أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نغم المسلماني - شراكة من نوع خاص















المزيد.....

شراكة من نوع خاص


نغم المسلماني

الحوار المتمدن-العدد: 5515 - 2017 / 5 / 9 - 23:37
المحور: الادب والفن
    


أتساءل كيف مضت تلك الليالي دون أن تمتد إليكِ يدٌ تكفكف بقايا الدمع وتزيل ما أرّق وجهكِ من غبار ساعات النهار المنهِكة، ولا يرتد إليكِ صوت يقاسمكِ سكون الليل الموحش بكلماتِ دافئة تطرد مخاوفه وعتمته بعيداً؟!
لم أختبر حقاً ذلك الشعور، فلم أَتَرَفع بعد لرتبة زوجة مقاتل، ذهب لحماية أعراض وأنفس لا تقربهُ بشيء سوى الوطنية المجردة، فترك لأجلهم منزلاً خلا إلا من زوجة صالحة صيرت شبابها درعاً بألف مقاتل لحماية منزلها وأبنائها.
الصعب جداً اختبار المستحيل، والأصعب هو الاعتياد عليه بقناعة ورضا؛ لا لشيء سوى أنه تكليف منصوص بمشيئة الخالق ومنسوج مع خيوط لفائفنا البيضاء منذ أن خرجنا إلى هذه الدنيا ونحن لا نعرف سوى طمأنينة الانتماء لعتمة عالم خفي للأمومة.
بعدها وبطبيعة الحال أصبحنا نروم نهاية الحكاية، فلم نتكبد أبداً عناء تصفح أجزائها الأولى ولحظاتها البكر، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على قصورنا، لذا بات من واجبي الاهتداء لبداية المخاض ومكنون طواعية الطواف حول المرجعية، ومرارة الرحيل الأول وصولاً إلى فوضى المشاعر العارمة التي تصدّرها الخوف مسرعاً يزف أسوأ الهواجس والخيالات.
وها أنا ذا أقف على أعتاب الحقيقة ومشارف الفردوس، أرقب لحظاتٍ مضنية أُسرِجَتْ على صهوة زوجة مقاتلة، تقاسمت مع زوجها معركته جهاداً وتضحية ؛ فأتم كل منهما واجبه على أكمل وجه فكانا خير شيعةٍ وموالين.
إنه المقاتل البطل يعقوب قاسم الشهير بـ (طوسي).. وتلك هي زوجته التي بدأت حواري معها بتساؤل عن مشهد الالتحاق الأول فقالت:
كأنه حدث للتو.. لا زلتُ أرى صورته أمامي وهو يتأهب للرحيل ويقبل نحوي حاملاً حقيبة ملابسه بيده اليسرى، أهبينحني ليطبع على جبيني قبلة صامتة ويمرر يده اليمنى على رأس مولودنا الجديد، وقتها كان خوفي على مصيره المحتوم يغريني بالجفاء ويمنعني من النهوض لتوديعه ومؤازرته، حتى كأن النظر إليه أصبح مستحيلا بالنسبة لي، لأني خشيتُ أن يكون هذا اللقاء الأخير.. على هذا الجفاء ودعنا بعضنا، حيث كان التحاقه الأول بمدينة (العوجه) رابط فيها خمسة عشر يوماً مرت كأنها سنين ثقيلة ثم عاد بعدها فكان للقاء الأول؛ مشاعر مغايرة وحلاوةٌ غريبة جرفت معها كل ما ترك الزعل من صدأ، فلم تترك بيننا سوى لهفته على أطفاله وسعادتي الغامرة بعودته على قيد الحياة دون إصابة.
كان رجوعه سالماً يعلو سقف توقعاتي، غير أن ذهولي تلك اللحظة لم يدم طويلاً فقد كسرت قيوده بالعناق ودموع الفرح.
ـــ كيف هي إذن لحظات الفراق؟
متعبة.. تركني حين كنت بأمس الحاجة لوجوده، فقد ولدتُ للتو وتزامن التحاقه مع حلول أحب الأشهر لله (شهر رمضان الفضيل) الذي مرّ دون أن تقر أعيننا بوجوده، لا أذكر أنني وطئتُ سفرة الرحمن يوماً دون دموع، وما آلمني أكثر هو تعلق أولادي به خاصة (علي وحسن)، كانوا يسألون عنه باستمرار وساءت طباعهم بغيابه، ذلك لأنهم لم يختبروا غيابه قبل ذلك، فبدأت أتحمل عبء الدورين وأنظم كل شيء وحدي لأعوض غيابه، وأحياناً تتكرر المواقف الصعبة التي تشتد بها حاجتنا اليه، كما حدث حين ارتفعت درجة حرارة رضيعي وأنا وحيدة لا أعرف ما العمل، أو كالليلة الموحشة التي انقطع فيها التيار الكهربائي حتى الفجر والجوال غير شاحن، كانت ليلة مخيفة لم تذق أجفاني طعم النوم تحت سطوة الخوف والعتمة.
ـــ كيف كانت تسير الأمور عند انقطاع الاتصال بينكم وبين طوسي في وقت الطوارئ والهجمات؟
