أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي - وثائق2003-2013















المزيد.....



وثائق2003-2013


الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
(The Syrian Communist Party-polit Bureau)


الحوار المتمدن-العدد: 5443 - 2017 / 2 / 25 - 11:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي
(وثائق2003-2013)
--------------------------------------------------------------------------------
الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي
(تعريف)
الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي هو استمرار للحزب الشيوعي السوري - اللبناني الذي تم تأسيسه في 28تشرين أول 1924تحت اسم (حزب الشعب)،ثم أصبح اسمه في أيار1925(الحزب الشيوعي)بعد توحد(حزب الشعب)و(شبيبة اسبارتاك)الأرمنية،وليعقد مؤتمره الأول في 9كانون أول1925.مر الحزب الشيوعي السوري(انفصل اللبناني عنه في عام1964)بمراحل قوة :1945-1947، 1957-1958، 1968-1972.اعتمدت المرحلتان الأولى والثانية على تأثيرات سوفياتية على الجو المحلي السوري أكسبت الحزب قوة سياسية - تنظيمية،في الأولى أتى هذا من دور الاتحاد السوفياتي في هزيمة النازية وتحوله إلى دولة عظمى قبل أن يدفع الحزب فاتورة انجراره وراء موسكو بعد موافقتها على قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في يوم29تشرين ثاني1947،وفي الثانية استفاد الحزب من دعم السوفيات لعبدالناصر في حرب السويس بخريف1956وماانعكس هذا في الجو السوري المحلي من اعجاب بالسوفيات وليتحول الحزب الشيوعي إلى أقوى حزب في الشارع السوري خلال مجرى عام1957قبل أن تؤدي فيه تبعية خالد بكداش،الأمين العام للحزب، للسوفيات إلى مهلكة معارضة دولة الوحدة السورية- المصرية المقامة بيوم22شياط1958.لم يكن العامل السوفياتي وراء تنامي قوة الحزب الشيوعي السوري في فترة1968-1972بل أتت هذه القوة من عامل محلي تمثل في بداية انفضاض اجتماعي كبير عن العروبيين،بفرعيهم الناصري والبعثي،بعد هزيمة حرب حزيران1967.في فترة1968-1972كان هناك اتجاه كبير في سورية نحو الماركسية استفاد منه أولاً الحزب الشيوعي،ثم كان الانفضاض عن (حركة القوميين العرب)و(حركة الاشتراكيين العرب)و(تنظيم23شباط)رافداً كبيراً لتأسيس (الحلقات الماركسية)التي اندمجت في آب1976في(رابطة العمل الشيوعي).كانت الدماء الجديدة التي رفدت الحزب الشيوعي بعد حرب حزيران عاملاً أساسياً في دفع قياديين وكوادر نحو الضغط من أجل عقد المؤتمر الثالث للحزب (انعقد المؤتمر الثاني في 30كانون أول1943-2كانون ثاني1944)من أجل مراجعة سياسات وتجارب الحزب ومن أجل وضع حد لتسلط الأمين العام للحزب خالد بكداش(أمين عام منذ شباط1937)على القيادة.في حزيران1969انعقد المؤتمر الثالث للحزب وانتخبت قيادة جديدة للحزب لم تكن توازناتها وميولها لصالح بكداش ووضع نظام داخلي للحزب وأجبر الأمين العام على تقديم نقد ذاتي أمام المؤتمر وشكلت لجنة لصياغة مشروع برنامج سياسي للحزب.خلال سنة حتى حزيران1970تم انجاز مشروع البرنامج السياسي وقد كانت اتجاهاته جديدة باتجاه انشاء تفاعل لحزب شيوعي عربي مع قضايا(الوحدة العربية)و(فلسطين)وباتجاه جعل الحزب مستقلاً في قراره عن المركز السوفياتي.كان أول تدخل لموسكو في خلافات الحزب في الأيام القليلة التي أعقبت حركة 16تشرين ثاني1970لماضغط السوفيات باتجاه الدخول في وزارة السلطة الجديدة ضد رأي أغلبية قيادة الحزب التي كانت بهذا الموضوع في الضفة المضادة لخالد بكداش ويوسف فيصل.عندما رأى بكداش وفيصل هذا التدخل السوفياتي ضغطا في اتجاه عرض (مشروع البرنامج) ،الذي كان يناقش آنذاك في الحزب، على السوفيات لابداء رأيهم.في أيار1971أتت (الملاحظات السوفياتية على مشروع البرنامج)ليستغلها بكداش ويوسف فيصل باتجاه جعل السوفيات طرفاً في الصراع الحزبي وبعد أن كانا قد وافقا ولوعلى مضض في صيف1970على الصيغة التي أقرتها اللجنة المركزية ل(مشروع البرنامج).منذ أيار1971وحتى يوم3نيسان1972عندما انشق الحزب الشيوعي السوري بتأثير بيان دعمه السوفيات أصدره بكداش وفيصل مع أقلية في اللجنة المركزية وفي المكتب السياسي وفي مجمل أعضاء الحزب- كان الصراع عملياً بين غالبية الحزب الشيوعي السوري وبين موسكو التي ألقت ثقلها وراء بكداش وفيصل،وخاصة لماتكشف في يوم تصويت الحزب على المشاركة في(الجبهة الوطنية التقدمية)تم اعلانها في7آذار1972أن الانقسام حول (مشروع البرنامج)هو نفسه تجاه الموقف من السلطة حيث لم يحسم موضوع الدخول بالجبهة إلاعبر انحياز دانيال نعمة للطرف الآخر بتأثير السوفيات.
في يوم 3نيسان1972أصبح هناك حزبان شيوعيان في سورية،أحدهما كان(الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي)الذي ضم غالبية اللجنة المركزية(8من 15،و5من 7أعضاء المكتب السياسي)وحوالي 60%من أعضاء الحزب في ذلك اليوم.بعد الانشغال عبر المؤتمر الرابع(كانون أول1973) بإعادة بناء التنظيم عقب الانشقاق،اتجه (الحزب الشيوعي- المكتب السياسي)نحو المعارضة السياسية الصريحة للسلطة منذ البيان الصادر في حزيران1976ضد التدخل العسكري السوري بلبنان.في المؤتمر الخامس للحزب(كانون أول1978)كان للحزب الريادة سورياً في إعادة طرح مقولة(الديموقراطية)لأول مرة عند أي حزب سوري يساري،عروبي أوماركسي،منذ 8آذار1963.كان للحزب دور رئيسي في تشكيل(التجمع الوطني الديمقراطي)في كانون أول1979وليثبت هذا (التجمع)أن المعارضة السورية لايختصرها الاسلاميون في أثناء أحداث 1979-1980.كان ادراك السلطة لدور الحزب عاملاً رئيسياً في حملة اعتقالات تشرين أول1980التي شملت قيادة الحزب وكوادره وأعضائه،ثم في الحملات العديدة خلال عشر سنوات لاحقة.ظلت قيادة الحزب التي أعيد ترميمها بعد حملتي تشرين أول1980وأيلول1987في دمشق وظل جسم لابأس به من الحزب في داخل سورية.لعب الحزب دوراً رئيسياً في قيادة (التجمع)طوال عقد التسعينيات وهو الذي كان جسم المعارضة السورية الرئيسي آنذاك.لذلك عندما بدأت الحياة السياسية السورية المعارضة تعود للظهور العلني وتنفض غبار السرية منذ صيف عام2000كان الحزب الشيوعي – المكتب السياسي يشغل مكاناً رئيسياً ضمن خارطة المعارضة السورية.
بتاثير تجربة احتلال العراق في عام2003من قبل الأميركان أصبحت هناك قراءات عند عدد من قيادات الحزب الشيوعي- المكتب السياسي نحو الاتجاه للمراهنة،إسوة بالمعارضة العراقية ضد صدام حسين التي استعانت بالغازي والمحتل لتحقيق التغيير الداخلي،على الرياح الخارجية من أجل تحقيق التغيير السوري. اجتمعت هذه المراهنة على الأجنبي عند قيادة الحزب،وخاصة عند الأمين الأول للحزب رياض الترك،مع الاتجاه إلى خلع القميص الماركسي واستبداله بآخر ليبرالي.خلال ستة عشر شهراً حتى انعقاد (مؤتمر حزب الشعب الديموقراطي)في28-30نيسان2005حصلت صراعات حادة في الحزب الشيوعي- المكتب السياسي تمحورت حول هذين الموضوعين في الضد والمع:(المراهنة على الخارج لاحداث تغيير داخلي)و(ليبرالية أم ماركسية؟).من ذهبوا إلى ذلك المؤتمر كانوا مع تلك المراهنة على الخارج ومع الليبرالية،فيماذهب قسم كبير من أعضاء الحزب واعتكف في البيت،أما من عارضوا المراهنة على الخارج وتمسكوا بالماركسية فقد اجتمعوا بكونفرانس في ديرالزور بيوم20أيار2005ثم في دمشق بيوم25تشرين أول2007وأعلنوا بأن من ذهب إلى تأسيس (حزب الشعب)فإنه بذلك يكون قد غادر مبنى (الحزب الشيوعي – المكتب السياسي ) الذي ظل ملكاً لمن بقي فيه متمسكاً ب(الماركسية) ورافضاً للمراهنة على الأجنبي.ساهم الحزب الشيوعي- المكتب السياسي في تأسيس (تجمع اليسار الماركسي- تيم)يوم20نيسان2007وكان من التنظيمات السياسية التي وقعت على الوثيقة التأسيسية ل(هيئة التنسيق الوطنية)يوم25حزيران2011.
خلال تسع سنوات ونصف مضت حافظ (الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي) على نفسه ولو بصعوبة بالغة، واستطاع مقاومة الغرق.أنتج الحزب وثائق بعضها مقر وبعضها مازال في طور المشاريع،ستكون صفحة الفيسبوك ميداناً لعرضها من أجل تشارك الجميع في الحوار والنقاش حولها.
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------
لمحة عن الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي حتى 1980

باريس ١٩٨٢ – بسام شاغوري

أزمة الحزب والانشقاق
تُقَسّم عادة" أسباب أزمة الحزب لشيوعي السوري وانشقاقه إلى أسباب سياسية وتنظيمية. وتتلخص الأسباب التنظيمية في ثلاث نقاط:
1. حكم وعبادة الفرد (خالد بكداش).
2. تضخم المركزية على حساب الديمقراطية داخل الهيئات وفيما بينها.
3. خلل عام في عمل الهيئات التنظيمية يتمثل خاصةً في غياب المؤتمرات والانتخابات، وبشكل عام غياب النظام الداخلي.
لكن هذا التحليل لايصلح كمنطلق لدراسة تاريخية، إذ أنه يعبر عن روْية المشاركين في الأحداث من طرف المكتب. عدا أن هذه الأ سباب لاتكفي لنشوء أزمة، لأن العديد من أعضاء الحزب تعودوا على الممارسات التنظيمية في الحزب وتأقلموا معها، وكانوا يجدونها طبيعيةً.
لقد بدأت الأزمة مع وعي أن هذا الوضع غير طبيعي. ويمكن ردّ نشوء هذا الوعي إلى عدة عوامل، يمكن إجمال أهمها فيما يلي:
1. نقد الستالينية وعبادة الفرد في الحركة الشيوعية العالمية أثناء حكم خروتشوف، وانعكاسات ذلك على الحركة الشيوعية المحلية، خاصةً في الحزب الشيوعي اللبناني مع مؤتمره الثاني /1968/ وتحضيراته.
2. ظهور جيل شابِِ جديد في الحزب بتأثير التطورات السياسية المحلية (المقاومة، الناصرية، هزيمة حزيران 1967...) والعالمية (فييتنام، كوبا، التدخل السوفييتي في تشيكوسلوفاكيا...)، يرغب في تطوير الحزب ودفعه إلى خطِِ سياسي جديد، ودور جديد. الأمر الذي يصطدم مع سلطة بكداش المطلقة. فبكداش هو الذي كان يرسم سياسة الحزب. كان ضرورياً إذن التخلص من سلطة بكداش وجعل المؤسسة التنظيمية تعمل وفق قواعد تنظيمية مستقلة عنه.
أما الجانب السياسي للأزمة، فإن جذوره تعود إلى الخلافات حول القضايا القومية التي أجّجتها ظاهرتان متكاملتان:
1. عزلة الحزب بسبب مواقفه السياسية القومية عن قطاع هام من المجتمع.
2. نجاح وانتشار الحركات القومية والوطنية (البعث، الناصرية، المقاومة) وحركات التحرر الوطني بشكل عام.
بدفع من هاتين الظاهرتين، بدأ الجدل في الحزب حول القضايا القومية، خاصة قضية فلسطين والوحدة العربية. لقد كانت مواقف الحزب تجاه هاتين القضيتين مناقضةً لعواطف غالبية المجتمع السوري، الأمر الذي حدّ من امتداده الشعبي، وعزز صورته كحزب مرتبط بالخارج وقليل الاهتمام بالقضايا الوطنية. فقد أقرّ الحزب قرارالتقسيم (تقسيم فلسطين 1947) تماشياً مع موقف الاتحاد السوفييتي، كما اتخذ موقفاً قليل الحماس من وحدة سورية ومصر عام 1958
من جهة أخرى، دفع انتشار ونجاح القوى القومية ذات التوجه اليساري بالعديد من أعضاء الحزب الى التفكير في هذه الظاهرة. كان تيار بكداش قليل الثقة بهذه القوى، في حين أن عناصر أخرى (لاأتكلم بعد عن تيار...) من الحزب كانت مشدودة بعض الشيء إليها، وتتساءل عن أسباب نجاحها.
تفسر هذه النقاط الموقف القومي الحماسي لتيار المكتب السياسي: الوحدة العربية، الحزب الشيوعي العربي الموحّد، القضية الفلسطينة، تشكيل منظمة أنصار الفدائية (منظمة فدائية شكلتها الأحزاب الشيوعية العربية في المنطقة وكان مسؤولها في سورية رياض الترك) وكذلك التقارب مع النطام البعثي والأنظمة المشابهة في المنطقة (مصر، العراق، الجزائر. اليمن الديمقراطي، ليبيا، السودان).
تعود بداية الأزمة إلى مابعد الانفصال عن مصر (1961)، لكنها لم تتوضح إلا بعد المؤتمر الثالث (1969) الذي عقد بتأثير ضغط القاعدة الحزبية ونمو الاحتجاج داخل الحزب الذي تزايد على إثر ازدياد أهمية المقاومة الفلسطينة، وهزيمة حزيران (1967) والمؤتمر الثاني للحزب الشيوعي اللبناني (1968) الذي أعطى مثلاً هاماً في نقد عبادة الفرد وماضي الحزب وسياسته ( كان الحزبان السوري واللبناني حزباً واحداً حتى عام1964).
بعد المؤتمر الثالث، أصبحت سلطة بكداش مهددة. كان من الممكن أن يتساهل بكداش مع مشروع البرنامج السياسي المطروح على المؤتمر الثالث إذا عُدِّل قليلا" لتخفيف لهجته القومية. لكنه شعر بالخطر عندما بدأ المكتب السياسي واللجنة المركزية المنتخبان من المؤتمر يمارسان دورهما القيادي مما يحد من دور وأهمية الأمين العام. أي أن الخطر بالنسبة له كان تنظيمياً. لكن الأزمة ماكانت لتؤدي الى انشقاق بهذا العمق لولا تأثير رياض الترك الذي كان بشخصيته قادراً على لعب دور "الزعيم" لتيار المكتب السياسي رغم عدم تجانسه. في الحقيقة، كان تيار بكداش منسجماً أكثر بكثير من تيار المكتب السياسي الذي كان يجمعه رفض بكداش والحماس للمسائل القومية، دون تصور واضح للاتجاه الذي سيذهبه الحزب بعد عدة سنوات. بالنسبة للموقف من السوفييت، فهو لم يكن عدائياً من طرف المكتب. بل إن قسماً منه كان يعتقد حتى اللحظة الأخيرة ويأمل (حتى مابعد بيان 3 نيسان 1972 الذي كرّس الانشقاق) بأن يعترف السوفييت بالمكتب ويتخلى عن بكداش. وكانت الأغلبية تكنّ للاتحاد السوفييتي عواطف حميمية وصادقة. لحسن الحظ (!) لعبت ملاحظات السوفييت واستغلالها من قبل تيار بكداش ثم عدم اعتراف الحركة الشيوعية العالمية والاتحاد السوفييتي بالحزب دوراً إيجابياً في استقلاله التنظيمي. الأمر الذي أفسح المجال أمام مواقف نقدية تجاه الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية فيما بعد.
وأتت عودة الثلاثي (ظهير عبد الصمد، دانيال نعمة، ابراهيم بكري ومن معهم) إلى حزب بكداش في 30111973، لتعزز هذا المسار التطوري وخاصة" لتخلص الحزب من ثقل ثلاثة قياديين تقليديين ولتفتح المجال أمام رياض الترك ليصبح الأمين الأول للحزب وبالتالي قائده.
كرس انعقاد المؤتمر الرابع (كانون أول1973) انقسام الحزب وأنهى الجدل حول "وحدته". أي أنه جعل الوضع "رسميا". أما على المستوى السياسي فهو لم يضف شيئاً ذا قيمة الى مشروع البرنامج المطروح على المؤتمر الثالث، إذ عدل من الصياغة وأبقى الروح والأفكار الأساسية التي يمكن تلخيصها ب :
1. نفس قومي حماسي مع الوحدة العربية وتحرير فلسطين.
2. موقف قومي إيجابي من النظام السوري الذي وصف ب"وطني- تقدمي".
3. موقف إيجابي من المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي، مع التأكيد على الاستقلالية بين الأحزاب الشيوعية.
4. التأكيد على النظام الداخلي واحترام الهيئات وأسس عملها على مبادئ المركزية الديمقراطية (التنظيم اللينيني).
وباختصار؛ فإن صورة الحزب بعد المؤتمر الرابع كانت تشابه إلى حد بعيد صورة الحزب الشيوعي اللبناني : حزب شيوعي تقليدي مابعد الستالينية مع نفس قومي واضح.
لكن الانتصار الحقيقي لم يكن البرنامج السياسي للمؤتمر الرابع, لقد كان هذا الانتصار يكمن في التغلب على بكداش وتياره. فانقسام الحزب كان أهم وأعمق انقسام لحزب شيوعي في المنطقة. كان انقساماً عمودياً أنتج حزبين متعادلين في العدد (تقريباً)، على خلاف الانقسامات الأخرى في المنطقة (العراق، الأردن، لبنان) التي تميزت بخروج قسم ضئيل من الأعضاء وبقاء الجسم الأعظم من القيادة والقاعدة. وهذا ،بحد ذاته، انتصار، لاسيّما وأن كثيرين كانوا يراهنون على انتهاء حزب المكتب دون الدعم السوفييتي واعتراف الحركة الشيوعيية به.
رياض الترك
من المؤتمر الرابع إلى المؤتمر الخامس
بعد المؤتمر الرابع، نشط الحزب سياسياً وتنظيمياً. وتوسعت صفوفه بشكل ملحوظ خلال عامي 1974/1975. تلك كانت فترة انفراج وحرية نسبيين. وكان الحزب يشارك في الجبهة الوطنية التقدمية، لكن في لجان المدن واللجان المحلية فقط. ولم يكن له أي ممثل في القيادة المركزية، في حين كان لحزب بكداش ممثلان هما : خالد بكداش ودانيال نعمة. وكان للحزب أيضاً ثلاثة نواب في مجلس الشعب المنتخب في أيار1973 (من أصل حوالي 170 نائباً)، وهم : يوسف نمر دمشق)، نوري حجّو الرفاعي (حمص، توفي عام 1976) وميشيل عيسى (طرطوس).
على الصعيد المالي، كان الحزب يعاني من صعوبات حقيقية. ومن أجل حلِّها قام بجمع قرض من الأصدقاء والأعضاء استطاع من خلاله الاعتماد على نفسه والاستمرار دون المساعدات والمعونات الخارجية. أما الجريدة المركزية "نضال الشعب" فكانت تصدر بانتظام كلّ شهر، وكانت تطبع بشكل نصف سري-نصف علني في إحدى المطابع الخاصة في دمشق (وذلك حتى أواخر 1979). كما كانت المنظمات التابعة للحزب (اتحاد الشباب الديمقراطي ورابطة حماية الأمومة والطفولة والطلائع) تنشط بشكل نصف علني-نصف سري. وكانت تقيم احتفالات ورحلات ومعسكرات.
باختصار ؛ في تلك الفترة لم يكن هناك صدام بين الحزب والسلطة (1974-1975) والاعتقال الوحيد -على حد علمي- كان اعتقال ناصيف خوري (وهو عضو لجنة مركزية) عام 1974 (أو 1975) والذي استمر شهراً بسبب علاقة له مع ضابط في الجيش /على ماأذكر/.
إلا أن النقاش الداخلي في الحزب كان يتعمق باتجاه انتقاد السلطة والابتعاد عن مؤسساتها (خاصة بعد اتفاق فصل القوات بين سورية واسرائيل في حزيران 1974) وذلك لحساسية الموقف القومي في الحزب واعتباره أهم عامل في تقييم السلطة. وفي جميع الأحوال، لم يتخذ الحزب يوماً موقفاً متزلفاً من السلطة، و لامدحها يوماً. بل كانت مداخلات نوّابهِ في مجلس الشعب ومقالات الجريدة تنتقد باستمرار سياسة النظام الاقتصادية من موقع يساري دون أن تذهب الى درجة القطيعة معه.
في تلك الفترة، كان الهم الأساسي للحزب منصبّاً على قضية "تسوية مشكلة الشرق الأوسط" وكان يرفض ويدين بشدة كل التسويات المطروحة في حين كان اهتمامه بالوضع الداخلي لسورية يأتي في الدرجة الثانية. لكن المسائل الاقتصادية : التضخم النقدي، ارتفاع الأسعار، الفساد، الرشوة وسوء الإدارة .. الخ (إضافة إلى عدم جدية النظام السوري في معارضة مشاريع التسوية) أخذت تشغل حيّزاً أكبرَ من الاهتمام في النقاشات الداخلية، لدرجة أنها دفعت بقسم من الحزب للتخلي عن رؤية النظام على أنه "وطني- تقدمي".
شيئا" فشيئا"، راحت مسألة معارضة الحزب للسلطة تطرح وتتعمق على المستوى التنظيمي، لم يكن الحزبُ بعدُ مهيئاً لصدام مع السلطة، فأغلب كوادره (إن لم نقل كلها) كانت مكشوفةً لأجهزة الأمن، خاصةً بسبب الصراع مع تيار بكداش وانفلاش التنظيم. الأمر الذي حدا به الى البدء بترتيب صفوفه. فمنذ نهاية 1975، شَكَّل عدداً من المنظمات السرية وبدأ يحتاط أكثر في علاقاته التنظيمية. لقد كانت سنة 1975 آخر سنوات حرية الحزب النسبية. إذ مالبثت أن تقلصت، بعد هذا التاريخ، نشاطات منظمة الشباب التابعة للحزب إلى حد كبير، وتوقفت تقريباً الرحلات والحفلات والمعسكرات..الخ. إاضافة إلى كل النشاطات التي قد تكشف كوادر الحزب.
لقد حبا الحزب أولى خطوات المعارضة عام 1976. ففي 30 آذار 1976، شاركت منظمة جامعة دمشق بتظاهرة يوم الأرض، دعما" ليوم الأرض الفلسطيني)، وهي مظاهرة مستقلة عن السلطة لكنها لم تكن عدائية" تجاهها. ومع أن عدائية الشعارات التي رُفِعَت في هذه المظاهرة كانت موجهة" ضدّ اسرائيل، إلا أن النظام لايسمح على الإطلاق بمثل هذه المبادرات المستقلة حتى ولو كانت تذهب في نفس اتجاه دعايته وإعلامه.
قام الأمن طبعاً بتطويق المظاهرة، واعتقل عشرات من المشاركين فيها، ومنهم خمسة من الحزب هم : حكمت أبو جمرة (أطلق سراحه في شباط 1980)، غازي البدين (أطلق سراحه في تشرين أول 1976)، عبد الرزاق عز الدين (أطلق سراحه في تشرين أول 1976)، تيسير الشهابي (أطلق سراحه في تشرين أول 1976 ثم مالبث أن اعتقل بعدها وأطلق سراحه واستشهد أخيراً من جراء الغارة الإسرائلية على مقرّ منظمة التحرير في تونس) وفرحان نيربية (أطلق سراحه في شباط 1980 ثم اعتقل في تشرين الثاني 1980 ومازال في السجن ).
في نيسان 1976، قاطع الحزب الانتخابات المحلية (أول انتخابات تُجرى بعد انتخابات مجلس الشعب في أيار 1973)، لكنه لم يعلن ذلك كتابياً.
في حزيران 1976، أدان الحزب في بلاغ رسمي نُشِرَ في "نضال الشعب" /عدد 190/ التدخل العسكري السوري في لبنان وطلب سحب القوات السورية منه، وأعلن تضامنه مع الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية.
بعد هذا الموقف، اتضح تماما" أن الحزب سيدخل آجلاً أو عاجلاً، في مرحلة معارضة مفتوحة مع النظام. خاصة" بعد أن سحب كل ممثليه في كانون ثاني1976 من المجالس الفرعية للجبهة الوطنية التقدمية ولم يبق له في مؤسسات السلطة إلا نائبين في مجلس الشعب (ميشيل عيسى ويوسف نمر، الثالث توفي عام 1976).
هذه المواقف الجريئة (ودخول الحزب المرحلة السرية تدريجياً)، لم تكن مقبولةً من بعض أعضاء الحزب وقياديّيه الذين كانوا متحفظين تجاه هذا التطور السريع للخط السياسي المخالف لاستنتاجات وتحليلات البرنامج السياسي للمؤتمر الرابع. كما انعكست هذه التطورات على التنظيم الذي شهد خلال سنيّ 76/77/78، هجرة معاكسة إلى خارج الحزب. لكن الحزب جذب، بالمقابل، عناصرَ جديدة" معارضة" للنظام. وبهذا الشكل، تجدد دم الحزب وتقلص حجم الأعضاء الذين عاشوا مرحلة البكداشية. لقد أشار التقرير التنظيمي المقدم للمؤتمر الخامس (كانون أول1978 ) أن حجم الحزب العددي عشية المؤتمر يشكل ثلث حجمه في المؤتمر الرابع. وهذا يعني أن أكثر من ثلثي أعضاء الحزب قد تركوه، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن أعضاءَ جديدين قد دخلوا إليه.
وبحسب تقرير تنظيمي داخلي (سرّي !) صدر في أواخر 1979، فإن أعضاء الحزب الذين انتسبوا إليه مابين المؤتمرين يشكلون نصف حجم الحزب عام 1979. وبمعنى آخر فإن خمس أسداس أعضاء الحزب أثناء المؤتمر الرابع قد تركوه وهذا يعطي فكرة عن حجم التجدد.
خلال عام 1976، بدأ النقاش حول الديمقراطية، كذلك تعمقت النقاشات حول الاتحاد السوفييتي والحركة الشيوعية. وكان عدد من أعضاء الحزب يتابعون باهتمام ظاهرة الشيوعية الأوربية ويتحمسون لها (خاصة" من خلال كتاب سانتياغو كاريللو : "الشيوعية الأوربية والدولة"). وكان هذا يساعد في اتخاذ موقف نقدي من التجارب الشيوعية القائمة ويعمق الاستقلالية الفكرية للحزب تجاه الحركة الشيوعية الرسمية.
كان أول المواقف النقدية العلنية للحزب تجاه الاتحاد السوفييتي موقفه من مشكلة اريتريا. فالاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية تدعم نظام منفستو هيلا مريام الماركسي اللينيني في أثيوبيا وهو الذي يرفض حق تقرير المصير للشعب الارتيري . فقد نشر الحزب مقالاً (نضال الشعب عدد 196، حزيران 1977) يتضمن نقداً مبطناً للسوفييت لكن من منطلق اللينينية.
على أن الموقف الأكثر جرأة للحزب كان انتقاده للتدخل الفييتنامي في كمبوديا في كانون ثاني1979. بعد هذا الموقف "غير المفهوم" بالنسبة للكثيرين نظراً للمكانة الهائلة التي تحتلها فييتنام، يصبح سهلاً انتقاد التدخل الصيني في فييتنام، ثم التدخل السوفييتي في أفغانستان.
على المستوى الداخلي، استمر الحزب بتطوير معارضته للنظام من خلال استراتيجية تقوم على عدة محاور مقاطعة مؤسسات النظام :
1. مقاطعة انتخابات مجلس الشعب عام 1977(عدد نضال الشعب رقم 197، تموز 1977)، وكل الانتخابات اللاحقة.
2. النشاط في المؤسسات النقابية الجماهيرية : المشاركة في انتخابات النقابات العمالية عام 1978، حيث حصل الحزب والقوى المعارضة الأخرى على بعض النتائج المشجعة (المصفاة في حمص). كذلك المشاركة الفعالة في نقابات المهندسين وغيرها.
3. فضح المؤسسات النقابية الشكلية ومقاطعتها : مقاطعة الاتحاد الوطني لطلبة سورية الذي يعتبر وكراً للأمن. لقد تمت هذه المقاطعة بشكل علني، إذ أنه في عام 1977، شارك أعضاء الحزب في مؤتمرات الاتحاد وانتقدوا سياسة السلطة وتبعية الاتحاد للأمن ثم أعلنوا انسحابهم منه علناً، الأمر الذي أثار رجال السلطة وأدى إلى صدامات جسدية معهم في أكثر من كلّية (الزراعة، الفنون، الهندسة الميكانيكية والكهربائية...).
4. دعم مظاهر الاحتجاج المدني ضد النظام : التعريف بنشاطات نقابة المحامين والمثقفين وغيرهم، والدفاع عنهم وإقامة صلاتِِ حيّةِِ معهم. كذلك الأمر فيما يخص الإضرابات العمالية.
5. التقارب مع القوى السورية الديمقراطية العلمانية المعارضة تمهيدا" لتوحيد مواقفها وتشكيل جبهة فيما بينها.
تُوِّجت هذه المرحلة بانعقاد المؤتمر الخامس للحزب في كانون أول 1978، الذي قدم رؤيةً جديدةً للوضع السوري لم تعهدها الأحزاب اليسارية سابقاً، وبشكل خاص الديمقراطية التي أصبحت الهدف الأساسي للنضال على خلاف المؤتمر الرابع الذي كان مؤتمر البرنامج القومي العربي والنظام الداخلي. بالمقابل، ونتيجة التركيز الشديد على ضرورة معارضة النظام، وضرورة البديل الديمقراطي، بقي تحليل الوضع الدولي تقليدياً ضعيفاً ومتخلفاً.
لاقى التوجه الجديد للحزب معارضةً من قبل بعض القياديين أهمهم يوسف نمر وواصل فيصل وصبحي أنطون أعضاء المكتب السياسي الذين تركوا الحزب بعد المؤتمر الخامس مع عددِِ قليل من أعضائه في دمشق، الحسكة ،وإدلب.
من المؤتمر الخامس حتى آخر 1980
خلال الأشهر الأولى التي تبعت المؤتمر الخامس (أي خلال بداية 1979) تابع الحزب ترتيباته التنظيمية والسياسية التي تهدف إلى تأسيس معارضة محورها الديمقراطية السياسية، أي أنه كان يدفع باتجاه مجابهةِِ مابين السلطة وتحالف القوى اليسارية العلمانية (أحزاب، أفراد، نقابات، مثقفين ...). ولاشئ بشير إلى أنه كان يتوقع معركة بين الإخوان المسلمين والسلطة، أو معركة بين السلطة والمجتمع بهذه السرعة. لقد كان يعمل ويخطط ويرتب على المدى المتوسط (عدة سنوات).
خلال النصف الثاني من السبعينات، حدثت اغتيالات لشخصيات من السلطة، كانت هذه الأخيرة تنسبها عادةً إلى العراق. أما الحزب فكان يعيرها اهتماماً ثانوياً، وغالباً ما كان يرى فيها تصفيةَ حساباتِِ بين أجنحة السلطة نفسها. لكن أحداً لم يكن يتصور أن يصل التحضير العسكري للإخوان المسلمين إلى المستوى الذي ظهر به خلال السنتين اللاحقتين.
لقد بدأت المعركة فعلياً بين الإخوان والسلطة مع مجزرة المدفعية في حلب (16 حزيران 1979) التي نفذتها مجموعة من عناصر من التنظيم المسلح للإخوان بقيادة النقيب ابراهيم اليوسف وعدنان عقلة.
أدان الحزب هذه المجزرة (ملحق نضال الشعب، عدد 209) لكنه أكّد على رؤية الأزمة بشموليتها وبشقّيها الاستبدادي والطائفي وأن مُولِّدَها إنما هو السلطة نفسها، وطالب بالتغيير الديمقراطي للخروج منها.
وفي 30 آب 1979، وعلى إثر مقتل شيخ علوي (يوسف صارم)، جرت صدامات بين العلويين والسنة في مدينة اللاذقية، استمرت ثلاثة أيام.
بعد هذا الحدث، وعت قيادة الحزب تماماً أن البلد ستشهد صداماتِِ مختلفةَ الأشكال مع السلطة. طبعاً، كان الإخوان المحرك المباشر لها من خلال أعمالهم العسكرية وكونهم كسروا هيبة أجهزة الأمن. إلا أن الطريق الذي ستذهب إليه هذه الصدامات وأشكال المعارضة المختلفة لم يكن محسوباً سلفاً، ولايمكن أن يُجيَّر لهذه القوة أو تلك بشكل مسبق. من هنا ضرورة أن يشارك الحزب في المعركة وأن يجنِّد قواه كاملةً لكي يزيد من احتمال جر قسم من المعارضة الشعبية إلى برنامجه السياسي في التغيير الديمقراطي. وهذا يعني بالضرورة عدم تشتيت الصراع وعدم فتح معركة مع الإخوان المسلمين قد تستفيد منها السلطة أولا"، وتحيّد الفئات الاجتماعية المحيطة بالحزب ثانيا"، وتضع الحزب وحلفاءه خارج انتصار غير أكيد لكنه ممكن ثالثا". لاسيما وأن الإخوان لايملكون برنامجاً سياسياً واضحاً. بل كانوا يلجأوون غالباً إلى شعاراتِِ طائفية. وهذا يتوافق مع رغباتِ السلطة التي أرادت تصوير المعركة على أنها بين قوى طائفية-سلفية-رجعية- مرتبطة بالامبريالية، وبينها كقوة علمانية-يسارية-منفتحة، لكي تُعتَبرَ أهون الشرّين. وقد نجحت إلى حدّ كبير في دعايتها هذه. فهي لم تذكر على الإطلاق في هجومها العلني على الإخوان أن هنالك قوىً أخرى تعارضها، مع أن الحزب ثم (التجمع الوطني الديمقراطي)وقعت وثيقته التأسيسية في كانون أول1979وهو مؤلف من :الحزب الشيوعي(المكتب السياسي)وحزب الاتحاد الاشتراكي،وحزب العمال الثوري العربي،وحركة الاشتراكيين العرب،وجماعة23شباط والنقابات المهنية، خاصةً نقابة المحامين، كانوا في قلب المعارضة النشيطة. وهذا بهدف تصوير الصراع على أنه بين قوتين فقط : السلطة / الإخوان، وعلى الباقين الالتفاف حول إحداهما وبالتالي تجند السلطة حولها كل الفئات والقوى السورية والعربية والدولية التي تخشى التيار الديني.
تسارعت أعمال العنف في أواخر 1979 إلى جانب أشكال المعارضة الأخرى. وقد ترددت السلطة حينا" في كيفية مجابهة هذه الظاهرة. فحاولت بادئ ذي بدء إبراز حسن نيتها من خلال الانفتاح على الفئات الهامة في المجتمع كالمثقفين والمهندسين وأساتذة الجامعات...الخ. لكي تكسب ودَّهم أو على الأقل حياديتهم، لكنها لم تجن إلا الانتقاد والمطالبة بتغييرات حقيقية لاتستطيع قبولها، وإلا وضعت وجودها في موضع الخطر. كما أرسلت وفوداً إلى مدن الشمال لتلتقي بالفعاليات الثقافية والاجتماعية لكي تجرَّها أو تحيّدها، لكن ذلك بقي أيضا" دون جدوى.
خلال عدة أشهر (حتى نيسان 1980) عاشت البلاد مرحلة من الديناميكية السياسية لم تعهدها من قبل، كان لها وجه شعبي، تمثل في مظاهرات وإضرابات المحلات في بعض مدن الشمال، ووجه سياسي من خلال البيانات والنقاشات والندوات التي تعبر عن زيادة الاهتمام بقضايا السياسة الداخلية وعن تحفز متزايد للمعارضة. كان الحزب في قلب الأحداث، وبالتحديد في وجهها الثاني . الأمر الذي أزعج السلطة والإخوان على حدّ سواء. فالأولى لم تنجح في تحييده باستخدام خطاب يساري والإخوان رأوا فيه (وبقوى التجمع) منافساً لهم يحاول أن يخطف قسماً من الجماهير التي حركوها هم، ويعقّد بالتالي لوحة المعركة مع السلطة. في هذا الإطار كان الإخوان متفقين تماماً مع السلطة على إبقاء المعركة بينهما. كمثال على ذلك دعوة الإخوان لإيقاف إضراب في حلب عام 1980كيلا يستغله الشيوعيون !
شهد شهر آذار1980 أوج الحركة المعارضة بمختلف أشكالها. وفي منتصفه بالتحديد، أعلن (التجمع الوطني الديمقراطي) عن نفسه لأول مرة علنا" من خلال بيانه الشهير، الذي وزع في جميع أنحاء سورية بعشرات الآلاف من النسخ وطالب بتغييرات ديمقراطية جذرية لحل أزمة البلد. على إثر هذا البيان اعتقلت السلطة بضعة عشرات من أعضاء الحزب، وعدداً من أعضاء الأحزاب المشاركة في التجمع.
رداً على تصاعد المعارضة، وفشل أسلوبها الأول، اعتمدت السلطة الرد العسكري والقمع الجماعي منذ أواخر آذار. فأنزلت قواتها في المدن الشمالية (حلب، حماة، إدلب، دير الزور، جسر الشغور..) وبدأت عمليات مكثفة من التمشيط والاعتقال والمداهمة. ومارست أعمالاً همجيةً من القتل والسحل بغية بث الرعب في نفوس الناس وإسكاتهم. وقد نجحت في ذلك، إذ هدأت حركة المعارضة منذ نيسان. وفي الآن نفسه، حلت السلطة في 7نيسان النقابات المهنية (محامين، أطباء ومهندسين) التي أصبحت مركزاً للمعارضة المدنية نظراً لما يحتله هؤلاء الكوادر من مراكز حساسة. واعتقلت عدداً من النشطاء في هذه النقابات.
لكن، رغم كل ذلك، لم تتوقف العمليات العسكرية للإخوان، بل ربما ازدادت. إذ أن عنف السلطة سدّ الأبواب أمام أشكال الاحتجاج المدني من جهة، وأثار عواطف الناس وحقدهم من جهة أخرى. الأمر الذي دفع بقطاع من الشباب للالتحاق بالتنظيم الوحيد القادر على تعبئتهم عسكرياً: الإخوان المسلمين.
بالرغم من أن تنظيم الإخوان المسلح كان الأبرز والأكثر نشاطاً بما لايقاس، إلا أن بعض الأعمال العسكرية تمت من قبل مجموعات متفرقة تشكلت في بعض المدن (اللاذقية بشكل خاص) مع الجو الحماسي المعارض للسلطة وربما شكَّل قوامَها الأساسي بعضُ القبضايات والمهمشين اجتماعياً.
بعد انحسار حركة المعارضة الشعبية، طرح الحزب ثلاثة احتمالات ممكنة (رسالة حزيران 1980) :
1. استمرار انحسار المعارضة الشعبية والمسلحة.
2. تغير النظام من داخله ( انقلاب مثلاً).
3. تشكل جبهة وطنية عريضة من قبل كل القوى المعارضة، خاصةً القوى الديمقراطية والدينية. وأكد أن هذا الاحتمال لاتبدو ملامحه في الوقت الراهن(1980),
وقد أثبتت الأيام الاحتمال الأول. وهذا لايعني أن الأعمال العسكرية انقطعت تماماً، كما أن قمع السلطة لم تخفّ حدته إن لم نقل أنه ازداد همجية".
في 27 حزيران 1980، وإثر محاولة اغتيال الرئيس، نفذت مجموعة من سرايا الدفاع مجزرة بشعة في سجن تدمر العسكري، راح ضحيتها حوالي (1000) سجينا". أعقب ذلك القانون رقم /49/ القاضي بإعدام كل منتسبِِ للإخوان. وفي تموز من نفس العام، قامت المخابرات السورية باغتيال صلاح الدين البيطار في باريس.
اتحذ الحزب موقفاً جريئاً (عدد215 من "نضال الشعب") إزاء هذه الأعمال الهمجية، في حين سكتت أغلبية الأصوات السياسية المعارضة. لذلك قررت السلطة ضربه وتصرفت بذكاء لذلك. فقد شنت حملة اعتقالات منظمة وشاملة في كل أنحاء سورية منذ يوم7 تشرين أول 1980، أثناء توقيع معاهدة الصداقة السورية-السوفييتية ! حتى تحد من ردود الأفعال على هذه الاعتقالات من قبل القوى التقدمية و"اليسارية" المحلية والعالمية. لقد طالت الاعتقالات حوالي ألف حزبي بينهم أهم قادة الحزب : رياض الترك، عمر قشاش، أحمد فايز الفواز، منذر شمعة.
تركيب الحزب الاجتماعي
في تقرير تنظيمي للحزب صادر في أواخر 1979، نشر الحزب نتائج للاحصاء الذي أجراه، بالمقارنة مع احصاء 1975. وهذه هي نتائجه :
التركيب الطبقي والفئوي نسبة عام 79 نسبة عام 75
عمال 13,4 % %27,5
فلاحون فقراء 4,3 % %11
نساء 9,4 % %6
طلاب 42,8 % %33
باقي الفئات 31,1 % %22,5
- نسبة الشباب تحت الثلاثين من العمر تبلغ 66 % من حجم الحزب.
- نسبة الأعضاء المنتسبين للحزب خلال الفترة بين المؤتمرين الرابع والخامس تبلغ %50.
ملاحظات حول فكر الحزب السياسي خلال فترة 72-80
يتضمن فكر الحزب ثلاثة مركبات :
1. شيوعية تقليدية.
2. قومية شعبوية.
3. عقلانية وديمقراطية.
في الفترة الأولى التي تلت الانشقاق كانت المركبتان الأولى والثانية طاغيتين بشكل واضح ثم بدأتا بالتقلص شيئاً فشيئاً لصالح المركبة الثالثة حتى عام 1980.
- لم يتوصل الحزب إلى استنتاجاتِِ فكريةِِ تنسجم مع طروحه السياسية بعد المؤتمر الخامس. الأمر الذي أبقى الباب مفتوحاً أمام شرعية المركبتين الأولى والثانية، لكي تستعيدا مكانهما في فكر الحزب في أية لحظة. لذلك يبدو أحياناً خط الحزب ومواقفه متناقضةً وخاليةً من الانسجام.
- حرم اعتقالُ القيادة عام 1980 الحزبَ من متابعة تطوير خطه وفكره، وسمح بإعادة طرح أفكار شيوعية تقليدية وقومية شعبوية، على أنها جزء من تراث الحزب الفكري والسياسي (وبالتالي = شرعية).

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------









مشروع من أجل موضوعات المؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي


- وثيقة صيف 2003.كانت مشروعاً للمؤتمر ثم رفضتها قيادة الحزب-
القسم الفكري
كيف يمكن للحزب أن يكون شيوعياً بعد سقوط السوفيت ؟..
أتت الشيوعية الحديثة و نبعت من كتاب " البيان الشيوعي " الذي خطه كارل ماركس ، بمعاونة ملاحظات قدمها فريدريك إنجلز ، فيما لم يسمي الحزب البلشفي نفسه بالشيوعي إلا في عام 1917 ، بعد اختلاف لينين مع أغلبية أحزاب ( الأممية الثانية ) ذات الطابع و الاتجاه الاشتراكي الديموقراطي.لم يضع " البيان الشيوعي " تصميماً انتقالياً نحو الاشتراكية إلا على ضوء شروط اكتمال المرحلة الرأسمالية في البلدان الصناعية المتقدمة ، فيما قال نص " البيان " ، تجاه ألمانيا المتخلفة ، بضرورة التحالف مع البرجوازية ، ضد الملكية المطلقة و الملاكين الإقطاعيين ، من أجل إنجاز مهام المرحلة الديمقراطية ، بشقيها السياسي و الاقتصادي ، محدداً هذه المهام في إطار " ثورة برجوازية " .كانت ثورة 1917 البلشفية في طريق ثانٍ غير طريق " البيان الشيوعي " : فعلى الضد من فصل ماركس بين إنجاز مهام المرحلتين الرأسمالية و الاشتراكية اختط لينين طريق ثورة تتداخل فيها المرحلتين ، بحكم وعيه لتخلف روسيا و عدم إنجازها لمهام المرحلة الرأسمالية ، و الحقيقة أنه لولا ظل الظرف الطارئ الذي ولّدته الحرب العالمية و مطلب ( السلم )، واستغلال البلاشفة لموضوع ( الأرض ) عند الفلاحين ، لما كان بالإمكان قيام ثورة أكتوبر التي استندت أساساً على هذين المطلبين ، أكثر من كونها " ثورة عمالية " في بلد لم يكتمل التصنيع فيه ، ولا يشكل فيه العمال سوى أقلية في النسيج الاجتماعي .كان الطريق البلشفي ملغوماً بهذه المفارقات القائمة في البنية الاجتماعية الروسية ، و التي كانت ، بالوقت نفسه ، سدوداً أمام تحقيق " برنامجهم الاشتراكي " : أتت الدكتاتورية نوعاً من الحل الفوقي لضعف قاعدتهم الاجتماعية ، ثم جاء التجميع الزراعي العنيف و القسري كنوع من الضرورة ( من أجل تحقيق مهام " التراكم الرأسمالي البدائي " ، على حد تعبير ماركس ، في إشارته إلى نهب المستعمرات و استغلال العبيد في العالم الجديد و استغلال صغار المنتجين بشكل كثيف كطريق للتراكم الرأسمالي الغربي ) لتحقيق ما قام به الغرب قبل قرون كمنطلق نحو التصنيع و التحديث ، و قد كان الاقتصادي الأبرز عند البلاشفة : ( بريو براجنسكي ) ، واعياً بضرورة أن يكون ذلك على حساب الفلاحين .لم يكن ذلك طريقاً اشتراكياً بل طريقاً لـ ( رأسمالية الدولة ) ، استطاع من خلاله الحزب الشيوعي السوفيتي قيادة البلاد في طريق الرسملة و التصنيع و التحديث ، و الفرق بين ما حدث في الغرب و ما تم في الاتحاد السوفيتي أن الأول أنجز مهام المرحلة الرأسمالية بشكل أكثر تقدماً بحكم ظروف عديدة و من دون تدخلية عنيفة من جهاز الدولة تجاه المجتمع ، فيما حصل ذلك عند السوقيات عبر سلطة أصبحت شمولية ، بحكم تلك التدخلية وبحكم ظروف الأوضاع الدولية تجاه النازية ثم المجابهة مع ( المعسكر الغربي ) بعد عام 1945 .كان انهيار السوقيات ناتجاً عن التناقض بين البنيتين : الدولتية ( الحزب الواحد + السلطة الشمولية ) ، و البنية المجتمعية ( الفئات و جنين الطبقات الجديدة ) التي تولدت عن عملية التحديث و التصنيع و الرسملة التي قادتها البنية الأولى مما جعلها تخلق بنية جديدة مالت عبر عقود ، وهو ما يفسر توترات ما بعد ستالين ، إلى تجاوز صانعيها ، حتى تحقق ذلك عبر ظرف دولي مختل لغير صالح المعسكر الشرقي ، من خلال انفجار ذلك التناقض وحله عام 1991 ، مما أدى إلى قيام بنية جديدة في الاقتصاد و السياسة ، تمثلت في ( اقتصاد السوق ) و ( الديموقراطية السياسية ) ، وهما ما كانا المنتهى الذي شهدته معظم البلدان التي مرت في مرحلة ( رأسمالية الدولة ) ، أو ما توحي المؤشرات بأن من بقي منها ، مع دولة شمولية ، هو سائر نحو ذلك المنتهى ( الصين + العالم العربي ) .إن انهيار موسكو هو انهيار للطريق اللينيني ، و ليس للذي وضعه ماركس في " البيان الشيوعي " أما الحديث عن ربطٍ للماركسية باللينينية فيمكن إيجاد حبله الواهي من خلال حقيقة كون البلشفية أقلية في صفوف الحركة الماركسية العالمية حتى عام 1917 ( وبعكس المناشفة ) ، وفي تعارض فكري - سياسي يمكن إيجاد أبعاده من خلال المقارنة بين أفكار الماركسيين الألمان ( كاوتسكي - بيبل - روزا لوكسمبورغ ) و أفكار لينين و خاصة في موضوع نظرية التنظيم اللينينية المقدمة في كتاب " ما العمل ؟ " و التي اعتبروها غريبة عن الماركسية و أنها أقرب إلى أفكار الثوري القديم ( أوغست بلانكي ) الذي نادى بالتغيير عبر انقلاب تقوم به زمرة منظمة قليلة حسنة التنظيم ، فيما لم يسيطر لينين على الحركة الماركسية العالمية إلا عبر استلامه للسلطة في دولة كبرى ، رغم أن " وصفته الروسية " ظلت على تعارض و في حالة غربة مع ماركسيي بلدان الغرب الأوربي المتقدم ، و خاصة مع لوكاتش و غرامشي ، إلى أن ظهرت أبعاد ذلك في السبعينيات مع ظهور ( الشيوعية الأوربية ).هناك تعارض بين ماركس و لينين يمكن اكتشافه بسهولة من خلال مؤلفاتهما ، ولكن من دون أن يؤدي ذلك إلى عدم اعتبار الأخير ماركسياً ، وإنما يراد تبيان مدى كون هذه الماركسية ، كمنهج استخدم في مكان و زمان محددين ، قد أدت للوصول إلى نتائج و اجتهادات و أفكار جديدة كانت على تعارض و تخالف مع صاحب المنهج ، ومع أغلب ماركسيي ما قبل عام 1917 ، وإن كان هذا يعطي تجربة لينين فرادة خاصة ، إلا أنها لا تلزم أي ماركسي ، ماضياً و حاضراً ، بما توصلت إليه ، ولا باعتبارها صنواً لأفكار ماركس كما يراد الإيحاء به عبر مصطلح ( الماركسية اللينينية ) الذي فرضه ستالين على شيوعيي عصره ، مستغلاً تحول موسكو ، بعد عام 1917 ، إلى مركز للحركة الماركسية العالمية التي أعيدت صياغتها على قياس الدولة السوفيتية في العام 1919 مع تأسيس الكومنترن .هذا الالتباس الذي استغرق معظم القرن العشرين أصبح ممكناً إزالته في فترة ما بعد انهيار الدولة السوفيتية ومعسكرها ، ليس بناءاً على التلفيق الذي يمكن أن يمارسه أتباع أيديولوجية مأزومة للخروج من مأزق ما ، وإنما بناءاً على المعرفة العلمية ، وإن كان سلوك و أفكار معظم الماركسيين و الشيوعيين ، في الفترة التي أعقبت ذلك الانهيار ، لا تساعد كثيراً على ذلك بحكم تطبع غالبيتهم بالفكرة التي أصبحت توحد بين الماركسية و اللينينية ، و تجعل الشيوعية الماركسية في إطار ماهية واحدة مع التجربة السوفيتية ، وبحيث كان تصرفهم في فترة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي قريباً من تصرف رعية فقدت راعيها .إلى أين يراد الوصول من كل ما سبق ؟……يريد هذا النص القول بأن هناك ( منهج معرفي فلسفي تحليلي ) ، اسمه الماركسية ، ومذهب حزبي سياسي ، اسمه الشيوعية ( يعبر عبر هذا الاسم عن هويته ) تَوَلّدَ - أي هذا المذهب - عن استعمال هذا المنهج في مكان و زمان محددين لاستنباط برنامج سياسي ، عبر فكر يرى السياسة كمكثف للبنية الاقتصادية و الاجتماعية - مازالا صالحين للاستخدام ويملكان مشروعية البقاء ، وأنهما لم يغرقا مع سقوط المركب السوفيتي ، بحكم أن ما جرى في تلك التجربة ، عبر لينين و خلفائه ، لا يمثل أكثر من تطبيق فرعي لذلك المنهج في المكان الروسي ، وأن سقوط السوقيات لا يعني سقوط ذلك المنهج و لا ذلك المذهب السياسي .لا تُستنفذ العقائد الكبرى من خلال تجربة معينة ، مثل تجربة الإسلام مع الدولة الإسلامية أو الأرثوذكسية مع الدولة البيزنطية ، وإنما من خلال عدم قدرتها على البقاء كمصدر للمعارف و التجارب الفردية و الجماعية في السياسة : في هذا الإطار ، تبقى الماركسية ، إلى الآن مصدراً لا يضاهى إذا قارناها بالمناهج الأخرى ، من أجل تقديم رؤية أخصب و أكثر إنتاجية ، لعلاقة السياسة مع البنية الاقتصادية - الاجتماعية ، و مع الأفكار و الثقافة ، ومن حيث علاقتها بالمكان الجغرافي ، ومن حيث جدل ( الداخلي - الإقليمي - الدولي ) . هذا يعطيها مجالاً أرحب لتوليد رؤى في السياسة ، ولاستنباط برامج سياسية ، ولتقديم أطر نظرية لعملية الممارسة السياسية عند كتل اجتماعية واسعة .في هذه الأطر ، التي تحدد مجالات السياسة و الساسة في مجتمع محدد ، لا يوجد منافس قوي للماركسية على صعيد الإنتاجية المعرفية ، ولا على صعيد قدرة هذا المصدر المعرفي على أن يجلب لصالحه ما تقدمه المناهج و المعارف الأخرى من دون أن يتجاوز ذاته عبر هذا الإغناء ، ويمكن لتجربة ماركس مع نظرية داروين و إنجلز مع الأنثروبولوجي مورغان في " أصل العائلة " و المفكر الماركسي الفرنسي ألتوسير مع البنيوية أن تعطي صورة عن أفق الماركسية و قدرتها على تمثل و هضم ما تعطيه المناهج و المعارف و المذاهب الأخرى لصالحها ، ولكن من دون أن يؤدي ذلك بها ، وهذا مثيل لما هو وضع المناهج و المذاهب السياسية الأخرى ، إلى أن تعيش مع مصدر معرفي آخر في أثناء عملية توليد الرؤية و البرنامج و الممارسة السياسية عند أصحاب الاتجاه الماركسي .هذا على صعيد النظرية و توليداتها المعرفية في السياسة ، أما على صعيد آخر ، يعطي الماركسية الشيوعية مشروعية البقاء ، فإننا نجد أن ارتباطها مع الطبقة العاملة و فئات الكادحين في المجتمع الرأسمالي المتقدم من أجل إدخال ذلك المجتمع في أفق اشتراكي ، و مع الطبقات و الفئات و الشرائح التي تسعى إلى تحقيق الثورة الديمقراطية ، و التي هي ذات طابع برجوازي ليبرالي من حيث المهام في الاقتصاد و السياسة و الحقوق الدستورية ، في المجتمعات المتخلفة و الاستبدادية ، يعطيانها مشروعية التمثيل الاجتماعي لطبقات أو فئات أساسية في المجتمعات المعنية ، وهذا ما يعطيها الحق و المشروعية في البقاء و الاستمرار ، إلا إذا اختارت تلك الطبقات و الفئات و الأفراد البحث عن اتجاهات جديدة ، وهو شيء لم يحصل تجاه الماركسية حتى الآن ، وإن كان هناك قتالاً فكرياً - سياسياً حول مضمونها بين الماركسيين ، وحقداً ذاخراً عند الكثير من الاتجاهات الأخرى ، يصل إلى حدود غير موضوعية ، تجاه الماركسية و الشيوعيين .ماذا يعني ذلك على الصعيد النظري ؟يعني ذلك أولاً ، أن السياسة لا يمكن فصلها عن الأيديولوجية ، و أننا لسنا في عصر نهاية الأخيرة ، كما روج الكثير من أنصار الليبرالية الجديدة الذين أثبتوا عبر رؤاهم و ممارساتهم أنهم إيديولوجيون بامتياز ، و إن كان الفارق بين أيديولوجية و أخرى يتحدد بمدى مطابقة كل منها للوقائع أو مدى انغلاقها العقيدي عنها ، و في إطار نسبية مستخدمها المعرفي و السياسي تجاه المكان و الزمان و بالقياس إلى مصالحه و انحيازاته و أهوائه و ميوله ، هذه الأشياء الأخيرة التي لا يمكن تجاوزها عند الكائن الاجتماعي ، ممارسة و نظراً ، ولكن يمكن السعي إلى الموضوعية و النسبية أكثر و أكثر في العمليتين المعرفية و السياسية .هذا أولاً ، أما ثانياً ، وفيما يتعلق بالماركسيين ، فإن هنالك ماركسية و ماركسيون ، وكذلك فإن تجارب الأخيرين لم تَستَنفِذ الماركسية بعد ، بما فيها تجربة و أفكار لينين ، و التي لا يمكن أن ترتقي إلى مستوى أن تكون مكافئاً ممارسياً أو نظرياً للماركسية ، ولا أن تستنفذ الأخيرة عبر مسارها ، أو عبر محتواها النظري ، كما يحاول أن يوحي مصطلح ( الماركسية اللينينية ) ، هذا يعني أن أفكار لينين النظرية الجديدة ، يجب فحص علاقتها بكارل ماركس ، مثل نظرية التنظيم المقدمة في كتاب " ما العمل ؟ " و إضافته النظرية الأخرى في كتاب " الإمبريالية " ، وكذلك نظريته عن الدولة في " الدولة و الثورة " ، وصولاً إلى تعارضه النظري الكامل مع " البيان الشيوعي " المقدم في كتابه " موضوعات نيسان " الذي بيّن فيه ، قبل ستة أشهر من ثورة أكتوبر ، إمكانية بناء الاشتراكية في بلد واحد و متخلف .ثالثاً و أخيراً ، وهذا الأساس في العملية ، فإن القضية السابقة ، لا تعني البحث عن تأسيس أصولية ماركسية ، تُثَبِّت الأصل و تطرح الباقي ، و إنما تنطلق من أن هناك ( منهج معرفي فلسفي تحليلي ) تُثبِتُ الوقائع بأنه مازال صالحاً ، وأن هناك ضرورة للتفريق بين هذا المنهج و استخداماته ، ليس فقط استخدامات الماركسيين التطبيقية له ، و إنما أيضاً ، حتى استخدامات كارل ماركس لهذا المنهج في ميادين الاقتصاد و الاجتماع و السياسة و الثقافة ، لمقارنة و دراسة هذه الاستخدامات من أجل تبيان مدى صلاحيتها للبقاء أمام تطورات عصر ( ما بعد الصناعة )و( الأتمتة ) ، و الاتجاه المتزايد إلى تحول ( فضل القيمة ) من العمل اليدوي إلى العمل الذهني ، للوصول إلى تحديد ماذا بقي من ماركسيات الماركسيين السابقين صالحاً للنظر و الاستخدام بعد قرن و نصف من دخول الماركسية ميدان النظر و الممارسة .
*** *** ***









القسم الدولي







من تعدد الأقطاب إلى القطب الواحد
لم تشهد العلاقات الدولية استقرار النصاب لدولة واحدة ، تتحكم بمسار الوضع الدولي ، إلا في عام 1989 مع واشنطن بعد انتصارها على المعسكر السوفيتي ، مكررة سابقة روما الوحيدة عشية بدء الألفية الأولى .في العصور الحديثة استطاعت إنكلترا ، بعد هزيمتها للأسبان في معركة الأرمادا ( 1588 ) إثر منافسة استغرقت نصف قرن للسيطرة على العالم الجديد ، أن تكون القوة الأعظم حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، إلا أنها لم تستطع أن تكون وحيدة و بدون منافس على قمة العلاقات الدولية : نافستها فرنسا عبر حروب لويس الرابع عشر معها ( 1643 - 1715 ) ، و في حرب السنوات السبع ( 1756 - 1763 ) ، و عبر نابليون ( 1799 - 1815 ) . وهي و رغم بحثها عن إدامة الاستقرار الأوروبي بعد هزيمة نابليون ، لم تستطع أن تمنع ظهور المنافس الألماني ، مما جرّ العالم إلى الحربين العالميتين ، ولا بزوغ القوة اليابانية بعد هزيمتها لروسيا في عام 1904 ، ولا نمو روسيا السوفيتية و تحولها إلى قوة عالمية بعد الانتصار على الألمان في عام 1945 .على ضفة الأطلسي الأخرى ، كان هناك قوة تنمو بهدوء بعيداً عن عواصف العالم القديم ، متمتعة بعزلة ( مبدأ مونرو : 1823 ) الذي وضع خطوطاً حمراً أمام تدخلية القوى الأوربية في شؤون الأمريكيتين ، ونائياً بالعالم الجديد عن التدخل في شؤون ذلك القديم : لم تتدخل الولايات المتحدة في الشؤون الدولية إلا في عام 1898 عبر حربها مع إسبانيا ، مما أجبر الأخيرة على التنازل لواشنطن عن الفليبين ، فيما أدى دخولها في الحرب العالمية الأولى عام 1917 ، و بعد إنهاك الطرفين ، إلى وضع مبدأ مونرو جانباً ، و إلى تحولها إلى قوة دولية كبرى فعّالة و إن كان وزنها السياسي لم يرتقي إلى مستوى عملقتها الاقتصادية إلا بعد تفردها مع موسكو في الزعامة العالمية ، إثر نهاية الحرب العالمية الثانية ، ودخول العالم في أتون الحرب الباردة ( 1947 - 1989 ) ، فيما تحولت لندن و باريس إلى قوى سياسية من الدرجة الثانية ، وخاصة بعد فقدانهما لمستعمراتهما بين عامي ( 1946 - 1962 ) ، بينما كانتا على الصعيد الاقتصادي وراء اليابان و ألمانيا الغربية المجردتين ، بحكم آثار الحرب ، من أي دور سياسي دولي مستقل .أتى الانتصار الأمريكي في ( الحرب الباردة ) عبر وسائل غير عسكرية : لم تكن روسيا القيصرية أكثر تطوراً من إسبانيا 1917 ، ولم تكن تعادل صناعتها أكثر من ( 12.5 % ) من حجم الصناعة الأمريكية في ذلك العام .صحيح أن حجم الصناعة السوفيتية من تلك الأمريكية قد أصبح يعادل ( 75 % ) في العام 1970 إلا أن من الضروري إدراك أن الطابع المافوق قومي للشركات الأمريكية كان يعطي الولايات المتحدة وزناً اقتصادياً لا يمكن قياسه عبر المعايير الاقتصادية التقليدية ، فقد زادت الاستثمارات الأمريكية المباشرة في الخارج ، بين عامي 1946 - 1966 ، من ( 7.2 مليار دولار ) إلى ( 54.6 مليار دولار ) ، و كان حجم السوق الأجنبي للشركات الأمريكية عام 1965 يعادل تقريباً ( 40 % ) من الناتج المحلي للشركات و المصانع و المناجم الأمريكية ، وإذا أردنا حساب ذلك ، عبر اللغة الاقتصادية ، فقد كانت الشركات الأمريكية في الخارج ثالث أكبر وحدة اقتصادية في العالم بعد الاقتصادين المحليين الأمريكي و السوفيتي في أواسط الستينيات ، فيما ازداد ترابط اقتصاديات ( المعسكر الغربي ) أي الولايات المتحدة و بلدان السوق الأوربية المشتركة ( يشمل ذلك بريطانيا التي لم تدخل السوق إلا في عام 1972 ) حيث ازداد نصيب مبادلاتها البينية من نسبة ( 46 % ) من حجم التجارة العالمية في 1928 إلى ( 62 % ) في عام 1965 ، فيما زاد حجم التوظيفات الأمريكية في أوربا الغربية من ( 17.5 مليار دولار ) في عام 1966 إلى ( 500 مليار ) في عام 1991 ، مما زاد من حجم التداخلات العضوية بين الاقتصاديات الرأسمالية ، وهو شيء لم تنجح به منظمة ( الكوميكون ) ، الخاصة ببلدان ( الكتلة الشرقية ) و التي تأسست في عام 1949 ، لتصبح بلدانها في النهاية عبئاً على الاقتصاد السوفيتي .كانت الولايات المتحدة تعادل باقتصادها ما يقارب ( 25 % ) من الناتج الاقتصادي العالمي في النصف الاول من عقد الثمانينيات ، فيما كان الاقتصاد السوفيتي يدخل في مرحلة التراجع بعد عام 1970 ، رغم أن دخول موسكو إلى سوق تصدير النفط ، قد أخرّ من انفجار الأزمة إلا أن مفاعيل ذلك قد بدأت بالظهور عندما سبقت اليابان الاتحاد السوفيتي في الترتيب الاقتصادي العالمي منذ عام 1983 محتلة المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة ، وإن كان تفوق الأخيرة الاقتصادي قد تعزز بالثمانينيات مع رفع ريغان لمعدلات الفائدة بالبنوك الأمريكية ، مما أدى إلى هجرة ( 600 مليار دولار ) من الرساميل العالمية إلى السوق الأمريكية بين عامي ( 1981 - 1986 ) ، مترافقاً مع هجرة كثيفة للأدمغة العالمية إليها ، مما جعلها تحوي أواسط الثمانينيات 70 % من الطاقة العلمية العالمية .إذا كانت السياسة هي تعبير مكثف للإقتصاد ، وفق تعبير كارل ماركس ، فإن التوازن العالمي بين المعسكرين ، وهو ما يشمل التسلح و القوة الاقتصادية و الوضع الجغرا-سياسي ، قد تم كسره ، وهو القائم على توازن الرعب النووي مرفوقاً بتفوق السوفيت في الأسلحة التقليدية و في السلاح الكيماوي ، من خلال القوة الاقتصادية للولايات المتحدة ، وبالذات بعد أن وقف السوفييت عاجزين ، لأسباب اقتصادية ، عن متابعة سباق التسلح بعد طرح ريغان لمشروع ( حرب النجوم ) في آذار 1983 مما أوحى لأول مرة منذ امتلاك السوفييت للقنبلة الذرية 1949 ، بأن هناك إمكانية علمية تقنية لكسر التعادل النووي بين العملاقين ليؤشر ذلك على بداية انهيار التوازن الذي كرّسته ( اتفاقية يالطا ) بين موسكو وواشنطن في عام 1945 ، ثم لتأتي ( البيريسترويكا ) كنوع من التكيف السياسي مع الواقع الاستراتيجي الجديد ، وإن كانت سيرورتها ، بما أدت إليه من تفجير قوى اجتماعية كامنة في المجتمع السوفيتي أرادت تجاوز الواقع الاقتصادي - السياسي القائم ، قد جعلت القيادة السوفيتية غير قادرة على التحكم بالآليات الداخلية المنطلقة من عقالها و بالذات أثناء دفعها لفاتورة الاختلال بالتوازن الدولي و مفاعيله ،مما جعلها عاجزة ليس فقط على الحفاظ على ( الكتلة السوفيتية ) ، وإنما على الاتحاد السوفيتي نفسه .يمكن إدراك حجم هذه المفارقة ، من خلال مقارنة حجم الخسائر الأمريكية التي حصلت في الفترة الممتدة بين عامي 1975 - 1979 : ( فيتنام - كمبوديا - لاوس - أفغانستان - أنغولا - أثيوبيا - إيران - نيكاراغوا ) ، رغم التراجعات و الهزائم عند السوفييت و حلفائهم و التي تبقى أقل من حجم الهزائم الأمريكية : ( حرب حزيران - تشيلي - هزيمة الشيوعيين في برتغال 1975 ) ، ومع ذلك فإن موسكو لم تستطع توظيف تلك التراجعات الأمريكية الكبيرة ، و التي ترافقت مع تفارق فرنسي و ألماني غربي عن واشنطن تجاه التعامل مع السوفييت ، بخلاف ما حصل لما كان التوازن الاقتصادي - التقني في وضعية أفضل بالنسبة لموسكو مما جعلها قادرة على استثمار ضربات وجهت للمعسكر الغربي ( هزيمة الفرنسيين في الهند الصينية عام 1954 - حرب السويس - ظاهرة دول عدم الانحياز - الجزائر ) و توظيفها بشكل أفضل بالقياس إلى فترة النصف الثاني من عقد السبعينيات .كان انهيار نظام ( يالطا ) في عام 1989 مدخلاً إلى حقبة جديدة في العلاقات الدولية ، مما جعل انهيار السوقيات ، بعد عامين ، يطبع العصر بنتائجه ، مثلما حددت ثورة أكتوبر ملامح مرحلة جديدة في الوضع الدولي استمرت زهاء ثلاثة أرباع القرن العشرين .ظهر مقدار التفرد الأمريكي على حساب القوى الأخرى ( أوروبا - روسيا - الصين ) ، التي لم تستطع امتلاك قوة التأثير و التقرير ، في الأزمات الثلاث الكبرى لعقد التسعينيات الماضي : أزمة و حرب الخليج ( 1990 - 1991 ) ، حرب البوسنة ( 1992 - 1995 ) ، أزمة و حرب كوسوفو ( 1999 ) ، فيما قادت الولايات المتحدة ، منفردة ، مسار " تسوية " الصراع العربي - الإسرائيلي منذ مؤتمر مدريد ( ت 1 1991 ) حتى مؤتمر كامب ديفيد ( تموز 2000 ) ، إلى أن أتت الأزمة العراقية و ما تبعها من حرب واشنطن على العراق ، في عام 2003 ، لتبيِّن مدى اختلال التوازن الدولي لصالح ( القطب الواحد ) ، على حساب أوروبا التي بان مدى قدرة الولايات المتحدة على إحداث الانقسام فيها ضد قوى حاولت الممانعة مع واشنطن في الأزمة العراقية ( فرنسا - ألمانيا ) ، و على حساب روسيا التي حاولت التحالف مع باريس و برلين ، إلا أنها سرعان ما عادت إلى " الانضباط " وفقاً لما حددته مستشارة الرئيس الأمريكي تجاه سلوك الدول الثلاث في الأزمة و الحرب : " فرنسا = العقاب ، ألمانيا = النسيان ، روسيا = الغفران " فيما كان عدم إشارتها إلى الصين مؤشراً إلى حجم دور الأخيرة في الأزمة العراقية التي قال عنها ( طوني بلير ) أنها " ستحدد شكل العلاقات الدولية لأكثر من جيل " .هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فقد استطاعت واشنطن تحديد الكثير في عملية إدارة الصراعات و المشكلات الإقليمية ، وتعيين آفاقها : نحو تغيير الخرائط من عدمه ( أوروبا الشرقية و الوسطى بعكس الشرق الأوسط و شبه القارة الهندية و سيريلانكا ، من خلال مشكلتي كشمير و التاميل ) ، إلى ضبط حدود التعامل مع " الدول المارقة " ( " الاحتواء المزدوج " تجاه العراق و إيران منذ 1993 ، ثم " الاحتواء المنفرد " تجاه العراق منذ 1999 ، وصولاً إلى الاتجاه لضربه و غزوه بعد 11 أيلول ) ، ثم استخدام العوامل المحلية لإحداث تغييرات ضد قوى دولية أخرى ( استخدام أقلية التوتسي في رواندا و بوروندي ضد الأكثرية ممثلة في قبيلة الهوتو الموالية تقليدياً لفرنسا ) ، إلى تحديد أدوار الدول الإقليمية باتجاه التحجيم ( إيران - باكستان ) أو باتجاه إطلاق اليد أو تعيين المسار ( تركيا في آسيا الوسطى السوفيتية و القفقاس ) أو باتجاه منعها من التدخل في أزمات إقليمية أو مجاورة ( مصر تجاه الأزمة السودانية ، أو حيال حل أزمة لوكربي مع ليبيا عام 1999 ، أو إيران حيال العراق المحتل من قبل واشنطن و قبله تجاه آسيا الوسطى السوفيتية ) .أدى هذا و ذاك إلى ترسيخ قوة ( القطب الواحد ) في العقد ونصف الذي يفصلنا عن نهاية ( الحرب الباردة ) ، وإلى نظم العلاقات الدولية على أساس ذلك ، و هو ما نجحت فيه الولايات المتحدة إلى حد كبير وكان المثال العراقي الأخير مؤشراً قوياً على ذلك ، إن تجاه أوروبا ، أو روسيا ، أو الصين ، أو الجوار الإقليمي للعراق ، أو تجاه الجسم العربي ، أم على صعيد الأمم المتحدة .في هذا الإطار ،أدت الإمتدادات الأمريكية ، في حرب الخليج و العراق بين عامي 1991 - 2003 ، و في القفقاس بعام 2001 مع الأزمة و الحرب التي أعقبت ( 11 أيلول ) في أفغانستان إلى سيطرة واشنطن على منابع و احتياطات النفط الأساسية في العالم ، وإلى تحكمها بحنفيتها تجاه أوروبا و اليابان و الصين ، و هو ما يشكل مكسباً استراتيجياً ( يمكن أن يكون هو الهدف الرئيسي من تركيز " القطب الواحد " على ذلك القوس الممتد بين الخليج و قزوين بعد انهيار " الكتلة الشرقية " بدلاً من مناطق أخرى من العالم ) من المحتمل أن يؤدي إلى تحديد شكل التوازنات بين الولايات المتحدة وهذه القوى الثلاث التي تشكل تهديداً مستقبلياً لمكانة " القطب الواحد " على مدار القرن الجديد ، وخاصة الصين التي يتوقع ، إذا استمر معدل نموها السنوي الحالي ( 7.18 % ) ، أن يفوق اقتصادها فرنسا في عام 2005 ، و أن تتخطى ألمانيا في العام 2020 كثالث قوة اقتصادية في العالم ، و أن تضع اليابان وراءها في العام 2050 كثاني قوة اقتصادية عالمية ، مما سيجعل منطقة شرق آسيا ، التي تقدم الآن 35 % من الناتج الاقتصادي العالمي ، تشكل التهديد المستقبلي الأكبر للقطب الواحد ، وخاصة إذا أفرز الاقتصاد مستتبعاته السياسية و الأمنية .لذلك كان " النفط " و السيطرة عليه ، مشكِّلاً لضربة وقائية استباقية ( تماماً مثل العقيدة الاستباقية الوقائية التي أعلنها الرئيس الأمريكي في عام 2002 ، كاستراتيجية عسكرية أمريكية جديدة ) تأتي لتعزيز التفوق العلمي - التقني الذي مال كثيراً لصالح الولايات المتحدة في العقدين الأخيرين تجاه أوروبا و اليابان ، و هو ما ينعكس أساساً على الصعيد العسكري ، بعد أن أصبحت الحرب لعبة تكنولوجية أساساً ، مما جعل هناك اختلالاً عسكرياً بين الولايات المتحدة و الآخرين الذين وراءها ، أصبح يشكل ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ العسكري ، الشيء الذي يُكوِّن الأرضية ( مما برزت المؤشرات عليه في الحرب العراقي الأخيرة ) لنشوء اتجاه أمريكي جديد يتجه نحو تهميش حلف الأطلسي عبر الطروحات الجديدة عن ( تحالف الراغبين ) و هو ما كانت الحرب الأمريكية الأخيرة على العراق تطبيقاً عملياً له ، تماماً كما اتجهت الولايات المتحدة ، عبر اعتمادها على استراليا كلاعب رئيسي في جنوب شرق آسيا عبر أزمة تيمور الشرقية عام 1999 ، إلى تهميش رابطة دول جنوب شرق آسيا ( آسيان ) التي شكلتّها في الستينات كدرع إقليمي في ظرف الحرب الفيتنامية .تشكل الحرب في هذا الإطار ( وشكلت ) وسيلة لخلق حقائق سياسية و اقتصادية جديدة ، و هو ما اتبعته الولايات المتحدة بقوة و فاعلية في فترة ما بعد ( الحرب الباردة ) ، و هذا ينطلق أساساً من إدراك صانعي القرار في واشنطن بأن التفوق العلمي - التقني ، و العسكري ، إذا لم يرادفهما حقائق مكافئة في الاقتصاد ، و على الصعيد الجغرا - سياسي ، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى تقويض بناء الأحادية القطبية ، و خاصة مع وجود مؤشرات على بزوغ قوى اقتصادية كبرى تتجه نحو العملقة ، بالترافق مع اعتلالات بدأت تظهر على الاقتصاد الأمريكي ، مما يفسر اتجاه بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي نحو " دولار ضعيف " تجاه اليورو و الين الياباني منذ عام 2001 ، لتشجيع الصادرات الأمريكية و جعل البضائع اليابانية و الأوروبية أقل تنافسية تجاه البضائع الأمريكية في السوق الداخلية و الخارجية .تأتي النـزعة الحربية الراهنة عند الأمريكان من ذلك ، و هو ما ظهر بقوة في كابول 2001 و في بغداد 2003 ، بخلاف النـزعة الإنكفائية التي ظهرت عقب الحرب الفيتنامية ، فيما يلفت النظر حقيقة أن المقاومات الدولية ، أو بالأصح الممانعات ، لا ترتفع إلى مستوى قامة الغايات الأمريكية من الحرب ، وهو شيء ظهر بوضوح في الحرب العراقية الأخيرة ، رغم أن بعض القوى الدولية قد قدمت فيها درجة من الممانعات كانت أكبر من كل ما ظهر في محطات الحروب الأمريكية السابقة ( حرب 1991 ، حرب كوسوفو 1999 ) ، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لمنع البلدوزر الأمريكي من متابعة طريقه ، أو حتى عرقلته عن ذلك .في هذا الإطار ، يلاحظ بحث القوى الكبرى عن تفاهمات مع واشنطن ، أو عن صفقات معها ، خلال كل أزمة دولية ، بدلاً من البحث عن طريق مقاوم : غورباتشوف في حرب 1991 و كذلك الصين ؛ الأوروبيون في كوسوفو 1999 مع سكوت روسي ؛ موسكو في حرب 2001 رغم امتداد واشنطن إلى " الحديقة الخلفية " للروس في آسيا الوسطى و القفقاس ؛ الصين في حرب 2003 العراقية مع تركها لحليفتها الكورية الشمالية في أثناء أزمتها مع الأمريكان ثم انضمام الفرنسيين و الروس إلى بكين بعد فشل ممانعاتهم في الأزمة العراقية و العودة إلى التوافق مع واشنطن كما ظهر من خلال قرار مجلس الأمن الأخير المشرِّع للاحتلال الأمريكي للعراق .هذا الاتجاه يمتد إلى قوى إقليمية كبرى في مناطق عديدة من العالم : إيران في حرب 1991 و كذلك في حرب 2001 الأفغانية و كذلك حرب 2003 العراقية و لو أن ذلك كان أقرب عند طهران إلى مهادنة أو إلى الحفاظ على الرأس سالماً مع محاولة السعي إلى بيع هذه المواقف لواشنطن مقابل مكاسب هنا و هناك من دون أن تلقى تجاوباً أمريكياً ؛ الهند في كابول 2001 من دون أن تكون دوافع ذلك محصورة في اتجاه نيودلهي لتحجيم باكستان و إنما يمتد إلى محاولة الهند لكي تكون جزءاً من الاستراتيجية الأمريكية في وسط آسيا و كذلك في جهود واشنطن لتحجيم الصين عبر الحاجز الغربي الهندي .يطرح هذا و ذاك مسألة المقاومة الدولية للقطب الواحد : هل حدودها هي مقاومة سياسيين مثل ( صدام حسين ) و ( ميلوسيفيتش ) و ( كيم جونغ إيل ) و ( أسامة بن لادن ) ؟ …… أم : أن ( سياتل ) هي تلك المقاومة ؟ … ثم : أين تلك الكتلة العالمية التي كانت تشكلها الحركة الشيوعية العالمية ، بما كانت تمثله من وزن سياسي في مجتمعاتها ، أم أنها لم تعد ذات وزن بعد سقوط موسكو ؟ …… وصولاً إلى طرح سؤال : هل هناك اتجاه إلى تشكيل مقاومات تبنى على قضايا محددة ، مثل تضررات المزارعين الأوروبين من الإجراءات الحمائية الأمريكية أو من الأغذية المعدلة وراثياً ، أو مقاومات البيئويين للموقف الأمريكي تجاه معاهدة ( كيوتو ) ، أو تضررات الفقراء و الفئات الوسطى في الأرجنتين من توصيات صندوق النقد الدولي ؟ ……هل يشكل ذلك مقاومة عالمية للقطب الواحد ، يمكن إعطائها قواماً محدداً تصل إلى شكل حركة واحدة ، أو طابع قوى متحالفة ، كما كان الوضع في فترة ( الحرب الباردة ) ، بين " الكتلة الاشتراكية " و " الحركة العمالية " في بلدان المتروبول ، و " حركة التحرر الوطني " ؟ … أم أنها لا يمكن ، حتى الآن ،اعتبارها "مقاومة " أو " مقاومات " للقطب الواحد : هل هي جنين باتجاه التكون نحو ذلك ، أم أنها لا تحوي إمكانية لذلك ؟ …… ثم : هل باستطاعتها ، إذا كانت باتجاه التحول إلى مقاومة عالمية ، أن تشكل قطباً مؤثراً غير حكومياً ضد ( القطب الواحد ) ، أم أنها لا يمكن أن تكتسب التأثير بدون إمكانية نشوء قطب آخر منافس للقطب الواحد ، مع أن الأمد المنظور ، و كذلك المتوسط ، لا يوحي بإمكانية ذلك ؟ ……تقود هذه القضايا إلى طرح أمور جديدة ، لم تكن مطروحة في الفترة السابقة على نشوء عصر ( القطب الواحد ) : كيف يمكن لشعوب محتلة من القطب الواحد ( العراق ) ، أو من حلفائه ( فلسطين ) ، أو خاضعة لهيمنة ذلك القطب الواحد ( العرب ) ، أن تحقق أهدافها في التحرر الوطني ، في ظل ظرف دولي كهذا :هل تختار طريق ( صدام حسين ) و ( ابن لادن ) و ( ميلوسيفيتش ) و ( الرنتيسي ) ، أم طريق رئيس الوزراء الهندي ( فاجبايي ) و الرئيس الروسي ( بوتين ) و الصيني ( جيانغ زي مين ) و ( أبو مازن ) ؟ …… أم أن هناك طريقاً ثالثاً ؟ ……أخيراً إذا أردنا تطوير القضايا التي يطرحها هذا القسم على خلفية سقوط السوفييت ، و نشوء مشهد جديد ، هو غير مسبوق منذ قرون طويلة في العلاقات الدولية ، فمن الممكن طرح قضايا عديدة ، يمكن أن تشكل محوراً للتفكير و النقاش :1. كان الاقتصاد عاملاً حاسماً في تشكيل ( القطب الواحد ) و كسر ثنائية القطبين كما كان عاملاً مقرراً في تزعم الولايات المتحدة للمعسكر الغربي بعد الحرب العالمية الثانية : هل يكون كذلك في كسر حالة ( القطب الواحد ) ؟ ……2. يمكن عبر ( تومي فرانكس ) استعادة و تذكر دور ( كتشنر ) و ( أللنبي ) ، و كذلك عبر ( بول بريمر ) استعادة ( كرومر ) : لم تغير الرأسمالية الكثير من نزعتها الإمبريالية نحو الهيمنة و السيطرة على الشعوب الأخرى ، و يمكن عبر التجربة العراقية أن يحصل لقارئ التاريخ الكثير من الاستعادة التذكرية للسيناريو الذي حصل في مصر 1882 و في سورية 1920 .3. ألا تستحق الدراسة مسألة ترافق هذه النـزعة الأمريكية للسيطرة و الهيمنة على العالم ( و محاولة المنع الطويل الأمد لنشوء قطب منافس ) مع بروز غير مسبوق بهذا الحجم لنفوذ جماعات المصالح النفطية و المالية و الصناعية و شركات الإنشاء الكبرى ( بكتيل + شركة هاليبورتن لمقاولات و إنشاءات النفط … الخ ) في داخل إدارة بوش الابن ، عبر ممثلين خرجوا مباشرة منها ( تشيني " هاليبورتن " + رايس " شركة شيفرون للنفط " … الخ ) ، أو عبر تداخلات غير مباشرة ، مع العلم بأن ارهاصات ذلك قد ظهرت مع إدارة ريغان ، عندما خرج وزير الدفاع ( كاسبر واينبرغر ) ووزير الخارجية ( جورج شولتز ) من شركة ( بكتيل ) إلى مكاتبهما في الإدارة الأمريكية ؟ ……4. في الوضع الدولي الجديد ، أصبحت قدرة " الدولي " على تشكيل " الاقليمي " و أحياناً المشهد " الداخلي " كما جرى في أفغانستان و العراق مثلاً ، في حالة غير مسبوقة بهذا الشكل : كيف يمكن تشكيل الممانعات و المناعات المقاومة لذلك ؟ … هل تشكل الديموقراطية ضمانة وحيدة للداخل من أجل ذلك ؟ … و خاصة بعد أن قادت الديكتاتوريات العربية إلى وضع سهّل و أتاح عودة الاحتلال ؟ …… أم أن الأمر أبعد من ذلك ؟ ..5. تطرح القضية الأخيرة مسألة جديدة : في ظل ( قطب واحد ) للعالم ، و عدم قدرة القوى الكبرى على التأثير و الفعل و استدارتها أكثر نحو تأمين مصالحها و مطالبها مع القطب الواحد ، و في ظل محيط إقليمي " متعاون " معه أو عاجز أمامه ، كيف يمكن لشعب أو دولة القيام بتحصيل تحررها أو حقوقها في قضية " ما " ، مع العلم بأن أسطع التجارب النضالية في القرن العشرين ، لم يكن ممكناً لها النجاح لولا وجود ظرف دولي و إقليمي مناسب : فيتنام ( الاتحاد السوفييتي + الصين ) ، الجزائر ( عبد الناصر + بورقيبة + محمد الخامس + اللامبالاة الأمريكية تجاه الفرنسيين هناك ) ؟ ……6. أشاعت الثورة الفرنسية في عام 1789 ، متأثرة بأفكار ( عصر الأنوار ) ، مبادئ جديدة اكتسبت القوة بالتدريج ، في العلاقات الدولية ، مثل ( حقوق الانسان ) ، ( حق الشعوب في تقرير مصيرها ) . هذا من جهة ، و من جهة أخرى ، فقد أتاحت " تفاؤلية " القرن التاسع عشر ، و النصف الأول من القرن العشرين ، المجال لنشوء أجواء فكرية تتجه نحو تجاوز ( العامل الديني ) في السياسة ، و باتجاه ( الأممية ) بعيداً عن تصارع القوميات الذي ولّد ، من خلال البلقان ، نشوب الحرب العالمية الأولى : ألا تشكل الأجواء الدولية الجديدة في بداية الألفية الثالثة و ما جرى في العقد الأخير من القرن العشرين ، فشلاً و نكوصاً عن كل ذلك ؟ .

