أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمر سعيد - المثقف الحقيقي... صادق في اعلاء جلال العقل حتى العظم















المزيد.....

المثقف الحقيقي... صادق في اعلاء جلال العقل حتى العظم


عمر سعيد

الحوار المتمدن-العدد: 5367 - 2016 / 12 / 10 - 07:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



تماما كما في عز شبابه وقمة اندفاعه وعطائه، أي حينما اعتبره الكثيرون محركا عالي الجودة في تقليب المياه الآسنة، ومثيرا لعواصف النقد المشحون والمنازلات الفكرية الصارمة، هكذا حاله اليوم وهو يتوسد فراش الموت. انه المفكر الحقيقي صادق جلال العظم، الذي تربت أجيال كاملة على أدبياته الثورية من النقد الذاتي بعد الهزيمة، ونقد الفكر الديني، ودفاعا عن المادية والتاريخ، مرورا بالاستشراق معكوسا... ووصولا لذهنية التحريم، واستلهمت من معارفه وحججه وجرأته ضرورات التغيير والانتفاض على ترسبات الثقافة السائدة والبنى الاجتماعية التقليدية.
ليس مهما هنا موافقتنا أو معارضتنا لكافة آرائه واستنتاجاته، إنما الأهم التزامه بمنهج بحثي علمي متماسك مكنه من تسلق قمم عسيرة، ليطل منها على مواقع كانت مستورة على الاستدلال. لم يكن في قاموسه امر مفهوم ضمنا، أو مقدس يأبى على التفكيك والنقد، ولم ينتظر رضى السلطان عنه وافكاره، فيما هاجسه الأساس بقي منصبا على استجلاء الحقائق، وتحديد معوقات النهضة، وطرح البدائل التي تؤمن النصر للامة وتجاوز واقع تعاستها. صادق جلال العظم، والذي أطلق جدلا وحراكا فكريا هائلا في حينه، وأودت به الى مهالك الملاحقة الشعبوية والمحاكمات المتعاقبة.. لم يكترث بتاتا لتبعات وأثمان مواقفه، وظل لصيقا بمدرسته العقلانية اليسارية. وخلافا لغالبية رفاقه من المفكرين الكبار، لم يقتحم سؤال النهضة وميدان نقد التراث الفكري حذو النعل بالنعل كما فعل زملاؤه، أي بالولوج لبنيته الداخلية من بوابة الموروث الفكري العربي الاسلامي برموزه وفضائه الديني والتاريخي والاجتماعي، وانما ظل متعلقا بشعار "قتل القديم نقدا وفكرا"، انطلاقا من نظرته الماركسية الاممية المتجددة المتجاوزة لخصوصية موروثنا الثقافية. لعل هذا التفرد المنهجي بالذات، هو ما جعل من إسهاماته المعرفية، في العقدين الأخيرين، ذات طبيعة نخبوية وأبقاها في هامش السياق العام للمشروع النهضوي المتلاطم. وقد تكون هذه الخاصية أيضا هي من اجتذبت نحوه نيران الخصوم من التيارات الاسلامية، وكذلك النيران الصديقة لبعض المثقفين المغرورين ممن اشتعلت في صدورهم نار الغيرة والتنافس الهدام، حيث شهدنا كيف قامت الدنيا ولم تقعد، عندما تناول صاحبنا كتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد، بالنقد والتقييم.
من المحزن، بل من المخزي أن تتعرض هذه القامة الثقافية الشامخة، وهو على سرير الفراق، لفيض لا ينتهي من حملات التشفي والاسفاف والكيدية، نظرا لمواقفه المعارضة للنظام وقراءته المغايرة للمحنة السورية، والتي كما يبدو، شكلت سببا كافيا لزندقته سياسيا، واعتباره خارجا عن اجماع القبيلة القومية واليسارية، استوجبت حكم الاقصاء والذبح. أقول ذلك رغم تخالفي مع عناصر هامة في رؤيته الاقليمية وقراءته للحرب الأهلية ولمشهد الدمار الشامل في سوريا، دون أن يحجب ذلك عني حقيقة هذا المفكر المبدع وأفضاله وصولاته التنويرية العميقة، ونموذجيته الأخلاقية في حسن الاصغاء والمحاورة، وبتنويهه الايجابي حتى بمعارضيه، وبيده البيضاء وشخصيته المتواضعة... تلك الصفات الرفيعة التي تخلو من نفوس هؤلاء المزايدين الصغار. وقد يتساءل القارئ لماذا اصر على نعته حصرا بالمثقف الحقيقي، بينما يمكن الاكتفاء بوصفه مفكرا، فذلك لأن المثقف الحقيقي هو الذي ينفعل ويتفاعل بإيجابية مع الهم العام، ويساهم في إنتاج المعرفة وإعلاء شأن العقل، وهو ينشد الحقيقة لذاتها، أي لكونها تدفع وعينا للتعامل العقلاني مع شؤون واقعنا بما يضمن تجاوز رتابته وتحدياته وعقده...، دون أن يرجو من ورائها أية غاية نفعية أو مادية.
