أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - عبد النور إدريس - سيمون دي بوفوار والجنس الآخر















المزيد.....

سيمون دي بوفوار والجنس الآخر


عبد النور إدريس

الحوار المتمدن-العدد: 1420 - 2006 / 1 / 4 - 11:02
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


حملت سيمون دي بوفوار رسالتها للعالم حيث لعبت خلال مسيرتها الأدبية دورا رياديا في حركة تحرير المرأة .
فسيمون دي بوفوار(1908-1986)، أديبة فرنسية مثقفة حصلت على دبلوم في الفلسفة سنة1929 بتفوق، رفضت الخضوع لمصيرها المرسوم كأم وزوجة وكان لقاءها مع الكاتب جان بول سارتر حسب قولها:" الحدث الرئيسي في وجودها" (الكل مهم فعلا) 1972.
عاشت دي بوفوار هاجسا استحكم جل نشاطها الفكري، وهو هاجس الحرية وعلى الخصوص حرية المرأة ومن خلال ذلك حرية الكائن الإنساني عموما.
ويبقى مؤلفها " الجنس الآخر" 1949 من أهم وأشهر مؤلفاتها داخل فرنسا وخارجها والذي كان المرجع والمُعبّر عمّا كتب عن المسألة النسوية لفترة معيّنة، عالجت فيه وشخّصت الأوضاع التاريخية والاجتماعية والنفسية والخضوع الثقافي للمرأة لمجمل هاته الطابوهات الصمّاء.
ساهمت دي بوفوار في الحركة الثقافية الفرنسية عبر سيرتها الذاتية التي ركّزت فيها على تجاربها كأنثى وامرأة ابتداءا من كتابها، قوة السن 1960، وقوة الأشياء 1963، الموت السهل 1964، الكل يهم فعلا 1972، احتفال الوداع 1981، وذاكرة فتاة صغبرة 1985.
تحدثت في" قوّة الأشياء" عن رغبتها في إبراز ومساءلة الوضعية النسوية حيث قالت:" رغبة مني في الحديث عن نفسي، أرى أنه ينبغي لي وصف الوضعية النسائية" (1)
وقد انطلقت الكاتبة عند تشخيصها لوضعية النساء من تساؤل مشروع هو " من هي المرأة ؟" لتحدد هويتها والتي وجدتها هوية مُستلبة، من اختلاق الرجل وحده.
وبذلك اخترقت دي بوفوار الصمت لتربط وضعية المرأة الفرنسية في القرن العشرين بالنماذج التحقيرية التي حاك خيوطها مذهب القديس طوماس.
وقد ألقت نظرة مقارنة على عالم النساء الأمريكيات لتستشعر وإيّاهن نفس موقف التحدّي الذي ينتابهن خاصة ما يثبت شعور الأنثى بنفسها الذي يطغى على حضورهن الجسدي والنفسي تقول معربة عن هذا التحدي " إذا كانت الأنوثة وحدها لاتكفي لتعريف المرأة ورفضنا أن نفسّرها بمفهوم "المرأة الخالدة" وبالتالي إذا كنا، نسلم ولو يصورة مؤقتة، أن هناك نساء على الأرض، فعلينا حينئذ أن نتساءل ما هي المرأة ؟"(2).
عاشت المرأة الفرنسية عند دي بوفوار اضطهادا نظريا رغم أنها عمليا كانت متفتحة على فضاءات الضوء ومحلات تسويق الأنثى للبحث عن الآلهة بمنظار الحب..حب الرجل، تقول:" يشاهد لدى كثير من الورعات هذا الخلط بين الرجل والإله" (3)، وبذلك فالمرأة حسب دي بوفوار تخلق علاقة غير واقعية على المستوى الانتربولوجي مع كائن واقعي.
فهل حقّا أن الرجل الديمقراطي يستطيع الابتعاد عن الذاتية في طرح المسألة النسائية بصورة موضوعية ؟، وأين حدود الموضوعية هاته حينما نعلم أن القيود التي تلُفُّ أرجل النساء مصنوعة من معدن السلطة السياسية التي تُسخِّر اللاهوت والفلسفة والقانون لخدمة مصالحها؟.
إن معالجة موضوع المرأة ليس جديدا، وبالرغم من ذلك فقد ترددت سيمون طويلا في القدوم على تأليف كتاب حول المرأة حيث قالت:" ترددت طويلا قبل أن أقدم على تأليف كتاب حول المرأة"(4).
ويمكن طرح تساؤلات مشروعة حول هذا التردد وبنائه من الناحية النفسية لألتقي بالطرح الذي رسمته الدكتورة نادية العشيري حول التطرق لموضوع المرأة والخوف من ردود أفعال الآخرين أفرادا وجماعات (5).
ـ هل يحدد سبب تردد دي بوفوار قوّة المجتمع الذكوري الذي لا يستسيغ صوت المرأة المرفوع، على اعتبار ما يثيره استخدام اسم المرأة من حساسية للتقليدين ؟(6).