*** *** ***
القسم العربي








من الدولة القومية إلى الاحتلال ( 1952 - 2003 )
صعد الاتجاه القومي إلى السلطة ( مصر ، العراق ، سوريا ) على أساس برنامج مؤلف أساساً من ثلاثة بنود :1 - فلسطين ، 2 - الوحدة العربية ، 3 - التنمية و التحديث .على الصعيد الأخير ، حصل هناك إصلاح زراعي و تمدين للريف و تضييق للفوارق بينه و بين المدينة ، و زيادة فرص التعليم و لو تمّ ذلك لصالح الكم على حساب الكيف و النوع ، إلا أن ذلك قد حوى كل عيوب المفارقة التي حصلت في هذه البلدان عندما قاد الريف و البلدات الصغيرة عملية التحديث ، بعكس ما حصل في البلدان الأوربية عندما قادت العاصمة هذه العملية ( لندن 1688 ، باريس 1789 ، بتروغراد 1917 ) وجعلها ، في الوجه الآخر للعملة ، نوعاً من الترييف للبلد و تصديراً للعلاقات الريفية إلى المدينة ولو امتزج ذلك مع طلاء رقيق من أشكال و مظاهر التحديث .أتى ذلك على خلفية عدم قدرة الفئات التي تولت الحكم ، في الفترة السابقة لذلك ، على حل المسألة الزراعية ، مضافاً إليها مضاعفات هزيمة 1948 ، مما أنشأ كتلة اجتماعية واسعة ضمت الفلاحين بشرائحهم المختلفة ، و الفئات الوسطى المدينية ، رأت مصلحتها في قلب الوضع القائم ، مستخدمة المؤسسة العسكرية كَمَطِية لذلك .نزل العراق ، عبر حربين و حصار استمر عقداً من الزمن ، من بلد كان يعد من أغنى دول الشرق الأوسط ، بثروته النفطية و المائية و الزراعية و رأسماله البشري ، إلى عصر ما قبل الصناعة ، فيما لم تستطع مصر حل مشكلتها الغذائية الناتجة عن المشكلة السكانية و ضيق المساحة الزراعية ، مما جعلها رهينة لمعونات القمح الأمريكية ، و لا تضييق مشكلة التفاوت في الدخول بين الأغنياء و الفقراء ، ولا مشكلة التفاوت بين الريف و المدن ، مما ولّد هجرة ، تعد قياسية على الصعيد العالمي ، أدت إلى جعل القاهرة حاوية لخمس السكان عبر ضواحي و أحزمة ضمت الوافدين الجدد تفتقر إلى المعايير الدنيا للحياة الحديثة ، بينما نزلت سوريا من مستوى يقارب مستوى ماليزيا في عام 1975 ، من حيث الدخل الفردي ( 676 / 716 دولاراً ) ، لتصبح بعد ربع قرن من ذلك ، وفقاً لتقرير التنمية البشرية الذي أصدرته الأمم المتحدة عام 2002 ، في المرتبة ( 108 ) من أصل 173 دولة ، بينما ماليزيا في المرتبة ( 59 ) ، فيما تفوقت المغرب في الدخل الفردي عام 2001 ، على سورية ( 950 دولار ) بدخل بلغ ( 1180 دولاراً ) ، هي و تونس ( 2100 دولار ) ، والأردن ( 1720 دولار ) ، بعد أن كانت على التوالي : ( 440 دولار : 1975 ) ، و ( 756 دولار : 1977 ) ، و ( 552 دولار : 1975 ) .على صعيد الوحدة العربية ، لم تنجح ، في القرن العشرين ، سوى وحدة الجزيرة عبر ابن سعود ، و الإمارات العربية ، و الوحدة اليمنية ، فيما فشلت وحدة 1958 ، و لم تنجح محادثات الوحدة الثلاثية في 1963 ، ولا اتحاد الجمهوريات العربية في عام 1971 ، إلى أن وصلت الأمور إلى مستوى من التردي لم يُستطع فيه الحفاظ على ملامح التضامن العربي ، الذي ظهرت بوادر قصيرة الأمد له في عامي 1973 - 1974 ، بعد أن تحطم على مذبح الخلافات المصرية - السورية ( 1975 - 1977 ) ، ثم ليتناثر بعد دخول الخلافات العراقية - السورية في توترات غير مسبوقة ( 1979 - 1980 ) ، حتى وصلت الأوضاع إلى مستوى لم يُستطع فيه القول بأن الانتماء الوطني المحلي ( وليس القومي ) مُتَغلّب على الانتماءات الدينية ، أو الطائفية ، في البلدان التي رفع حاكموها الراية القومية في النصف الثاني من القرن العشرين .في الموضوع الفلسطيني ، قاد الصراع البعثي - الناصري ، بين عامي 1963 - 1967 ، إلى توريط العرب و عبد الناصر في حرب حزيران ، و إلى إحداث هزيمة بالعرب مازالوا يدفعون فاتورتها بعد ثلث قرن من حصولها ، فيما لم تؤدِ حرب 1973 إلى أكثر من تحريك ( التسوية ) ، و إلى انقسام مصر و سوريا عبر مساراتها وصولاً إلى زيارة السادات للقدس و معاهدة ( كامب ديفيد ) ، بينما فشلت محاولة التعويض عن غياب مصر ، عبر التقارب السوري - العراقي في عامي 1978 - 1979 ، لتؤدي عبر مرارة فشله و الإحباطات و العداوات ، التي تولدت عن ذلك بين البلدين ، إلى شعور العراق بأن ظهره إلى الحائط أمام الرياح القادمة من طهران الخميني ، والتي حاولت اللعب على مكوناته الداخلية ، مما دفع حاكم بغداد إلى شن الحرب على إيران في خريف 1980 .كانت العلاقة بين ثالوث ( القاهرة ، دمشق ، بغداد ) محوراً للسياسة العربية الحديثة و محدِّدةً لمساراتها ، مثلما كانت كذلك عبرالتاريخ العربي القديم ، و كذلك في تاريخ ما قبل الإسلام عندما كانت أقاليم الرافدين و الشام و النيل تتناوب زعامة المنطقة ، أو تؤدي ، عبر انفراط عقدها و تناقضها مع بعض ، إلى فقدان المنطقة لمناعتها أمام الخارج ، كما جرى ، عبر صراع السلوقيين و البطالمة ، لما سقطت سوريا و مصر بأيدي الرومان ، ومعها المنطقة ، بين عامي ( 64 - 31 ق.م ) : كان خلل هذه المعادلة الثلاثية هو السبب في عدم تشكيل مجابهة حقيقية لإسرائيل ، و عندما جرى شيء من الاقتراب من هذه المعادلة ، كما حصل في حرب 1973 ، كان الأداء العربي أفضل من سابقه أو لاحقه .بعد ثورة 14 تموز 1958 في بغداد ، حصلت فرصة حقيقية لاجتماع هذا الثالوث العربي ، إلا أن استعجال عبد الناصر على الوحدة هو و القوميين في بغداد ، من دون مراعاة للخصوصيات العراقية ، إضافة إلى خوف الشيوعيين العراقيين على نفوذهم المتنامي هناك و بتشجيع من موسكو ، قد أديا إلى نشوب انشقاق خطير ذرّ بقرنيه بين طرفي التيار اليساري ، أي القوميين و الشيوعيين ، قاد إلى انفراط أمل تحقيق تلك الوحدة الثلاثية التي كان من الممكن أن تكون رافعة للنهوض العربي و لتحجيم إسرائيل إن لم يكن إلى هزيمتها ، وإلى دخول هذين الطرفين في صراع ضار حدد مسارات سلبية و صراعية على مستوى العراق و سوريا ، و أدى إلى انفراط وحدة 1958 التي ما كان ، لولا انفصالها ، أن تحدث 5 حزيران 1967 ، هذا الانفصال الذي ما كان ممكناً حدوثه لو انضمت بغداد إلى الوحدة السورية - المصرية .كان انحلال أطراف هذا الثالوث العربي ، في صيف 1979 ، هو المدخل و الإطار العربي الذي سمح و ساعد على نشوب الحرب العراقية - الإيرانية ، كما أن عزلة مصر و انكفائها بعد كامب دايفيد ، و انشغال بغداد في حدودها الشرقية ، قد سمح لإسرائيل باجتياح لبنان من أجل محاولة إنهاء المقاومة الفلسطينية ، ومن أجل محاولة استخدام لبنان كمنصة للتحكم بآسيا العربية ، ومحاولة تقسيمها إلى دول إثنية و طائفية و دينية .كما أن استمرار انحلال أطراف هذا الثالوث ، و خاصة بين دمشق و بغداد اللتين دخلتا في صراع ضار بالساحة اللبنانية في ربيع 1989 ، قد جعل العراق ، الخارج منهكاً اقتصادياً من حربه مع إيران و قوياً بجيشه ، يقع في " الحفرة الكويتية " بعد شهرين من مؤتمر القمة العربية المنعقد في بغداد أواخر شهر أيار 1990 و الذي غابت عنه سوريا ، من دون أن يجد حضناً عربياً في ذلك المؤتمر ، مما كان يمكن أن يقيه من تلك " الحفرة " ، و التي وقع فيها و أوقع العرب معه ، و ما جرَّ ذلك من هيمنة أمريكية مباشرة على المنطقة العربية ، كانت تحقيقاً لمشروع أيزنهاور ، الذي طرح في الشهر الأول من عام 1957، من أجل ملء " الفراغ " الذي أعقب هزيمة البريطانيين و الفرنسيين في حرب 1956 .أتت تسوية ( مؤتمر مدريد ) الأمريكية على خلفية هزيمة العراق ، و العرب معه بما فيهم " الذين دخلوا في التحالف مع واشنطن ضد العراق " ، على حد تعبير الوزير الأمريكي جيمس بيكر لأحد المسؤولين العرب ، و كانت هذه التسوية محاولة لإنشاء إطار سياسي ملائم في المنطقة ينظم عملية السيطرة الأمريكية ، التي يبدو ، وحسب الأجندة الأمريكية ، أنها تريد الإمتداد إلى وضع منظومة أمنية إقليمية تابعة لواشنطن ، و إلى الهيمنة الاقتصادية ، و ربما إلى إنشاء إطار ثقافي يستتبع ذلك .لذلك فإن تسوية التسعينيات ، كانت تختلف عن تسوية ( فك الاشتباك ) ، في عامي 1974 و 1975 بالجبهتين المصرية و السورية ، عندما أريد استخدامها كأداة لنـزع النفوذ السوفيتي من مصر و إضعافه في سوريا و لإثبات الأرجحية الأمريكية بالمنطقة ، وكذلك عن تسوية 1978 عندما أرادت إسرائيل و الولايات المتحدة ترك العرب بدون " الرأس " المصري الذي تزعمهم منذ عام 1956 .من هنا كانت عملية التسوية مترافقة مع ظهور بوادر غير مسبوقة للتفكك العربي ، ظهرت من خلال عدم فاعلية النظام العربي الرسمي و تذرره إلى مسارات متناقضة و متنافرة مع بعضها البعض ، مما أدى إلى عدم فعالية الجامعة العربية ، و تحول القمم العربية إلى مؤسسة غير فاعلة و بدون وزن ، و قد ظهر انعدام وزن النظام العربي الرسمي ، بشكل فاقع ، في الانتفاضة الفلسطينية الثانية و في الأزمة العراقية و الحرب التي أعقبتها ( أيلول 2002 - نيسان 2003 ) .هذا طبيعي ، لأن التسوية هي تعبير عن مفاعلات هيمنة طرف خارجي على العرب ، أكثر من كونها بين طرفين إقليميين ، لذلك فإن ( التسوية ) لا يمكن معالجتها عبر الموقف من النصوص التي ترافقها ، أو مضامين المعاهدات و الاتفاقيات التي تستتبعها فقط ، و إنما أساساً عبر كونها نتيجة و آلية للسيطرة الأمريكية على المنطقة في النواحي المختلفة ، السياسية - الأمنية - الاقتصادية - الثقافية .من هنا ، كان فشل ( التسوية ) ، عبر مؤتمر كامب دايفيد في صيف عام 2000 ، مؤدياً إلى توترات بين طرفي الصراع ، سمحت واشنطن من خلالها لإسرائيل بأن تخلق " حقائق " أمنية جديدة مع الطرف الفلسطيني ، تريد أن تُجرِّعه إيّاها ، بعد أن أجبرته على تغيرات معينة في القيادة الفلسطينية ، عبر الجولة الجديدة من عملية التسوية التي أطلقتها واشنطن ، من خلال ( خارطة الطريق ) ، بعد ثلاثة أسابيع من احتلال بغداد في يوم ( 9 نيسان 2003 ).كان هذا الاحتلال حصيلة للوضع الأمريكي في المنطقة الذي حصل منذ حرب 1991 : ما يلفت النظر ، في هذا الحدث الضخم و في الأزمة السابقة له ، ضعف مناعة الجسم العراقي أمامه ، و ميل قسم من مكوناته إلى القبول به ، إضافة إلى فعاليات عراقية سياسية و ثقافية شجّعت أو رحبت بالغزو من أجل " إزاحة " الديكتاتور و نظامه ، و هو شيء قد ظهرت بوادر مشابهة له عند مثقفين عرب بارزين و عند أفراد عديدين في مجتمعات عربية معينة ، وصلت إلى حالة من " العجز " و " الشلل " أو " الصمت " أمام الديكتاتوريات في بلدانها .هل يكفي لتبرير هذه الظاهرة ، القيام بعزو نشوئها إلى ما فعله الديكتاتور بالعراق فقط ؟ ……… أم : أن الأمر يعود ، أيضاً ، إلى فشل هذه الأنظمة في إنشاء مجتمع ، و مواطن ، لا يشعران بالغربة في الوطن ، بعد أن أصبحت الأرض و الثروة و المصير و التقرير ، و كل شيء ، ملك للحاكم و بطانته من النهّابين و السرّاقين ؟ ……… أو : أن المسألة ، هذه ، تعود إلى عدم وجود وحدة وطنية قوية في العراق ، بين الشيعة ، الذين هُمشوا و استبعدوا من الحكم في العراق و خاصة بعد عام 1968 ، و بين السنة من جهة ، و من جهة أخرى بين العرب و الأكراد ؟ ……… ثم : ألا يؤدي ذلك إلى استقالة هذا المجتمع ، أو مكوناته التي أرادت الاستعانة بالخارج من أجل " التغيير الداخلي " ، من الفعل السياسي ، بعد أن أوكل أمره ، أو أمرها إلى الخارج ، و خاصة بعد أن حضر هذا الوكيل إلى الداخل ، و أصبح يريد أن يقرر و يحكم الأصيل ؟ … أخيراً : هل تؤدي المقاومة العراقية ، التي مازالت على ما يبدو محصورة ضمن أحد المكونات العراقية ، إلى تجاوز ذلك القطوع في التاريخ العراقي ، إذا تحولت إلى ظاهرة شاملة وطنياً ، أو شبه شاملة ؟ ………
*** *** ***








تموجات التيارات السياسية العربية
سادت أربعة تيارات فكرية - سياسية الحياة العربية في القرن العشرين : الإسلامي ، القومي ، الليبرالي ، و الماركسي .لم يصل الماركسيون و الإسلاميون إلى الحكم إلا في بلد واحد لكل منهما : الماركسيون ( اليمن الجنوبي بين عامي 1969 - 1990 ، فيما مارسوا نفوذاً ملحوظاً في فترة حكم عبد الكريم قاسم ، و خاصة بين صيفي عامي 1958 - 1959 ؛ الإسلاميون ( السودان : 1989 - 1999 ) .فيما وصل الليبراليون إلى السلطة في مصر من خلال حزبي ( الوفد ) و ( الأحرار الدستوريون ) و سادوا لفترة الثلاثة عقود الفاصلة عن شهر تموز 1952 ، و في سوريا من خلال ( الكتلة الوطنية ) و ( الحزب الوطني ) و ( حزب الشعب ) ، بينما سادوا الحياة السياسية السودانية لثلاثة فترات ( 1956 - 1958 ، 1964 - 1969 ، 1985 - 1989 ) من خلال حزبي ( الأمة ) و ( الوطني الاتحادي ) { تحول اسم الأخير ، في عام 1967 ، إلى ( الاتحادي الديمقراطي ) } . ثم وصل القوميون إلى السلطة في مصر ( 1952 ) و العراق ( 1963 و 1968 ) و سوريا ( 1963 ) .لم يكن نفوذ القوميين الفكري و الثقافي موازياً لنفوذهم السياسي و التنظيمي و استلامهم السلطة في بلدان عربية رئيسية ، فيما توازنت الناحيتين عند الليبراليين و الإسلاميين ، و تفوق النفوذ الفكري و الثقافي عند الماركسيين على وزنهم السياسي - التنظيمي .كان استلام القوميين للسلطة تعبيراً عن فشل الليبراليين في حرب 1948 و في حل المسألة الزراعية ، و في إنجاز مهام التحديث ، و عن انزياح الحكم من طبقات قديمة لصالح فئات جديدة ، فيما أتى صعود التيار الإسلامي بعد حرب حزيران ، و بالذات منذ السبعينيات ، على خلفية فشل التيار القومي في موضوع فلسطين ، و على خلفية تضرر الفئات المدينية الوسطى ( سوريا ) من التمفصلات الاقتصادية - السياسية الجديدة ، و تضرر الفئات الوسطى المدينية ، و تلك النازحة من الريف إلى أطراف المدن ( مصر ، الجزائر ، تونس ) ، من الوضع القائم و بحثها عن وضع جديد ، و لو أنها لم تستطع ترجمة مجابهاتها مع الأنظمة القائمة في البلدان المذكورة إلى حقائق جديدة على صعيد السلطة السياسية .كان ذلك ، أيضاً ، تعبيراً عن فشل التحديث الذي قادته أنظمة الخمسينيات و الستينيات ، مادام أنه أدى إلى مجابهة الفئات الحاكمة لفئات اجتماعية تمثل شرائح واسعة من المجتمع ، و هي الأكثر تعليماً ، و الأكثر احتكاكاً بالعلم و التقنية ، و الأكثر ديناميكية في العملية الاقتصادية ، بعد أن رأت هذه الفئات بأن ما يجري في أعلى السلطة السياسية لا يعبر عن القوة الاقتصادية في المجتمع ، إضافة إلى إحساسها بأن من هو في السلطة يريد تجيير الأخيرة لإنشاء خريطة اقتصادية - طبقية جديدة تعبر عن مصالح من هو قابض على السلطة السياسية و الفئات الاجتماعية التي هي وراءه .دخل التيار الإسلامي ، في مصر و تونس و الجزائر ، في مجابهات مع الأنظمة الموالية للغرب بعد انفكاك تحالفه مع الولايات المتحدة عقب سقوط السوفييت ، ثم أُدخل ، عبر ( 11 أيلول ) و ابن لادن ، في مجابهة مباشرة ، بهذا الشكل أو ذاك ، مع واشنطن : يلاحظ ، عبر هذين المستويين للمجابهة ، أن الإسلاميون قد فقدوا ديناميكيتهم الهجومية التي كانت في فترة صعودهم بالسبعينيات و الثمانينيات ، و أن خصومهم قد وضعوهم في موقع دفاعي ، فكرياً و سياسياً ، فيما لم يستطيع الإسلاميون أن يحولوا قوتهم التنظيمية و السياسية بالمجتمع إلى وقائع جديدة على صعيد السلطة السياسية ( الجزائر مثلاً ) .دخل الإسلاميون ، بالنصف الثاني من العقد الأخير من القرن العشرين ، في حالة تراجع على الصعيدين التنظيمي و السياسي ، و لو أنهم مازالوا محتفظين بالتفوق على صعيد النفوذ ضمن الساحة الثقافية بالمجتمع ، و قد انضافوا بذلك إلى التيارين القومي ، الذي لم يستطع أن يعوض فشله السياسي عبر الثقافة أو أن يقدم مراجعه توازي مسؤولياته عن ما جرى في البلدان العربية التي حكمها و على صعيد ما سببه للعرب من هزائم و تراجعات و اخفاقات ، و الماركسي ، الذي لم يستطع أن يقف على رجليه بعد سقوط موسكو و لو أنه يحاول الدخول في مراجعات لم تأخذ حتى الآن منحى الجدية و الإنتاجية الفكرية ، فيما يبقى التيار الليبرالي هو الوحيد الذي يشهد الآن صعوداً ، منذ عام 1989 ، بعد أن رفده الكثير من ماركسيي موسكو السابقين ، و بعض القوميين ، إضافة إلى ما يجده من قاعدة اجتماعية بين الفئات الصناعية ، و التجارية ، و رجال الأعمال ، ومن هو على احتكاك إنتاجي بالتقنية و الأتمتة ، و لو أن ذلك لم يتبلور بعد في تيار واضح المعالم فكرياً و سياسياً .لم يؤد ذلك ، بعد ، إلى تمفصلات واضحة على صعيد اليمين و اليسار : فعلى صعيد الموقف من الولايات المتحدة و هيمنتها و صولاً إلى احتلالها للعراق ، و كذلك على صعيد فلسطين و التسوية ، نجد الإسلاميين و القوميين و المحتفظين بماركسيتهم على يسار الليبراليين و الماركسيين المتلبريلين الذين يميلون إلى موقف " معتدل " و غير صدامي مع الولايات المتحدة مع ميل إلى قبول " التسوية " الشيء الذي ينطبق على موضوع الموقف من الأنظمة الموالية لواشنطن ، بينما نجد الإسلاميين في افتراق معها ( الجزائر ، مصر ، تونس ) و صدام و مجابهة ، فيما يُغَلِّب الليبراليون مسألة الموقف من " الظلاميين " و يُسَبِّقوها على ذلك ( تشكل سوريا ، بسبب اللوحة السياسية التي كانت قائمة في عام 1980 و مستتبعاتها ، حالة مختلفة عن تلك البلدان ) ، ويشاركهم في ذلك قسم واسع من اليسار القومي و الماركسي ( مصر ، الجزائر ، تونس ) .فيما نجد على صعيد مواضيع اجتماعية و حداثية و تشريعية ( المرأة ، الرقابة ، الفن ، قانون الأحوال الشخصية ) أن الجميع على يسار الإسلاميين ، بينما علىصعيد الاقتصاد يبقى الليبراليون و الإسلاميون في جبهة واحدة تجاه ( اقتصاد السوق ) ، مع بعض الماركسيين المتابعين لتقاليد كارل ماركس تجاه المرحلة الرأسمالية و استكمال مستتبعاتها ، فيما يقف في الجهة الأخرى كثير من الماركسيين و بقايا الاتجاه القومي ، وصولاً إلى موضوع ( الديمقراطية ) عندما يقف الإسلاميون في الجزائر و مصر و تونس ( بخلاف سوريا ) و حيدين في موضوع جعلها مفتوحة للجميع ، بينما يقف الآخرون في موقع اسئصالي أو في موقع من يريد ديمقراطية محدودة من دون " الظلاميين " .كانت مواضيع ( السلطات القائمة ) و ( القطب الواحد ) محددات رئيسية لاصطفافات التيارات السياسية العربية بعد عام 1989 ، فيما كان موضوعا ( الوحدة العربية ) و ( فلسطين ) أساسيان في الفترة السابقة في عملية تشكيل الاصطفافات ، و قد اتخذ الموضوع الأول أشكالاً مباشرة ، مثل انقسام العلمانيين و الإسلاميين تجاه الموقف من انقلاب عسكر الجزائر في عام 1992 ، و أشكالاً غير مباشرة مثل الموقف من ( الأصوليين ) أو " الظلاميين " ، مما أخفى أو قاد إلى اصطفاف للمعادين للإسلاميين مع السلطات القائمة ، فيما أخذ الموضوع الثاني أشكالاً غير مباشرة ، مثل إنشاء ثنائية ( الاستبداد - الاستعمار ) و تفضيل الثاني على الأول ، أو شكل " تشريع " الاستعانة بالخارج من أجل التغيير الداخلي تحت " ذريعة " أن " الديكتاتور قد قضى " على العوامل الداخلية للتغيير ، ومن المحتمل أن تكون اصطفافات الموضوع الثاني مؤشراً إلى اصطفافات موضوع ( التسوية ) القادم .لم تتجاوز السياسة العربية ، حتى الآن ، منطق الخنادق ، أو الأبيض و الأسود ، في اصطفافاتها ، و لم تصل بعد إلى اللون البني ( و هو ما يميز السياسة الحديثة ) ، إضافة إلى أن منطق الشعارات غالب على خطابها السياسي ، و كذلك الألوان ، و التقسيمات الثنائية المتضادة ( رجعي - تقدمي ، العولمة - الاستقلال ، تقليدي - حديث ، ظلامي - تنويري ، استبداد - استعمار ) ، فيما لم تصل السياسة العربية ، بعد ، إلى الحكم على السياسي و برنامجه من خلال الممارسة و النتائج المتولدة عنها ، و إلى أيضاً الحكم على هذا البرنامج من خلال حامليه الاجتماعيين و مدى تقاطعات المصالح ، أو اختلافها ، في لحظة سياسية محددة ، أو مرحلة بكاملها ، مع هذا البرنامج و حامليه ، مما يجعل ( المصلحة ) ، ومن خلال علاقتها بالمبادئ و الاتجاهات و الميول الأيديولوجية ، عنصراً أساسياً في العمل السياسي .*** *** ***
قضايا و اشكالات عربيةأظهرت بداية الألفية الثالثة ، مع عودة الاستعمار عبر ( بغداد ) ، أن العرب لم يتجاوزوا مرحلة " التحرر الوطني " إلى مرحلة " التحرر الاجتماعي " ، بالترافق مع عدم إنجازهم ، أو بالأحرى فشلهم ، في إنجاز مهام " التنمية و التحديث " و " الاستقلال الاقتصادي " للدخول في نادي الأمم المتقدمة .كان ذلك ناتجاً عن فشل الليبراليين في إنجاز مهمات المرحلة البرجوازية ( حل المسألة الزراعية - تضييق الفوارق بين الريف و المدينة و نشر الرسملة و العلاقات البرجوازية بهما - التصنيع ) ، و كذلك عن فشل القوميين في إنجاز مهام المرحلة الليبرالية من دون ليبرالية و ليبراليين ، بالتوازي و الترافق ( مع فشلهما في ذلك ) في تحقيق المهام المطروحة عربياً على صعيد الاستقلال عن الهيمنة الغربية و في إنجاز المهام المطلوبة ، وطنياً و قومياً ، عبر الصراع العربي - الإسرائيلي .الآن مازالت مهام المرحلة البرجوازية ، بمعناها الليبرالي ، مطروحة بقوة على جدول أعمال العرب ، لأن الليبراليين لم يستطيعوا إنجازها عبر برنامجهم الليبرالي ، و كذلك القوميين من خلال برنامجهم المطلي بشعارات اشتراكية ، حيث وصل العرب من خلال الأخيرين إلى شكل مشوه من العلاقات البرجوازية ، الممزوجة بكثير من العلاقات البطريركية القديمة و المفاهيم الريفية ، من دون أن يصلوا إلى الحداثة و التقدم العصري ، لا بمعنى الجانب القانوني - الحقوقي - الدستوري و لا بمعنى استيعاب التقنية و انتاجها و لا على صعيد الصناعة و لا على صعيد تجاوز العلاقات الماقبل رأسمالية في المجتمع ( عشائر - طوائف ) و لا بمعنى علاقات المرأة و الرجل و لا على صعيد بناء مواطنة تتحدد ، كمفهوم ، من خلال الوطن و ليس من خلال شيء آخر ( طائفة - دين - عشيرة - منطقة ) .يكتسب البرنامج الديموقراطي ، الذي طفى إلى سطح الحياة السياسية العربية في العقدين الاخيرين من القرن العشرين و لكن من دون أن ينجح في تحقيق مكاسب مؤثرة تجاه السلطات القائمة و لا أن ينجح في استغلال الموجة الديمقراطية العالمية ، قوته من فشل القوميين ، و قبلهم الليبراليين ، في تحقيق مهام المرحلة البرجوازية ، و هو برنامج ( سواءً وعى القائمون بالديمقراطية أم لا ) ليبرالي في الاقتصاد ( و لو مع إمكانية تحديد ، عبر استفتاء وطني ، حدود قطاع الدولة في الاقتصاد ) ، و برجوازي من حيث الحقوق الدستورية و السياسية ( الحقوق الفردية في الملكية ، و في حرية توليد و نشر و تلقي الأفكار ، إضافة إلى حرية الزي و السلوك ، و في إيجاد شكل عصري لقانون الأحوال الشخصية ، فيما يقوم ذلك ، على صعيد الحقوق السياسية ، على مبدأي فصل السلطات ، و الحريات العامة في التحزب و التجمع و حرية الصحافة ووسائل الإعلام و حق الإضراب ) .تأتي إشكالية الحركة الديموقراطية العربية من عدم وعيها الكافي للترابط بين الجانبين السياسي و الاقتصادي في البرنامج الديموقراطي ، وذلك نابع بالأساس عن ميل الكثيرين منها إلى ربط هذا البرنامج بمكافحة الاستبداد السياسي فقط ، و ربما كان ذلك ناتجاً عن إتيانهم و مجيئهم إلى ( الديموقراطية ) على هذا الأساس قادمين من أيديولوجيات شمولية ، سواء كانت ذات طابع قومي عربي أو سوفيتي ستاليني ، مع احتفاظهم بالكثير من مفاهيمهم السابقة حول ( القطاع العام ) و ( التطور اللارأسمالي ) مع حذف " الدولة الشمولية " .هذا أولاً ، من حيث كونها رد فعل على الاستبداد و الدولة الشمولية ، فيما تأتي إشكاليتها الثانية من حيث عدم تحديدها لطابع المرحلة الديموقراطية ، هل هي ( برجوازية - رأسمالية ) حقوقياً و سياسياً و اقتصادياً ، أم أنها ستختلط مع المرحلة الاشتراكية ، أم هي ذات ملامح اشتراكية ، أو ستكون خليط من المرحلتين الرأسمالية و الاشتراكية ؟ … بينما تأتي إشكاليتها الثالثة من اقتصارها على الشعارات السياسية - الحقوقية الخاصة بالبرنامج الديمقراطي ، و تعاملها مع ( الديمقراطية ) بنفس الطريقة " السحرية " و " المطلقية " التي كان يتم التعامل فيها مع ( الوحدة العربية ) و ( الاشتراكية ) ، و " ربما عبر نفس الأشخاص " ، و عدم بحثها عن الفئات و الطبقات و الشرائح الاجتماعية التي يمكن أن تشكل حوامل اجتماعية للبرنامج الديموقراطي ، و ليس اقتصارها على المتضررين من الاستبداد السياسي ، أو من الأوضاع القائمة ، مما جعلها ، وفقاً للحالتين الأخيرتين ، حركة سلبية احتجاجية معارضة ، و ليس حركة سياسية ذات برنامج بديل ، سياسياً و اقتصادياً و حقوقياً و كشكل للدولة جديد و لعلاقة الثالوث ( فرد - مجتمع - دولة ) و لعلاقة ( السلطة - الدولة ) .أضافت المرحلة الراهنة من عودة الاستعمار للمنطقة العربية ، عبر العراق ، إشكالية جديدة انضافت إلى إشكاليات الحركة الديموقراطية : أدى وجود ديكتاتور ، و نظامه في العراق ، هو في حالة مواجهة و مجابهة مع ( القطب الواحد ) المتدرع بالديمقراطية ، إلى إنشاء تناقض حصل بين ( الديموقراطية ) و ( الوطنية ) أثناء الأزمة العراقية و الحرب التي أعقبتها ، ولم يكن ذلك على الصعيد النظري فقط ، و إنما من خلال الاصطفافات العملية و الممارساتية للقوى السياسية العراقية ، و الشخصيات و الفعاليات الثقافية المعارضة لديكتاتور بغداد ، و كذلك من خلال مواقف الكثير من المثقفين العرب الديمقراطيين الذين غلّبوا رحيل الديكتاتور على ما عداه ، ومن خلال الكثير من " الواقفين مع العراق " الذين لم يتكلموا كلمة واحدة عن الديكتاتور و ممارساته مغلّبين " الوطنية " و " القومية " على الديمقراطية ، و ما يمكن أن يكون ذلك قد ولّد من رد فعل ضد ( العروبة ) عند قسم من العراقيين ، فيما لم يستطيع من أراد اتخاذ موقف وطني ديمقراطي أن يجمع الحدّين في الأزمة و الحرب العراقيتين أو أن يثبت نفسه كطرف ثالث .لا يطرح ( القطب الواحد ) ، عبر مجيئه للهيمنة على المنطقة العربية ، موضوع ( الديموقراطية ) فقط ، وإنما أيضاً ( اقتصاد السوق ) و ( التحديث ) في التعليم و القضاء و المؤسسات : من المحتمل أن يؤدي هذا أيضاً ، كما حصل في موضوع ( الديمقراطية ) و ( الوطنية ) ، إلى اصطفافات ضدّية ، أو إلى عدم قدرة الحداثيين العرب ، و كذلك الليبراليين ، على الجمع الناجح بين ( الحداثة ) و ( الليبرالية ) و ( الديموقراطية ) و بين مكافحة هيمنة ( القطب الواحد ) و سياساته ، و إلى أن يصبحوا في وضعية ( أحمد الجلبي ) و ( سعد الدين إبراهيم ) ، فيما من الممكن كذلك ، في الجانب الآخر ، أن يؤدي ذلك بكل من هو ضد ( القطب الواحد ) ، من قوميين و إسلاميين و ماركسيين ، و بعض الليبراليين ، إلى الإنجرار إلى وضعية يصبح فيها ( التحديث ) و ( اقتصاد السوق ) عند الطرف المضاد ، أو إلى أن يربطوا القضيتين الأخيرتين بالتبعية للقطب الواحد ، و أن لا يفصلوهما عنه .كل هذه القضايا السابقة تقود إلى طرح إشكالية واحدة : هل تكون المقاومة للقطب الواحد على أساس برنامج وطني محض ، أو قومي محض ، أم أنه يجب أن تحتوي على قضايا ديموقراطية ، و اقتصادية ، و دستورية ، و تحديثية ، لتجاوز ما كان عليه الوضع عند ( إبراهيم هنانو ) و ( عمر المختار ) و ( جبهة التحرير الوطني الجزائرية ) ؟ …… أو إذا أردنا طرحها بطريقة أخرى : هل ستؤدي اصطفافات التيارات السياسية العربية ، و تموجاتها ، إلى هذا الجمع بين ( الوطني ) و ( الديمقراطي ) و ( التحديثي ) ، أم أنها ستؤدي إلى الفصل بينهما ، على ضوء الموقف من ( القطب الواحد ) ؟ ……إذا تركنا القضية السابقة و التي هي محصلة تراكمية للقضايا السابقة لها في هذا الفصل ، فإن فشل تحقيق ( الوحدة العربية ) بعد قرن كامل من بداية طرحها مع ( الشريف حسين ) في عام 1916 ، يثير قضايا عديدة ، لا يمكن حسمها إلا بعد نقاش واسع في الساحة العربية : هل فشل ( الوحدة العربية ) ناتج فقط عن القوى الدولية التي كانت ضد تحقيقها ( فرنسا - الاتحاد السوفيتي - الولايات المتحدة - بريطانيا ، ولو أن الأخيرة شجعت قيام الجامعـة العربيـة ثم حبذت مشروع الهلال الخصيب ) ؟ …أم : أن الخلل كامن في العوامل المحلية ، أيضاً و أساساً ، مثل التناقض في المصالح ، بين الدول الغنية البترولية و القليلة السكان و بين الدول ذات الكثافة السكانية و الفقيرة اقتصادياً إلا أنها أرقى تعليمياً و تحديثياً ( الشام و مصر تجاه دول الخليج ) ، أو لوجود حواجز جغرافية - ديمغرافية غريبة و معادية ، كما حصل بعد قيام إسرائيل بين الشام و مصر ؟ … ثمّ : هل طرح الوحدة العربية ، بمعنى الكيان السياسي الواحد الممتد من الخليج إلى المحيط و بغض النظر عن كون هذه الرقعة الجغرافية ذات وحدة ثقافية - شعورية قائمة على الهوية الإسلامية مع لسان عربي ، هو قائم على حقيقة تاريخية متسقة و منسجمة مع مجرى التاريخ ، أم أن وحدة الأقاليم ( الهلال الخصيب - الجزيرة العربية - وادي النيل - المغرب العربي ) هي الواقعية أكثر ، و ربما تشكل وحدتها مدخلاً إلى الوحدة العربية الشاملة ، أو إيجاد صيغة أخرى عنها مثل ( الجماعة الأوربية ) مع أن الأخيرة لا تحوي المشترك الذي هو موجود بين العرب ، إذا تركنا الاقتصاد ؟ … مما يقود إلى قضية أخرى : ما هي ( العروبة ) ، بمعنى هل هي ( الوحدة العربية ) ، أم أنها أبعد من الأخيرة كشكل سياسي - كياني ، لتصل إلى كونها رابطاً ثقافياً - شعورياً - لغوياً مع هوية حضارية واحدة ؟ …… لنصل إلى قضية ثانية : ما هي علاقة ( العروبة ) و ( الإسلام ) ، وهل الأولى وعاء مادي أعطاه الثاني الهوية الثقافية الحضارية ، بعد أن جمع العرب في كيان سياسي واحد عبر دين جديد ؟… وهنا : ألم يكن أحد إشكاليات الحركة القومية العربية ، و خاصة من خلال ظروف نشوئها ضد " مركز الخلافة الإسلامية " ، و عبر بعض حامليها ، نشوء تناقض داخلها بين ( العروبة ) و ( الإسلام ) ، وعدم استطاعتها حل هذا التناقض على الصعيد النظري ، و خاصة بعد أن أخذ شكلاً سياسياً بعد اصطدام الإسلاميين و عبد الناصر في عام 1954 و ما انعكس من ذلك على الصعيد العربي ؟ … ثم : لماذا لم تستطع الحركة القومية العربية ، إذا تركنا فشلها في مواضيع ( الوحدة العربية ) و ( الغرب ) و ( إسرائيل ) ، إنشاء كيانات وطنية يتم فيها تغليب قيم ( الوطن ) و ( الأمة ) على ( الطائفة ) و ( الدين ) و ( العشيرة ) ؟ … لنصل أخيراً إلى موضوع الأقليات القومية في الوطن العربي : هل الحل في إعطائها ( حق تقرير المصير ) في الانفصال أو الفيدرالية أو الإندماج ، كما يلوح في جنوب السودان و العراق ؟ … أم : أنه يجب إيجاد أشكال غير الانفصال ، و فرض ذلك بأشكال قسرية ، رغم فشل الأخيرة كما جرى في تجربتي العراق و السودان ؟ … ثم : هل إعطاء حقوق ثقافية ، كما جرى و يجري في الجزائر مع البربر أو في حال يمكن أن يحصل في بلدان عربية أخرى مع الأكراد ( سوريا ، مثلاً ) ، يمكن أن يكون ذلك بدون مطالب موازية من الأكثرية العربية تطلب عدم اعتبار ذلك سلم تدريجي نحو مطالب أعلى ، أو تطلب ترافق ذلك مع اعتراف الأقلية القومية المعنية بعروبة الأرض الساكنة عليها و حق كل السكان بالتوطن و العيش فيها ، و اعترافها بأن البلد المعني هو وطن الأقلية القومية المعنية النهائي ؟ …يطرح الفشل العربي في موضوع ( فلسطين - إسرائيل ) قضايا مماثلة لموضوع ( الوحدة العربية ) : هل الطريق الذي اختطّ ، عربياً في المواجهة مع إسرائيل ، هو الصائب سياسياً و تاريخياً ، بخلاف طريق ( بورقيبه ) و ( السادات ) ؟.. ثم : هل يمكن للعرب أن يستمروا في المواجهة ، بظل الظروف الدولية الجديدة التي تريد ( التسوية ) ، من دون أن يدفعوا ثمناً باهظاً ؟.. أي : ألا يعني الأمر الأخير إضافة إلى حاجة ( القطب الواحد ) و أوروبا المجاورة إلى " تسوية " مرضية للعرب من أجل استقرار المنطقة لهم ، أن الأمر هو أفضل للعرب ، بدلاً من مجابهة مختلة التوازن مع إسرائيل عسكرياً ، و ما يمكن أن تؤدي إليه الحالة الأخيرة من سماح القوى الدولية بإطلاق يد إسرائيل لفرض حقائق ديموغرافية و جغرافية جديدة كما جرى في عام 1948 ؟… هنا : هل تعني ( التسوية ) نهاية الصراع ، أم أنها مدخل إلى شكل جديد له ؟… وصولاً إلى قضية : ألا تعني " تسوية " الصراع أوضاعاً أفضل على صعيد الحياة السياسية العربية على حساب الأنظمة التي تذرعت بفلسطين من أجل غاياتها الشتّة، أم أن " التسوية " ستؤدي إلى جعل مصير التسوية الموقَّعة مرتبطاً بمصائر الأنظمة الموقِّعة لها عند الولايات المتحدة و إسرائيل ؟..حتى الآن ، و بعد قرن من بدء مشروع ( الوحدة العربية ) و ما رافقه من فشل ، و بعد نصف قرن من الفشل الكبير في موضوع ( فلسطين - إسرائيل ) ، لم يضع المفكرون و الساسة العرب أنفسهم وجهاً لوجه أمام الأسئلة التي ولّدها هذان الموضوعان ، إضافة إلى القضايا التي يولدها موضوع ( الديموقراطية ) و إشكالياته ، مرفوقاً بفشل ( التحديث ) و ( التنمية ) ، مع القضايا اتي ولّدتها عودة الاستعمار إلى ديار العرب و ما أعادتهم معها إلى المربع الأول مع عدم إنجاز مهام ( التحرر الوطني ) : إن الإجابة على هذه الأسئلة ، و الطريقة التي يمكن من خلالها إدارة نقاش عربي حول هذه المواضيع ، من الممكن أن يحدّدا ملامح الفكر و السياسة العربيين في المرحلة القادمة .
*** *** ***



القسم السوري










المسار المعقد للحياة السياسية السورية
تحددت الحياة السياسية في سوريا ، بين عامي 1946 - 1963 ، بعوامل رئيسية ثلاث :1. عدم حل المسألة الزراعية ، ووجود هوة بين الريف و المدينة ، و بين المدن الكبرى و الصغرى و البلدات .2. مشكلة فلسطين .3. العلاقة مع المحيط العربي و ما ولّد من تداخلات إقليمية و ( دولية ) في شؤون الداخل السوري .أتت الانقلابات العسكرية ( أربعة انقلابات بين آذار 49 - ت2 51 ) على خلفية حرب 1948 ، و من خلال طموح الأسرة الهاشمية في بغداد ، متشجعة بضوء أخضر بريطاني ، لتحقيق مشروع الهلال الخصيب ( انقلاب سامي الحناوي ، 14 آب 49 ) ، و ما ولّد من ردود داخلية سورية ، مدنية و عسكرية مدعومة من القاهرة و الرياض ، شجعت العقيد أديب الشيشكلي على تنفيذ انقلابه الأول ( 19 ك1 49 ) .كان الصراع بين الثالوث الإقليمي ( بغداد - القاهرة - الرياض ) ، قبل انتقال الأخيرة إلى العداء للقاهرة بعد عام 1957 ، محدِّداً كبيراً للتطورات السورية الداخلية ، و لاصطفافات الحياة السياسية ، و خاصة مع عكسه للصراعات الدولية ، بين الفرنسيين و البريطانيين ( حتى عام 1954 ) ، ثم من خلال سعي المعسكر الغربي إلى إلحاق سوريا بحلف بغداد ( شباط 55 ) الذي كان مصمماً من أجل إنشاء سد إقليمي بوجه السوفييت : كانت وحدة 1958 انتصاراً للقاهرة على بغداد عبر الداخل السوري ، و لاصطفافاتها السورية المحلية على الاصطفافات الموازية ( حزب الشعب - القوميين السوريين …… الخ ) .لم يكن النـزوع العربي في سوريا محدَّداً بذلك فقط ، بل امتزج أيضاً بوجود إحساس ، امتلك السوريين منذ الجلاء ، بالكيانية الناقصة لما استقل عن الفرنسيين في عام 1946 ، و هو الأمر الذي جعل ( العروبة ) في سوريا تختلف من حيث أسسها عن البلدان العربية الأخرى ( العراق ، اليمن …الخ ) ، و أدى بها إلى أن تكون أكثر قوة .كان الحامل الاجتماعي للاتجاه القومي العروبي مختلفاً عن تركيب الحزبين الكبيرين ( الحزب الوطني + حزب الشعب ) ، المستندين إلى البرجوازية في المدينتين الكبيرتين ، من حيث كون هذا الاتجاه ( البعث + الناصريين بعد 1958 ) كان يستند إلى الفئات الوسطى في المدن ( الناصريين ) و إلى الريف و البلدات الصغرى مثلما كان حزب البعث ( ريف الساحل + الغاب + ريف إدلب + حوران + جبل العرب + ريف حلب ) ، مما جعل استلام عبد الناصر يترافق مع أفول رموز و أحزاب ، احتلت منصة المسرح السياسي السوري منذ فترة الانتداب و ما أعقبه لصالح قوى جديدة كان استنادها الطبقي مختلفاً ، و كذلك المناطقي ، فيما أدى الإصلاح الزراعي ( أيلول 58 ) و تأميمات المصارف و المصانع ( تموز 1961 ) إلى انقلاب اقتصادي - اجتماعي بالقياس إلى ما سبق .لم يكن الانفصال أكثر من حشرجة القوة الأخيرة لتلك الفئات القديمة ، مستفيدة من أخطاء حكم الوحدة و من الدعم الإقليمي الكثيف ( عبد الكريم قاسم - الملك سعود - الملك حسين ) المغطى بدعم لندن و باريس ، مع تحبيذ سوفيتي ، و تردد أمريكي ، ليأتي انقلاب ( 8 آذار 1963 ) على خلفية دعم الفئات الوسطى المدينية ( التي أرادت عودة الوحدة مع عبد الناصر ) و مساندة الريف الذي أراد تعميق الإصلاح الزراعي ( كما حصل في عامي 1963 و 1966 ) ، إلى أن أتت تطورات عزل الناصريين ( 18 تموز 1963 ) لتعطي البعثيين الانفراد في السلطة ، مما جعل هناك أرضية اجتماعية جديدة للممسكين بالسلطة تتميز بالأصول الفلاحية ، أو من بلدات صغيرة ( السلمية + السويداء + بلدات حوران دون درعا التي تميزت بناصريتها خلافاً لريفها + بلدات إدلب ) ، الشيء الذي أعطى أرضية اجتماعية جديدة للحاكمين ، مع انزياحات مناطقية بعيداً عن المدن الكبرى ، بالترافق مع انتماءات فئوية اختلطت مع العاملين الاجتماعي - المناطقي .كان الانقلاب العسكري وسيلة لتحقيق ذلك ، إلا أن الدبابة لا يمكن أن تحجب حجم الانقلاب الاجتماعي - الاقتصادي الذي تولّد عن الامساك بالسلطة من قبل المنفردين بها بعد صيف 1963 : كان تعميق و تجذير الاصلاح الزراعي ، مع تأميمات 1965 ، مدخلاً إلى تأسيس قاعدة اقتصادية - اجتماعية للحكم الجديد ، بالترافق مع تحول السلطة الجديدة إلى رب العمل الأساسي في المجتمع السوري ، عبر تحكمها المباشر و الكثيف بالعملية الاقتصادية ، و خاصة مع سيطرتها على التجارتين الداخلية و الخارجية و من خلال استنادها إلى النفط المكتشف حديثاً و عائدات أنابيب البترول الآتية من العراق و السعودية ، مما جعل هناك إمكانية للإستقلالية الاقتصادية الكبرى للدولة عن المجتمع و لتحكمها بالأخير عبر ذلك من دون أن تتأثر بتوازنات اقتصادية تكون خارجها ، أو غير مسيطر عليها ، في المجتمع المحكوم من قبلها ، مما جعل ديكتاتورية ما بعد 1963 تختلف عن ديكتاتورية الشيشكلي مثلاً التي اقتصرت على السيطرة ضمن مجالي السياسة و الأمن ، من دون الاقتصاد ، مما جعلها غير قادرة ، مثلما حصل بعد عام 1963 ، على أن تتحول إلى ديكتاتورية شمولية أبعد من حيزي الأمن و السياسة لتمتد إلى مفاصل المجتمع ، و إلى الثقافة ، وصولاً إلى التحكم و الضبط لحياة الأفراد و تحديد نشاطاتهم و تخومها و حدودها ، هذا إذا لم يمتد ذلك إلى دفعهم إلى مسارات و أنشطة محددة ( الطلائع + شبيبة الثورة + التدريب الجامعي + اتحاد الطلبة + الاتحاد النسائي ) من أجل سجنهم في أطرها ، ليس فقط وقاية من تحولهم إلى نشاطات مستقلة عنها أو مضادة ، و إنما أيضاً من أجل منعهم من السياسة و النشاط المستقل .لم يكتمل و يتبلور هذا التحول إلا بعد انقلاب خريف 1970 ، حيث لم تتح صراعات البعث الداخلية ، و هزيمة حزيران ، الفرصة للنظامين السابقين لبلورة ذلك ، وإن كانا قد وضعا اللبنات الأولى و الأساسية لهذا التحول ، فيما أدى انفراد الفريق حافظ الاسد بالحكم ، مع إنشائه مشروعية داخلية عبر انفتاحه على فئات اجتماعية كانت متذمرة من الأوضاع السابقة ، و مشروعية عربية عبر المصالحة مع القاهرة و الرياض وصولاً إلىحرب 1973 ، و مشروعية دولية تجاه موسكو وواشنطن عبر قبوله بالقرار ( 242 ) - إلى نشوء إمكانية لذلك ، و خاصة على خلفية ازدياد استقلالية السلطة الاقتصادية من خلال المساعدات العربية ، و استفادة أفرادها ، ومن استظل بفيئها من فئات في العملية الاقتصادية بما فيهم بقايا البرجوازية القديمة ، من الانتعاش الاقتصادي الذي أعقب الفورة النفطية في عام 1974 ، من أجل تشكيل ( برجوازية جديدة ) كان تراكمها الرأسمالي و نموها الاقتصادي ، مرتبطين بوجودها في قمة السلطة السياسية و مستنداً إلى الأخيرة و تحكمها بموارد و مخارج العملية الاقتصادية في المجتمع ، مما دشن مساراً أدى إلى تبلور بطيء للوحة طبقية جديدة في سوريا بدأت ملامحها بالظهور و التنضد في ثمانينيات و تسعينيات القرن العشرين .من هنا ، لم تكن أحداث 1979 - 1982 مستندة إلى أزمة اقتصادية في تحركها ، بل كانت نوعاً من احتجاج سياسي معارض استند إلى الفئات الوسطى في المدن ( مع بلدات إدلب ) التي أقصيت عن المشاركة السياسية ، وتمَّ تهميشها اقتصادياً ، فيما أصبحت تشعر بأن الممسكين بزمام السلطة السياسية يستغلون الأخيرة كمنصة من أجل تشكيل لوحة اقتصادية جديدة للمجتمع ستكون على حسابها ، مع استبعاد فئوي لها من الوظائف و المناصب و التعيينات و البعثات : هذا من جهة ، فيما نجد من جهة أخرى أن الفلاحون ، بشرائحهم المختلفة ، كانوا مع بقاء الوضع القائم ، وكذلك عمال المصانع ، فيما كانت برجوازية دمشق تميل إلى وضع بيضها في سلة السلطة ، كما ظهر من خلال شهر آذار عام 1980 ، و كذلك تجار حلب و صناعييها و لو بعد تردد .كانت المعارضة الإسلامية تستند إلى تلك الأرضية الاجتماعية ، فيما كانت المعارضة الديموقراطية من أرضية مشابهة في المدن الثلاث الكبرى ، و لو مع امتدادات لها إلى ريف الساحل أو إلى القاطنين حديثاً في مدنه ( أو في حمص ) ، مع تميز في تحصيلهم العلمي ، أو في أصولهم الاجتماعية التي كانت من أسر وجيهة في الريف ( مشايخ ، أو ملاكين أغنياء ، أو متوسطين ، و كان القليل منهم مستفيداً من الإصلاح الزراعي ) .لذلك كانت المفارقة ، أن هزيمة المعارضة السورية في الأحداث ( الشيء الذي لم يكن فقط ناتجاً عن العنف الأمني للسلطة و إنما عن التوازن الاقتصادي - الاجتماعي الذي كان لصالح السلطة مع غطاء إقليمي - دولي كبير لها ) قد كان يفصلها أربع سنوات عن بدء الأزمة الاقتصادية في سوريا ، عام 1986 ، عندما انهار سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار (في سوق بيروت ) من ( 18 ليرة : ك 1 85 ) إلى ( 48 - 50 ل.س : ك 2 88 ) ، و كان تغير أسعار الاستهلاك ( 36 % : 1986 ، و 60 % 1987 ) ، بينما وصل معدل التضخم إلى ( 100 % ) بالعامين المذكورين على التوالي ، فيما أصبحت القدرة الشرائية لأجور القطاع العام ، في عام 1987 ، أدنى مما كانت عليه في عام 1970 ، بينما كان النمو السنوي في الناتج المحلي الاجمالي ( وسطياً ) بعقد الثمانينيات لا يتجاوز 2.6 % و هو أدنى من معدل النمو السكاني { بخلاف نمو عقد السبعينيات السنوي = 9.9 % } ، و هو ما أدى إلى تراجع الدخل الفردي في عام 1990 بنسبة الخمس عما كان عليه عام 1980 .كانت المساعدات المالية الخليجية التي تدفقت عقب وقوف النظام السوري مع ( التحالف ) في حرب 1991 ، مع استثمارات المرسوم ( 10 ) التي بلغت ( 93.4 مليار ليرة ) حتى نهاية 1992 ، إضافة إلى عائدات النفط التي بلغت في عام 1992 مبلغ ( 2 مليار دولار ) ، عاملاً رئيسياً في انتعاش اقتصادي نسبي بالقياس إلى النصف الثاني من عقد الثمانينيات ، إلا أن ذلك لم يؤدي إلى أكثر من تعويم للإقتصاد السوري ، قبل أن يدخل ثانية في الركود و الأزمة منذ عام 1996 ، ولو أن ذلك قد حصل من دون ظواهر تضخمية أو تغيرات دراماتيكية في الأسعار ( كما حصل في عامي 1986 - 1987 ) ، أو مع تغيرات في سعر صرف الليرة أمام الدولار ، حيث اتبعت الدولة سياسة انكماشية لا تميل إلى الاستثمار الحكومي ، مع زيادة في الضرائب و التحصيلات المالية ، مع فائدة مرتفعة في المصارف تفوق نسبة التضخم و معدل الربح الاقتصادي ، مما ولّد نزعة ادخارية أدت إلى صب المواطنين لأموالهم كودائع في المصارف ، منذ عام 1995 ، لتبلغ الودائع المصرفية ، في عام 2000 ، مبلغ ( 356 مليار ليرة ) ، و هو ما يعادل ( 40 % ) من الكتلة النقدية ، مما جعل ظواهر عديدة تترافق مع بعضها ، مثل الركود الاقتصادي ، و انعدام الاستثمار ( الحكومي ، وبعده الخاص ، و أيضاً الأجنبي ) ، مع ثبات سعر الليرة ، بطالة عالية ( 9.5 % : عام 2000 ، أرقام رسمية ، أو 20 % وفق تقديرات أخرى قدمها الدكتور عارف دليلة في جريدة " الحياة " ، 18 / 6 / 2001 ) ، بالترافق مع ثبات الأجور و تآكلها التدريجي في ظل وضع ( حسب دراسة الدكتور دليلة المذكورة ) أصبحت فيه كلفة الحد الأدنى للإنفاق ، لأسرة مؤلفة من ستة أشخاص ، تصل إلى ( 9000 ليرة ) للطعام و الحاجات الضرورية الأخرى في ظل حد أدنى للأجور هو عند عتبة ( 3000 ليرة ) ، فيما موظفي و مستخدمي الحد الأدنى للأجور ( 3000 - 5000 ) و الحد المتوسط ( 5000 - 8000 ) يشكلون 80 % من المأجورين في القطاعين العام و الخاص .كانت الأزمة الاقتصادية في ( 1986 - 1991 ) ، وفي فترة ( ما بعد 1996 ) ، وبالاً على الفئات الوسطى المدينيية ( بخلاف الريفية منها ) و كذلك على عمال و مستخدمي القطاع العام من أصحاب الرواتب و الأجور ، فيما كانت تلك الأزمتين طريقين للبرجوازية الجديدة ، التي تربت في حضن السلطة سواء كانت منها أو من حواشيها أو من الملتحقين بها من البرجوازية القديمة أو من المنتفعين منها ، من أجل ترسيخ قوتها الاقتصادية في المجتمع السوري ، لتصبح بعد أن كانت تملك 28 % من الدخل الوطني في عام 1986 ، مالكة لـ ( 52 % ) منه في عام 2000 ، و هي التي لا تتجاوز ( 5 % ) من السكان .كانت الفئات الوسطى ( 31.7 % من التركيب المجتمعي السوري في عام 1991 مع حساب الريفية منها أي الفلاحون المتوسطون ) من أكثر المتضررين من الأزمتين الاقتصاديتين في عقدي الثمانينيات و التسعينيات ، لينضاف ذلك إلى الهزيمة التي ألحقها النظام بالمعارضة السورية ، التي كانت الفئات الوسطى المدينيية هي عماد معارضتها في عقد السبعينيات ، و قد كان هذا الاختلال الاقتصادي - السياسي هو السبب البنيوي الاقتصادي - الاجتماعي لعدم قدرة المجتمع السوري ، بعد ، على استعادة المبادرة السياسية من السلطة التي احتكرت السياسة و منعت كل الفئات و الشرائح و الطبقات الاجتماعية منها ، سواء كانت راضية أو ناقمة أو معارضة ، و خاصة بعد إحساس السلطة ( القديمة و الجديدة منها ) بأن فعل المعارضة السياسية ، في حال انطلاقه إلى أبعد من حدوده الضيقة الحالية ذات الطابع النخبوي ، يمكن أن يكتسب أبعاداً أوسع من قاعدته الاجتماعية التي كانت في أواخر السبعينيات ، بفعل اللوحة الاقتصادية - الاجتماعية الجديدة ، الشيء الذي يجعلها تتردد كثيراً في إطلاق و تحرير منافذ العمل السياسي أمام المجتمع ، و خاصة مع احتمال ( بفعل عوامل عديدة منها الضغط الدولي ) ميل قسم كبير من شرائح البرجوازية الجديدة إلى حل ليبرالي اقتصادي - سياسي " ما " بعد رفع السلطة قبضتها عن العمل السياسي ، مما يمكن أن يؤدي إلى تفتيت و انقسام القاعدة الطبقية للسلطة القائمة ، و هو ما كان يشكل السيناريو الكلاسيكي للتحول نحو الديموقراطية في بلدان ديكتاتورية ( فيلبين 1986 - كوريا الجنوبية 1987 - تشيلي 1990 ) على قاعدة اجتماعية ضمت الفئات الوسطى المدينية ، و المستخدمين و المأجورين المتحالفين مع فئات رجال الأعمال و التجار ( و الكنيسة في الفيليبين و تشيلي ) .هل تستطيع المعارضة السورية ، بشقيها الديموقراطي و الإسلامي و خاصة بعد تبني الإسلاميين الصريح للبرنامج الديموقراطي منذ عام 2001 ، أن تنقل العمل السياسي الديموقراطي من رد فعل سياسي معارض لاستبداد السلطة الشمولية ، إلى مستوى فعل ديموقراطي يلاقي مصالح الطبقات و الفئات و الشرائح الاجتماعية التي لها مصلحة في التحول الديموقراطي ، من خلال برنامج ديموقراطي لا يقتصر على مطالب سياسية محددة ، و إنما يمتد إلى تقديم رؤية اقتصادية ، و دستورية ، للمرحلة الديموقراطية القادمة ؟ ……

