أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمجد نجم الزيدي - شروخ الهوية في رواية (البلابل لا تغرد) للكاتبة أمل بورتر















المزيد.....

شروخ الهوية في رواية (البلابل لا تغرد) للكاتبة أمل بورتر


أمجد نجم الزيدي

الحوار المتمدن-العدد: 5357 - 2016 / 11 / 30 - 22:07
المحور: الادب والفن
    


ناقشت الكثير من الروايات العراقية مسألة الهوية، وحضورها كهاجس ثقافي، بدأ يتسرب الى بنية المجتمع العراقي، وخاصة الروايات التي تتناول المسائل المتعلقة بالازمات التاريخية والاجتماعية لفئة معينة تنتمي الى هوية فرعية ما، او ربما الهوية الجامعة برمتها هي التي تتعرض الى الاهتزاز او الانتهاك، ان توجه الروايات العراقية لتناول مسألة الهوية؛ نتيجة للازمات التاريخية المتتالية التي يمر بها العراق منذ القدم والى العصر الحديث، إذ تعرض الى الكثير من الصراعات الايدلوجية والطائفية والعرقية، لذلك فالهوية تتأثر ربما بكل هذه الازمات والصراعات، وقد حاولت رواية (البلابل لا تغرد) للكاتبة أمل بورتر، الصادرة عن دار شمس للنشر والاعلان 2016، ان تعكس هذا الصراع وهذه الازمات من خلال ثلاث أجيال لعائلة عراقية مسيحية، عايشت الصراعات السياسية والايدلوجية منذ نهاية الخمسينيات الى الوقت الحاضر، والانعكاسات التي نتجت عنها من خلال صعود النعرة الطائفية وتخلخل التماسك المجتمعي لمدينة بغداد، من خلال شخصية بديع الشيوعي العراقي وفتح الله وهادي الجار المسلم وعائلته، والعلاقات الاجتماعية المتمثلة بنساء هاتين العائلتين فريدة وسميرة وناهدة ومنيرة وزهوة (بقين متماسكات وقد وحدهن الألم والخوف وكأنهن أصبحن جسداً واحداً، كل منهن الغت نفسها كلياً واصبحت كتلة من الحب والحنان للاخرى، غارقات بالفجيعة التي تلفهن كما لفت البلد الذي احتواه ظلام، صمت، خوف ورعب،فزع، دماء ودماء ودماء)(الرواية: 32)، وهذا التماسك يعكس انصهار الهويات الفرعية، عندما توحدها الظروف القاهرة التي يتعرض لها البلد (الهوية الجامعة).
لقراءة رواية (البلابل لا تغرد) يجب علينا تتبع الايقاع الزمني، من خلال سياق الاحداث، والذي ينعكس بصورة شفافة في خلفية الرواية، فعلى الرغم من ان الروائية قد قسمت الرواية الى ثمانية اجزاء، وتحت تسميات ترتبط بالسنين كـ (سنوات العجب العجاب) او (سنة الجوري).. الخ، بالاضافة الى عناوين فرعية مرتبطة بالايام كـ (يوم الدماء) او (يوم ياتين ياتوت)، الا اننا لم نلمس لها تأثيرا قويا او مباشرا على الايقاع الزمني، وانما جاء هذا التقسيم كتفسير في بعض المواضع، او مجرد اشارة مستلة من المتن كـ (سنة المشمش) او عنوان فرعي كـ (يوم النعجة) .. وغيرها، فقد اشارت الرواية الى عام 1954 والاحداث التي رافقته، والتي تمثلت بمطاردة الشيوعيين وسجنهم وتصفيتهم، الا انها لم تقدم هذه الاحداث بصورة مباشرة او تظهر الطبيعة السياسية وصراعاتها، خلال الحكم الملكي في العراق، التي أدت الى تلك الصراعات او تلك التصفيات، فقد اكتفت الرواية بالاشارة الى التحولات التي تطرأ على هذه العائلة العراقية المسيحية وجارتها المسلمة، بأعتبارها انموذجاً لعينة من المجتمع العراقي، يمثل هوية فرعية تتعرض للهزات التاريخية التي تعرض له البلد، والذي انتج ذلك الصدع الهوياتي في المجتمع العراقي والبغدادي خاصة ( ما يدور حولي يذهلني، اسمع اقوالا غريبة على مسامعي، لم اتوقع ان