أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نغم المسلماني - اعترافات خفية















المزيد.....

اعترافات خفية


نغم المسلماني

الحوار المتمدن-العدد: 5506 - 2017 / 4 / 29 - 15:33
المحور: الادب والفن
    


نغم المسلماني

هي..
نسمةٌ نقية ألوذ بها كلما لوثت أنفاسي مواقف الحياة اليومية الموسومة بالصعاب حيث أتلاشى بدفء روحها العذبة، هي كتفٌ أتكئ عليه فيكون مرفأ ارتحال أحزاني، هي أمنيتي وأمني عندما أمتطي الجبال الشاهقة أو أتوسد رمال الصحراء التي تغضنت عروقها برائحة البارود والدماء، هي التي تتجالد رغم ضعفها حين أكون بحاجة إلى من يشد عضدي ويُضحي سندي، هي ذي شريكتي لكن هذه المرة كانت مختلفة تماماً. فالرحلة كانت شاقة جداً حتى بالنسبة لرجل.

البداية..
رجل ثلاثيني شديد الحرص على دينه، يتابع بشغف مرآة المجتمع بعيون المرجعية، حيث يراها البوصلة التي ترشده وتشده نحو الاتجاه الصحيح سيما مع ما غرسه فيه والده من نبتةٍ أبية على الظلم رافضة الذل حتف أنفاسها.
هذا أنا.. كنت كمن يبحث عن وظيفةٍ حقيقية ودور فاعل لمجتمعي وديني لكنني وقفت حائراً في منتصف الطريق، ليس لأن أقدامي تستند على أرض هشة فلم يهتز عرش ولائي لأحبة الله واحبتي يوماً، إنما كنت أنتظر اشارةً ما، إشارة تطلقها رحمةٌ إلهية فأمور كهذه لا يمكن أن تأتي هكذا؛ بل تحملها أجنحة الملائكة لتطوف حول منائر خلفاء الله على هذه الأرض.
أما قبلها كنت أروم حمل أمتعتي الى سوريا حيث العقيلة الطاهرة، لكنني انتظرت ذات النداء.. ولما ذقت ذرعاً اتصلت بمكتب سماحة المرجع الأعلى ليبارك لي مسيري لكن ما حدث أن نصحني بالتريث، فازداد يقيني بأنه يهيئنا لأمر أعظم.. لذا لم أملك إلا الصبر محتضناً أوجاعي على الموصل تحت أنهار الدموع التي سالت رغماً عني.

جمعة النداء..
في جمعةٍ سابقة كنت أجلس بهدوء أمام شاشة التلفاز حيث تهديني المرجعية أبهى دررها فأقابلها بالصمت الذي يسبقه الرضا، لكن هذه المرة لم أستطع أن أهدأ أو اجلس لأريح بدني حتى أستشف رأي المرجعية بكل تلك الفوضى، ها أنا أقف مشدود البال أنتظر ما أنتظره منذ زمن وكلي يقين أن المرجعية لن تترك شبكات الإعلام تقتات على عقولنا والقتل يشهر سيفه ليقطف رقابنا باسم الطائفية.
أقف متسمراً أمام الشاشة الناطقة بلسان المرجعية، بصوتها الواثق ونبرتها الجادة وقد بلغت قلوبنا الحناجر كأنه يوم الميعاد.. وها هي أخيراً ولدت الفتوى وأطلقت أولى صرخاتها، كان أمرا شرعيا ورأيا سديدا، ركضت مسرعا وصرت أتصل بكل صديق لي لأسأل عن كيفية التسجيل والالتحاق. وأخيراً سجلت اسمي مع المتطوعين وانتظرت أن يتصلوا بي لإبلاغي عن موعد ومكان الالتحاق..

ولادة أجهضت أختها..
ولد (أبو القاسم) بفارق يوم واحد.. ولدي الصغير وآخر حبة في عنقود عائلتي الصغيرة بعد علي ورضا وحسن، كان قدومه بهذا التوقيت بمثابة اختبار لي، فطالما كان الأطفال نقطة ضعفنا بيد أني عاهدتُ نفسي أن لا أخسر هذه المعركة وأخذل الحسين عليه السلام، لذا تركته ورائي مقبلاً إلى المعركة في 5 رمضان من دون ان اتلقى اي اتصال هاتفي من أي مكتب أو جهة سوى عزمي الذي بات يقض مضجعي. كان لزاماً علي أن أتجاهل الجميع لأجل عقيدتي فبين شكوى زوجتي وجيراني الذين وصفوني بالمتهور وبين أخوتي الذين رموني بالجنون وأهل زوجتي اتهموني بأني أتنصل من مسؤولياتي، ألا أن الهاجس الذي تملكني وصار يحركني بشدة اتجاه السواتر هو أنني لم أر إلا الحسين أمامي.

