أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - وجدي وهبه - هل حقًا يكره الأقباط الإسلام؟!















المزيد.....

هل حقًا يكره الأقباط الإسلام؟!


وجدي وهبه

الحوار المتمدن-العدد: 5293 - 2016 / 9 / 23 - 03:44
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


أثناء الزيارة الأخيرة للرئيس المصري السيسي للجمعية العامة للأمم المتحدة، قررت الكنيسة القبطية حشد الكثير من الأقباط للتعبير عن ترحيبهم ودعمهم للسيسي في نيويورك. بدا واضحًا أن الكنيسة تلقي بكل ثقلها دعمًا للسيسي على الرغم مما يعانيه الأقباط في ظل هذه الحقبة من هجمات طائفية وتلقي مجرد وعود وشعارات من الرئيس نادرًا ما تنعكس أفعالًا، هذا بالطبع علاوة على الوضع الاقتصادي والسياسي والحقوقي المتدهور والبائس الذي يعانيه المصريون جميعًا على اختلاف طوائفهم. وقد نال موقف الكنيسة ومن تبعها من أقباط المهجر سيل من الهجوم من أقباط الداخل والخارج وغيرهم.
وبالطبع لن يمر هذا الأمر دون اصطياده من التيار الإسلامي وخاصة جماعة الإخوان المسلمين. ومؤخرًا نشرت الناشطة آيات عرابي فيديو تدعو فيه المسلمين إلى "مقاطعة منتجات النصارى". وفي هذا الفيديو تبدي عرابي دهشتها من موقف أقباط الخارج الذين برغم كونهم يعيشون في أجواء من الحرية والديمقراطية يختارون دعم نظام عسكري قمعي. ترى عرابي أن النظام المصري قد أعاد مصر إلى "القرون الوسطى" أو العصر الحجري. وبالنسبة لها فإن الأقباط اختاروا هذا الموقف ليس إلا لكراهيتهم الإسلام! فهم لا يريدون الإسلام أن يحكمهم. ثم تضيف أن منبع هذه الكراهية هي الكنيسة القبطية التي تحولت إلى عصابة لصوص التي تسعى لتكوين دويلة قبطية داخل مصر.
الحقيقة أن تعليق عرابي استوقفني كثيرًا، ربما لأني أتفق معها وأنا قبطي في معارضة النظام العسكري القمعي، بل وتعجبي أيضًا من موقف الكنيسة وبعض أقباط المهجر. لكني اندهشت من الكم الهائل من الازدواجية والتناقض الذي يحفل بها هذا الفيديو. كما شغلني أيضًا تأكيدها بأن الأقباط يفعلون ذلك انطلاقًا من كراهيتهم للإسلام.
السيدة آيات عرابي تعيش في أمريكا حيث الغالبية العظمى من المسيحيين أو بشكل عام غير المسلمين، وتتحفنا بمدحها للمجتمع الأمريكي الذي برغم ما فيه من تحديات لكنه يتميز بقدر كبير من المساواة والعدالة، فكل من يجتهد بغض النظر عن أصله وعرقه ودينه ينال ما يستحقه. لكنها بازدواجية مدهشة تتكلم بعنصرية تجاه الأقباط فتنعتهم أولًا بالنصارى وهو اسم فيه إشارة تحقير يوحي ضمنًا بالذمية والدونية. ثم من موقعها في أمريكا الدولة العلمانية المعاصرة تطالبنا بدعم حلمها لدولة دينية إسلامية يكون فيها الحكم قائم على معايير بدائية تحرض على الكراهية والاستعلاء الديني والتحقير من كل ما هو مخالف. عرابي مثل الكثير من الإسلاميين، لا تستطيع وربما لا ترغب حتى، في إخفاء كراهيتها للآخر غير المسلم ونرجسيتها الشديدة تحت ستار من الربط بين المشروع السياسي الإسلامي وبين الإسلام كدين. الشخص الإسلامي عادة ما يفتقر إلى أدنى قدرة على التفكير العقلاني المنطقي، فمثل عرابي، تجد الإسلاميين الذين يعيشون في الغرب يمتدحون ما يسمح به النظام العلماني لهم من امتيازات في الدول التي يشكلون فيها الأقلية، لكنه في الوقت نفسه يتمنون حكمًا إسلاميًا يقتل ويسحق كل من يخالفهم الرأي أو العقيدة أو التوجه. بالنسبة لهم تطبيق المشروع الإسلامي هو حلم جميل مستمد من قناعتهم بأنه مشروع إلهي سرمدي لا يمكن مقارنته بأي مشروع سياسي آخر. كذلك فإن تطبيقه سيجعل منهم الأعلون، الذين سيحكمون العالم باسم الإله وينكلون بالآخرين، وبالتالي فهذا خير لهم وأفضل من أن يعيشوا في مجتمع يتساوى فيه الجميع. وهذا الاستعلاء والسلطوية الدينية التي يتمنونها لا تستمد قوتها فقط من حب السلطة والنرجسية، لكن دعمها يظل للأسف مستمدًا من تراث إسلامي يفيض بنظرة دونية لكل من هو مختلف ومغاير.