ولكي اوضح مقصدي من وراء اصراري على ذلك التعريف، لا بد لنا من التفريق بين أنماط المثقفين الوطنيين التي قد تغيب عن أعين الكثيرين. لقد رسخ في الذهن المجتمعي لحالتنا العربية نوعان من المثقفين: الأول مثقف سلطوي متعاون ومدافع عن السلطة الغاشمة يجيد استخدام "عدته المهنية" الماضية في التمويه والتحايل طورا، وافساد الثقافة واشاعة الخنوع طورا اخر، سعيا لتحقيق وتأمين مكاسب انتفاعية. وبالمقابل هناك المثقف المعارض الواضح في ميوله ومواقفه الاجتماعية والسياسية والوطنية، ولا يألو جهدا في التحريض وممارسة النقد اللاذع لتعسف السلطة وأجهزتها، وتراه منحازا بالكامل لجماهيره وأهدافها. ولأن الفكر لا يمارس فعاليته بمعزل كامل عن تأثيرات محيطه السياسية وتعسفها، وخاصة في ظل سطوة شبه مطلقة للثقافة الحزبية وأجهزة الدولة الأمنية، واستحواذ التحزب الإيديولوجي على الممارسة النقدية، فقد برز المثقف الحزبي الكادري على المسرح الثقافي، كنموذج رئيسي بديلا عن المثقف النقدي الحقيقي. وهنا مربط الفرس، حيث لم يعد مقبولا علينا تفسير الاختلافات والخلافات الناشئة في معسكر المثقفين الوطنيين على أنها مجرد تعارضات اجتهادية مشروعة، تعكس حيوية الفكر وفعالية البيئة الثقافية التي ينشط في كنفها هؤلاء.
لهذا، وكما هو الحال في التشخيص الطبي التفريقي القادر على التعرف على حقيقة مرض محدد يتشارك مع غيره من الأمراض المحتملة بنفس الأعراض، ينبغي لنا أن نميز بين مستويين اثنين لمثقفي المعارضة الوطنيين: فالاول، ورغم يقظته الفكرية ودفعه لتحدي السلطة واسهامه في التعبئة الجماهيرية والتنوير، الا انه يتذوت في عمق وعيه الداخلي نفس المقولات السلطوية الثابتة حول أحقيتها، واحترام تراتبيتها وهيبتها ويتقاطع مع منطقها العام من حيث اعتباره لثوابته ورؤيته وكأنها حقائق مطلقة. ممثلو هذا النمط غالبا ما يحسبون على المثقف الكادري صاحب الخطاب االقطعي المنغلق، مما قد يجعله، ودونما دراية أو قصد، مثقفا منتجا للخطاب السلطوي، وفقا لوصف المفكر الراحل نصر حامد ابو زيد.
أما المستوى الثاني من المثقف المعارض، فهو منتج للمعرفة، وينشدها لذاتها بعيدا عن التوظيف التبريري والنفعي، حيث خطابه يمتاز بالانفتاح والقابلية العالية للمراجعة والتجدد. هذا التفريق في أنماط المثقف المعارض الذي أوردناه، قد يسعفنا في فهم أسباب وآليات تحول المثقف الوطني المعارض، وبتلك السهولة أحيانا، الى الموقع المضاد لما كان يروج له، ويكشف لنا كيف يمكن له أن ينخرط فعليا في ممارسة سياسة القمع والطائفية أو التنظير والدفاع عنها. من هذه الزاوية واستنادا لذاك التوصيف، فلا شك أن صادق جلال العظم ينتمي لفئة المثقفين الحقيقيين، بل هو يتربع في طليعتهم، ولو كره الكارهون. وسيبقى بنظرنا، نحن الذين تنقحت قريحتنا السياسية والوطنية والفكرية بتأثير بائن من آرائه، مفكرا عملاقا جريئا، وأحد منارات الثقافة النقدية العلمية التي نعتز بها... وله نردد على نسق شاعرنا مظفر النواب: ان كنت حيا في قبر، أو حيا في سجن، فأنت بيننا ثورة عارمة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حكاية من بلدي الزعيم والشيوعي الاحمر
- الحركة العمالية المصرية من النضال الفئوي إلى الصراع الطبقي


المزيد.....




- وزير الصحة السوري تعليقا على الغارات الأردنية: لا يمكن حماية ...
- بوتين يؤكد تطور التعاون مع قطر وأميرها يعول على دور روسيا في ...
- الانتخابات الإسرائيلية.. رفض تمديد التصويت والاقتراع يتجه لك ...
- سيول جارفة تفاجئ المسافرين في مصر والسلطات ترفع حالة الطورائ ...
- إدارة ترامب تدرس رفع العقوبات المفروضة على صندوق الاستثمار ا ...
- روسيا تفرض عقوبات على مدراء مؤسسات عسكرية بريطانية
- لافروف: مسلحون أوكرانيون يخططون بدعم غربي لتنفيذ أعمال إرهاب ...
- مصر تصدر بيانا رسميا بعد إعلان إسرائيل اجتياز مصري للحدود
- 134 مليار طن من الجليد الساحلي تذوب خلال عقد واحد!
- حكومة إسرائيل المقبلة.. حرب إيران أولوية


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمر سعيد - المثقف الحقيقي... صادق في اعلاء جلال العقل حتى العظم