*** *** ***









المرحلة السورية الجديدة(2000 - 2003 )
ترك الرئيس السابق ، عند وفاته في يوم 10 حزيران 2000 ، سوريا مثقلة بالأزمات, بالترافق مع فقدان سوريا التدريجي لوزنها الإقليمي الذي اكتسبته ، برضا دولي و إقليمي ، منذ عام 1976 مع تدخلها في لبنان ، و هو ما ظهر من خلال فقدانها التأثير في مجريات القضية الفلسطينية بعد عام 1993 ، ثم لتأتي أزمة خريف 1998 مع تركيا مبيِّنةً فقدانها للورقة التي أملت من خلالها أن تلعب مع تركيا الدور الذي كانه شاه إيران مع صدام حسين في عام 1975 لما تمت مقايضة الموضوع الكردي العراقي بمياه شط العرب ، وصولاً إلى اهتزاز الورقة اللبنانية بين يديها نتيجة تنامي قوى المجتمع اللبناني الرافضة للوجود و التحكم السوريين بلبنان ، مما أنذر ببداية تقلص الدور الإقليمي لسوريا و هو أمر بدأت تظهر معالمه و مساراته في مرحلة ما بعد سقوط بغداد ، و لو في الخطوط الأولى و الجنينية ، عند الإدارة الأمريكية التي أعطت الضوء الأخضر لانطلاق و تنامي هذا الدور منذ صيف عام 1976 .أتت عملية الخلافة في ظل رضا دولي ، أمريكي - أوروبي ، فيما قرَّرتها ، على المستوى السوري ، قوى السلطة عبر توازناتها التي أعدّ بنائها الرئيس الراحل طوال عقد كامل ، و هو أمر جعل العلاقة بين القديم و الجديد يختلف عن ما جرى في مصر السادات بعد أيار 1971 تجاه نظام عبد الناصر أو عن جزائر الشاذلي بن جديد حيال نظام هواري بومدين . من هنا كانت بنية النظام الجديد هي ذاتها التي كانت للقديم ، و لو مع مناخات جديدة ( تخفيف القمع ، و السكوت عن اللغة الإيديولوجية القديمة للنظام السابق من دون تغييرها ) أتت من ضرورات تقديم النظام الجديد لنفسه في حلة أخرى تطلبتها عملية إعادة إنتاجه لنفسه ، ومن إحساسه بعمق التذمر الاجتماعي من أزمات النظام السابق ( و لو أن هذا التذمر لم ينطلق من مرحلته الصامتة إلى الناطقة ، بعد ) ، إضافة إلى كون الأجواء الدولية لم يعد مقبولاً لديها ممارسات كالتي ارتكبت في الماضي .في السنوات الثلاث السابقة من عمر النظام الجديد ، لم يظهر انقسام في بنية السلطة السورية ، كالذي ظهر في مصر بعد أشهر من وفاة عبد الناصر أو في جزائر ما بعد بومدين ، مقسماً إياها إلى تيارين متصادمين ، كما أن عمق الأزمات الداخلية ، مرفوقة مع تضعضع الدور الإقليمي و مع تحول النظام السوري إلى طبعة قديمة من مخلفات الحرب الباردة بأجهزته و بناه و أيديولوجيته ، لم تؤد به إلى ذلك كما حصل في إيران بين الإصلاحيين و المحافظين بعد عام 1997 ، حيث أعطى الرضا الدولي ، إضافة إلى عدم وجود أخطار على النظام من المجتمع أو المعارضة ، خلفية ملائمة لعدم حدوث ذلك الانقسام .على هذه الخلفية لم يحصل ( إصلاح ) ، أو ( تطوير و تحديث ) ، في سوريا العهد الجديد ، حيث لم تكن البنية القائمة عائقاً أمام ذلك ، فقط ، و إنما الأهم من ذلك أنها لم تجد مصالحها في هذين الحيزين ، رغم أن الثاني هو أدنى بكثير من متطلبات ( الإصلاح ) ، بل إن المراقب يجد بأن الإدارة قد ازدادت فساداً عن ما قبل عام 2000 ، و كذلك ( القضاء ) ، و ازداد خراب ( التعليم ) ، فيما لم تحصل إجراءات جزئية أو شاملة ، للانطلاق في معالجة الأزمة الاقتصادية ، بينما نجد في الموضوع السياسي انعدام البوادر نحو تغيير جزئي أو كلي باتجاه السماح للمجتمع بأن يطلق تعبيراته السياسية و الفكرية الحرة ، و لا باتجاه نزع واحدية حزب البعث ، أو التخلي عن الشكل المتخشب لأجهزة السلطة الملحقة ( جبهة - منظمات ) ، هذا إذا لم نتحدث عن أمور أولية لذلك ، مثل تبيض السجون ، و كشف مصير المفقودين ، و رفع التجريد المدني عن السجناء السياسيين السابقين و التعويض لهم ، و السماح للمنفيين السياسيين بالعودة ، و رفع حالة الطوارئ و الأحكام العرفية و إلغاء المحاكم الاستثنائية .على صعيد السياسة الخارجية ، و خاصة أمام متطلبات ( القطب الواحد ) ، كانت استجابة السلطة السورية الجديدة أكبر و أكثر ، و هو شيء ظهر بوضوح في موضوع الإسلاميين بعد ( 11 أيلول ) ، و في استجابتها ، الجزئية أو الكلية ، للطلبات و المتطلبات الأمريكية بعد سقوط بغداد في يوم 9 نيسان 2003 ، و هو أمر ، حتى و لو تم بتعرج و تلكؤ و ممانعات ، يدل على ميل السلطة الجديدة إلى تقديم الفاتورة في السياسة الخارجية ( و ربما في الاقتصاد أيضاً ) ، لأخذ غطاء دولي جديد لها ، بعد المتغيرات الإقليمية العاصفة التي أدت إلى جعل الولايات المتحدة " جاراً إقليمياً " عند الحدود الشرقية لسوريا ، من دون تغيير في بنية النظام السوري الداخلية و في علاقته بالمجتمع ، مثلما حصل في الصين بعد عام 1990 و توافق بكين مع ( القطب الواحد ) في موضوع الكويت ، و كما حصل مع الأنظمة العربية ( مصر - السعودية ) التي توافقت مع واشنطن في موضوعي ( العراق ) و ( التسوية ) في الفترة الفاصلة بين عامي 1991 - 2001 ، حتى ( 11 أيلول ) الذي أظهر اهتزازات في العلاقات الأمريكية - السعودية ، أو تجاه النظام المصري بعد ظهور أطروحات أمريكية جديدة ( لم تنتصر في إدارة بوش الابن بعد ) لربط موضوع " الإرهاب " مع ديكتاتورية الأنظمة العربية .في هذا الإطار ، يبدو أن عدم وجود مجتمع متحرك و فاعل سياسياً يكون ضاغطاً و معارضاً للسلطة إضافة إلى الجو الدولي الراضي عن النظام الجديد ، قد جعل الأخير مرتاحاً و غير مضغوطاً من أجل ( الإصلاح ) ، ولا حتى ( التطوير و التحديث ) ، رغم تقديمه لخطاب يوحي بذلك ، كما أن العاملان المذكوران هما السبب في عدم وجود حالة فرز داخل النظام يمكن أن تؤدي إلى نشوء تيارين ، كما حصل في إيران 1997 و ما بعدها ، نتيجةً للعاملين المذكورين .إذا درسنا تجارب بلدان أخرى يمكن أن نحدد سبباً آخر لعدم استجابة النظام السوري للمتغيرات من أجل فتح صفحة ( الإصلاح ) : لم تستطيع تجارب انتقالية أن تحدد حدود الإصلاح إلا من خلال ملاقاتها لقوى اجتماعية لم تكن من القوى التقليدية المساندة للنظام ، و أن تستفيد من تلك القوى في تشكيل قاعدة جديدة لها بعد تصفية القوى المناوئة لها الموروثة من السلطة السابقة ، و هذا ما أتاح لها أن تجعل ( الإصلاح ) مضبوطاً و مسيطراً عليه و ضمن سقوف محددة ( تجربة السادات بين عامي 1971 - 1974 ) .فيما في تجارب أخرى ( الجزائر بين عامي 1988 - 1992 ) كانت ملاقاة جناح من السلطة للمتغيرات المفروضة من تحت مؤدياً إلى أوضاع غير مسيطر عليها ، و إلى سقوف كانت تتجه نحو تجاوز النظام ، حتى حسم الانقلاب العسكري ذلك و أوقفه ، بينما احتاجت القوى الحاكمة في الصين ( حزيران 1989 ) إلى استخدام العنف ضد الطلاب ، مطمئنة إلى نجاحاتها الاقتصادية التي أمنت لها قاعدة اجتماعية قوية ، مثلما استند الجيش الجزائري إلى قاعدة اجتماعية مرموقة القوة معادية للإسلاميين ( العلمانيون + البربر + النساء ) كظهير للانقلاب العسكري .لا تملك السلطة السورية ، الحالية و السابقة ، قاعدة اجتماعية يمكن مقارنتها ، من حيث قوة التمثيل الاجتماعي ، بالحالات الثلاث السابقة ، بل هي ذات حدود ضيقة التمثيل قامت بتغطيتها عبر طلاء ( العنف ) و ( الرضا الدولي ) ، و يبدو أنها تعي ذلك مما جعل بعض المسؤولين يتحدثون عن مخاطر تكرار تجربة غورباتشوف أو " الجزأرة " ، مما يوحي بإدراك لمخاطر الانطلاق في مجرى " عملية إصلاحية " لا تستطيع قاعدة السلطة الاجتماعية تحديد مداها أو سقوفها أو التحكم بمجرياتها و خاصة من خلال الوعي بأن عملية من هذا النوع ستؤدي إلى نشوء توازنات اجتماعية جديدة ، إما بحكم نزول قوى جديدة إلى ساحة الفعل السياسي أو بحكم تفتت و انقسام أو تداعي القوى الحاكمة عبر مجرى هذه العملية انطلاقاً من تلاقيها مع قوى أخرى أو رؤيتها بأن المصلحة تكمن في مغادرة المركب القديم .يمكن ، أيضاً ، لمقارنة تجربة ( 16 ت 2 1970 ) مع تجربة ( ما بعد 10 حزيران 2000 ) أن تساعد على توضيح ذلك أكثر :ما جرى من متغيرات و تحولات ، تجاه ما جرى بين عامي 1963 - 1970 و خاصة تجاه تجربة ( ما بعد 23 شباط 1966 ) ، من قبل نظام ( 16 ت2 ) ، كانت ( إذا لم نذكر السياستين الدولية و العربية ) أكبر و أوسع مدى من ما جرى في النظام الجديد الحالي خلال السنوات الثلاث السابقة ، حيث خفف النظام السابق من القبضة الأمنية على المجتمع خلال النصف الأول من السبعينيات ، و انفتح على قوى اجتماعية جديدة ( التجار و الفئات الوسطى ) ، و اعترف بالقوى السياسية القائمة و لو من أجل احتوائها عبر " الجبهة " ، ووضع حداً لتصادم النظام السابق ، عبر يسارية فجة و متطرفة ، مع التقاليد و الأفكار الدينية .من الممكن أن يؤدي هذا الوضع إلى انسداد أفق ( الإصلاح ) في سوريا ، عبر تقديم فواتير " ملائمة " للقطب الواحد في مجال السياسة الخارجية ، للالتفاف أساساً على مطلب الإصلاح السياسي عبر الانفراد بالداخل من خلال رضا و غطاء دوليين ، و أيضاً إذا لم يكن ممكناً تفادي الإصلاح الاقتصادي ، الذي يمكن أن تضغط باتجاهه عوامل مثل ( الشراكة الأوروبية ) ، فإن ذلك يمكن أن يساعد السلطة على جعل الإصلاح الاقتصادي مضبوطاً و محدداً و معزولاً عن الإصلاح السياسي .من المحتمل أن يحصل ذلك ، و خاصة إذا استمرت التوازنات الداخلية لغير صالح المجتمع ، و إذا لم يستطع الأخير أن يعطي حركة تفرض على السلطة جدولاً ، تدريجياً أو غيره ، من أجل الإصلاح السياسي بالتزامن و الترافق مع الإصلاح الاقتصادي و الإداري و القانوني .كيفما كانت الاحتمالات ، فمن المؤكد أن الأوضاع السورية قد وصلت إلى حال لا يمكن أن تستطيع الاستمرار عليه للفترة القادمة ، من الفساد الإداري البالغ الاستشراء ضد مصالح فئات واسعة من المجتمع و لو أنه يتيح ارتباط مصالح فئات أخرى مستفيدة منه مع الوضع القائم ، إلى الاقتصاد المتداعي الذي ، إضافة إلى جعل سوريا خارج عصر التقنية الحديثة ، أصبح أفقه مسدوداً ببناه و أشكاله و طرقه الإنتاجية ، إلى مجتمع تشعر غالبية طبقاته و شرائحه و فئاته بعدم تمثيل السلطة لها و لمصالحها مع وضع معاشي أصبحت فيه سوريا تعود تدريجياً إلى العزلة و الضعف الإقليمي بالترافق مع استشراس العدو الإسرائيلي المحتل لفلسطين و الجولان و هو المدعوم من ( القطب الواحد ) الذي وضع يده المباشرة على المنطقة العربية عبر البوابة العراقية .*** *** ***


من أجل مرحلة انتقالية سورية نحو نظام ديموقراطي
في مرحلة 1979 - 1982 كان هناك " عامل ذاتي " قائم من أجل التغيير ، و لو أنه غير مكتمل أدواتياً و برامجياً عند المعارضتين الديموقراطية و الإسلامية ، من دون عامل موضوعي لذلك ، فيما كان هناك في مرحلة 2000 - 2003 افتقاد للعامل الذاتي مع وجود عامل موضوعي ، و لو أن الأخير كان صامتاً ، مع الإشارة إلى عدم وجود العامل الدولي ، أو الإقليمي كعاملين مساعدين على ( التغيير ) أو ( الإصلاح ) ، في المرحلتين المذكورتين .ربما ، تفسر هذه اللوحة هزيمة المعارضة السورية في مجابهة أوائل الثمانينيات ، إلا أنها ، بتحديدها لملامح لوحة ( ما بعد 10 حزيران 2000 ) ، يمكن أن تحدد انعدام التوازن القائم بين مجتمع صامت عن السياسة ( و لو كان ناقماً و غير راض ) و بين سلطة موحدة مدعومة من الخارج الدولي و الإقليمي ، إلا أن ذلك لا يكفي لتفسير بؤس الأداء المعارض في المرحلة السورية الجديدة .في عام 1980 ، و من خلال ميثاق " التجمع " و بيانه ، كانت المعارضة الديموقراطية تملك ( الرؤية ) للمرحلة ، و ( البرنامج ) ، و ( المطالب ) ، و قد استند تحركها إلى ذلك ، و في الشهر الأخير من عام 1989 عندما انتقل " التجمع " من ( التغيير ) إلى ( الإصلاح ) كان ذلك مستنداً إلى رؤية للتوازنات بعد هزيمة المعارضة السورية ، بشقيها الإسلامي و الديمقراطي ، في أحداث 1979 - 1982 ، و إذا كان " التجمع " لم يستطع أن يقدم برنامجاً على أساس ذلك فإنه قدم سياسة استندت إلى تكتيك تفادي الضربات عبر ( السياسة ) ، و كانت مطالبه السياسية ، و خطابه ، مستنداً إلى هذه المعادلة .في مرحلة ( ما بعد 10 حزيران 2000 ) لم تستطع المعارضة الديمقراطية السورية امتلاك ثالوث ( الرؤية ) و ( البرنامج ) و ( المطالب ) ، و حتى لم تستطع أن تصل إلى مستوى أداء ما بعد عام 1989 ، الذي أضعف مكانة المعارضة و جعلها أضعف ، معنوياً و سياسياً إذا لم نقل تنظيمياً حتى من مرحلة ما بعد 1982 التي كانت فيها المعارضة مثخنة الجراح و مهزومة و مضروبة أمنياً ، إلا أنها حافظت على وجودها مع هالة ووزن معنويان و سياسيان عَوّضا كثيراً عن الهزيمة الأمنية - التنظيمية ، فيما لم تدخل فيها المعارضة في تنازلات و تخبطات سياسية ، انبنت على قاعدة رسم السياسة المعارضة انطلاقاً من قراءة ( الخطوط الخضر و الصفر و الحمر ) عند النظام مثلما حصل في مرحلة التسعينيات .لم يكن هناك رؤية مقدمة لطبيعة النظام الجديد ، و آلية علاقته بالنظام السابق له ، و لم تدرس طبيعة القوى - التي هي موجودة ضمن النظام القديم - التي أتت بالجديد ، و لم يكن كافياً ، و لا بديلاً ، الاكتفاء بالحديث عن عملية الوراثة ، فيما لم تقدم دراسة تعطي رؤية للقوى التي يستند إليها النظام الجديد من ناحية كونها تمثل انزياحاً أو طرحاً لبعض القوى الموجودة في القديم بعد استبعادها ، أم أن الأمر هو في إطار الاستمرارية للقوى القديمة التي كانت موجودة في السابق ، من دون أية انزياحات أو استبعادات لبعضها .من هنا لم يكن ما قدم من طروحات تمثل دراسة لواقع النظام الجديد و طبيعة قواه المستند عليها ، وإنما مجرد " تحليلات رغبوية " رأت أن من المصلحة تصويره في إطار تياري ( الحرس القديم ) و ( الحرس الجديد ) ، أو أن ذلك من الممكن أن يشكل سقفاً تشتغل تحته المعارضة من دون إغضاب النظام مع مراهنة على أن ذلك هو الممكن ، أو أن الأمور يمكن أن تدفع باتجاه مراهنات و استقطابات تشجع ما كان يظن أنه موجود هناك ، أو يمكن أن يوجد .في إطار مجتمع مهزوم و صامت عن السياسة و يداوي جراحه التي ألحقها النظام به ، و في ظل رضا دولي عن هذا النظام ، يشكل انفراز النظام القائم إلى تيارين متباعدين ، إصلاحي و محافظ ، مدخلاً إلى ( الإصلاح ) أو ( التغيير ) ، أما بناء السياسة المعارضة على الرغبة في ذلك ، أو على تشجيع لفظي لذلك أو على مراهنة لا تؤيدها الوقائع في ذلك ، فإن هذين العاملين لا يمكن أن يشكلا سياسة ، و إنما شيئاً آخر .أتت التخبطات عند المثقفين و أحزاب " التجمع " و التراجعات السريعة عن الطروحات التي قدمت في السبعة أشهر الأولى للعهد الجديد ( بيان الألف مثلاً ) ، على خلفية المفاجأة من سقوط مراهنات الأشهر تلك ، و لم يكن ذلك تراجعاً تكتيكياً انبنى على رؤية لتوازنات جديدة ، و إنما على فقدان للرؤية تجاه المرحلة الجديدة و طبيعتها و توازناتها و قواها ، مما جعلها قفزاً تراجعياً من موقع إلى آخر من دون رؤية ناظمة في الموقعين ، الشيء الذي ينطبق أيضاً على سياسة " التجمع " في الفترة اللاحقة لاعتقالات شهر أيلول من عام 2001 .من هنا ، فإن ما قدم من طروحات لا يمكن تسميته برنامجاً ، ما دام يفتقد الرؤية لطبيعة المرحلة التي يريد ذلك البرنامج تغييرها أو إصلاحها عبر معارضتها ، و إنما مطالب سياسية تفتقد إلى ( الرؤية ) و ( البرنامج ) : لذلك كانت تراجعات و تقدمات المعارضة السورية ، في السنوات الثلاث السابقة ، لا تستند إلىذلك و إلى رؤية للتوازنات الممكنة عبر ذلك ، و إنما إلى تحين الفرص من أجل تلك الطروحات المطلبية السياسية لتقديمها عبر ظرف " يعتبر " ملائماً لذلك ، مثلما جرى في الأشهر السبعة السابقة لشباط 2001 ، أو لما حصل في الفترة اللاحقة لسقوط بغداد .كان ذلك تراجعاً في الأداء المعارض بالقياس إلى مراحل ( 1989 - 2000 ) و ( 1982 - 1989 ) و ( 1979 - 1982 ) ، وكذلك في المردودية ، فيما أظهرت المرحلة السورية الجديدة ، من جهة أخرى ، بوادر انقسامات في الرؤى و السياسات بين المعارضين لم تكن موجودة من قبل ، إضافة إلى ما ظهر من ضعف تنظيمي و سياسي ، و من عدم قدرة المعارضين على التواصل أو تحريك الفئات الاجتماعية ذات المصلحة ، مما بيّن حدود المعارضة و عدم تمثيلها لقوى و فئات من المجتمع ، رغم كون الأخير متباعداً عن النظام و ناقماً و غير راضٍ عن الأوضاع القائمة .لا يمكن بناء السياسة على تحين الفرص ، ولا على سياسات غير مبنية على الوقائع القائمة ، و هما أمران قد بينت الوقائع السورية عملية وصولهما إلى الطريق المسدود و الفشل ، في السنوات الثلاث من عمر . العهد الجديد .. إذا كانت تجربة مفتوحة نسبياً , أمام الضوء مع حرية نسبية للحركة كالذي جرى في فترة ( ما بعد 10 حزيران 2000 ) , قد كشفت إخفاق المعارضة السورية , بتنظيماتها الحزبية و هيئاتها بما فيها تلك التي انضوى تحتها المثقفون , في إبقاء الرأس فوق الماء على صعيد الرؤى و البرامج و الممارسة , فكيف يمكن للأمور أن تكون عليه في حال عودة السياسة إلى المجتمع , من حيث قدرة أطياف المعارضة على أن تكون ذات طابع تمثيلي للمجتمع السوري , بدلاً من أن يبحث هذا الأخير عن حالات سياسية خارجة عن ما هو قائم , في السلطة و المعارضة و " الجبهة " ؟ ..... ألا يمكن , في هذه الحالة من هشاشة المعارضة و ليس ضعفها ( هذا الأمر الأخير الذي يفصله خيط رفيع عن القوة في حال توفر الرؤى و البرامج القادرة على التحول إلى فعل تمثيلي لمجتمعها ) أن تتحدد خريطة القوى السياسية السورية المستقبلية , في حال عودة المجتمع للسياسة , بين تخومي بقايا السلطة القائمة و بين ما يفرز من قوى جديدة , كما حصل في أغلب بلدان ( المعسكر الشرقي) السابق ؟ ....هنا : هل مرض المعارضة , مثل الذي يعانيه ( التجمع الوطني الديمقراطي ) الآن , هو قابل للعلاج , أم أنه سيؤدي إلى الوفاة؟..... أخيراً : في حال حصول الاحتمال الأخير , ما هو البدائل للأطر القائمة في المعارضة ؟ ...... مثلاً : هل سيكون احداها بحث المعارضة السورية القائمة عن إطار عريض لتجميع القوى , بكل أطيافها الإسلامية و القومية و الماركسية و ما يلوح في الأفق في بداية انفراز تيار ليبرالي قوي بانت إرهاصاته مع ظاهرة رياض سيف , الشيء الذي يمكن أن ينقل المعارضة السورية إلى وضعية قادرة على تشكيل رقم أساسي في المعادلة السياسية السورية ؟ .. أم : أنها غير قادرة على ذلك ؟........
أظهرت الوقائع السورية توحد بنية النظام ، أثناء الانتقال من القديم إلى الجديد ، و في مجابهة المعارضة ، و في طريقة التعامل مع المجتمع، و في مواجهة تحديات السياسة الخارجية ومتعرجاتها و استحقاقاتها .وفق المنظور لا تستطيع المعارضة ، ولا المجتمع السوري ، تشكيل عوامل ضغط على النظام يمكن أن تؤدي به إلى طرح سياسة جديدة ، أو إلى الإنفراز إلى تيارين متصارعين حول الخيارات الممكنة ، فيما من الممكن لمتطلبات " التلاؤم " و " الاستجابة " مع المتغيرات الإقليمية ، الناتجة عن سقوط بغداد بأيدي واشنطن ، و متطلبات الدخول في ( الشراكة الأوروبية ) و ( منظمة التجارة العالمية ) ، أن تؤديا إلى ذلك ، بكل ما يعنيه الأمر من انفراز قوى النظام ، وقاعدته الاقتصادية - الاجتماعية ، وفق خطي مجابهة أو ملاقاة الوضع الجديد ، وما يعنيه ذلك من استحقاقات سياسية ، و اقتصادية ، و أيديولوجية ، إلا إذا استطاع النظام تدبر صفقة ، تشمل السياسة الخارجية و الاقتصاد فقط ، مع ( القطب الواحد ) و ( الجماعة الأوروبية ) .يمكن لهذا الاحتمال ، بسيناريوهاته الممكنة ، أن يتيح للمعارضة السورية مجالاً من أجل التحرك ، إذا امتلكت ( الرؤية ) و ( البرنامج ) و ( المطالب ) ، مستغلة عدم قدرة النظام القائم على المراوحة في المكان ، بعد أن أصبحت سياساته الداخلية في مأزق كبير بعد تحول بناه و أجهزته و أيديولوجيته و طريقة حكمه إلى طرز قديمة عائدة لأيام الحرب الباردة ، و بعد أن أصبح من خلال المسكنات غير قادر على حل الأزمة الاقتصادية ، و بعد أن أصبح الفساد الإداري المستفحل عبئاً على السلطة ولو أنه مازال يؤمن مؤقتاً لها فئات راضية و ذات مصلحة في الأوضاع القائمة ، فيما توحي الحقائق الإقليمية الجديدة باتجاه أمريكي إلى إضعاف الدور السوري الإقليمي ، بخلاف فترة ما بعد 1976 ، إضافة إلى أن البنى الداخلية و الذاتية للنظام لم تعد عوامل مساعدة على استمرار هذا الدور ، ولا على مجابهة الضغوطات الخارجية .لا يعني ذلك دعوة إلى سلوك طريق أحمد الجلبي ، الذي بيّن مدى الضرائب الباهظة التي يمكن أن تتولد عن ذلك على حساب استقلال البلاد ، و إنما من أجل انتهاج سياسة تقوم بإدارة ممكنات الوقائع القادمة ، و التي توحي سحبها و غيومها بقرب الهطول ، لتحقيق برنامج ديموقراطي ، ترى المعارضة أن تحقيق مستحقاته ، كما تبين بجلاء تجربة بغداد ، هو الطريق الوحيد للتحصين الوطني في وجه الرياح الخارجية القادمة ، سواء بقي النظام القائم موحداً أمام متطلبات الخارج ، أم لا ، وهما احتمالان يتيحان مجالان كبيران للفعل المعارض من أجل أن يأخذ أبعاداً تتجاوز حجمه الضعيف و غير المؤثر الراهن ، و هو أمر ممكن تحقيقه سواء استجاب النظام إلى دعوات " المصالحة الوطنية " من أجل تحصين الوطن عبر نشر أجواء و مناخات ديموقراطية ، أم لم يستجب .ليس ذلك دعوة إلى المغامرة ، حيث أن التصلب في الرؤى السياسية ، و الوضوح ، لا يعنيان عدم الاعتدال ولا عدم سلوك طريق الممكنات و التمرحل السياسي ، كما أنه لا يعني النَوَسان بين طرح ( كل شيء ) و ( اللاشيء ) ، كما جرى في الأشهر الأولى من عام 2001 عند بعض المعارضين .إن الولوج إلى منزل الديموقراطية ، يمر عبر " عتبات " و " سلم " و " باب " ، يمثلهم جميعاً البرنامج الانتقالي المدرج أدناه :1. الإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين ، و تعويضهم مع السابقين عن الفترة التي قضوها ، و إلغاء الأحكام و التجريد المدني الصادرين بحقهم أو ببعضهم ، و السماح للمنفيين السياسيين بالعودة من دون مساءلة ، و كشف مصير المفقودين .2. رفع حالة الطوارئ و إلغاء الأحكام العرفية و المحاكم الاستثنائية .3. حق كافة التعبيرات السياسية و الثقافية و الاجتماعية في التحزب و التجمع و التظاهر و الإضراب ، و في حرية امتلاك و استخدام وسائل الإعلام ( صحف - إذاعة - تلفزيون ) .4. إبعاد القضاء و التعليم و مناهجه ، و التعيينات الإدارية ، عن التحزب ووقف استئثار أي حزب بوسائل الإعلام .5. الدعوة إلى مؤتمر وطني عام لكافة التعبيرات السياسية و الاجتماعية و الثقافية ، للوصول إلى وضع ( قانون الأحزاب ) و ( قانون الانتخاب ) ، و صياغة ( ميثاق و طني ) ينظم العلاقة بين كل هذه القوى .6. الدعوة ، على إثر تحقيق البند السابق ، إلى انتخاب ( جمعية تأسيسية ) تضع مسودة دستور جديد يعرض على استفتاء عام ، لتتحول بعده إلى برلمان للبلاد .
*** *** ***



قضايـا و إشـكالات أمام العمـل السياســي السـوري

- 1-تغيرت البيئة الجغرافية السياسية المحيطة بسوريا في الفترة اللاحقة ل 9 / نيسان / 2003’ مما قلب تلك اللوحة الاقليمية التي حصلت في منطقة الشرق الاوسط منذ حزيران 1976.من الممكن لذلك أن يؤدي إلى إرجاع سوريا إلى الوضع الذي كانت عليه في الخمسينيات, و ما أدى إليه ذلك من إضعاف مكانتها الإقليمية.ربما, لا يحصل ذلك, إلا أن المؤكد أن ذلك الدور الإقليمي السوري, كما كان مطلوباً دولياً في الربع الأخير من القرن العشرين, قد أصبح في طور الأفول مع سقوط بغداد, الشيء الذي يمكن أن يشمل لبنان, كما توحي مؤشرات (( قانون محاسبة سوريا )) المربوط بالوضع اللبناني, وخاصة مع وجود (( تربة لبنانية قوية )) تميل إلى حصول ذلك.سيؤدي هذا التغير في الدور الإقليمي إلى التأثيرعلى الاوضاع الداخلية ,بعد أن كان ذلك الدور الإقليمي السابق مترافقا مع سكوت ( الدولي ) على الأوضاع الداخلية , كما أن ذلك الدور الإقليمي المتضخم كان يترافق مع مساعدات اقتصادية سخيّة, كما حصل في فترة 1976- 1984 من دول الخليج, أو كما جرى من قبل الأخيرة عقب اشتراك السلطة السورية في ( التحالف ) عامي 1990- 1991.من الواضح عبر (( قانون محاسبة سوريا )) أن هناك مطالب و (( مستحقات )) تريد الولايات المتحدة أن تدفعها السلطة السورية, من الجليّ أنها متعلقة حتى الآن بالأوضاع الإقليمية, ولكن من المؤكد أن نجاح واشنطن في ذلك لن يؤدي فقط إلى تغيير الوضع الإقليمي للنظام السوري, و إنما إلى إنشاء وضعية أخرى تؤثر على الأوضاع الداخلية أو تجلب مستحقات في الاقتصاد و الثقافة و الإيديولوجية, تماماً كما أدى تحوّل السادات مباشر بعد حرب 1973 للتحالف مع الأمريكان إلى سياسة الانفتاح الاقتصادي.ربما, يؤدي ذلك إلى تخفيف قبضة النظام السوري على المجتمع, أو جعلها أقل وطأة, و أكثر ضعفاً, وربما أيضاً يؤدي ذلك إلى (( انفتاح )) معين من قبل السلطة السورية على المعارضة و المجتمع0 كيف ستنهج المعارضة السورية حيال هذه المستجدات, هل على طريقة ( أحمد ألجلبي ) أم على طريقة ( هيثم منّاع )؟..أم.ستختار طريقاً ثالثاً, لا يؤدي إلى تشكيلها لغطاء محلي للاحتلال أو للضغط و التدخل الخارجيين و لا إلى التحاق مجاني بالنظام ضد ( الخارج )، يمكن أن يجعلها قادرة على استخلاص مكاسب على صعيد ( الديمقراطية ) مقابل مواقف معينة تؤديها على صعيد ( المسألة الوطنية )؟.من الممكن أن يفضّل النظام السوري صفقة مع ( الخارج )، ربما تشمل ( السياسة الخارجية ) و ( الاقتصاد ) دون ( السياسة الداخلية ), على أن يقوم بصفقة مع ( الداخل ), إلا أن المؤشرات القائمة تدّل على صعوبة تكرار سيناريو 1990 - 1991, وعلى أن الشروط الأميركية و المطالب قد وصلت إلى نقطة بات من الصعب على النظام القيام بها وفق بنيته القائمة, إلا إذا قام بانزياح داخلها و حيالها, كما فعل السادات تجاه الناصريين و اليساريين بين عامي 1971 - 1974 من أجل تشكيل مناخ ملائم للتحوّل نحو التحالف مع الغرب, بدلاً من السوفييت, و للاتجاه نحو( الانفتاح الاقتصادي ).حتى الآن لم تعط السلطة السورية القائمة مؤشرات على قدرتها على إنجاز تحولات في المجالات كافة, في السياسة الخارجية, و في السياسة الداخلية, و في الاقتصاد, و في الإدارة, مفضلة بقاء الوضع القائم كما هو ضمن الثبات( الستاتيكو ), وهو ما نجحت فيه في السنوات الثلاث الأولى من العهد الجديد, فيما تدل مؤشرات النصف الثاني من عام 2003 على أن الغيوم قد تجمعت باتجاه استحقاقات تجاوز ( الستاتيكو ) القائم.تعطي المؤشرات الدولية أضواء تدل على رغبة دولية في تغيير سياسات النظام السوري, وليس تغييره: إن احتمال استجابة النظام أو ممانعته, سيؤديان إلى احتمال انشطار داخل النظام, مما يمكن أن يؤدي إلى حصول الواقعة السياسية المتمثلة في نشوء ( تيارين ) داخله, لهما أطروحات متباينة اتجاه السياستين الداخلية و الخارجية, الاقتصاد, و الإيديولوجية, و ربما كان ميل الفئات الجديدة التي شكّلت (( البرجوازية الجديدة )) في العقود الثلاث المنصرمة تحت رعاية النظام و عباءته و حمايته ( و ليس (( البرجوازية البيروقراطية )) أو (( الطفيلية )), بوصفهما مصطلحين غير دقيقين وصفياً, باعتبار أن الشكل الرأسمالي السوري القائم قد خرج من رحم السلطة و قطاع الدولة في الاقتصاد أو ما يسمى ب (( القطاع العام )) ) إلى تحويل ما يحملوه من نقد إلى رأسمال استثماري و لو تحت حماية السلطة و رعايتها بدلاً من تهريب المسروقات إلى الخارج ( كما توحي مؤشرات استثمارية جديدة, أحدها الخلوي ) مؤشراً إلى اتجاهات جديدة تتطلب من السلطة, إن تغلب اتجاه هؤلاء, تكيفات اقتصادية و إدارية و قانونية ( تتجاوز ما هو قائم ) مع ما يستتبع ذلك من تكيفات في السياسة الخارجية إضافة إلى أشكال تجميلية على صعيد السياسة الداخلية, مثلما هو حاصل في مصر حالياً, حيث لم تكن إشارة الرئيس بوش في خطابه الأخير عن( الديمقراطية في الشرق الأوسط ), إلى ( النموذج المصري ) آتية من فراغ.إن حصل ذلك, فمن الممكن أن يؤدي ذلك إلى إفراز استقطابات داخل السلطة تطفو إلى السطح, مثلما حصل في مصر من تحالف بين أنور السادات و عثمان أحمد عثمان, هذا الأخير الذي خرج من شركة ( المقاولون العرب ) و دورها الإنشائي في عهد عبد الناصر إلى أدوار اقتصادية- سياسية في عهد السادات، الشيء الذي يمكن أن يشمل سوريا بمفاعيله, في ظل اندفاع رجال الأعمال في المنطقة العربية نحو السياسة ( رفيق الحريري, عصام فارس ...).من المحتمل أن الشراسة التي تمّ فيها التعامل مع رياض سيف قد أتت من كونه استثناءً كرجل أعمال ليبرالي و بعيد عن السلطة, هو على طرف نقيض و معاكس لما يمثله كل أولئك, مما يؤشر إلى حدود الليبرالية الاقتصادية و مترافقاتها السياسية, و القانونية- الدستورية, التي يمكن أن تعطيها ( البرجوازية الجديدة ) في سورية القادمة, إن برز رجل الأعمال إلى الواجهة و توازى في ذلك مع ( الضابط ) و ( رجل الأمن ) في صنع القرار بالسلطة السورية الحالية.
- 2-أعطت أحداث (11/ أيلول ) مؤشرات إلى أن (الإسلام ), و الذي يبدو أن متطرفي واشنطن من ( المحافظين الجدد) لا يفّرقوه عن الإسلاميين, قد وضعته الولايات المتحدة, في فترة ما بعد الحرب الباردة و بالذات بعد عمليتي واشنطن و نيويورك, في الوضعية التي كانت بها ( الشيوعية ) بين عامي 1947- 1989, و ( النازية ) بين عامي 1933- 1945.بالتأكيد, إن حرب الأمريكان على ما يسمى ب ( الإرهاب ) تدخل في إطار استكمال وضع اليد على منطقة الشرق الأوسط بعد أن وصلت حمم أزماتها إلى العاصمتين الاقتصادية والسياسية للعالم في ( 11/ أيلول / 2001 ) ، أو أنها ذريعة لتطويق أنظمة و تحجيمها ( باكستان- إيران...) أو إسقاطها ( العراق ), إلا أن ذلك سيوّلد الاصطدام أو الاحتكاك ليس فقط بعقيدة أو إيديولوجية سياسية ( الشيوعية ), أو نظام سياسي ( النازية ), و إنما مع دين يعتنقه خمس سكان المعمورة.حاولت إدارة بوش مداراة ذلك, إلا أن ممارساتها, و ما تشعر به المجتمعات الإسلامية بغالبيتها ،يدلان على أن إيجاد الخيط الرفيع أو السميك, بين ( الإسلام ) و ( الإسلاميين ), ليست يسيرة في غبار هذه المعركة, لصالح نظرية ( الفسطاطين ) التي يبدو أن ( بن لادن ) يجد شركاء في واشنطن مؤيدين لعملية الإيمان بها.سيؤدي ذلك إلى تنامي اتجاه المجتمعات الإسلامية نحو التديّن, و ربما نحو الإسلام السياسي, بعد أن أظهرت مؤشرات النصف الثاني من التسعينيات بدايةاتجاه الأصولية, والتي بدأ صعودها عقب هزيمة 1967, نحو التراجع و الضعف بعد أنفكاك تحالفها مع الغرب بعد انهيار السوفييت و بعد أن هزمت أمام الأنظمة المحلية ( تونس - الجزائر - مصر ): تدل المؤشرات على أن سوريا لن تكون خارج هذه الموجة, وخاصة مع موجة التديّن الشعائري و الطقوسي القوية التي شهدها البلد بعد 1982 إثر هزيمة الإخوان المسلمين أمام السلطة، ولا يعرف إن كان ذلك سيترجم إلى شكل سياسي, عبر (الإخوان ) أم غيرهم, في حال اتجاه السلطة نحو تخفيف القبضة, أم أن ذلك سينتظر عودة المجتمع إلى السياسة مما سيجعل الأمر يأخذ مراحل أطول أو أبعد مدى؟.السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الإطار: ما تأثير ذلك على اللوحة السياسية السورية القادم من حيث تضاريس خارطتها بين ( اليسار بفرعيه: القومي والماركسي ) و ( الليبراليون ) و ( الإسلاميون )؟...ثم: في حال فعلت أميركا مع الإسلام و الإسلاميين, ما فعلته مع السوفييت و هتلر فما تأثير ذلك على اللوحة السياسية في البلدان العربية والإسلامية, و خاصة إذا قام اليسار و الليبراليون, في هذه البلدان, بأدوار شبيهة بما قام به الشيوعيون العراقيون عبر اشتراكهم في ( مجلس الحكم ) أو بما قام به الليبراليون هناك ( الجلبي, الباججي )؟... أي: ما هي مفاعيل السيناريو العراقي, في حال تكراره ببلدان أخرى, عندما انحصرت المقاومة المسلحة للأمريكان في البعثيين و الإسلاميين, و السلمية في إسلاميين محددين (مقتدى الصدر )؟... بعبارة أخرى: ألا يؤدي هذا السيناريو إلى كوارث على اليساريين و الليبراليين, شبيهة بما حصل مع الأخيرين, مثل حزب الوفد المصري لما تعاون مع بريطانيا ضد الملك في حادثة ( 4 / شباط /42), أو بما جرى مع الشيوعيين لما قبلوا بقرار تقسيم فلسطين و قيام دولة إسرائيل؟....
- 3-في بداية الألفية الثالثة فشل مسار التسوية الذي بدأ في ( مدريد) بعد حرب 1991, و كان أحد نتائجها: كان تكيّف النظام السوري مع عالم ما بعد الحرب الباردة قد مرّ عبر بابي ( حفر الباطن ) و ( مدريد ).من الواضح أن اضطراب الشرق الأوسط قد أتى على خلفية فشل التسوية في المسارين السوري و الفلسطيني في ربيع و صيف 2000: أتت الانتفاضة و انتخاب شارون إثر ذلك, ثم أتى ( 11/ أيلول ) ليقنع الولايات المتحدة بأن هذه المنطقة مصدراً للّهب و الحمم و أنها يمكن أن تؤدي باضطراباتها و مشاكلها إلى خربطة الوضع الدولي الجديد,أو إلى استغلال ذلك من قبل قوى كبرى أخرى لفرض نفسها على ( القطب الواحد ) للعالم, مما جعل واشنطن لا تكتفي بالهيمنة و السيطرة الأميركية، كماحصل في عام 1991, بل بدأت تشعر بالحاجة إلى وضع اليد الأميركية المباشرة على المنطقة من أجل ( إعادة تشكيلها ), وفقاً لما صرح الوزير كولن باول قبل أسابيع من غزو العراق,والذي يبدو أنه بمثابة( البوابة ) إلى تحقيق ذلك.في التسعينيات استطاع النظام الحفاظ على دور رئيسي في المنطقة من خلال مشاركته ب ( التسوية ), و حتى وجوده في لبنان لم يكن بمعزل عن ذلك: من الواضح الآن أن النظام السوري بعد اضطراب مسار التسوية, و بعد ضعف ورقة حزب الله عقب انسحاب أيار 2000, و إثر سقوط بغداد وما ترتب عليه لم يجد له مقعداً محدداً في( الشرق الأوسط الجديد ) الأميركي . .ما هي مفاعيل ذلك على النظام السوري, و بالتالي على سوريا كجغرافية سياسية ، من حيث فرض استعادة الجولان, و خاصة بعد تناقص قوة ووزن الورقة اللبنانية الموجودة بين يدي السلطة السورية؟...هل ستشمل الترتيبات الأميركية, الممهدة للتسوية, إخراج الجيش السوري من لبنان, و إنهاء النفوذ السياسي لدمشق على بيروت؟...ثمّ ما هي فرص استعادة الجولان كاملاً، أو قريباً من ذلك كما أوحت مفاوضات العقد الأخير من القرن العشرين, في ظل الوضع المستجد إقليمياً في السنوات الثلاث اللاحقة لفشل عملية التسوية؟....
- 4-توحي فرص إنشاء مشهد ديمقراطي "ما" في الشرق الأوسط بمؤشرات تدل على أن وزن ( الدولي) في عملية تحقيق الديمقراطية سيكون أكبر من وزن العوامل المحلية الضاغطة من أجل ذلك, هذا طبعاً إذا لم تستطع الأنظمة القائمة ( مصر- الجزائر- سوريا ) إيجاد معادلة مع الأمريكان تؤدي إلى بقاء الوضع القائم, مع تقديم ما تريد الولايات المتحدة إقليمياً, مع ديكورات تجميلية على صعيد السياسة الداخلية باتجاه " ديمقراطية محدودة و مقيدة ".في حال اتجاه واشنطن إلى تجاوز الأنظمة القائمة،في وضع شبيه بما حصل مع انقلاب المشهد الإقليمي بعد حرب 1948 و ما ترافق معه من انهيار قوتي لندن و باريس التقليديتين لصالح موسكو و واشنطن, فإن ذلك و في حال كون واشنطن جدّية تجاه " طرحها الديمقراطي " سيؤدي إلى افتراق ( الوطني ) و ( الديمقراطي ) على الصعيد العملي, وهذا ما سيؤدي إلى اصطفافات موضوعية, كما يحصل في العراق الآن, تصبح فيها القوى الديمقراطية حليفة أو مترافقة مع الاحتلال, بينما قوى المقاومة تأتي من فلول النظام السابق أو من السلفيين الإسلاميين, اللهم إلا إذا استطاعت القوى الديمقراطية العربية أن تجمع مقاومة الاحتلال مع طرحها الديمقراطي, أو أن تختط خطاً ثالثاً بين أحمد الجلبي و هيثم منّاع, في تفارق مع تقاليد السياسة العربية المتخندقة بين الأبيض والأسود, من دون أن تعرف اللون الرمادي أو البني.الآن, بعد هزيمة النموذج السوفيتي الاقتصادي, فإن انتصار نموذج ( اقتصاد السوق ) عالمياً سيوجب على الجميع سلوك هذا الخيار الاقتصادي, وليس بالضرورة مع مترتباته السياسية, المتمثلة في ( الديمقراطية السياسية ): هذه إحدى آثار ( العولمة ), التي أصبحت واقعاً موضوعياً محلياً في كل بلد لا يمكن تجاهلها و إغماض العين عنها, لها ايجابياتها ( تزعزع الأنظمة المستبدة, حرية تبادل المعلومات, تجاوز أنماط اقتصادية فاشلة شكّلت قاعدة لنشوء رأسمالية وحشية حوّلت ، عبر تلك الأنظمة و " قطاعها العام" ،البلد إلى مزرعة لأفراد معينين و استباحت حقوق و أملاك و حيوات باقي أفراد المجتمع...). و سلبياتها ( تقّوض الكثير من عناصر الإنتاج المحلي إن لم يستطع منافسة البضائع الأجنبية, احتمال سيطرة الرأسمال الأجنبي على الاقتصاديات المحلية...).من الممكن أن يؤدي هذا الوضع الأخير, في حال تحقق الديمقراطية السياسية, إلى ترافق ذلك مع فقدان ( الاستقلال الاقتصادي ) جزئياً أو إلى حدود كبيرة و واسعة, مثلما هو حاصل الآن في العراق أو في أوروبا الشرقية, تماماً مثلما أدى إلى افتراق ( الوطني ) و ( الديمقراطي ) في حالة البلدان المذكورة.- 5-قدّمت سوريا تجربة سياسية مميزة عن باقي البلدان العربية خلال مسار القرن العشرين: كانت معظم الأفكار السياسية الكبرى قد خرجت منها ( الكواكبي, رشيد رضا, ميشيل عفلق, مصطفى السباعي, ياسين الحافظ ), فيما لعبت شخصيات معينة أدواراً مفصلية تجاوزت أحزابها إلى التأثير على مسار حركة بأكملها ( خالد بكداش, مثلاً ).تتميز الحياة السياسية السورية المعاصرة بخصائص تفتقدها معظم البلدان العربية الأخرى: عدم وجود صدام أو تناقض بين ( الإسلاميين ) و ( اليساريين ), عدم وجود جسور مقطوعة بين القوى السياسية القائمة, وجود إجماع سياسي(يجمع القومي و الإسلامي و الماركسي و الليبرالي) على البرنامج السياسي الديمقراطي ,عدم وجود استقطابات مؤدية إلى حدوث انشقاق في المعارضة السياسية كما هو حاصل في مصر و تونس و الجزائر, قدرة المعارضة السورية على الاستمرار رغم القمع العنيف من دون حصول مسح لطاولة العمل السياسي المعارض طوال العقدين الأخيرين من القرن العشرين بخلاف العراق مثلاً الذي تحولّت فيه المعارضة إلى فعل خارجي أو إلى مناطق الأكراد المحمية من ( التحالف ) بعد عام 1991.تدل المؤشرات على أن سوريا قد دخلت, منذ حزيران 2000, في مرحلة انتقالية على الصعيد السياسي, شبيهة بتلك المرحلة الانتقالية التي امتدت بين تاريخي 22 / شباط / 1958 - 8 / آذار / 1963 ): سيتحدد الكثير من ملامح المستقبل السياسي السوري إذا استطاعت مكونات المعارضة السياسية القائمة أن تتحول إلى رقم أساسي في المعادلة السورية الراهنة عبر مراجعة تجربتها و مفاهيمها باتجاه إنشاء رؤى جديدة, و برنامج و ممارسة سياسية جديدين, للقطع مع التجربة الماضية التي أثبتت فشلها و وصولها إلى الطريق المسدود.
*** *** ***




قسم الحزب











الحزب الشيوعي السوري : قضايا و إشكاليات
قدّم الحزب الشيوعي السوري ، منذ اختلافه مع السوفييت و أتباعهم المحليين في فترة 1969 - 1973 ، تجربة تدّعي التميز ، من حيث طرحها لقضايا جديدة على صعيد الحركة الشيوعية العربية ( الاستقلالية - الوحدة العربية - القضية الفلسطينية - عدم ربط الموقف من الأنظمة المحلية بالحسابات السوفيتية ) ، و من حيث تقديمها لأسلوب جديد في الممارسة و الخطاب السياسيين ، إضافة إلى كون هذه التجربة قد وضعت اللبنة الأولى ، منذ المؤتمر الخامس للحزب ( ك1 78 ) ، لعودة مطلب ( الديموقراطية ) إلى رأس جدول أعمال العمل السياسي السوري المعارض بعد غياب استمر منذ عام 1958 ، و هو ما تكرس مع " ميثاق التجمع " { نهاية 79 } و " بيانه " في آذار 1980 ، وصولاً إلى المرحلة السورية الراهنة .إلا أن هذا الحزب لم يستطع أن يقدم جديداً على الصعيد الفكري الماركسي ، يكون مختلفاً عن ما هو موجود عند السوفييت ، و لا على صعيد البناء و العلاقات التنظيمية للوصول إلى نموذج أو حزب جديد في التنظيم يكون مختلفاً عن التجارب الشيوعية الأخرى التي استندت إلى مفهوم التنظيم ، و تركيبه ، المقدمان في كتاب لينين " ما العمل ؟ " بعد أن لم يؤد هذا المفهوم اللينيني إلى أكثر من تفريخ ستالين و أشباهه في الأحزاب الأخرى ، و بعد أن كان هذا التركيب التنظيمي عائقاً لنشوء علاقات ديموقراطية في داخل الأحزاب الشيوعية و لقدرة القواعد على انتخاب حقيقي للقيادة و لمراقبتها و محاسبتها .لم يستطع هذا الحزب أن يقوم بهاتين المهمتين في السبعينيات و الثمانينيات ، و لم يستطع أيضاً أن ينجزهما في الفترة التي أعقبت سقوط السوفييت ، بل إننا إذا أردنا الحقيقة ، و الدقة في رصد الوقائع ، فإننا نجد أن الحزب الشيوعي السوري ، و بسبب عدم إنجاز هاتين المسألتين و على الرغم من اختلافه السابق مع السوفييت الذي لم يكن متجاوزاً للحدود السياسية - التنظيمية ( استقلالية تنظيم في رسم سياساته ) ، قد أصابه الكثير من التخبط الفكري ( مما كانت بذوره قائمة من قبل ) على ضوء الانهيار السوفييتي ، إسوة بكثير من الأحزاب الشيوعية الأخرى التي كان مبرراً حصول ذلك لها بحكم تبعيتها الفكرية و السياسية و التنظيمية للسوفييت .كان ذلك مفهوماً إذا عرفنا حقيقة وجود اتجاهات فكرية متعددة في الحزب بدءاً من الاتجاه الستاليني وصولاً إلى المتأثرين بغرامشي و الشيوعية الأوروبية ، و ما بينهما ، إضافة إلى عدد لا بأس به لم يكن مقتنعاً بالماركسية ، و كانت عضويته قائمة على " الالتزام بالبرنامج السياسي " إلا أن الذي لم يكن مفهوماً أن مستوى النقاشات الفكرية ، و الطروحات ، التي حصلت بالحزب ، في فترة ما بعد 1991 ، لم يكن يوازِ ما قدم في ( قضايا الخلاف ) ، عامي 1971 - 1972 ، ولا ما قدمه الحزب من طروحات جديدة في ( المؤتمر الخامس ) ، حيث كان أغلبها عكساً لموضات سادت الساحة الفكرية العربية ، مثل " نهاية الأيديولوجيات " ، و مثل مقولة " نهاية مفهوم الحزب " لصالح شكل سياسي مطلبي يتحدد من خلال مطالبه السياسية و ليس عبر الفكر أو المنهج ، إلى مقولة " تعدد المصادر المعرفية " في تشكيل البرنامج السياسي ، وصولاً إلى إمكانية تشكل حركة سياسية واحدة مع " تعدد ألوانها الأيديولوجية " ، و هو إذا كان حقاً مشروعاً أن يطرحه صاحبه أو أصحابه ، إلا أن الواقع أن تلك الطروحات ، ضمن حياة فكرية و سياسية راقية و متقدمة ، كالذي هو موجود في الغرب ، لم تجد مكاناً لها لا في المقدمة و لا في المؤخرة ولا في الوسط ، فيما كان العكس هو القائم في الحياة الفكرية و السياسية العربية مما عبر عن حدود تأزم الأخيرة أكثر من أي شيء آخر و عن فقدان المعايير و المستوى ، الشيء الذي يطرح الكثير من التساؤلات حول امتداد ذلك إلى تجربة سياسية متميزة مثل تجربة الحزب الشيوعي السوري ، و خاصة أن الطروحات و النقاشات التي تم تداولها فيه قد كانت انعكاساً باهتاً و ركيكاً لما كان يجري خارجه عربياً و سورياً بعكس فترة السبعينيات ، إضافة إلى شيء ملفت للنظر و هو فقدان الاستقامة الفكرية عند بعض أصحاب الطروحات ، سواء المذكورة أعلاه أو المتعلقة بتغيير اسم الحزب ، عندما لم يقولوا ما قال المنادون بالأخيرة ، في الأحزاب الشيوعية الأخرى ، من أن الوصول إلى تغيير الاسم سيأتي نتيجة لتغيير ( المنهج ) و ( الأيديولوجية ) ، و أن لا داعي إلى ممارسة الباطنية الفكرية أثناء الدعوة إلى ذلك ، أو أثناء عدم تقديم الاستتباعات الفكرية للطروحات السابقة المذكورة ، أو توضيحها من قبل الطارحين إياها ، ممارسين عبر ذلك عملية إخفاء النوايا الفكرية و الأيديولوجية و سياسة عدم وضع كل شيء فوق الطاولة الفكرية ، مع أن القضايا الفكرية تتطلب بطبيعتها العكس من ذلك إذا أريد الدخول في نقاش مجدٍ و منتج .كل أيديولوجية سياسية ، و التي هي مجموع تطبيق المنهج على مكان و زمان معينين للوصول إلى رؤية و برنامج سياسيين ، لا تقبل شريكاً لها في الحزب السياسي ، سواء كان ليبرالياً أو إسلامياً أو قومياً أو اشتراكياً - ديموقراطياً أو ماركسياً ، إلا أن هذا المنهج المعرفي يمكن أن ينفتح و يستفيد لصالحه من مدارس معرفية و فكرية أخرى إلا أنه لا يمكن أن يتعايش معها في حزب واحد كمصدرين متشاركين لبرنامج سياسي واحد .في هذا الإطار يعبر اسم الحزب عن هويته المستمدة من منهجه و ليس من البرنامج السياسي الذي يمكن أن يكون ليبرالياً على الصعيد السياسي و الاقتصادي و الدستوري عند حزب ماركسي أو إسلامي أو قومي ، من دون أن يقلب له هويته بسبب ذلك ، و هذا ما يؤدي إلى أن يكون تغيير المنهج ، و الأيديولوجية معاً ، هما السبب و الإطار الطبيعي لعملية تغيير الاسم ، و ليس أي شيء آخر .من المؤكد أن الحزب الشيوعي السوري يعاني من مشكلة ناتجة عن وجود ثلاثة أحزاب تحمل هذا الاسم ، مما يطرح ضرورة تمييزه عن الاثنين الآخرين ، إذا أراد مؤتمره القادم الاستمرار في تبني المنهج الماركسي كمصدر معرفي تحليلي للرؤية و البرنامج السياسيين ، عبر إضافة شيء يميزه عنهما سواء كان ذلك بإضافة ما عرف به في العقود الثلاثة السابقة إلى اسمه الأصلي ، أي : الحزب الشيوعي السوري ( المكتب السياسي ) ، أو ربما إضافة شيء جديد على اسمه لتمييزه مثل : الحزب الشيوعي السوري ( الماركسي ) ، و هو علامة أضيفت للحزب الشيوعي الهندي ، الذي مثّل جناح الأكثرية عام 1964 ، تمييزاً له عن الجناح الموالي للسوفييت ، أما إذا أراد المؤتمر تغيير المنهج الماركسي و تبني منهجاً آخر فإن عملية تغيير الاسم ستكون طبيعية و منطقية ، ليعبر هذا الاسم الجديد عن الهوية الجديدة المكتسبة من منهج جديد توليدي لرؤيته و برنامجه السياسيين .من الضروري في هذا الإطار التمييز بين منهج كارل ماركس التحليلي و بين بعض خلاصاته التطبيقية التي مارسها عبر استخدامه لهذا المنهج في الاقتصاد و السياسة ، و التي يمكن لأي ماركسي أن يراها متآكلة و عفى عليها الزمن ، أو أصبحت أمام الوقائع غير صحيحة ، مثل نظريته عن ( ديكتاتورية البروليتاريا ) ، أو نظريته عن ( الثورة ) كأداة للتغيير ، إضافة إلى رؤيته الاقتصادية حول اتجاه الرأسمالية نحو منحى ( الإفقار المتزايد ) للفئات الوسطى و للطبقة العاملة ، فيما يبقى منهج ماركس المعرفي التحليلي ، الرابط بين السياسة ( في علاقة كلية واحدة ) و بين البنية الاقتصادية - الاجتماعية و الأفكار و الثقافة ، من أجل تقديم رؤية سياسية لمكان و زمان معينين ، صالحاً لتوليد برنامج سياسي عبر هذه الآلية .إذا كان هذا يمكن تطبيقه من قبل أي ماركسي على كارل ماركس ، فمن الطبيعي أن يطبق ذلك على خلاصات الماركسيين الآخرين ، سواء انجلز ، أو لينين ، ( أو غيرهما ) ، من حيث أن خلاصاتهما أو ما قدموه من جديد فكرياً لا يتيح لهما أن يكونا مشاركين تأسيسيين في الماركسية التي اكتمل منهجها مع مؤسسها ، مما يؤدي للوصول إلى استنتاج بضرورة اطراح مصطلحات ، استخدمت أساساً لغايات خاصة من قبل ستالين و السوفييت ، مثل مصطلح ( الماركسية اللينينية ) .على هذا الصعيد من الضروري لحزب ، يريد أن يعصرن بنيته التنظيمية و يقدم شكلاً حديثاً للحزب و متقدماً ، أن يتخلى عن مفهوم التنظيم اللينيني ، الذي لم يؤد إلى أكثر من إنشاء ديكتاتورية للأمين العام أو للمكتب السياسي ، و مَنَعَ إنشاء آلية للمراقبة و المحاسبة من القاعدة تجاه القيادات ، الفرعية و المنطقية و المركزية ، و أدى إلى عدم قدرة هذه القاعدة على استخدام آلية ديموقراطية انتخابية للقيادة لتعكس الأخيرة مزاج و آراء أكثرية الحزب ، فيما كان وضع الأقلية بالحزب متميزاً بالتهميش و انعدام القدرة على إبداء و توصيل آرائها لمجموع الحزب .لا يمكن هنا تقديم " روشيته " لشكل الحزب البديل ، و الذي يجب فتح نقاش واسع عشية المؤتمر من أجل بلورته و انضاجه ، و لكن على الأقل يمكن تحديد ما نرفضه ، عبر ما جربناه نحن الشيوعيون ، ممثلاً في مفهوم التنظيم المقدم في " ما العمل ؟ " و آلياته التطبيقية الفاشلة التي جرى تقديمها على مدار قرن كامل في شتى أرجاء المعمورة .مع ذلك يمكن طرح قضايا للنقاش :1. هل يجب إضافة الاقتناع بالمنهج الفكري كأحد شروط العضوية ، أم يكتفى بالبرنامج السياسي ؟2. هل العضوية في إحدى هيئات الحزب ستبقى شرطاً للعضوية ، أم يمكن الاستغناء عن هذا الشرط ، أو جعله غير ملزم ، باتجاه إعطاء الأعضاء الشكل الذي يرتئوه ، وفق ظروفهم ، للعضوية في الحزب ، مع احتفاظهم بالحق في الانتخاب و الترشيح ، و حق الحزب ، بالمقابل ، في تكليفهم بمهام و إلزامهم بالالتزام بتعليمات الحزب و سياساته ؟…3. هل سيكون حق الأقلية في الحزب واصلاً إلى حدود تشكيل تيارات داخل التنظيم تكون معارضة لسياسات الأكثرية ، مع الحق في استخدام وسائل إعلام الحزب الداخلية لإيصال رأيها و الدعاية له داخل الهيئات المختلفة ، مع احتفاظ الأكثرية بحق إلزام الأقلية بتنفيذ السياسة المقررة خارج الحزب ؟ …4. هل يجب الاستمرار في إعطاء المكتب السياسي صلاحية " قيادة جميع أعمال الحزب " فيما بين اجتماعات المركزية ، أم يجب تجزئة و تفريق صلاحياته باتجاه حصره في القيادة السياسية ، مع تشكيل مكتب تنظيمي ، و مكتب إعلامي ، لتولي قيادة أعمال الحزب المختصة تحت إشراف هيئة السكرتاريا " التي تقود العمل اليومي للحزب " و من دون أن تكون عضوية اللجنة المركزية شرطاً للعضوية في تلك المكاتب المختصة ، التي يمكن أن تجمع أهل الاختصاص و الكفاءة في المجالات المذكورة ، و لكن مع شرط أن يكون تعيينهم و إقالتهم من اختصاص اللجنة المركزية و صلاحيتها حصراً ؟ …5. هل يحق لعدد من منظمات الحزب ، إذا كانت تمثل أكثر من نصف الأعضاء ، الدعوة إلى عقد مؤتمر عام بمن حضر ، إذا كانت الدعوة معللة بقضية أو مجموعة من القضايا ؟سيكون الوصول إلى شكل جديد للحزب الشيوعي عملية ضرورية ، من أجل إنشاء علاقات ديموقراطية في داخل حزب كان رائداً في الطرح السياسي للديموقراطية على مستوى المجتمع السوري ، مما سيجعل هناك تجاوزاً للحالة ، الموجودة في أحزاب ماركسية و قومية و إسلامية ، منادية بالديموقراطية ، عندما نرى كيف أن هناك تناقضاً و تفارقاً بين برنامجها السياسي الداعي للديموقراطية و بين علاقات تنظيمية داخلية غير ديموقراطية تسود تلك الأحزاب .بالتأكيد ستكون هذه العملية التنظيمية صعبة و معقدة المسار ، و خاصة إذا تم الأخذ بعين الاعتبار تراث حزب أوامري و مراتبي في تركيبته التنظيمية ، إضافة إلى أن الأعضاء ، حتى و هم يضحون في السجون و غيرها من أجل الديموقراطية ، هم نتاج تراث مجتمع لم يصل بعد إلى الديموقراطية ، تسود أسرته و مدرسته و حيّه أشكال أبوية متخلفة هي نتاج علاقات ما قبل رأسمالية .لم يلتفت اليسار العربي ، حتى بعد أن تبنى الديموقراطية بعد عقود من تبني " الديموقراطية الشعبية " و " الديموقراطية الثورية " و " التطور اللارأسمالي " ( و هي مصطلحات و مفاهيم ظل حزبنا يستعملها إلى عام 1976 ، حتى مارس القطيعة معها ) ، إلى أهمية الربط بين المرحلة الرأسمالية ، بمعناها الليبرالي في الاقتصاد و معناها البرجوازي الحقوقي - السياسي ، و بين ( الديموقراطية ) ، و أن الأخيرة لا تطرح بالترابط مع ( الاشتراكية ) في مجتمع ما قبل رأسمالي ، أو لم ينجز مهام و مراحل التحول الرأسمالي و لم يحقق بعد ، عملية الوصول إلى تحقيق و تثبيت الحقوق الدستورية البرجوازية ( فصل السلطات - الحقوق الفردية في التملك و التحزب و الرأي و النشر و في السلوك و الزي ) ، إضافة إلى كون هذا المجتمع لم يحقق ناظماً عاماً لعلاقة ثالوث ( الفرد - المجتمع - الدولة ) ، ولم يحدد آليات ناظمة لعلاقة ( الدولة - السلطة ) ، و هي قضايا تطرح نفسها على جدول أعمال التحول الديموقراطي القادم في سوريا .هذه القضايا تمثل إشكاليات سياسية أمام الديموقراطيين ، إلا أنها أيضاً تتطلب تقديم معالجات فكرية لها ، لأنها ذات طابع فكري - سياسي بامتياز ، تثير قضايا أبعد من السياسة ، إلا أن الأخيرة لا يمكن أن تشتغل و تأخذ ديناميتها بدونها ، و خاصة في مجتمع ، مثل العربي ، فشلت التيارات الحديثة ( ليبرالية - قومية - ماركسية ) في أن تنتصر فكرياً بعد قرنين من " عصر النهضة " ليتصدر ، في أعقاب ذلك ، التيار الإسلامي الساحة الثقافية ، مستوعباً الفئات الاجتماعية الأكثر تعليماً و احتكاكاً بالتقنية و العلم و الأكثر دينامية في العملية الاقتصادية ، ثم ليتصدر عملية مجابهة السلطات الحاكمة ( مصر - تونس - الجزائر ) ، و مجابهة المحتل ( فلسطين بعد عام 1987 ) .يثير تصدر التيار الإسلامي ، المبني أساساً على فشل برامج التيارات الأخرى في السلطة و في المجتمع ، إشكاليات عديدة ، تعيد العرب إلى المربع الأول ، ربما لأن القفز عبر نظرية ( حرق المراحل ) يؤدي دائماً إلى ذلك : ما هي هوية العرب ، حضارياً و ثقافياً ، هل هي ستأتي عبر ( التغريب ) ، أم أن هذه الهوية هي مُكوَّنة و مُنجَزة عبر الحضارة و الثقافة الإسلاميتين ، و أن هذا لا علاقة له بالأسلمة ، و لا بالإسلام كدين و عقيدة و لا بالإسلاميين ، بل يشمل جميع العرب ، متدينين و غير متدينين ، مسلمين و غير مسلمين ، و كذلك لا يعيق عملية الأخذ من الثقافة الغربية ولا من التقنية الغربية ؟…مما يقود إلى طرح إشكالية العلاقة بين ( العروبة ) و ( الإسلام ) ؟ … ثم : هل هناك علاقة بين ( الديموقراطية ) و ( العلمانية ) ، أم أن الأخيرة يمكن أن ترتبط بالقسر السياسي و الاجتماعي كما في تركيا الأتاتوركية و بالتالي فهي ليست مرتبطة أو شرطاً ضرورياً للديموقراطية ؟ … و في هذا المجال : ألا يقدم التاريخ الغربي شكلين للعلمانية ، واحدة انتصرت ( Laicism ) ، و هي تعني عدم وجود نفوذ كهنوتي في جهاز الدولة و في السياسة مع حرية المتدينين في التنظيم و العمل السياسي ، و أخرى ( Secularism ) التي تعني العلمانية كتنظيم للمجتمع و للتعليم حيث لا يسمح للكنيسة و لا للمتدينين بأي دور تعليمي أو سياسي بل يقتصر الدين على مجال الشعور الأخلاقي الفردي و الطقوسي ؟ … هنا : ألم تكن هزيمة العلمانية و العلمانيين ناتجة عن تقديمها عبر شكلها الثاني في العالم العربي ؟ … ثم : ألا يؤدي طرحها ، عبر الشكل الأول ، إلى إمكانية تقديم فضاء فكري - سياسي للمجتمع يتيح لكافة التعبيرات السياسية و الفكرية الحرية في الوجود ، بعيداً عن اسئصالية " العلمانيين " و عنف الإسلاميين ؟ … وصولاُ إلى نقطة : ألا يكون المجال مساعداً ، عبر ذلك ، لأن يكون ( التحديث ) ليس قائماً على " جماجم " الإسلاميين أو عبر التضاد مع ( الإسلام ) ، و إنما عبر مشاركتهم ضمن فضاء ديموقراطي تعددي يتيح الحريات السياسية و الفكرية للجميع ، في مجتمع ، كالعربي ، لم تُنجَز فيه ، بعد ، مهام ( التحرر الوطني ) و ( القومي ) ، و فشلت فيه عملية ( التحديث و التنمية ) و بناء ( مجتمع متقدم و عصري ) .
*** *** ***


الحزب الشيوعي السوري :مراجعة و نقد
اُستخدمت في الصراع مع السوفييت و خالد بكداش ، مفاهيم أتت من الترسانة الفكرية السوفيتيية ، مثل ( الديموقراطية الثورية ) و ( التطور اللارأسمالي ) ، كما أن " مشروع البرنامج " ( حزيران 1970 ) ، الذي أصبح موضعاً للخلاف مع السوفييت و بكداش ، يشير في تقييمه لنظام ( 23 شباط 1966 ) : " و إذا كان يتضح من ما سبق أن المرحلة التي تجتازها سوريا الآن لم تصبح ، بعد ، مرحلة بناء الاشتراكية ، فإنه ليتضح منها أيضاً ، أن التحولات الجارية فيها تشكل قفزة نوعية بالمقارنة مع النظام السابق ، و تتكون الآن شروط مادية و اجتماعية تسهِّل ، فيما إذا توافرت شروط أخرى ، سياسية بالدرجة الأولى ، عملية الوصول إلى الاشتراكية "لم يتم تجاوز هذه المفاهيم و التقييمات من قبل الحزب الشيوعي السوري ، بعد استقلاله عن السوفييت ، عبر مراجعة فكرية ، بل عبر رؤية سياسية للنظام الذي أتى إلى الحكم في دمشق بخريف 1970 ، و هو ما بدأ بالتجذر ، في صيف 1976 مع التدخل السوري في لبنان ضد المقاومة الفلسطينية و اليسار اللبناني ، مما أدى إلى وضع " البرنامج السياسي للحزب " ، الصادر في عام 1973 عن المؤتمر الرابع ، على الرف ، و هو المستند إلى " مشروع البرنامج " الصادر في عام 1970 . و في هذا الصدد ، فقد كانت هذه الرؤية للنظام السوري ، و التي وحَّدها الحزب لتشمل أيضاً نظام السادات في مصر ، مؤدية إلى رؤية لطبيعة المرحلة العربية التي اتجهت مع هذين النظامين إلى طريق " التسوية " مع إسرائيل ، و إلى بناء السياسات الداخلية و الخارجية على أساس ذلك من قبل هذين النظامين .عبر هذا التجذر في الموقف السياسي للحزب ، تجاه سياسات النظام ، بدأ الحزب ، منذ 1976 ، بالاتجاه نحو تبني مقولة ( الديموقراطية ) ، متخلياً بذلك عن شعار ( الديموقراطية الشعبية ) التي كانت أحد شعارات المؤتمر الرابع للحزب : حيث لم يكن ذلك بدوره مبنياً على رؤية فكرية - مفاهيمية لمقولة ( الديموقراطية ) ، كرؤية سياسية و برنامج و مطالب ، و لا على تحديد لطبيعة المرحلة الديموقراطية اقتصادياً ( مع أن " موضوعات المؤتمر الخامس " قد بنيت على رؤية اقتصادية ترى " القطاع العام " كمفرخة ، هو و جهاز السلطة ، للرأسمالية الجديدة ، و على كونه كان قاعدة اقتصادية للدولة الشمولية ) ، و لا على تحديد لطبيعة الحقوق الدستورية ، الموضوعة في البرنامج الديموقراطي ، إن كانت برجوازية { و هي فعلاً كذلك } أم لا .ليس صدفة أن اليسار السوفييتي ، الموجود في " الجبهة الوطنية التقدمية " و خارجها ، قد شنَّ هجوماً ضارياً على " موضوعات المؤتمر الخامس " ( ك1 78 ) ، و اتهمها بالنـزعة البرجوازية ، حيث دشنت هذه " الموضوعات " طريقاً جديداً لليسار السوري ( بعد عقدين من الافتراق عن مفهوم الديموقراطية السياسية ) مع تبني " برنامج التجمع " للديموقراطية وصولاً إلى تحول الديموقراطية إلى رأس جدول أعمال المعارضة السورية ، بعد ( 10 حزيران 2000 ) ، بأطيافها الليبرالية و الإسلامية ، و ضمن حركة المثقفين .بعد ربع قرن على المؤتمر الخامس ، لم يتجذر عند الحزب ، و لا عند المعارضين الآخرين ( باستثناء النائب الليبرالي رياض سيف ) ، ذلك الوعي بالترافقات الاقتصادية ، و بالطبيعة الحقوقية ، الخاصتان بمطلب ( الديموقراطية ) السياسي ، و يلاحظ بأن زخم الحركة الديموقراطية لم يكن ، في فترة 2000 - 2003 ، بالقوة التي كانت عليها في فترة 1978 - 1980 ، إضافة إلى كونها كانت موحدة بالرؤى للمرحلة آنذاك بخلاف المرحلة السورية الجديدة .إذا أردنا جردة لربع قرن يفصلنا عن المؤتمر الخامس للحزب ، فمن الممكن القول بأن الحزب ، الآن ، يواجه استحقاقات لم يقم بها بعد :1. مترتبات فكرية تفرض نفسها على كل حزب شيوعي في فترة ما بعد السوفييت .2. إنشاء رؤية للمرحلة السورية الجديدة من أجل تشكيل البرنامج الديموقراطي و مطالبه ، على أساس تلك الرؤية ، مع حسم الموقف تجاه المترافقات الاقتصادية للمرحلة الديموقراطية .إن عدم القيام بهذين الأمرين هو الذي أدى إلى فقدان الحزب للوضع المتميز ، في الخارطة السياسية السورية ، الذي كان يحتله في فترة السبعينيات حتى حملة 1980 ، و لولا السمعة المعنوية - السياسية للحزب ، و التي أتت من طروحات السبعينيات تجاه السوفييت و بكداش و من البرنامج الديموقراطي الذي قدمه ( المؤتمر الخامس ) و من التضحيات التي قدمها مجموع الحزب ، لكان الحزب في وضعية لم يستطع أن يكون فيها ، كما هو الآن ، الحزب السوري الوحيد الذي استطاع الاستمرار في الداخل و رأسه فوق الماء مجتازاً الملاحقات و الاعتقالات و المرحلة السرية وصولاً إلى المرحلة السورية الجديدة .السياسة لا تتحدد من خلال بقايا أحزاب ، أو نخب ثقافية معزولة عن المجتمع ، و لا عبر تنظيمات سرية فقدت التواصل مع المجتمع : كانت هذه الأبعاد الثلاثة هي المحددة لتخوم و أبعاد العمل السوري المعارض في مرحلة ( ما بعد 10 حزيران 2000 ) . مع ذلك فإن هذه الحالات ستوضع أمام امتحان ( تدل مؤشرات عديدة على قرب حدوثه ) يتمثل في عودة المجتمع السوري إلى السياسة بفعل عوامل عديدة ، من أهمها عجز النظام الجديد عن الاستمرار في شكل النظام القديم في ظل استفحال الأزمة العامة في سوريا الموروثة عن العهد السابق ، سياسياً و اقتصادياً ، و في ظل متغيرات دولية يبدو أنها تتجه إلى أن تفرض على نظام موروث من حقبة الحرب الباردة ، ببناه و أجهزته و تركيبته السلطوية و أيديولوجيته ، استحقاقات كبرى ، في الاقتصاد و السياسة الداخلية و الخارجية .هذا سيؤدي ، سواء فتح النظام الكوات المغلقة للعمل السياسي بمبادرة منه أم لا ، إلى إنشاء مناخ جديد سيؤدي إلى عودة " ما " للسياسة في سوريا على الصعيد الاجتماعي ، مما يفرض تحديات كبرى أمام جميع القوى السياسية السورية ، تتمثل في ضرورة أن تتجهز هذه القوى ، من حيث عدتها الفكرية و السياسية و من حيث بناها و أشكال عملها ، لكي تقدم أوراق اعتمادها للمجتمع السوري بعد عودته للسياسة إثر صمت سياسي بدأ عقب انتهاء أحداث 1979 - 1982 .إن وضع القوى السياسية السورية أمام مجتمعها العائد للسياسة ، سيكون محدداً وفقاً لقدرتها على أن تجد لها تمثيلاً اجتماعياً في مجتمع يتجه نحو حراك سياسي ، وهذا لا يمكن أن يقوم على سجلها الماضي ، الذي يبقى عاملاً ثانوياً أمام الرؤية للمرحلة ، و البرنامج السياسي ، و المطالب المتفرعة عن هذا البرنامج : بدون ذلك ، فمن الممكن لمجتمع ، تميز بالحيوية و الديناميكية مثل المجتمع السوري ، أن يكنّس التعبيرات السياسية القائمة ، باحثاً عن أخرى جديدة .
*** *** **

التعـلـيـق

عدد الحروف المتبقية
________________________________________

الحد الأعلى للتعليقات
هو 1000 حرف
إذا تجاوز التعليق ذلك يفضل ارساله كمقالة وسينشر اذا وافق شروط النشر



















مشروع رؤية من أجل مؤتمر الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي



أعضاء في الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
الحوار المتمدن-العدد: 1622 - 2006 / 7 / 25 - 12:01
المحور: التحزب والتنظيم , الحوار , التفاعل و اقرار السياسات في الاحزاب والمنظمات اليسارية والديمقراطية


مشروع رؤية

من أجل
مؤتمر الحزب الشيوعي السوري

( المكتب السياسي )

أعضاء في الحزب الشيوعي السوري ( المكتب السياسي )
2006

مدخل

كنا ، في بيان أصدرناه في أيار / 2005 / ، قد أعلنا بأن المؤتمر الذي عقد ، بأواخر نيسان من عام / 2005 / وأعلن من خلاله عن قيام حزب الشعب الديمقراطي ، ليس هو المؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوري / المكتب السياسي / ، وإنما هو المؤتمر التأسيسي الأول لحزب الشعب الديمقراطي .
لقد استندنا في هذا إلى المخالفات التنظيمية التي ارتكبتها القيادة ، وأدت إلى جعل ذلك المؤتمر لا يمثل غالبية الجسم التنظيمي للحزب الشيوعي السوري / المكتب السياسي / : بناء ً على هذا ، فقد أعلنا بأن الحزب الشيوعي السوري / المكتب السياسي / ما زال قائماً من خلال أعضائه ، الذين ورثوا بيتاً غادرته القيادة ، هي ومن ذهب معها ، لكي يبنوا بيتاً آخر .
من خلال هذا الكراس ، الذي يحوي رؤيتنا النظرية وتلك المتعلقة بفكرنا السياسي ، والذي سيعقبه رؤية برنامجية سياسية وأخرى متعلقة بالتجربة التنظيمية السابقة للحزب – نريد أن نقدم للمجتمع السوري ملامح ما لدينا ، لنجيب على سؤال : " من نحن ؟ " ، وهو سؤال يفرض نفسه على كل مجموعة أو قوة سياسية ، ويتجنب الكثير من المشتغلين بالسياسة في سوريا طرحه أو الإجابة عليه .
إننا ندعو كل من كان في الحزب بعد تاريخ / 3 نيسان 1972 / ، أو كان خارجه ، ويرغب بالإنضمام إلينا ، للمساهمة في هذا الجهد ، وصولاً إلى مؤتمر قادم للحزب الشيوعي السوري / المكتب السياسي / ، كما ندعو كل من يرغب ، في نقاش مضامين هذا الكراس ، لإرسال مساهمته إلى الإيميل التالي :
[email protected]
- أعضاء في الحزب الشيوعي السوري
( المكتب السياسي )