تقال، هناك من يذكر كلمات لا اعرفها لا استسيغها عن الكفار ووجوب قتلهم، فتاوى وتوبه وعزل للمرأة، ترى من اين جاءت وكيف نبتت هذه السموم)(الرواية: 87-88)، هذا الكلام ربما زمنيا في الرواية ينتمي الى العصر الحديث، حيث صعود النعرات الدينية والطائفية، من خلال ظهور الحركات الدينية المتشددة (اشو احنا عشنا سوى وما سمعنا اكو ها الحكي بالدين، شاركنا بيبي فاطمة وعمو هادي وخالة منيرة كل شيء كنا عائلة وحدي مو عائلتين بالفغح والحزن وما سمعنا ها الحكي)(الرواية: 99)، رغم ان الرواية قد اشارت الى ان الشرخ الهوياتي المتمثل بالدين قديم، الا ان السياسة الرجعية التي كانت تمارسها سلطة البعث، والصراع السياسي والايدلوجي مع الشيوعيين قادت المجتمع العراقي الى هذه الهوة ( ما حدث في زمن فريدة وناهدة؟ انهارت قيم واختفت مبادئ، تغير الفرد والمجتمع لماذا؟ لم ضاعت السبل بالجميع وانسد نهر التحدي، انتشر فيضان الاتكالية، الخنوع وتغيرت المفاهيم.)(الرواية: 46)، هذا المنلوج هو لـ(فتح الله) الشيوعي القديم ينتمي زمنيا الى بداية الثمانينيات حيث الحرب والجيش الشعبي، والعنف والتعنت السياسي من قبل النظام الحاكم، الذي زج بمعارضيه بالصفوف الامامية، الحرب التي حصدت الكثير من أرواح الابرياء.
أما ابرز مظاهر الانتهاك او الصدع الهوياتي الذي اصاب المجتمع العراقي كما اشارت الرواية؛ فهو حادث الاعتداء الغريب الذي تعرضت له (منيرة) الجارة المسلمة، على ايدي مجموعة من النساء في المستشفى بعد تخديرها ( ليش هذوله النسوان كرهوني، لا اعرفهم ولا يعرفوني، عرفوا منو اذاني وكص هدومي؟ وشلون ومنو كص هدومي وعكدها، ليش لان اني مو منهم مو مثلهم، يمه كوليلي ليش ليش ليش شنو اللي صار ليش العالم اتغيرت، شو احنا ما تغيرنا بقينا نحب الكل، يمه كولي لي احنا همين تغيرنا احنا همين صرنه مو خوش اوادم)(الرواية: 30)، هذا الحوار هو لـ(منيرة) تخاطب أمها (فاطمة) بعد حادث الاعتداء عليها، والذي يظهر لنا عمق الصدع الذي اصاب التعايش بين اطياف المجتمع، بكل اديانه وطوائفه (التفتت الى المريضات مستغربة مستفسرة، أشحن بوجهن وأدرن ظهورهن)(الرواية:8).
اما المظهر الثاني الاكثر بروزا لهذا الصدع وتمظهراته هو علاقة وديع وزهوة التي هي من اعقد العلاقات، التي من الممكن ان تتعرض اليها الرواية التي تتناول الاختلافات الدينية في المجتمعات العربية خاصة، لانها من التعقيد بحيث تمثل شرخاً كبيرا في المجتمع المتماسك، لان هذه الاديان تبني حول نفسها اسوارا كبيرة انعزالية، بأحكام وقوانين وطقوس تمنع الاختلاط، اذ من غير الممكن ان يتزوج رجل وأمرأة من دينين مختلفين، لذلك فدلالة هذه العلاقة داخل الرواية هي لتعزيز صورة ذلك الصدع المجتمعي الذي تخلقه الاديان والطوائف، وإن لم تبني الرواية ثيمتها الرئيسية على هذه الثيمة بل انها جاءت ضمن سياق الرواية رغم اهميتها (دخلت الكنيسة بعد ان وشحت رأسها باشارب حريري، جلست على احدى المصاطب داخل الكنيسة، جاء رجل وأوقد مصباحاً كهربائياً يضيء تمثالاً لمريم العذراء، انحنت بخشوع إلا انها شعرت بانها شيطان رجيم يستغفل الناس والسماء اجمعين)(الرواية:24)، وايضا الشرخ النفسي الذي يصيب ابناء هذه الديانات المختلفة، والتي ربما تعزز الاختلاف والانفصال بينهم، عندما يصبح الانسان في مواجهة مباشرة وعلى المحك مع ممثلات هذه الاديان او هذه الهوية كالكنيسة او الجامع او غيرها (الكنيسة فارغة إلا من أمرأة عجوز ورجل كهل جلسا في أول الصفوف، بقيت تنتظر وقع اقدامه، لم تدر ماذا تفعل فانها في ارض غريبة عنها، موحشة تماماً، لا تنتمي اليها او لغيرها، شعرت بغربة قاتلة، وحدة مضنية متعبة، رغم انها قد دخلتها عدة مرات بمناسبات مختلفة إلا انها تبقى أجواء غير أليفة)(الرواية: 24-25).