من جهة أخرى فإن موقف الأقباط الأخير يمكن فهمه من عدة جوانب. فمع بداية الحقبة المصرية الحديثة سعت السلطة السياسية والقيادة الكنسية القبطية لإقامة تحالف يهدف إلى تثبيت سلطتهما على الأقباط والشعب المصري عمومًا، وكذلك تدعيم الصورة الإيديولوجية للسلطة القائمة في الخارج كحامي للأقليات في مواجهة تيار إسلامي يتصف بالعنف والإقصاء. هذه العلاقة اجتازت في فترات من القوة والضعف أو الفتور أثناء الحُقَب السياسية المتتالية منذ عهد عبد الناصر مع البابا كيرلس، وكذلك السادات ومبارك مع البابا شنودة. لكن المرحلة الجديدة التي جاءت في ظل قيادة السيسي والبابا تواضروس بلغت فيها العلاقة بين السلطة السياسية والقيادة الدينية القبطية أوجها، حتى بدا وكأن البابا ما هو إلا موظف لدى الرئيس يأتمر بأمره. ومن هنا لم يكن ثمة مفاجأة أن تعمل الكنيسة بقوة على تقديم الدعم الهائل للسيسي في زيارته لنيويورك، خاصة مع معرفة الطرفين بما يعده التيار الإسلامي في المقابل في نيويورك من حشد معارض لجذب انتباه الرأي العام العالمي لمواقفه المعارضة.
بغض النظر عن القيادة الكنيسة، يجد الغالبية العظمى من الأقباط أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه؛ إذ عليهم الاختيار بين أمرين أحلاهما مُرّ، فإما الحكم العسكري أو الديني. وعلى الرغم من التمييز المُمَنهج الذي تتبعه الدولة السلطوية ضد الأقباط، فإن الكثير منهم لسبب أو لآخر يتعامل معها من منطلق أن فيها الضمان لأمانه وأنها الملجأ الوحيد في مواجهة أمواج التأسلم العاتية. حيث أن تجارب الأقباط مع الإسلاميين تجعلهم يتخوفون من أي إمكانية لوصولهم ثانية إلى السلطة. وهذا ما يمثل بالنسبة لي إجابة على سؤال الأستاذة آيات عرابي حول كراهية الإسلام. إن الأقباط لا يكرهون الإسلام، بل يكرهون ويتخوفون من الحكم الإسلامي الذي لا يؤمن بالعدالة أو المساواة بين البشر، ويرى في نفسه الحاكم بأمر الله والمقيم للشرع الإلهي على الجميع. كما يعتبر المسيحيين مجرد نصارى ذميين ينبغي إزلالهم وتحقيرهم وليس أمامهم سوى الرضوخ والذل لاتقاء غضب المسلمين والعيش تحت هيمنتهم. الإسلام كدين ليس موضع محبة أو كراهية من جانب الأقباط، لكن المشكلة تكمن في استغلال الإسلام وتوظيفه لقمع الآخرين والحط من شأنهم والتمييز ضدهم.
ما أقوله هنا لا يبرر موقف بعض الأقباط وخاصة قيادة الكنيسة من السلطة القائمة في مصر، وإنما هو مجرد توضيح لتصور قطاع من المجتمع القبطي سواء في مصر أو الخارج. في اعتقادي أن السلطة القائمة الآن هي الأخرى تتعامل مع الأقباط كذميين، وتستغل علاقتها البرجماتية مع القيادة الكنسية لتحقيق أكبر مكاسب مع إبقاء الكراهية والطائفية كما هي ما لم تكن تتزايد. كما أن مشاكل السلطة على المستوى السياسي والاقتصادي لا تميز كثيرًا بين ديانات المواطنين. ثم أن الدعم الذي قدمه بعض أفراد من أقباط المهجر الآن للسلطة في مصر سوف يدفع الكثيرون ثمنه باهظًا، وسيضعف إلى حد كبير من أي حراك مستقبلي لمعارضة النظام أو مواجهته لتحقيق العدالة والمساواة والحرية، لأن من دعَّم وهلل الآن لا يمكنه بسهولة أن يعارض ويشجب غدًا.
الحل يكمن في زيادة وعي الأقباط في الداخل والخارج حتى يستطيعون الاندماج وسط التيار الليبرالي المعتدل اندماجًا حقيقيًا ليس كطائفة وإنما كمواطنين، وليس لمجرد الحصول على بعض المصالح الوقتية الزائفة كبناء كنيسة أو ما شابه، لكن لتحقيق أكبر قدر من الضغط على الدولة للوصول إلى نظام ديمقراطي ليبرالي يؤمن بالمواطنة ويتعامل مع الجميع بعدالة ومساواة وكرامة إنسانية. كذلك ينبغي ممارسة الضغوط على القيادة الدينية لدفعها لتغيير مواقفها اللاأخلاقية، وإجبارها على عدم استغلال محنة الأقباط لتحقيق المزيد من الهيمنة عليهم، ولتبني المزيد من المواقف الداعمة لجميع المصريين وخاصة المقهورين والمهمشين والمستضعفين دون تمييز.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السخرية في النقد الديني
- الأقباط بين سلطة الكنيسة ومستجدات الواقع المصري
- ألم يحن الوقت لمراجعة تحالف الكنيسة مع السلطة في مصر