-1-

تحديد الماركسية


لم يثر فكر سياسي ، في العصر الحديث ، ما أثارته الماركسية من نقاشات وصخب ( من مناصريها و معاديها ) واستقطابات ، ولم يكن ذلك مقتصرا على مضامين الفكر بل تداعياته وممارساته العملية، وخاصة بعد ثورة 1917 الروسية التي أقامت دولة قدمت قراءة خاصة للماركسية ( وبعدها كتلة عالمية قسمت الجو الدولي إلى ثنائية استقطابية) 0
حاول لينين ( ومن بعده الماركسيون السوفيات ) أن يقدموا فكرهم بوصفه هو الماركسية ، وقد نجحوا في ذلك إلى حد كبير حيث لم يقاومهم سوى مفكرين قلائل (غرامشي - لوكا تش – ماركوز 000الخ ) وأحزاب محدودة العدد (الحزب الإيطالي – الإسباني في زمن أمينه العام سنتياغو كاريللو)، لذالك فإن اشكالية التماثل في الهوية بين التجربة اللينينية – الستالينية والنظرية الماركسية قد امتدت بمفاعيلها إلى مرحلة ما بعد سقوط موسكو كامتداد لذلك التماثل الذي حاول الشيوعيون الروس إقامته بين الماركسية وتجربتهم عقب قيام ثورة أكتوبر ، وهو شيء إذا كان مفهوما إقامته عند خصوم الماركسية، في مرحلة ما بعد 1989 – 1991، فإنه من المستغرب استمراره عند الكثير من الماركسيين الذين ما زالوا متمسكين بالماركسية ( وإن كان يلاحظ ذلك اساسأ عند المحتفظين بستالينيتهم ) .
الحقيقة أن التباعد بين لينين و ماركس ( والذي كرسه انشقاق 1903 بين البلاشفة والمناشفة ) لا يقتصر على الجوانب العملية ، /مثل مفهوم الحزب الذي وضعه لينين في " ما العمل " ( والذي كان اقرب إلى التنظيمات التآمرية - العصبوية التي أقيمت بفرنسا في فترة 1815 – 1848 عقب فشل وسقوط حكم الثورة الفرنسية والتي استلهمت تجربة اليعاقبة في الثورة الفرنسية والتي كان ماركس ضدها وضد أقطابها (مثل أوغست بلانكي )، والذي أيضأ كان متناقضا مع نموذج الحزب الشيوعي الألماني الذي قدم ماركس بيانه وقاده عمليا ) / وإنما يمتد الآمر إلى مفهوم ( الثورة الاشتراكية ) وشروط تحقيقها، حيث تمسك ماركس، إلى آخر حياته، بأن الاشتراكية لا يمكن تحققها إلا في مجتمع رأسمالي متقدم استنفذ تطوره البورجوازي وبأن على الشيوعيين ( والماركسيين ) المشاركة والتحالف مع القوى الأخرى في البلدان التي هي إما ما قبل رأسمالية ، أو متخلفة ، لإنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية ذات الطابع البرجوازي من حيث المهام الثلاث ، الدستورية ( الفصل بين السلطات الثلاث ، والحقوق المدنية) والسياسية ( الحريات العامة) و الاقتصادية ( تحقيق الرسملة بالمعنى الاقتصادي ) ، مع حفاظهم على تميزهم السياسي حيال القوى الأخرى، ومع احتفاظهم ليس فقط بالهدف الاشتراكي ، وإنما أيضأ بخوضهم لصراعات سياسية ومطلبيه وفكرية تجاه القوى البرجوازية وأرباب العمل والرأسمالية 0
إضافة إلى ذلك ، فإن لينين ، من خلال نظريته حول ( تفاوت النمو ) بين الرأسماليات ووصوله عبرها إلى نظرية ( ضرب الحلقة الضعيفة ) وما استتبع ذلك في فكره النظري من وضع نظرية ( إمكانية تحقق الاشتراكية في بلد واحد ومتخلف ) ، قد ابتعد كثيرا ً عن ماركس ، لذا لم يكن بعيدا عن الصواب القول بأن التاريخ قد انتقم له من لينين عندما لم تستطع ثورة أكتوبر أن تتجاوز مرحلة ( رأسمالية الدولة) التي انتهت إلى ( اقتصاد السوق ) مع يلتسن و خلفائه 0
إذا كان التباعد بين لينين و ماركس كبيرا في الجوانب المذكورة آنفا ، فإن ذلك قد ازداد كثيرا في تطبيقات ستالين وأفكاره وفي طريقة قراءته للماركسية ، التي حاولت ، على طريقة لاهوتيي الأديان ، تكثيف الماركسية في أقانيم محددة ( المادية الجدلية - المادية التاريخية ) وتعاليم معينة ( تفسير خاص للعلاقة بين / البنية التحتية – الاقتصاد - ) و ( البنية الفوقية – الأفكار و الفن والدين والسياسة ) – نظرية ميكانيكية تحاول قسر وقولبة التاريخ العالمي ضمن تتابعية جبرية للمراحل الاقتصادية الخمس000 الخ ، إضافة إلى وضع تفسير خاص لنشوء الماركسية ( وهو إذا أردنا الدقة موجود عند لينين ) يحد د منابعها في ( الاقتصاد السياسي الإنكليزي ) و ( الفلسفة الألمانية ) و ( الاشتراكية الطوباوية الفرنسية ) 0
يقف هذا كله أمام الماركسيين ، الآن ، لإزالة ذلك الركام النظري والعملي : ولكن ، إذا أردنا الدقة ، فإن الأمر ليس مقتصرا عليه ، وإنما يجب أن يمتد إلى ما قبل 1917 ، لتحديد العلاقة بين الماركسية وماركسيي ما قبل ثورة أكتوبر ، وأيضا للوصول إلى الإجابة على سؤال رئيسي : هل كل ما أنتجه كارل ماركس هو الماركسية ، أم أن الماركسية هي المنهج الذي وضعه كأداة للتحليل ، والباقي عنده هو اجتهادات نظرية وعملية، حدًدها المكان و الزمان ، وشاخت بعد تغير الأخير فيما لا تنطبق على مكان آخر مختلف، حيث يمكن أن يصل الماركسي إلى نتائج مغايرة ، إذا استخدم المنهج الماركسي حيال هذا ا لمكان المغاير وفي زمن آخر لزمن ماركس ، هي مختلفة عن ما وصل إليه مؤسس الماركسية ، هذا إذا ما كان عبر ذلك يؤكد ماركسيته وتطابقه مع ماركس ومنهجه ؟..... 0
يمكن لهذا أن يشمل تطبيقات منهج ماركس على الاقتصاد ، المقدمة في كتبه الاقتصادية ( " الإسهام في نقد الاقتصاد السياسي " ، " رأس المال " ) ، من د ون التخلي عن المنهجية التي هي نظرة فلسفية - تاريخية تحاول معالجة الظاهرة الاقتصادية عبر ربطها برؤية تشمل دائرة كلية تضم ( الطبيعة – الاقتصاد- الاجتماع - الأفكار – السياسة ) مع اعتبارها بأن البنية الاقتصادية الاجتماعية ، التي تتحدًد من خلا ل علاقة الأفراد الاجتماعيين بالطبيعة ، هي محدَد رئيسي لحركة الأفكار البشرية ، وبالتالي للسياسة ، ضمن جدلية المكان - الزمان و عبر تفاعل المحلي و العالمي ، حيث تكون السياسة ، كأفكار وممارسة ، مكثفا وخلاصة مستوعبة ، ضمن هذا الخماسي للقوى الأربعة الأخرى : هذا يعني بأن بعض خلا صات ماركس الاقتصادية ( إذا لم يكن كلها ) ، والتي نتجت عن تطبيق هذه المنهجية على الحقل الاقتصادي، ليس الماركسيون ملزمين بها ويمكن لهذا أن يشمل ( نظرية الإفقار المتزايد مع تطور الرأسمالية ) ، مثلاً ، التي ثبت عدم صحتها بعد دخول الرأسمالية في مرحلة الإمبريالية وعقب وصولها إلى مرحلة الأتمتة، فيما تبقى تطبيقات أخرى اقتصادية ذات طابع راهن ، مثل (نظرية قيمة ا لسلعة ) و ( القيمة الزائدة ) ، ولو أن ماركس ، والماركسيين ، لم يطبقوا هاتين المقولتين إلا على رأسمالية الجهد العضلي ، كما في عهد ماركس ، من د ون رأسمالية ا لعمل الذهني الذي أصبح شيئاً أساسياً لرأسمالية ما بعد الصناعة 0
يمكن لتطبيقات هذه المنهجية الماركسية على السياسة أن تكون أيضا خاضعة للإزاحة وللوضع في متحف التاريخ : مثل مقولة ( ديكتاتورية البروليتاريا ) ونظرية ( الثورة ) ، ولو أن الأخيرة كاحتمال تاريخي تبقى قائمة ، إلا أن من واجب الماركسيين دراسة جدواها وآثارها المد مرة بالقياس إلى طريق ( صندوق الاقتراع ) 0 وهذا شيء يمكن أن يشمل ، أيضاً ، نظرات ماركس التاريخية إلى مشكلات الشرق والغرب والتي فيها الكثير من النظريات الإستشراقية الإستعلائية الغربية، والتي أدت ، بدورها ، إلى تبخيس الدين ودوره التاريخي الإنهاضي الذي لعبه في المشرق ، وخاصة الشرق الأدنى ، بالقياس إلى ما لعبه الدين من أدوار سلبية في التاريخ الغربي ، مما انعكس على نظرة كارل ماركس للدين ، الشيء الذي ينطبق أيضاً على رؤيته للمسألة القومية ، والتي أتت نتيجة لأوضاع عصره الخاصة في أوروبا 0
على الطريق ذاته ، يمكن قياس مدى الانفصال بين المنهجية الماركسية وبين نتاجات الماركسيين الآخرين ، الذين أتوا في حقبة ما بعد ماركس ، أ و بالأحرى خضوع نتاجاتهم للنسبية التاريخية – الزمانية ، وكذاك للمكان ، وبالتالي محدوديتها بالنسبة إليهما ، وهذا يشمل انجلز وغيره من أعلام الماركسية في ذلك العصر ( كاوتسكي – برنشتاين – بليخانوف – روزا لوكسمبورغ – تروتسكي –بوخارين .. إلخ .. ) ، وربما أيضاً تكون هذه النسبية نسبية حسب كل ماركسي وما يراه في تلك النتاجات ، أي ما يراه مناسباً بالنسبة لمكانه وزمانه وما لا يراه مناسباً 0
ولكن إذا كان ذلك ينطبق على العلاقة بين الماركسية والماركسيين ( ومنهم كارل ماركس ذاته )، أفلا يمكن مد ذلك، أيضاً إلى الماركسية ذاتها ، كمنهج معرفي تحليلي ، أي بمعنى إذا كانت الماركسية كنظرة فلسفية جدلية تاريخية ، تنظر إلى الطبيعة والمجتمع والأفراد من خلال رؤية كلية تربط فيها حركية الأفكار والثقافات والسياسات بالبنية الاقتصادية – الاجتماعية في زمان ومكان محدد ين ، وعبر جدل المحلي – العالمي، ولو أنها ترفض اعتبار تلك الحركية انعكاساً آلياً (كمرآة ) لتلك البنية فإن الماركسي ، في أثناء نظرته أو بحثه الفلسفي للظواهر الطبيعية ( أو الكونية )، أو الفلسفية ربما يحتاج إلى رؤية الماركسية للطبيعة أو للمادة ( وكذلك رؤيتها للما وراء ) ، فيما السياسي الماركسي لا يحتاج ، أدواتياً ومعرفياً ، إلى ذلك ، بل يمكنه الاكتفاء بالمنهجية الماركسية لتوليد برنامج اقتصادي – اجتماعي – ثقافي – سياسي لمجتمعه ، عبر تحليل ملموس لمكان وزمان محددين ومن خلال ترابط المحلي – العالمي ، دون الحاجة إلى النظرة الفلسفية الماركسية للطبيعة وما وراءها ، وهذا ما يجعله يحصر ماركسيته في إطار كونها فكراً سياسياً، فيما يمكن أن يكون عقيدياً ( من حيث اعتقاداته الذاتية تجاه الكون والطبيعة) شيئاً آخر، في إطار الاعتقاد الديني الذي يؤمن به ، أو يكون ممارساً لشعائره ، أو يكون غير ذلك حسب ما يرتئيه ، وبشكل يكون هناك انفصالٌ بين العقيدة ، من حيث كونها متعلقة باعتقادات الكون والطبيعة ، والسياسة عند الماركسيين ، كما هو الحال عند الاتجاهات السياسية الأخرى ، من ليبرالية أو قومية ، والتي تختلف عن الذين مزجوا بين العقيدة والسياسة، مثل الإسلاميين ، أو الشيوعيين الذين أتوا من المدرسة اللينينية 0
يمكن أن يكون الشيء الأخير مخالفاً للماركسية ، كمنهجية تحليلية وجدت عند ماركس , إلا أن المرء إذا كان يجد مسوغاً لإقحام الرؤية للطبيعة في النظرة الفلسفية الماركسية أو في البحث الاقتصادي الذي يقوم به الماركسي ، أو حتى في الأبحاث الخاصة بعلم الجمال والفن ، فإنه لا يجد ذلك المبرر لإقحام تلك الرؤية في السياسة ما دامت الأخيرة شأناً محصوراً في القضايا الاقتصادية – الاجتماعية - الثقافية – السياسية ( وهي لا تتعلق بالطبيعة إلا من خلال كون الاقتصاد حاصل تفاعل الأفراد الاجتماعيين مع الطبيعة ) من حيث النظر والفكر ، وفي الجانب الإجرائي المتعلق بالممارسة السياسية أيضاً ، إلا إذا أراد المرء تحويل الماركسيين إلى فرقة دينية عصبوية عقيدية ، تجد همها ، كما كان يفعل الشيوعيون اللينينيون ، في الدخول بجدالات لاهوتية مع المتدينين ، أو في فرض القمع والحظر على النشاط الديني في البلدان التي وصلوا إلى الحكم فيها ، وهما أمران ، إذا لم نرد حصرهما فقط في إطار الحريات واحترام حرية المعتقد للناس فإنهما لا يدخلان في اختصاص السياسي 0




-2-

من أجل رؤية عربية جديدة للماركسية


أ - ليس أمراً خافياً أن الماركسية تعيش منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية أزمة عميقة، استمرت مكوناتها تتفاقم سنة بعد أخرى، ولقد تجلت هذه الأزمة في واقع " نظم الاشتراكية القائمة" وفي واقع" الحركة الشيوعية العالمية".
وإذا كانت الماركسية، والأحزاب المتبنية لها، تواجه منذ ذلك التاريخ هجوماً متصاعداً من جانب مناوئيها، فهي تواجه في الوقت نفسه نقداً متزايداً من جانب أنصارها الذين تحدوهم تطلعاتهم المشروعة إلى تجديدها وتحديثها، وإلى تطوير أدوات التحليل التي تعتمدها .
وعند البحث في أسباب الأزمة في" النظرية الماركسية اللينينية"المتبناة من السوفييت، والتي ينبغي أن نسارع إلى تسجيل وجود فوارق ليست قليلة الأهمية بينها وبين الماركسية، تصح الإشارة منذ البداية إلى جملة هامة من المسائل:
1- القصور والعجز البالغان اللذان وصما فكر وممارسة معظم الأحزاب الشيوعية والعمالية، وجعلاها عاجزة عن الإسهام في تطوير التصور أو ( المفهوم المادي للتاريخ)، بما يتناغم مع التطورات التي حفل بها القرن العشرون والاكتشافات الجديدة والمذهلة التي حملها في مختلف ميادين الحياة والعلوم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية, والتي ثبت في أن جوانب مهمة من هذه " النظرية" والعديد من المقولات والمفاهيم التي تعتمدها، لم تعد تنسجم مع معطيات وظروف وخصائص العصر الحديث، ولم تعد صالحة للتعامل مع هذا الواقع الجديد.
2- الجمود الفكري الذي وسم قيادات هذه الأحزاب، أو معظمها في أقل تقدير، والانغلاق النظري الذي فرضته على العاملين في مجال الثقافة والفكر، ونظرة الاستعلاء وازدراء النظريات الأخرى وازدراء نتاج الثقافة والفكر الكلاسيكي منه والحديث، والادعاء بامتلاك الحقيقة، كل الحقيقة.
كل هذا أسهم في خلق أجواء غير صحية أوصدت الأبواب في وجه كل المحاولات الجادة في التصحيح والتجديد، وحالت دون التطور المطلوب .
3- بروز تناقضات لم تكن معروفة أو صارخة من قبل، بين البنية الفلسفية الإنسانية للماركسية، وبين البنية السياسية الاجتماعية للينينية في الحياة العملية، هذه التناقضات التي تنامت بعد تسلم العديد من الأحزاب الشيوعية السلطة وممارستها الحكم في العديد من البلدان ، وإذا كانت مثل هذه التناقضات موجودة أساساً في الصياغات اللينينية لأساليب الحكم والموقف من الدولة، فإنها أصبحت أكثر حدة وافتراقاً عن الماركسية في الصياغات التي انحدرت إليها اللينينية لدى ستالين في نهجه في الحكم والهيمنة، وفي ممارسات الغالبية العظمى من قادة الأحزاب الشيوعية وهم في السلطة أو على رأس أحزابهم. و’يمكن للباحث والمتتبع أن يضع يده على مسائل كثيرة جداً، نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر: الديمقراطية، والحق، والقانون والدولة ، والعدالة والحرية وحقوق الإنسان ....الخ
4- رَوسنة الماركسية من قبل" العلماء والمفكرين والسياسيين" الروس، واحتكار " ملكيتها" و" تفسيرها" والتحدث المطلق بإسمها وتصديرها بعد ذلك إلى بقية بلدان العالم وفرضها ، من ثم، على الأحزاب الشيوعية والعمالية .. وإتهام المختلفين معها والمنتقدين لها بالتحريفية والتصفوية ، والارتداد والرجعية وما إلى ذلك من الأوصاف والنعوت التي حملها هذا القاموس البغيض.
5- فرض مفهوم للأممية قضى باعتبار حماية( بلد الاشتراكية الأول) جوهر أو مهمة التضامن الأممي الأساسية ، وعمل على تأسيس( مركز) ولدّ جملة من السلبيات التي عكست فهماً وممارسة مشوهين لمبدأ أو علاقة التضامن الأممي، ألحق أضراراً فادحة في العملية الثورية العالمية بأسرها . كما عمل هذا المفهوم على خلق تناقض حاد بين( الأممية) و ( القومية) دون أن يراعي أو يأخذ بعين الاعتبار المضمون التاريخي والشروط التاريخية والواقع الملموس والمسألة القومية في هذا البلد أو ذاك، حيث أدى الأخذ به من قبل أطراف الحركة الشيوعية العالمية، وفي عدادها معظم أطراف الحركة الشيوعية العربية، إلى غربة الشيوعيين عن مجتمعاتهم حيث لم تعد الاشتراكية تعني لهم سوى كونها استيراداً لنموذج نظري- سياسي- اقتصادي واجتماعي، بدلاً من أن تكون سبيلاً إلى وعي يعيد تشكيل نفسه باستمرار، ومنهجاً في التفكير لإبداع حلول لتناقضات مجتمعاتهم ينتجونها في ضوء دراسة الواقع.
وبسبب غياب الرغبة والاستعداد للاعتراف بوجود هذه الأزمة والقدرة على معالجتها ، وبسبب تفاقم فعل العوامل المدمرة فيها ، تفجرت هذه الأزمة في النصف الثاني من القرن العشرين بصورة دراماتيكية لم تنفع معها محاولات الإصلاح السوفييتية التي تمثلت في " البيروسترويكا " و " العلانية " > و " التفكير السياسي الجديد " أو بدعوات الحزب الشيوعي السوفييتي التي وجهت إلى الأحزاب الشيوعية والعمالية من أجل التجديد والتحديث، إذ كانت هذه الدعوات وتلك المحاولات متأخرة عن وقتها المناسب أكثر من أربعة عقود . وكان لفعلها نتائج تدميرية على الأحزاب الحاكمة والنظم المنبثقة عنها، وعلى الأحزاب الأخرى التي كانت ، أو لا تزال، تهتدي بتلك " النظرية" على حد سواء.
ب- الأحزاب الشيوعية والعمالية في البلدان العربية التي تأسس العديد منها وفق قرارات وتوصيات الكومنترن في سنوات العقدين الثالث والرابع من القرن العشرين، استلهمت في تبنيها للماركسية الرؤية والتفسير اللينينيين أو الروسيين لهذه النظرية، وبتعبير أدق القراءة الستالينية للينينية. ويعود هذا إلى أن تلك الأحزاب قد تأسست في فترة قوة وترسخ مواقع ستالين في الحزب والدولة السوفييتية وفي الحركة الشيوعية العالمية( الأممية الثالثة) والتي اقترنت بتقديس ما كتبه الأولون ، وحشر الواقع حشراً في قوالب نظرية جاهزة. وبهذا المعنى أصبحت القراءة السوفييتية للنظرية، هي المعيار الوحيد ليس لمعاينة النظرية وتفسيرها فحسب، بل وكذلك لمعاينة مدى تطابق الواقع مع ذلك التفسير للنظرية وليس العكس! كما اتصفت هذه الفترة بتعميق النهج الستاليني في الهيمنة الفكرية والسياسية، وذلك بتصفية كل المخالفين في الرأي سياسياً وجسدياً داخل الحزب وفي أجهزة الدولة بحجة العداء للحزب والدولة ، أو بحجة التحريفية والتصفوية وحجج كثيرة أخرى . وقد أوصل هذا ، مع مرور الزمن ، إلى نشوء جو فكري وسياسي ونفسي ضاغط، شمل كل فصائل الحركة الشيوعية العالمية، وأطرافاً واسعة من حركة اليسار في العالم، وعطّل قدرة الباحثين على النقد والعطاء والاغناء، على التطوير والتجديد والتحديث النظري: لقد أقيم حاجز نفسي وسياسي لدى الباحثين والمتعاملين مع " الماركسية- اللينينية" بالتحديد، يمنع هؤلاء من القراءة في التراث الكبير للإنسانية... ومن الجرأة على التغيير و التطوير .
وانتهجتِ الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية أساليب وأدوات
عمل مماثلة لتحقيق المهمات التي كانت تصبو إليها، كما اعتمدت في صراعاتها السياسية أساليب التشهير وكيل النعوت، والإتهام بالتحريفية والتصفوية وخيانة المبادىء في محاربة الخصوم السياسيين وأصحاب الرأي المخالف والعاملين على الاجتهاد داخل الحزب . ووصلت الأمور بأحدها ( الحزب الاشتراكي اليمني الحاكم في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السابقة) إلى حد استخدام القوة والعنف وزج الجيش والشرطة وأجهزة الأمن وأعضاء الحزب، في صراع للهيمنة على الحزب والسلطة..وبهدف تصفية التيار الآخر وتأمين " وحدة الرأي والإرادة والعمل" في الحزب الواحد والدولة الواحدة! ومعروفة هي النتائج التي أسفر عنها هذا الصراع .
والأحزاب الشيوعية في الوطن العربي دأبت، في رسمها للأهداف القريبة والبعيدة على الاعتماد على/ والاستناد إلى خطابات ومقالات واستنتاجات " القادة السياسيين والعلماء والمفكرين" السوفيات باعتبارهم قادة وطليعة الحركة الشيوعية العالمية . وكان مجال الإجتهاد ضئيلاً جداً أو معدوماً إلى حد كبير، ولم تكن اجتهادات هؤلاء" القادة والعلماء والمفكرين" تنطلق بالضرورة من الدراسة النظرية والعملية لواقع تلك البلدان التي كان التحليل يعنيها، بل من مصلحة الاتحاد السوفييتي التكتيكية كدولة كبرى، ونشير هنا بشكل ملموس إلى الإشكالات الكبرى التي أثارتها استنتاجاتهم حول قضايا أساسية من بينها: الموقف من مفهوم الأمة العربية ، ومن مسألة الوحدة وقضية فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي، ومن مفهوم الثورة القومية الديمقراطية والثورة الاشتراكية، ومرحلة الإنتقال، والموقف من طريق التطور اللاحق وطريق التطور اللارأسمالي، أو طريق " الديمقراطية الشعبية" .... الخ .
وصاغت هذه الأحزاب نظمها الداخلية في ضوء الموقف العام للحركة الشيوعية العالمية من مبادىء وقواعد بناء " " الحزب الماركسي_ اللينيني " ، الحزب البلشفي من الطراز الحديدي، إذ كانت شرطاً لابد من توافره للحصول على اعتراف الحركة الشيوعية بهذا الحزب أو ذاك. ويتصدر تلك المبادىء مبدأ " المركزية الديمقراطية" حيث يتجلى بشكل تام في بناء الحزب لخلاياه وهيئاته القيادية وعلاقاته الحزبية الداخلية وفي رسم وتنفيذ ومراقبة تنفيذ تلك السياسات، وفي دور الهيئات القيادية والمسؤولين في الحزب، ويمكن أن يعقد المرء مقارنة بين تلك المبادىء التي تحكم بناء الحزب وقواعد عمله وعلاقاته، وبين الممارسات العملية لهذه الأحزاب التي ساعدت على إنتاج وإعادة إنتاج ظاهرة الفردية والاستبداد وعبادة الفرد وظاهرة الإيمانية الدينية بالحزب والنظرية والقائد " وبقاء القائد في الحزب والدولة حتى الممات، أو التخلص المأساوي من بعضهم، وتحول القيادات الحزبية إلى محفل يضم أكثرية مسيطرة من الشيوخ والعجزة، وغير قليل من المتخلفين فكريأ وسياسياً من المهيمنين على الحزب، وبروز مظاهر الفساد والبيروقراطية والمحسوبية والعلاقات الضيقة، وبشكل خاص، في ظروف العمل السري وفي ظروف المطاردة والإرهاب، كما يفترض ألاّ يتحرى المرء عن الأسباب في جانب الممارسة وحسب، بل في جوانب البناء الفكري والنظري، حيث برزت تلك الظواهر السلبية في جميع الأحزاب الشيوعية بدون استثناء مع فارق واحد كان وما يزال يتعين في شدة وحدة بروزها في هذا الحزب أو ذاك، وليس في وجودها أساساً .
وعندما كانت بعض الأحزاب الشيوعية والعمالية،أو بعض الشخصيات المفكرة البارزة في هذا الحزب أو ذاك، تتجرأ على طرح أفكار واجتهادات تدعو إلى التحديث، أو تتخذ مواقف متمايزة عن مواقف الحزب الشيوعي السوفياتي، من الناحيتين النظرية والسياسية، فإنها تكون عرضة لمطاردة عنيفة وحملة منظمة ومكثفة، ولاتهامات ظالمة، لمحاربة تلك الأحزاب والشخصيات ولتشويه مواقفها، وكان يجري، لهذا الغرض، تجنيد كل الأحزاب الشيوعية والعمالية التي تقف على خط واحد مع الحزب الشيوعي السوفياتي، بغض النظر عن مدى صواب أو خطأ تلك الآراء، والاجتهادات، وبعيدأ عن الحق في الاجتهاد وامتلاك الرأي المستقل، ومعروف ما جرى لحزبنا الشيوعي السوري خلال الأزمة التي تعرض لها في أواخر الستينات وأوائل السبعينات ، بعد انشقاق البكداشيين عنه وخروجهم من صفوفه، ويمكن إيراد عشرات الأمثلة عن ذلك .

ت- الماركسية منهج معرفي، وهي بهذه الصفة ليست عقيدة، والماركسي ينتج بالإستناد إلى هذا المنهج مفاهيم وأدوات وبرامج سياسية، وهو ينتجها ويعيد إنتاجها باستمرار على محك الامتحان النظري وبتوسط العمل أو الممارسة ( البراكسيس) بين الفكر والواقع .
ولعل المهمة التي تنتظر الفكر العربي والمفكرين العرب، اليوم ولا سيما الماركسيين منهم، هي إعادة إنتاج قراءة الماركسية في ضوء التقدم الحاصل والتطور المذهل للقوى المنتجة على الصعيد العالمي، وفي ضوء التغيرات البنيانية التي أصابت النظام العالمي ونسق العلاقات الدولية، لاسيما تلك التغييرات التي أصابت الاتحاد السوفييتي السابق ودول " منظومة الدول الاشتراكية"، وكلاهما التقدم الحاصل والتغييرات البنيانية، يحددان مجالين لإعادة القراءة : أولهما النظر في وعي الماركسية لدى مشايعيها ومحلليها، وخصومها أيضاً، والثاني هو النظرية الماركسية ذاتها مأخوذة في سياق تكونها وسيرورة نموها، والفارق بين هذين المجالين هو الفارق بين الوعي والوعي الزائف المفارق للواقع، الذي كان قيداً على الفكر .
وإذا كان الوعي هو الوجود مدركاً، أو هو بناء صورة الواقع المتغير في الذهن وإعادة بنائها باستمرار وإلى مالا نهاية، فإنه يحيل في هذه الحيثية على الفكر ـ العمل، أو على الفكر بوصفه عملاً وعلى العمل بوصفه فكراً، أي على العلاقة بين الذات والموضوع الذي هو أيضاً جملة حية أو ذات و موضوع . فالمفاهيم والأفكار والمبادىء والتصورات الإنسانية هي انعكاسات الأشياء والعلاقات الواقعية ، ولهذا كان الديالكتيك هو " علم القوانين العامة للحركة " سواء في العالم الخارجي أم في " الفكر الإنساني" وكان العقل بالأحرى هو عقل الكون أو عقل العالم، وليس من سبيل للتوصل إلى ديالكتيك العالم الخارجي ( الذي هو خارج الرأس )، ديالكتيك الواقع، إلا بديالكتيك الفكر وبتوسط العمل أو الممارسة( البراكسيس) ، وهذا هو رهان الماركسية، التي أطلق عليها " مؤسس الحزب الشيوعي الايطالي( أنطونيو غرامشي) إسم " فلسفة البراكسيس ".
يقوم (التصور المادي للتاريخ) كما أسماه ماركس، الذي تجنب استعمال مصطلحي " المادية التاريخية" و" المادية الجدلية "اللَّذين أول من استعملهما فريدريك انجلز، على فكرتين رئيسيتين: أولهما: إمكانية التقدم في فهم العالم دون اللجوء إلى ما هو غريب عن نشاط ( عمل) الناس، والثانية، إمكان تغيير الواقع القائم وتحويله عن طريق تدخل الناس، صانعي تاريخهم .
بيد أن العالم ليس أشياء وعلاقات ناجزة وثابتة، بل هو بالأحرى مجموعة من التفاعلات والتحولات، والأشياء، التي تبدو ثابتة، وكذلك فإن صورها في الرأس، أي المفاهيم، تتغير على الدوام .. تنشأ وتزول. لكن التطور يشق في آخر المطاف طريقاً لنفسه على الرغم من جميع المصادفات الظاهرة والخطوات المؤقتة إلى الوراء. إن وجود العالم يَتَقوّم في أو عبر ماديته أو تاريخ تنويعه على الأشكال، لذلك كان طلب الحلول الحاسمة والحقائق الخالدة ضرباً من طلب المستحيل طالما أن علم الإنسان ناقص ومحدود و ديالكتيك الأفكار نفسه لم يعد سوى الانعكاس الواعي لحركة العالم الواقعي الخارجية ".
إن النظر في أي من المجالين الآنف ذكرهما، يستند إلى النظر في المجال الآخر ويلقي عليه مزيداً من الضوء ويجلو ما فيه من نقص أو خطأ أو التباس، والمبدأ الحاكم للنظر من البداية، هو " وعي الذات من أجل وعي الواقع" بتعبير آخر : " استقلال الوجدان، وجهاد المعرفة، وطرح المسائل والسعي إلى الإجابة عنها " .

ث ـ يرتبط مستقبل الماركسية العربية بتحولها إلى قوة فكرية_ سياسية_ أخلاقية، قادرة على استقطاب المثقفين والكادحين العرب حول برنامج البديل التاريخي للتجزئة والرأسمالية التابعة والانحلال القومي، ويتطلب هذا أولاً متابعة خط البرنامج الأول للحزب الشيوعي السوري، خط كونفرانس الشيوعيين في سوريا وفلسطين ( 1931)، أي خط الاستمرار الكفاحي لحركة التنوير العربي، وخط النضال الوحدوي. وهذا ، بدوره، يقتضي القطع الجذري، مع العقل الستاليني العربي ونهجه الإصلاحي وانحلاله الليبرالي الراهن، ومع الموروثات الإيمانية القروسطية، وإنشاء قيم التقدم والتنوير والعقلانية والديمقراطية في الثقافة العربية، والقطع مع القطرية التابعة بمستوياتها كافة، الفكرية والثقافية والبرنامجية، والعمل على تجاوز نظام التجزئة في إطار التأكيد على أولوية حق الأمة في تقرير مصيرها، والقطع مع الديمقراطية الليبرالية ودعاواها في الوطن العربي وفضحها بوصفها " ديمقراطية صندوق النقد الدولي" ، والنضال في سبيل الديمقراطية المتجاوزة لهذه الليبرالية والساعية إلى اكتشاف الممكنات العربية وابتداع الآليات التنموية القائمة على أساس الاعتماد على الذات الذي هو البديل الواقعي المتاح للبلدان المتخلفة في ظل النظام الرأسمالي العالمي القائم .
ويتوجب على الماركسية العربية، الناهضة الآن ، أن تؤكد عزمها على وصل ما انقطع من تطورها القومي. ومن الأمور التي تبعث على التفاؤل أيضًا، ومنذ نهاية الثمانينات، وبينما أخذت الأحزاب الستالينية العربية تدخل الطور الأخير من نزعها وانحلالها التنظيمي والفكري والسياسي، متحولة إلى ذيل للبرجوازيات التابعة،أن نشهد بداية جيل جديد من الماركسيين العرب، يفكر، ويكتب، ويحاور ويحاول في ضوء المنهجية الماركسية إنتاج التصور الماركسي لممكنات التقدم العربي، وفي ضوء إعادة قراءة الواقع من جديد .
إن حاجتنا، نحن العرب، إلى الماركسية، تفرضها( فضلاً عن الحاجة النابعة من تلازم الفكر والعمل وكون الأول موجهًا ومرشدًا والثاني مصححًا ومسددًا) حاجتنا إلى ثورة قومية ديمقراطية ، ’تصفي البنى والتشكيلات والعلاقات ما قبل القومية، وترسي أسس المجتمع المدني ودولة الحق والقانون، وتجسد الديمقراطية واقعيًا في بنى مجتمعية حديثة ومؤسسات سياسية وثقافية ومنظومة أخلاقية. هذه الثورة محكومة بمنطق التاريخ وبمفهوم التقدم إذ ليس كل ثورة في التاريخ تقدمية بالضرورة، أو تقدمية إلى النهاية.
ولكن أية ماركسية تلك التي تفرضها الضرورة التاريخية للثورة القومية الديمقراطية في الوطن العربي؟ وهل " قوانين" هذه الثورة مخبوءة في مؤلفات ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي وبليخانوف وماوتسي تونغ وغرامشي، وغيرهم ؟
إن الإجابة عن هذين السؤالين تطرح مشكلات نظرية معقدة، أهمها مشكلة تحديد الماركسية أو تعريفها وتبييئها، وكل يقين هو نفي حسب اسبينوزا وهيغل وماركس، وكل تعريف يقيم فروقًا ويعيّن حدودًا هي حدود الماركسية موضوع التعريف .
ويتعلق بتعريف الماركسية، بعد تعريفها في سياق تطورها التاريخي، تعيين الفرق بين البنية النظرية للماركسية، أي شبكة مصادرها ومفهوماتها الأساسية ومقولاتها ومبادئها الفلسفية في اتساقها المنطقي الداخلي ومطابقتها لحركة الممارسة التاريخية ووقائعها المتراكمة..، وبين نصوص ماركس و إنجلز وغيرهما. وثمة فرضية تقول باستقلال البنية النظرية للماركسية عن النصوص الماركسية استقلالاً نسبيًا. وهي فرضية تساعد على التحرر من سلطة النص بتقييده بزمانه ومكانه وشروط إنتاجه، وتساعد، بالتالي، على جعله موضوعًا للمعرفة والنقد بعد أن جرى تحويله إلى نص مقدس وحقيقة ناجزة لا يطالها النقد . وحين نجعل من البنية النظرية هذه بنية مفتوحة، أو جملة حية قابلة للنمو بفضل مبدئها ذاته، مبدأ النفي ونفي النفي، ولدمجها، من ثم، في الممارسة الحية وفي حركة الصيرورة الاجتماعية وفي العملية السياسية" ، نوفر لها إمكانات نقدها من الداخل وضمانات تطورها أيضًا .
إن الحاجة إلى نفي الأوضاع العربية القائمة( إذ الحاجة إلى التحرر تفرض الحاجة إلى التقدم وبالعكس) تملي علينا أن ننظر إلى الماركسية بوصفها مذهب النفي ونفي النفي أو مذهب السلب الذي يقابل المذهب الوضعي الايجابي، متضمنًا له ومتجاوزًا إياه، أو واضعاً له على خط التجاوز إلى ما لا نهاية على جسر العمل ـ الممارسةـ . فمذهب نفي النفي هو، من هذه الزاوية، مذهب نقد التقدم الذي يضع الحقيقة فوق " النظرية" وفوق الحزب، هذا المذهب يجعل من جميع ميادين العلم وفروع المعرفة وتمثيلات الواقع وانعكاساته موضوعًا للمعرفة الواعية حدودها والهادفة إلى التغيير، وموضوعًا للنقد في الوقت ذاته: صحيح أن الفكر وحده لا يصنع التاريخ، والوعي وحده لا يغير العالم ولا يؤنسن المجتمع، ولكن ليس من تاريخ ممكن من دون الفكر، وليس من تغيير ممكن للمجتمع والعالم من دون الوعي المطابق لحاجات التقدم .
ج- وفي غياب مقولة الإستلاب عن الوعي الماركسي العربي المستلب، وغياب مقولة الإنتاج و ( الإنتاج تملّك )، لم تحظ َ عملية الإنتاج الاجتماعي في الوطن العربي، ماضيًا وحاضرًا، بأي اهتمام يذكر. لقد استعاض عنها الوعي المذكور بقوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج بوصفها مقولات ناجزة، تعكس أوضاع مجتمعات أخرى غير المجتمع العربي والتاريخ العربي . ولم تحظ َ، بالتالي، علاقة الملكية بالإنتاج، وكون التاريخ الاجتماعي ـ الاقتصادي لأي مجتمع، من هذه الزاوية، تنويعة على أشكال الملكية .. لم تحظ َ بأي اهتمام، ونكاد نقول إنها لم يتم وعيها . كما أن علاقة الملكية بالحرية وبالحق والحقوق وبمفهوم القانون وبالمجتمع المدني، لا تزال في إطار غير المفكر فيه، ومن دون جلائها لا يمكن معرفة حظوظ الحرية والديمقراطية في المجتمع العربي .
وفي الواقع، فإن الصراع الطبقي، إذ ’يشكّل قوة محركة كبرى في التاريخ البشري ، فإنه ليس القوة الأولى والأخيرة في صنع وصوغ سائر الأحداث والتحولات في هذا التاريخ : إن وضع التاريخ الإنساني برمته تحت فصل " قانون الصراع الطبقي" ، وبالتالي تفسير كل ظاهرة تطورية، في ميادين السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر، على ضوء هذا القانون، هو في تعارض مع جوهر الديالكتيك الماركسي، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالأحكام القطعية المرتبطة بالتفسير المادي للتاريخ من خلال التناقض الأساسي والدائم المفعول بين " قوى الإنتاج" و"علاقات الإنتاج" أو بين الطابع الاجتماعي للإنتاج" و " الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج " .
لقد خلص ماركس، باستخدامه المنهج الديالكتيكي ومن خلال اكتشافه لمفاهيم " نمط الإنتاج " و " علاقات الإنتاج " و" التشكيلة الاجتماعية" إلى أن التاريخ قد عرف في تطوره تشكيلات اجتماعية مختلفة .
وفي حين أكد ماركس أنه لا يمتلك المعرفة الكافية لتحليل " نمط الإنتاج الآسيوي" مثلاً ، فإن ستالين أسقط كل نمط لم تعرفه أوروبا، وأحلَّ محل المنهج الخصب تعاليم جامدة لها صفات غيبية لا يأتيها الباطل من أمام أو من خلف .

ح_ إن علّة ذلك كله تكمن في تخفيض الماركسية إلى " نظرية علمية" تحمل في ثناياها تصميمًا مسبقًا أو قبليًا للمجتمع والدولة ونمط الحياة وطابع العلاقات الاجتماعية وعلاقات الإنتاج المنشودة، وليس على البشر سوى التطبيق لهذه النظرية، الوصفة الجاهزة التي أصبحت على يد الكثير من الماركسيين، عقيدة وليست منهجًا للمعرفة ، هذا التخفيض لا يشير إلى النزوع الوضعوي الذي تجلّى في النزعة الاقتصادية وحسب، بل يلغي مقولة العمل بوصفه الفاعلية الإنسانية الواعية والهادفة، العمل بوصفه معيار مطابقة أو عدم مطابقة الفكر للواقع، العمل الذي ينطوي على الفكر والنظر. فليس ثمة عمل بشري لا يوجهه الفكر والتصور والخيال ويحفزه هدف أو رغبة أو حاجة . ولولا التفارق بين نتائج العمل الإنساني و الأهداف المتوخاة منه لم يكن ثمة تطور ممكن في الفكر والعمل على حد سواء .
إن تخفيض الماركسية إلى " نظرية" مهما شدّدنا على وصفها بالعلمية والثورية، والواقعية، يجعل من الأفكار والمبادىء والمفاهيم عقائد جامدة وحقائق ناجزة .
الماركسية مذهب العقل إلى الواقع، طريقة أو منهج في التنقيب والبحث لاكتشاف الحقيقة وإعادة اكتشافها على الدوام وإلى ما لا نهاية . هذا هو أيضًا ما سمّاه إنجلز الطابع الثوري للفلسفة الهيغلية، التي هي المدخل المنطقي والتاريخي إلى الماركسية وإلى التصور المادي عن التاريخ .
إن هذه الحقائق تضعنا مباشرة في مواجهة مسألة بالغة الحيوية، تستدعي، في جانب منها، التخلي عن مقولة " الإعتناق" أو " التبني" لـ " النظرية الماركسية ـ اللينينية" وعن كل الصيغ المماثلة؛ والتأكيد ، في جانب آخر، على التمسك بالمنهج الماركسي ، أي بالتصور المادي عن التاريخ باعتباره الأداة المعرفية القادرة على مساعدتنا على استخلاص التجريدات النظرية وعلى تسهيل عملية فحص المفاهيم والمقولات التي بين أيدينا، سواء تلك التي ورثناها عن فلاسفة ومفكري الماركسية الكبار، ماركس و إنجلز ولينين، أم عن سواهم من المفكرين والباحثين، وهذا هو المدخل الصحيح لتدقيق المفاهيم، وللتأكيد على المقولات التي تحتفظ بصحتها والكف عن الأخذ بتلك التي لم تعد صالحة في الماركسية أم في مقولات الماركسيين أيضاً .
إن العبرة الحقيقية تكمن في الالتزام بالمنهج الماركسي في التحليل الاقتصادي- الاجتماعي-السياسي-الثقافي باعتباره الأساس، وليس بالمقولات الماركسية التي يمكن أن تخضع دومًا للتغيير والتعديل حسب معطيات الواقع المتحرك باستمرار .
فالماركسية إذن، مذهب الفكر أو طريقته في البحث عن الحقيقة الواقعية بتوسط العمل، لذلك، فإن جميع الكتابات الماركسية، وغير الماركسية، لا تستطيع أن ’تعلّمنا، إذا كان لنا أن نتعلم ، سوى كيف نفكر بطريقة صحيحة، أي بطريقة ديالكتيكية، وكيف نقبض على الواقع .



-3-

قضايا أمام الماركسية العربية

أثار سقوط موسكو قضايا عديدة تقف في وجه الماركسيين العرب الآن، لم يتم حسمها بعد عقد ونصف من زوال الاتحاد السوفياتي، مثل :
1 - ما هي علاقة التجربة اللينينية – الستالينية بالماركسية ؟
2 - هل التجربة السوفياتية هي تجربة اشتراكية أم تجربة لرأسمالية الدولة ؟
3 - ما هي أسباب سقوط التجربة التي بدأت بثورة أكتوبر وانتهت في الشهر الأخير من عام 1991:
هل هي مؤامرة " حاكتها " ( C.I.A ) و ( الموساد ) ؟ 0000أم : تباعد بين الشعب والحكام نتج عن غياب الديمقراطية ، وأسلوب الحكم البيروقراطي ؟ 000أو : أن ما أنتجه حاكموا الاتحاد السوفياتي من تحولات اجتماعية ، التي أحدثوها في المدن والريف ، قد أدى إلى بنية اقتصادية - اجتماعية جديدة دخلت ، منذ زمن خروتشوف ، في تناقض بنيوي مع البنية السياسية - الإدارية الحاكمة ، حتى حصل الطلاق بينهما في زمن غورباتشوف مما أدى إلى تكنيس البنية الأولى للثانية ، مستغلة ً اختلال التوازن الدولي لصالح ا لكتلة الغربية ، وأدى إلى نشوء بنية سياسية جديدة رأت مصلحتها في ( الديمقراطية السياسية ) و ( اقتصاد السوق ) وهو ما انسجم مع توجهات غالبية الكتلة الاجتماعية الداخلية ، حسب ما أظهرته صناديق الاقتراع في حقبة التسعينات ؟ 0000
إن الإجابة عن تلك القضايا سيؤدي إلى بلورة ماركسية بديلة لما أنتجه لينين و ستالين ، إذا كان الماركسيون ا لعرب الجدد ( والعالميون ) سيبتعدون ويحيد ون عن الطرق الماركسية السوفياتية التقليدية في معالجة القضايا الفكرية والسياسية ، ويقتربون من منهج كارل ماركس في البحث 0
على صعيد آخر ، يواجه الماركسيون العرب ( و الشيوعيون منهم خاصة ) قضية شائكة ، وهي أن يضعوا تجربتهم ، منذ العشرينيات ، على مجهر البحث والمراجعة النقديتين ليواجهوا أنفسهم في المرآة ، ليبحثوا ويجيبوا على أسئلة كبرى :
1 – هل كان نشوء الحركة الشيوعية العربية انعكاساً لثورة أكتوبر ، أم تعبيراً عن حراك اجتماعي داخلي ، وإذا كان الاثنان معا ً ( وليس المهم أيهما اسبق ) فلمن كانت الغلبة في الأحزاب الشيوعية العربية ، التي تلاقت وعبرت عن البنية الاجتماعية المحلية مثل السودان والعراق وسوريا ، أهي للعامل السوفيتي أم للعامل المحلي في تقرير ورسم سياسات تلك الأحزاب ؟000
2 - لماذا لم تبحث الأحزاب الشيوعية العربية عن تشكيل ماركسية عربية ، متبيئة محلياً، كما فعلت أحزاب الصين وفيتنام وايطاليا ( وقبلهم لينين الروسي ) ، واختارت طريقاً بديلاً لذلك ، عندما قبلت بتلقي الماركسية السوفياتية ، معلبة وجاهزة ، على الصعيد النظري ، الشيء الذي لم يقتصر على ذلك ، و إنما امتد إلى السياسة ، إذا لم يكن أيضاً إلى التنظيم ؟
3- عبر ذلك ، هل كانت سياسات الأحزاب الشيوعية العربية ،التي صدمت الشارع وجابهت قناعاته وتوجهاته ، مثل القبول بقرار تقسيم فلسطين ، والموقف ضد وحدة 1958 ، ومعارضة الشيوعببن العراقيين بين صيفي 1958 و 1959 لانضمام العراق إلى الجمهورية العربية المتحدة ، ناتجة عن التوجهات السوفياتية ، ام أن الأمر يمتد إلى أبعد من ذلك ، أي إلى عوامل تلاقت وتناغمت مع العامل السوفيتي المقرر لسياسات الأحزاب الشيوعية العربية ، مثل وجود أفراد من أقليات قومية على رأس بعض تلك الأحزاب (مثل خالد بكداش أو سلام عادل أمين عام الحزب الشيوعي العراقي بين عامي 1955 – 1963 ، وهو من أصل إيراني ) ؟000
4 - هل كان انضمام بعض الأحزاب الشيوعية العربية الرئيسية إلى تحالفات ذيلية مع الأنظمة الحاكمة ( كما في العراق / 1973 - 1978 / وسوريا , بينما رفض عبد الخالق محجوب ذلك مما أدى إلى تصادمه مع النميري بخلاف رغبة السوفيات فيما / في سوريا / كان الموقف من الدخول بجبهة النظام عاملاً أساسياً في انشقاق الحزب الشيوعي عام 1972 ) ناتجاً عن الإملاءات السوفياتية ، أم عن ميول وجدت أيضاً عند شرائح واسعة من أعضاء تلك الأحزاب للتكسب والمناصب والانتفاع الشيء الذي عبر عن ترهلها وتفسخها ؟0000
5 – هل تعبر طريقة تعامل الأحزاب الشيوعية العربية ( ومعها الماركسيون العرب ) مع سقوط موسكو ، التي تراوحت بين الاحتفاظ بالمنظور الستاليني والذي لم ير أكثر من المؤامرة في ذلك السقوط أو تبريرات تعزو ذلك إلى غياب الديمقراطية وسيادة البيروقراطية فيما رأينا قسماً مرموقاً من تلك الأحزاب ( كتنظيمات و كأفراد ومفكرين ) يخلعون قمصانهم الحمراء ويستبدلون بها تلك الآتية من وراء الأطلسي ) -عن أنها وصلت إلى شيخوخة عاجزة لا يرجى منها العافية والشباب والتجدد وبالتالي يجب البحث عن شكل ماركسي جديد غير تلك الأحزاب ، أم أنها قابلة للتجدد ضمن قالب ماركسي متجدد يعتمد على البناء القائم لتلك الأحزاب كنقطة انطلاق له ؟000
إذا ابتعدنا عن هذين البابين ( أي التجربة السوفياتية – وتجربة الأحزاب الشيوعية العربية) اللذين لا يمكن بدونهما ( أو بدون المرور عبرهما ) القيام بمراجعة حقيقية تجيب على القضايا المثارة عبرهما - فإن هناك قضايا كبرى تطرح نفسها أمام الماركسيين العرب في بداية القرن الواحد والعشرين ، على ضوء الوضع العالمي المستجد :
1 – كيف ستكون ماركسية عصر ما بعد الصناعة ، وتحول الأتمتة ، والعمل الذهني ، إلى بدائل رئيسية للرأسمالية بدلاً من الآلة والعمل اليدوي ؟000
2 - ما هو دور الماركسيين ، ورؤيتهم ، في عالم رأسمالي تحول إلى سيادة منفردة يقوم بها القطب الواحد للعالم ، بدلاً من رأسماليات متصارعة ميزت العالم الرأسمالي في القرون الخمسة الماضية ؟000
3 – ما دور الماركسيين العرب في مواجهة القطب الواحد للعالم ، الذي ركز جهده ، بعد سقوط الكتلة السوفياتية ، على السيطرة على المنطقة العربية : كيف سيكونون في ذلك ، أفي دور ثانوي أثناء المواجهة كما تم الآن ، تاركين أمر مقاومة الاحتلال ( العراق ) أو الهيمنة ( لبنان ) إلى الإسلاميين والقوميين أم سيصعدون إلى دور رئيسي في ذلك ، أو أنهم - في الجهة الأخرى - سيختارون التعاون مع المحتل ، كما في العراق عندما دخل أمين عام الحزب الشيوعي العراقي في مجلس حكم بريمر ؟000
4 – ما هو موقف الماركسيين العرب من الليبرالية الزاحفة عبر الدبابة الأمريكية ، بالمعنى الاقتصادي ، والتي لم تعد مشروعاً محلياً أو وطنياً تتولاه اتجاهات سياسية محلية ، كما كان الوضع في زمن سعد زغلول ورشدي الكيخيا ، أو كما كان في الفترة العربية الواقعة بين ( سقوط موسكو ) و (11 أيلول ) عند ليبراليين عرب عديدين , حيث أصبح المشروع الليبرالي العربي الراهن ، بعد (11 أيلول ) و (سقوط بغداد ) ، مرتبطاً بواشنطن كما كانت الشيوعية مرتبطة عند أتباع موسكو بالكرملين ؟000
إضافة إلى ذلك فإن هناك قضايا عربية تواجه الماركسيين ، عليهم أن يجيبوا عليها ، وعن علاقتهم بها ، وأن يحددوا موقفهم منها ، وأن ، يتحددوا ، بالتالي ، عبرها 0
أول هذه القضايا هي الإسلام :
فهذا الدين لم يلعب دوراً ثانوياً في تحديد العرب كأمة ، بل كان محدداً أساسياً في ذلك ، وشكلّ الهوية الحضارية – الثقافية للأمة ، وهو يلعب الآن ( كما لعب في القرنين الماضيين ضد الغرب الاستعماري ) دوراً وطنياً ضد الغرب الأميركي الزاحف على المنطقة ، إضافة إلى تشكيله ، بالعقدين الماضيين بعد دخول (فتح ) في عملية التسوية ، الفصيل الفلسطيني الرئيسي المقاوم لإسرائيل ، إضافة إلى أن المقاومة الإسلامية في لبنان كانت هي العمود الفقري لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي 0
لا يجوز للماركسيين القفز فوق ذلك ، أو تخفيض الأمر إلى حدود " احترام المشاعر الدينية للناس" , وإنما عليهم الارتقاء إلى أخذ موقف فكري من الإسلام [ وليس موقفاً دينياً أو متديناً بالضرورة ] كعامل حضاري وكهوية ثقافية للأمة ، شبيه بما أخذه مثلاً القوميون العرب من الإسلام ، كما رأينا عند ميشيل عفلق في محاضرته " ميلاد الرسول العربي " 1942 ، والتي أقام فيها رباطاً عضوياً بين الإسلام والعروبة جعل فيها الأول روحاً للثاني الذي اعتبره الجسد ، بخلاف ساطع الحصري وقسطنطين زريق اللذين كانا متأثرين بعلمانية أتاتورك المعادية للدين 0
ثاني تلك القضايا هي العروبة :
هناك لطخات كبرى في تاريخ الماركسيين العرب فيما يتعلق بعلاقتهم بالعروبة ، عليهم تنظيف أنفسهم منها ، لم يكن أخطرها الموقف من وحدة 1958 الذي أخذه شيوعيو سوريا و مصر و العراق بالتضاد معها ، وإنما اتجاههم إلى التنظير ( كما عند خالد بكداش في أثناء طرح قضايا الخلاف 1971 – 1972 ) لعدم وجود عوامل مكتملة التكوين عند الأمة العربية ، واعتبارها مجرد أمة في "طور التكوين " وهي استعادة لمواقفه في العام 1939 في دراسته :" العرب وأبحاث ستالين في المسألة الوطنية " ، لما نفى وجود عدد من مقومات الأمة عن العرب مثل ( الأرض – التاريخ المشترك – التكوين النفسي المشترك ) لصالح قوله بأن "المعاهدة السورية – الفرنسية 1936 هي خطوة إلى الأمام في طريق تكون الأمة السورية " ( عن الياس مرقص:"تاريخ الأحزاب الشيوعية العربية " دار الطليعة ،بيروت 1964 ص44)، وهي نظرية عاد لينقضها ويؤكد وجود مقومات الأمة عند العرب و بأنها متوفرة عندهم " كما هو واضح كالشمس في رابعة النهار" أثناء خطابه في المجلس النيابي (6 ت1 /1955) بعد حصول التقارب واللقاء بين السوفييت و عبد الناصر بعد صفقة الأسلحة التشيكية قبيل شهر من ذلك الخطاب ، حيث كان واضحاً خضوع موقف الأمين العام للحزب الشيوعي السوري من (العروبة ) إلى اعتبارات ظرفية سياسية ، ترتبط باستراتيجيات دولية ، وليس بموقف مبدئي من قضية تشكل محوراً رئيسياً من حياة المجتمع السوري ومساره في القرن العشرين ، وربما كان موقف بعض قيادات ( حزب الشعب الديمقراطي ) ، لما وقعوا على "إعلان دمشق " [16 /ت1 /2005] الذي يخفض عروبة سوريا إلى مجرد " انتماء إلى المنظومة العربية " تعبيراً عن وضعية كانت لهم في 1971 – 1973 , لما طرحوا العروبة في وجه بكداش , هي شبيهة بما كان للأخير في عام 1955، ربما لا تعود إلى أكثر من انتهاز سياسي لفكرة كانوا يرونها رابحة ضد بكداش والسوفييت وركوباً على موجة قومية عمت الشارع عقب هزيمة 1967 0
ثالث تلك القضايا هي العلمانية :
التصقت العلمانية,بأذهان الكثيرين في العالم الإسلامي منذ أتاتورك ، بالعداء للإسلام ، ولم يستطع العلمانيون العرب أن يأخذوا موقفاً غير معاد للدين ، مثل ما يأخذه العلمانيون الغربيون ، وخاصة الإنكليز والأميركيان والألمان ، وإنما نجدهم يستلهمون النموذج الفرنسي للعلمانية SECULARISM ) وليس LAICISM ) حيث أن الأخير يعني علمانية المدنيين بالقياس إلى فئة الكهنوت والتي تسمح بنشاط سياسي للمتدينين المدنيين من غير رجال الدين ، فيما علمانية فرنسا والتي يعبر عنها مصطلح SECULARISM تعني علمانية حاظرة لأي نشاط ديني سياسي لصالح حصر الدين في الشعائر و الطقوس ) ,وهو ما كان متأثراً بعلمانية الثورة الفرنسية ورجال ( عصر الأنوار ) السابق لها ( فولتير – روسو – ديدرو ) ، التي تصادمت مع الكنيسة الكاثوليكية التي كانت متحالفة مع النظام الملكي الفرنسي 0
هذا أدى إلى عزلة العلمانيين العرب عن مجتمعهم ، وزاد ذلك مع فشل الأتاتوركية في أنقرة ومع عودة الكثير من مظاهر التدين الغربي ودخوله إلى المعترك السياسي وخاصة في أمريكا مع (المحافظون الجدد ) ، إضافة إلى أن الهجمة الغربية الأميركية الحالية التي يقودها المحافظون الجدد المهيمنون على الإدارة الأمريكية الحالية ( إضافة إلى إسرائيل ذات الطابع الديني اليهودي ) ، تفرز الكثير من التدين الإسلامي المقاوم والمضاد لتلك الهجمة ، وخاصة بعد فشل التيارات القومية العربية ، من الناصريين والبعثيين ، في مواجهة الغرب وإسرائيل اعتباراً من حرب 1967 وصولاً إلى حرب 2003 وسقوط بغداد 0
الملفت للنظر في هذا الإطار ، أنه في الوقت الذي يزداد فيه تديين السياسة الأميركية الداخلية ، وسيطرة رموز ايديولوجية دينية على الإدارة الحالية ( بوش – رامسفيلد – المدعي العام جون اشكروفت 000 الخ ) ، فإن نفس الإدارة تطرح للمنطقة مشروعاً سمي بـ ( مشروع الشرق الأوسط الكبير ) [13 شباط 2004 ] ، يتضمن ( العلمانية )، وينزع صفة العروبة عن المنطقة ، ويتضمن ( الليبرالية ) كمشروع سياسي – دستوري – اقتصادي و(ديمقراطية المكونات)التي تؤطر السياسة وفقاً لمحددات طائفية – دينية – إثنية .
هذا يطرح إشكالية على العلمانيين العرب ، ومنهم الماركسيون : ما هو نموذج علمانيتهم الفكري ، هل على طراز أتاتورك ووزير الداخلية الفرنسي ساركوزي الذي يصل إلى حدود نزع الحجاب ، أم على طراز علمانية أنجيلا ميركل ،المستشارة الألمانية الجديدة، الآتية من الحزب الديمقراطي المسيحي ؟000 ثم : ما هو موقفهم من علمانية الليبراليين العرب المعاصرين ، الذين ارتبطوا بمشروع بوش " التغييري" للمنطقة ، و الذي يمكن أن يؤدي التحاقهم بالمركب الأميركي إلى وسم علمانيتهم بالأمركة، كما تم ربط أيديولوجية الأحزاب الشيوعية العربية بالطابع السوفياتي نتيجة التحاقيتهم حيال موسكو وما أدى إليه ذلك من عزل لهذه الأيديولوجية ووضعها في خانة " المنبوذ " و " المرفوض " ؟000 وصولاً إلى سؤال إذا كان الماركسي العربي يجد تشاركاً مع الليبرالي العربي ، في الديمقراطية والعلمانية ، إلا انه يتفا رق عنه ، في نفس اللحظة ، من حيث موقفه من المشروع الأميركي للمنطقة ، فأيهما سيتم ترجيحه عنده : الليبرالية – العلمانية أم الوطنية ؟000 أي بمعنى لماذا لا يسعى الوطنيون العرب ، من ماركسيين وقوميين ينحون إلى الديمقراطية والعلمانية وحتى يمكن أن يقبلوا مرحلياً بمشروع ليبرالي اقتصادي ، إلى فصل هذه المقولات عن المشروع الأميركي وإقامة مشروع وطني خاص لهم مقاوم للهيمنة الأميركية ، بعيداً عن تشاركهم السياسي الراهن – أي الماركسيين – القوميين – مع الإسلاميين في مقاومة الأميركان إذا لم يكن بالمعنى العسكري ، فعلى الأقل سياسياً وفكرياً ، ولو أن المقاومة للاحتلال في العراق تأخذ طابع المشاركة القومية – الإسلامية ، من دون دورٍ واضح للماركسيين البعيدين
عن حزب حميد مجيد موسى 0
لا يمكن لعملية تجديد الماركسية العربية ، وإلباسها ثوباً جديداً , أن تتم من دون المرور بتلك القضايا المطروحة آنفاً : إن طريقة طرح القضية هي مدخل أساسي إلى الجواب ، ولا يكفي السياسي أن يكون في مثل وضعية الطبيب الذي يقدم وصفات جاهزة ، وإنما الأحرى به أن يبتعد عن ذلك ، وخاصة إذا كان من ضمن تيار أيديولوجي – سياسي يسعى إلى تجديد نفسه ، وإعادة بنائها في صورة يستطيع عبرها أن يعيد تقديم نفسه في صورة مغايرة لتاريخه السابق ، أمام مجتمعه 0





-4-

المــاركسية
الصراع الطبقي، الطبقة العاملة
"الضرورات - التطورات - التغييب القسري"


يمكن إعتبار الماركسية كنظرية متناسقة تجمع بشكل عضوي بين المنهج الديالكتيكي والإقتصاد السياسي، والاشتراكية العلمية، من أعظم منجزات الفكر الإنساني، فمنذ لحظة ظهور الرأسمالية على الساحة التاريخية، لم يكن قد سبقها أبداً أن وصل استغلال طبقة البروليتاريا إلى تلك الدرجة التي وصل إليها في أوروبا، وقد رافق الفكر الأوروبي هذا التطور متناسباً طرداً مع تطور الرأسمالية، وكان من دلالة ذلك ظهور الثورات التي كانت تتوالى الواحدة تلو الأخرى، ولكن حركة البروليتاريا ظلّت عفوية وغير مفهومة، وكان الأمر بحاجة إلى نظرية اجتماعية جديدة ترفع الطبقة العاملة إلى مستوى فهم دورها التاريخي وتمنحها آفاقاً مستقبلية، فكانت النظرية الماركسية، ثم "البيان الشيوعي" نهاية المنتصف الأول من القرن التاسع عشر، والذي لعب دوراً هائلاً في قضية تنظيم الصراع بين طبقة البروليتاريا والطبقة البرجوازية ، وفي التقدم الاجتماعي أيضاً .
أثار " البيان الشيوعي " ، ذو المنطق الحديدي، والذي حمل الفكر الشيوعي ، رعب وخوف الطبقة البرجوازية التي بدأت تقوم بتقديم تنازلات من ناحية، وحاولت من ناحية أخرى الطعن والتشهير الشرس بهذا البيان، محاولةًَ بذلك سد الطريق والآفاق على نظرية ماركس .
نقطتان أساسيتان حاول من خلالهما أعداء ماركس انتقاده بشدة فيهما ، ودحض نظريته ، وتحديداً " البيان الشيوعي " ، في سياق التحليل الذي يحمله " البيان " في محورين ؛ الأول هو أن عصر التصنيع البخاري أخذ يفقد أهميته مع دخول عصر الآلة الكهربائية، كما أن التطور الاجتماعي للمجتمع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر قد أخذ ينحرف عن الاستنتاجات التي وردت في " البيان الشيوعي " ، وقد لا حظ مؤلفا هذا " البيان " (ماركس و إنجلز ) ذلك واعترفوا به، ولكن الفكرة الأساسية التي تخللت " البيان الشيوعي " كله بقيت صحيحة وتتلخص في الآتي: درجة الإنتاج المادي تحدد التركيبة الطبقية للمجتمع، طريقة تفكير الناس، إدراكهم، أيديولوجيتهم، ونشاطهم الذهني ...الخ والصراع الطبقي الذي تعتمد حدته على درجة التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، يعتبر المحرك الرئيسي للتقدم الاجتماعي.
هذا السرد التاريخي يقودنا إلى التفكير بطبيعة الطبقة العاملة، التي يحاول البعض من منظري الرأسمالية العالمية إلغاءها في صيرورة تطور الإنتاج الرأسمالي وعلاقات الإنتاج الرأسمالية الحديثة ، وخاصة بعد ثورتي الاتصالات والمعلوماتية ودخول الصناعة في عصر التطور التكنولوجي الهائل الذي ينفي بالضرورة التوصيف القديم للطبقة العاملة ، وتحديداً البروليتاريا، والتي من المعروف أن البروليتاري هو العامل الذي لا يملك أي شيء باستثناء قوته العضلية وعرق جبينه.
لقد تغيرت التركيبة الطبقية للمجتمعات، فقد أدرك الرأسمالي المعاصر منذ زمن بعيد بأن الأكثر منفعة له هو التعامل مع العامل المكتفي الراضي أكثر من الجائع الساخط، وهذا كان من الأسباب التي أدت إلى تطور النظام الرأسمالي وعدم دفنه من خلال التفافه على هذه النظرية، فقد كان سائدا ًفي القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بأن أي تنازل يقوم به الرأسمالي للعامل الأجير يتسبب في خسارة للرأسمالي. وثمة فكرة كانت سائدة آنذاك بأن يوم العمل الطويل والأجر المنخفض هو شرط ضروري من أجل ضمان مستوى عالٍ للقيمة الزائدة" فضل القيمة" للرأسماليين، ورويداً رويداً أخذت خبرة الدول الرأسمالية الطليعية تدحض تلك الأخطاء لمنظري الاقتصاد البرجوازي ومديريه، فقد اتضح أن قوة العمل الرخيصة هي الأبهظ في تكلفتها، واكتشفوا بأن العامل الأجير الذي يعيش في ظروف مادية أفضل، هو أكثر إنتاجاً، وهذه نظرية اقتصادية تم إثباتها في علم الاقتصاد .
من هنا يمكن طرح رؤية أساسية في طبيعة تطور الطبقة العاملة في مرحلة ما بعد منتصف القرن العشرين إن صح التعبير، حين بدأ عصر التطور التقني " التكنولوجي" المبني على ثورة المعلوماتية، ودخول عصر الكمبيوتر في الإنتاج الصناعي العالمي، ما غير بالضرورة من طبيعة العامل، حيث بدأت الطبقة الرأسمالية تشعر بحاجتها الماسّة إلى عمال على درجة معينة من التعليم، والثقافة التقنية، والمهنية العالية في إدارة الآلات الصناعية التي تعمل على الطاقة الكهربائية، والمتصلة ببرامج الكمبيوتر ، ما أفقد العامل الكثير من حاجته إلى القوة العضلية، يستبدل بها قوة وقدرات ذهنية اكتسبها من خلال التعلم والتدريب التقني و العقلي والذهني. وهكذا أخذت الحاجة إلى طبقة عاملة أقرب ما تكون إلى الطبقة المثقفة، من حيث تعليمها، وما تملكه من القدرات التقنية العالية ، تفرض نفسها ، وهذا ما يدفع بالضرورة إلى خلق طبقة عاملة تشكل حاملاً لمفاهيم إنسانية وأخلاقية سامية، فرضت حضورها وشرطها الموضوعي والمجتمعي على الطبقة الرأسمالية المالكة لوسائل الإنتاج بالمفهوم الماركسي، وبذلك أصبحت هذه الأخيرة أضعف في السيطرة على الطبقة العمالية المثقفة "أو المتعلمة بمفهوم آخر" ، حيث لم يعد توفر هذا العامل الذي خضع للتدريب العلمي و المهني التكنولوجي، أمراً يسيراً، فتحولت بذلك الطبقة العمالية إلى طبقة أشبه ما تكون بالأنتلجنسيا بحسب تعبير بليخانوف أحد منظري الإشتراكية في روسيا وأحد أساتذة لينين، من هنا كان من الطبيعي أن تستجيب الطبقة الرأسمالية إلى الكثير من مطالب الطبقة العاملة في التوزيع الأكثر إنصافاً "وليس عدلاً" لفضل القيمة الذي تحدث عنه ماركس ، فعندما تقوم هذه الطبقة بتدريب العامل عقلياً، وإكسابه المهارات التقنية في إدارة وسائل الإنتاج، وإخضاعه للدورات التدريبية الكثيرة، بغرض الإستفادة القصوى من طاقاته الذهنية والعقلية، بذلك يصبح الإستغناء عن هذا العامل أمراً فيه الكثير من المجازفة والتأثير على قوة العمل وطاقته الإنتاجية، هذا بالإضافة إلى الصعوبة في إيجاد البديل، الذي يجب أن يكون على نفس السوية العلمية والكفاءة المهنية.
اليوم؛ ماذا بقي من البروليتاري ؟ وأين أصبحت الطبقة العاملة في صراعها مع الرأسمالية العالمية؟ وكيف أدارت هذه الطبقة مصالحها بما يتناسب مع تطورها المجتمعي والاقتصادي في تحقيق بعض العيش الكريم من خلال إنتاجيتها التي تبقى بعيدة عن مفهوم العدالة الإنسانية، حتى يومنا هذا ؟!
لا يعني بحال من الأحوال انهيار الإتحاد السوفييتي في بداية التسعينات من القرن الماضي مع منظومة الدول الاشتراكية، نهاية النظرية الماركسية، والتي تبقى صاحبة الفضل الأول في التاريخ الإنساني في إنتاج نظرية، معرفية، مجتمعية، اقتصادية، في تحديد هوية الصراع البشري بين قوى مستغِلة وقوى مستغَلة ، وفي تحديد شكل الإنتاج الاجتماعي وطبيعة العلاقات التي تحكم الصراع الطبقي من خلال انتماء كل طبقة ووضعها في موقعها الحقيقي، وعلى العكس تماماً، فقد تكون النظرية الماركسية هي التي دفعت بمنظري الرأسمالية العالمية إلى تطوير آلياتهم وتقديم تنازلات لم يكونوا يرغبون بها إلى الطبقة العاملة، وذلك لقطع الطريق على انتشار النظام الاشتراكي العالمي، وهذا ما حصل في أوروبا وأمريكا بعد منتصف القرن التاسع عشر حيث كانت بذور النظام الليبرالي السياسي والاقتصادي قد بدأت تتبلور وتتجلى في تحقيق أوضاع جديدة بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة، وذلك للحفاظ على مصالح الأولى، فجاء التأمين، والنظام الديمقراطي السياسي، ومؤسسات المجتمع المدني التي تعبر عن مصالح هذه الطبقات، وذلك في التفافة نظرية رأسمالية لقطع الطريق على النظرية الماركسية التي نادت بدكتاتورية البروليتاريا ، وكانت هذه الطبقة في ذلك الحين تمثل الأغلبية الساحقة في مجتمعاتها. من هنا آثر الرأسمالي قبول كل هذه التنازلات مقابل الاحتفاظ بالجزء الأكبر من الإنتاجية والمتمثل بفضل القيمة.
لقد ربح النظام الرأسمالي العالمي جولة كبيرة في صراعه مع النظام الاشتراكي، ولكن هذا لا يعني بحال من الأحوال انتهاء هذا الصراع ، أو نهاية التاريخ بحسب " فوكوياما " المفكر الأمريكي من أصل ياباني ، والذي تراجع مؤخراً عن نظريته، وأقر بأن التاريخ لم ينتهِ بعد ، وأن التاريخ في صيرورته وسياقه ، حركة متجددة لا تقبل الجمود أو التوقف، فليس النظام الرأسمالي الليبرالي اليوم هو الفردوس المفقود الذي تناضل من أجله البشرية منذ آلاف السنين ، والصراع الطبقي مازال قائماً ، وإن انتفت الكثير من المسميات في هذا الصدد وفقدت مدلولاتها ومبرر وجودها ، ولكن يبقى تمثيلها قائماً ، وتعبيراتها المجتمعية موجودة، فمن المؤكد أنها أخذت أشكالاً أخرى وتعبيرات اجتماعية أخرى غير تلك التي ورثتها من القرون السالفة الذكر، التاسع عشر والعشرين، جعلت هذه الطبقات تدير الصراع بشكل مختلف عن الماضي، فالطبقة العاملة اليوم مازالت موجودة بقوة في عصر العولمة والشركات المتعددة الجنسيات أو ما فوق القومية، وقد أخذ نمط استغلال النظام العولمي الجديد أشكالاً أكثر استغلالاً ووحشية مما سبقه من مراحل رأسمالية سابقة . فقد تشكلت طبقة جديدة من رأسماليي العالم يتحكمون بأكثر من ثمانين بالمئة من مقدرات هذا العالم، وهذا طبعاً يقوم على إلغاء طبقات مجتمعية كاملة ، لتذوب في عجالة هذه الطبقة القليلة جداً من المتحكمين بثروات الأمم .
لا شك، بأن الطبقة العاملة اليوم قد حصلت على مكتسبات تعتبر جيدة بالمقارنة مع وضعها، في القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين، وأهم هذه المكتسبات هو تعبيراتها السياسية من خلال تمثلها في أنظمة الحكم الليبرالية، البرلمانات، والنقابات، والمؤسسات الدستورية، ونظام التأمينات، والمردود الاقتصادي ، والمنظمات المدنية وغيرها .. ولكن كل ذلك كان على حساب هذه الطبقة العاملة نفسها، فالتطور الذي حصل في نظام الإنتاج الرأسمالي، من تقنيات عالية، ونظم معلوماتية، واتصالات سريعة، وبرمجيات، أدى إلى خسارة الكثير من الطبقة العاملة لدورها، حتى في المشاركة في قوة العمل نفسها، لتحصل ليس فقط على ما كان يحصل عليه البروليتاري في القرن التاسع عشر من أجر زهيد جداً، بل لتحصل على لا شيء، أي أنها لا تؤمّن ليس فقط حقوقها في توزيع الثروة، بل تغييبها المطلق عن هذه الثروة ونبذها كقوى مجتمعية، تتغلفها البطالة والإحساس بأنها كائن مهمش وغير مرغوب فيه في عالم انحصرت فيه الإنتاجية بطبقة قليلة من الشغيلة، المتعلمة، وصاحبة المهارات العالية جداً، والتي يقتصر دورها على مراقبة الآلة، دون أي تدخل عضلي، ما يجعل حتى هذه الطبقة تشعر بانتقاص لمقدراتها العقلية أمام التقنية العالية جداً في أدوات الإنتاج .
جاءت العولمة، كنظام معرفي متطور للرأسمالية العالمية لتفتح آفاقاً أوسع في خلق فرص لربح سريع وفاحش، تجاوز الحدود الجغرافية والقومية للبلدان الصناعية الكبرى، فذهبت بعيداً لتفتح لها أسواقاً ونظم إنتاج في بقاع أخرى من العالم، دؤوبة في بحثها عن فرص أكبر في زيادة الأرباح من خلال عدم دفع ضرائب كبيرة، أجور يد عاملة رخيصة، وأسواق تصريف تتلقف ما ينتجه هذا الرأسمالي دون أن تكون مساهمة أو مشاركة في عملية الإنتاج نفسها، فتحول الطبقة العاملة من طبقة منتجة إلى طبقة مستهلكة لهذا الإنتاج، ما يشكل نمطاً جديداً من الصراع لم يكن موجوداً سابقاً في علاقات الإنتاج، ويتجلى هذا الصراع بين الطبقات العاملة نفسها..! فأجور اليد العاملة الرخيصة بين بلد وآخر يثير حفيظة بلد الإنتاج الأصلي، بغلاء اليد العاملة فيه، وذلك حين يرحل رأسمال من بلد إلى آخر بحثاً عن فرص ربح أفحش من فرص الربح التي عرفتها الطبقة البرجوازية نفسها مع طبقة البروليتارية في القرن التاسع عشر في توزيع فضل القيمة.
من هنا ؛ يمكن الاستنتاج بأن صراع الطبقات لم ينتهِ بعد ، وأن علاقات الإنتاج الرأسمالية الحديثة ، والتي تعبر عنها العولمة الاقتصادية، هي أخطر بكثير من صراع الطبقات الذي تحدث عنه ماركس في نظريته، من حيث أن الأولى ستسعى إلى خلق طبقات جديدة وهي طبقة الشغيلة ، المتعلمة ، المثقفة، وذات المهنية العالية، ولكن من دون مقدرة على الإنتاج، لأنها ستكون عاطلة عن العمل، وهذا قد يؤدي إلى انهيار الطبقات الأخرى في المجتمعات وخاصة غير الصناعية، فإذا كانت الشريحة الكبرى من المجتمع، والتي تشكل الأغلبية ، غائبة عن المشاركة الاقتصادية والمادية و الإنتاجية في مجتمعاتها ، فسيؤدي ذلك بالضرورة إلى خلل في عملية التوازن الطبقي، في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، يقودنا ذلك إلى الاستنتاج الأهم، والمتمثل بالعودة إلى البيان الشيوعي الذي يقول بأن " درجة الإنتاج المادي تحدد التركيبة الطبقية للمجتمع " ، والاستنتاج الآخر ؛ وهو أن التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج ، يعتبر المحرك الرئيسي للتقدم الاجتماعي ، وهذا كله يؤدي إلى دفع التاريخ باتجاه تغيير ما ؟! وليس كما ادعى فوكوياما في عام 1989، وهذه الحركة في التاريخ لن تكون بعيدة عن مفهوم ماركس في إدارة الصراع الطبقي ، ولكن ، ستختلف المسميات، والآليات وربما سنكون بحاجة إلى التطوير النظري والتطبيقي في النظرية الماركسية.