لعبت اللغة في الرواية دوراً مهماً في تبئير الثيمة الروائية من خلال اعتبارها اداة عاكسة للبنية السوسيوثقافية للمجتمع العراقي، وهذا ربما ما دفع الروائية لأستخدام اللغة الشعبية الخاصة بالاسر المسيحية البغدادية القديمة، والتي اشارت في العتبة النصية التي وضعتها (تنويه) الى انها –اي اللهجة- ليست لهجة اهل الموصل وانما هي لهجة العوائل العربية المسيحية في بغداد، وهي محاولة من الروائية لابعاد الاسقاطات التي ربما توحيها ارتباط هذه العائلة ولهجتها بمدينة الموصل، بما تحمله من دلالة وخاصة في الاحداث الاخيرة المتعلقة بداعش وغيرها، ولكي لا تخرج ثيمة الرواية من السياق الذي رسمته لها، وان لا ينزلق القارئ في تأويل مغاير لدلالات الرواية واسقاطاتها، وهذه اللهجة تتغير طبقا لتغير المتحاورين، فتستخدمها العائلة المسيحية فيما بينها، لكن عندما ينتقل الحوار مع الجارة (منيرة) او ابنتها او (هادي) يتحول الى اللهجة العراقية البغدادية المعتادة، وهذا ربما يحيلنا الى الغرض من توظيف هذه اللهجة، وذلك لانها تشير الى الخصوصية التي تميز هذه العائلة، اي الانحياز نحو الهوية الفرعية، بأعتبار إن هذه اللهجة خير واجهة لحمل البنى السوسيوثقافية لهذه الهوية التي تميزها عن باقي الهويات الفرعية الاخرى، حيث تغلب على لغة الرواية الحوارات الطويلة، اذ ان الجمل السردية والوصفية قليلة جدا.
قدمت الرواية وعبر عدة عقود من تاريخ العراقي الحديث، وعبر عدة اجيال صورة المجتمع العراقي البغدادي بكل تشكلاته، والتأثيرات التي أثرت به من خلال التحولات السياسية والايدلوجية (تكول الكل لوكية، الناس كلها صارت بعثية ما عداكم انت وعمو هادي، بس انت وعمو هادي مو بعثية ما اعرف غيركم)(الرواية: 68)، والتي مارست تعسفا ضاغطاً على هذا المجتمع، وغيرت في علاقاته، وصورتها الرواية من خلال هذه العائلة المسيحية ذات الثقافة الشيوعية، عندما كانت الشيوعية هي الصوت الوطني الذي تبنته اغلب الطبقة المثقفة في العراق، (النصارى أكثرهم شيوعيين، شو انت تاكلين من اكلهم؟ شفتها البارحة جابتلج أكل وياها، والله احنا ما ناكل منهم ولا من الصبة، ولا من ذولاك اللي يكلون الجري، تدرين ذولة النصارى والصبة ما يطهرون ولدهم، صدك شو رجلج ماكو خاف محبوس ويه الشيوعيين)(الرواية:11). وقدمت الرواية ايضاً صورة للتعايش بين اطياف الشعب العراقي والبغدادي بصورة خاصة، واشرت بصورة مضمرة الى البنى الاساسية في ذلك التعايش، والذي حاولت التيارات الرجعية ان تضربه وتفتته، وان نجحت بصورة او بأخرى في اجزاء من تلك الصورة، الا ان الارتباط التاريخي بين هذا الشعب كما قدمته الرواية عكس تلاحما يمد جذوره بعيدا في بنية هذه الهوية العراقية، كما هي علاقة هادي الجار المسلم وزوجته بهذه العائلة المسيحية، رغم ان الضغوطات الاجتماعية والسياسية كانت شديدة على العائلتين بعد التغييرات التي ضربت هذا التماسك، عندما صعدت بعض الاصوات الهدامة التي تنادي بتقسيم المجتمع العراقي الى طوائف واديان واعراق.