يزداد الضغط النفسي فأبقى أسيرة ضغوط عديدة تقض مضجعي، محاصرة بعيون أطفالي الصغار التي تسألني هل سيرجع والدنا يا أمي أم لا؟ وبكلام الناس الذين يلومونه بغيابه ويبررون جهاده بأنه لا يحبنا ولا يأبه لمصيرنا بعده، ومن ناحية أخرى لا أستطيع أن أتغاضى عن براكين قلبي التي تثور خوفاً وقلقاً من فقدانه... أتذكر في إحدى الليالي المضنية عندما كان مرابطاً في جبهات القتال في إحدى القرى في (بيجي)، استيقظتُ مرعوبة من نومي بسبب حلم أزعجني وأوجع قلبي فسهرت يومها أسبّح وأحصنه بالآيات القرآنية وأخرجت من داري فجراً صدقةً تدفع عنه المكروه وتحفظه لنا من مدافع ورصاصات العدو، والأمر الغريب أنه عاد مع حلول إشراقة الصباح متوسماً بإصابة أفقدته جزءاً من سمعه، فجلس وروى لي أنه خرج من الموت بأعجوبة هذه المرة، ومع ذلك قطع إجازته ومضى لاعتلاء السواتر مع رفاقه.
ـ متى حانت الساعة التي ولى بها الجزع بعيداً عن أوطان قلبك، وحل محله اليقين والصبر؟
كان ذلك عندما بدأ كلام الناس يؤثر بي بأن يعقوب لا يأبه لنا ولا يخاف على عائلته وهو يترك زوجة وأربعة أطفال صغار دون حام، فأخذ الجزع مني مأخذه فاتصلت عليه وأخبرته " قد نفذ ما في جعبتي من صبر فإما أن تعود إلينا أو تأتي لأولادك تتكفل بهم لأنني راحلة دون عودة... سأعود إلى دار أهلي فلم يعد بإمكاني التحمل "، سكت لبرهة ثم صرخ: اتركيهم واذهبي.. ارحلي ولا تعودي أبداً، آنت أقرب إلي وعجزتِ عن فهمي ومساندتي في هذه المحنة العصيبة، اذهبي كما تشائين فأنا لن أساوم بديني.
أقفل الخط وتركني لعذاب التفكير والحيرة، ثم نظرت إلى أطفالي، لا يمكنني تركهم؛ إنما أردتُ ردعه عن فكرة الجهاد ليس إلا، أردته أن يعود لنا سالماً بأذنٍ واحدة أفضل من أن يعود لي جثة أهديها لتراب القبور، جن الليل وغفوت مع دموعي التي أصبحت رفيقتي مذ غادرنا، وإذا بي أرى في المنام أنني أخدم العقيلة زينب وفاطمة الزهراء (عليهما السلام) واستقبل من يأتي لزيارتهما، استيقظت وبدأت أفكر بتلك المنزلة التي أوصلني إليها طوسي، وبدأت أستدرك نفسي وانتشلها من قصورها وتقصيرها بسماع خطب الجمعة عن الجهاد وفضل المجاهدين ودور المرأة الفعال بمؤازرتها للرجل في هذا التكليف الشرعي، ومنذ ذلك الوقت وأنا أشاطره جهاده كما أشاطره الخبز والماء، أصبح يأتي ليحدثني عن المواجهات والعمليات العسكرية التي يغيرون فيها على العدو أو العكس وأنا أسمع بقلب دافئ عامر بالإيمان فقد أصبحت أعي حجم مسؤوليتي وتكليفي، لكنني خجلةٌ من الأيام الأولى فقد كنت له شريكة سوء، وخجلة أكثر من سيدتي فاطمة الزهراء وسيدتي زينب الكبرى (عليهما السلام) لأنني كنت في البدء أحاول تعطيله عن نصرة مولاي الحسين (عليه السلام) وكأنني أسمعه ينادي "ألا من ناصر ينصرنا" فلا ألبي نداءه.
كانت آخر رؤياي أني ذهبتُ لزيارة السيد السيستاني لأتبرك بنور وجهه، فإذا به يعرفني ويسألني عن طوسي قائلاً: كيف حال طوسي ومن يبيت معكم في غيابه؟ أجبته: طوسي لا زال يقاتل في جبهات الوغى، ولا أحد لنا غيره ليبيت معنا، لكن الله يحرسنا بعينه التي لا تنام، ثم أخرج شيئا وأعطاني إياه وقال إذا عاد طوسي سالماً قولي له أنها أمانة لك من السيد السيستاني.. استيقظت ولم أعرف ما هي تلك الأمانة لزوجي هل هي حرزٌ يحفظه من شر أعدائه أم هي إشارةٌ لدنو الرحيل مع سرب الشهداء.
بهذه الكلمات انتهى حوارنا ولكن لم تنته رحلة الصبر والعزيمة وتحمل الأذى في جنب الله تعالى بالنسبة لطوسي وعائلته التي أبت إلا أن تكون شريكته في الأجر كما في الصب






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خلف العتمة
- كلمة واحدة لا تكفي
- طوق ذهبي
- اعترافات خفية


المزيد.....




- العناني يبحث مع سفير الإمارات بالقاهرة دفع حركة السياحة الثق ...
- سيدني.. تحية تقدير لجلالة الملك لالتزامه بالحفاظ على التراث ...
- أول تحرك من البرلمان المصري ضد الفنان محمد رمضان
- القضاء المصري يحاكم فنانا مشهورا
- ديفيد بيكهام مُرشدا للهواة في برنامج واقعي جديد تبثه ديزني ب ...
- صدر حديثًا رواية جديدة بعنوان -عفريت بنت علاء الدين-
- صدر حديثا كتاب -فتنة الذاكرة والأسئلة فى تجربة السعيد المصري ...
- ?ذكرى ميلاد ابن رشد الفقيه والطبيب والفيلسوف الاندلسي
- موسكو تشهد أول عرض لفيلم -تشيرنوبل- الروسي
- نوال الزغبي: أعيش الوجع والذل والكرامة المفقودة


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نغم المسلماني - شراكة من نوع خاص