ضرورات الماركسية :

أين نحن من الماركسية اليوم ، وهل ما تزال الماركسية هي نفسها لم تتغير، وبذات الصيغة القديمة التي تنسجم وتتناغم مع مفاهيم القرن التاسع عشر وعصر التصنيع البخاري ؟ وما هو السبيل للخروج من أزمة الماركسية الحالية ثم أخيرا، ما السبيل للخروج من هذه الأزمة التي تعانيها الماركسية على المستويين ،الفكري والتطبيقي..؟!
ما تزال الماركسية تحمل من المرجعيات النظرية والتوجهات المنهجية ما يجعلها المرجعية الأساسية من مرجعيات الفكر الاشتراكي ، فهي ’تعنى بالبحث العلمي التحليلي لسبر الواقع الإنساني المعاش ، وصولاً إلى إمكانية إنقاذه من تناقضاته التي تدّمر البشرية والذات الإنسانية،فإذا ما استوحينا هذا العامل وأضفناه إلى العوامل الأخرى التي تقوم الماركسية على أساسها، وهي رؤيتها النظرية الفلسفية المادية الجدلية ، ومنهجها المادي التاريخي، تلك التي تتطور بتطور الخبرات والمعارف الإنسانية، مضافاً إلى ذلك الطابع النضالي الذي تتخذه الماركسية للوصول بالمجتمع البشري إلى هدفها المنشود، من خلال النظام الإشتراكي ومن ثم الإنتقال إلى مرحلة الشيوعية،كل هذه العوامل مجتمعة تجد ضرورات ملّحة لها اليوم، بعد الانهيارات الأخلاقية التي يعاني منها المجتمع الرأسمالي، وبعد العري الذي أصاب منظّري الليبرالية العالمية، والنظام العولمي الجديد، والذي بدأت حدة تناقضاته تسير بالبشرية نحو المزيد من الاقتتال، والحروب الأهلية، والإقليمية، والقومية، والسياسية، والأخطر من كل هذا بأن هذه الرأسمالية لا تسعى إلى تجديد ذاتها، أو المحاولة للخروج من هذه الأزمات في توظيف الفكر والمنهج التحليلي، بل على العكس من ذلك نجدها تتجه إلى الهيمنة والسيطرة العنجهية والعسكرية، مستخدمة الحروب العسكرية والاقتصادية والسياسية سبيلاً لهذا الحل، الذي لابد أن يترك فراغاً كبيراً في إدارة شؤون هذا العالم، ويعود هذا القصور في حل الأزمات إلى غياب التيار اليساري والماركسي تحديداً، لأنه كان يشكل صمام الأمان في عملية التوازن العسكري والاقتصادي العالمي، ولكن غياب هذا القطب، العلمي والفكري المنهجي ، أدى إلى تفرد الرأسمالية بإنسان القرن العشرين والواحد والعشرين .

ضرورات التكيف والتجديد الفكري :

من هنا تأتي أهمية إعادة إحياء الفكر الماركسي بمنهجية علمية تحليلية، تقارب بين واقع الإنسان في عصر الآلة البخاري والسياق التاريخي الذي أتت فيه الماركسية، وبين عالم اليوم، مع إعطاء بعدٍ فكريٍ ، منهجيٍ ، علميٍ تحليليٍ لعالم اليوم، بدءاً بنتاجات الصراع البشري خلال القرنين الماضيين، وتأثيرات النظم التكنولوجية والمعلوماتية في تحويل العالم إلى قرية كونية، ثم نتاجات و مفاهيم عصر الحداثة، وما بعد عصر الحداثة وتأثيرها في التحول الذهني على مستوى الفكر الإنساني، الفردي والجماعي ، كما تتطلب الماركسية اليوم دراسة دقيقة وموسعة لفلسفة المادية الجدلية، والتاريخية وصولاً إلى قراءة حركة التاريخ المتسارعة خلال القرنين الماضيين من عمر النظرية الماركسية وتاريخ إطلاق " البيان الشيوعي " ( 1848 ) . وكما ارتكزت الماركسية على مرجعيات فكرية وعلمية ونظرية في سياق نشوئها التاريخي، فلابد اليوم من البحث عن مصادر فكرية تتوافق مع التحليل العلمي الذي قدمته الماركسية، وتلتقي معه في التأسيس لعالم العولمة الرأسمالية اليوم، وللبحث في أفضل السبل لتجديد أساليب وطروحات النضال الاشتراكي للهدف المنشود .
فانهيار حركات التحرر الوطني واحتدام الصراعات العرقية والقومية والدينية في العالم، والأزمات التي يعانيها اليوم النظام العالمي ومحاولات الهيمنة على العالم، إلى جانب بروز حركات اجتماعية جديدة في العالم كحركات السلام، والدفاع عن البيئة، والجماعات المدنية والأهلية، والمنظمات الدولية والصورة العامة للعولمة بدلالتيها الايجابية والسلبية فضلا عن تطور مفهوم قوى الإنتاج نتيجة للثورة العلمية الجديدة ومفهوم القيمة يفرضان تطويراً ضرورياً لمفهوم الطبقة العاملة، ومفهوم دكتاتورية البروليتاريا، فلم تعد الطبقة العاملة هي ذاتها في صورتها التقليدية بل أضيفت إليها قوى جديدة، وهكذا تتسع مرجعية الحركة الاشتراكية وتتعدد مصادر قوتها وفاعليتها عن الحدود الماركسية القديمة وان تكن امتداداً إبداعياً لها، لتصل بنا إلى إمكانية توظيف كل هذه المعطيات والعوامل الهامة في النضال من أجل إعادة صياغة جديدة للفكر الاشتراكي والشيوعي الإنساني، وصولاً إلى تحقيق الحلم الأكبر في العدالة بين الناس وخلق مجتمعات تنتفي فيها أشكال الاستغلال كافة .



-5-

الماركسية و العروبة (( القومية ))


الحقيقة أن القومية العربية تعني الإيمان بوحدة العالم العربي . الإيمان بأن العرب ينتمون إلى أمة واحدة وثقافة واحدة ، القومية العربية كانت أيديولوجية تحديث وأداة تحديث بالدرجة الأولى ولا تريد العداء لأحد بعكس( الفاشية ) .
الأفكار القومية العربية لم تكن تحمل أي بذرة للرجعية ، البعث الجديد الذي هو حزب ( شبه فاشي) بأشكال تنظيمية تصطبغ بالكثير من سمات النظم الشمولية . والآن لماذا فشلت الأمة العربية في العصور الحديثة ؟00
1 - بسبب الفشل في الوصول إلى حل القضية الفلسطينية ( والتي قامت معظم الأحزاب القومية لأجلها ).
2 - الفشل في تغيير العلاقات مع السلطة ونقلها من حالة التمركز الدولتي ( أي هيمنة الدولة ) والشعبوية إلى حالة الديمقراطية 0
3 - الفشل في توحيد العالم العربي ، وبما أن القومية العربية لم تنجز أهدافها الاستراتيجية فقد فقدت مصداقيتها وأصبحت تائهة 0
لقد كتب ( حيدر علم الدين ) على أحد المواقع الإلكترونية تحت عنوان ( سقوط المنهج القومي فكراً وممارسة ) قائلاً : [ ظل ينظر المنهج القومي إلى الماركسية بصورة سطحية بصفتها نظرية مستوردة من الخارج وأنها تتعارض مع خصوصية الأمة وأصالة أعرافها ] . ويقول المفكر الماركسي الكبير ( ياسين الحافظ ) : القومية العربية حركة معادية للتسلط الأجنبي والإقليمية والإقطاع ، ولكنها أخيراً أخذت منحاً معادياً للبرجوازية بسبب تأثرها بالماركسية أو ( بالسوفييتية ) 0
حيث يعلن ( ستالين ) : في كتابه " الماركسية والمسألة القومية – 1913 – " :|" أن الدولة القومية هي مجرد تجميع لأجزاء الوطن القومي من خلال الوحدة الاقتصادية " ، والأحزاب الشيوعية العربية أكدت على نظرية ( ستالين ) في نشوء الأمم من خلال التعويل على أولوية السوق الوطنية الواحدة والاقتصاد المشترك 0
ولكن هذا لا يصح على الأمم ما قبل الرأسمالية . وعلى هذا فالقومية العربية لم تولد في السوق البرجوازية ، بل ولدت في غمار الكفاح العربي المشترك ضد الاستعمار .
إن الهوية العربية تشكلت بعنصر حاسم ثقافي هو الإسلام كحاضن ورحم ثقافي لتكوُن الأمة يقول " ياسين الحافظ " : " الماركسية العربية عجزت عن وضع خصوصية تاريخية لواقعها ولهذا عجزت عن إنتاج ماركسية مبدعة خلاقة ملتصقة بزمنها وتاريخها مثلما فعلت الأنتلجنسيا الفييتنامية والصينية " .
ولقد استطاعت ( الناصرية ) , رغم افتقارها إلى وعي مناسب لحاجات التحرر العربي,أن تكون الأقدر على إنتاج وعي مناسب لحاجات التحرر العربي, في حين أن الشيوعيين العرب قد حكمتهم تجاه الوحدة امتثاليتهم الدوغمائية نحو النصوص الستالينية والماركسية ( المتسفيتة ) من جهة ، وواقع تكونهم من الأقليات القومية في تركيب كثير من قياداتهم من جهة أخرى, فأنتجت مفاهيم تحولت في يد أعداء الوحدة العربية لتبرير استمرارية التجزئة :إن الوحدة العربية رد على التجزئة لذلك تقوم الصهيونية على تجزئة الأمة العربية حيث يقول " أباايبان و شمعون بيريز " [ أن التجزئة للأمة العربية طوق نجاة لإسرائيل ].
إن الماركسية هي الفكر الغربي الوحيد الذي يتيح للمثقف ( العالمثالثي ) الوطني أن يكون وطنياً بحق - بالدرجة ذاتها التي يكون فيها كونياً – أي عقلانياً ديمقراطياً إنساناً يعيش ليس بجسده فقط في حاضر العصر بل يعيش بعقله مستقبله أيضاً بدون استلاب أو إلحاق أو إستتباع .
الماركسية أتاحت للمثقف أن يكون عالمياً وكونياً من جهة ، ووطنياً وقومياً من جهة أخرى دون تناقض . لأن القومية العربية بطبيعتها إنسانية .
أما عن ( الشوفينية ) والتعصب القومي فلا معنى للحديث عنها بالنسبة للأمم المضطهدة استعمارياً. يقول ( الياس مرقص ) المفكر الماركسي: " المنظور الوحدوي وحده منظور ثوري مناهض للاستعمار " . ولكن وجدنا في الوطن العربي أن الأقليات القومية هي التي ركبت موجتها العاتية فكانت تضع الوحدة العربية على الرف حيناً وتناوئها حيناً آخر .
ومن هنا كانت الماركسية في الوطن العربي ضحية ، للأسباب التالية :
1- هيمنة الفكر التقليدي .
2- الدعاية الاستعمارية المعادية .
3- الممارسة الستالينية للأحزاب الشيوعية العربية .
4- دور العناصر والتيارات البورجوازية الصغيرة القومية وعداؤها للاشتراكية العلمية .
5- سيطرة الأقليات القومية على الأحزاب الشيوعية العربية .
6- الآن بدأ طوق عزلة الماركسيين في الوطن العربي بالإنكسار لسببين :
1 - سقوط الستالينية .
2- نمو حركة الجماهير العربية ، وتحرك القومية العربية للاشتراكية ، لذلك لا بد من النظر لما يلي لتكون الماركسية وعياً مناسباً لواقع الأمة العربية :
أولاً - تعريب الماركسية : ( أي تحقيق اندماجها مع حركة الجماهير العربية خلال الممارسة السياسية ) وذلك بتطبيق الماركسية على الواقع العربي وتفاعلها معه ونبذ الصيغ المحفوظة والمرددة عبر :
ا - نبذ الوصاية على الجماهير .
ب - نفي وجود نظرية جاهزة ونهائية .
ج - التعامل مع الواقع حتى نحدد سيره وكشف حجب الغيبيات الخرافية والابتعاد عنها .

ثانياً – علمية وعلمانية الماركسية : الانطلاق من الواقع العربي الذي نعيش فيه ( التخلف الثقافي الغارق في ظلا مات السحر والوهم والغيبيات ) عن طريق امتلاك وعي عقلاني علمي للواقع والعالم يرفض سائر أشكال الضياع .
خصوصية المجتمع العربي أنه ( لم يعش المرحلة الديمقراطية البرجوازية على الصعيدين الفكري الإيديولوجي السياسي التقليدي) .
لذلك ( فالاشتراكية ) إما أن تكون ( علمية ) أو لا تكون سوى قشرة كاذبة على سطح المجتمع تخفي تأثره وضياعه وغربته عن العصر . وهذه العلمية البعيدة عن الطوباوية والخيال هي الكفيلة بإخراج المجتمع العربي من عقلية القرون الوسطى .
ثالثاً - الماركسية العربية ( الشيوعية ) :
ً1 – لقد تمت عزلة الماركسية في العالم العربي بسبب ستالينيتها ( أيديولوجية و ممارسة ) التي تجسدت في : أ – اعتماد الحلول الجاهزة اعتماداً على الماركسية الكلاسيكية .
ب- الجمود العقائدي بوصفه ظاهرة انحطاط في الماركسية .

ً2- أهملت الأحزاب الشيوعية الجانب العلمي العلماني في الماركسية إذ تجاهلت خصوصية المجتمع العربي الذي لم يعش المرحلة الديمقراطية البرجوازية على الصعيد الفكري و الثقافي: لقد كانت الشيوعية العربية تنتقد الديمقراطية باسم الاشتراكية قيد التحقيق ، فالتقت بذلك مع التيار القومي الذي يستبعد الديمقراطية باسم وحدة الأمة العربية (( أو ضرورات المعركة مع إسرائيل )) .

ً3 – تعامل الماركسيون العرب مع الماركسية كفهم للماضي بينما تعامل معها الفيتناميون والصينيون كفهم للمستقبل .
في مجلة (النور ) اللبنانية العدد ( 85 ) ص/ 27 – 28 / كتب ( أسامة الهندي ) مقالاً بعنوان (رؤية اليسار العربي التاريخية للمشروع الصهيوني ) قال فيه: ( الماركسية اللينينية عارضت مفهوم الأمة اليهودية الواحدة ) , (( لقد كانت الماركسية و الصهيونية على تناقض رئيسي حاسم )) .
هناك حقيقة تاريخية هامة وهي أن الثورة العربية الكبرى
(1916 ) والثورة البلشفية في روسيا ( 1917) كانتا منذ البداية وبالرغم من اختلاف طبيعتهما الطبقية الأيديولوجية تواجهان عدواً مشتركاً هو الصهيونية ، حيث كانت الصهيونية متحالفة مع الاستعمار وبينهما صلة عضوية مما دفع انجلترا لإعطاء ( وعد بلفور ) للصهاينة ويمكننا القول ( أن الموقف المبدئي للماركسية اللينينية كان يرفض دائماً الموضوعة القائلة بأن اليهود يشكلون أمة ) ( أسامة الهندي ) ، وقد ناصب ( لينين ) منظمة ( البوند ) اليهودية الروسية العداء ، التي دعت إلى الاستقلال الثقافي اليهودي داخل روسيا لكن ( ستالين ) في أوائل الثلاثينات اضطر لإقامة حكم يهودي ذاتي داخل الاتحاد السوفييتي بهدف قطع الطريق على الحركة الصهيونية والهجرة اليهودية إلى فلسطين ولكن محاولته باءت بالفشل .
ومن أخطاء ( ستالين ) أنه تخلى عن الماركسية اللينينية وموقفها الصارم تجاه الصهيونية ونظر بعقلية رجل الدولة ومصالحها حيث أيد الاتحاد السوفييتي قرار التقسيم باعتباره حلاً واقعياً للمسألتين الإستيطانية اليهودية والمسألة الفلسطينية ، وأيدت الأحزاب الشيوعية العربية هذا القرار ووقفت ضد الحرب عام -1948 - في فلسطين وأدان بعضها " التدخل الرجعي العربي " في هذه الحرب ، مما دعا الجماهير الغاضبة في دمشق إثر خسارة العرب لهذه الحرب إلى مهاجمة مقر ( الحزب الشيوعي السوري ) الذي كان يقع في( ركن الدين ) وحرقه وقتل الرفيق ( حسين عاقو ) الذي كان آنذاك داخله - حيث كان الحزب علنياً .
بعد عام 1948 بدأت ولادة جديدة لحركة القومية العربية تعد بديلاً للحركة القومية العربية التقليدية التي واكبت الثورة العربية الكبرى حتى قيام ( إسرائيل ) / 15 / أيار/1948 ويمكن اختصار هذا الفارق بينهما بتبيان الاختلاف في مضمونهما :
هذه مقارنة بين الحركة القومية العربية ( التقليدية و الجديدة ) :
التقليدية :
ً1 - التمسك بالمرجعية الثقافية العربية .
ً2 - الديمقراطية السياسية .
ً3 - التمسك بالنظام الرأسمالي .
ً4 - التحالف مع الغرب عالمياً وإقليمياً .
الجديدة :
ً1 - التمسك بالمرجعية الثقافية العربية .
ً2 - الديمقراطية الاجتماعية .
ً3 - التطور الاشتراكي .
ً4 - الحياد الإيجابي بين المعسكرين .
ً5 - العلمانية .
أما الحركة الشيوعية العربية التقليدية : فقد كانت بعيدة عن التأثر المباشر بهذه التحولات ، فقد كانت إما غائبة أو مغيبة في تناول المسألة
الفلسطينية وإن أدان بعضها الكفاح المسلح الفلسطيني منذ البداية مؤكداً على نهج العملية الثورية الاجتماعية داخل إسرائيل وعلى الحلول السلمية بقيادة الاتحاد السوفييتي . وبعد وصول ( الليكود ) إلى السلطة في إسرائيل وفشل خيار اليسار العربي في تحويل إسرائيل من الداخل ديمقراطياً والرهان على اليسار الإسرائيلي، تحالف اليسار الفلسطيني مع حركة فتح التي قادت عملية ( التحول السلمي ) وصولاً إلى اتفاقية أوسلو .
نشرت مجلة ( الطريق ) عن الفكر القومي الماركسي في العدد/1/ كانون الثاني /1998 وتحت عنوان :
( المنظور الوحدوي وحده منظور ثوري مناهض للاستعمار ) ما يلي: تغير العالم يبدأ بإنشاء الدولة القومية للأمة العربية على أسس (( الماركسية اللينينية )) (( التي سيعتنقها المثقفون والعمال العرب .والأحزاب الشيوعية غير الستالينية على قاعدة عريضة من القوميين من الطبقات البرجوازية والعمال والجنود والمثقفين الشرفاء )) أمة عربية موحدة تسودها العدالة والديمقراطية مبنية على ( الماركسية التي هي دليل عمل وليست عقيدة جامدة ) و تترسخ في الممارسة التي هي مجموع النشاط الإنساني الذي يشمل ( ثلاثة أشكال رئيسية هي الإنتاج الاقتصادي والنضال الطبقي القومي والتجربة العلمية ).
النقد الموجه للأحزاب الشيوعية العربية من قبل ميشيل عفلق : ( إن الأحزاب الشيوعية تدرك أنها تخلفت كثيراً عن ركب التطور وبالغت في التبعية والولاء الخارجي ، واكتفت بترديد الفكر الثوري العالمي ترديداً حرفياً جامداً ، فكانت بذلك عاجزة عن تقديم شيء جديد للثورة العربية . وهي الآن كأحزاب وأفراد تفتش عن مكان مستقر لها في الوطن الذي نعيش فيه ، فهي أمام عملية اندماج وطني وهذا نرحب به ونستبشر ) [ عفلق في كتابه: ( في سبيل البعث ) ج2 ، تشرين 1 / 1967/ ]
( رأي عفلق بالماركسية ):
ً1 - يعتبرها المبشرة بالإلحاد والمادية تطمح إلى نفي الدين .
ً2 - الشيوعية الماركسية هي المبشر بنسبية القومية ومرحليتها .
ً3 - مذهب أولية المادة عند الماركسية ، وانعكاس الفكر عن حركتها .
ً4 - تسعى الماركسية لحل مشكلة قطاع من الأمة مجرد طبقة من طبقاتها هي البروليتاريا لأن هذه الطبقة هي حاملة رسالة التقدم .
َ5 - لأن نشأتها أوروبية فهو يرى أنها بمثابة الرافد الغربي في واقعنا العربي .
يتوقع عفلق سقوط الشيوعية السوفياتية (أيار 1970) :
(( بشكل ينذر بأن الشيء الذي سمي شيوعية منذ نصف قرن سيصبح بعد عشرين أو ثلاثين سنة شيء من التاريخ ، والعالم يشهد تطورات هي أقرب إلى أن تكون ثورات فكرية ، هذا التصدع في المعتقدات التي كانت تظهر قبل عشرين سنة أو أقل بأنها معتقدات أبدية وعلمية لا يتطرق إليها الشك قد أصبحت اليوم تعاني من التصدع والتفكك )) .
هناك مآخذ على الفكر القومي العربي الذي ساد في مرحلة ما بعد الاستقلال منها :
إهمال التبصر التاريخي في نشأة الأمم وتطورها ونضالها في سبيل استكمال مقومات وحدتها وتأسيس دولتها القومية .
(( إذ يرى القوميون ألعرب أن الحركات القومية الأوروبية ليس تاريخ تكوُن أمم ولا تاريخ نمو حركات قومية حقيقية تشتمل على طبقات وصراعات طبقية,بل إنها تاريخ فكرة قومية وتفرعاتها السياسية والاقتصادية في بعض الأحيان حتى الوحدة الاقتصادية عند ( ساطع الحصري ) ما هي إلا نتيجة لاختمار فكري ليس له جذور في التطور الاقتصادي وحاجاته الملحة ( نقد الفكر القومي عند ساطع الحصري ) – الياس مرقص – 1966 .
إن القومية العربية حقيقة وجدانية ( نحن عرب ) نحن أمة عربية ، نحن حضارة ماضية وطليعة لحضارة آتية ( هذه بديهيات لا تحتاج إلى برهان ) , أما المذاهب القطرية التاريخية من فينيقية وفرعونية وآشورية و بربرية فهي هرطقات ( هي جزء من التاريخ )
( الياس مرقص ) .
يقول ( الياس مرقص ) : حجر الأساس في البناء الفكري لنظرية القومية العربية هي أن القومية العربية مبدأ تقدمي ، هي الطموح إلى الاستقلال القومي و الوحدة العربية النزوع إلى تكوين الدولة القومية كمطلب ضروري من مطالب التقدم التاريخي ) .
( لقد ورثنا عروبتنا عن أجدادنا ، أما قوميتنا فعلينا أن نصنعها في كل لحظة ).
بينما القومية عند (عفلق ) (معطى طبيعي جاهز ) وعند ( الحصري ) تساوي بين العروبة والقومية ) .
حول تكوُن الأمة العربية : إن العروبة وجدت مع العرب ؛ مع الهجرات العربية من اليمن ومن الحجاز فيما بعد حين قلب الإسلام القبائل العربية المتغازية إلى أمة ، وربما كان رائد القومية العربية هو الفاروق (عمر بن الخطاب ) حين قال :(( نحن قوم أعزنا الله بالإسلام )),وقال( أبو الأعلى المودودي ) ( القوم هم الذين قاموا معك ) وهذا يمكن أن يكون أدق تعريف لتكوُن الأمة العربية فالعرب أمة قوم وقومية تكونت من خلال الإسلام الذي صنعها وهذبها .
و( العروبة ) معطى طبيعي يتكون من خلال ظروف تاريخية تتحدد لغته ونظرته البدائية إلى العالم ، وتراكم ثقافته من خلال التقاليد والعادات والظروف المعيشية ).
أما (القومية العربية ) فهي فكرة سياسية واعية توجه حاضر الأمة نحو مستقبلها مرة عبر مبادئ الإسلام ومرة عبر مبادئ الحياة الحديثة في الوحدة القومية ، والتصنيع والعلم التجريبي والديمقراطية وحرية الفكر وحوار الحضارات .
( القومية الحديثة ) يجب أن تكون من صنع العرب المحدثين بأفكارهم وشغلهم ونضالهم وطموحهم ، وبذلك تندرج القومية في الصيرورة التاريخية لحاضر الأمة و مستقبلها _ وحتى لا تقع الفكرة القومية في( المثالية الهيغلية ) ( إن الفكر خالق الواقع بدلاً من القول الفكر فكر الواقع وفكرٌ للواقع ) ,
إن الفكرة القومية العربية مندمجة في الصيرورة التاريخية لنضال الأمة العربية .
دراسة الأمة من خلال الطبيعة التاريخية : فالتاريخ ليس عاملاً يضاف إلى عوامل ، إنه طبيعة الوجود ، طبيعة وجود كل العوامل ، ونشوء الأمة التاريخية المستقرة . ( ساطع الحصري ) ( يضع الأمم فوق التاريخ ، ولا يرى تكون الأمم . لذلك لا نجد في كتب " الحصري " أمة تتكون ) بعكس النظرية الماركسية التي ترى في التاريخ نشوءا ونمواً وتكوناً تاريخياً مشخصاً ) .
تستند الماركسية السوفياتية في عوامل نشوء الأمة إلى تعريف ( ستالين ) ( الأمة جماعة مستقرة من الناس تاريخياً على أساس 1- جامعة اللغة 2- الأرض 3- والحياة الاقتصادية والتكوين النفسي المشترك الذي يجد تعبيراً عنه في الثقافة المشتركة ).
ويقول( ستالين ) إن غياب أي من العلائم الأربعة يكفي لإسقاط صفة الأمة .
عوامل تشكل الأمة :
ً1 - ( التاريخ ) : (( الأمة مقولة تاريخية لعصر الرأسمالية الصاعدة )) لأن الاقتصاد المشترك لا يتحقق إلا بعد اندثار الإقطاعية وتكُون السوق القومية والتكامل الاقتصادي البرجوازي .
التاريخ هو بمثابة شعور الأمة و ذاكرتها , فكل أمة من الأمم ، إنما تشعر بذاتها وتكون شخصيتها بواسطة تاريخها الخاص أي التاريخ الحي في النفوس الشائع في الأذهان المستولي على التقاليد ))" عندما نقول ( وحدة التاريخ ) يجب أن لا نفهم من ذلك الوحدة التامة في جميع أدوار التاريخ التي أوجدت ثقافة الأمة الأساسية و أعطتها لغتها الحالية وطبعتها بطابعها الخاص ، وإلا لما استطعنا أن نجد أمة واحدة كانت (موحدة ) على طول تاريخها توحيداً تاماً "
( الحصري ) كمفكر قومي يقول : " أهم العوامل التي تؤدي إلى تكوين القرابة المعنوية التي يشعر بها الأفراد في الأمم المختلفة هي
اللغة و التاريخ "
ً2 - (اللغة ): يقول ( الحصري ) " إن اللغة هي روح الأمة و حياتها , إنها بمثابة محور القومية وعمودها الفقري وهي من أهم مقوماتها ومشخصاتها "
ثم يقول (( إن الأمم المستعمرة التي تحافظ على لغتها تشبه السجين الذي يمسك بيده مفتاح سجنه)).
ويقول ( فيخته )/مفكر ألماني في كتابه "خطاب إلى الأمة الألمانية "(1807): " إن الحدود الأساسية التي تستحق التسمية باسم ( الطبيعية ) هي الحدود الداخلية التي ترسمها اللغات " ,
أما (بافلوف) فيقول ( إن اللغة منبه شرطي ثانٍ بعد الأحاسيس ) .
وتمتاز اللغة بأنها تجريد للواقع وقابلة للتعميم في حين أن ( الفكر انعكاس للواقع ) ولكن اللغة ليست علاقة طبقية بل علاقة قومية وهي ترتبط بعملية الإنتاج لكنها لا تنبع من نظام اقتصادي محدد .
(مرقص ) يقرر: ( أن دور العامل اللغوي في التوحيد والفصل يبدأ قبل ( فيخته ) بقرون طويلة ويتعاظم تدريجياً مع نمو الاقتصاد البضاعي والبرجوازية والرأسمالية هذا ما تبينه الماركسية ) .
أما ( لينين ) في كتابه ( حق الأمم في تقرير مصيرها ) /1914/ فيقول: [ إن عهد انتصار الرأسمالية على الإقطاعية انتصاراً نهائياً قد اقترن في كل أنحاء العالم بحركات قومية للإنتاج البضاعي ، كان يقتضي أن تستولي البرجوازية على السوق الداخلي ، وأن تتحد في دولة الأقاليم التي يتكلم سكانها اللغة نفسها ، وأن يزال كل عائق من شأنه أن يعرقل انبساط هذه اللغة ويدعمها بالأدب . فاللغة واسطة عظمى للاتصال بين البشر ، وأن وحدة اللغة وانكشافها الحر هما أحد الشروط الأكثر أهمية لقيام تبادلات تجارية حرة حقاً ، وواسعة حقاً ، وملائمة للرأسمالية العصرية ، ولتجمع السكان الحر والشامل في كل طبقة مأخوذة على حدة . وهما أخيراً شرط قيام رابطة وثيقة بين كل رب عمل كبير أو صغير ومع كل بائع وكل مشتر لذلك فأن تكون (دولة قومية ) تلبي على النحو الأفضل متطلبات الرأسمالية العصرية هذه هو منزع خاص لكل حركة قومية . إن أعمق العوامل الاقتصادية تسهم في ذلك بالنسبة إلى أوروبا الغربية ، بل تستند إلى العالم المتمدن بأجمعه, إن الوضع الطبيعي والسوي في عهد الرأسمالية هو ( الدولة القومية ) ].
يقول ( ستالين )/في كتابه "الماركسية والمسألة القومية"(1913)/ : (في الواقع إن الأمة ، أعني وحدة الأرض ، واللغة ، والثقافة لم تهبط من السماء . وإنما تكونت بالتدريج ، منذ ما قبل الرأسمالية , ولكن هذه العناصر كانت إذ ذاك في حالة رشيمية تساعد على تكوين الأمة في المستقبل عندما تتوافر الظروف الملائمة لذلك ، وهذه الإمكانات الكائنة لم تتحول إلى واقع إلا في عهد نهوض الرأسمالية ،مع أسواقها القومية ومراكزها الاقتصادية والثقافية ) ..
ً3 - الأرض المشتركة: ( ساطع الحصري ) يسلم بأهمية الأرض لكنه لا يجعلها من مقومات الأمة لأنها خاضعة لسيادة الدولة وقوتها " إن مفهوم الدولة يرتبط بمفهوم الوطن من جهة وبمفهوم الأمة من جهة أخرى فيكون بذلك بمثابة خط واصل بين هذين المفهومين " .
الدولة : قد تشتمل على الأمة أو على عدد من الأمم أو على جزء من الأمة ، ومع ذلك فإن ( فقدان الاتصال الجغرافي قد يؤدي إلى بقاء أجزاء الأمة الواحدة منفصلاً بعضها عن بعض ، رغم اتحادها في اللغة والتاريخ ، زد على ذلك أنه قد يؤدي بمرور الزمن إلى تباين وتباعد في اللغة والتاريخ أيضاً ),
ويضيف ( الحصري ) ( لا شك في أن " الأرض المشتركة " من لوازم الدولة الأساسية ، ولكن الأمة لا يكون لها ( أرض مشتركة ) أو ( أرض محددة الحدود ) إلا إذا كونت دولة قومية واحدة ).
يجيب (الماركسيون ) (= الياس مرقص ) عن كيفية دخول الأرض في عوامل القومية :
" الأرض موضع تمييز بين الأمة وبين الجماعات ما قبل القومية "العشائر ، القبائل المتنقلة واتحادات القبائل شبه المستقرة . إن استقرار هذه الجماعات في الأرض وتمازجها واختلاطها مع السكان الأصليين هو بداية تحطم العلاقات والروابط القبلية وبداية تكون علاقات وروابط جديدة إقليمية – وقومية . إن تكون الأمم لا ينفصل عن هذا الاستقرار في الوطن القومي .
الفرق : بين الأسرة والعشيرة من جهة وبين الأمة والدولة من جهة ثانية ليس فرقاً في الحجم بين جماعة ( صغيرة ) و جماعة ( كبيرة ) في العشيرة ، والقبيلة إنتاج ما قبل الزراعة ، ملكية جماعية . علاقات بطريركية. رابطة الدم .
في الأمة ، إنتاج بضاعي زراعي صناعي ، تقسيم واسع للعمل . تمايز طبقي كبير ، صراع طبقات ، روابط وعلاقات . [قومية ] الأرض هي المصدر الوحيد للإنتاج ، ولها دور واضح في تكوين ملامحهم النفسية القومية والإقليمية .
الجغرافيا : لا تصنع الأمم ولا تقرر تاريخها وأحوالها ولكن الأمم وتاريخها وأحوالها تبقى سراً مغلقاً بدون الجغرافيا الأرض شيء هام في حياة البشر ، إنها أحد قطبي الإنتاج . الأمة تعيش في أرض قومية تستقر فيها تاريخياً الأقوام المكونة للأمة في الوطن القومي" .
ً4 - الحياة الاقتصادية المشتركة : يعترض ( الحصري ) اعتراضاً كلياً على هذا العامل من حيث كونه أحد مكونات الأمة فالمصالح الاقتصادية ( ليست ظاهره ولا ثابتة ) ولا توجد أمة واحدة لا تتضارب فيها مصالح مختلف الجماعات والمناطق .
( والحصري ) بعكس ( انطون سعادة ) يفصل القومية عن المنفعة . يقول ( إن القومية لا تنشأ عن المنفعة ، إنها عاطفة تصدر من أعماق النفس لاعن فكرة تتولد من ملاحظات العقل ) ( المصالح الاقتصادية تفرق ولا توحد ) وهي خاضعة للسلطة الحاكمة ( إنا نعلم أن الحياة الاقتصادية مرتبطة بالدولة ارتباطاً وثيقاً فاستبعاد الدولة من عداد مقومات الأمة الأساسية يستلزم _ منطقياً _ استبعاد الحياة الاقتصادية التابعة لها .
فإذا تجزأت الأمة الواحدة مثلاً . ودخلت أجزاؤها المختلفة تحت حكم دول عديدة , فقدت على الفور حياتها الاقتصادية المشتركة )
يقول ( الحصري ) : ( إن الحياة الاقتصادية المشتركة لا تتيسر إلا بعد تكوين الدولة القومية فيجب أن تعتبر من نتائج تكوين الأمة واستقلالها لا من عوامل تكوينها ) .
ً5 - التكوين النفسي المشترك : يقول ( الحصري ) : (( إن الرابطة الدينية وحدها لا تكفي لتكون القومية ) ثم يقول ( على الصعيد النظري العام يمكن القول ، لقد كان الدين الأيديولوجيا الوحيدة للشعوب في عصر تكون الأمم الأوروبية ، وعلى هذا الأساس فقد أعطى هذه الشعوب عدداً من العناصر التي دخلت في شخصيتها القومية ))
أما نظرية ( إرنست رينان ) مفكر فرنسي / ت / 1892 / ، في
المشيئة المشتركة : فيلخصها (الحصري) [ قالوا إن أهم العوامل التي تلعب دوراً حاسماً في تكوين القومية هو مشيئة الجماعات في البقاء متحدين وفي تكوين أمة ذات شخصية واستقلال ] .
يرفض ( الحصري ) نظرية المشيئة فيقول: (( إن هذه المشيئة لا تظهر إلا بالتصويت ، ومن المعلوم أن التصويت يتأثر كثيراً بالاعتيادات والدعايات ، وتتحول لذلك بسرعة ، وذلك يخرج الأمة من عداد ( الجماعات الطبيعية ) ويجعلها شبيهة بالأحزاب المصطنعة )) . نشأت هذه النظرية (( المشيئة )) لأن الألزاس واللورين كان سكانها الماناً ، لكنهم ساندوا الثورة الفرنسية ضد الأمراء والكهنوت في منطقتهم .
يقول ( مرقص ) عن ذلك: (( صارت فرنسا ، في وعي وشعور وذاكرة شعب الألزاس ، تتعادل مع الأرض والحرية ، وصارت النمسا الألمانية تتعادل مع الإقطاعية والاستبداد )) ينتقد ( مرقص ) ( الحصري ) الذي لا يعول في نظريته القومية إلا على اللغة فيقول: (( إن النظرية التي تخرج الاقتصاد والدين والدولة والأرض والمشيئة والطموح إلى حياة أفضل عاجزة عن
تشخيص الأمة ومقوماتها ))
ً6 - نظرية وحدة مصالح الأمة : هذه النظرية تنكر صراع الطبقات داخل الأمة ,وهي تضع مصالح الأمة فوق صراع الطبقات كمقدمة لتجنيد الشعب في حرب استعمارية لاستعباد الأمم والأخرى ونهبها _ ( الحصري ) "اكتشف أن استعمال الاستعمار كان " نتيجة انتشار مبدأ القوميات ، وقيام الثورة الصناعية ".
( مرقص ) ينتقد في كتابه ( الماركسية في عصرنا ) ط1 -1965/ط 2-1969/ ( ستالين ) عندما يعرَف الأمة في علائمها الأربع قائلاً: " إن هذه العلائم ذات أهمية بالغة ، غير أن (ستالين ) أحالها إلى علائم مطلقة وكأن العلم الاجتماعي ضرب من الجبر ، إن مقولة الأمة مقولة مرنة ديالكتيكية قابلة للزيادة والنقصان , فالأمة الهندية لا تتوفر فيها وحدة اللغة وهي مع ذلك أمة . إن تعريف ( ستالين ) المشتق من تجربة محدودة في الزمان والمكان ( أوروبا البرجوازية الصاعدة ) لا يمكن تحويله إلى أداة عامة كونية ". ولا نتحدث هنا عن كل الاستنتاجات التي استخلصت من هذا التعريف حتى صار طلسماً يكرر على نمط واحد رتيب فالدين ( لا علاقة له بالأمة ) ( ؟) لأنه لم يرد بالتعريف ( وهذا ما أخذه أعداء الماركسية من بعض المتعصبين الشوفينيين والرجعيين والامبرياليين حجة قاتلة على الماركسية متهمين إياها بالإلحاد زوراً وبهتاناً ) ( ولا يلاحظ أن التاريخ المشترك هو تاريخ العلائم المشتركة ) ولكن لا بد من الإشارة إلى أن بعض العلائم الستالينية نسبي تماماً ( التكوين النفسي والثقافة ) وهو لا يرتبط بالأمة فقط . بل يرتبط بالطبقة أيضاً .
في عام 1925 عدل ( ستالين ) موقفه ، وقال إن الحركة القومية غدت بعد عام 1917 حركة فلاحية من حيث الجوهر,و بناء الدولة القومية يتوقف على الثورة القومية والديمقراطية الاشتراكية التي تنجز إستقلالين : 1- استقلال سياسي 2- استقلال اقتصادي .
لقد جزأ الاستعمار الفرنسي – البريطاني الاقتصاد العربي تجزئة جذرية بنيانية بتحويله اقتصاد كل قطر إلى ذيل ( مكمل ) لاقتصاد الدولة الاستعمارية المسيطرة فأصبحت الرأسمالية الأجنبية – الاستعمارية والمحلية الكومبردورية وتوابعها العائق االأساسي في طريق التوحيد القومي, هذا التوحيد لا يمكن أن ينبثق من التطور الاقتصادي الرأسمالي ، من نشوء سوق عربية رأسمالية مستحيلة , بل ينبثق من نضال الجماهير ، إنه جزء في سير الثورة القومية الاشتراكية – حركة التوحيد القومي لا بد من أن تشتمل على تحرير الاقتصاد العربي وتطويره
(مرقص ) [ يختلف ] مع الشيوعيين العرب : الذين يعتبرون أن الاقتصاد المشترك شرطاً أساسياً للوحدة [ ويتفق ] مع الشيوعيين على الثورة . أي تحويل الثورة القومية إلى ثورة اشتراكية (( إن الثورة القومية المعادية للاستعمار هي جزء هام من الثورة الاشتراكية العالمية )) إن الهدف التاريخي البعيد للثورة العربية هي الاشتراكية " أي قطع الصلة الاستغلالية مع الاستعمار الإمبريالي . الشعار المركزي للثورة العربية هو الوحدة العربية (( باعتبارها الطريق إلى البترول وإلى فلسطين وإلى التصنيع والتنمية والتكامل الاقتصادي ، باعتبارها الوسيلة الأساسية لنزع السيطرة الامبريالية )) إن هدف الاستعمار وأعوانه هو منع الوحدة. لقد أنقذ ( الياس مرقص ) النظرية القومية من المثالية والذاتية والصوفية والفاشية كما أنقذ النظرية الاشتراكية من تلاعب الشعوبيين والقطريين و الانتهازيين .
إن القومية العربية ، كحركة سياسية حديثة ، لم تتطور عما قدمت نفسها في الخمسينيات والستينيات ، والآن وبعد فشلها في إدارة البلدان التي وصلت للحكم فيها نحو التنمية والتحديث ، وفي إدارة الصراع مع إسرائيل والغرب ، تنتصب أمام القوميين العرب ، وهؤلاء لا يقتصرون على المنتسبين إلى الحركات والأحزاب القومية ، مهمة تطوير الفكر القومي العربي ، بشكل يناسب الشروط الجديدة التي جعلت الأمة العربية تعيش أضعف حالاتها في مجال الأمن القومي الاقتصادي والسياسي والعسكري ، وخاصة بعد سقوط بغداد عندما أتى الخارج الإمبريالي ليس فقط لصياغة السياسات الإقليمية للبلدان العربية ، كما كان يجري في الماضي ، وإنما يريد أيضاً ، عبر السيطرة والاحتلال والهيمنة إعادة صياغة الداخل العربي ، بكل عناصره ، وفقاً لمصالحه ، من خلال خلق مكونات سياسية تتماهى مع طروحاته ، عبر مقولة ( ديمقراطية المكونات ) والتي تريد نظم الحياة السياسية عبر أطر دينية وطائفية وإثنية .



-6-

من تعدد الأقطاب إلى القطب الواحد
لم تشهد العلاقات الدولية استقرار النصاب لدولة واحدة ، تتحكم بمسار الوضع الدولي ، إلا في عام 1989 مع واشنطن بعد انتصارها على المعسكر السوفيتي ، مكررة سابقة روما الوحيدة عشية بدء الألفية الأولى .
في العصور الحديثة استطاعت إنكلترا ، بعد هزيمتها للأسبان في معركة الأرمادا ( 1588 ) إثر منافسة استغرقت نصف قرن للسيطرة على العالم الجديد ، أن تكون القوة الأعظم حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، إلا أنها لم تستطع أن تكون وحيدة و بدون منافس على قمة العلاقات الدولية : نافستها فرنسا عبر حروب لويس الرابع عشر معها ( 1643 - 1715 ) ، و في حرب السنوات السبع ( 1756 - 1763 ) ، و عبر نابليون ( 1799 - 1815 ) . وهي و رغم بحثها عن إدامة الاستقرار الأوروبي بعد هزيمة نابليون ، لم تستطع أن تمنع ظهور المنافس الألماني ، مما جرّ العالم إلى الحربين العالميتين ، ولا بزوغ القوة اليابانية بعد هزيمتها لروسيا في عام 1904 ، ولا نمو روسيا السوفيتية و تحولها إلى قوة عالمية بعد الانتصار على الألمان في عام/ 1945/على ضفة الأطلسي الأخرى ، كان هناك قوة تنمو بهدوء بعيداً عن عواصف العالم القديم ، متمتعة بعزلة ( مبدأ مونرو : 1823 ) الذي وضع خطوطاً حمراً أمام تدخلية القوى الأوربية في شؤون الأمريكيتين ، ونائياً بالعالم الجديد عن التدخل في شؤون ذلك القديم : لم تتدخل الولايات المتحدة في الشؤون الدولية إلا في عام 1898 عبر حربها مع إسبانيا ، مما أجبر الأخيرة على التنازل لواشنطن عن الفليبين ، فيما أدى دخولها في الحرب العالمية الأولى عام 1917 ، و بعد إنهاك الطرفين ، إلى وضع مبدأ مونرو جانباً ، و إلى تحولها إلى قوة دولية كبرى فعّالة و إن كان وزنها السياسي لم يرتق إلى مستوى عملقتها الاقتصادية إلا بعد تفردها مع موسكو في الزعامة العالمية ، إثر نهاية الحرب العالمية الثانية ، ودخول العالم في أتون الحرب الباردة ( 1947 - 1989 ) ، فيما تحولت لندن و باريس إلى قوى سياسية من الدرجة الثانية ، وخاصة بعد فقدانهما لمستعمراتهما بين عامي ( 1946 - 1962 ) ، بينما كانتا على الصعيد الاقتصادي وراء اليابان و ألمانيا الغربية المجردتين ، بحكم آثار الحرب ، من أي دور سياسي دولي مستقل .
أتى الانتصار الأمريكي في ( الحرب الباردة ) عبر وسائل غير عسكرية : لم تكن روسيا القيصرية أكثر تطوراً من إسبانيا /1917 /، ولم تكن تعادل صناعتها أكثر من ( 12.5 % ) من حجم الصناعة الأمريكية في ذلك العام .
صحيح أن حجم الصناعة السوفيتية من تلك الأمريكية قد أصبح يعادل ( 75 % ) في العام/ 1970 / إلا أن من الضروري إدراك أن الطابع المافوق قومي للشركات الأمريكية كان يعطي الولايات المتحدة وزناً اقتصادياً لا يمكن قياسه عبر المعايير الاقتصادية التقليدية ، فقد زادت الاستثمارات الأمريكية المباشرة في الخارج ، بين عامي/ 1946 - 1966 / ، من ( 7.2 مليار دولار ) إلى ( 54.6 مليار دولار ) ، و كان حجم السوق الأجنبي للشركات الأمريكية عام 1965 يعادل تقريباً ( 40 % ) من الناتج المحلي للشركات و المصانع و المناجم الأمريكية ، وإذا أردنا حساب ذلك، عبر اللغة الاقتصادية ، فقد كانت الشركات الأمريكية في الخارج ثالث أكبر وحدة اقتصادية في العالم بعد الاقتصادين المحليين الأمريكي و السوفيتي في أواسط الستينيات ، فيما ازداد ترابط اقتصاديات ( المعسكر الغربي ) أي الولايات المتحدة و بلدان السوق الأوربية المشتركة ( يشمل ذلك بريطانيا التي لم تدخل السوق إلا في عام 1972 ) حيث ازداد نصيب مبادلاتها البينية من نسبة ( 46 % ) من حجم التجارة العالمية في 1928 إلى ( 62 % ) في عام 1965 ، فيما زاد حجم التوظيفات الأمريكية في أوربا الغربية من ( 17.5 مليار دولار ) في عام 1966 إلى ( 500 مليار ) في عام 1991 ، مما زاد من حجم التداخلات العضوية بين الاقتصاديات الرأسمالية ، وهو شيء لم تنجح به منظمة ( الكوميكون ) ، الخاصة ببلدان ( الكتلة الشرقية ) و التي تأسست في عام 1949 ، لتصبح بلدانها في النهاية عبئاً على الاقتصاد السوفيتي .
كانت الولايات المتحدة تعادل باقتصادها ما يقارب ( 25 % ) من الناتج الاقتصادي العالمي في النصف الأول من عقد الثمانينيات ، فيما كان الاقتصاد السوفيتي يدخل في مرحلة التراجع بعد عام 1970 ، رغم أن دخول موسكو إلى سوق تصدير النفط ، قد أخرّ من انفجار الأزمة إلا أن مفاعيل ذلك قد بدأت بالظهور عندما سبقت اليابان الاتحاد السوفيتي في الترتيب الاقتصادي العالمي منذ عام 1983 محتلة المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة ، وإن كان تفوق الأخيرة الاقتصادي قد تعزز بالثمانينيات مع رفع ريغان لمعدلات الفائدة بالبنوك الأمريكية ، مما أدى إلى هجرة ( 600 مليار دولار ) من الرساميل العالمية إلى السوق الأمريكية بين عامي ( 1981 - 1986 ) ، مترافقاً مع هجرة كثيفة للأدمغة العالمية إليها ، مما جعلها تحوي أواسط الثمانينيات 70 % من الطاقة العلمية العالمية .
إذا كانت السياسة هي تعبير مكثف للإقتصاد ، وفق تعبير كارل ماركس ، فإن التوازن العالمي بين المعسكرين ، وهو ما يشمل التسلح و القوة الاقتصادية و الوضع الجغرا-سياسي ، قد تم كسره، وهو القائم على توازن الرعب النووي مرفوقاً بتفوق السوفيت في الأسلحة التقليدية و في السلاح الكيماوي ، من خلال القوة الاقتصادية للولايات المتحدة ، وبالذات بعد أن وقف السوفييت عاجزين ، لأسباب اقتصادية ، عن متابعة سباق التسلح بعد طرح ريغان لمشروع ( حرب النجوم ) في آذار 1983 مما أوحى لأول مرة منذ امتلاك السوفييت للقنبلة الذرية 1949 ، بأن هناك إمكانية علمية تقنية لكسر التعادل النووي بين العملاقين ليؤشر ذلك على بداية انهيار التوازن الذي كرّسته ( اتفاقية يالطا ) بين موسكو وواشنطن في عام 1945 ، ثم لتأتي ( البيريسترويكا ) كنوع من التكيف السياسي مع الواقع الاستراتيجي الجديد ، وإن كانت سيرورتها ، بما أدت إليه من تفجير قوى اجتماعية كامنة في المجتمع السوفيتي أرادت تجاوز الواقع الاقتصادي - السياسي القائم ، قد جعلت القيادة السوفيتية غير قادرة على التحكم بالآليات الداخلية المنطلقة من عقالها و بالذات أثناء دفعها لفاتورة الاختلال بالتوازن الدولي و مفاعيله ،مما جعلها عاجزة ليس فقط على الحفاظ على (الكتلة السوفيتية)، وإنما على الاتحاد السوفيتي نفسه .
يمكن إدراك حجم هذه المفارقة ، من خلال مقارنة حجم الخسائر الأمريكية التي حصلت في الفترة الممتدة بين عامي 1975 - 1979 : ( فيتنام - كمبوديا - لاوس - أفغانستان - أنغولا - أثيوبيا - إيران - نيكاراغوا ) ، رغم التراجعات و الهزائم عند السوفييت و حلفائهم و التي تبقى أقل من حجم الهزائم الأمريكية : ( حرب حزيران - تشيلي - هزيمة الشيوعيين في برتغال 1975 ) ، ومع ذلك فإن موسكو لم تستطع توظيف تلك التراجعات الأمريكية الكبيرة ، و التي ترافقت مع تفارق فرنسي و ألماني غربي عن واشنطن تجاه التعامل مع السوفييت ، بخلاف ما حصل لما كان التوازن الاقتصادي - التقني في وضعية أفضل بالنسبة لموسكو مما جعلها قادرة على استثمار ضربات وجهت للمعسكر الغربي ( هزيمة الفرنسيين في الهند الصينية عام 1954 - حرب السويس- ظاهرة دول عدم الانحياز- الجزائر ) و توظيفها بشكل أفضل بالقياس إلى فترة النصف الثاني من عقد السبعينيات .
كان انهيار نظام ( يالطا ) في عام 1989 مدخلاً إلى حقبة جديدة في العلاقات الدولية ، مما جعل انهيار السوقيات ، بعد عامين ، يطبع العصر بنتائجه، مثلما حددت ثورة أكتوبر ملامح مرحلة جديدة في الوضع الدولي استمرت زهاء ثلاثة أرباع القرن العشرين .
ظهر مقدار التفرد الأمريكي على حساب القوى الأخرى ( أوروبا - روسيا - الصين ) ، التي لم تستطع امتلاك قوة التأثير و التقرير ، في الأزمات الثلاث الكبرى لعقد التسعينيات الماضي : أزمة و حرب الخليج ( 1990 - 1991 ) ، حرب البوسنة ( 1992 - 1995 ) ، أزمة و حرب كوسوفو ( 1999 ) ، فيما قادت الولايات المتحدة ، منفردة ، مسار " تسوية " الصراع العربي - الإسرائيلي منذ مؤتمر مدريد ( ت 1 1991 ) حتى مؤتمر كامب ديفيد ( تموز 2000 ) ، إلى أن أتت الأزمة العراقية و ما تبعها من حرب واشنطن على العراق ، في عام 2003 ، لتبيِّن مدى اختلال التوازن الدولي لصالح ( القطب الواحد ) ، على حساب أوروبا التي بان مدى قدرة الولايات المتحدة على إحداث الانقسام فيها ضد قوى حاولت الممانعة مع واشنطن في الأزمة العراقية ( فرنسا - ألمانيا ) ، و على حساب روسيا التي حاولت التحالف مع باريس و برلين ، إلا أنها سرعان ما عادت إلى " الانضباط " وفقاً لما حددته مستشارة الرئيس الأمريكي تجاه سلوك الدول الثلاث في الأزمة و الحرب : " فرنسا = العقاب ، ألمانيا = النسيان ، روسيا = الغفران " فيما كان عدم إشارتها إلى الصين مؤشراً إلى حجم دور الأخيرة في الأزمة العراقية التي قال عنها ( طوني بلير ) أنها " ستحدد شكل العلاقات الدولية لأكثر من جيل "
هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فقد استطاعت واشنطن تحديد الكثير في عملية إدارة الصراعات و المشكلات الإقليمية ، وتعيين آفاقها : نحو تغيير الخرائط من عدمه ( أوروبا الشرقية و الوسطى بعكس الشرق الأوسط و شبه القارة الهندية و سيريلانكا ، من خلال مشكلتي كشمير و التاميل ) ، إلى ضبط حدود التعامل مع " الدول المارقة " ( " الاحتواء المزدوج " تجاه العراق و إيران منذ 1993 ، ثم " الاحتواء المنفرد " تجاه العراق منذ 1999 ، وصولاً إلى الاتجاه لضربه و غزوه بعد 11 أيلول ) ، ثم استخدام العوامل المحلية لإحداث تغييرات ضد قوى دولية أخرى ( استخدام أقلية التوتسي في رواندا و بوروندي ضد الأكثرية ممثلة في قبيلة الهوتو الموالية تقليدياً لفرنسا ) ، إلى تحديد أدوار الدول الإقليمية باتجاه التحجيم ( إيران - باكستان ) أو باتجاه إطلاق اليد أو تعيين المسار ( تركيا في آسيا الوسطى السوفيتية و القفقاس ) أو باتجاه منعها من التدخل في أزمات إقليمية أو مجاورة ( مصر تجاه الأزمة السودانية ، أو حيال حل أزمة لوكربي مع ليبيا عام 1999 ، أو إيران حيال العراق المحتل من قبل واشنطن و قبله تجاه آسيا الوسطى السوفيتية ) ورسم أدوارٍ جديدة ( الهند تجاه الصين وباكستان ) .
أدى هذا و ذاك إلى ترسيخ قوة ( القطب الواحد ) في العقد ونصف الذي يفصلنا عن نهاية ( الحرب الباردة ) ، وإلى نظم العلاقات الدولية على أساس ذلك ، و هو ما نجحت فيه الولايات المتحدة إلى حد كبير وكان المثال العراقي الأخير مؤشراً قوياً على ذلك ، إن تجاه أوروبا ، أو روسيا ، أو الصين ، أو الجوار الإقليمي للعراق، أو تجاه الجسم العربي ، أم على صعيد الأمم المتحدة .
في هذا الإطار ، أدت الإمتدادات الأمريكية ، في حرب الخليج و العراق بين عامي 1991 - 2003 ، و في القفقاس بعام 2001 مع الأزمة و الحرب التي أعقبت ( 11 أيلول ) في أفغانستان- إلى سيطرة واشنطن على منابع واحتياطات النفط الأساسية في العالم، وإلى تحكمها بحنفيتها تجاه أوروبا و اليابان و الصين ، و هو ما يشكل مكسباً استراتيجياً ( يمكن أن يكون هو الهدف الرئيسي من تركيز " القطب الواحد " على ذلك القوس الممتد بين الخليج و قزوين بعد انهيار " الكتلة الشرقية " بدلاً من مناطق أخرى من العالم ) من المحتمل أن يؤدي إلى تحديد شكل التوازنات بين الولايات المتحدة وهذه القوى الثلاث التي تشكل تهديداً مستقبلياً لمكانة " القطب الواحد " على مدار القرن الجديد ، وخاصة الصين التي يتوقع ، إذا استمر معدل نموها السنوي الحالي ( 7.18 % ) ، أن يفوق اقتصادها فرنسا في عام 2005 ، و أن تتخطى ألمانيا في العام 2020 كثالث قوة اقتصادية في العالم ، و أن تضع اليابان وراءها في العام 2050 كثاني قوة اقتصادية عالمية ، مما سيجعل منطقة شرق آسيا ، التي تقدم الآن 35 % من الناتج الاقتصادي العالمي ، تشكل التهديد المستقبلي الأكبر للقطب الواحد ، وخاصة إذا أفرز الاقتصاد مستتبعاته السياسية و الأمنية .
لذلك كان " النفط " و السيطرة عليه ، مشكِّلاً لضربة وقائية استباقية ( تماماً مثل العقيدة الاستباقية الوقائية التي أعلنها الرئيس الأمريكي في عام 2002 ، كاستراتيجية عسكرية أمريكية جديدة ) تأتي لتعزيز التفوق العلمي - التقني الذي مال كثيراً لصالح الولايات المتحدة في العقدين الأخيرين تجاه أوروبا و اليابان ، و هو ما ينعكس أساساً على الصعيد العسكري ، بعد أن أصبحت الحرب لعبة تكنولوجية أساساً ، مما جعل هناك اختلالاً عسكرياً بين الولايات المتحدة و الآخرين الذين وراءها ، أصبح يشكل ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ العسكري ، الشيء الذي يُكوِّن الأرضية ( مما برزت المؤشرات عليه في الحرب العراقية الأخيرة ) لنشوء اتجاه أمريكي جديد يتجه نحو تهميش حلف الأطلسي عبر الطروحات الجديدة عن ( تحالف الراغبين ) و هو ما كانت الحرب الأمريكية الأخيرة على العراق تطبيقاً عملياً له ، تماماً كما اتجهت الولايات المتحدة ، عبر اعتمادها على استراليا كلاعب رئيسي في جنوب شرق آسيا عبر أزمة تيمور الشرقية
عام 1999 ، إلى تهميش رابطة دول جنوب شرق آسيا ( آسيان ) التي شكلتّها في الستينات كدرع إقليمي في ظرف الحرب الفيتنامية.
تشكل الحرب في هذا الإطار ( وشكلت ) وسيلة لخلق حقائق سياسية و اقتصادية جديدة ، و هو ما اتبعته الولايات المتحدة بقوة و فاعلية في فترة ما بعد ( الحرب الباردة ) ، و هذا ينطلق أساساً من إدراك صانعي القرار في واشنطن بأن التفوق العلمي - التقني ، و العسكري ، إذا لم يرادفهما حقائق مكافئة في الاقتصاد ، وعلى الصعيد الجغرا - سياسي ، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى تقويض بناء الأحادية القطبية ، و خاصة مع وجود مؤشرات على بزوغ قوى اقتصادية كبرى تتجه نحو العملقة ، بالترافق مع اعتلالات بدأت تظهر على الاقتصاد الأمريكي ، مما يفسر اتجاه بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي نحو " دولار ضعيف " تجاه اليورو و الين الياباني منذ عام 2001 ، لتشجيع الصادرات الأمريكية و جعل البضائع اليابانية و الأوروبية أقل تنافسية تجاه البضائع الأمريكية في السوق الداخلية و الخارجية .
تأتي النـزعة الحربية الراهنة عند الأمريكان من ذلك ، و هو ما ظهر بقوة في كابول 2001 و في بغداد 2003 ، بخلاف النـزعة الإنكفائية التي ظهرت عقب الحرب الفيتنامية ، فيما يلفت النظر حقيقة أن المقاومات الدولية ، أو بالأصح الممانعات ، لا ترتفع إلى مستوى قامة الغايات الأمريكية من الحرب ، وهو شيء ظهر بوضوح في الحرب العراقية الأخيرة ، رغم أن بعض القوى الدولية قد قدمت فيها درجة من الممانعات كانت أكبر من كل ما ظهر في محطات الحروب الأمريكية السابقة ( حرب 1991 ، حرب كوسوفو 1999 ) ، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لمنع البلدوزر الأمريكي من متابعة طريقه ، أو حتى عرقلته عن ذلك
في هذا الإطار ، يلاحظ بحث القوى الكبرى عن تفاهمات مع واشنطن ، أو عن صفقات معها ، خلال كل أزمة دولية ، بدلاً من البحث عن طريق مقاوم : غورباتشوف في حرب 1991 و كذلك الصين ؛ الأوروبيون في كوسوفو 1999 مع سكوت روسي ؛ موسكو في حرب 2001 رغم امتداد واشنطن إلى " الحديقة الخلفية " للروس في آسيا الوسطى و القفقاس ؛ الصين في حرب 2003 العراقية مع تركها لحليفتها الكورية الشمالية في أثناء أزمتها مع الأمريكان ثم انضمام الفرنسيين و الروس إلى بكين بعد فشل ممانعاتهم في الأزمة العراقية و العودة إلى التوافق مع واشنطن كما ظهر من خلال قرار مجلس الأمن المشرِّع للاحتلال الأمريكي للعراق ,وصولاً إلى القرار(1559)/2أيلول2004/الذي أتى نتيجة لتفاهمات أمريكية -فرنسية باتجاه رؤية جديدة لواشنطن وباريس حيال الدور السوري في لبنان تعطي ملامح لاتجاهات عند العاصمتين نحو تحجيم الدور السوري الاقليمي( الذي وافقتا على انطلاقه وتمدده بدءاً من عام1976) وارجاعه إلى الحدود التي كانت له بالخمسينيات,ويبدو أن ذلك سيمتد ,بعد سقوط العراق ومجيء الأمريكان للمنطقة, إلى أدوار دول اقليمية أخرى مثل ايران , كما تظهر أزمة (تخصيب اليورانيوم)/صيف وخريف 2005/ , وربما يمتد ذلك لاحقاً إلى السعودية ومصر عند واشنطن .
يطرح هذا مسألة المقاومة الدولية للقطب الواحد : هل حدودها هي مقاومة سياسيين مثل (الشيخ حارث الضاري) ؟ …… أم : أن ( سياتل ) هي تلك المقاومة ؟ … ثم : أين تلك الكتلة العالمية التي كانت تشكلها الحركة الشيوعية العالمية ، بما كانت تمثله من وزن سياسي في مجتمعاتها ، أم أنها لم تعد ذات وزن بعد سقوط موسكو ؟ …… وصولاً إلى طرح سؤال : هل هناك اتجاه إلى تشكيل مقاومات تبنى على قضايا محددة ، مثل تضررات المزارعين الأوروبيين من الإجراءات الحمائية الأمريكية أو من الأغذية المعدلة وراثياً ، أو مقاومات البيئويين للموقف الأمريكي تجاه معاهدة ( كيوتو ) ، أو تضررات الفقراء و الفئات الوسطى في الأرجنتين من توصيات صندوق النقد الدولي ؟ هل يشكل ذلك مقاومة عالمية للقطب الواحد ، يمكن إعطائها قواماً محدداً تصل إلى شكل حركة واحدة ، أو طابع قوى متحالفة ، كما كان الوضع في فترة ( الحرب الباردة ) ، بين " الكتلة الاشتراكية " و " الحركة العمالية " في بلدان المتروبول ، و " حركة التحرر الوطني " ؟ … أم أنها لا يمكن ، حتى الآن ،اعتبارها "مقاومة " أو " مقاومات " للقطب الواحد : هل هي جنين باتجاه التكون نحو ذلك ، أم أنها لا تحوي إمكانية لذلك ؟ …… ثم : هل باستطاعتها ، إذا كانت باتجاه التحول إلى مقاومة عالمية ، أن تشكل قطباً مؤثراً غير حكوميٍ ضد ( القطب الواحد ) ، أم أنها لا يمكن أن تكتسب التأثير بدون إمكانية نشوء قطب آخر منافس للقطب الواحد ، مع أن الأمد المنظور ، و كذلك المتوسط ، لا يوحي بإمكانية ذلك ؟ ……
تقود هذه القضايا إلى طرح أمور جديدة ، لم تكن مطروحة في الفترة السابقة على نشوء عصر ( القطب الواحد ) : كيف يمكن لشعوب محتلة من القطب الواحد ( العراق ) ، أو من حلفائه ( فلسطين ) ، أو خاضعة لهيمنة ذلك القطب الواحد ( العرب ) ، أن تحقق أهدافها في التحرر الوطني، في ظل ظرف دولي كهذا :
هل تختار طريق ( الرنتيسي ) ، أم طريق رئيس الوزراء الهندي ( فاجبايي ) و الرئيس الروسي ( بوتين ) و الصيني ( جيانغ زي مين ) و ( أبو مازن ) ؟ …… أم أن هناك طريقاً ثالثاً ؟ ……
أخيراً إذا أردنا تطوير القضايا المطروحة على خلفية سقوط السوفييت ، و نشوء مشهد جديد ، هو غير مسبوق منذ قرون طويلة في العلاقات الدولية ، فمن الممكن طرح قضايا عديدة ، يمكن أن تشكل محوراً للتفكير و النقاش :
1- كان الاقتصاد عاملاً حاسماً في تشكيل ( القطب الواحد ) و كسر ثنائية القطبين كما كان عاملاً مقرراً في تزعم الولايات المتحدة للمعسكر الغربي بعد الحرب العالمية الثانية : هل يكون كذلك في كسر حالة ( القطب الواحد ) ؟ ……
2- يمكن عبر ( تومي فرانكس ) استعادة و تذكر دور ( كتشنر ) و ( أللنبي ) ، و كذلك عبر ( بول بريمر ) استعادة ( كرومر ) : لم تغير الرأسمالية الكثير من نزعتها الإمبريالية نحو الهيمنة و السيطرة على الشعوب الأخرى ، و يمكن عبر التجربة العراقية أن يحصل لقارئ التاريخ الكثير من الاستعادة التذكرية للسيناريو الذي حصل في مصر 1882 و في سورية 1920 .
3- ألا تستحق الدراسة مسألة ترافق هذه النـزعة الأمريكية للسيطرة و الهيمنة على العالم ( و محاولة المنع الطويل الأمد لنشوء قطب منافس ) مع بروز غير مسبوق بهذا الحجم لنفوذ جماعات المصالح النفطية و المالية و الصناعية و شركات الإنشاء الكبرى ( بكتيل + شركة هاليبورتن لمقاولات و إنشاءات النفط … الخ ) في داخل إدارة بوش الابن ، عبر ممثلين خرجوا مباشرة منها ( تشيني " هاليبورتن " + رايس " شركة شيفرون للنفط " … الخ ) ، أو عبر تداخلات غير مباشرة ، مع العلم بأن ارهاصات ذلك قد ظهرت مع إدارة ريغان ، عندما خرج وزير الدفاع ( كاسبر واينبرغر ) ووزير الخارجية ( جورج شولتز ) من شركة ( بكتيل ) إلى مكاتبهما في الإدارة الأمريكية ؟ ……
4- في الوضع الدولي الجديد ، أصبحت قدرة " الدولي " على تشكيل " الاقليمي " و أحياناً المشهد " الداخلي " كما جرى في أفغانستان و العراق مثلاً ، في حالة غير مسبوقة بهذا الشكل : كيف يمكن تشكيل الممانعات و المناعات المقاومة لذلك ؟ … هل تشكل الديموقراطية ضمانة وحيدة للداخل من أجل ذلك ؟ …... و خاصة بعد أن قادت الديكتاتوريات العربية إلى وضع ســـهّل و أتاح عودة الاحتلال ؟ …… أم أن الأمر أبعد من ذلك ؟ ..
5- تطرح القضية الأخيرة مسألة جديدة : في ظل ( قطب واحد ) للعالم ، و عدم قدرة القوى الكبرى على التأثير و الفعل و استدارتها أكثر نحو تأمين مصالحها و مطالبها مع القطب الواحد ، و في ظل محيط إقليمي " متعاون " معه أو عاجز أمامه ، كيف يمكن لشعب أو دولة القيام بتحصيل تحررها أو حقوقها في قضية " ما " ، مع العلم بأن أسطع التجارب النضالية في القرن العشرين ، لم يكن ممكناً لها النجاح لولا وجود ظرف دولي و إقليمي مناسب : فيتنام ( الاتحاد السوفييتي + الصين ) ، الجزائر ( عبد الناصر + بورقيبة + محمد الخامس + اللامبالاة الأمريكية تجاه الفرنسيين هناك ) ؟
6- أشاعت الثورة الفرنسية في عام 1789 ، متأثرة بأفكار ( عصر الأنوار ) ، مبادئ جديدة اكتسبت القوة بالتدريج ، في العلاقات الدولية ، مثل ( حقوق الإنسان ) ، ( حق الشعوب في تقرير مصيرها ) . هذا من جهة ، و من جهة أخرى ، فقد أتاحت " تفاؤلية " القرن التاسع عشر ، و النصف الأول من القرن العشرين ، المجال لنشوء أجواء فكرية تتجه نحو تجاوز ( العامل الديني ) في السياسة ، و باتجاه ( الأممية ) بعيداً عن تصارع القوميات الذي ولّد ، من خلال البلقان ، نشوب الحرب العالمية الأولى : ألا تشكل الأجواء الدولية الجديدة في بداية الألفية الثالثة و ما جرى في العقد الأخير من القرن العشرين ، فشلاً و نكوصاً عن كل ذلك ؟ .