- البلابل لا تغرد (رواية)- أمل بورتر- دار شمس للنشر والاعلام- القاهرة 2016






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقاربة بنائية
- اطر النص الشعري وعلاقاته الاحالية / مقترح قرائي لنص (مالم يق ...
- كسر السياق الجملي في النص الشعري- ديوان (عصافير الجوع) للشاع ...
- ضياع المثقف بين النخبويه ودور الداعية
- قراءة في كتاب (مقتربات قرائية لاشعار اماراتية) للناقد وجدان ...
- (كزار حنتوش.. الشعر مقابل الحب!) في مدار النص السيري
- أفق القراءة والعلاقات الإحالية للنص
- وعي القراءة وفعل التأسيس / قراءة في مدونة (حسون 313) للكاتب ...


المزيد.....




- -أمل الصغيرة- تصل إلى بريطانيا وتنتظرها مفاجأة سارة في لندن ...
- روايات الرعب: -انتخريستوس- للدكتور أحمد خالد مصطفى
- رواندا.. الإدعاء يطالب بسجن بطل فيلم مشهور عن الإبادة الجماع ...
- عادل وسيلي عن أزمة “ريش”: لن أنحدر للجدل المسيء للفن والإنسا ...
- مصطفى تاج الدين الموسى أول سوري ينال جائزة -أرابليت ستوري- ل ...
- هل يمكن أن تحتل المهرجانات المستقلة للسينما مكانة المهرجانات ...
- مهرجان الجونة يمنح مخرج فيلم ريش جائزة فارايتي لأفضل موهبة ع ...
- مقدم البرامج الكوميدي أحمد البشير: الغزو الأمريكي صنع ألف صد ...
- -عصيان مستشاري البيجيدي- .. الأمانة العامة تعلق عضوية ثلاثي ...
- بوليوود: محكمة هندية ترفض طلبا للإفراج عن نجل النجم شاه روخ ...


المزيد.....

- كتاب: بيان الفرودس المحتمل / عبد عنبتاوي
- أخْفِ الأجراس في الأعشاش - مئة مِن قصائدي / مبارك وساط
- رواية هدى والتينة: الفاتحة / حسن ميّ النوراني
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها / فاضل خليل
- مسْرحة دوستويفسكي - المسرح بين السحر والمشهدية / علي ماجد شبو
- عشاق أفنيون - إلزا تريوليه ( النص كاملا ) / سعيد العليمى
- الثورة على العالم / السعيد عبدالغني
- القدال ما مات، عايش مع الثوار... / جابر حسين
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها ... / فاضل خليل
- علي السوريّ-الحب بالأزرق- / لمى محمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمجد نجم الزيدي - شروخ الهوية في رواية (البلابل لا تغرد) للكاتبة أمل بورتر