر
إن معرفة حقيقة الفرق بين الفكر والشخص إنما هي معرفة الأخلاق كما يجب أن تكون ...والرقي كما ينبغي أن يُنشر ...والتحضر كما يُراد أن يوجد
إن هذه المعرفة - أي معرفة الفرق بين الفكر والشخص - أخلاق وتحضر وتواد وتراحم وحب بين أفراد المجتمع لأنها تجعل من الأخوة والصداقة علاقة أبدية ...إنها أيضاً تنشيء في العلاقة الزوجية رابطاً متيناً عظيماً بين المرأة والرجل لأنهم حينها سيدركون أن الأخطاء التي تحدث منهم تجاه بعضهما البعض هي نتاج أفكار من الممكن أن تتغير بما يناقضها ويعارضها لتتحول من أفكار هادمة للبيت إلي أفكار معمرةٌ له وبانيةٌ له وموسعةٌ له ومكبرةٌ له بالحب والأبناء والرقي والتحضر وكل صيغ وتفاسير الجمال الإنساني
إن العرب لو عَرِفوا هذه المعرفة وغيرها وقتها فقط يكون التسامي والرقي والتطور الحضاري للإنسان العربي ولكل المجتمعات العربية .




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,239,804,526
- نحن آكلين لحوم البشر
- التَيَقُّنْ - منهج بدائي
- الإستهانة بعقل المتديِّن وسلبه من أخطر الآفات المجتمعية
- حينما تكونُ إنساناً
- السفر عبر الزمن - مغامرة علمية شيِّقة
- إمرأة تحرج رجال الدين - واقعة من التراث الفارسي
- قصة آيات القتال في القرءان
- ماذا يحدث بعد الموت ؟!
- كلهم دواعش وإن إختلفت الصيغ والأساليب
- لماذا تعددت تشريعات الإسلام بالمقارنة مع الأديان الأخري ؟!
- لماذا يمتليء التراث العربي بتشريعات الجنس والنكاح ؟!
- هل الإسلام المتداول هو الإسلام الحقيقي أم لا ؟!
- إلي رجل الدين أو الداعية، المدعو (عمرو خالد) ...


المزيد.....




- مجلس التعاون الخليجي يدين إطلاق الحوثيين صواريخ باليستية على ...
- -بلومبيرغ-: الولايات المتحدة وبريطانيا تدرسان فرض عقوبات جدي ...
- دبيبة يسلم تشكيلة حكومته الجديدة للبرلمان
- بلجيكا تؤيد فكرة إعادة أطفال الجهاديين البلجيكيين من سوريا
- بلجيكا تؤيد فكرة إعادة أطفال الجهاديين البلجيكيين من سوريا
- هل الحصول على لقاح كورونا في نهار رمضان يُفطر؟
- روسيا للاتحاد الأوروبي.. تعاون ضد كورونا دون تسييس
- مشاهد جديدة لانفجار مركبة -ستارشيب- بعد دقائق من هبوطها
- إيران: مستعدون للعدول عن خفض التزاماتنا في الاتفاق النووي بش ...
- بلجيكا تعتزم استعادة أطفال وأمهات محتجزين في سوريا


المزيد.....

- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي
- صيرورة الإنسان العاقل (منعرجات تطور الجنس البشري) / مصعب قاسم عزاوي
- أسرار الدماغ البشري / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد عبد القوي - ماذا لو عرف العرب الفرق الجوهري بين الفكر والشخص ؟!