-7-

حول العولمة


تبدو الرأسمالية في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين أقدر على البقاء ، وأكثر تماسكاً وانسجاماً مما كانت في نهاية التاسع عشر وبداية العشرين ، إنها في تغير وتحول مستمر ، ولقد استطاعت أن تجدد قواها وأن تتكيف مع الأوضاع الجديدة في العالم بفضل الثورة العلمية والتكنولوجية .حيث كانت المتغيرات الجديدة قد حرمتها من الخامات الطبيعية الرخيصة التي اعتمدتها في الماضي وقلصت قاعدتها الإنتاجية فأصبحت معامل البحث والتطور هي المصدر الذي لا ينفد للخدمات والمنتجات على حد سواء .
إننا الآن أمام رأسمالية معاصرة تتميز بالاستجابة الحيوية لمتطلبات العصر ، استطاعت أن تجدد قواها الإنتاجية ، وأن تعيد تنظيم علاقاتها الإنتاجية ، حتى لا تفلت من سيطرتها ، كما أنها استطاعت أن تسترجع مستعمراتها لتبقى رغم استقلالها أطرافاً لمراكز الرأسمالية الرئيسية .
إذاً كانت أشكال عمل قوانين الرأسمالية وآلية حركتها قد تغيرت وإن كانت لا تزال تقوم على الملكية الخاصة لرأس المال ، فإن هذه الملكية قد تغيرت بدورها من مرحلة إلى أخرى . وفي الرأسمالية ما بعد الصناعية غدا العلم نفسه قوة إنتاجية مبدعة حيث تفتحت مجالات جديدة لم تكن معروفة للإنتاج ، وإعادة الإنتاج وتوسيع السوق وزيادة الاستهلاك ، وفي الوقت نفسه تغيرت الطبقة العاملة وتغيرت علاقة الإنسان بالآلة ، كما وتولدت مشاكل جديدة في علاقة رأس مال بالعمل . وفي ظل هذه الثورة العلمية والتقنية لم يعد الإطار القومي كافياً لتوسيع الإنتاج ، ولم تعد السوق القومية مهما اتسعت كافية لاحتواء حركة رؤوس الأموال والسلع والخدمات والعمل .
وهكذا يجري بصورة واعية أو عفوية تدويل للحياة الاقتصادية يكتسب معها رأس المال طابعاً دولياً ، وتصبح المشروعات والمصارف المتخطية للحدود القومية هي القوة الجبارة التي تحرك عملية التمركز الصناعي والمالي في أسواق أصبحت حقاً عالمية .
في ظل هذا الوضع ما زالت الدولة هي الملجأ الأخير للرأسمالية ( كينز ) على الرغم من الدعوات من أجل الحد من سلطة الدولة. إن قدرة الرأسمالية للتكيف مع العصر جعل للدولة دورأً أساسياً في الضبط والتحكم بالعديد من آلياتها فما زالت الدولة هي الملجأ في حالة الأزمة أو التضخم ، وما زالت هناك عناصر للتخطيط والتغلب على الكثير من التقلبات غير المرغوب بها ، ولا زالت الدولة هي مصدر تمويل في مجالي البحث والتطوير للعلم والتكنولوجيا . بالرغم مما سبق يجري شكل جديد للتقسيم الدولي للعمل إذ تجري عملية إعادة نشر الصناعة على المستوى العالمي وإعادة توزيع الخدمات .
إن قدرة الرأسمالية للتكيف مع العصر لا يلغي التعقد المضطرد للأزمة الدورية للرأسمالية ، فهي أصبحت الآن تواجه أزمة مركبة ، وهي مزيج من أزمة دورية وهيكلية . يشار في هذا المعنى إلى النمو المضطرد للقطاع الاقتصادي العسكري الذي أصبح له في أكبر الدول الصناعية قيادة الاقتصاد في مجموعه .
إن الرأسمالية ما بعد الصناعية لا تستطيع بالرغم من كل ذلك أن تلغي قوانينها الداخلية . إنها فقط تغير من شكل وأساليب عملها ، ويظل التطور اللامتكافئ هو الذي يحكمها في الخارج والداخل على السواء ، فعلى الرغم من تدويل رأس المال وبرغم الاعتماد المتبادل ، تزداد النزعة الحمائية وتشتد الحواجز الجمركية وغير الجمركية ، وتتنوع تدابير التمييز والمقاطعة حيث لمّا يزل العالم الرأسمالي ينقسم إلى قطاعين متفاوتي النمو حيث يجري استقطاب النمو لصالح القطاع المتطور على حساب القطاع النامي والمتخلف أو بدونه .
في ظل التدويل المطرد للعلاقات الاقتصادية والتعامل غير المتكافئ الذي يكرس علاقة التبعية بين المركز والأطراف تعاني البلدان النامية ما يمكن أن يعرّف بأنه استعمار جماعي يمثل السيطرة المضمرة والفعلية لرأس المال العابر للقوميات . وإن العلاقات غير المتكافئة أدت إلى نقل أعباء الأزمات الدورية والهيكلية إلى البلدان النامية ، من خلال المفعول التلقائي للقوانين الاقتصادية الموضوعية دون الحاجة إلى المعاهدات والجيوش .
إن النجاح المضطرد الذي حققته الرأسمالية بإدخالها العلم والتكنولوجيا قد دفعها إلى تعميم هذا النموذج فيما يسمى بإعادة التكييف والهيكلة وهي قد بدأت في الدول المتقدمة ، وأدت هذه السياسة إلى خلق ظروف وأوضاع سيئة لهذه البلدان حيث كان استهدافها الأول دولة الرفاه ابتداء من الثمانينات ، التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية كنموذج مضاد للنموذج " الاشتراكي " حيث إن شعارها الجديد الحد الأقصى من الربح وإخراج الدولة من دائرة الفعل قدر الإمكان وما ترتب على ذلك من انعكاس سيء على فرص العمل والضمان الاجتماعي ومجمل برامج الرعاية . وإذا كانت الاقتصادات الوطنية في الدول الرأسمالية قد امتصت بمستوى " ما " آثار عملية إعادة التكييف فإن حال العالم النامي قد اختلف كثيراً عن ذلك ، وإن عملية التكييف أو ما يسمى بالعولمة قد خلقت أزمة عالمية لا تتركز في منطقة بذاتها من العالم ، فتداخل الاقتصادات القومية والعمليات التجارية والمصرفية وملكية المشروعات التجارية ( التي تسيطر عليها حوالي 750 شركة عالمية ) تتجاوز الحدود الاقتصادية والتجارية الدولية مجتمعة ، إن الأسواق المالية في العالم أجمع ترتبط بجملة من الحواسب الآلية ذات الاستجابة الفورية والأزمة المالية أكثر تعقيداً من أزمة ( 1929 ) ، وآثارها الاجتماعية ذات آماد بعيدة .
منذ أزمة الدين في أوائل الثمانينات يجري سعي حثيث إلى تحقيق الحد الأقصى من الربح تقود إلى تحقيقه سياسة الاقتصاد الكلي ، وهو ما يؤدي إلى تفكيك مؤسسات الدولة وتمزيق الحدود الاقتصادية ، وإفقار الملايين من البشر وهو ما ينعكس بصورة تشبه الجريمة بحق بلدان العالم النامي ، وذلك لأنه لا تكلف بنفس الفعل قوتين متفاوتتين من حيث القدرات والإمكانات ، حيث يكون لعملية إعادة الهيكلة ما يشبه الإعصار في أكواخ من خشب بالنسبة للبلدان النامية .
إن الشركات الدولية والشركات التجارية لا تستطيع " توسيع " أسواقها في ظل نظام يولد فائض الإنتاج إلا بتقويض أو تدمير القاعدة الإنتاجية للبلدان النامية – أي بتفكيك الإنتاج المحلي الموجه إلى السوق الداخلية . وفي ظل النظام يقوم توسيع الصادرات في البلدان النامية على انكماش القوة الشرائية الداخلية وتفتح الأسواق " الناشئة " عن طريق الإزاحة لنظام إنتاجي موجود ، وتدفع المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى الإفلاس ، أو تجبر على الإنتاج من أجل موزع عالمي ، وتخفض منشآت الدولة أو تغلق ويتم إفقار المنتجين الزراعيين المستقلين .
يتسم الاقتصاد العالمي بقوتين متناقضتين ، أولاً : دعم اقتصاد عالمي رخيص العمل ، من ناحية ، والبحث عن أسواق استهلاكية جديدة من ناحية أخرى ، والقوة الأولى تقوض الثانية . فتوسع الأسواق أمام الشركات العالمية يتطلب تدمير الاقتصاد المحلي ، كذلك تزال الحواجز أمام حركة الأموال والسلع ، ويحرر الائتمان ، وينزع الرأسمال الدولي ملكية الأرض ، وملكية الدولة إن لصندوق النقد الدولي كمؤسسة مالية دولية السلطة في تحديد السياسات المتبعة للانسجام مع النظام العالمي بالإضافة للبنك الدولي ، وهما يعملان نيابة عن المصالح المالية والسياسية القوية ( نادي باريس ولندن ، والثمانية الكبار ) وهذا الشكل الجديد من أشكال السيطرة الاقتصادية والسياسية – ( شكل الاستعمار السوقي ) يخضع الشعوب والحكومات من خلال الفعل الحيادي في الظاهر لقوى السوق . وقد عهد الدائنون الدوليون ، والشركات متعددة الجنسيات ، للبيروقراطية الدولية القائمة في واشنطن بتنفيذ مخطط اقتصادي عالمي يؤثر على معيشة أكثر من 80% من سكان العالم . ولم يسبق في أي وقت في التاريخ أن لعبت السوق " الحرة " – التي تعمل في العالم من خلال أدوات الاقتصاد العالمي الكلي مثل هذا الدور الهام في تشكيل مصير دول ذات سيادة .
لقد تم إخضاع الدول ذات السيادة لوصاية المؤسسات المالية الدولية ، بسبب : أن تلك الدول كانت مدينة ، فقد تمكنت مؤسسات ( بريتون وودز ) من إلزامها – عن طريق ما يسمى " بالمشروطيات " المرتبطة باتفاقيات القروض – بإعادة توجيه اقتصادها الكلي توجهاً " مناسباً " وفقاً لمصالح الدائنين الرسميين والتجاريين ، وقد زاد عبء دين البلدان النامية الثابت منذ أوائل الثمانينات بالرغم من مشاريع إعادة الجدولة وإعادة الهيكلة وتحويل الديون التي قدمها الدائنون ، والواقع أن هذه الإجراءات – مصحوبة بالإقراض ذي الأساس السياسي من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي – قد أدت إلى زيادة الدين القائم للبلدان النامية مع ضمان السداد الناجز لمدفوعات الفوائد ، ، وقد كان إجمالي الدين القائم طويل الأجل للبلدان النامية ( من المصادر الرسمية والخاصة ) نحو / 62 / مليار دولار أمريكي في عام 1970 وزاد عن أمثاله في مجرى السبعينات ليصل إلى / 481 / مليار دولار في عام 1980 ومبلغ إجمالي دين البلدان النامية ( بما فيها الديون القصيرة الأجل ) أكثر من ( ألف مليار ) دولار ( 1996 ) أي ما يمثل / 32 / ضعفاً بالنسبة لعام 1970 .
بالرغم من تدهور أسعار السلع – منذ أوائل الثمانينات – مما أدى إلى انخفاض قيمة الصادرات فقد خصصت حصة متزايدة على الدوام من عائدات التصدير خدمة للدين .
ومنذ عام 1985 وما بعد أصبحت البلدان النامية مصدرة لرأس المال لصالح البلدان الغنية ، وبعبارة أخرى كان تدفق قيمة الدين الفعلية تفوق تدفقات رأس المال الجديدة ( في شكل قروض واستثمار أجنبي ، ومعونة أجنبية ) .. وحتى منتصف الثمانينات كانت المؤسسات المالية الدولية قد أعادت تمويل الدين أساساً نيابة عن البنوك التجارية والدائنين الرسميين ، غير أن كثيراً من القروض التي منحتها المؤسسات المالية الدولية قد استحقت ، وطالبت هذه المؤسسات القائمة في واشنطن بسدادها ، وبمقتضى ( بريتون وودز ) لا يمكن إعادة جدولتها .
هناك علاقة وثيقة بين سياسة إدارة الدين وإصلاح الاقتصاد الكلي حيث أن تقديم ديون جديدة يتم وفق دفتر شروط تكون إعادة هيكلة الاقتصاد أساسها بما يضمن استمرار البلد في الدوران في الاقتصاد العالمي لأن طبيعة هذه القروض لا تشجع الاقتصاد الحقيقي ، لأن أي من هذه الأموال لا يوجه إلى الاستثمار غير أنها خدمت هدفاً هاماً آخر : فقروض التكييف حوّلت الموارد بعيداً عن الاقتصاد العالمي ، وعملت على تشجيع هذه الدول على الاستمرار في استيراد كميات كبيرة من السلع الاستهلاكية ، بما فيها الأغذية الأساسية من البلدان النامية . أي أن الأموال التي تمنح لدعم " التكييف " في الزراعة لا تنفق على مشاريع استثمارية بل تنفق على الواردات السلعية بما فيها المواد الاستهلاكية المعمرة والسلع الترفيهية ونتيجة هذه العملية حل الركود في الاقتصاد المحلي ، وتوسعت أزمة ميزان المدفوعات ، ونما عبء الدين .
لقد ارتبطت العولمة المستندة إلى الفلسفة الليبرالية الحديثة بتحرير الأسواق المالية والنقدية وبالتخلي عن معظم الضوابط التي كانت تسير العمل المصرفي والنظم النقدية لفترات طويلة ، وكان من نتيجة ذلك أن الكتلة النقدية في ضوء عمليات التحرير هذه لم تعد خاضعة زمانياً للسلطة النقدية المحلية ( البنك المركزي ) ، وتجري حركة رؤوس الأموال في ومضات سريعة على شاشات الكمبيوتر ، بحيث تقف البنوك عاجزة عن الدفاع عن أسعار الصرف ، وأسعار الفائدة وأسعار الأوراق المالية في البورصات ، بحيث أن العالم تحول إلى رهينة في أيدي كبار المضاربين الذين يتاجرون بالعملات والأوراق المالية ، مستخدمين في ذلك مليارات الدولارات التي توفرها البنوك وشركات التأمين وصناديق الاستثمار وصناديق التأمين والمعاشات .
وكل هذا لا يتم عبر المؤامرات أو التحالفات في سبيل ذلك وإنما هو النتيجة الطبيعية والمنطقية للسياسات والقوانين التي أقرتها وعملت على تشجيعها حكومات الدول الصناعية الكبرى ، تحت ما سمي بـ " تحرير الأسواق المالية النقدية " والتي كما أسلفنا قام على تطبيقها صندوق لنقد الدولي والبنك الدولي على مختلف دول العالم بإطلاق سعر صرف عملتها ، وانفتاحها التام على السوق المالي العالمي . وهذا الانفتاح يجبر هذه الدول على التنافس في تخفيض الضرائب وتقليص الإنفاق الحكومي وخصخصة مشروعات الدولة والتضحية بالعدالة الاجتماعية ، وكل ذلك يروج له على أساس أنه ينسجم مع المصلحة العامة .
إن عملية الانفتاح على السوق العالمية ( المالية والنقدية ) تأخذ شكل بنية عقائدية مغلقة وإن أي خروج منها تتربص به الجيوش وتتكفل بإخضاعه ، وإنه عند انصياع أي بلد لهذه السياسات يبدأ أثرياء البلد بالانضمام إلى قائمة المقيمين للسياسات النقدية في بلدهم ، وهذا ما يجعلهم يستثمرون في أي مكان من العالم .
إن عملية السعي المحموم وراء الأرباح المرتفعة التي أصبحت
تتحقق في الأسواق النقدية والمالية جعلت من جميع القطاعات تتنافس وتتصارع من أجل خفض كلفة الإنتاج . وكان التنافس كبيراً والضغط شديداً على عنصر العمل للوصول ببند الأجور إلى أدنى مستوى ممكن . وهذا الأمر لم يشمل العمال وإنما أيضاً أصحاب المهن من أبناء الطبقات الوسطى ، حيث تولت عملية إعادة هندسة عنصر العمل والاستخدام الموسع لأجهزة الكومبيوتر مهمة الاستغناء عن عشرات الآلاف من الوظائف والمهن التي كان يقوم بها هؤلاء .
يروج دعاة العولمة لتلازم الديمقراطية والسوق وإن أحدهما يتطلب الآخر بصورة تؤكد عدم افتراقهما ، وفي الحقيقة أن الديمقراطية واقتصاد السوق ليسا هما الركنين المتلازمين دوماً اللذين يعملان لرفاه الجميع إن خبرة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تجري في مختلف بلاد العالم في ضوء السياسات الليبرالية الجديدة ، التي استندت إليها العولمة ، تؤكد ما رمينا إليه ، فالديمقراطية التي يجري الدفاع عنها الآن تدافع عن مصالح الأثرياء والمتفوقين لخفض الأجور وزيادة ساعات العمل ، وخفض المساعدات والمنح الحكومية تحت حجة تهيئة الشعوب بالمواجهة " سوق المنافسة الدولية " .
إن إبعاد الدولة عن التدخل في الحياة الاقتصادية ، وتجاهل البعد الاجتماعي ، تحت دعوى أن السوق ينظم نفسه بنفسه ، وإن كل امرئٍ يأكل بحسب إنتاجيته ، ليست إلا أوهام ستؤدي إلى تدمير الحياة الاجتماعية ، وإن الديمقراطية الحقة تمارس فقط عندما يكون الناس في مأمن ضد غوائل الفقر والمرض والبطالة ، وفي حال لم يتحقق الاستقرار والتقدم في حياة المجتمع فسيبقى الناس مهددين بأن تحكمهم نظم مستبدة .
إن سياسات الليبرالية الحديثة التي تعتمدها العولمة تحدد شكل المستقبل بالعودة إلى ماضي الرأسمالية ، فبعد أن طفت الأفكار الاشتراكية الديمقراطية ومبادئ العدالة الاجتماعية ، تلوح الآن في الأفق حركة مضادة تقتلع كل ما حققته الطبقة العاملة والوسطى من مكاسب .
إن زيادة البطالة وانخفاض الأجور ، وتدهور مستويات المعيشة وتقليص الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة ، وإطلاق آليات السوق وابتعاد الدولة عن التدخل في الحياة الاقتصادية وحصر دورها في " حراسة النظام " وتفاقم التفاوت في توزيع الدخل والثروة بين المواطنين ، وهي الأمور التي تحدد ملامح الحياة الاقتصادية والاجتماعية في غالبية دول العالم ، كل هذه الأمور ليست سوى العودة البداية الأولى للرأسماليين أثناء الثورة الصناعية في ( 1750 – 1850 ) ، وسوف تتفاقم الأمور مع السرعة التي تتحرك بها العولمة المستندة إلى الليبرالية الحديثة .
تؤسس الرأسمالية في عصر العولمة لما يسمى بدكتاتورية السوق والعولمة ، عبر إطلاق تعميمات ذات طابع غير ديمقراطي وشمولي وغير مبررة عملياً كالقول : إن مراعاة البعد الاجتماعي واحتياجات الفقراء أصبحت عبئاً لا يطاق ، وأن دولة الرفاه تهدد المستقبل ، وأنها كانت مجرد تنازلٍ من جانب رأس المال إبان الحرب الباردة ، وأن هذا التنازل لم يعد مبرراً ، وعلى كل فرد أن يتحمل قدراً من التضحية حتى يمكن كسب المعركة في حلبة " المنافسة الدولية " وإن شيئاً من اللامساواة بات أمراً " لا مفر منه " . تجد مثل هذه الأفكار انعكاسها في السياسات الاقتصادية الليبرالية التي تطبق الآن من دون مشاركة الناس أو موافقتهم على تلك السياسات .
إن الترويج للحجج التي تقول أن العولمة ذات الاتجاه الليبرالي المغرق في التطرف هي من قبيل الحتميات الاقتصادية والتكنولوجية الشبيهة بالأحداث الطبيعية التي لا يمكن الوقوف في وجهها هو محض افتراء ، بل على العكس فإنها ما هي إلا نتيجة حتمية خلقتها سياسات معينة بوعي وإرادة الحكومات والبرلمانات التي وقعت على القوانين التي طبقت السياسات الليبرالية الجديدة وألغت الحدود والحواجز أمام حركات تنقل السلع ورؤوس الأموال وسحبت المكاسب التي حققنها الطبقة الوسطى والعمال ، ففي كل هذه الأمور لم تكن هناك حتميات لا يمكن تجنبها بل إرادات سياسية واعية بما تفعل ، وتعبر عن مصلحة الشركات دولية النشاط .
إن تقسيم العمل الدولي والتغلغل الرأسمالي في ما يعرف بدول العالم الثالث قد جعل التبعية هي الناظم الأساسي للعلاقة ما بين الدول المتخلفة والعالم المتقدم ، وإن تركز أدوات الإنتاج ( التكنولوجيا ) في الدول الرأسمالية المتقدمة يكرس حالة التبعية في الدول المتخلفة وينتج التخلف بصورة دائمة ، وباستخدام المصطلح الماركسي لمفهوم دورة إعادة الإنتاج فإن هذا يعني أن قطاع إنتاج وسائل الإنتاج ، وهو الجزء الاستراتيجي في دورة إعادة الإنتاج ، غير موجود في اقتصاديات الدول التابعة ، وهكذا فمن منظور واسع فإن تحقيق تراكم رأس المال يتطلب مكملاً إنتاجياً غير موجود في هذه البلاد .
لقد احتاجت الاقتصاديات الرأسمالية إلى توسع خارجي لتحقيق تراكم رأس المال ، وبشكل معاكس فإن رأس المال في الاقتصاديات التابعة يعود إلى المركز من أجل إتمام إعادة الإنتاج الرأسمالية ، وذلك هو السبب في الأهمية البالغة للتكنولوجيا ، إن صفتها المادية أقل تأثيراً من أهميتها كشكل للحفاظ على السيطرة ، وكخطوة ضرورية في عملية تراكم رأس المال ، من خلال الميزة التكنولوجية تضمن الشركات دورها الرئيسي في النظام العالمي لتراكم رأس المال .
بشكل مماثل للعلاقة بين التنمية والتخلف على المستوى العالمي ، فإن الواقع الحالي للبلدان المتخلفة لا يقل في كونه نتاجاً لعملية تاريخية واحدة لتطور رأسمالي عن تلك المؤسسات الرأسمالية للمناطق التي يفترض أنها أكثر تقدماً .
يجب علينا أن نستنتج باختصار أن التخلف لا يعود إلى بقاء المؤسسات القديمة ووجود نقص في رأس المال في المناطق التي بقيت معزولة عن مسيرة تاريخ العالم ، بل على العكس فالتخلف كان وما يزال ناشئاً عن العملية التاريخية نفسها التي أنتجت التنمية الاقتصادية ، تنمية الرأسمالية نفسها .
إن المناطق التي كانت أكبر مصدر للمواد الأولية وأكبر مصادر رأس المال للعواصم العالمية هي التي توصف الآن بالمناطق المتخلفة ، حيث تتحمل الدول الرأسمالية مسؤولية تاريخية اتجاهها .
تبدو الحالة الراهنة للقوى السياسية في الوطن العربي في حالة يرثى لها فهي قد خرجت بعد صراع مرير مع الأنظمة الحاكمة بصورة متصدعة خائرة القوى تثير مجموعة كبيرة من الأسئلة حول طبيعة هذه القوى وبالأصل مدى قدرة الواقع العربي على إنجاز حالة سياسية تعبر عن واقع اجتماعي في ظل السيطرة غير المباشرة لواقع كوني طاغ ، وعندما استنفد الدور المرسوم للأنظمة القائمة وآن أوان التغيير بدت القوى السياسية كمن ضرب على رأسه ودخلت في متاهة أساس الوهم وشيء كثير من الانتباج والخلل النفسي والعقلي مما أفسح المجال لتسرب الكثير من رياح الانتهازية ، بدا معها الحقد على الأنظمة القائمة بدل توفر وعي سياسي رائد عن طريق المراجعة النقدية لواقع هذه القوى السياسية ولمجمل الوضع السياسي في تداخلاته الدولية والأمر الأهم غياب الوعي النظري الذي يرقى بالوعي السياسي لمستوى العلم ليكون ناظماً للسلوك السياسي ولمجمل الخيارات عبر وعي نقدي صارم .
من خلال مراجعة تاريخية مقتضبة لعلاقة المنطقة العربية ومنها سورية مع الواقع العالمي وبالتحديد النظام الرأسمالي يتبين أن هناك علاقة كانت دائماً خاضعة لمعايير ومصالح الدول الكبرى وتدخل ضمن ما يعرف بمنطقة خدمات للواقع الدولي ، وبالتالي كانت علاقة هذه المنطقة بالواقع العالمي في المرحلة السابقة أكثر جدوى من الآن ، حيث أصبحت الفجوة غير قابلة للردم إلا من خلال خيارات وطنية مستقلة ومن خلال إطارها التاريخي ، إطار الأمة العربية .
تاريخياً تعود العناصر الأولى للتغلغل الأوربي في سورية إلى الامتيازات التي وافقت الإمبراطورية العثمانية على تقديمها إلى الأوربيين عام ( 1675 ) إلا أنها كانت تعكس الصراع الاستراتيجي بين الرأسمالية التجارية الأوربية الناشئة والإمبراطورية العثمانية ، في وقت كان العثمانيون لا يزالون قادرين فيه على تحقيق نوع من التعادل الاستراتيجي .
مثلت حملة إبراهيم باشا عنصراً جوهرياً في ربط بلاد الشام بالاقتصاد العالمي ؟ ومن ثم تطوير علاقات رأسمالية أو شبه رأسمالية ، أو رأسمالية تجارية داخل المجتمع السوري .
لم تكن طبيعة التجارة داخل سورية ( داخلية أم خارجية ) رأسمالية ، إذ أنها شملت أساساً انتقال البضائع المصنعة أو غير المصنعة ( ترانزيت ) وتصدير البضائع المنتجة محلياً ، والمؤلفة من الأغذية أو القماش أو منتجات أخرى ( كالحرف اليدوية ) ويقابل ذلك الشكل ، شكل الرأسمالية التجارية الأوربية التي انطلقت من مواقع متفوقة لتبادل البضائع الرخيصة بالمواد الخام أو المواد الغذائية التي ما تزال تحتاج إليها .
مهما كانت الصراعات أو المصالح الاقتصادية المتنافسة التي شهدتها سورية حتى منتصف القرن التاسع عشر إلا أنها لم تنبع عن التناقض بين برجوازية صناعية أو حتى تجارية ناشئة وبين طبقة إقطاعيين ثابتة ، وبالتالي يعكس دخول الصراعات أو العلاقات الرأسمالية إلى المسرح ، الافتراق المتنامي والسيطرة المتصاعدة للقوة الأوربية ( الرأسمالية ) داخل سورية كما في المنطقة ككل .
إن النمو اللاحق للعلاقات الرأسمالية أو حتى أنماط الإنتاج الرأسمالية ارتبط بالضرورة باستمرار وتضاعف الهيمنة الأوربية ، وبالرغم من ذلك كانت عاجزة عن تشجيع ظهور رأسمالية محلية في أي وقت كان أو ضمن أية ظروف ، بل إنها رغبت ( وقامت فعلاً ) بمعارضة أي نمو محلي ، بينما ساعدت بنشاط على تفكيك أية بنية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية يمكن أن تبدي المقاومة أو تمثل الاستمرار مع الماضي .
إن الواقع القائم الآن هو استمرار لهذه الصيرورة ضمن هذا الشكل من العلاقة بين الغرب والشرق ( وبلدنا سوريا ضمناً ) وبالتالي ترفع الهجمة القائمة الآن على سورية ضمن إطار هذه العلاقة ، إن كثيراً من الطروحات السياسية المقدمة الآن على الساحة السياسية تعكس كثير من الجهل والانتهازية وعلى رأس هذه الطروحات الليبرالية ، والتي غاب عن ذهن طارحيها إنها ظاهرة تاريخية ( أي الليبرالية ) ارتبطت بالتاريخ الأوربي وعبرت عن ضرورة مرحلية في تاريخ الرأسمالية الأوربية .
إن الموقف في كثير من الطروحات السياسية في سورية يتأكد بسهولة في أنها تعبر عن حالة من التكيف مع المعطيات الجديدة وبالتالي تفتقد لروح الموقف الوطني الملتزم بقضايا الشعب والأمة .
إن الحديث عن القمع والتسلط وضرورة الديمقراطية من قبل الغرب عموماً كانت دوماً شعارات حملة نابليون ويافطة لكل الحملات الاستعمارية تجاه منطقتنا ، وهذا ما يدفعنا للقول إن الزجاجات جديدة ولامعة ولكن الخمر معتق .



-8-

التحدي الفكري
بين الأصولية والتحديث والتغيير

كان تطور المسار العام لحركة الفكر في المنطقة انعكاساً إيجابياً أو سلبياً لما هو سائد لحرك الثقافة والإيديولوجيات في العالم .
ففي وقت بدت فيه الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية عملاقاً اقتصادياً وسياسياً وتكنولوجياً ، فإنها وعلى نفس الدرجة والمساحة أخذت تسعى وفي مجال السيطرة الفكرية في تعميم إيديولوجيتها الليبرالية الجديدة على العالم والتي تلخص في الإيمان المطلق بفلسفة التقدم والتحديث وتجاوز الحدود والقفز فوق الثقافات الأخرى المحلية والإقليمية ، وشعار معلق واجهته الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة ...إلخ إلا أنها تتجاوز ما هو معلن من هذه القيم الإنسانية لتخدم عن طريق القوة الاقتصادية والعسكرية مشروعها السيادي العالمي في الهيمنة ، بحيث تجعل من الدول الأخرى والإنسان والأرض مادة للنهب والاستغلال لتحقيق الثروة والرغد على حسابهما ولتستفيد من موارد الدول الأخرى وتحويلها إلى منتجات وسلع تشبع بهما قطاعات واسعة ومهمة في مجتمعها وفي الدول التابعة مستفيدة من التقدم الهائل الذي حصل في كافة مجالات العلوم وتطبيقاتها التكنولوجية .
هذا التقدم العلمي والذي أصبح ضرورة ولا مفر منه ، لعب دوراً رائداً في هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية وفي مساعدة الدول الرأسمالية الأخرى في تخطي أزماتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ومن ثم في تعويم فلسفتها الليبرالية الجديدة وفي تجديد وتغيير بالمفاهيم والقيم الاجتماعية والثقافية باستخدام القوة والطاقات الموجودة والكامنة لديها لتحقيق أحلام التوسع ، ومن هذه النظرة الفلسفية العملية يكون مستقبل ومصير العالم قاطبة بيدها . وهذا على خلاف مطلق مع الكثير من الشعوب الآسيوية والإفريقية وبعض شعوب القارة الأوربية المسيحية والتي تقوم فلسفتها وقيمها الأخلاقية والوجدانية والروحية على الإنسان المستخلف في الأرض والذي هدفه حمل رسائل سماوية مقدسة مطلقة وثابتة حول الخير والشر والعدل والحق ... إلخ .
هذا الواقع الفلسفي عكس بطبيعته واقع التقدم والانتشار الثقافي الأمريكي لدى الكثير من الدول الأوربية الليبرالية بعد الحرب العالمية الثانية بسبب المساعدات الأمريكية الهائلة التي تمت على خلفية تحالفات سياسية وإستراتيجية بمواجهة المد السوفييتي الذي حمل لواء نشر الثقافة الماركسية (السوفييتية ) .
أما في الجهة المقابلة وخاصة في الشرق ، فإن هذا الانتشار والتقدم للثقافة الأمريكية الجديدة لم يتأثر كثيراً بالرغم من اصطدامه بفلسفات وثقافات نقيضة ماركسية وقومية ودينية إسلامية .
ففي الشرق الأوربي ، فلسفة / هيجل – ماركس – انجلز / على تضاد وتصادم كوني مع الثقافة الأمريكية ، وقد استمر هذا التصادم عشرات العقود وانتهى بسقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي ، هذا الانهيار الذي كان بمثابة إعصار هائل ومفاجئ أفقد توازن جميع أنظمة وقوى التحرر والتقدم في العالم وللأحزاب الشيوعية واليسارية بشكل خاص .
كانت الفلسفة الماركسية تلتقي مع الثقافة الأمريكية في الإيمان المطلق بضرورة التقدم المستند على طاقات الإنسان الجبارة وإبداعاته العلمية وعلى استثمار القوى الكامنة والواعدة في الطبيعة .
إلا أنها تختلف معها في إيمانها بجدلية وحركة المجتمع وتطوره المستمر وفي تحليلها المادي للتاريخ وقيمه وفي رفضها لمفاهيم العمل والجهد القائم على الاستغلال والنهب وفي رفض الهيمنة على الشعوب واستعبادها وفي حتمية بناء مجتمع شيوعي ينتفي فيه كافة أشكال التناقضات والصراعات الطبقية بعد حين من التطور التاريخي .
أما على الضفة الشرقية الأخرى – وخاصة الشرق العربي – الذي يتنازعه ثقافات حضارية متعددة – دينية وقومية وماركسية وعلمانية ليبرالية تحديثية ، فإن جميعها أصيبت بصدمة كبيرة من جراء انتصار الإيديولوجية الأمريكية وثقافتها الليبرالية الجديدة ، فكان هذا الانتصار بمثابة طوفان ثقافي جديد على المنطقة العربية التي لم يكن مستعداً له العقل العربي فشكل ردود فعل عند جميع التيارات الفكرية من أفراد وأحزاب وهيئات ، وأصبح السؤال المركزي عندهم هو كيفية التعامل مع هذا المد الفكري والسياسي الوافد الجديد .
فالتيار الإسلامي – بتنوعاته المختلفة – والذي يعتمد على الإيديولوجية الدينية / الإسلامية / الإيمانية ، كعنصر تكويني أساسي لثقافته الفكرية ، بدأ يسعى وخاصة الإسلام السياسي منه / الإخوان المسلمون / للتعامل مع الحقائق الواقعية على الأرض ومع قوة الأفكار الغربية بطريقة براغماتية بعد أن كان يعتبرها أفكاراً وافدة وتكفيرية ، إلا أنها براغماتية توضع في إطار الإيمان الإيديولوجي الوحيد المقبول لديه ، بحيث تدمج الأفكار الجديدة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان – وحقوق المرأة – والتعددية السياسية في الإطار العام للفكر والسياسة دون أن تطغى هذه الأفكار الجديدة على الإيديولوجية الدينية المحافظة .
وقد بدأ هذا التيار للتقرب من الإيديولوجية الأمريكية – الغربية عندما بدأ هذا الأخير بالتركيز سياسياً على حركة الإحياء الإسلامي والتقرب منها باعتبارها حقيقة مجتمعية لا يمكن القفز فوقها .
كما أن هذا التقرب الديني جاء انسجاماً مع حركة المد الديني البروتستانتية في الولايات المتحدة الأمريكية في خلال العقود الثلاثة الأخيرة وفي أوربا الكاثوليكية التي أجج نارها يوحنا بولس الثاني .
كما أنه ومن خلال هذا التقارب بين الإيديولوجية أخذ التيار الديني يدفع للاعتقاد ويقدم نفسه على أنه جزء من العملية البنيوية لصيرورة العالم ومعطياته المتعددة وإن الفكر والسياسة لديه من ضمن هذا التنوع والتصور ولكن في إطار النزعة التوحيدية الدينية الشمولية الثابتة المناهضة لجدلية وديناميكية التاريخ والعملية الثورية التي تدفع للتقدم والتغير نزعة دينية إما أن ترفض الآخر أو أن تقبل به بمقدار ما يخدم المصلحة والإيديولوجية .
وبسبب هذا التقارب بين الإيديولوجيتين وأيضاً السياسة العدائية الأمريكية تجاه القضايا العربية والإسلامية ، إضافة إلى تكريس سياسة وثقافة الانهزام والاستبداد والقهر والقمع وتردي الوضع الاقتصادي وما نتج عنه من فقر وبطالة ، فإنه ولهذه الأسباب مجتمعة امتدت النزعة السلفية – الأصولية وثقافاتها الجدية الراديكالية – كرد فعل نضالي ، وقد شكلت تلك الثقافة حالة بينية بين معظم التيارات الدينية الإسلامية الأخرى وبين الأشكال النضالية الوطنية الأخرى . إلا أن هذه الحالة البينية وبالرغم من آثارها المباشرة على الآخر والمربكة في الزمان والمكان ، فإنها تبقى محدودة الأثر السياسي والاستراتيجي الوطني كونها خارجة عن سياقه المشترك القابل بالتعدد والتنوع ، لكونها تحصر هذا الجهاد في استثمار فكرة ما هو مقدس في الدين والتراث والذي هو ملك لجميع أفراد الأمة وجزء من مكونها التاريخي .
كما أن إصرار القائمين على هذه الثقافة على أنها الثقافة الوحيدة القادرة على المواجهة واستبعاد كافة المفاهيم والقيم والاعتبارات الأخرى الداخلية والدولية ، يعيد إلى الذهن مجدداً إشكالية علاقة الفكر الديني بالسياسة والسلطة والدولة ، وعلاقة الفرد بالدين وما بينهما من فضاء ثقافي وسياسي متنوع ، هذه الإشكالية التي لا تزال آثارها السلبية فاعلة لدى جميع النظم والقوى والأحزاب السياسية في المنطقة في وقت كان بأشد الحاجة إلى الأثر الإيجابي للعمق الاجتماعي والتاريخي للفكر الإسلامي ودوره الحضاري في بناء ثقافة وطنية تقوم على فهم معاصر لمفهوم المواطن والوطن ولقيم التقدم والتطور .
أما التيار القومي – والوطني الليبرالي , فإنه يعتبر من أكثر التيارات الفكرية تضرراً بالثقافة الليبرالية الجديدة وسياسة العولمة الأمريكية كونه استطاع القفز على رأس السلطة السياسية والهيمنة على مراكز القرار الاقتصادي في أكثر من دولة في المنطقة العربية ( كما هو الحال بالنسبة للحركة الناصرية وحزب البعث وحركة الاشتراكيين والقوميين العرب وبعض الأحزاب البرجوازية الوطنية والليبرالية ) في العقود الأخيرة من القرن العشرين ، فالتيار القومي والذي اعتمد في شق من ثقافته على تمجيد الأمة والقومية من خلال إحياء عظمة الأمة العربية في الماضي والاتكاء على الرصيد التاريخي لها مع الأخذ بثقافة اشتراكية انتقائية وسياسة اقتصادية واجتماعية وأمنية استطاع من خلالها ضمان استمرار هيمنته السياسية والاقتصادية .
لقد أضاع هذا التيار الفرص العديدة على شعوب المنطقة في إنجاز مشروعها الحضاري بالتوحد ومواكبة التطور والتقدم وبناء الدولة المستقلة الحديثة المرتبطة بحقوق المواطن والمواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان .
أما التيار الوطني الليبرالي والذي لا يرى من الثقافة والفلسفة إلا النهضة والحضارة الغربية ، كنقطة انطلاق لبناء ثقافة جديدة علمانية ولا تتوقف عند مكونات الأمة التاريخية بل تتجاوزها بهدف إنجاز مجتمع عصري مماثل للمجتمع الأوربي يستمد منه قيم الحرية والمساواة والديمقراطية . وقد انكفأت ثقافة هذا التيار ودوره السياسي عدة عقود بصعود الثقافة الشمولية والقومية في المنطقة وهيمنة فكرة الحزب الواحد والقائد وبذلك حرمت المنطقة من تطورها المادي والطبيعي في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية .
وضمن سياق هذا الصراع الفكري – فإن للفكر الماركسي وضمن هذه الدائرة حضوره المميز في الشرق العربي ، إلا أنه وكما هو الحال بالنسبة للحلقات الفكرية الأخرى – كان في حالة عدم استقرار إنباتي ويرجع ذلك وفي مقدمتها إلى ارتهانه لمعادلات الصراع الدولية والإقليمية للأفكار والسياسات السوفييتية آنذاك من مجمل قضايا الصراع والمتناقضات والإشكاليات المطروحة في المنطقة . مثل قضايا ( الاستقلال ، الاعتراف بإسرائيل ، الموقف من الوحدة العربية ، الصراع العربي – الفلسطيني الإسرائيلي ، الدين ومقدساته ، ومفهوم العلمانية والحريات العامة ، والحريات الشخصية ، والموقف من الأنظمة الاستبدادية ومفاهيم الديمقراطية وقيمها المدنية ... الخ ) .
هذه القضايا كان يعبر عنها الأحزاب الشيوعية في المنطقة بصفتها المحتكر الأول للثقافة الماركسية . كما يؤخذ على هذا الفكر ومن ضمن أسباب عدم استقراره ، كونه أعطي بعداً إيديولوجياً وكهنوتياً مقدساً بعد أن تم إلباسه القميص الروسي اللينيني والذي ليس لأحد الحق في نقده أو تغييره مهما طال عليه الزمن أو أصابه من اهتراء إلا عن طريق مرجعيته الروسية التي جردته من مكوناته الأساسية في التحليل والتركيب وإعطاء الحلول والمواقف السياسية لطبيعة المتناقضات الاقتصادية والاجتماعية والطبقية والقومية المستقلة ومن منهجيته الفكرية التي تبعث إلى وعي الذات والموضوع في كل منطقة وعند كل مجموعة بشرية ، تلك المكونات التي تحمل إمكانيات التشكيل والتجديد المستمرين ، كما هو الحال بالنسبة للخلية الحية التي تشير دوماً إلى مدلولات الحياة والتشكل والنمو والتطور .
كما وضعت هذه الإيديولوجيا / الماركسية اللينينية / في مواجهة إيديولوجية دينية إسلامية – مسيحية ، ذات الإنبات التاريخي العميق والمتأصل مجتمعياً من خلال فهمٍ استغرابيٍ للعلمانية .
وباختصار فإن هذا التيار الماركسي اللينيني ، كان تياراً فكرياً محافظاً وإيديولوجياً سلفياً بامتياز ، صوفياً ومتعصباً لمركز سائد ومتمثل بالعلماء الكبار الروس ، كان يمنع على الآخر أن يفتح باب التجديد والاجتهاد ، بل ويفرض عليه رؤيته الجامدة – السالبة – والرافضة لكل ما هو متقدم ومتطور في العالم ، في وقت كان فيه وخاصة الغربي منه داخلاً ضمن إيقاع حركة متسارعة في التغيير ويزداد قوة وبمعدلات لا كابح لها لتوظيفها في مشاريع عدوانية ، لقد كان تياراً يرد ومن خلال المركز السائد على الأسئلة التي تطرحها الأزمة وبطريقة تضمن المحافظة على الأمر الواقع ، والأمر الواقع لا يعني إلا اختيار موقف الجمود في مواجهة عالم ينطوي على حركة مركبة ومزدوجة ومتحركة في جميع الاتجاهات ، كان يرغب في تجميد العالم كما يريد ويتهرب من الاقتراب منه ومعالجة حركته ومتغايراته بتحقيق حالة أصبحت مرغوبة ومطلوبة يكون حاملها وعي عناصر حركة الفكر الماركسي لتضع مشروع التطور والتغيير في مجاله المجتمعي وعناصر تكوينه وحركته لتدفع به إلى نطاق الفعل والعمل والأثر .
لقد كان تياراً ماركسياً لينينياً مغلق البنية – إيديولوجياً تقليدياً في الخطوط العامة للماركسية – إلا أنه متنكر لها ولايجابياتها المنهجية في فهم التاريخ وجدليته المادية .
وبسبب هذا الفهم السلبي للماركسية فقد انكسر هذا التيار وفقد توازنه بانهيار التجربة الروسية في بناء الدولة الاشتراكية .
لذلك فإن أي إنبات تجديدي للفكر الماركسي ، وإذا لم يعتمد على الماركسية كمنهج علمي للتحليل والبحث والتصور ووضع الحلول والمواقف للمتغيرات العالمية والإقليمية ، وإذا لم يغتنِ بمكتشفات الثورة العلمية والتكنولوجية و ينفتح على العلوم الإنسانية وتجارب الشعوب وإذا لم يتجاوز ما توقف عنده ماركس إلى إنتاج الفكر البشري المعاصر وخاصة فيما يتعلق بمفاهيم الدولة الحديثة والمعاصرة ومفاهيم الحرية والديمقراطية ، وأن يحدد الرؤيا والمواقف من القضايا الوطنية والقومية والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية الملحة ومن خلال البحث والتوقف عند الأوضاع الخاصة وبما ينسجم مع المصالح والحقوق والثقافة المتبلورة عبر قرون ، فإنه لن تكون الماركسية منهجاً فكرياً وخياراً للتغيير الثوري .



-9-

آفاق الليبرالية المنشودة في سوريا


ليست الليبرالية في سوريا هي المخرج الوحيد لحل أزماتها ، وليس من المنطق بمكان أن تتبنى بعض التيارات السياسية والفكرية هذا النهج، واعتباره نهجاً وحيدأ منفرداً للخلاص بالمجتمع السوري من الانتكاسات التي عاناها خلال الأربعين عاماً من حكم حزب البعث، يترافق ذلك مع إلغاء شامل وكلّي لكل التيارات والطروحات المغايرة الأخرى التي تنادي بعكس ذلك، تحت ذريعة أنها لا تبتعد برؤيتها وآليات حكمها عن الحالة الشمولية الديكتاتورية التي عانى الشعب السوري من إرهاصاتها الكثير حيث يوقعنا ذلك في انتكاسات تنعكس سلبًا على المجتمع، من حيث فقدان الرؤية الموضوعية والتحليلية للواقع السوري المعاش، فعملية نمذجة المجتمعات على الطريقة التي يطالب فيها البعض، هي عملية تفتقد الكثير من الدقة والمشروعية في المستويين النظري والتطبيقي، ويترافق ذلك في الغالب مع غياب أعمى للشرط الموضوعي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي يميز بلداً عن آخر، والخطر الأكبر في ذلك يتجلّى في المفاهيم التي ’تطرح لتشكل الحامل الفكري لتبني هذه المقولة ، فالليبرالية ( مثلاً ) ، هي الفردوس الموعود الذي يبشرون به لحل أزمات البشر ، منطلقين من رؤية كونية معاصرة ، ترى الكون والإنسان ، والاقتصاد والسياسة ، ومجتمعاتهم ، من وجهة النظر الفكرية التي بدأت تحوّل هذا العالم لدخول النفق الليبرالي الأمريكي ، بكل إرهاصاته وتجلياته ، دون التأكد حتى إذا كان هذا النفق يتسع لهم، أو واسعًا كثيرًا على طروحاتهم ، بحيث أنه من الممكن أن يضيعوا في قنوات الصرف الموجودة فيه .؟! وهم غالبًا ما يقعون في تبنّيهم لهذه الطروحات نفسها " الديمقراطية الليبرالية ، الاقتصاد الليبرالي ، الانفتاح على العالم ، نهاية اليسار الاشتراكي ، موت الماركسية ، انتفاء مبررات الإنتماء الوطني والقومي ، انتفاء مفهوم الطبقات ... التماهي مع مفاهيم العولمة ومنظوماتها ، ....الخ " وفي هذا الصدد يقدمون أفكارًا لا تتوافق مع تطلعات مجتمعاتهم ولا تركيبتها ، لا سياسيًا ، ولا اقتصاديًا ، ولا ثقافيًأ..!
لم تأت ِ الليبرالية في أوروبا نتيجة انقلاب لنظام شمولي ، أو انزياح نظام عسكري ديكتاتوري ليتحول هذا المجتمع أو ذاك إلى نظام ليبرالي بين عشية وضحاها ، بل جاءت كنتيجة لعملية التبادل الاقتصادي وعلاقات الإنتاج في أوروبا مع بداية الثورة الصناعية فيها ، مع ما رافقه من قيم فكرية طرحها مفكرو عصر النهضة الأوروبي ، والتي تقوم بجوهرها على إطلاق مفهوم الحريات الفردية في المستوى الاجتماعي ، وتحقيق الحريات السياسية والاقتصادية، المبنية بالمطلق على الحق الطبيعي المرتبط بمكنونات العقل البشري " الفرد" ، في تحريره من ارتباطاته المجتمعية الواسعة ، ليبني على طاقاته الخاصة ، وملكوته الفردية ، مشروعه الخاص ، في المستويات كافة ، يؤطر ذلك كله دستور يمثل نموذجًا لعقد اجتماعي بين السلطة السياسية التي تحمي هذه الحرّيات وبين الفرد " الذات الحرّة المستقلّة " . ترافقت تلك القيم مع تراجع وانحسار كبير في دور الكنيسة ، والانتماء الديني ، والنظر إلى مفهوم الوجود الإنساني من منطق الحق الطبيعي بدلاً من الحق الإلهي، وبعيدًا عن وعود الكتاب المقدس ، وتعاليم الدين في العدالة والمساواة في السماء ، ساعد ذلك تطور الثورة الصناعية ، مع ما يحمله هذا التطور من تغيرات ترافق البنى الفكرية والعقلية للطبيعة البشرية ، الذين انتقلوا من نظم الإنتاج ، وعلاقات الإنتاج الإقطاعية إلى نظم وعلاقات الإنتاج الصناعية، التي تفرض تطورًا وتغيرًا في آليات التفكير ، وروابط الاجتماع الإنساني ، مع ما رافق ذلك من التأسيس لطبقات اجتماعية جديدة كليًا، شكلت قطيعة كبرى مع التاريخ القديم الزراعي الإقطاعي ، والكنسي لأوروبا ، وأهم هذه الطبقات ، الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة ، فالمجتمع الرأسمالي هو شرط أساسي من شروط النظام الليبرالي ، وهذا يعني بأن الليبرالية في أوروبا قد أوجدت حاملها الاجتماعي ، قبل أن تجد طريقها إلى النظرية والتطبيق ، وتثبت وجودها كمنهج ونظام سياسي واقتصادي ، وخاصة بعد أن تزاوجت مع طروحات الثورة الفرنسية في الحريات وحقوق الإنسان ، ثم انتقلت إلى وضع جذور مجتمعية لها بعيد ظهور وانتشار الفكر الاشتراكي في القرن التاسع عشر ، ما حدا بها إلى مواجهة هذا المدّ الخطير من خلال تطوير نظريتها وإيجاد مخارج لأزماتها التي بدأت تظهر مع اشتداد التناقضات والثغرات التي كانت تواجهها في الممارسة والتطبيق .
تشير الدراسات الفكرية إلى أن بذور الليبرالية تعود إلى نهايات القرن السابع عشر ، ومنذ ذلك الحين تعيش الرأسمالية أزمات وتناقضات تسير بين مدّ وجذر ، على جميع المستويات ، اقتصاديًا ، واجتماعيًا ، وسياسيًا ، وكانت دائمًا تنجح بفضل ديناميتها التي لا ’تنكر بالخروج من هذه الأزمات ، على رغم الويلات الهائلة التي جلبتها للبشرية ، من حروب واستعمار وقتل ودمار وغيرها ، وهذه كلها من إرهاصات الرأسمالية العالمية ، ولكن الليبرالية كانت المنهج الفكري لهذه الرأسمالية، والتي بنت عليها مراحل تطورها وصولاً إلى العولمة التي تشهدها البشرية في أيامنا هذه . فمنطق الخلاص الفردي هو الجوهر الذي تقوم عليه فلسفة الليبرالية ، مضافًا إليه ، منطق التزاحم والتنافس والتحكم بعملية الإنتاج الاقتصادي في السوق ، فتخضع كل شيء إلى قانون العرض والطلب ، وقد طال ذلك القانون حتى أنماط النظم السياسية الليبرالية ، وأصبحت اللعبة السياسية خاضعة لهذا المعيار التنافسي في الاقتصاد العالمي ، والسيطرة العسكرية والسياسية على القرار العالمي ، فالانتخابات الرئاسية في أوروبا وأمريكا أصبحت تحدد من خلال سياسة هذه الدول الخارجية ومنظورها لجهة الاقتصاد العالمي وتفاعلاته ، بالإضافة إلى مصادر الطاقة ، أكثر مما هي لعبة تنافسية في تحقيق الخير والازدهار لبلدان ومجتمعات هؤلاء الرؤساء .
تنتمي سوريا إلى بلدان العالم الثالث ، وتواجه الكثير من الأزمات في شتى مجالات الحياة ، وقد تكون هذه الأزمات أكبر مما تبدو عليه، وأكثر عمقًا من أزمات بلدان كثيرة تتشابه مع سوريا، ويتحمل نظام الحكم مسؤولية كبيرة في توليد هذه الأزمات وتعميقها ، لتتحول إلى أزمات بنيوية تشكل عائقًا أمام أي مشروع خلاص أو تغيير في البنى السياسية والاقتصادية والمجتمعية السورية ، وتتميز سوريا بأنها تحوي نسيجًا اجتماعياً بشريًا ، تحكمه منظومة قيم هي في الغالب ما قبل وطنية، تتجسد فيها روح الطائفة والجماعة والعشيرة والعائلة ، وقد ساعد النظام خلال سنوات حكمه الطويلة في تكريس هذه البنى، حيث قام بتوظيفها في عملية توازن سياسي لصالح السلطة واستمراريتها ، ساعية لاكتساب مباركة جميع الفئات الاجتماعية والعشائرية في البلد لحماية نفسها من تبعات التشكيلة السلطوية الأقلوية للنظام ، مع ما يشكل هذا الإنتماء من قوانين حماية وصراع وجود وبقاء في كنف الإنتماءات السالفة الذكر ، بعيدًا عن منطق الدولة ودورها في الرعاية والحماية، وعجزهم عن التماهي مع مفهوم المواطنة والإنتماء الوطني الذي أفتقد طويًلا في سوريا ، وكذلك الإنتماء الديني الذي يصل إلى حالة التطرف لدى الكثير من الجماعات والشرائح السورية والذين يجدون الخلاص عبره ،’يضاف إلى ذلك منظومة العلاقات التي تنتمي بطبيعتها إلى علاقات المجتمع الزراعي الريفي، مع ما يجسد هذا لطبيعة علاقات الإنتاج وعلاقات الاجتماع الإنساني التي تحكم هذه الطبيعة من البشر وما يعزز هذا النوع من العلاقات من تناقضات تساهم في تكريس حالة رجعية متخلفة أكثر من أن تساهم في التأسيس لحالة مجتمعية مدنية تنتمي إلى مفاهيم عصر الحداثة، في بلد مازال بعيدًا جدًا عن الإنتماء إلى شروط وتوصيف المجتمع الصناعي ونمط إنتاجه وعلاقاته .
سوريا مازالت بلدًا في مرحلة التطور ما قبل الرأسمالي والصناعي ، ويعيش فيه المجتمع نمط العلاقات الأقرب إلى القبلية والدينية والطائفية ، مع ما يحتوي هذا البلد من أزمات تتجاوز بحجمها وضخامتها إمكانياته المتواضعة ، ضمن هذه الشروط يمكن أن يكون مشروع الليبرالية من حامليه والذي ينتمي إلى شروط وتوصيف النموذج الأميركي الذي يجسد ليبرالية العولمة في جانبها الاقتصادي المتوحش، مشروعاً يتجه بالبلاد إلى المزيد من الخراب والأزمات ، وانقلاباً على مفهوم الحرية والديمقراطية نفسه .
تنتفي في المجتمع السوري شروط التوجه الليبرالي " النموذج الأمريكي " و " الاستلاب العولمي " في الهوية الوطنية والتبعية السياسية والاقتصادية، على الصعيدين المجتمعي والسياسي، مع مقاربة متواضعة في الاقتصاد، وأمر تجاوز هذا الاقتصاد لتحديات المرحلة القادمة تحتمها طبيعة التكتلات الاقتصادية العربية والأوروبية، والتي تجاوزت مراحل سريعة وكبيرة في هذا الصدد .
ففي نمط العلاقات القبلية والطائفية التي تحكم المجتمع السوري ، تفتقد روح الفكرة الليبرالية القائمة على تقديس حرية الفرد جوهرها، وتواجه صعوبة كبيرة في إيجاد جذور اجتماعية لها، فالإرتداد الذي حصل في المجتمع السوري لجهة التقوقع ضمن مجموعات يؤطرها الإنتماء العائلي والريفي خلال السنوات الطويلة من حكم البعث، أدى إلى انتكاسة حقيقية لجهة غياب مفاهيم كثيرة تؤسس لبناء مجتمع مدني وحديث، أو لنظام الدولة الحديثة التي من المفترض أنها المعبر الرئيس لقيام النظام الليبرالي المعاصر بكل تجلياته، فالكثير من السوريين اليوم لا يعرفون معنى الدستور" مثلاً "، ويحتم علاقتهم بالدستور، بمباركته أو عدمها مثلاً، علاقتهم بشيخ العشيرة، أو رمز من رموز الطائفة، أو بمرجعية اقتصادية تكون هي الممول لحياة هؤلاء الناس، فالدستور من المفروض أنه هو الذي يجسّد ويشرعن علاقتهم مع السلطة السياسية " المتمثلة بالدولة " ، ولكن ما يحصل هنا أن الشريحة الأكبر من البشر تنتمي بعلاقاتها إلى المنظومة العائلية والعشائرية، ويبقي مفهوم الدولة لدى الغالبية منهم، محصوراً في تمثيلهم فيها من خلال قريب، أو صديق، أو أحد أفراد العائلة، ومن لا يملك هذا الامتياز، غالبًا ما يكون خارج معنى الإنتماء لهذه القوة، ويتجه إلى مشروع الخلاص الفردي " الذاتي، الأناني" والذي يمدّ جسوره الاجتماعية مع الروابط التقليدية الأولى في العائلة، أو العشيرة أو الطائفة ! سعيًا وراء تحقيق شروط الاستمرارية، وتأمين لقمة العيش، والتأمين على المستقبل، والعمل والسكن، وصراع البقاء، وأخيرًا الحماية الاجتماعية والاقتصادية له ولجماعته التي يمثلها ؟ يؤدي هذا الإرتداد إلى اغتراب كبير يصل حد التأصل بين هذا النوع من العلاقات، وبين المفاهيم المجتمعية الأخرى التي يجب أن ترعاها الدولة وتحققها لكل مواطنيها، كحق المواطنة، والحرّيات الفردية، وتكافؤ الفرص، والتوزيع العادل للثروة الوطنية والدخل القومي، مع ما يواكب ذلك من ضمان اجتماعي، وحماية وطنية، وتأمين صحي، والحق في العمل والتعبير والحركة والاجتماع وغير ذلك من شروط بناء الدولة الحديثة بالمعنى المعرفي والمنهجي لبنيان الدولة، حتى يصل هذا المواطن إلى التماهي والانصهار التام في منظومة الدولة ومؤسساتها المدنية . وهذه الشروط لا يمكن أن تقدمها النظم الليبرالية الأميركية، بل هي منوطة بدور بنّاء وغالب للدولة نفسها التي تتفاعل فيها وتشترك في إدارتها كافة القوى السياسية والمجتمعية لتحقيق التوازن المطلوب للخروج من أزمات مجتمعية عميقة، دون الالتحاق بالوصاية الأمريكية أو غيرها، مع الحفاظ على شيء من الإنتماء والخصوصية لهوية حضارية، أقل ما يمكن أن يقال فيها بأنها كانت مهدًا للحضارات، وما زالت قادرة على بناء ذاتها بمقدّراتها الخاصة .
نستنتج مما سبق أن النظام الليبرالي المنشود في سوريا، لم يستوفِ بعد شرطه المجتمعي والاقتصادي، وهو يشكل مناخاً خطيراً في حال تبنيه، أو اعتماده كنظام اقتصادي للدولة، فالحوامل الاقتصادية، من برجوازية وطنية، وطبقة وسطى، وصغار كسبة ونخبة سياسية وطنية، تكون هي الحامل والضامن لنظام ليبرالي وطني، غير متوفرة وليست موجودة في سوريا، والبديل هو تلك الفئة الهجينة التي تشكلت من استغلال نفوذ السلطة، ونهب البلاد بدون ضوابط أو حدود، وبالتالي فإن الغياب الواضح للمفاهيم الفكرية والثقافية الوطنية، يجعل هذه الفئات التي أفرزتها السلطة على هيئة برجوازية طفيلية تعتمد على اقتصاد الظل في تنمية ثرواتها ورأسمالها غير الوطني، والتي ستكون أي هذه الفئات بالضرورة هي الحامل" المشوه" لليبرالية المعاصرة، وأشبه ما تكون بمولود هجين لا ينتمي إلى أي نظام اقتصادي يحقق الأغراض المرجوة منه في بناء دولة حديثة، ونظام ديمقراطي، وتأمين بعض أخلاقيات البرجوازية الأوروبية التي بنت أوطانها في السياق التاريخي لبناء النظام الليبرالي .
بناء عليه، لا يمكن أن يكون هناك في سوريا نظام ليبرالي حقيقي الآن وفي المرحلة المنظورة ، بل سيكون هناك نظام اقتصادي يتبع أخلاقيات العولمة الاقتصادية المتوحشة، القائمة بمبادئها على نهب الآخر وتدميره في سبيل مصالحها، من هنا تأتي أهمية الحضور الفكري والسياسي والمجتمعي للتيارات اليسارية، وخاصة الماركسية منها لتحقيق التوازن السياسي والاقتصادي في المحافظة على مكتسبات الناس الاقتصادية، وحماية حقوقهم في التعليم، والصحة، والرعاية والتوظيف وتأمين الخدمات الأساسية وغيرها من متطلبات الحياة العصرية، وعدم ترك الناس لمصير مجهول يقع بين سندان طبقة برجوازية مشوهة، وبين مطرقة سلطة سياسية انتقلت من شرعية البوط العسكري في وجودها، إلى شرعية رأس المال المنهوب من الشعب على مدى السنوات الطويلة التي حكم فيها ، وفي ظل قطب واحد للعالم احتل بلداً رئيسياً في المنطقة العربية ، ويتهيأ للهيمنة أو للإنقضاض على الباقي .



الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي

(مشاريع وثاثق)
(كانون ثاني2009)

====================================================
>


الإسم: الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي.
تعريف :
هو حزب يتبنى الماركسية منهحاً في التحليل, وهو شيوعي في السياسة والتنظيم , مع قطعه مع الكثير من المفاهيم والممارسات التي مارسها الشيوعيون , وهو يعبر الآن عن إرادة للانفتاح على البنى المحلية لتفعيل وتبيئة الماركسية , منهجاً وفكراً, مع العروبة والإسلام, الذي هو المكون الأساس للهوية الحضارية والثقافية للأمة العربية،كمايعبر أعضاء الحزب عن رؤية جديدة للماركسية يرونها من خلال هذه الرؤية بوصفها منهجاً تحليلياً لجوانب الإقتصاد والإجتماع والثقافة من أجل تكوين رؤية سياسية،تشمل الأبعاد العالمية –الإقليمية-الداخلية،لإستنباط برنامج سياسي منها من أجل مكان وزمان محددين،وهم لايرون الماركسية عقيدة تشمل إضافة لماسبق رؤية فلسفية للنظام الكوني-الطبيعي،بل يرون حرية الماركسي في أن يعتقد مايراه من معتقدات-دينية أوغير دينية- تجاه هذا النظام،وأن يمارس مايراه وفقاً لذلك من شعائر وطقوس-أولايمارس-وفقاً لمايعتقده،لتكون الماركسية بناء على ذلك محصورة في إطار اقتصادي-اجتماعي-ثقافي-سياسي.
مـدخـل :
ونحن إذ نتقدم بهذا البرنامج ,من المفيد القول انه ليس خطاً استرتيجياً لنعمل عليه في إطار طويل المدى بل هو برنامج مرحلي يركز على رؤية للانتقال بالمجتمع من الاستبداد والشمولية إلى الديمقراطية عبر برنامج مرحلي يطمح واضعوه إلى جعله متفقاً عليه بخطوطه العريضة بين كافة القوى السياسية في السلطة والموالاة والمعارضة , وذلك لتجنب مخاطر الانتقال عبر الفراغ , كما حصل في العراق . هذا يعني بوضوح أن الاشتراكية ليست على جدول أعمالنا الراهن , ولكن هي غائبة سياسياً الآن , إلا أنها أيديولوجياً تبقى متضمنة عندنا , ونحن نؤمن , بخلاف لينين , ومع ماركس, بأن الديمقراطية واكتمال المرحلة الرأسمالية هي الطريق السالك إلى الاشتراكية , وهذا هو أهم درس يمكن استخلاصه من فشل التجربة السوفييتية . وفي الوقت نفسه , فإننا نؤكد في هذا الصدد , بأن ما سقط هو القراءة السوفييتية للماركسية , وهذا لا يؤثر على ما سنقرأه , كعرب سوريين عبر الماركسية ,من واقعنا المحلي في المجالات القومية - الوطنية – الاجتماعية – الاقتصادية , حيث ننطلق من أرض هذا الوطن , وليس من تجارب وقراءات الأحزاب الأخرى للماركسية . إننا ننطلق مما سبق من أن كل حزب سياسي هو صاحب رؤية أيديولوجية / وقد أثبتت الخمسة عشر عاماً الماضية أن ما سمي بموت الأيديولوجيا كان خرافة كبرى ساهم الليبراليون الجدد وعلى رأسهم إدارة بوش الإبن في دحضها/ . والفرق بين الأحزاب-وأيضاً ممارسي البحث المعرفي – يتحدد بين استخدامهم لمناهج معرفية تنطلق من رؤية ايديولوجية ,منفتحة وقابضة على الوقائع , وبين تلك الرؤى الأيديولوجية المنغلقة والمفارقة للوقائع .
الوضع الدولي:
ـ كان انهيار نظام الثنائية القطبـية في عام1989 – وماتبعه بعد عامين من سقوط وتفكك للإتحاد السوفياتي- مدخلاً إلى حقبة جديدة في العلاقات الدوليـة تحددت بواقع تحول واشنطن إلى قطب واحد للعالم.
ـ ظهر مقدار التفـرّد الأميركي في إدارة الأزمات : أزمة وحرب الخليج (1990ـ 1991) , حرب البوسـنة ( 1992ـ 1995) حرب كوسـوفو (1999) ,فيما تفرّدت واشـنطن بإدارة ملف تسـوية النزاع العربي ـ الإسـرائيلي بين عامي 1991 و 2000 من مؤتمر مدريد حتى مؤتمر كامب دافيد بين عرفات وباراك . من جهة أخرى , استطاعت واشنطن تحديد آفاق المشـكلات الإقليمية وتعيين سقوفها : نحو تغيير الخرائط من عدمه ( أوروبا الشـرقية بعكس الشرق الأوسط ) , إلى ضبط حدود التعامل مع " الدول المارقة " ( إيران ـ كوريا الشمالية ـ كوبا ...إلخ ) , ثم استخدام العوامل المحلية ضد القوى الكبرىالأخرى(اسـتخدام أقلية التوتسـي في روانده وبوروندي ضد أكثرية الهوتو الحاكمة الموالية تقليدياً لفرنسـة ) , إلى اسـتغلال المشكلات لتحجيم أدوار دول إقليمية معينة (مشكلات السودان ضد مصر,الأزمة اللبنانية ضد سورية بعد صدور القرار 1559في عام 2004) .
ـ كان غزو العراق فاصلاً في تاريخ أحادية القطب الأميركي للعالم : حصل هذا عبر تفـرّد أميركي كامل , تجاهلت واشـنطن عبره ( وقفزت فوق) ممانعات باريس وموسكو وبرلين ,ووضعت مجلس الأمن وراءها بعد خمسة عشر عاماً من استخدامه واجهة للتفرّد الأميركي .
ـ تركز الولايات المتحدة, منذ بداية أحاديتها القطبية ,على موضوع السيطرة على منطقة الشرق الأوسط, لإدراكها بأنها " قلب العالم " وأن من يسـيطر على هذه المنطقة " يسـيطر على العالم " وفقاً لتعبير الجنرال ديغول , فيما نراها لا تلتفت كثيراً إلى تطورات تبدو ليست لصالحها في مناطق أخرى من العالم, مثل أميركا اللاتينية التي تسمى بـ" حديقتها الخلفية ", بعد صعودحكام وقوى يســارية إلى السلطة هناك خلال الســنوات القليلة الماضية : هنا النفط, إضافة إلى الأهمية الاسـتراتيجية لمنطقة تشكل ملتقى القارات الثلاث القديمة , مضافاً لذلك موضوع ( الإسلام ) الذي يبدو، ليس بعيداً عن أذهان الغرب , اعتباره كـ " خطر أخضر " بديلاً عن " الخطر الأحمر ". إلا أن ذلك على ما يظهر ليس كافياً لتفسير هذا الاندفاع الأميركي الكبير نحو المنطقة منذ عام 1991 إلا إذا اعتبرنا أن هدف تأمين تطويق روسيا من الجنوب , بعد تحقيق ذلك من الغرب إثر الســيطرة الأميركيـة على شـرق أوروبة ووســطها والبلقان , وكذلك الصين من الغرب , لا يمكن تأمينهما بـدون مسـك المنطقة الممتـدة بين أفغانستان والشاطىء الشرقي للبحر المتوسط,ما يمكننا من تفسير اتجاه واشنطن, إثر السيطرة واحتلال العراق ,نحو الصدام مع سوريا في بيروت ,ومع طهران حيال برنامجها النووي ,لملء فراغات السيطرة في المنطقة الممتدة بين كابول وبيروت.
ـ يمكن القول , بعد عقدين تقريباً من نظام الأحادية القطبية , بأن واشـنطن قد اسـتطاعت إلى حد كبير النجاح في تحقيق الكثير من الأهـداف : تحجيم الدول الكبرى مثل الصين وروســيا وإخضاع الإتحاد الأوروبـي والقضاء على ممانعات بعض دوله , أو على الأقل تحديد مسارات القوة الأوروبية الموحدة باتجاهات لا تنحو نحو تشكيل قطب موازٍ لواشنطن , وخاصة بعد أفـول الاتجاهات الممانعة في بعض دوله ( فرنسة ـ ألمانيا ) لصالح اتجاهات التحاقية ,يقدمها ساركوزي والمستشارة ميركل , تتجه إلى الاقتداء بالتحاقية البـريطانيين، مع محاولـة تحديد أدوار دول كبرى تتجه نحو القوة مثل الهند باتجاه التحاقية بالأميركان لاستخدامها ضد الصين و " الخطر الإسلامي " .
ـ بالمقابل فهي تعيش تعثرات كبيرة في الشـرق الأوسـط : في العراق وإن كان من غير الممكن القول بأنها قد فشلت هناك ،فيما تميل التوازنات على صعيد المنطقة ككل في صراع( الدولي : واشنطن وحلفائها وتوابعها ) مع ( الإقليمي : حلف طهران ـ دمشـق ـ حزب الله ـ حماس) لصالح ( الإقليمي ) بعد محطات ( حرب / 12 / تموز ) و ( انقلاب حماس في غزة في صيف 2007) و ( أحداث 7 أيار ببيروت ) .
ـ يمكن اســتخلاص الخلاصة التالية كإجـمال للوضع الدولي : نجحت واشــنطن خلال ثمانية عشـر عاماً في تعزيز واســتقرار أحاديتها القطبية للعالم ,ولا يظهر في الأمد القريب أو المتوسط ,أفق لتشكل قطب أخر للعالم ,أو قوة يمكن أن تطرح نفسها كمنافس لواشنطن على الزعامة العالمية, فيما تقتصر المقاومات, أو الممانعات بالأحرى, على مناطق موضعية محددة من دول العالم, غالباً ما تكون أهدافها الحصول على اعتراف ( القطب الواحد للعالم ) بها كقوى إقليمية تحت المظلة , أو تريد فرض نفسها رغماً عن واشنطن (= طهران ) أو في أجل الاعتراف بنظامها (= كوريا الشمالية )،وهذا لاينفيه واقع الحركة العسكرية الروسية الأخيرة في جورجيا أوتلك التي تأخذ شكلاً سياسياً لتغيير الخارطة السياسية الأوكرانية،حيث لاتهدف روسيا من ذلك طرح نفسها مجدداً كقوة عالمية منافسة ،وإنما هي تستفيد من الضعف الأميركي في الشرق الأوسط لمنع أميركا من اختراق"حدائقها الخلفية" ولفرض السيطرة أوالنفوذ على الأخيرة .
شكلت الحرب عند واشنطن , منذ عام 1991, وسيلة لخلق حقائق سياسية واقتصادية جديدة , وهذا ينطلق من إدراك صانعي القرار الأميركان بأن التفوق العلمي ـ التقني ـ العسكري , إذا لم يرادفه حقائق مكافئة أو موازية في الاقتصاد,على الصعيد الجغرا ـ سياسي, فإن ذلك كله يمكن أن يؤدي إلى تقويض بناء الأحادية القطبية ,وخاصة مع وجود مؤشرات إلى بزوغ قوى اقتصادية كبرى تتجه نحو العملقة العالمية , في أوروبا الموحدة وعند الصين وربما مستقبلاً لدى روسيا , ما يجعل الحرب وسيلة لخلق حقائق اقتصادية لصالح القطب الواحد ومعيقة أو وقائية تجاه العمالقة الاقتصاديين المقبلين , وخاصة إذا تمت السيطرة على احتياطيات النفط العالمي من قبل الأميركان في الشرق الأوسط ( 60% ) ومنطقة القفقاس ـ بحر قزوين (18% ) .
هناك أسئلة تطرح على ضوء تطورات الوضع الدولي خلال حوالي العقدين من عمر نظام(القطب الواحد للعالم):لماذا كان النجاح الأميركي بهذه السهولة والسيولة في تثبيت وترسيخ نظام الواحدية العالمية:هل هذا بسبب عدم وجود مشاريع مضادة ذات طابع أيديولوجي –سياسي ،كماكان الأمر في زمن الثنائية القطبية،أم أن الإقتصاد( تنتج أميركا 70%من الإنتاج التقني العلمي العالمي وهي لها وحدها ثلث الناتج الإقتصادي الإجمالي للعالم) كان مقرراً في ذلك ،كماكان مقرراً حاسماً في كسر الثنائية القطبية مع السوفييت؟.....
من جهة أخرى:هل المصاعب التي واجهتها أميركا في تنفيذ مشروعها ل"إعادة صياغة المنطقة"البادىء من البوابة العراقية،منذ حرب تموز وفشل اسرائيل فيها ماانعكس لاحقاً في محطات(14حزيران2007 بغزة)وفي(اتفاق الدوحة)،يمكن أن تقود المرء للقول بأن المشروع الأميركي قد فشل في المنطقة ،أم أنه يواجه فقط مصاعب وتعثرات،ستستطيع الولايات المتحدة تجاوزها؟...
ثم:ماهي علاقة الوضعية الأميركية الراهنة في الشرق الأوسط بعملية الإستيقاظ الظاهرة للقوة الروسية التي أظهرتها مؤخراً أحداث جورجيا؟......... وأيضاً:ماعلاقة ذلك باستيقاظ الدور الفرنسي،تجاه سوريا وفي جورجيا،أم أن ذلك ليس بوادر استقلالية وإنما أدوار بالوكالة عن الأميركي بسبب توعك وضعف راهن عند الأخير،وهو مايجب طرحه تجاه أدوار مثل الدور التركي الأخير في المفاوضات السورية الإسرائيلية،والإتجاه العام لتعوم أوتعويم دور أنقرة في المنطقة ؟.............
كل ذلك يقود إلى سؤال كبير:هل نحن نتجه ،بسبب تطورات الشرق الأوسط والقفقاس وبعض ارهاصات التمرد العلني لبعض دول أميركا اللاتينية على الهيمنة الأميركية(فنزويلا وبوليفيا)،إلى انكسار نظام الأحادية القطبية باتجاه تشكل نظام دولي جديد لم تتحدد ملامحه،أم أن هناك استيقاظ وتحين فرص من دول كبرى( روسيا + فرنسا) أودول اقليمية رئيسية( جنوب افريقيا- البرازيل – ايران –تركيا) إما هي تحت ايقاع القطب الواحد أو أنه سيستطيع احتوائها (روسيا)أوكسرها أوا حتوائها(ايران)،من حيث أنها تنوي بحركاتها إلى تحسين مواقعها في النظام الدولي القائم بعد عام1989=روسيا،أوفرض موقع معين لها في منظومته الشرق أوسطية يكون لها فيه دور رئيسي=ايران؟........
في الجانب الإقتصادي للوضع الدولي : أتت الأزمة المالية العالمية بدءاً من شهر أيلول2008،التي بدأت من المركز في نيويورك،لتطرح وتبين مآزق المشروع الإقتصادي الذي حملته للرأسمالية المنظومة الأيديولوجية لليبرالية الجديدة،خلال العقود الثلاثة الماضية،والذي يحوي خصيصة رئيسية متمثلة في الدور الرئيسي لرأس المال المالي في البنية الرأسمالية،فيماكان الصناعي والتاجر يحتل هذا الموقع حتى بداية الربع الأخير من القرن العشرين.من الواضح ،عبر معالجات الأزمة على الصعيدين الأميركي والأوروبي،أن هناك عودة عن الوصفات الإقتصادية التي قدمتها الليبرالية الجديدة،وأن هناك رجعة للوصفات التدخلية للدولة كماحصل بعد أزمة1929-1932.
هناك سؤال يطرح نفسه،هنا: ماهي الإنعكاسات الأيديولوجية والسياسية والإقتصادية ،في الغربين الأميركي والأوروبي وفي كافة مناطق العالم بمافيها منطقة الشرق الأوسط،للوضع التراجعي والمأزقي لمشروع الليبرالية الجديدة "في إعادة صياغة العالم من خلال سلطة القطب الواحد " وفي الإقتصاد كحصيلة لثمان سنوات من عمر إدارة بوش الإبن؟........أي:هل سينعكس ذلك في خريطة أيديولوجية مختلفة للعالم،يكون فيها اليسار الماركسي قوياً من جديد،بعد ضعف قوي أصابه إثرهزيمته أمام مشروع الليبرالية الجديدة الذي حملته إدارتي ريغان وبوش الأب في الثمانينيات،ثم أوصله بوش الإبن لذروته،ويكون فيها لليمين انزياحات عن أيديولوجية الليبرالية الجديدة؟..........
الوضع العربي و الإقليمي :
تأتي الخصيصة الرئيسـية للوضع العربي الراهن وتتحدد من خلال فشـل التيار القومي العربي , بجناحيه البعثي والناصري ,في تحقيق برامجه التي تركزت على المواضيع الأربعة التالية : 1ـ فلســـطين , 2ـ مقاومــة الهجمة الأميركية على المنطقـة ,3ـ الوحدة العربية , 4ـ التنمية والتحديث.
أصبحت إسرائيل بعد ستين عاماً من نشوئها أقوى ,وهي تتجه شيئاً فشيئاً لكي تكون " جزءاً " من المكونات السياسية المعترف بها من الأنظمة العربـية , ولا يُختلف في هذا الشـأن معها من قبل هذه الأنظمة إلا على دفـتر الشـروط للتسـوية , فيما أصبحت الولايات المتحدة " قـوة إقليمية " بعد احتلال العراق , وهي تقرر الآن الكثير من محطات وسـياســات بعض الأنظمة العربــية الخارجية ,وتحدد الكثير من السياسات الداخلية ,أيضاً ,في العديد من بلدان العرب ,كما تأخذ الآن ,عند بعض القوى المعارضة وضعية الحليف أو " القوة المرتجاة " أو " المنقذ " .
لن نتحدث عن وضعية الوحدة العربية فيما تمور وتبرز إلى السطح عوامل الانقسامات البنيوية في المجتمعات العربية أو تطفوالانتماءات والميول ا لما قبل ـ وطنية ,ولن نتحدث أيضاً عن مصر التي لم تستطع حتى الآن حل مشكلتها الغذائية ,لتصبح رهينةلمعونات القمح الأميركية , بينما يزداد الفارق الطبقي إلى حدود شاسعة بين الأغنياء والفقراء , فيما سوريا التي كانت في عام 1975 توازي أو تقترب من دخل ماليزيا للمواطن الفرد ( 676 /716 دولار), قد أصبحت في عام 2002وفقاً لتقرير التنمية البشريةالصادر عن الأمم المتحدة , في المرتبة ( 108 ) من أصل ( 173 ) دولة , فيما ماليزيا في المرتبة ( 59 ).
أدى هذا الوضع العربي إلى تـراجع التيارات التحديثية : القومية والماركســية لصالح التيارات الإســلامية الأصولية , بفرعيها السني والشيعي , وإلى بروز قوى إسلامية أكثر تشدداً من الأصولية , برزت بعد حرب الولايات المتحدة وغزوها للعراق في عام 2003تمثلت في تيار ( الســلفية الجهادية ) ,فيما كان تيار ( الليبـرالية الجديدة ) في وضعية الصدى للمشــروع الأميركي للمنطقة الذي توضحت أبعاده الســياسية ـ الاقتصادية ـ الثقافية بعد غزو العراق من خلال ( مشــروع الشــرق الأوسط الكبير) / 13 شباط 2004 / الصادر عن الخارجية الأميركية .
أتت أمريكا إلى العراق، كبوابة للمنطقة لتأمين مصالحها الآنية والمستقبلية ، وذلك من خلال سيطرتها على نفطه وعلى موقعه الاستراتيجي ، ومن أجل التحكم المباشر ومنع نشوء قطب آخر، ومن أجل منع تأسيس أي قوة عربية كبرى ومستقلة تواجه إسرائيل . ويلاحظ تركيز كل طرف من التيارات السياسية العربية على عامل واحد لهذا المجيء، إلاّ أننا يمكن أن نقول بأن ما طرحته الإدارة الأمريكية من برنامج رافق دبابتها، والمتمثل بمشروع " الشرق الأوسط الكبير " ,قد كان ذراً للرماد في العيون .
على ضوء ذلك , كانت السياسة الأميركية , بعد احتلال العراق , تحاول إعادة صياغة شؤون المنطقة على الأصعدة كافة , فلم تقتصر على الضغط على الأنظمة من أجل سياسات ملائمة إقليميا , بل حاولت التدخل في الشؤون الداخلية لمختلف الدول العربية , ومنها الحليفة لها , حتى وصلت إلى المناهج الدراسية , ومنع تدريس آيات القرآن الكريم التي تحض على الجهاد وتتناول اليهود .
كان العراق بوابة من أجل ذلك , أما لماذا اختيار العراق كبوابة فقد كان ذلك بسبب عزلة النظام العراقي العالمية والإقليمية , وبسبب الفجوة بين النظام والمجتمع , وبسبب موقعه الإستراتيجي , وكونه يحوي ثاني احتياطي للنفط في العالم . وقدانطلقت أمريكا من هذه البوابة لترتيب أوضاع المنطقة,عبر سياسة هجومية كان أحد عناوينها (القرار1559) الذي يحوي تصوراً للمنطقة الممتدة من كابول حتى شرق المتوسط,وقد كان اصطدام واشنطن مع دمشق ناتجاً عن تغير نظرة الأميركان إلى الأدوار الاقليمية لدول المنطقة, وناتجاً عن سياسة السلطة السورية الممانعة تجاه العراق المغزو والمحتل, ماجعلها تدفع فاتورة سياستها العراقية في بيروت 2005.
أظهرت الأوضاع العربية هشاشة داخلية أمام الاختراق الأميركي,الذي أخذ أشكالاً عدة في السنوات القليلة الماضية,من الاحتلال إلى اللعب على المكونات الداخلية لتحقيق الأجندات الأميركية(لبنان-السودان)وصولاًإلى مراهنة تيارات سياسية عربية على الخارج الأميركي لتحقيق سياساتها المحلية في بلدان عربية عديدة,فيماكان الحكام بمعظمهم في وضعية المتكيف والمنحني أمام المتطلبات الأميركية في القضايا الاقليمية وعلى الأصعدة الداخلية.
إن هذه الهشاشة التي ظهرت أمام الأميركان,وقبل ذلك أمام الاسرائيليين,قد كانت حصيلة لنصف قرن من حكم التيار القومي, بفرعيه الناصري والبعثي,في العواصم الثلاث الأهم للعرب,والتي امتدت إلى الاقتصاد والاجتماع والثقافة,لتبين حصيلة كاملة من الفشل على هذه الأصعدة,بعد حكم لفرد أوحزب واحد, كان فيها غياب كامل للحريات الديموقراطية لقوى المجتمع.
من المهم جداً,وربما الأهم, هزيمة المشروع الأميركي في العراق,أما كيف أومامدى تطابقنا مع أساليب المقاومة, فهذا متروك لأهل العراق, ومن الثابت أنه ولامقاومة في العراق تحظى بدعم كل العراقيين أوغالبيتهم, أما فيما يتعلق بامتداد المشروع الأميركي إلى المنطقة, بعد مجيء الأميركي إلى بغداد,فمن الضروري عدم التطابق مع أجنداته ومواجهته ,سواء المتعلقة بلبنان، أوفي أي منطقة أخرى من العالم العربي .
يلاحظ هنا, تأثر موضوع الصراع العربي-الاسرائيلي بمجيء واشنطن للمنطقة عام2003,حيث ترافق هذا المجيء مع موت عملية التسوية التي بدأت عام1991 في مدريد, ومن الواضح أن انطلاقها من جديد سيكون مرتبطاً مع استكمال"إعادة الصياغة" الأميركية للمنطقة,وهو ماتلاقت معه السياسات الاسرائيلية في عهدي شارون وأولمرت, وقد أثبتت اسرائيل أنها امتداد مستمر للمشروع الغربي, وأنها مازالت مستعدة لأداء دور الوكيل, كما حصل في حرب 12تموز الأخيرة في جنوب لبنان, وهذا مايؤكد أن اسرائيل كائن دخيل على المنطقة العربية, ومن الصعب التصالح معه أوالقبول به من قبل العرب,سواء وقع الحكام معه تسويات أم لا,وهو ماأثبتته تجارب العقود الأخيرة في مصر والأردن وبعد(اتفاق أوسلو)الذي وقعته منظمة التحرير الفلسطينية، مما يؤكد ضرورة تضافر كافة الجهود العربية وتوجيهها باتجاه سياسة تحريرية لجميع الأراضي العربية المحتلة، ومنها أرضنا السورية المحتلة في هضبة الجولان .
من الواضح الآن, ,أن هناك غياباً للمشروع العربي, في ظل حضور المشروع الأميركي,والمشروع الاسرائيلي,مع بداية بروز وبلورة المشروع الايراني في المنطقة, خصوصاً بعد المكاسب التي حصل عليها الايرانيون جراء الغزوين الأميركيين لأفغانستان والعراق, وإزاحة الأميركان لنظامين كانا من ألد أعداء ايران في المنطقة.إن خطورة المشروع الايراني تتأتى من كونه مشروعاً خاصاً لبلد اقليمي رئيسي يبحث عن تسويات مع القطب الواحد للاعتراف بدور اقليمي رئيس له في المنطقة,وهو ماسيكون بالضرورة على حساب العرب كما جرى في عراق2003, ويتأتى من كونه يحمل بعداً مذهبياً-يغطي بعده القومي-سيصطدم(واصطدم) بغالبية العرب, وهو مايمكن أن يعيد العرب والمنطقة إلى صراعات لن يستفيد منها سوى الأميركي والاسرائيلي,من دون نسيان تناقض السياسة الايرانية في جنوب لبنان(وهي ايجابية تجاه العرب)مع سياسة طهران في العراق, إذ أنها تغطي سياستين متناقضتين, واحدة في النجف والثانية في الضاحية الجنوبية لبيروت، لتحقيق الأهداف القومية الإيرانية عبر هذين الممرين، مع تسجيل أن تبعية النظام العربي الرسمي للولايات المتحدة، خلال الثلث الأخير من القرن العشرين، هي العقبة أمام نشوء مشروع عربي مستقل في المنطقة .
كمجمل للوضع العربي ،يمكن القول بأنه تتحدد المرحلة العربية القائمة من خلال (الوطني), أي من خلال الموقف من مشاريع الولايات المتحدة الهادفة إما إلى الاحتلال( العراق) أو الهيمنة ( لبنان) أو التأثير ( مصر) أو تغيير السياسات (سوريا) : في مناطق , تخضع للاحتلال,يكون ( الوطني)لوحده هو عامل التحديد,وربما أيضاً في مواضع مخصوصة مثل لبنان ,أما في بلدان عربية أخرى فلا يمكن أخذ ( الوطني) مجرداًوإنما يجب أن يكون مشروطاً بـ (الديموقراطي), إلا إذا تعرض البلد لهجمة خارجية أو اعتداء عسكري, فيما تفرض التحولات نحو رأسمالية السوق , الموجودة في بلدان عربية عديدة كانت تنتهج نمط ( الاشتراكية العربية ) أو خط ( التطور اللارأسمالي)،وفقاً للمصطلح الســوفياتي , الأخذ بثالوث ( الوطني ـ الديموقراطي ـ الاقتـصادي الاجتـماعي ) كرزمة واحدة , بعد أن تغوّلت الرأسمالية الجديدة , مستظلة بالقوى الحاكمة , في هجمتها على الفقراء والفئات الوسطى , ما يهدد النسيج الاجتماعي القائم .
يمكن أن يطرح ذلك حدود التحالفات , أو التنافرات , بين التيارات السياسية العربية الرئيسية الإسلامية , القومية , الماركسية ,الليبرالية : من الواضح في هذا المجال أن (الديموقراطية) تجمع هذه التيارات الأربعة في بلدان عربية عدة, مثل سوريا ومصر، إلا أن تجربة ( إعلان دمشق) تبيّن بأن ذلك لم يعد كافياً, إذا لم يقترن بالموضوع الوطني , أي الموقف من ( العامل الأميركي)،الأمر الذي أدى إلى انقسـام ( إعلان دمشق ) طوال سنتين من عمره , حتى انفجر ذلك في الاجتماع المنعقد لمجلسـه في الشهرالأخير من عام 2007 , عندما تم إقصاء التيارين القومي العربي والماركسي من قيادة ( الإعلان ) , لصالح سيطرة ( الاتجاه الأميركي ) على هذه القيادة عبر ثالوث (ليبرالي ـ إسلامي إخواني ـ قومي كردي) اجتمعت أطرافه الثلاثة على تأييد المشروع الأميركي للمنطقة , حيث كان الموقف من هذا المشروع هو مسطرة التلاقيات والتباعدات بين هذا( الثالوث ) والتيارين القومي العربي والماركسي في ( إعلان دمشق ) .
بالمقابل , إن ( الوطني ) يجمع في العراق المحتل بين ( الإسـلامي ) و ( القومي ) و ( الماركسـي ) المختلف مع قيادة الحزب الشيوعي العراقي الملتحقة بسلطة الاحتلال الأميركي, إلا أنه لا يمكن أن يجمع لوحده, إلا في ظروف عدوان أو غزو خارجيبين التيارات السياسية المتفقة أو المتقاربة في الموقف من ( العامل الأميركي) ببلد يعيش تحت أوضاع غير ديموقراطية , مثل سوريا , فيما يكون ( الاقتـصادي الاجتـماعي ) غير مقرر , أو لا يوازي ( الديموقراطي ) في تقرير التلاقيات والتباعدات بين مواقع القوى السياسية بالبلد المذكور على اختلاف وتنوع اصطفافاتها في الخريطة السياسية .
الوضع الداخلي السوري:
تعيش السلطة السورية,الآن, مأزق العجزعن الاصلاح(= الاقتصاد – الإدارة- القانون – السياسة)المترافق مع عجز البنية المتولدة عن 8آذار1963على الاستمرار ضمن شكلها القديم.يرخي,هذا,بثقله على الأوضاع السورية ويسمها بطابعه, وخاصة في المرحلة التي أعقبت وفاة الرئيس حافظ الأسد في عام2000.بالمقابل, فإن المعارضة السورية تعاني من عجز ليس فقط عن الفعل والتأثير وإنما حتى عن القدرة على انتاج رؤى سياسية مطابقة للوقائع,بعكس فترة ماقبل عام2000, والملاحظ أنها لم تعد ترسم سياساتها وتحدد توجهاتها من خلال موقعها وذاتها,بل عبر دلالات الآخرين,سواء عبر التطابق معهم أوالمراهنة عليهم أوعبر التعاكس معهم. وفي الوقت نفسه, تعيش سوريا حالة تترافق فيها أزماتها الداخلية مع اتجاه دورها الاقليمي نحو منحى الضعف, وهو مايجعل البلد في وضع مأزوم وصعب, لم يواجهه منذ عقود،وهو مأزق لن ينتهي حتى ولو استطاعت السلطة الخروج من عزلتها من خلال فتح كوات،كماجرى مؤخراً مع الفرنسيين والأوروبيين في صيف عام2008 عقب(اتفاق الدوحة) .
من الصعب أن تستمر الأوضاع على ما هي عليه , في المستقبل المنظور أوالمتوسط , وخاصة في ظل استمرار واشنطن في محاولة فرض أجنداتها في المنطقة,سواء في الحدود الشرقية لسوريا أوفي عند حدودها الغربية. لذلك من الضروري عدم تكرار ماجرى في العراق أولبنان على الصعيد السوري, من خلال البحث عن شكل من الإجماع الداخلي, أوشبه الإجماع, يؤدي بالسوريين إلى تجنب منزلقات ماجرى في بغداد أوبيروت .
إن الهشاشة التي تعيشها سوريا ،الآن, هي محصلة للمسار الداخلي الذي بدأ قبل أربعة عقود, والذي كان يغطيه الغطاء الدولي للنظام في فترة الحرب الباردة ثم في العقد الذي أعقب انتهائها, وتعود هذه الهشاشة إلى غياب الحريات الديموقراطية والتفرد بالسلطة, وإلى عدم القدرة على تحقيق البرنامج القومي والوطني ضد اسرائيل, وإلى الفشل في الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية .
إن الخروج من هذا المأزق الذي تعيشه سوريا يجب أن يوضع على رأس جدول أعمال الجميع, في السلطة والموالاة والمعارضة, وهذا يعني حاجة سوريا إلى مرحلة انتقالية يتشارك فيها الجميع في الجهد من أجل نقل البلد من الوضع الراهن, بمايحويه من أزمات ومخاطر, إلى وضع جديد.