المزيد.....




- محكمة عسكرية إسرائيلية تدين فلسطينيا أمريكيا بقتل طالب يهودي ...
- محكمة عسكرية إسرائيلية تدين فلسطينيا أمريكيا بقتل طالب يهودي ...
- محكمة إسرائيلية تدين فلسطينيا أمريكيا بقتل طالب يهودي
- هل يملك سيف الإسلام القذافي حق الترشح للانتخابات الرئاسية؟ ...
- أئمة روس في مؤتمر الإفتاء: تدربنا في الأزهر على مواجهة التطر ...
- سروال ابن لادن الداخلي دليل أمريكا القاطع على مكان اختبائه
- مجلس النواب الليبي يقطع الطريق أمام ترشح سيف الإسلام القذافي ...
- مركز الفلك الدولي يكشف موعد رأس السنة الهجرية في عدة مدن عرب ...
- مصر.. تفاصيل القانون الصادر ضد الإخوان المسلمين بأمر من السي ...
- صحيفة مقربة من المرشد الأعلى تتحدث عن 3 ساحات للرد الإيراني ...


المزيد.....

- صابئة فلسطين والغنوصية المحدثة / أحمد راشد صالح
- حوارات ونقاشات مع قوى الإسلام السياسي في العراق / كاظم حبيب
- العَلمانية في الحضارة العربية الإسلامية (التحديات والآفاق) / شاهر أحمد نصر
- كشف اللثام عن فقه الإمام / سامح عسكر
- أفيون الشعب – الكتاب كاملاً / أنور كامل
- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - وجدي وهبه - هل حقًا يكره الأقباط الإسلام؟!