ـ هل تشكل كتابة المرأة نشازا يحرك لدى الذكر دوائر خوفه على مكانته وقيمه من الاقتحام؟.
ـ هل تكتب المرأة خصوصية علاقتها بالرجل فقط وبذلك فهي تكتب صمت النساء...جهل النساء... بكاء النساء... وبالتالي أميتهن؟.
ـ هل فن الكتابة سابق على الحرية أم أنه يليها؟.
ـ هل تردد سيمون يعني أن حريتها لم تنضج بعد لتصبح حرية دائمة؟
إن هذه التساؤلات وإذ تؤكد الحضور القوي لردود الأفعال لدى الآخرين تجعل سيمون تلخص عبره مشكلة الإنسان الفرنسي مع الحرية ..الحرية التي تجعل الرجل حسب دي بوفوار مادة ثورية وبذلك تصبح الأديبة بإبداعاتها الثورية حرّة أمام بنية الحياة الاجتماعية الموروثة، وقد جعل ريمبو الحرية شرطا من بين الشروط الأساسية لممارسة الإبداع الشعري حيث قال :" عندما تتكسر عبودية المرأة الدائمة، ويمنحها الرجل البغيض حتّى ذلك الحين حريتها، آنذاك ستغدو شاعرة هي الأخرى" (7).
إن الدور الحقيقي للمرأة الساردة هي الثورة على النسق القيمي المهيمن ونسف الأصنام التي يستدعيها الرجل باستمرار لتغدو مقاييسه التي يمتلك بها الجنس الآخر، باهتة، وقد طالبت دي بوفوار بتحريك أزمة القيم الأنثوية التي تعتبر ممارسات قائمة عمليا وغائبة على الصعيد النظري تقول في كتابها "الجنس الآخر"، " المرأة هي أيضا تعرف القيم التي يقوم الذكر بتحقيقها بصورة فعلية، والحقيقة أن النساء لم يجابهن قيم الرجال بقيم أنثوية " (8).
إلا أن سيمون لم تكن تقصد أن الكتابة هي السبيل الوحيد الذي يضع الخريطة النفسية والاجتماعية لذاتية المرأة ولم تكن تعني أن الكتابة الشعرية والفكرية ستجعل المرأة، حقيقة فاعلة في تموُّج العالم حيث تقول: " ليست الأفكار والأشعار هي التي تُؤدي إلى تحرير المرأة" (9)، فبينما يهيمن الرجل عن طريق الكتابة الوظيفية التي تجعله يسيطر على مجالات السلطة والمعرفة وبالتالي القوة، حيث تعتبر اللغة هي فضاءه المثالي لتسكيك القيم وفرض سيكولوجية السلطة الذكورية على الواقع، إلى أن جاء القرن الثامن عشر بالحل حيث " أخذ بعض الرجال المشبعين حقّا بالديموقراطية يواجهون المسألة بصورة موضوعية " (10).
وترى كاتبتنا هنا أن وضعية التوازن التي تبحث عنها ما زالت غير مكتملة العناصر بسبب:
ـ شموخ التقاليد وصعوبة تصريف المرأة لحياتها الجنسية بدون تدخل مسألة التبعية التي تربطها بمصيرها التقليدي.
ـ تسهيل المجتمع لاستسلام المرأة لمصيرها التقليدي الذي يؤثر على مردوديتها وانطلاقتها في تفعيل تحررها لتحقيق توازنها الداخلي.
ـ احتدام الصراع بينها والرجل لاسترجاع ذاتها عبر تحطيم الأصنام التي تخندقت فيها وجعلتها تابعا ومُلحقا وذلك عبر تحطيم تفوق الرجل والتنكر لحقيقته وقيمه.
ـ المرأة ذاتها وفي سعيها الدائم للقضاء على أسطورة أنوثتها وتحررها من عبوديتها تكتشف أن أسطورة الذكر مُنْغرسة عميقا في كيانها ذاته تقول دي بوفوار" إن سحر الرجولة لا يزال محافظا على تأثيره الكبير لدى النساء وما انفك يستند على قواعد وأسس اقتصادية واجتماعية راسخة" (11).
إن تحرر المرأة رهين بمدى استطاعتها تغيير الصورة التي ينظر بها الرجل لها ولخصائصها الجسدية والنفسية، ومدى تحررها من الموروث الثقافي الذي يشكل سلبا حيواتها اللاواعية، وهذا الدور منوط بالمرأة الكاتبة التي تملك ناصية اللغة لتبليغ المشاعر والأحاسيس" للآخر " الذي تمثل المرأة في عُرفه الجنس" الآخر"، فالأنثى تحوّل إلى امرأة ضمن واقع ذكوري متسلّط تشكّلت شخصيته انطلاقا من مفهوم السلطة التي وضعت ملامحها وحدودها السلطة الاقتصادية عبر العصور وبذلك صرخت سيمون دي بوفوار " إن الشخص لا يولد امرأة، بل يصبح امرأة "، ومن ثم أصبح النضال الاجتماعي من أهم ركائز التغيير في وضعية المرأة، هذا التحول في مسار المرأة الكاتبة وكل امرأة كاتبة هو أساس الانخراط الصعب للتحسيس بوضعية المرأة وبالتالي تغيير أوضاعها نحو الأفضل.