نحن نرى ضرورة أن تتضمن المرحلة الإنتقالية التالي:
1-اعتراف الجميع بالجميع في الساحة السياسية السورية على أصعدة السلطة والموالاة والمعارضة.
2-تعديل مواد الدستور التي تتضمن احتكار السلطة من قبل حزب البعث.
3-الغاء حالة الطوارىء ورفع الأحكام العرفية.
4- السماح لجميع التعبيرات السياسية التي يفرزها المجتمع السوري بالظهور والتعبير والنشاط.
5-الدعوة إلى مؤتمر وطني عام يشارك فيه الجميع, من السلطة القائمة والموالاة والمعارضة, لوضع (ميثاق وطني)بين القوى السياسية والمنظمات, يؤكد على نبذ العنف والتقيد بالقانون العام ومبدأي التعدد والتداول,ولوضع(دستور مؤقت)للبلاد,و(قانون للأحزاب)و(قانون للإنتخاب),ويتفق فيه على سياسة اقتصادية-اجتماعية تكون موضع اجماع وطني.
6-تستمر المرحلة الإنتقالية عدداً من السنين,تبقى فيها السلطة القائمة,وتسود فيها الحريات ,كطريق إلى انتخابات عامة لبرلمان جديد ,يكون انتخابه خاتمة للمرحلة الإنتقالية,وبداية لمرحلة جديدة، على أن يحدد المؤتمر الوطني آليات ومدّة المرحلة الإنتقالية .
خاتمة:
إننا ننطلق في هذا المشروع لبرنامج سياسي من ذهنية منفتحة على الجميع,تبتعد عن منطق الأبيض والأسود,وهي تريد القطع مع الكثير من ممارسات الماركسيين,السوريين والعرب والعالميين,لبناءماركسية جديدة,في المعرفة والسياسة,تبتعد عن الإطلاقيات والأحكام الجاهزةوالإستقطابات التي كانت تبنى-ومازالت- على منطق الخنادق المتقابلة,ونحن نريد التأكيد على أننا لم نتجاوز,بعد,مرحلة التحرر الوطني,وعلى أننا ننظر إلى الديموقراطية,والجانب الاقتصادي-الاجتماعي,من خلال دلالة(الوطني),ونحن نشعر انطلاقاً من ذلك بضرورة انفتاح الجميع على الجميع تحت مظلة وطنية-ديموقراطية يتشارك الجميع في انشائها,ونحن ننظر إلى تحالفاتنا القادمة,وتلاقياتنا,على ضوء ذلك.
إننا ندعو القوى السياسية السورية إلى التخلص من اللغة المتخشبة والخطاب التعبوي القائم ,في معظمه,على طمس حقائق واظهار أخرى لغايات تعبوية وايديولوجية.ونحن نرى أن الماركسية العربية,ومنها السورية,تحتاج إلى القطع مع الكثير من ممارسات العقود الثمانية الماضية,من خلال نظرة جديدة إلى العروبة ( التي مازالت قوية في الشارع العربي)والاسلام, وإلى الإبتعاد عن الإرتباط بمراكز دولية.
-----------------------------------------------------------------




رؤيـــــة اقتصاديـــــــة
(مشروع)
- 1-

إن فهمنا للتطورات الاقتصادية والمؤسسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يحدد طبيعة الاقتصاد الدولي المعاصر حيث كانت هذه الحرب فاصلاً رئيسياً لمرحلة زائلة وبداية لمرحلة جديدة، تعرضت هي الأخرى لتغيرات عميقة إثر انتهاء الحرب الباردة، وربما بشيء من التعميم والتبسيط يمكن القول: إن العالم عرف درجة كبيرة من الاستقرار والوضوح في علاقته الاقتصادية خلال القرن التاسع عشر منذ سقوط نابليون وإبرام معاهدة فيينا عام /1815/ من ناحية، وحتى قيام الحرب العالمية الأولى /1914/ من ناحية أخرى.
سادت خلال هذا القرن الرأسمالية الصناعية، وسيطرت الامبراطوريات الاستعمارية على مجمل الكرة الأرضية خارج أوروبا، وتم الاعتراف بنظام حرية التجارة على أوضاع الاقتصاد العالمي، وأخذ العالم بشكل عام في علاقته التجارية بقاعدة الذهب وثبات أسعار الصرف، مع قيام الجنيه الإسترليني بالدور الأساسي في المعاملات التجارية، والتي كانت لندن مركزاً لها، وغلب مذهب حرية التجارة وحياد المالية العامة على الفكر الاقتصادي، وحدَّ من تدخل الدولة في المجالات الاقتصادية، فأصبحت الدولة حارسة تؤمن الدفاع والأمن والعدالة ويتكفل السوق بالدور الاقتصادي الرئيسي، وليس معنى ذلك أن الدولة تخلت تماماً عن كل دور اقتصادي، حيث كانت تقف وراء المصالح الاقتصادية الغالبة، سواء بتوفير عناصر البنية الأساسية اللازمة، أو بتحقيق الاستقرار القانوني والنقدي الضروريين لاستمرار المعاملات، أو بالتدخل المباشر وأحياناً بالقوة العسكرية لحماية المصالح الرأسمالية خارج الحدود، وظهر ذلك بوجه خاص في حماية المصالح الاستعمارية في مستعمرات الدول الصناعية وراء البحار، إلى أن أتت الحرب العالمية الأولى تقويضاً لهذه الأوضاع وكان أول الضحايا هو نظام الذهب واستقرار أسعار الصرف، فعند قيام الحرب اضطرت الدول التجارية للتخلي عن قاعدة الذهب مع إفراط في إصدار النقود الورقية لمواجهة احتياجات الحرب، كما وفرضت القيود على التجارة التي توقفت تماماً بين المتحاربين، وقبل انتهاء الحرب ظهرت بوادر انقلاب على المفاهيم السابقة لما قامت الثورة البلشفية وخرجت روسيا من الحرب عبر معاهدة (برست – ليتوفسك)آذار1918 ثم لم تلبث الدول الغربية أن تدخلت في حرب غير معلنة ضد روسيا ومن ثم بعد هزيمة ألمانيا تشرين ثاني1918تم إبرام معاهدة فرساي /1919/ وفرضت تعويضات مالية على الدولة المنهزمة، فانزلقت ألمانيا إلى هاوية التضخم، ولانخفاض مستمر في قيمة العملة فيما عرف بالتضخم الهائل، ولم تفلح المحاولات في تثبيت الأسعار وحماية العملة، ومن ثم استمرت البطالة وزادت زيادة كبيرة، ولم تستقر الأحوال إلا بوصول الحزب النازي إلى السلطة عام1933، تحت خطر الوقوع في الشيوعية.
هنا حاولت بريطانيا المنتصرة بالحرب، العودة إلى النظام الاقتصادي الذي كان سائداً قبل الحرب الأولى، حيث اختار تشرشل وزير المالية آنذاك العودة إلى قاعدة الذهب في العام /1925/ على أساس العودة إلى سعر الإسترليني بالنسبة للذهب وفقاً للسعر السائد في فترة ما قبل الحرب ودون مراعاة ما أصاب الاقتصاد البريطاني من اختلالات بسبب الحرب، في وقت كانت بريطانيا بحاجة إلى تخفيض عملتها لا إلى رفعها.
وبالفعل عرفت بريطانيا كساداً لم تلبث بعدها أن تخلت عن قاعدة الذهب /1931/، شهد فيها الاقتصاد العالمي أكبر أزمة اقتصادية، انهارت فيها البورصات، وتضخمت أعداد العاطلين في بريطانيا، والولايات المتحدة الأميركية، وفي ألمانيا، ما عرف وقتها بالكساد العظيم منذ تشرين الأول /1929/، حيث بدأت الدول في الأخذ بسياسات الحماية الجمركية، والحروب من أجل تخفيض العملات بقصد كسب الأسواق، والالتجاء إلى اتفاقيات المقاصة، واتفاقيات الدفع والتجارة الثنائية.
في الوقت الذي كانت فيه الاقتصادات الغربية تتخبط، حاول الاتحاد السوفييتي الأخذ بنظام اقتصادي نقيض للرأسمالية وهو النظام (الشيوعي). انكفأت روسيا على نفسها وأخذت بفكرة الاشتراكية في بلد واحد، بعد فترة من حروب التدخل في شؤونها الداخلية ومحاولة النظام البلشفي إثارة الثورة الشيوعية العالمية.
جاءت الأزمة الاقتصادية /1929/، لتخفف من حدة الحصار الاقتصادي المفروض على روسيا، حيث اضطرت العديد من الشركات الأميركية، في إطار بحثها عن الأسواق، إلى تقديم تسهيلات في الدفع لروسيا، مما ساهم في نجاح الخطة الخمسية الأولى عام /1929/ حيث كانت بداية الخطط الخمسية في الاتحاد السوفيتي والتي تواقتت مع الأزمة الرأسمالية الكبرى.
كانت التناقضات الناجمة عن الحرب مؤدية إلى انهيار نظام النقد القائم على قاعدة الذهب، وظهور الأزمة الاقتصادية، وفشل الدول الغربية في السيطرة عليها، و في قيام نظام اقتصادي معارض في روسيا، ومن ثم ظهور نظام نازي معادي ومتعطش للثأر، وفي نفس الوقت غلبت السياسة الحمائية على سلوك الدول، وتراجعت حرية التجارة وتعددت اتفاقيات الدفع، وازدادت الرقابة على انتقال الأموال والسلع.
فيما على الصعيد السياسي، غلب المد الفاشي وانحسرت الديمقراطية ومن ثم فشلت عصبة الأمم، ثم كان لا بد من حصول الأزمة، فجاءت الحرب العالمية الثانية باعتبارها نتيجة منطقية للقلق والاضطراب الذي عمَّ بعد سقوط النظام العالمي الذي كان سائداً قبل الحرب العالمية الأولى، ثم بدأ العمل لصياغة نظام عالمي جديد.
بدأ العمل لتأسيس النظام الاقتصادي الدولي الجديد قبل نهاية الحرب العالمية الثانية عام1945، لم يلبث أن خيم على العالم شكل جديد من الحرب الباردة منذ1947 بين المتحالفين، الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والشرق بقيادة الإتحاد السوفييتي.
لقد تكوَن النظام الاقتصادي تحت مقتضيات الحرب الباردة ومن ثم جاء انهيار (النظام الاشتراكي) ونهاية الحرب الباردة عام /1989/.
قبل الحديث عن النظام الاقتصادي الدولي الجديد لا بد من تسجيل ملاحظة مهمة، هي أن الحرب كانت دائماً عنصراً أساسياً في تطور الرأسمالية حتى أن تاريخها حتى عام /1945/ كان سلسلة من الحروب، حروب إقليمية لتوسيع مملكة على حساب أخرى (حرب المائة عام – حرب الثلاثين عام – حرب السنوات السبع – حروب الثورة الفرنسية وحروب نابليون – الحروب بين ألمانيا وكلاً من فرنسا والنمسا – الحروب الروسية العثمانية) ثم كانت الحروب الاستعمارية لغزو أقطار خارج أوروبا، أو لإعادة اقتسام المستعمرات، انتهت بحربين عالميتين لم يفصل بينهما إلا عشرون سنة، وكانت تلك الحروب وسيلة لإثراء الرأسماليين من توريد ما يلزم للقوات المسلحة ومن طعام وكساء وسلاح وذخائر، فضلاً عن الاستفادة من كل توسيع لرقعة الإمبراطورية التي ينتمون إليها، حيث يرى بعض المفكرين أن الحرب تدمّر فائض الإنتاج التي تقصر السوق المحلية على استيعابه، إذ لوحظ التوازي الزمني بين الأزمات الدورية التي عرفتها أوروبا والولايات المتحدة كل عشر سنوات تقريباً والتي بلغت ذروتها في الكساد العظيم (1929-1934) والذي كما أسلفنا وفر الأرضية لظهور الفاشية في ايطاليا عام1922 والنازية الألمانية بطابعهما العدواني الظاهر، والذي ساق الجميع إلى الحرب العالمية الثانية، كما أن تكرار الحروب يفرض على الشعوب التعصب القومي وتمجيد الأمة وإعلاء قيمة الاستشهاد في خدمتها مما يحفظ جذوة كراهية الآخر وتقبل الثأر منه بالقتال، وظهر في كل دولة اعتقاد بأن بينها وبين دولة أخرى عداءً أبدياً.
تعتبر الحرب العالمية الثانية نقطة البداية للنظام الاقتصادي الدولي المعاصر، لذا يتوجب دراسة الأوضاع الاقتصادية القائمة عند نهاية الحرب العالمية الثانية والمشاكل التي وجهت العالم آنذاك وسبل معالجتها عبر مجموعة من المؤسسات الاقتصادية التي أنشئت لهذه الغاية.
لا يمكن استعراض الأوضاع الاقتصادية القائمة عند نهاية الحرب العالمية الثانية بشكل تفصيلي، وإنما يمكن الإشارة إلى بعض القضايا التي كان لها تأثير كبير في التطورات اللاحقة للنظام الاقتصادي العالمي.
هنا يمكن الإشارة إلى ثلاث قضايا فرضت نفسها بشكل جلي عند نهاية الحرب:
ـ إعادة إعمار أوروبا بعد الدمار الذي خلفته الحرب حيث ظهر مفهوم النمو الاقتصادي واستخدامه باعتباره معياراً للتقدم.
ـ المواجهة بين نظام اقتصادي يعتمد اقتصاد السوق وآخر يعتمد مبدأ التخطيط.
ـ التنمية الاقتصادية للعالم الثالث باعتبارها مشكلة رئيسية في عالم ما بعد الحرب، حيث انقسم العالم إلى جنوب متخلف وشمال متقدم.
كانت نتائج الحرب العالمية بالغة القسوة على كل من أوروبا واليابان، فقد دمرت بنيتهما الأساسية وهدمت صناعتهما. وكان لا بد من أجل مواصلة الحياة من إعادة بناء القدرة الاقتصادية لهما، كما أن حجم الدمار الهائل، الذي أصاب بصورة خاصة اليابان وروسيا وألمانيا، كان يتطلب استثمارات هائلة لإعادة النشاط الاقتصادي لها.
كما كان من نتائج الحرب ظهور خطر ما يسمى بـ (الشيوعية) حيث أن الأحزاب الشيوعية وخاصة في فرنسا وإيطاليا كان لها مواقف بطولية ضد النازية والفاشية مما أكسبها مواقع متقدمة في الواقع السياسي في تلك الدول، كما تلقت الكثير من الدعاية والتأييد من الإتحاد السوفييتي بسبب الانتماء العقائدي، وممالأة من الدول الغربية لهذه الأحزاب بسبب ظروف الحرب والعدو النازي المشترك، كما أن أوضاع ألمانيا غداة الحرب، وهي ممزقة اقتصادياً ومقسمة بين الدول الغربية والإتحاد السوفييتي، قد زاد من حدة التوتر واحتمال المواجهة،فكانت المبادرة المهمة التي قدمها وزير خارجية أمريكا جورج مارشال في (5/حزيران/1947) مما عرف بمشروع مارشال. حيث وضعت خطة لإعمار أوروبا كما والإتحاد السوفييتي. ومن جهة أخرى كان حجة الاقتصاد الأمريكي عاملاً مهماً في هكذا مشروع ، عندما كان دخول الولايات المتحدة الحرب نهاية عام /1941/ قد ساعد على إنعاش الاقتصاد الأمريكي الذي عانى من ركود شديد منذ أزمة /1929/ فكانت استعادته عافيته في تلك الحرب حيث حصل على طاقة إنتاجية كبيرة لأغراض هذه الحرب،حيث كان، وعلى العكس من الدول الأوروبية، اقتصاد الحرب يمثل إضافة للاقتصاد الأمريكي وليس اقتطاعاً منه.
وجاءت الاستقطابات التي حصلت لتعجل من القيام بتنفيذ مشروع مارشال، ومن النتائج المهمة لمشروع مارشال العمل على الإسراع بتحرير التجارة وإزالة القيود، وبذلك ساهم في وضع أساس النظام العالمي القائم على حرية التجارة، وحرية انتقال رؤوس الأموال ليعرف العالم الصناعي ربع قرن من النمو الاقتصادي من /1945/ وحتى عام /1970/، ومن ثم بدأت الأزمة الاقتصادية. بدأت بالأزمة الاقتصادية عام /1972/ ومن ثم أزمة النفط /1973-1979/ وبعدها أزمة المديونية عام /1982/.
- 2-
أسهمت الثورة التكنولوجية والقوى الاجتماعية السائدة مع ظهور الثورة الصناعية في بريطانيا منذ منتصف القرن الثامن عشر في التطور التلقائي للنظام الاقتصادي، ولم يكن هذا النظام ناتج عن التخطيط المسبق من قبل منظر اقتصادي أو سياسي، وإنما جاء المنظرون فيما بعد لتأييده أو معارضته، فكانت الأفكار التقليدية، وخاصة مع آدم سميث /1723-1790/ تأصيلاً نظرياً لاقتصاد السوق والتوافق بين المصالح الخاصة والمصالح العامة ما عرف حينها (باليد الخفية). مع ذلك لم يسلم هذا النظام من النقد، فكان النقد العنيف الذي وجهه ريكاردو /1772-1823/ نقداً عنيفاً لطبقة الملاك وفكرة الربع الاقتصادي، وكان حديث مالتوس /1766-1834/ عن ضرورة التضحيات بسبب قساوة الطبيعة.
ومن ثم كانت مطالبات جون ستيوارت ميل /1806-1873/ بالتخفيف من حدة المظالم لمصلحة الطبقات الفقيرة. بالرغم من تلك الانتقادات ظل الاعتقاد بأن النظام الرأسمالي هو (النظام الطبيعي) "وقد يحتاج لبعض التهذيب" ولكنه يظل النظام المعتمد. بالرغم من ذلك كان قد ظهر ومنذ وقد بعيد فكر راديكالي يرفض فكرة النظام الرأسمالي والملكية الخاصة، ويدعو إلى قامة نظام اشتراكي أو شيوعي.
وصل هذا الفكر مع كارل ماركس /1818-1883/ إلى مرحلة النضج وتأكدت معالمه مع دعوة ماركس وانجلس /1820-1895/ في "البيان الشيوعي" /1848/ لإقامة مجتمع شيوعي، ومن ثم في كتابات ماركس اللاحقة وخاصة مؤلفه "رأس المال"/1867/.
قامت الحركة الشيوعية في كل أرجاء أوروبا بالدعوة لتقويض النظام الرأسمالي تحت تأثير المنظرين الاشتراكيين ولكنها كانت حركة سياسية ضمن حركات سياسية متنوعة قبل الحرب العالمية الأولى.
كانت هزيمة الإمبراطورية الروسية القيصرية أمام اليابان /1904/ فرصة للحزب الشيوعي الروسي، فبعد ثورة /1905/ عمل الحزب على تقويض النظام القيصري وخاصة بعد اندحار جيوش القيصر أمام الألمان /1917/ .حينها استولى الحزب الشيوعي على السلطة وعمل على إقامة نظام اشتراكي. رغم حروب التدخل الغربية استطاع الحزب الشيوعي إقامة سلطته وتخلص من الطبقات الاجتماعية المناوئة. ظلت العداوة قائمة بين النظامين حيث اعتبر أن النظام الاشتراكي ليس مجرد دعوة لتغيير النظام الاقتصادي والسياسي وإنما حركة تبشيرية لتغيير العالم ومن هنا نشأ العداء بين النظامين.
خلال الحرب، بسبب العدو المشترك المتمثل بـ هتلر، حصل تعاون كبير بين النظامين العالميين، فاستفاد الاتحاد السوفييتي من المعونات الاقتصادية في ظل قانون ما عرف بالإعارة والتأجير. كرست نتائج الحرب الروس والأمريكان باعتبارهما قوى عظمى أو القوى الأعظم.
بدأ التوتر بين الغرب والشرق منذ إلقاء القنابل النووية على اليابان لإخراجها من الحرب من دون حقوق سياسية للروس، ثم الخلاف حول برلين /1949/، ومن ثم الحرب الكورية /1950-1953/.
جاءت المواجهة بين الغرب والشرق على الصعيد الإيديولوجي استجابة لاعتبارات متناقضة ولكنها مطلوبة لكل منهما، ومن ثم كان قيام الحرب الباردة /1947/ وانقسام العالم إلى كتلتين والذي كان له أثر كبير على السياسات الاقتصادية الدولية.
تميز العصر الحديث بخصائص لم تكن معروفة في الماضي حيث ظهرت دول عرفت بالدول المتقدمة يقابلها دولاً عرفت بالمتخلفة وهذه الدول بالرغم من تشابهها مع الدول المتقدمة بالانقسام الاجتماعي إلا أنها عرفت انقساماً بالقياس بالدول المتقدمة من حيث مستوى التطور الاجتماعي والاقتصادي مما جعلها مرهونة لما يعرف بالتبعية (بعد انحسار موجة الاستعمار الكولونيالي) وربط هذه الدول بعجلة النظام الرأسمالي والتي حولها إلى موضع للنهب بدءاً من السرقة المباشرة لثرواتها وانتهاءً بالاتجار بالمال عبر ما يعرف بالقروض وسواها وذلك عبر تعميم نمط الإنتاج الرأسمالي وإخضاع هذه البلدان لاحتياجاته وذلك عبر ما يعرف بالمؤسسات الدولية مثل (البنك الدولي – صندوق النقد الدولي – منظمة التجارة العالمية) مما أفضى بالاستقلال السياسي ليصبح حبراً على ورق بالرغم من اليافطات المختلفة لدول العالم الثالث أو الأيديولوجيات المتمايزة.
- 3-
أزمــــة الاقتصـــاد الدولي (1970 – 1999):
مر الاقتصاد العالمي بفترة من الازدهار بدأت مع نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى أواخر الستينات، وقد ساهمت في هذا النجاح معظم الدول الصناعية وإن بدرجات متفاوتة سواءً في المعسكر الغربي أو الشرقي أو بعض الدول حديثة الاستقلال، وعلى الرغم من وجود الكثير من المشاكل الاقتصادية فإن هذه الدول استطاعت أن تتغلب على الكثير منها بنجاح، كما أنه يذكر في هذا السياق أن الدول في العالم الرأسمالي بعد الحرب العالمية الثانية سعت للتخفيف من حدة التفاوت الطبقي الناجم عن عمليات السوق المنفلتة من عقالها، على العكس من الدولة في ظل النيوليبرالية ، حيث تسعى الدولة للتدخل لترسيخ التفاوت الطبقي لصالح رؤوس الأموال وأنواع محددة منها. وكان هذا التدخل يعبر عن وجود أزمات خانقة حيث واجهت السياسيات الاقتصادية السابقة العجز عن حل هذه الأزمات، وفيما يلي عرض لهذه الأزمات وسبل مواجهتها.
أولى هذه الأزمات كانت تتعلق بنظام النقد الدولي الذي وضع في نظام بريتون وودز /1944/ متأثرين بأوضاع النظام السابق حيث كانت قاعدة الذهب معمولاً بها.
كان العالم ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية قد مر بتجربة في منتهى الصعوبة بعد ترك قاعدة الذهب /1931/ وثبات أسعار الصرف، حيث بدأ بالأخذ بتقلبات الأسعار والدخول في مرحلة التنافس لتخفيض أسعار العملات واكتساب الأسواق حيث انتهى ذلك إلى فرض قيود على التجارة الدولية، وإتباع سياسيات حمائية واتفاقات جمركية والرقابة على الصرف وكانت نتيجة ذلك تقليص التجارة الدولية ومن ثم انخفاض معدلات النمو وانتهى ذلك إلى قيام الحرب العالمية الثانية.
لذا كان من الطبيعي أن يجري البحث الحثيث وقبل نهاية الحرب لوضع قواعد جديدة لنظام النقد الدولي في ضوء التجارب السابقة ومنها قاعدة ثبات أسعار الصرف.
بالرغم من أخذ قاعدة ثبات الصرف فإن هناك اختلافات جوهرية، وبوجه خاص فإنه في ظل قاعدة الذهب كان هناك جهاز لتحقيق التوازن عن طريق خروج ودخول الذهب وعدم وجود سياسات اقتصادية داخلية مستقلة بينما في ظل اتفاقات (بريتون وودز) فإن الدول لم تتخل عن سياساتها الداخلية من حيث الأسعار والدخول، بصرف النظر عن اعتبارات التوازن الخارجي ،ولذا واجه نظام (بريتون وودز) عقبات لم تعرفها قاعدة الذهب.
إن التعامل بنظام بريتون وودز قد أدى إلى جمود كبير في أسعار الصرف، ورجع ذلك بشكل كبير إلى نمو حركة رؤوس الأموال، ومع الاتفاق على حرية انتقال رؤوس الأموال كان التعديل لأسعار الصرف يساعد على نمو المضاربات وقد أدى الخوف من المضاربات إلى التشدد في تغيرات أسعار الصرف وتحقيق أكبر قدر من الجمود في هذه الأسعار خوفاً من هذه المضاربات، وقد نتج عن ذلك العديد من المشاكل وعلى رأسها النقص في السيولة أو النقود الدولية.
لم يكن بمقدور الذهب القيام بهذا الدور بسبب قلة إنتاجه كما أن فكرة رفع ثمن الذهب، ومن ثم حجم السيولة الدولية، لم تلق قبولاً لدى الدول، لأسباب سياسية، أهمها عدم الرغبة في منح الدول المنتجة (روسيا – جنوب إفريقيا) مكاسب مجانية. يضاف إلى ذلك أن منطق النظام ،الذي يقوم على ثبات أسعار الصرف، بالنسبة للذهب، كان يتعارض مع ترك ثمن الذهب يرتفع.
فشلت فكرة استصدار نقود دولية (بانكور) عن طريق اتحاد المدفوعات الدولي، فكان لا بد من اعتماد إحدى العملات الوطنية كنقود دولية تستخدم إلى جانب الذهب في تسوية المدفوعات الدولية. كان للدولار الأمريكي الحظ الأوفر في الاختيار، حيث أن الاقتصاد الأمريكي خرج من الحرب العالمية الثانية بأقل الأضرار بل بفائض كبير، وكانت الحاجة إلى السلع الاستهلاكية ومشروع (مارشال) من العوامل المساعدة على قبول الدولار، وحتى الدول التي لا تحتاج إلى السلع الأمريكية بصورة مباشرة، فإن امتلاك الدولار كان يسهل لها ما تحتاج من أية دولة. يضاف إلى ذلك قيام الولايات المتحدة بتكوين مخزون من جميع أنواع السلع، ثم ازدياد الطلب على سائر السلع المصدرة من الدول فهيأ لها هذا الحصول على فوائض من الدولار، وبذلك تحققت الخطوة الثانية لقيام الدولار بدور النقود الدولية يضاف إلى كونه عملة وطنية.
رغم ذلك بدأت تظهر للدولار مشاكل ناتجة عن التناقض الأساسي بين كونه عملة وطنية، باعتباره أصل مالي تصدره سلطة وطنية، وقيامه بدور في ميزان المدفوعات الدولية. ومصدر المشاكل هو مشروعية المكاسب التي تحققها الولايات المتحدة لاحتكارها إصدار هذه النقود الدولية، وما يترتب للنظام النقدي من عدم استقرار نتيجة توفير هذه الدولارات للاستخدام الدولي، يضاف إلى ذلك التعارض بين المسؤولية الدولية والاحتياجات المحلية للولايات المتحدة، ومع غياب سلطة دولية مشرفة على ذلك، وظهور العديد من المشاكل الاقتصادية، كانت الأزمة التي قادت إلى الوصول لنظام نقدي دولي هجين يعتمد على الدولار ويقوم بتعويم العملات وكذلك لا يضع أية ضوابط على الدولار الورقي بعد القرار الأمريكي بعدم تحويل الدولار إلى ذهب في عام /1971/.
في إطار الحديث عن النظام الرأسمالي، لا بد من التعرف بعض الشيء للنظام الاشتراكي الذي ظهر في العام /1917/ ،حيث قام نظام اقتصادي جديد يرفض الملكية الخاصة وقوانين السوق، ويستند إلى أشكال من الملكيات العامة بما فيها (المزارع الجماعية – والتعاونيات في الزراعة) ويحاول أن يفرض أسلوباً جديداً للإدارة الاقتصادية المركزية.
واجه النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي صعوبات كثيرة، وقد أخذ اتجاهات متعددة، ليعرف النظام الوليد مقاومة شرسة من بقايا النظام القديم تحولت إلى حرب للتدخل من قبل الدول الغربية.
قام النظام الاشتراكي استناداً إلى إيديولوجية مستمدة من نظريات ماركس، لذا فقد واجه صعوبات عند التطبيق في كيفية إدارة النظام الاقتصادي الجديد، فالماركسية بالرغم من تضمنها تحليلاً لتناقضات النظام الرأسمالي وحتمية زواله، إلا أنها لم تتضمن الكثير عن كيفية إقامة النظام الاشتراكي بعد القضاء على الرأسمالية باستثناء إلغاء الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج أو لعناصر الإنتاج، ومن هنا دخل النظام في أشكال متناقضة إلى حد المطالبة بإلغاء النقود، وكانت من نتائج هذه الفوضى تدهور الزراعة حيث كان التصنيع في بدايته ،مما اضطر لينين /عام 1921/ إلى اعتماد نوع من الإصلاح الاقتصادي عرف بالسياسة الاقتصادية الجديدة (النيب)، أُعطي فيها البعض من الحرية الاقتصادية للمزارعين، وشيء من اقتصاد السوق للصناعات الصغيرة، وبعد وفاة لينين /1924/ واستلام ستالين جرت صراعات بين الأجنحة المختلفة في وجهات النظر بخصوص السياسات الاقتصادية المطلوبة ثم حسم ستالين الصراع وبوشر بتطبيق نظام المزارع الجماعية /1929/ حيث تم القضاء على (الكولاك) ومن ثم الأخذ بنظام التخطيط المركزي، والبدء بتطبيق الخطط الخمسية وخاصة الصناعات الثقيلة حيث أخذ النظام (الاشتراكي) المزعوم معالمه الأساسية. أعطت الأزمة الاقتصادية عام /1929/ الفرصة المناسبة للإتحاد السوفييتي، كما أن السوق الروسية الحديثة كانت متلهفة للصناعات الغربية والتي كانت بحاجة للتصريف نظراً لضعف السوق المحلية، وبعد عمليات "التطهير" لخصوم ستالين في قيادة الحزب عام 1936/ استقر الأمر نهائياً لستالين، حيث أسس نظاماً صارماً جميع مقاليده في يده.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية انقسم العالم إلى معسكرين وبدأت المواجهة الحقيقية بين نظامين اقتصاديين، رأسمالي من ناحية، واشتراكي من ناحية أخرى، ومن خلال هذه الفترة كانت المشكلة الاقتصادية وكيفية إدارة الاقتصاد هي أخطر تحد واجه النظام الاشتراكي، أوفي الحقيقة (نظام رأسمالية الدولة) وعلى هذه الساحة خسر الرهان.
يعزى ضعف الأداء فيما عرف بالنظام الاشتراكي لعدة أسباب منها المصادفة التاريخية في نجاح الحزب الشيوعي الروسي في محاولة استلام السلطة حيث طبع التراث الحضاري والسياسي لروسيا التجربة بطابعه، حيث غلبت الإرادة وقطعت السيرورة التاريخية، ولم يلبث التاريخ أن انتقم لنفسه في عام1991.
ولا بد من ملاحظة أخيرة حيث أن مشكلة الإدارة الاقتصادية قد واجهت جميع الدول الاشتراكية بشكل أو بآخر، والغريب في الأمر أن هذه الدول تستند إلى نوع من التفسير الاقتصادي للتاريخ ولكنها عند التطبيق تواجه المشاكل وذلك بسبب ضعف الإدارة الاقتصادية، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن دراسات ماركس كانت تتعلق بالمجتمع الرأسمالي، ولم تتضمن هذه الدراسات أي تحليل لما يمكن أن يكون عليه الوضع بعد تحقيق الثورة الاشتراكية وزوال الرأسمالية.
تشير ثورة المعلومات إلى تغير وانقطاع كيفي في التكنولوجيا وفي الآفاق المتاحة، حيث بدأ العالم يدخل مرحلة جديدة كلياً منذ نهاية الستينات وبداية السبعينيات وخاصة في فترة التسعينيات، مما انعكس على مجمل النشاط الإنساني سواء كان اقتصادياً أم سياسياً أو اجتماعياً وخاصة بعد إتباع سياسة إعادة الهيكلة والتكيف مع المعطيات العلمية الحديثة، مما ساهم في توفر الإمكانات الاقتصادية الهائلة كما سهل إمكانية الإدارة والتحكم بالأوضاع الاقتصادية والسياسية وهو ما سهل كثيراً ظهور ما يسمى بالعولمة.
كانت الفترة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية /1945/ تعتبر من أزهى المراحل الذي عرفها النظام الرأسمالي على جميع الصعد وعلى مستوى الحقوق ،وعند نهاية هذه الفترة بدأت المشاكل الاقتصادية تغطي على الحلول وواجهت معظم دول العالم مشاكل جديدة، وقد ظهرت هذه المشاكل على السطح في أزمات لموازين المدفوعات، وعجز النظام النقدي عن توفير السيولة اللازمة، أو في ظهور التضخم وأحياناً التضخم الركودي، وترهل الأجهزة الحكومية المسؤولة عن السياسات الاقتصادية الداخلية لمعظم الدول الصناعية.
ومن جهة أخرى كانت هناك تطورات أخرى تسير بهدوء وتعتبر أكثر أهمية في النظام الإنتاجي فيما عرف بالثورة التكنولوجية، التي بدأت تغير في المعطيات الاقتصادية للعالم وتهيؤه للدخول في مرحلة جديدة، أسست هذه الثورة لتغيرات طالت جميع مناحي الحياة وكانت الأيديولوجيا المرافقة لها ما عرف بالليبرالية الجديدة، وعدّت انتصاراً جديداً للنظام الرأسمالي أو ما يمكن أن يسمى إعادة تأسيس مثبتة ما عرف ب(نهاية التاريخ) وأن النظام الرأسمالي هو خيار البشرية النهائي،الشيء الذي هو متناف مع مفهوم الديمقراطية الذي يعني تعدد الخيارات. ومن أبرز سمات هذه الأيديولوجيا أن اقتصاد السوق والديمقراطية السياسية والاعتراف بحقوق الإنسان هي السمة الغالبة في الحديث الأيديولوجي على مختلف دول العالم، وكما سبق وتحدثنا فإن الليبرالية الجديدة ولدت تحت تأثير الأزمة الاقتصادية أو الترهل في الاقتصاد منذ نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، حيث بدا أن دولة الرفاه غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها، ومن هنا بدأت الدعوات لإعادة النظر في طبيعة النظام الاقتصادي.
جاءت الدعوة من بريطانيا في عهد تاتشر /1979/ إلى العودة إلى السوق وعدم تدخل الدولة في العملية الإنتاجية بصورة مباشرة وطرح تعبير عن ذلك ما يعرف بالتخصيصية وهي بشكل ما تنازل الأمة عن أملاكها، تبع بريطانيا في ذلك الولايات المتحدة بعهد ريغان(1981-1989)، وعاصر ذلك أزمة المديونية في بلدان العالم الثالث، وهي مديونية نشأت عن ديون عقدتها حكومات هي في أغلب الأحوال قليلة الكفاءة، إن لم تكن فاسدة، وقد تم هذا تحت مرمى نظر المجتمع "الحر" راعي حقوق الإنسان، وهي في الأصل عبارة عن تجارة لرؤوس الأموال، وبناءً عليه فقد تركزت نصائح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للإصلاح الاقتصادي على ضرورة استعادة دور اقتصاد السوق والقطاع الخاص، وتقليص دور الدولة في الإنتاج، وبحيث تكون الدولة منظماً وواضعاً للسياسات الاقتصادية، وضماناً لحسن انتظام قواعد السوق ومؤمناً لسلامة النظام النقدي والمالي، وموفراً لنظام قانوني وقضائي مناسب، أما قضايا الإنتاج فتترك لقوى السوق.
وهذا لا يعني انحساراً لدور الدولة، بل العكس هو الصحيح فإن الدولة لم تكن أقوى في أي وقت مما هي الآن والذي حدث أن الدولة كان لها سابقاً دوراً في العملية الإنتاجية والآن قد تراجع هذا الدور.
خلال أزمة الأسواق الآسيوية /1997/، بدت المؤسسات العالمية الدولية وكأنها تجاوزت عمرها الافتراضي، وكان قد نبه إلى هذه الحقيقة الملياردير الشهير (جورج سوروس) عندما دعا إلى حذف صندوق النقد الدولي نهائياً لإخفاقه في التحسين للأزمة وتردده في التعامل مع نتائجها.
فما هي الحال مع الأزمة الجديدة؟
- - 4-
هل النظام الرأسمالي في أزمة؟
لقد حملت الليبرالية الجديدة وعوداً مدهشة للعالم وخاصة (الثالث) منه، حيث كان فتح الأسواق أمام البضائع ورؤوس الأموال، ورفع الدعم، وكف يد الدولة، سيقابله الخيرات الوفيرة، وعالم يتضاءل فيه التفاوت الطبقي بين بلدان الكرة الأرضية، كما و"سيصبح" العالم "قرية صغيرة" ذات نظام سياسي واحد ونظام اقتصادي واحد، رغم أن هذا تناقض مع الديمقراطية باعتبارها خيارات متعددة ومفتوحة.
لم يتحقق حلم الخبراء، وضاعت السياسات. تراجع النمو عالمياً كما كان قبل هذه الانعطافة، تراجعت القيمة الحقيقية للأجور، وزادت البطالة والتفاوت الاجتماعي. كما وزادت الهوة بين البلدان المتخلفة (التابعة) والبلدان الصناعية والتي تركت الصناعة إلى الأسواق المالية، ذات الربح السريع.
استقر دارسوا الاقتصاد السياسي الرأسمالي على أن الأزمة هي مرادف جوهري لهذا النظام. فاقمت السياسات الليبرالية الجديدة في الأمر حيث أن الركود الذي يجتاح العالم اليوم هو تعبير عن التناقضات التي تحملها السياسات الليبرالية الجديدة. مثلاً عدم رفع الأجور ينعكس سلباً على الاستهلاك، أو سياسة خفض الضرائب على الأغنياء تقلص حجم الأموال في خزائن الدول فتؤثر سلباً على الإنفاق الحكومي والضمان الاجتماعي مما يضاعف من أزمة الركود، حتى إنفاق المستثمرين يتأثر، حيث يتضاءل الاستثمار في القطاعات المنتجة الصناعية القليلة الربح، فيتجه رأس المال إلى الأسواق المالية طمعاً في الربح السريع.
رافق صعود الليبرالية الجديدة انتقال لرأس المال من عالم الإنتاج إلى عالم الأسواق المالية، فباتت حركة البيع والشراء في الأسواق المالية تخدم المضاربات أكثر مما تخدم تطوير الإنتاج مما شكل أساساً للإنفجارات اللاحقة.
إن قيام الولايات المتحدة الأمريكية – بوصفها صاحبة مشروع إمبراطوري أو مفوضة النظام العالمي الجديد – بتعميم صياغة جديدة للمجتمع الدولي قائمة على الفوضى، قد رتَب تكاليف باهظة على هذا المشروع القائم على الفوضى الخلاقة ، حيث فقدت تفوقها الاقتصادي وجاذبيتها الإيديولوجية،لتعتمد على تفوقها العسكري كعامل موازن لهذا الوضع، حتى لو أدى ذلك إلى أزمات واضطرابات وردود فعل غير مرغوبة. إن إمبراطورية تتفوق في الحرب وحدها هي إمبراطورية آيلة إلى الأفول مهما طالت حالة الاحتضار.
إن الركود والأزمات ،التي تعرض لها الاقتصاد العالمي ،هي أمر يتجاوز تقلبات أسواق الأسهم والعقارات وحركة الفوائد العالمية وأسعار الصرف، وهي أسباب ذات صلة وثيقة بالاستنزاف الخطير للموارد والتي تذهب لتغطية النفقات الإمبراطورية الأمريكية.
هذا يعني أن ركود الاقتصاد الأمريكي سينعكس وقد انعكس على بقية دول العالم، فانخفاض استهلاك أمريكا (وهي أكبر مستورد في العالم) ،جراء هذا الركود، سيحد من نمو الصين (الدولة الأكثر تصديراً)، لاعتمادها على السوق الأمريكية، وهو ما ينطبق على العديد من الدول الأخرىالهند،مثلاً، وسيقود انخفاض الطلب الأمريكي إلى هبوط أسعار المعادن والطاقة والمنتجات الزراعية والتأثير سلباً على الدول المصدرة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. لن تتردد أمريكا هذه المرة في توصيل أزماتها إلى الدول الأخرى، ولكنها ستجبر العالم على مشاركتها في الأزمة، كما وستجبره على تسديد الثمن مرتين، أثناء حروبها مرة، وجراء تدهورها الاقتصادي مرة أخرى.
- 5-
شكّل القرن التاسع عشر مدخلاً واسعاً لوحدة التاريخ الكوني بشكل لم يسبق له مثيل في القرون السابقة، وقد رافق النمو المضطرد للنظام الرأسمالي حركة استعمارية كبيرة كانت تعمل على مستويين، الأول الحصول على المواد الأولية ومنها البشر (العبيد) منذ اكتشاف الأمريكيتين، والمستوى الثاني تعميم نمط الإنتاج الرأسمالي خارج دول المراكز ولكن لغاية الانسجام مع النظام العالمي وتسهيل التعامل مع مما عُرف بإعادة الإنتاج التابع للسوق الدولية والذي حوَل بلدان العالم الثالث إلى مناطق خدمات للنظام الرأسمالي، وكان هذا أساساً في نشوء الأنظمة الديكتاتورية، حيث أنها أنظمة وظيفية تقوم بحراسة المصالح الخارجية وتتشارك وإياها في المنافع، باعتبارها أنظمة كمبرادورية على الصعيد السياسي والاقتصادي.
تعود العناصر الأولى للتغلغل الأوروبي، في الوطن العربي، إلى الامتيازات التي وافقت الإمبراطورية العثمانية على تقديمها إلى الأوروبيين، عام /1675/، إلا أنها كانت تعكس الصراع الاستراتيجي بين الرأسمالية التجارية الأوروبية الناشئة والإمبراطورية العثمانية، في وقت كان العثمانيون قادرين فيه على تحقيق نوع من التعادل الاستراتيجي.
مثلت حملة إبراهيم باشا /1830/ عنصراً جوهرياً في إدراج ومن ثم تطوير علاقات رأسمالية أو شبه رأسمالية، أو رأسمالية تجارية، داخل المجتمع السوري كمثال يختصر حالة مجمل الوطن العربي في علاقات التبعية التاريخية مع الغرب.
لم تكن طبيعة التجارة داخل سوريا (داخلية أم خارجية) رأسمالية إذ أنها شملت أساساً انتقال البضائع المصنعة أو غير المصنعة (ترانزيت) وتصدير البضائع المنتجة محلياً والمؤلفة من الأغذية أو القماش، أو منتجات الحرف اليدوية، ويقابل ذلك الشكل شكل الرأسمالية التجارية الأوروبية التي انطلقت من موقع متفوق، لتبادل البضائع الرخيصة، بالمواد الخام أو المواد الغذائية التي كانت ما تزال تحتاج إليها.
مهما كانت الصراعات أو المصالح الاقتصادية المتنافسة التي شهدتها سورية حتى منتصف القرن التاسع عشر، إلا أنها لم تنبع من التناقض بين برجوازية صناعية، أو تجارية ناشئة، وبين طبقة إقطاعية ثانية، وبالتالي يعكس دخول الصراعات، أو العلاقات المتعلقة بالرأسمالية إلى المسرح، الاختراق المتنامي والسيطرة المتصاعدة للقوة الأوروبية (الرأسمالية) داخل سورية كما في المنطقة ككل.
كما وأن النمو اللاحق للعلاقات الرأسمالية، أو حتى أنماط الإنتاج الرأسمالية، ارتبط بالضرورة باستمرار وتضاعف الهيمنة الأوروبية. إن الرأسمالية الأوروبية الطامعة، والقوية، عجزت عموماً عن تشجيع ظهور رأسمالية محلية في أي وقت كان، أو ضمن أية ظروف، بل إنها رغبت (وقامت فعلاً) بمعارضة أي نمو محلي، بينما ساعدت بنشاط على تفكيك أي بنى سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية يمكن أن تبدي مقاومة، أو تمثل الاستمرارية مع الماضي.
استمرت السياسة الاقتصادية للدول العربية، بعد انتهاء فترة الاستعمار المباشر على نفس المنوال من الدورات في فلك الغرب الامبريالي، عاجزةً عن إنجاز الاستقلال السياسي وبالتالي الاقتصادي الناجم، وكان من نتائج هذه السياسات عدة "انجازات": الوحدة في تخريب المجتمعات العربية وإنهاك شعوبها ونهب ثرواتها، والمساواة في الإفقار والتجهيل، والعدل في توزيع الظلم والإرهاب والإذلال على الشعوب العربية كافة.
هنا، شهدت سورية خلال عقد السبعينات نمواً اقتصادياً كبيراً بلغ معدله الوسطي السنوي نحو /11.92%/ وكان الفضل في تحقيق هذه المعدلات العالية يعود إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية، وتقديم الدول النفطية العربية مساعدات كبيرة لها لإعادة الإعمار إثر حرب تشرين /1973/، حيث أفادت هذه المساعدات بالتوسع بالمرافق العامة وفي إقامة بعض الصناعات.
في أوائل الثمانينات بدأت أسعار النفط بالتراجع، وتقلصت المساعدات العربية، وتوقفت تماماً قبل عام /1985/، وقد ترافق توقف المساعدات بتقلص فرص العمل في الدول العربية النفطية وبالتالي تراجع مستوى التحويلات التي كانت تقوم بها العمالة السورية المهاجرة. انعكست هذه الأوضاع على مستوى النمو الاقتصادي ومستوى انجاز مشاريع الدولة، وانسجاماً مع الموجة الليبرالية ووصفات صندوق النقد والبنك الدوليين بدأت الحكومة عام 1986/ برنامجاً للإصلاح الاقتصادي كان محوره الأساسي تقليص عجز الموازنة العامة، والحد من دور الدولة الاقتصادي، وتشجيع القطاع الخاص للقيام بمهمة قيادة عملية التنمية طبقاً لوصايا البنك الدولي وذلك انسجاماً مع المتغيرات العالمية. كانت نتيجة ذلك تحقيق معدل نمو سلبي خلال الثمانينات بلغ /-0.54%/ سنوياً بالمقارنة مع مستوى الناتج المحلي لعام /1980/ نتيجة تراجع دور الدولة الاقتصادي، وعدم قيام القطاع الخاص بالدور الموكل إليه، حيث تراجع معدل الاستثمار إلى مستويات دنيا بلغت /15%/ لعام /1988/ وإلى نحو /19.77%/ من الناتج لعام /1990/.
عند هذا الوضع قامت الدولة بزيادة استثماراتها، وأصدرت قانون تشجيع الاستثمار (رقم 10/عام1991) والذي منح المستثمرين إعفاءات وتسهيلات كبيرة، على أمل أن يزيد القطاع الخاص من استثماراته، فازدادت عام /1992/ حوالي /25%/ من الناتج المحلي، وبلغت عام /1995/ نحو /34%/ من الناتج، وعادت الاستثمارات من جديد للتقلص لتبلغ ما يعادل /18%/ عام /2000/ ،كما أن معدل النمو تراجع خلال السنوات (1999 – 2001) فبعد أن حقق نمواً سنوياً يتراوح بين /4.75/ وسطياً خلال النصف الأول من التسعينات و/2.59/ خلال النصف الثاني من التسعينات حيث توقف النمو عام /1998/ وساد ركود استمر حتى أوائل /2002/ تراجع فيه الناتج خلال السنوات /1999-2000-2001/ بما يعادل /1.8/ وسطياً بالمقارنة مع عام /1998/.
لم يكن النمو الاقتصادي مستقراً خلال فترة التسعينات حيث تبين أن جملة التسهيلات التي قدمت للرأسمال الخاص لم تغير من سلوكه الاستثماري ومن موقفه من عملية التنمية، حيث ظل معتبراً نفسه غير مسؤول عن عملية التنمية الاقتصادية، إذ أن استثماراته عام /2000/ قاربت مستواها عام /1980/ عندما لم تكن لديه التسهيلات التي أعطيت له عام /1986/ وعام /1991/ وما بعدهما.
لقد أدت السياسات الاقتصادية المتبعة منذ عام /1986/ إلى غياب المسؤولية عن التنمية، فالدولة التي قدمت الإعفاءات والتسهيلات، للقطاع الخاص، وجدت هذا كافياً ليقوم القطاع الخاص بقيادة عملية التنمية، كما اعتبرت أن مجرد انفتاحها على العالم الخارجي، وفتح أسواقها، كفيل بجلب النمو الاقتصادي. يضاف إلى ذلك، أن القطاع الخاص (الذي لم يتطور بالشكل الكافي لأسباب تاريخية، وإلى طغيان رأس المال المنهوب على مجمل العملية الاقتصادية والذي طغى على نشاطه الربح الطفيلي الكومبرادوري) وجد أن من الصعب الانتقال إلى دور رأس المال الإنتاجي الوطني لأن ذلك يتعاكس مع التوجه الدولي تجاه المنطقة، فالأساس – لدى الغرب- إعادة استباحة المنطقة العربية عموماً وفق آليات الاقتصادي الدولي المتجددة حيث يبدو أن المنطقة تسير على خطى الأرجنتين والصومال والسودان في تجربتهم مع البنك الدولي.
-6-
تأسست الدولة الوطنية في المشرق العربي على أنقاض الدولة العثمانية من جهة، وكذلك على أنقاض هزيمة (الثورة العربية الكبرى) حيث تم إسقاط وهزيمة مشروع الدولة القومية العربية الحديثة، وهو حدث مؤسس للدولة الوطنية العربية ولإسرائيل أيضاً.
إن ربط الدولة الوطنية بمهام تحديثية أو بأنها خطوة في طريق بناء الدولة العربية الواحدة، هذه اليوتوبيا قد أكسبتها بعض الشرعية من خلال حملها لهذه الإيديولوجيا:إن خطأ الواقعية السياسية العربية منذ مرحلة السادات وحتى الآن هو اعتقادها أنها تنقذ الدولة الوطنية من خلال التنازل عن هذه الأيديولوجيا حيث أنه في الوقت الذي تم فيه إعلان الدولة الوطنية كحالة دائمة تكون قد تخلت عما تبقى من شرعيتها وهذا ما يؤذن ببداية تحللها وتضخمها كوحدة سياسية متماسكة.إن الإشكالية في الوطن العربي هي إشكالية توحيد قومي (أي توحيد المجتمعات العربية الممزقة داخلياً على أسس دينية وطائفية، ومذهبية واثنيه وعشائرية و....إلخ) .
- 7-
إن عملية النهوض البرجوازية في الغرب قد عجلَت في زيادة أفاعيل التناقضات والأزمات التي عانت منها الدولة العثمانية،مماساعد في خروج العرب من السيطرة العثمانية ليجدوا أنفسهم تحت سيطرة الغرب الرأسمالي،وبالتالي فإن الأزمة الإقتصادية الخانقة التي يعاني منها العرب اليوم تعود إلى ارتهان الإرادة السياسية لحاجات الغرب،وهذا يعني أن الأزمة الإقتصادية هي أزمة سياسية بامتياز،لذا فالخروج منها هو المفتاح في حلِ الأزمة الإقتصادية.
==========================================
================================
==========











مشروع النظام الداخلي
للحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي
ـ الباب الأول ـ
1ـ مقدمة :
الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي : ماركسي الهوية والفكر وهو امتداد تاريخي للحركة الشيوعية السورية منذ نشأتها في العشرينات من القرن الماضي، لذلك فهو لن يتهرب من إخفاقاتها وتراجعاتها التي دفعت إلى ظهوره بُعيد انشقاق الأمانة العامة/1972/ اثر النتائج التي تركتها هزيمة /1967/ وانعكاساتها المباشرة في الأزمة الداخلية للحزب قبيل المؤتمر الثالث/1969/ والتطور التاريخي لهذا الفصيل لاحقاً ،وهويضع في أولويات مهامه تقييم تجربته بكل ما أوتي من صدق وشجاعة باعتباره حقيقة سياسية واجتماعية عجزت السلطة على تصفيته وخرج أقوى من كل ضرباتها ،مازاد من إصرار أعضائه على التمسـك بمهامه الوطنية الديموقراطية وإقامة نظام تعددي يمثل قوى المجتمع السـوري تعكس مصالحها في طبيعة السلطة السياسية من خلال المشاركة الشعبية والتمثيل الحقيقي للشعب في كافة أجهزة السلطة والتشريع والقضاء والإعلام لتمكينها من المحافظة على حقوقها ومكاسبها.
إن الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي حالة سياسية مستمرة وقائمة وموجودة وهذا في حد ذاته تحدي جسور ورد على تحويله باتجاه الفكر والممارسة الليبرالية و إعلان عن تمسكه بمبادئه وفكره ورسالته الوطنية ورد على محاولة تغييبه من الخارطة السياسية ودوره السياسي في النضال ضد الاستبداد والديكتاتورية والتأكيد على انتمائه الماركسي فكراً وممارسة .
إنه اليوم إذ يؤكد على ثقته في المستقبل بانتمائه اليساري واتخاذه الماركسية وتطورها المعرفي والنقدي أساساً لتوجهاته الفكرية في نضاله السياسي فإنه يسعى ً من خلال نضاله السلمي إلى إلغاء كافة أنواع استغلال واضطهاد الإنسان لأخيه الإنسان متمثلاً الخصائص الوطنية والقومية محترماً التقاليد التاريخية التحررية لشعبنا ووطننا مقدراً للحاجات الموضوعية الراهنة وأفاق تطورها .
إن الواقع السياسي في بلدنا يشهد تراجعاً مريعاً في السياسات، التي أنتجها النظام في المجتمع في عودة التشكيلات الاجتماعية المفوتة واحتكار النشاط السياسي في مستوى السلطة ،مايشكل أبلغ دليل على تراجع العمل السياسي على المستوى الاجتماعي والمعارض إزاء هذه النتائج وفي ضوء تسلط المؤسسة الأمنية وحربها المفتوحة على النشاط السياسي وهيمنة الطبقة السياسية في السلطة على النشاط الاقتصادي واحتكار القرار السياسي عبر نظام شمولي أضعف العقد الاجتماعي وأنتج ما يسمى بـ " الدولة الرخوة ".
إن طبيعة المهام المطروحة أمام الحزب تتداخل بشكل متزايد بين ما هو اجتماعي ـ سياسي يهدف إلى تحصين الوطن على المستوى الداخلي وبين ما يتعلق بحماية استقلال البـلاد في ظل التفرد الدولي للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين بعد انهيار التوازن الدولي وبروز ظاهرة العولمة في شقها المتوحش الهادفة إلى إثارة المنازعات بين الدول وإشعال الفتن الدينية والطائفية والتعصب القومي ونهب ثروات الشـعوب والتحكم في إدارة أزماتها بما يتوافق مع مصالح هذه القوى الدولية الاحتكارية والاقتصادية الشيء الذي بدا بتمزيق دولة يوغسلافية ولن ينتهي بعودة ظاهرة الاستعمار وانتهاك سيادة الدول بالاحتلال المباشر للعراق.

2ـ التنظيم :
قامت فلسفة التنظيم تاريخياً على أساس شمولي لنظام الحزب الأوحد ،كان الهدف منه تحويل " الحزب السياسي " نحو رؤى وأسـاليب قسـرية غايتها السـيطرة على السـلطة ،وكانت الطرق المتبعة في ذلك تعكس حالة الالتفاف حول الحزب من خلال شـخصية الزعيم أو الأمين العام أو القائد الذي يحيط نفسه بمجموعة من المريدين البارعين في الثقافة السياسية والقدرات التنظيمية تحت شعارات الحزب القائد أو الطليعي. هذا الشكل من العمل والممارسة التنظيمية ولد أمراضاً في الحياة الداخلية للحزب قائمة على الانتهازية والتزلف وهي وليدة العلاقـات والصيغ التي تأسست تاريخاً على اعتماد الأنماط اللينينية في التنظيم وهو ما يستدعي
البحث في قيام قواعد جديدة تتعلق بشروط وآلية العمل السـياسي والتخلي نهائياً عن هذه الأنماط الرثة ومنع عودتها عبر تعزيز دور المؤسسات التنظيمية وإرساء مبدأ النقد والنقد الذاتي ومعالجة الأخطاء في العلاقات الداخلية والخلافات الحزبية من خلال تعزيز فاعلية الهيئات الرقابية.
في ضوء ذلك ،فإن تجربتنا( التي علمتنا وكذلك تجارب الآخرين)قد دفعت بنا إلى ملامسة تطوير مفهوم التنظيم السياسي،ما يهيئ إلى إعادة جسر الثقة في جدوى العمل السياسي من خلال اعتماد ممارسة مختلفة ,تعتمد حرية الانتماء وإبداء الرأي وحق الاختلاف لتحقيق انتظام الفئات الشعبية حول تطلعاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية وفق أهداف محددة في برنامج سياسي واضح من خلال السعي إلى توطيد الأسلوب الديموقراطي لانتقال السلطة وتداولها وليس الحفاظ عليها والتمسك بها .

إن النظرة الشـاملة لجوانب العمل الحزبي تتأسس على مقومات فكرية وخطة تنظيمية وممارسة سـياسية ذات قدرة على فهم الواقع والإفادة من تجربة الماضي لبناء خط سياسي تتحقق فيه المقاربة بين أمال الشعب وأحاسيسه وإمكانياته، ولاتقوم صياغته
في الغرف المغـلقة وعلى طاولات المقـاهي أو الصالونات " المـدوكرة " أو المؤتمرات المنجـزة في " الكواليس " تهرباً من
معالجة وتقييم تجربة الماضي إلى تغيير الهوية والمرجعية الفكرية .هذه النظرة الخاطئة سوف تنتهي إلى مزيد من العزلة بين الناس واهتزاز المصداقية السياسية في مثل هذه الحال ..
من خلال هذه الرؤية فإن مبادئ التنظيم نرى أنها تقوم على:
ـ تكريس وتوطيد الهيئات والمؤسـسـات في البناء الداخلي للتـنظيم واعتماد مبدأ الديموقراطية ،كممارسة في الحياة الداخلية، من
حق الاختلاف والتعبير وحرية الانتخاب والترشيح .
ـ نبذ عبـادة الفرد وكل أشكال التفرد والقسر والإخضاع ومصادرة الرأي واحترام تعدد الآراء وحماية حق الأقلية واعتماد قرار
الأكثرية وإرساء مبدأ القيادة الجماعية ،مع التأكيد على هذه التوجهات من خلال القواعد التنظيمية التي يحددها النظام الداخلي .
ـ التأكيد على حرية وكرامة العضو باعتبارهما المحرض على التفكير والإبداع والدفع بالمبادرات الذاتية الخلاقة وتعزيز مبدأ
الحوار وسبل الإقناع والأخذ بالطرائق والوسائل والأساليب الملائمة للتطورات التقنية الجديدة في المجالين الثقافي والإعلامي
وتفعيل النشاط السياسي والإعلامي في تحسس مشاكل الفئات الشعبية باعتبارها الحامل والحاضن الأسـاسي في تقدم التنظيم
وتوسعه الأفقي من خلال الربط بين العام والخاص.
ـ تـطوير العمل السـياسي وتقديم مفـهوم متجدد للعضوية لا يتأسس على عرض المطالب وحسب بل وعلى تحفيز روح المبادرة
والعمل وحل المشاكل وحشـد وتعبئة وتنظيم الحوامل الاجتـماعية عبر التعبيرات والتجمعات المدنية المختلفة والحفاظ على
استقلالها وحماية نشاطاتها.
ـ اعتماد صيغ المراجعة المستمرة والنقد البناء لأجل تقدم وتطوير مسـألة التنظيم وتعميق النشاط المنفتح ودورية المؤتمرات
الحزبية والأخذ بمبـدأ علنية العمل السـياسي، لكن مع اعتماد المزاوجة بين العلنية والسـرية ،في حد ذاته، كوضع ظرفي مرتبط باسـتمرار
القوانين الاستثنائية التي تستعين بها السلطة عبر نهجها الأمني والتدابير المعتمدة من قبل المحاكم العرفية .
ـ إذا كان التنظيم هدفـاً وسـيطاً في ذاته وغايته التحول إلى حزب سـياسي فإن الغاية الأسـاسـية العمل على تعبئة وتـنظيم قوى
العمل الاجتماعي في البناء والاستخدام الأفضل للقدرات الاجتماعية الاقتصادية والعلمية.

3ـ التوجهات العامة :
الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي اتحاد سياسي اختياري مفـتوح لكل المواطنين السوريين ومن هم في حكمهم
للنضال والعمل على تحقيق الأهداف السـياسية والاجتـماعية والاقتـصادية والثقافـية المعلنة في برنامجه السـياسي والالتزام
بقواعد النظام الداخلي للحزب سعياً لتحقيق الأهداف المبينة :
1ـ الجمهورية العربـية السـورية وطن لجميع المواطنين السـوريين على السـواء دون تمييز ديني أو مذهبـي أو عرقي بين أبناء
الوطن، مع العمل على محاربة عودة التشـكيلات الاجتـماعية المفوته والوقـوف بوجه تسـيسها مقدمة لعودة الإقطاع السياسي والعمل الجاد
لأجل تعميق الوعي السياسي والاجتماعي والحفاظ على الاندماج الوطني ووحدة المجتمع وتكريس مفهوم المواطنة .
2ـ حرية العقيدة والاحترام الكامل لمختلف الأديان في أداء معتنقيها شعائرهم الدينية وممارسة حقوقهم كمواطنين وتوخي الحذر من
استغلال الدين لغرض التعصب الديني وتغذية الفتن الطائفية والمذهبية ونبذ هذه المحاولات وفضح الأنشطة المشبوهة التي
ترمي إلى تعميق الانقسـام و التفـرقة ودس التعصب بين أبناء الوطن الواحد والانتصار الدائم لصوت العقل والوفـاء للتقاليد
القائمة على تعزيز روح الإخاء والتسامح والسلوك المتحضر بين أبناء الوطن على اختلاف انتماءاتهم الدينية والاجتماعية .
3ـ تحديث القوانين والتشـريعات وتجديد قوانين الأحوال الشـخصية والأنظمة لخدمة المجتمع والدولة واعتـماد مبدأ فصل الدين
عن الدولة وليس فصل الدين عن المجتمع والسياسة وإلغاء كافة القوانين التي لا تتناسب مع هذا التوجه .
4ـ يرى الحزب أن النظام الاشـتراكي هو النموذج الملائم لتحقيق العدل الاجتـماعي والذي يبنى على المشاركة الحقيقية للمواطنين في حل
كافة المشـكلات العامة وتأمين وحماية الحقوق السـياسية والاقتـصادية والاجتماعية عبر مؤسـسات وهيئات تقوم على أسـس
ديموقـراطية انطلاقاً من هويته والتـأكيد على مصلحة المجتمع والتـوزيع العادل للثـروة والإنتاج الاجتماعي وتبني تطلعات
الفئات الشـعبية الكادحة والفـقيرة التي تعاني من الظلم والاسـتغلال وشـظف العيش و من سياسة التهميش بسبب انهيار قيم العمل
والفساد السياسي والإداري والإثراء.
5ـ النضال السلمي من أجل إنهاء التفرد بالسلطة وهيمنة نظام الحزب الواحد وإقامة نظام التعددية السياسية واستقلال مؤسسات
المجتـمع المدني باعتـبـارها المجال الطبـيعي للتـعبير والمـطالبـة والدفـاع وحماية الحقوق الجـماعيـة المتـمثلة في النـقابـات
والإتحادات المهنية وإعادة النشاط للجمعيات الأهلية والنوادي ذات الطابع الأهلي المحض .