الالتحاق الأول..
كان أصعب قرار اتخذته في حياتي، أصعب حتى من مقاومة داعش، وحتى بعد كل المعارك التي خضتها لم أجد أصعب من ذلك اليوم.
التحقت وبقيت ثابتاً على عهدي أتابع خطب الجمعة التي رسمت بها طريق خطواتي أتذكر في إحدى الخطب أنني سمعت ممثل المرجعية الدينية، يوصينا بالصبر والثبات عندها علمتُ في قرارة نفسي أن المعركة ستكون طويلة وان مفارقة الأهل والولد قد تدوم لسنين، وفي خطبة أخرى قال: (إنَ من لم يلتحق سيندم) فعلمتُ أيضاً أن المعركة مقدسة كقداسة طف كربلاء الذي تشظى اليوم طفوفاً أخرى في قلوب الأوفياء، ولم أنس أبدأ ما قاله احد الخطباء ذات يوم ان الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف لن يظهر إلا بوجود أناس مخلصين تنصره وتعزره، عندها توجهت إلى إمامي وهمستُ سراً بيني وبين أبواب عطفه.
ثم خسرت رفاقي الواحد تلو الآخر وما زلت دونهم أنتظر، وبين كل إجازة والتحاق كنت أواجه نفس الممانعة والعوائق، فأنا المتهم الدائم بالتقصير بنظر الجميع إلا في نظر نفسي، أنني لا ألومهم أبداً فقد تعودوا أن يأخذوا من الأشياء قشرتها فلا يعطون لكل أمرٍ أبعاده الحقيقية الخفية ولا ينظرون لأبعد من حدود افتراضية وضعت قبلهم فآمنوا بها، خاصة وهم يروني أنتفض للواجب مهما كانت عائلتي بحاجة إلي، لم أكن أسمع سوى صدى كلمات ظلت تؤرقني وهي "إن من سمع واعيتنا ولم ينصرنا أكبه الله على منخريه في النار".
تحملني عيون الذكرى الى إحدى الإجازات حين كان منزلي بحاجة لبعض الترميم الذي كنت قد بدأت به فعلاً لولا أن أخي اتصل بي يطلب الدعم فالعدو يفوقهم عدداً وعدة، عندها تركت ما بيدي ملبياً على الفور وأخذت معي عددا من أصدقائي فصار عددنا خمسة كان أخي قد التحق فيما بعد بلواء علي الأكبر، وعند اسنادهم أحببت تلك الهمة العالية في نفوسهم وهتافاتهم "لبيك يا حسين" متعاونين متحابين يذود بعضهم عن بعض، حتى أتممنا المهمة بالنصر وطلبت من آمر اللواء أن ألتحق رسمياً بقواته فوافق على الفور فرحاً بوجود جندي آخر يضاف الى صفوف مقاتليه الشجعان.

في الأجازة..
في إجازتي القصيرة الأولى التقيت بالعديد من الناس سألني بعضهم:
ـ ماذا رأيت خلف الساتر فجعلك تترك الأهل والأحبة؟!
منعني الخجل من الإجابة، فأطرقت قليلا ثم تنحنحت وقلت بنبرة خافتة لكنها صادقة: الذين قاتلوا وقتلوا مع الحسين، لم ينالوا تلك الدرجة الرفيعة إلا بالتضحية ونكران الذات.. فياليتنا كنا معكم ما هي إلا اختبار واقعي، أما أهلي وولدي فهم دوماً في حفظ الزهراء روحي فداها بعد حفظ الله ورعايته.
ـ ماذا همس قلبك بصمت مناجياً منائر الهدى؟!
همست برسائل صامتة لإمامي الحسين وأخيه أبي الفضل العباس باعترافات خفية لم أبح بها لزوجتي يوماً.. فهي لم تعرف أنها عندما كانت تتصل بي تشكو تعبها وضعفها كان قلبي يعيش النزع، فلعلها تأسف دون أن تعرف أن سهاد ليلها يؤرقني فلا يطيب لي طعام ولا شراب، وكأنني أحبس نفسي على الساتر استجابة لنداء الله فيما يتمزق قلبي لوجع من أحب.
لم تدر أن عيني على المرصد كانتا أحياناً تغرورقان بالدموع ما إن يمر طيفها فأمنع جفوني أن تنسدل خوفاً على واجب الحراسة.. هكذا كنت أبكي بلا صوت ولا جفن، ولم تدرِ أيضاً أني افتقد طفولة صغيري، فلم أره وهو يكبر ولا أتذكر صوته الأول وابتسامته متى كانت فقد ازدحمت مخيلتي بصور المعركة والشهداء، ثم أخيراً جثوت على أعتابهما معترفاً أن زوجتي وأولادي ليسوا أكرم من زوجتك وأولادك فأعني على تحمل فراقهم واخلفني فيهم.
وعندما اجتازت ذلك الحاجز الخفي ووصلت إلى أعماق عقيدتها كنت أشد الناس سروراً بتفهمها وأعددت ذلك من بركات الله تعالى على المقاتلين، لما لا؟! فالمقاتل يحتاج أن يعطف الله عليه قلب زوجه ففي ذلك سكون قلبه الملتاع.
والآن بت أتساءل هل الخوف أصبح أكثر دفئاً من الأمن، وهل التضحية فاقت الحب؟! كل شيء جائز في حكايتنا الفريدة تلك.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- أمسية عن المسرح الأنصاري
- السعودية تدعم صناع السينما المحليين بتخفض أسعار تذاكر الأفل ...
- جوائز بافتا: المخرجة البريطانية-الفلسطينية فرح النابلسي تقطف ...
- رواية -الرجل الذى صلب المسيح- للكاتب الفرنسي إيريك إيمانويل ...
- المجموعة القصصية -خيط العنكبوت وقصص أخرى-
- ذكرى ميلاد الشاعر المصري الكبير الراحل عبد الرحمن الأبنودي
- وتستمر المسيرة بمناسبة ذكرى مرور 100 عام على تأسيس الدولة ال ...
- الفنان السوري ياسر العظمة يعتذر من متابعيه: -السنونو- خارج ر ...
- -سنونو- ياسر العظمة لن يغرد في رمضان
- رغم إقرار دستوريته .. العدالة والتنمية يواصل انتقاد القاسم ا ...


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نغم المسلماني - اعترافات خفية