الهوامش

1- Camille Aubaud, lire les femmes de lettres, paris : dunod, 1993 p :219.
2- سيمون دي بوفوار" الجنس الآخر" ترجمة محمد علي شرف الدين، المكتبة الحديثة للطباعة والنشر، بيروت 1979، ص: 6.
3 - نفس المرجع السابق ص: 207.
4- المرجع السابق ص:5.
5- أنظر(ي) الصفحة من هذا الكتاب رقم 5، الهامش رقم 3.
6- أنظر(ي) الدكتورة ماجدة حمود" الخطاب القصصي النسوي "نماذج من سوريا دار الفكر المعاصر بيروت الطبعة الأولى يناير 2002.ص:8.
7- أخذا عن مجلة عيون المقالات العدد 9/10لسنة 1987 ص:79.
8- الجنس الآخر ص: 28.
9 - المرجع السابق ص: 37.
10- نفس المرجع السابق ص:7.
11 - نفسه ص: 51.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأدب النسائي ... إشكالية المصطلح والمفهوم
- النقد النسائي بين فيرجينيا وولف وجوليا كريستيفا
- وضعية المرأة السوسيو- ثقافية بين الثابت والمتحول
- الجسد الأنثوي وفِتنة الكتابة
- مقاربة سوسيو- جندرية لوضعية المرأة الصفيحية بالمغرب
- المرأة المثال في وجدان الشعر العربي
- أنثى مُنْطَفِئَة...شعر
- الضوابط السوسيولوجية والقانونية للنفقة بمدونة الأسرة المغربي ...
- تفكيكية جاك ديريدا...من ميتافيزيقا الحضور إلى لعبة-الاخ(ت)لا ...
- صمت الزوبعة
- الرواية النسائية ونظرية التلقي
- المرأة والكتابة إلى أين؟-حوار مع القاص والباحث الفلسطيني زكي ...
- تأوهات حروف غجرية تحت قمر مُكَسَّر
- دوما....أتدرين
- نحن ورثة الانتظار
- دراسة في رواية قلادة قرنفل لزهور ﮔرام
- ...عندما تشبهينني
- مدونة الأسرة المغربية: الضوابط السوسيولوجية وإستراتيجية البن ...
- المرأة و مدونة الشغل المغربية...مقاربة سوسيولوجية*.
- النقد السوسيولوجي والرواية


المزيد.....




- بايدن يرشح أول امرأة لمنصب وزيرة الجيش الأمريكي
- هذه قصة معاناة ضحية العنف الأسري أسيل الغيشان
- النيابة العامة المصرية تحيل طبيباً إلى محكمة الجنايات استدرج ...
- «الحرية لانتصار الحمادي» حملة للافراج عن شابة يمنية اعتقلها ...
- وزيرة الصحة: إدراج 3 فحوصات للسيدات قبل الزواج في مشروع قانو ...
- 137 قضية تهديد وتشهير على صلة بمزاعم اغتصاب طفلة في كوبلنز
- وزيرة المرأة تبحث مع سفير المكسيك تعزيز التعاون المشترك
- الشرطة فشلت في حماية النساء من القتل في فلسطين المحتلة
- -رويترز- لأول مرة تعين امرأة رئيسة تحرير للوكالة منذ 170 عام ...
- جراء إرغامها على الزواج من سبعيني.. شابة آسيوية تنتحر في الإ ...


المزيد.....

- الهزيمة التاريخية لجنس النساء وأفق تجاوزها / محمد حسام
- الجندر والإسلام والحجاب في أعمال ليلى أحمد: القراءات والمناه ... / ريتا فرج
- سيكولوجيا المرأة..تاريخ من القمع والآلام / سامح عسكر
- بين حضور المرأة في انتفاضة اكتوبر في العراق( 2019) وغياب مطا ... / نادية محمود
- ختان الإناث بين الفقه الإسلامي والقانون قراءة مقارنة / جمعه عباس بندي
- دور المرأة في التنمية الإجتماعية-الإقتصادية ما بعد النزاعات ... / سناء عبد القادر مصطفى
- من مقالاتي عن المرأة / صلاح الدين محسن
- النسوية وثورات مناطقنا: كيف تحولت النسوية إلى وصم؟ / مها جويني
- منهجيات النسوية / أحلام الحربي
- الواقع الاقتصادي-الاجتماعي للمرأة في العراق / سناء عبد القادر مصطفى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - عبد النور إدريس - سيمون دي بوفوار والجنس الآخر