6ـ حصر دور المؤسسة العسكرية بتولي حماية استقلال البلاد والحفاظ على سيادتها وأمنها والدفاع عن حدودها وأرضها وأجوائها ،
والمهام الوطنية، ضمن الدستور، والعمل على بناء جيش وطني على أسس حديثة والعمل بكل الوسائل المتاحة لاسترداد الأراضي المحتلة.
7ـ محاربة كل أشـكال الفـساد ورموزه وإعادة الدور الـوطني للجهات الرقـابـية والقـضائية بعد تنظيـفـها من الفـاسـدين وحماته
وإطلاق دور المؤسسات الإعلامية المختلفة وصيانة حرية الإعلام واستقلاله في الحفاظ على مكتسبات الصالح العام .
8ـ العمل والتـأكيد على تحرير المرآة وضمان حقوقها, وتعزيز دورها في المجتمع وإلغاء جميع أشكال التمييز والعنف ضدها
وصولاً إلى المساواة الكاملة وحماية الأسرة والطفولة .
9ـ التـعاون والعمل الجاد مع الأحزاب الماركسـية والأحزاب ذات التوجه اليسـاري على إنشـاء تـجمع وطني ماركسي/ يساري ،
والعمل على تشكيل جبهة معارضة تضم كافة القوى والفـعاليات السـياسية والمدنية تـقوم على مبدأ اعتراف الجميع بالجميع
والعلاقة الندية وكذلك العمل لتأسيس تجمع يساري على المستوى القومي يعتمد التلاقي المستمر في القضايا المصيرية وعقد
مؤتمرات دورية .
10ـ التمسـك بالوحدة العربـية كضرورة مـصيرية وطموح متـزايد وأمل الشـعوب العربـية لإنهاء حالة التـمزق والضعف عبـر
مشروع نهضوي قومي متكامل يبدأ بمقدمات العمل المشترك بتدعيم وتفعيل دور الجامعة العربية وتنشيط إتحاد البرلمانيين
العرب وإنشاء السوق العربية المشتركة وتكريس التكامل الاقتصادي من خلال حرية التنقل والعمل والشغل والتجارة ورفع
الرســوم الجمركية وتوحيد النقد وتشـجيع الاسـتثمار العربي وتبنى سـياسة اقتـصادية تـكاملية في إقـامة المشـاريع المختلفة
وتوحيد مناهج التربية والتعليم والصحة ودفـع أنشـطة منظمات المجتـمع المدني وحقوق الإنسـان وحرية الإعلام والصحافة
والنشر ورعاية وتنشيط الفنون .
11ـ إقامة دولة ديموقراطية تقوم على أرضية التعايش بين الشعبين الإسـرائيلي والفـلسطيني على كامل أرض فـلسطين، ويمكن
بناء ذلك على أساس أن الصراع العربي/الصهيوني لم يقم أساساً على حدود بل صراع تاريخي بين مشروعين متناقضين ،ما
يتطلب دعم مختلف أشـكال النضال الفـلسطيني وممارسة حقه في تقرير مصيره ومساندة قوى السـلام والمعادية للمشـروع
الصهيوني الذي يتـقاطع اليوم مع المشـروع الأمريكي ويلتقي مع النظام العربي المتـراجع في ذروة تصارع إقليمي ودولي
يهدف إلى دمج الكيان الصهيوني عبر " تحالف الحرب على الإرهاب ".
12ـ السـعي الجاد لتـكوين تكتل يسـاري عالمي ذو توجه إنسـاني مناهض لظاهرة العـولمة بشـقها المتـوحش والوقوف في وجه
الأحلاف الدولية الاحتكارية التي تعتمد نهج العسكرة والعربدة والتبعية والعقوبات المختلفة ونهب ثروات الشعوب وانتهاك
سـيادة الدول وإعـادة أشـكال الاسـتعمار بـزعامة الولايات المتـحدة الأمريـكية تـحت مسـميات ( الفـوضى البناءة ) ونشـر
الديموقراطية وفق مشـاريع وهمية والتسـويات غير العادلة لحل الأزمات المسـتعصية والإنفراد في إدارة المشـاكل الدولية
وإثارة وتصعيد الصراعات الداخلية مقدمة لإضعافها وتفكيكها (يوغسلافيا ) وجعلها أشباه دول ( البلقان) أو تحت مفهوم
" الدولة المستحيلة " ( الصومال ) أو الاحتلال المباشر ( أفغانستان والعراق ) .
13ـ دعم إقـامة تـجمع دولي يعيد للمؤسـسـات والهيئات الأممية هيبـتها ودورها المغيّب وإعادة هيكلة مجلـس الأمن بعيداً عن
سيطرة وتوجيه الدول الكبرى وتصنيفـاتها المختلفة للدول لتـجريدها من السـيادة وفـقاً لأهداف سياسية واحتكارية وتقوية
دور المحاكم الدوليـة ليشـمل الدول والأفـراد ودعم وتـقـوية دور المنظمات الإقـلـيمية والفـعاليات الإنسـانية والاجتـماعية
والحقوقية .
14ـ مناصرة جميع أشـكال النضال الإنساني للقـضاء على كل أشـكال التـمييز العنصري والاسـتغلال والاسـتعباد والاضطهاد
الطبقي للبشر والفوارق بين الدول الغنية والفـقيرة وتضييق الهوة بين دول الشـمال والجنوب أو المركز والأطراف بإلغاء
الديـون وإنهاء اسـتغلال البـنك الدولي والصندوق الدولي والوقـوف بـوجه تمركز الاقتـصاد بـيد الدول الصناعية والغـنية
ومساعيها الرامية لدمج الاقتصاد الدولي في منظمة التجارة العالمية أو سـوق الإتحاد الأوربي المشـتركة وتـوسـيع دائرة
الحلف العسـكري " الناتو " كقاعدة اسـنادية مدعومة بالقـوة العسـكرية الهمجية ,والعمل على دعم برامج التنمية العالمية
والقضاء على العوامل المسـبـبة لاندلاع النزاعات الإقليمية والحروب الأهلية ومحاربة الأمراض المسـتعصية والخطيرة
على الجنس البشري .
15ـ إعادة التـوازن بين الإنسان والطبيعة ووقـف اسـتخدام العلم ضد الإنسـان وتخريب الأرض ومكوناتها ،وما يشـهده كوكبـنا
يُظهر مدى انهيارعلاقة التبادل بين الإنسان والطبيعة وتزايد الكوارث الطبيعة والتلوث البيئي والاحتباس الحراري الكوني
والمؤثر على أشـكال النشـاط البشري والتـكامل الطبـيعي وظهور أمـراض نوعية جديدة متـعلقة بأنشـطة صناعية كيماوية
ونووية محددة تهدد الحياة على كوكب الأرض والذي يتـطلب وقف اسـتغلال أراضي الدول الفـقيرة وأعالي البـحار لدفن
المخلفات الصناعية الملوثة للبيئة وتقوية دور المنظمات الدولية المهتمة بهذا الشأن وتنفيذ الاتفاقات والمعاهدات الدولية .


ـ الباب الثاني ـ
مشروع اللائحة الداخلية
فصل تمهيدي

مبادىء التنظيم :
ـ الحزب تنظيم سـياسي يمثل قناعات وتـوجهات أعضائـه ورؤيتهم في أحلال نظام سـياسي وطني ديمقراطي من خلال تحقيق
الديموقراطية الداخلية سبيلاً لتكريس وحدته .
ـ الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي:إتحاد اختياري سياسي يتخذ من المنهج الماركسي دليلاً ومرشداً فكرياً في العمل
السياسي,وهو امتداد للحركة الوطنية السورية واستمراراً للحركة الشيوعية من أجل الاستقلال الوطني والسياسي والاقتصادي
ـ يعمل ويناضل من أجل إرســاء الديموقراطية والوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية وانتزاع الحريات الديموقراطية السـياسـية
والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع ومنظماته.
ـ تقوم حياة الحزب الداخلية على أساس المبدأ الديموقراطي ضمانة لوحدته الفكرية والسياسية والتنظيمية ،مايستلزم :
1ـ حرية المناقشة والحوار وعلى مختلف المستويات، وتتخذ القرارات بالإجماع أو التوافق .
2ـ الحق في الاحتفاظ بالرأي المخالف ضمن التنظيم ومن خلال الحوار والنقاش سبيلاً لتحوله إلى غالبية ,
3ـ تكوين الهيئات وعلى جميع المستويات ،واختيار المندوبين للمؤتمرات الحزبية ،والتحالفية،والحوار مع القوى الأخرى، وكافة
النشاطات، عبر الانتخاب الحر المباشر مهما كانت الظروف السياسية.
4ـ اعتماد وتكريس مبدأ القيادة الجماعية في جميع الهيئات الحزبية القيادية والعمل على محاربة وصد كل ممارسات وأساليب
التفرّد دون أن ينفي ذلك المسؤولية الفردية وتوزيع المسؤوليات.
5ـ أطلاق المبادرات الفردية لكل عضو في أطار المهمات الموكله إليه.
6ـ ممارسة النقد والنقد الذاتي بكل حرية في كافة الهيئات ومستوياتها.
7ـ حرية الرأي المعارض والمخالف والمتمايز داخل التنظيم وإتاحة الفرصة لطرح الآراء في كافة الهيئات.
9ـ تنمية مختلف أشكال الديموقراطية في كل اللقاءات والاجتماعات الحزبية ,دورية أو تداولية أو مؤتمرات، بقدر ما تسمح به
ظروف الحزب.
10ـ الحفـاظ على وحدة مركز الحزب القيادية وحظر إجراء الاتصالات الجانبية أو قيام الشـلل والتكتلات أو أي نشـاط يؤدي
إلى أضعافه.
11ـ مبدأ التكافؤ بين النساء والرجال وعلى كافة مستويات عمل ونشاط الحزب التنظيمي والسياسي والاجتماعي.
12ـ حرية أبداء الرأي والتعبير عبر منابر الحزب الإعلامية.

الفصل الأول

ـ تعاريف وايضاحات:
ـ الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي : فصيل سياسي , منتمي سياسياً إلى الجمهورية العربية السورية, وهو اتحاد
سياسي طوعي مفتوح لكافة أفراد الشعب السوري ومن في حكمهم , وكل فئاته الاجتماعية المختلفة.
ـ الهوية الفكرية : يتبنى الماركسية كمنهج معرفي في التفكير وكمصدر أساسي في تحليل الواقع وجدله، وفي التوجه السياسي
والتنظيمي، والعمل على تغييره سلمياً.
ـ أهدافه وغاياته : العمل على إعادة تأسيس العقد الاجتماعي وفق مفهوم المواطنة وبناء الدولة الحديثة من منطلق علماني.
ـ شعار ورمز الحزب : يتحدد من قبل أعلى هيئة في الحزب وهو " المؤتمر " .
ـ يراعي الحزب كافة القوانين والأنظمة الإدارية النافذة في ما يخص التقسيمات الإدارية في تواجد هيئاته وعضوية الحزب.
ـ مشروع اللائحة الداخلية هو ناظم لحياة الحزب لفترة انتقالية تنتهي بعقد " مؤتمر الحزب "
ـ كافة ما تقدم وتضمن في الباب الأول ( 1ـ المقدمة ـ 2ـ التنظيم ـ3ـ التوجهات العامة ) والباب الثاني والفصل التمهيدي
والفصول التالية جزءاً لا يتجزأ من هذا المشروع.



الفصل الثاني

عضوية الحزب

مادة1ـ لكل سوري بلغ سن الثامنة عشر حق الانتساب بطلب خطي ويترتب على ذلك الالتزام الموافقة على :
أـ كافة ما ورد وتقدم للنظام الداخلي واللائحة الداخلية.
ب ـ البرنامج الفكري والسياسي .
ج ـ الانتظام في إحدى هيئاته الحزبية.
د ـ المساهمة في مالية الحزب باشتراك شهري منظم وفق دخله المالي الشهري.
هـ ـ عدم الانتماء إلى أي جمعية أو منظمة أو حزب أو القيام بأي نشاط سياسي في الوقت نفسه أو المشاركة بأي نشاط
يتناقض أو يتعارض مع توجهات الحزب الوطنية والقومية.
و ـ المحافظة على أسرار وقواعد أمان الحزب.
ز ـ ممارسة النقد الذاتي الموضوعي لأخطائه ونواقصه من أجل تصويبها ومعالجتها وكذلك تجاه الأعضاء والهيئات.
ح ـ أن يكون مثالاً في أخلاقه وفي عمله وحياته العامة والخاصة.
ط ـ الانتماء لمنظمات المجتمع المدني أو المساهمة في إي نشاط عام لا يتعارض مع خط وقرارات الحزب.

مادة2ـ يترتب على قبول الانتساب العضوية :
أـ قبول الترشيح لعضوية الحزب بتزكية عضوين وقرار من الهيئة الحزبية بمنح العضوية بانقضاء ستة أشهر.
ب ـ وبقرار من اللجنة المركزية في حالة الأعضاء السابقين أو الذين كانوا منتمين لأحزاب وتنظيمات سياسية أخرى
بعد فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر.
ج ـ بقبول الانتساب يؤدي العضو القسم الحزبي أمام الهيئة الحزبية.
د ـ يمنح بعد شهر بطاقة حزبية مؤرخة بداية انتسابه وتأدية التزاماته الدورية.

مادة3ـ واجبات العضو :
أ ـ المشاركة المنتظمة في اجتماعات هيئته الحزبية.
ب ـ رفع مستواه الفكري والسياسي والثقافي وصولاً لتعميق وعيه وعلاقته بالواقع .
ج ـ المشاركة في توزيع نشر الحزب الأساسي أو النشر التحالفي.
د ـ تنفيذ سياسة الحزب وقرارته والمساهمة قولاً وفعلاً في تحقيق أهداف الحزب السياسية والاجتماعية.
هـ ـ الحفاظ على وحدة الحزب الفكرية والسياسية والتنظيمية , كمصدر لقوته وضمانة لاحترام خطه السياسي.
و ـ تعزيز الديموقراطية الحزبية الداخلية وتطوير نشاط الأعضاء ومبادراتهم الشخصية.
ز ـ تعزيز الروابط السياسية والنضالية مع القوى اليسارية والديموقراطية والقومية .
ح ـ العمل بجد ونشاط لتوسيع صفوفه ونشر فكره وخطه السياسي وتوثيق صلات الحزب في نضاله اليومي.
ط ـ العمل من أجل التنمية الاجتماعية ومحاربة التشكيلات التقليدية والإقطاع السـياسي والرواسب القبلية والعشـائرية
والطائفية والمذهبية والانفصالية ومحاربة التعصّب القومي والشوفيني.
ي ـ إبلاغ الهيئة الحزبية بتغيير موقع عمله أو سكنه لتسهيل استمرار نشاطه الحزبي والتحاقه بهيئة جديدة.

مادة4ـ حقوق العضو :
أ ـ حرية أبداء الرأي والتعبير في النقاش والحوار دون تحولها إلى نشاط انقسامي أو تكتلي .
ب ـ حرية الترشيح والانتخاب في جميع الهيئات التنظيمية والمؤتمرات أو أي نشاط يتعلق بهذا الحق.
ج ـ المساواة وعلى كافة المستويات بين المرآة والرجل في النشاط التنظيمي والسياسي والاجتماعي.
د ـ الترشيح لعضوية اللجنة المركزية بعد مضي ثلاث سنوات دون انقطاع.
هـ ـ تقديم الاقتراحات للهيئات القيادية بالطرق التنظيمية أو طرح الأسئلة وحق الإجابة عليها.
و ـ حق الطعن في أي تدبير يتخذ بحقه أمام هيئة التحكيم والرقابة المالية بالطرق التنظيمية.
ز ـ حضور أية محاسبة تجري ضده ولا يتخذ القرار بحقه قبل الاستماع إلى وجهة نظره .

مادة5ـ انتهاء العضوية : تسقط أو تلغى العضوية في الحالات التالية :
أ ـ الاستقالة من الحزب بطلب خطي أو شفهي لأسباب شخصية.
ب ـ تجميد أو وقف العضوية الاختياري في حالات تتعلق بأسباب شخصية.
ج ـ عدم تسديد الاشتراك الشهري لمدة سنة كاملة ومتصلة.
د ـ الفصل من الحزب بسبب خرق المادة ( 1 ) أو تقدير هذا الأمر في خرق المادة ( 2 ) من هذه اللائحة الناظمة.

مادة6ـ إعادة العضوية : يمكن استئناف أو إعادة العضوية في الحالات التالية :
أ ـ العودة عن الاستقالة بطلب انتساب جديد , وطلب استئناف العضوية في تجميد أو وقف العضوية , ولا تتحسب الفترة
الفاصلة في هذه الحالات الثلاث في قدم الحياة الحزبية.
ب ـ تسديد الاشتراك الشهري عن سنة كاملة من العضو نفسه وطلبه ذلك.

مادة7ـ يصدر قرار الفصل :
أ ـ بالنسبة لأعضاء الفرق عن " لجنة المحافظة ".
ب ـ أما أعضاء لجنة المحافظة :عن لجنة التنسيق إن لم يكن عضواً في اللجنة المركزية وقرار لجنة التحكيم والرقابة.
ج ـ أعضاء لجنة التنسيق واللجنة المركزية :عن اللجنة المركزية بالأغلبية ويخضع لمصادقة المؤتمر العام.

مادة8ـ أحكام عامة في العضوية :
أ ـ يجوز لمن أمضى ثلاث سنوات في الحزب مستمرة أن يترشح عضواً في هيئات الحزب القيادية.
ب ـ لا يجوز لعضو الحزب ترشيح نفسه لمهمات قيادية بعد تولي ذلك في دورتين متتاليتين.
ج ـ تسترد البطاقة الحزبية من العضو في الحالات التي وردت في المادة ( 4 ) المتعلقة بانتهاء العضوية.
د ـ يمكن للجنة المركزية منح بطاقة " شرف " لقدامى الحزب الراغبين في ذلك.
هـ ـ يمكن للجنة المركزية إعفاء العضو من الاشتراك وفي حدود ضيقة ومؤقتة لأسباب الوضع المعاشي لهذا العضو.

الفصل الثالث

هيكلية الحزب
الفرقة ـ لجنة المحافظة ـ اللجنة المركزية ـ لجنة التنسيق ـ لجنة التحكيم والرقابة ـ المؤتمر
مادة9ـ الفرقة :
أ ـ منظمة حزبية , تشكل القاعدة الأساسية للحزب وتضم من ثلاث إلى خمسة أعضاء ويمكن أن تقوم على اعتماد
الحي السكني أو القرية أو الناحية أو البلدة أو عمل مهني أو اتحادي أو وحدة العمل أو الشأن المشترك.
ب ـ تتشكل الفرقة بقرار من لجنة المحافظة مؤقتاً بسبب غياب الفرعيات والمحليات.
ج ـ يترأس الفرقة عضواً منتخباً من بين أعضائها بالأغلبية , يتولى إدارتها وتقوم صلته مع " لجنة المحافظة ".
د ـ لأعضاء الفرقة توزيع المهام الحزبية بالتوافق أو بالتكليف.
هـ ـ تعقد اجتماعاً سنوياً لاختيار من يمثلها في مؤتمر المحافظة.
و ـ لأسباب موجبة ،و بموافقة لجنة المحافظة ،وبحضور أحد أعضائها، يمكن لها عقد لقاء استثنائي.
ز ـ الترشيح لعضوية الحزب وإصدار قرار العضوية بعد موافقة " لجنة المحافظة ".
ح ـ البحث في إسقاط وإلغاء العضوية وإعادتها.

مادة10ـ لجنة المحافظة :
أ ـ هي الهيئة الحزبية القيادية في المحافظة التي تتولى الإشراف والتوجيه على عمل التنظيم ونشاط الحزب وفق أهدافه
و برامجه الفـكرية والسياسية والتنظيمية ( لفترة انتقالية حالياً مشكلة من كوادر حزبية ).
ب ـ إن انتخاب لجنة المحافظة هو أحد أعمال جدول مؤتمر المحافظة الذي ينعقد كل سنتين والذي يبحث نشاطها خلال
الفترة ما بين مؤتمرين.
ج ـ يتكون أعضاء المؤتمر من المندوبين المنتخبين في مؤتمرات الفرق و الفرعيات و المحليات وفق التمثيل النسبي.
د ـ تعتبر اللجان المشكلة لفروع المحافظات والذين تم اختيارهم لفترة انتقالية تنتهي بانعقاد المؤتمر العام.
هـ ـ يتم بالانتخاب أو التوافق توزيع المهام للمكاتب= التنظيم والمالية والأنشطة السياسية والثقافية والإعلامية والنقابية
بين الأعضاء.
و ـ ترفع للجنة المركزية كل شهرين تقريراً عن مجمل نشاطاتها في المحافظة و تنظم العلاقة مع اللجنة المركزية
عبر العضو الممثل لها أو عضو اتصال في حال عدم وجود تمثيل لها.
ز ـ تلتزم برفع كافة ملفات المنازعات والخلافات الحزبية والتنظيمية عبر اللجنة المركزية التي تعرضها بدورها على
" لجنة التحكيم والرقابة ".
ح ـ مسؤولة عن تنفيذ النظام الداخلي واللوائح والقرارات التي تصدر عن الهيئات القيادية في الحزب ولها حق الطعن
أمام " لجنة التحكيم والرقابة " في ما ينم عن أي مخالفة.
ط ـ دراسة كافة المقترحات والملاحظات التي ترد لها من الهيئات الحزبية واتخاذ ما تراه تقديراً مصلحة الحزب.

مادة11ـ اللجنة المركزية :
أ ـ الهيئة القيادية الأعلى للحزب ,وتتولى مسؤولية قيادته بين مؤتمرتين وتنفيذ برامجه وأهدافه وقراراته التي أصدرها
المؤتمر والتوجهات العامة للحزب ويتم انتخاب أعضائها من قبل أعضاء المؤتمر .
ب ـ تتخذ القرارات وتضع سـياسة الحزب بما ينسـجم مع المقررات والتوصيات الصادرة عن المؤتمر وتتولى إصدار
البيانات والتقارير السياسية واختيار من يمثل الحزب في نشاط تحالفاته السياسية والمؤتمرات و اللقاءات والندوات
على المستويين الإقليمي والدولي .
ج ـ تجتـمع اللجنة المركزية خلال شهر من انتخاب أعضائها ويترأس إدارة الاجتـماع العضو الأكبر سـناً فيها لانتـخاب
" لجنة التنسـيق " وتوزيع مهام المكاتب الحزبية من بين أعضائها لتسـيير أعمالها ومتابعة تنفيذ قراراتها كما تضع
اللجنة المركزية لائحة تنظم أعمالها ونشاطاتها .
د ـ تجتمع اللجنة المركزية كل ثلاثة أشهر أو بدعوة من قبل " لجنة التنسيق " لاجتماع استثنائي في حالة الضرورة أو
بالتوافق بين أكثرية الأعضاء.
هـ ـ تتولى التحضير للمؤتـمر كل ثلاث سـنوات بإعداد كافة مشـاريع الوثائق اللازمة من قبل اللجان المختـصة للصياغة
ولجنة المتابعة وإصدار اللائحة التنفيذية وانتخاب المندوبين الأعضاء في المؤتمر, ويعتبر أعضاء اللجنة المركزية
مراقبين في المؤتمر في حال عدم انتخابهم .
و ـ للجنة المركزية، بأغلبية أعضائها ،ترقين عضوية العضو المتغيب عن اجتماعاتها العادية لأربع دورات متتالية.
ز ـ مراقبة تنفيذ سـياسـة الحزب وتوجهاته و سير أعمال الحزب من قبل " لجنة التنسيق " عبر تقارير عن هذه الأعمال
و أقرار أو تعديل القرارات التي تضعها هذه اللجنة.
ح ـ يمكن لها حل أو تشكيل " لجنة المحافظة " لأسباب وجيهة ومعللة وبقرار من لجنة التحكيم والرقابة المالية.
ط ـ تصدر جميع القرارات والتقارير باسم اللجنة المركزية الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي.
ي ـ يعتبر اجتماعها شرعياً بحضور ثلثي أعضائها , وتكون قراراتها شرعية بأكثرية الأعضاء الحضور.
ك ـ إصدار قرارات عودة الرفاق الذين في مواقع قيادية باقتراح من المنظمات والهيئات التنظيمية أوطلب خطي للرفيق
مع الأخذ بالاعتبار تاريخه التنظيمي ومكانته السياسية والاجتماعية وقدراته الفكرية والثقافية.
م ـ تصدر بعد اختتام كل دورة لاجتماعها " رسالة " عن مجمل أعمال هذا الاجتماع موجهة لهيئات وأعضاء الحزب.
ل ـ تصدر نشرة داخلية " حياة الحزب " تمثل أراء الرفاق ووجهات نظرهم , ويتولى مكتب الإعلام إصدار جريدة
سياسية تعتبر لسان الحزب الموجه للرأي العام .

مادة12ـ لجنة التنسيق :
أ ـ تعتبر لجنة التنسيق المركز القيادي للحزب وهي مسؤولة أمام اللجنة المركزية عن تنفيذ سياسة الحزب وتوجهاته
وتسيير أعمال الحزب اليومية وقرارات اللجنة المركزية ما بين اجتماعين.
ب - إقامة العلاقات مع من تولى مناصب قيادية في الحزب من الرفاق القدامى للاستفادة من خبراتهم وتجاربهم .
ج ـ المتابعة التنظيمية و الإشراف على منظمات الحزب في أوساط الجاليات السورية خارج البلاد.
د ـ المشاركة في النشاط الإعلامي عبر مكتب الإعلام بما يخدم سياسة الحزب وتوجهاته.
هـ ـ تتوزع مهامها الحزبية والسـياسـية بالتوافق بين أعضائها ويمكن لها التنســيق مع مكاتب اللجنة المركزية في هذه
المهام وخاصة " مكتبي التنظيم والإعلام ".
و ـ إدارة نشاطات الحزب مع حلفائه والمشاركة و الحوار مع القوى والمنظمات السياسية الأخرى.
مادة13ـ لجنة التحكيم والرقابة :
أ ـ يتم انتخاب أعضاء اللجنة في المؤتمر العام للحزب ويراعي في ترشـيحهم القدم والخبـرة والتـجربـة والمهنة وعدم
العضوية في هيئات قيادية أخرى ،ولهم صفة الاستقلالية عن اللجنة المركزية ومسؤوليتهم جماعية أمام المؤتمر.
ب ـ تجتـمع خلال شهر من انتخاب أعضائها لتقاسم وتوزيع المهام بالتوافق
ج ـ تتولى الإشـراف على تطبـيق اللائـحة الداخلية للحزب وتنفـيذ القرارات والتـوصيات الصـادرة عن المؤتمر واللجنة
المركزية والفصل في الخلافات والمنازعات الحزبية وإصدار أحكام الفصل من الحزب و البت بقبول العضوية.
د ـ مراقبة تنفيذ القرارات المتعلقة بسـياسـة الحزب المالية والمصادقة على قطع الحسـابات الختامية والموازنة السنوية
والمتعلقة بالإيرادات والنفقات المقدمة من اللجنة المركزية حسب التعليمات التي تصدر عنها كهيئة مجتمعة.
هـ ـ إن كافة الأحكام الصادرة، وخلاصة التدقيق في المسائل المالية،تعتبر باتة وقطعية بعد مصادقة المؤتمر العام.
و ـ يلتزم مكتبي التنظيم والمالية، في اللجنة المركزية, التعاون مع لجنة التحكيم والرقابة في تقديم الوثائق والأدلة التي
تندرج في اختصاصها.
ز ـ لها حق التحقق المباشر عن كافة الأوضاع المتعلقة باختصاصها للوقوف على صحة الوقائع والملابسات فيها.
ح ـ تصدر أحكامها بالأكثرية المطلقة ،في المنازعات الحزبية والتنظيمية والمصادقـة الجماعية في المســائل المالية مع
حق وضع الملاحظات على الدخل والصرف.
ط ـ يمكن لها اتخاذ تدابير مؤقتة تتناسب مع طبيعة المسائل المطروحة أمامها قبل إصدار أحكامها.

مادة14ـ المؤتمر العام والاستثنائي:
أ ـ ينعقد المؤتمر العام للحزب كل أربع سنوات ويمكن عقد مؤتمر استثنائي بعد مضي سنة وكلما دعت الضرورة.
ب ـ يتم ترتيب عقد المؤتمر العام والاستثنائي بدعوة من اللجنة المركزية بعد اتخاذ كافة الإجراءات المتعلقة بالتوقيت
والمكان المناسبين لعقده .
ج ـ يحق لثلثي أعضاء اللجنة المركزية الدعوة لعقد المؤتمر العام في حال التأخير أو التقصير مدة ستة أشهر كما يحق
للجان المحافظات التنادي لعقد اجتماع لانتخاب لجنة لعقد المؤتمر إذا تأخرت اللجنة المركزية أو تلكأت عن عقده مدة عام.
د ـ تصدر اللجنة المركزية كافة مشاريع ووثائق المؤتمر وتعلنها قبل فترة أربع أشهر على الأقل من عقده وتتولى تنفيذ
اللائحة التنفيذية ونسب التمثيل وتوزع جدول أعمال المؤتمر على المندوبين المنتخبين لعضوية المؤتمر.
هـ ـ تطرح كافة مشاريع ووثائق المؤتمر للنقاش العلني والعام لأخذ الآراء والمقترحات في المسائل المطروحة وكذلك
في المشاريع والأنظمة الخاصة بعمل المنظمات و اللجان القيادية للحزب.
و ـ تنتهي مهمة اللجان المكلفة بصياغة المشاريع والوثائق وتتولى " لجنة المتابعة " مهمة تناول ودراسة الاقتراحات
والملاحظات المقدمة من قبل منظمات الحزب والرفاق القدامى وأصدقاء الحزب وتقدير جديتها وإضافة المفيد منها.
ز ـ أعضاء المؤتمر هم المنتخبون في مؤتمرات لجان المحافظات وعلى أساس التمثيل النسبي ويعتبر حضور أعضاء
اللجنة المركزية و لجنة التحكيم والرقابة المالية بصفة مراقبين في حال عدم انتخابهم.
ح ـ يمكن للجنة المركزية دعوة أعضاء شرف من الرفاق القدامى وبما لا يتجاوز ثلاث رفاق لحضور المؤتمر بصفة
مراقبين ويترتب على هذه المشاركة أمكانية قبول ترشيح وانتخاب هؤلاء للجان المنتخبة.
ط ـ ينتخب المؤتمر وبالاقتراع السري أعضاء اللجنة المركزية ولجنة التحكيم والرقابة والمصادقة على قرارات وأحكام
لجنة التحكيم والرقابة الصادرة بين مؤتمرين.
ي ـ إصدار القرارات والتوصيات المتعلقة بالحزب وسياستة وتوجهاته ونشاطاته وتحالفاته ومشاركاته في كافة الأنشطة
الدولية والداخلية الحزب.
ك ـ يجب ألا يتجاوز عدد أعضاء اللجنة المركزية ولجنة التحكيم والرقابة ثلث أعضاء المؤتمر .
ل ـ يراعى في انتخاب أعضاء اللجنة المركزية تمثيل منظمات المحافظات ومنظمات الحزب في بلدان الاغتراب.
م ـ ينحصر انعقاد المؤتمر الاستثنائي في الغاية المحددة لانعقاده ولا يمكن أحداث تغييرات جوهرية في طبيعة القرارات
والتوصيات أو أجراء تغيير في اللجان المنتخبة من قبل المؤتمر العام.
ن ـ يُحظَر على كافة أعضاء المؤتمر والحضور والضيوف مغادرة مكان انعقاد المؤتمر حتى إعلان انتهاء أعماله.
خ ـ يقدم هذا المشروع كاملاً بعد استكمال مناقشته ويعتبر من وثائق المؤتمر ويكسب درجة التنفيذ بالمصادقة عليه.
غ ـ يتخذ المؤتمر قراراً , يحدد فيه شعار ورمز الحزب، يوضع على كافة نشراته ووسائله الإعلامية.


ـ الفصل الرابع ـ

مالية الحزب
مادة15ـ مالية الحزب وميزانية :
أ ـ تتكون مالية ودخل الحزب من الاشـتراكات الشــهرية للأعضاء ورسـوم الانتسـاب والتبرعات وإيرادات النشـاط
الإعلامي والنشاط الاستثماري المالي المراعية للقوانين النافذة.
ب ـ ينظم المكتب المالي السجل الخاص بهذا النشاط في حقلين : الأول , حقل الواردات ويدون فيه أرقام الحسابات التي
تمثل كافة الأموال التي دخلت في حساب الحزب والحقل الثاني , النفقات ويمثل أرقام كافة النفقات كما ويمكن فتح
سجل مساعد تحدد نوع الدخل والإنفاق.
ج ـ يلتزم المكتب المالي بتقديم تقرير عن الحسابات المالية نصف سنوية,وكشف يمثل قطع الحسابات بنهاية العام يضم
أرقام تفصيلية لكل حساب وتقرير شامل عن الأوضاع المالية.
د ـ يتقدم المكتب المالي للجنة المركزية بمشروع موازنة مالية في بداية العام يشمل تقديراته لحجم الإيراد والإنفاق .
هـ ـ تخضع كافة الحسابات المالية وسجلات المكتب المالي للتدقيق والمشاهدة وتصديق قطع الحسابات الختامية من قبل
لجنة التحكيم والرقابة.
و ـ يمكن للجنة التـحكيم والرقابة حل المكتب المالي لأسباب معللة تتعلق بالنزاهة وإبلاغها اللجنة المركزية بقرار الحل
لتعمل على تشكيل مكتب بديل في اجتماع منعقد ومتابعة أوضاع المكتب المنحل.
ز ـ رفض تلقي أي دعم مادي غايته المساس باستقلالية قرار الحزب وتوجهاته السياسية.

ـ الفصل الخامس ـ

أحكام انتقالية

مادة16ـ أحكام انتقالية :
أ ـ تتمثل القيادة الحالية للحزب بـ " لجنة التنسيق " المنتخبة في اللقاء الموسع الذي عقده الحزب وضم أغلبية كوادر
الحزب والتي تولت تسيير نشاطات الحزب السياسية و منظماته في المحافظات.
ب ـ لجنة التنسيق مكلفة بإنجاز كافة المشاريع والوثائق وتقدمها لكافة أعضاء الحزب وأصدقائه وحلفائه وللرأي العام
وتتلقى كافة الملاحظات والمقترحات المفيدة لغاية تعديلها قبل تقديمها إلى المؤتمر العام بشكلها النهائي.
ج ـ تتكلف " لجنة التنسيق " باتخاذ كافة الإجراءات المتعلقة بالتوقيت والمكان المناسبين لعقد المؤتمر العام و إصدار
اللائحة التنفيذية.
د ـ أعضاء لجنة التنسيق وكوادر الحزب في المحافظات أعضاء في المؤتمر القادم.
هـ ـ يمكن استكمال التقسيمات التنظيمية ( الفرعية ـ المحلية ـ ......) عندما ترى قيادة الحزب ضرورة إحداثها وتعديل
هذه اللائحة الداخلية وبموافقة المؤتمر.

ـ الفصل السادس ـ

تعديل النظام الداخلي

مادة17ـ تعديل هذا النظام :
أ ـ يقتضي عند الحاجة لإجراء أي تعديل على النظام الداخلي طرح مشروع التعديل للحوار والنقاش قبل أربع أشهر
من انعقاد المؤتمر.
ب ـ لا يمكن تغيير النظام الداخلي قبل مرور أكثر من خمسة سنوات , وعند تقدير الحاجة إلى تغييره يقتضي طرح
المشروع مع الوثائق المطروحة والصادرة من قبل اللجنة المركزية للنقاش العام.
- الفصل السابع -
مادة 18- من حق وصلاحية الهيئة القيادية،المنتخبة من المؤتمر،أن تتعامل مع هذا النظام الداخلي وفق الواقع التنظيمي الراهن وماتراه مناسباً.

======================================================================

الحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي): مشروع رؤية فكرية - سياسية
( كانون أول2013)

- التجربة الماركسية -
كانت الماركسية كاتجاه فكري – سياسي من أكثر الاتجاهات تأثيراً في العصر الحديث: وصلت أحزابها إلى السلطة في بلدان رئيسية من العالم،ومارست الكثير من الأحزاب التي اعتمدت الماركسية نفوذاً كبيراً في بلدانها من موقع المعارضة. كماقامت اتجاهات أخرى بالتأثر بالماركسية في الفكر والسياسات،كماحصل عند الاتجاه الاشتراكي- الديمقراطي منذ عام1898وماتبعه بعد عام1919من أحزاب انضوت في الأممية الثانية.
لم يكن ماركس يفكر في امكانية وصول أحزاب ذات اتجاه شيوعي ماركسي للسلطة قبل نضوج وعبور مراحل التطور الرأسمالي في بلدانها،ولم يكن يتصور امكانية تحقق ذلك في البلدان المتخلفة النمو التي مازالت في مراحل ماقبل نمط الانتاج الرأسمالي أوفي طور البدء به. كان هذا واضحاً في كتاب"البيان الشيوعي" عام1848وفي جدالاته ضد الزعيم العمالي الألماني فرديناند لاسال بأعوام1863-1864.
خالف لينين مخطط ماركس،واتجه نحو "ثورة اشتراكية"في بلد متخلف ذوطابع فلاحي وكانت الرأسمالية فيه بطورها الأول.اعتمد في الوصول للسلطة على مسألتي ( السلم)، في الحرب العالمية الأولى، و (الأرض) لجذب الفلاحين. كان نجاح ثورة أوكتوبر 1917مبنياً على هذه السلم المؤلفة من هاتين الدرجتين.بسبب هذا اضطر الحزب البلشفي الذي وصل للسلطة لأن يقود ثورة رأسمالية وكان مجبراً من أجل الشروع في ذلك للوصول للتصنيع الثقيل والتكنولوجيا إلى فرض اجراءات تجميع قسري على الفلاحين في الريف منذ فترة1929-1932 وإلى اجبار عشرات الملايين منهم على التهجير القسري للمدن لكي يصبحوا عمالاً صناعيين. نجح ستالين وفق تعبير اسحق دويتشر بين عامي1924-1953في نقل الاتحاد السوفياتي"من المحراث الروماني إلى القنبلة الهيدروجينية".استطاع الشيوعيون السوفيات في أن ينقلوا روسيا القيصرية التي كانت بمستوى اسبانية الاقتصادي- الاجتماعي عام1917 لكي يصبح الاتحاد السوفياتي عام1970 في مستوى75% من حجم الصناعة الأميركية بعد أن كان عام1917في نسبة 12% منها.
لم يستطع الحزب الشيوعي السوفياتي قيادة بلاده للاشتراكية وبعدها للشيوعية،وقد انهار نظامه السياسي في عام1991وتفكك بنيانه الجغرافي بعد أن اجتمعت الأزمة الاقتصادية بالثمانينيات مع اختلال التوازن الدولي لصالح الغرب الأميركي ليقود هذا كله إلى تضعضع مكانته الدولية في نظام الثنائية القطبية ثم ينهار بنائه الاقليمي في حلف وارسو بخريف1989قبل أن يحصل التفكك الداخلي السوفياتي في الأسبوع الأخير من عام1991. حصل هذا لأن البنية الاجتماعية، وخاصة الأكثر تطوراً عند التكنوقراط والمتعلمين وأصحاب الشهادات العليا، لم يعد يناسبها نمط رأسمالية الدولة ،ممثلاً في(القطاع العام)،وأصبحت تضيق بقيود الحزب الواحد "القائد للدولة والمجتمع"،فرأت في الظرف الدولي المختل لغير صالح الكرملين فرصة لكي تضغط وتقود الأمو نحو (اقتصاد السوق) و(الديموقراطية السياسية).في الصين قاد الحزب الشيوعي العملية الرأسمالية منذ عام1979لذلك تفادى مصير الحزب الشيوعي السوفياتي وكانت نجاحاته الاقتصادية التي نقلت الصين لكي تكون في القرن الجديد في المرتبة الثانية اقتصادياً بعد الولايات المتحدة سبباً أساسياً في عدم تخلخل نظامه السياسي أواهتزازه. يقوم الحزب الشيوعي الفييتنامي بقيادة بلاده في عملية نمو رأسمالية شبيهة بالذي جرى في الصين بالسنوات العشر الأخيرة.
كانت نهاية التجربة السوفياتية انتصاراً لماركس على لينين،وهو ماتؤكده بشكل خاص التجربة الصينية حيث قال الشيوعيون الصينيون منذ الثمانينيات بأنه"لايمكن بلوغ عتبة المرحلة الاشتراكية قبل استنفاذ كافة مراحل التطور الرأسمالي"،وفي هذا المجال أثبتت التجربة كفاءة الشيوعيين الصينيين في قيادة أكبر وأسرع تجربة نمو رأسمالية عرفها التاريخ. من هنا لم يكن فشل اللينينية فشلاً للماركسية،وإنما العكس من ذلك.
بهذا الإطار تعطي تجربة الماركسية السياسية بأنها ليست لكل مكان وزمان عبر قالب ووصفة جاهزة،بل هي إطار فكري - سياسي يعتمد منهجاً تحليلياً في التفاعل مع مكان وزمان محددين،ووفق جدل العام – الخاص(العالمي- المحلي)،لكي ينتج برنامجاً سياسياً للحزب في البلد المعني. من هنا لم تكن الماركسية في تجاربها السياسية واحدة بل أنتجت ماركسيات،سوفياتية ،صينية ،وإيطالية ،وفييتنامية...إلخ. هنا نلاحظ أن الماركسيات التي تفاعلت مع الخصوصيات المحلية،في الثقافة المحلية والقضايا الوطنية- القومية،مثل الصين وفييتنام،كانت الأكثر ديمومة ونجاحاً، فيمافشلت التي أرادت بناء يتخطى الثقافات المحلية والقومية مثل التجربة السوفياتية،التي أظهر انهيارها كم كان العامل القومي والديني قوياً تحت قشرة القمع السلطوي،وعندما ضعفت تلك القشرة ثم انهارت بين عامي1988-1991تحركت وانفجرت الصراعات القومية- القومية في البناء السوفياتي،كمافي أزمة ناغورني كاراباخ بين أذربيجان وأرمينية،ثم شهدنا تفجر الصراعات القومية ذات المحتوى الثنائي القومي- الديني كمافي الصراع الشيشاني ضد الروس منذ عام1994.
تعطي التجربة الصينية ثم الفييتنامية،وبعكس السوفياتية،ضرورة تبيئة الماركسية في التربة المحلية،لكي تتفاعل مع العامل القومي المحلي،ومع خصوصيات البلدان المعنية في الثقافة والتراث المعتقدي الديني،من أجل انتاج ماركسية مخصوصة وخاصة في البلد المعني.الماركسية ليست قالباً جاهزاً،بل هي في العملية السياسية تعتمد منهجاً تحليلياً يستند إلى فكر سياسي،له رؤية لعلاقة الاقتصاد- الاجتماع- الثقافة – السياسة،لكي يستخلص من هذا المنهج التحليلي برنامجاً سياسياً لمكان وزمان معينين وفي إطار جدل العام- الخاص.هذا يعني بأن الماركسية في العملية السياسية ليست عقيدة تجاه الطبيعة وماوراء الطبيعة بل هي مذهب سياسي يفصل العقيدة عن السياسة وهي أقرب إلى مذهب سياسي لايتطلب من الماركسي سوى الاقتناع بالخط السياسي لحزب يعتمد المنهج التحليلي الماركسي. من هنا ليس الإلحاد أولإيمان سوى مسألتان شخصيتان لاتشترطهما الماركسية في المتمذهب السياسي الماركسي،بل يمكن للماركسي المتحزب سياسياً أن يعتقد مايشاء من ايمان ديني،أوأن لايعتقد،وليس مطلوباً منه كعضو في الحزب الماركسي سوى الشروط الثلاث التي وضعها لينين للحزبي:(الاقتناع بالبرنامج السياسي للحزب- أن يكون عضواً في احدى الهيئات الحزبية- أن يسدد اشتراكه الحزبي المالي).
قبل سنوات انتخب ماركس في استطلاع لهيئة الإذاعة البريطانية بوصفه المفكر الأكثر تأثيراً في الألفية الثانية. لم يشمل هذا حصراً السياسة وإنما عالم الأفكار التي تخطت السياسة لتصل للاقتصاد ولتحليل الثقافات،كماأنها لم تشمل الماركسيين فقط بل تعدى تأثير ماركس ليصل لغير الماركسيين في ميادين العلوم السياسية (ريمون أرون) والاقتصاد( جوزيف شومبيتر) ومنهج التحليل النفسي عند متأثر بالفرويدية مزجها مع الماركسية(ويلهلم رايخ).كماجرى استيقاظ كبير عند القراء في الدول الغربية لقراءة ماركس كمفكر اقتصادي في أعقاب أزمة عام2008المالية – الاقتصادية العالمية التي بدأت في الغرب الأميركي ثم امتدت آثارها منذ عام2011نحو دول اليورو.
- الوضع الدولي والعربي -
انتصرت الولايات المتحدة على الاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة(1947-1989). أقيم نظام القطب الواحد للعالم بالنتيجة،وقد مورست الأحادية القطبية في حرب1991بالخليج وحرب كوسوفو 1999وفي غزو العراق بعام2003.جاء فشل المشروع الأميركي ب"إعادة صياغة الشرق الأوسط"،والمسمى "مشروع الشرق الأوسط الكبير"13شباط2004،عبر غزو العراق،والذي توضح فشله في أعوام2007-2010،لكي يؤدي إلى تضعضع مكانة القطب الواحد للعالم،وقد اجتمعت الأزمة المالية- الاقتصادية العالمية،البادئة في نيويورك بأيلول2008،لكي تتيح فراغات قوة عالمية سمحت ببداية عملية نشوء تحد لقوة واشنطن،ظهرت معالمها مع تأسيس (مجموعة دول البريكس- روسيا والصين والهند والبرازيل)في حزيران2009،ثم انضمت لها جنوب افريقية في العام التالي. خلال الأزمة السورية،وعبر الفيتو المزدوج الروسي – الصيني في 4تشرين أول2011،ظهرت معالم هذا التكتل الدولي الجديد ضد الولايات المتحدة ومن خلال أزمة عالمية كبرى كالأزمة السورية اجتمعت فيها الكثير من التداخلات الدولية- الاقليمية مع العوامل المحلية للصراع. كان الاعلان عند تأسيس(البريكس) بأن هدف التكتل الجديد هو"عالم متعدد الأقطاب"،وهو مايبدو قد تحقق خلال مجرى أعوام 2011-2013،وقد أتت اتفاقية موسكو في 7أيار2013 حول الأزمة السورية ثم اتفاقية جنيف حول(الكيماوي السوري) في 14أيلول2013 لكي تكرس اتتهاء الأحادية القطبية ودخول العلاقات الدولية في مرحلة انتقالية نحو تعدد الأقطاب،ليكون ترجمة ذلك الفورية في الاتفاقية الأفغانية(20تشرين ثاني) حول تنظيم الوجود العسكري الأميركي حتى 2024،وهو ماتم بمساعدة روسية – ايرانية، ثم الاتفاق الأميركي – الايراني(24تشرين ثاني) حول الملف النووي الايراني،وليأتي تحديد موسكو وواشنطن في 25تشرين ثاني لموعد جنيف 2 السوري حصيلة لكل الاتفاقيات ولصورة دولية جديدة أصبحت واشنطن تقبل مشاركة موسكو، وقوى اقليمية كايران ،وربما السعودية، النفوذ في منطقة الشرق الأوسط،لكي تترك المنطقة مبرمجة وهادئة وغير مقلقلة بينما تتفرغ واشنطن لتركيز اهتمامها على الشرق الأقصى من أجل احتواء ومواجهة صعود العملاق الصيني،الذي تخشى الولايات المتحدة من أن يترجم عملقته الاقتصادية في المجالات السياسية والعسكرية.
خلال الحرب الباردة،وفترة القطب الواحد للعالم،ثم في المرحلة الثالثة مع تبلور نظام جديد من تعدد الأقطاب بفترة2011-2013،كان الوضع العربي في مرحلة تدهور من حيث القوة والوزن العربيين في العلاقات الدولية وفي اللوحة الاقليمية الشرق أوسطية:فشلت الناصرية في تحقيق المشروع العربي بفترة1955-1967،ومنذ وفاة عبد الناصر في 28أيلول1970يعيش العرب في وضع من تدهور للقوة متسارع الوتيرة،كانت أبرز محطاته خروج مصر من ساحة الصراع العربي- الاسرائيلي مع المعاهدة المصرية – الاسرائيلية في 26آذار1979ثم في هزيمة المقاومة الفلسطينية وخروجها من لبنان عقب اجتياح صيف1982الاسرائيلي،واتفاقية أوسلو في 13أيلول1993،وفي احتلال أمريكا للعراق عام2003. أنشأ هذا حالة من فراغ القوة العربية ترافق مع نمو قوى اقليمية مجاورة للعرب في ايران وتركية وإثيوبية،ومع تنام برعاية غربية لتكتلات اقليمية مجاورة للعرب مثل (الاتحاد الافريقي).
ترافق تدهور الوزن العربي في اللوحتين الدولية والاقليمية مع انفجارات داخلية في البنية المجتمعية العربية : ظهر هذا أولاً في لبنان1975-1990،ثم في عراق2004-2008،وفي يمن مابعد2004مع انفجار التمرد الحوثي ثم مع بدء (الحراك الجنوبي) بعام2007.مع تزايد مكانة ايران الاقليمية صعد إلى سطح الساحة السياسية توتر شيعي- سني ظهرت معالمة في عراق مابعد الاحتلال الأميركي ،وفي لبنان مابعد اغتيال الحريري في 14شباط2005،وفي البحرين. عندما حصلت موجة "الربيع العربي" بدءاً من تونس في 17كانون أول2010،إلى مصر 25يناير،ويمن 3شباط،وبحرين14شباط،وليبيا17شباط،وسوريا18آذار2011،فإن هذاعملياً لم يؤد إلى ديمقراطية مستقرة في البلدان التي سقط فيها الحاكم بحكم قوة الشارع،أوبالتضافر مع الضغط الخارجي،بل إلى انفجار البنى الداخلية كمافي ليبيا واليمن وإلى حد أقل في مصر وتونس. في سوريا كان استعصاء التغيير مترافقاً مع انفجار كبير في البنية الداخلية. في البحرين هذا كامن بفعل قوة الضغط السعودي ،المدعوم أميركياً، منذ دخول (قوات درع الجزيرة) إلى البحرين بعد خمسة أسابيع في 18آذار2011 وقمع التحرك المعارض الذي أخذ شكل معارضة ذات ارتكاز شيعي أساساً ضد نظام مرتكزاته الأساسية سنية من حيث المدى الاجتماعي،فيماكانت المعارضة البحرينية في السبعينيات عابرة للطائفتين وذات طابع يساري.
في المحصلة العامة لفترة 1952- 2013العربية يمكن القول بأن هناك فشل للتيار القومي العروبي بطبعتيه الناصرية والبعثية في البلدان الثلاث الرئيسية،مصر والعراق وسوريا،في تحقيق مشروع النهوض العربي في (الوحدة) و(التنمية)،وفي تحقيق الأهداف العربية في (فلسطين) ضد "اسرائيل". هناك عودة للهيمنة الغربية على بلدان عربية،كمانرى من واشنطن في الخليج،وباريس في ليبيا والجزائر والمغرب وموريتانية،وهناك قوى اقليمية تتحكم بمسارات الداخل العربي،كمافي العراق من قبل ايران،أولبنان حيث نفوذ طهران يلمس بقوة عبر قوى محلية مثل(حزب الله). في فترة2011-2013دخل التيار الاسلامي في تجربة الوصول للسلطة،بتونس ومصر وليبيا والمغرب،وفشل في هذه التجربة،وكان أسطع برهان على هذا الفشل تجربة حكم الرئيس محمد مرسي في مصر.
انضاف فشل التيارين القومي العروبي والاسلامي إلى تجربة فشل التيار الليبرالي العربي بالأربعينيات والخمسينيات بمصر وسوريا.هذا يعني بأنه في مرحلة "مابعد الربيع العربي" هناك تساوي في الفشل للتيارات السياسية العربية،ولوأن الماركسيون لم يجربوا عربياً ولكن جرى هذا عالمياً،وأن هناك حالة فراغ في الساحة السياسية العربية مادام لايوجد بديل لهذه التيارات السياسية الأربعة،ومادامت هذه الأخيرة لم تقم حتى تاريخه بمراجعة حقيقية لتجربتها الفكرية- السياسية.
- سوريا -
لم تكن ولادة الدولة السورية طبيعية: قضى الفرنسيون في ميسلون -24تموز1920 على مملكة فيصل بن الحسين بعد سنتين من التحرر من العثمانيين. جرت محاولات من الفرنسيين لتقسيم السوريين بين دمشق وحلب وجبلي الدروز والعلويين قبل اقرارهم بفشل هذه المحاولات في معاهدة1936.خلال ثلاث سنوات سلخوا لواء اسكندرون عن الجسد السوري واعطوه لتركية مقابل ضمان حيادها في الحرب التي كانت تتجمع غيومها مع هتلر.قبل هذا تم سلخ كيليكيا في معاهدة لوزان 1923بعد أن كانت سورية وفق معاهدة سيفر بعام1920. كانت سوريا الجلاء في 17نيسان1946حصيلة لكل ذلك. ساهمت نكبة فلسطين في عام1948في تعزيز شعور سوري عام بأن هذا القميص ضيق على الجسد الذي رأت غالبية كاسحة من السوريين بأنه لايتسع له سوى رداء العروبة. لم يكن الميل للوحدة العربية متعلقاً بفلسطين فقط وإنما كان السلخ والاقتطاع من الجسد السوري هو سببه العميق،إضافة لسعي السوريين بغالبيتهم إلى إطار أوسع لتحقيق النشاط الاقتصادي،وخاصة حلب التي كانت بزمن العثمانيين من كبريات الحواضر الاقتصادية في المنطقة وترتبط ببلاد الرافدين بروابط تجارية ومن ثم دمشق التي تطلعت جنوباً نحو السعودية والخليج بعد اكتشاف النفط في الثلاثينيات والأربعينيات. لهذا شهدت سوريا ظاهرة لم تشهدها بلدان عربية أخرى،وهي سعي السوريين بغالبية شعبية للذوبان في كيان سياسي آخر، كمافي الشهر الأخيرمن عام1949 مع العراق بعد فوز (حزب الشعب)،ذو الارتكاز الحلبي،بالشهر السابق في الانتخابات البرلمانية،وهو ماأجهضه انقلاب 19كانون أول1949بقيادة العقيد أديب الشيشكلي المدعوم من مصر والسعودية،ثم كانت العملية الوحدوية الثانية في 22شباط1958مع مصر قبل أن يجهضها انقلاب الانفصال في 28أيلول1961. ساهمت الصراعات والاستقطابات في فترة1946-1958في جعل سوريا مضطربة داخلياً بفعل تأثيرات المدارات السورية المتباينة بين محوري بغداد،المرتبط بلندن، والقاهرة- الرياض قبل أن تنفك العاصمة السعودية عن المصريين بعد انهيار الحكم الهاشمي في العراق مع انقلاب14تموز1958.هذا جعل الحكم غير مستقر. انضاف لهذا العامل الاقليمي- الداخلي عامل داخلي محض تمثل في عدم حل المسألة الزراعية ،ماساهم في عدم الاستقرار وفي اهتزاز السيطرة السياسية المزدوجة لمدينتي دمشق وحلب. مثلت فترة الوحدة السورية – المصرية ليس فقط انتصاراً للقاهرة على بغداد وإنما كذلك كسوفاً لشمس دمشق وحلب عن سماء السياسة السورية وبداية صعود الريف والبلدات الصغيرة وجماهير الفئات الوسطى والفقيرة التي رأت في عبدالناصر،الذي أعطاها الاصلاح الزراعي في أيلول1958ثم تأميمات المصانع والبنوك في تموز1961، مخلصاً. كان انقلاب الانفصال انقلاباً عسكرياً قامت به أساساً ماسمي بكتلة" الضباط الشوام"بدعم من السعودية والأردن والغرب،ولم يكن الحكم الانفصالي يملك أسس الاستمرار،ليأتي انقلاب8آذار1963حاملاً فئات اجتماعية جديدة على السلطة من خارج المدينتين الكبيرتين أتوا أساساً من أرياف حوران وجبل العرب والساحل ومن بلدات صغيرة مثل السلمية وديرالزور. قاد حكم حزب البعث والضباط العسكريين إلى ثورة اقتصادية- اجتماعية قلبت المشهد السوري لفترة1946-1963وكان أكثر جذرية من حكم الوحدة في احداث التغييرات،وقد كانت عملية تمدين الريف وتحديثه أساساً لانطلاق جديد لتطور رأسمالي بدأ في عام1974بقيادة (نمط رأسمالية الدولة)،الذي أسمي ب(القطاع العام)،وبالتشارك مع التجار والمتعهدين،قبل أن تميل الكفة لصالح صناعيين جدد مع المرسوم رقم10بعام1991ظلوا تحت رعاية وتشارك مع الكثير من رجال السلطة السياسية،قبل أن تشهد سوريا انطلاقة جديدة للرأسمالية في فترة2005-2010مع ماسمي ب"اقتصاد السوق الاجتماعي" كانت عنواناً خجولاً لتطور ليبرالي اقتصادي متوحش ساهم في إعادة رسم الخريطة الاقتصادية – الاجتماعية السورية لصالح طبقة بورجوازية جديدة أتت من رحم السلطة السياسية أومن تحت خيمتها،سواء كانت تنضداتها صناعيون أورجال أعمال أوتجار،وضد الفئات الوسطى المدينية والريفية التي أفقر قسم واسع منها خلال العشرية الأولى من القرن الجديد وضد قطاع واسع من الفلاحين دمرهم مرسوم رفع أسعار المازوت في 3أيار2008 وارتفاع أسعار الكيماويات الزراعية المترافق مع ذلك المرسوم.
في عام2010كان الانقسام الطبقي واضحاً في المجتمع السوري بين الأغنياء والفقراء،بشكل لامثيل له أويوازيه في القرن العشرين،بمافيها فترة1946-1958،مع ظاهرة جديدة غير مسبوقة هي عملية الانقراض الواسعة والسريعة الوتيرة للفئات الوسطى البينية(بين الأغنياء والفقراء)التي كانت تشكل الغالبية العددية في المجتمع السوري بالمدينة والريف والمصدر الأول للطاقة الشرائية المحركة للأسواق السورية.
في أحداث1979-1982لم تكن القوة الانفجارية للأحداث كبيرة مادام الاحتجاج السياسي (الذي أخذ أشكالاً عنفية عند المعارضة الاسلامية)كان غير مترافق مع فوارق طبقية كبيرة في الخريطة الاقتصادية – الاجتماعية،ومادام ليس هناك من أزمة اقتصادية معاشية. في أزمة2011-2013كان الوضع مختلفاً:لاتقوم الحركات الاجتماعية على دافع سياسي محض،بل أساسها اقتصادي في العمق ومن ثم تأخذ أشكالاً سياسية وفكرية – أيديولوجية. يلاحظ في الحراك السوري المعارض بأعوام2011-2013 أنه كان ريفي الطابع بالأساس في أرياف حوران ودمشق وحمص وحماة وادلب وحلب وديرالزور مع استثناء في مدينة حمص،بينما لم يكن كذلك في أحداث1979-1982عندما اعتمدت الحركة الاخوانية على فئات وسطى مدينية متعلمة في مدن حماة وحلب واللاذقية مع استثناء ملفت في ريف محافظة ادلب وبلداتها من دون مدينة ادلب ، وعلى الأرجح هذا هوالسبب الذي جعل الحركة السلفية،ذات الجذور الاجتماعية الريفية كمافي مصر أيضاً، تكون أقوى في سوريا2011-2013من الحركة الأصولية الاخوانية. هذا الحراك السوري المعارض كانت أسبابه الاقتصادية في تدهور الزراعة،وربما كانت قوته في مدينة حمص،التي كانت هادئة في 1979- 1982،ناتجة عن تدهور مكانتها الاقتصادية بحكم تحول الطرق الرئيسية عنها نحو أطرافها بخلاف لماكانت أسواقها تعتمد على كونها عقدة طرق البلد بأكمله بين حلب ودمشق والساحل والشرق مع العاصمة.
في الحراكات العفوية تكون الأسباب الاقتصادية هي الأساس،وأقوى وأكثر تأثيراً منها بالقياس إلى تاثيرها في الحراكات ذات الطابع المنظم والتي تقودها منذ لحظة البدء أحزاب ذات أجندات فكرية – سياسية مؤدلجة. ليس مهماً بعد ذلك من يركب ويمتطي الحركة العفوية ويعطيها من ذاته الفكرية- السياسية ويستطيع برمجتها وفق أجنداته،فهذا لايلغي العفوية والأسباب الاقتصادية، حيث لايمكن لها أن لاتمتد إلى السياسة وأن لاتصبح ذات مطالب سياسية مادامت السياسة هي الباب للدخول إلى البيت الذي تتوزع غرفه بين الاقتصاد والاجتماع والثقافة.
في الثورات يكون هناك اشتراك،عبر اليد واللسان والقلب،لأكثر من 50%من مجموع السكان البالغين خلال السيرورة الحركية الثورية. لم يكن الأمر هكذا في سوريا2011-2013،بل كان هناك ثلاث أثلاث،وهذا مازال مستمراً لاثنين وثلاثين شهراً تفصلنا عن بداية الحراك السوري في درعا18آذار2011: ثلث معارض،وثلث موال، وثلث متردد. لم تستطع المعارضة أن تكون عابرة للطوائف وللأقليات فيمااستطاع النظام أن يكون عابراً للطوائف في قاعدته الاجتماعية،وعلى الأرجح هذا الذي يفسر صموده أمام حركة قوية كهذه من حيث ديناميتها الداخلية ومن حيث ركوب قوى دولية واقليمية عليها ،ضد النظام وضد قوى دولية واقليمية ساندت النظام،أرادت تجيير الأزمة السورية من أجل أجنداتها ليكون ليس فقط (صراع على سوريا) وإنما كذلك(صراع في سوريا) على الاقليم ضد ايران ونفوذها الاقليمي المتنامي في مرحلة 2007-2010، وكذلك في المقلب الآخر من الروس ضد الأميركان لاثبات انكسار الأحادية الأميركية القطبية للعالم،وهو مانجحت فيه موسكو،فيمااستطاعت طهران منع الصراع السوري من أن يتحول إلى ميدان لكسر نفوذها الاقليمي مثبتة العكس عبر اتفاق24تشرين ثاني2013 حول (النووي الايراني) والذي يمثل بطريقة "ما" اعترافاً أميركياً بنفوذ طهران الاقليمي الذي تمت مقايضته بتحديد سقوف البرنامج النووي الايراني، وهو ماكان يمكن أن يتم لولا مجريات (الصراع على سوريا) و(الصراع في سوريا).
أيضاً، الثورات( الحراكات- التمردات- الانتفاضات) مثل الشاحنات،تختلف في الحمولة،فمنها بحمولة كبيرة(مثل الثورة الروسية- الايرانية...إلخ) ومنها ثورات فاشلة (ثورة1905الروسية)،ومنها من يكون بحمولة صغيرة بغض النظر عن قوة محرك الشاحنة،وهذا يتعلق كثيراً بالسائق والظروف المحيطة.
كان هناك استعصاءاً سورياً واضحاً منذ صيف2011أتى حصيلة لتوازن قوى محلية،لم يستطع من خلاله النظام هزيمة المعارضة،ولااستطاعت المعارضة بسببه هزيمة النظام.كانت أقلمة وتدويل الصراع مساهمة أكثر في هذا الاستعصاء بعد أن تحولت الساحة السورية إلى ميدان مفتوح للصراعات الدولية والاقليمية. كان استخدام العنف المعارض مساهماً أكثر في زيادة حدة هذا الاستعصاء وليس في كسره،كماأن سيطرة القوى الاسلامية على قيادة الحركة المسلحة المعارضة قد جعل من مصلحة القوى الدولية والاقليمية أن تبحث عن مخرج تسووي للأزمة السورية،خشية أن تتحول سوريا إلى حالة شبيهة بفوضى أفغانستان مابعد هزيمة السوفيات هناك بعام 1988على يد الاسلاميين الذين دعمهم الغرب والسعودية وباكستان عقب الغزو السوفياتي لأفغانستان في عام1979،وماولدته من (تنظيم القاعدة) ومن تداعيات اقليمية كانت احداها(طالبان باكستان)التي تثير الاضطراب في الداخل الباكستاني بعد أن كانت باكستان هي القوة الدافعة وراء انشاء حركة طالبان الأفغانية لكي تكون امتداداً باكستانياً في بلاد الأفغان. الاضطراب السوري قاد إلى اضطراب دولي- اقليمي وإلى اهتزاز الدول المجاورة في لبنان والأردن وتركية والعراق. أصبحت التسوية السورية ضرورة دولية واقليمية،فيماكان الحريق اللبناني بأعوام1975-1990موضعياً ولم يؤد إلى اضطراب الاقليم.
ستكون التسوية السورية،عبر جنيف2، حصيلة توازن دولي- اقليمي، أكثر منها حصيلة للتوازن المحلي بين الأطراف المتصارعة على الأرض خلال فترة مابعد18آذار2011،وستكون هي قمة جبل الجليد ليالطا شرق أوسطية(على طراز اتفاقية يالطة بعام1945لأوروبة مابعد الحرب) ستتقاسم فيها القوى الأربع: روسيا- أميركا- ايران- السعودية ،مناطق النفوذ بمنطقة الشرق الأوسط،من الحدود الأفغانية – الصينية إلى الشاطىء الشرقي للبحر المتوسط ومن القامشلي إلى عدن. وفق مؤشرات كثيرة،سيكون هناك استبعاد لتركية وأوروبة من هذه العملية لتقاسم النفوذ في منطقة الشرق الأوسط . ستكون روسيا رقم واحد من حيث النفوذ في سوريا القادمة التي ستطوي عبر جنيف2 الصفحة التي بدأت يوم8آذار1963. ايران رقم واحد في العراق ،وأفغانستان للولايات المتحدة باعتبارها مجاورة للصين وكانت واشنطن حريصة في اتفاقية 20تشرين ثاني2013 بخلاف العراق على بقاء قواتها وقواعدها هناك،بينما يوحي طرح السعودية مؤخراً،بكانون أول2013، لفكرة تحويل (مجلس التعاون الخليجي) إلى شكل اتحادي بأن الرياض ستكون رقم واحد في منطقة شبه الجزيرة العربية،وهو ماظهرت ملامحه الأولى عبر التسوية اليمنية في تشرين ثاني2011التي انبنت على(المبادرة الخليجية)،فيماتولت السعودية برعاية أميركية قيادة القوة الخليجية التي تدخلت في البحرين في آذار2011.
- آفاق مستقبلية -
في مسيرة الحزب الشيوعي السوري منذ عام1924 كان هناك أخطاء فادحة في موضوع(قرار تقسيم فلسطين)عام1947وفي موضوع(الوحدة السورية- المصرية)بعام1958،وقد أتى الاثنان بسبب تبعية قيادة الحزب لموسكو. في السياسات العامة للحزب كان هناك عدم ادراك لأهمية المسألة الوطنية- القومية في بلد تحت السيطرة الأجنبية ويسعى أبنائه للتوحد مع أبناء مناطق وبلدان أخرى يعتبروها جزءاً من الوطن العربي ويشترك غالبية السوريين في الشعور معهم بأنهم أبناء أمة عربية واحدة.،وكان هناك عدم ادراك لأهمية المسألة الزراعية في بلد ماقبل رأسمالي ويحبو نحو الرأسمالية. كانت هذه الجوانب الأربعة الأسباب الكبرى لفشل مسيرة الحزب الشيوعي خلال تسعين عاماً من الزمن.
استطاع الحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي)، بعد انشقاق3نيسان1972مع جناح خالد بكداش الموالي للسوفيات وللنظام، تقديم بديل جذري لبكداش وللسياسات السوفياتية المفروضة على الأحزاب الشيوعية العربية في مجال السياسات العامة المتعلقة بمواضيع(الوحدة العربية) و(فلسطين) و(الديموقراطية السياسية)، إلاأنه لم يستطع تقديم بديل في مجال رؤية ماركسية جديدة فكرياً للمجالين السوري والعربي تكون متبيئة بالتربة المحلية كمارأينا في الماركسية الايطالية أوالفييتنامية. غرق الحزب في البحر السياسي وفي الخلافات التنظيمية الداخلية،وقد كانت حملة اعتقالات1980مؤدية إلى جراحات كبيرة في جسد الحزب لم تتح له مجالاً لكي يقوم براحة على قدميه خلال ربع قرن لاحق من الزمن.كان لعدم الوضوح الفكري الماركسي في الحزب وتغليب السياسي في مسيرته على الطوابق التنظيمية والفكرية أن قاد قيادة الحزب بغالبيتها،وخاصة الأمين الأول للحزب، نحو فخ تبديل القميص الفكري الماركسي في أعوام2004- 2005واستبداله بقميص ليبرالي لمارأوا وافترضوا وراهنوا أن هناك مجالاً لتغيير سياسي للنظام السوري بعد الغزو الأميركي للعراق يكون عن طريق سيناريو يحدث في دمشق يكون بهذا الشكل أوذاك شبيهاً بالسيناريو الذي حصل ببغداد في نيسان2003على يد الأميركان. كان هذا هو السبب الأساس لذهابهم نحو تأسيس ماسمي ب(حزب الشعب الديمقراطي)في نيسان2005بعد خلافات عصفت بالحزب على موضوعي(الماركسية)و(المراهنة على الخارج). استمرت كوادر حزبية في التمسك باسم(الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي) بعد كونفراسين انعقدا في ديرالزور بأيار2005وفي دمشق بتشرين أول2007،وقد شارك(الحزب الشيوعي- المكتب السياسي) في عملية تأسيس (تجمع اليسار الماركسي- تيم) يوم20نيسان2007وفي محادثات تأسيس(الطريق الثالث)،إثر شهر من انشقاق"اعلان دمشق" على موضوع (المراهنة على الخارج)، بين كانون ثاني2008وتموز2010 ، ثم شكل المشاركون في محادثات(الطريق الثالث) النواة الأساسية في عملية تأسيس (هيئة التنسيق الوطنية)في 25حزيران2011بعد ثلاثة أشهر من اندلاع الأزمة السورية.
لايرى (الحزب الشيوعي- المكتب السياسي) مستقبلاً تنظيمياً – سياسياً منفرداً له أولسواه من أحزاب وفصائل اليسار الماركسي السوري بكل تنوعاته، وهو يسعى إلى تنظيم واحد مستقبلي لليسار الماركسي السوري وخاصة في مرحلة (مابعد جنيف2).كمايرى أن تجربة(هيئة التنسيق)،بماحوته من خليط يساري عروبي وماركسي وكردي مع شخصيات اسلامية معتدلة وليبرالية وطنية، هي تجربة ثبت نجاحها في مسار الأزمة السورية وهي تملك عوامل الاستمرار والتطوير في مرحلة(مابعد جنيف2)،لمواجهة استحقاقات بناء سوريا جديدة ديمقراطية ولملاقاة استحقاقات (التحديث) ،و التصدي لقوى التطرف الاسلامي،ولمواجهة الأجندات الخارجية التي تريد تتبيع سوريا القادمة لدول أجنبية هنا أوهناك. يأتي هذا انطلاقاً من واقع أثبته اليسار السوري بكل تنوعاته بأنه لاصق وطني عابر للطوائف والأديان والقوميات،كماأنه وطني تجاه الخارج ومستقل ولايمكن امتطائه من قبل قوى خارجية بخلاف قوى اسلامية وليبرالية وكردية انوجدت في "المجلس" و"الائتلاف" .
في المستقبل المنظور لعملية الانتقال السورية لن يعود لموضوعي(المراهنة على الخارج) و(العنف المعارض) ذلك الدور التقسيمي للمعارضة السورية كماكانا في أعوام2004-2013، بل ستكون للمواضيع (الوطنية) و(الديموقراطية) و(الاقتصادية- الاجتماعية) و(التحديثية)الدور الأكبر في تحديد الاصطفافات والمواقع والاستقطابات في عموم الساحة السياسية السورية. ستكون لليسارات العروبية والماركسية والكردية مواقع متقاربة وأقرب للتلاقي في هذه المواضيع الأربعة وعبرها في مواجهة الاسلاميين والليبراليين وأحزاب فئوية كردية على الأرجح ستتجه للتلاقي مع الليبراليين والاسلاميين على نموذج ديمقراطي"توافقي" ،على طراز (الطائف اللبناني) أو(النموذج العراقي- الأفغاني)، يعتمد نموذج المحاصصة وفقاً لنسب الطوائف والقوميات والإثنيات. ربما يؤدي طرح المواضيع التحديثة في التشريعات والقوانين ومكانة الشريعة الاسلامية في الدستور والقوانين إلى انشقاقات وتفارقات مستقبلية في جبهة الاسلاميين- الليبراليين- الأحزاب الفئوية الكردية والتي هي النواة الأساسية ل"الائتلاف"الراهن الموجود في اسطنبول. أيضاً ،سيكون لموضوع دور الخارج الدولي- الاقليمي في سوريا القادمة،وبحكم أدوار هذا الخارج الحاسمة والأساسية في نقل سوريا إلى مرحلة(مابعد جنيف2)، تأثير كبير في موضوع الاصطفافات السياسية القادمة،حيث من المرجح أن يكون لسفارات محددة أدوار كبرى في مجرى العملية السياسية السورية،وسيكون لموضوع (التبعية) أورفضها دور كبير في رسم التلاقيات والتباعدات السياسية،كماأن الاصطفاف في المعسكرات الدولية- الاقليمية هنا أوهناك سيكون مؤثراً إلى حد بعيد في رسم السياسات السورية المحلية كمارأينا في سوريا1954-1958وفي لبنان 2005-2013.
على العموم سيكون البلد الذي اسمه سوريا في مرحلة(مابعد جنيف2) بدون دور اقليمي كماكان في أعوام1976-2010،وسيكون للسفارات أدوار كبيرة في السياسات المحلية . سيكون له مؤسسات ديمقراطية ولكنها ستكون هشة ومزعزعة وغير مستقرة. لن يستطاع فرض ديكتاتورية لحزب أولفرد. ستكون المرحلة الانتقالية السورية أكثر اضطراباً من نظيرتها المصرية ولكن على الأرجح لن نشهد "سيسي سوري"،وعلى الأغلب سيكون الاصطفاف قريباً من مصر مابعد مبارك : الاسلاميون في خندق واحد بمواجهة العلمانيين واليساريين والأقليات،والليبراليون في موقع وسطي مترجرج بين الخندقين.
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المسار - العدد 1
- بيان


المزيد.....




- المغرب يرسل 8 طائرات محملة بالمساعدات الغذائية للبنان
- منفذ هجوم إنديانابوليس العشوائي كان موظفا في شركة فيديكس
- لليوم الثاني على التوالي... الجيش الإسرائيلي يستهدف مواقع لل ...
- روسيا.. نقل أكثر من 50 طائرة حربية إلى القرم ومقاطعة أستراخا ...
- بيان بايدن وسوغا يشير إلى -السلام والاستقرار في مضيق تايوان- ...
- على وقع احتدام المعارك.. مجلس الأمن يدين التصعيد في مأرب ويط ...
- الحرب في أفغانستان: مخابرات الولايات المتحدة تشك في صدق المز ...
- واشنطن وطوكيو تعارضان أي محاولات لتغيير الوضع الراهن في بحر ...
- مجلس الأمن الدولي يرحب بإعلان السعودية بشأن إنهاء الصراع في ...
- البرهان: لدينا علاقات أمنية واستخباراتية وثيقة مع واشنطن


المزيد.....

- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي - وثائق2003-2013