أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - هشام آدم - توضيحاتٌ بخصوص مقال: الحجاب في الإسلام















المزيد.....


توضيحاتٌ بخصوص مقال: الحجاب في الإسلام


هشام آدم

الحوار المتمدن-العدد: 5279 - 2016 / 9 / 8 - 22:25
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



في مقالي الأخير الذي تناول موضوع الحجاب، والذي نشرته على هذا الموقع، وفي موقعٍ آخر، توقف المُسلمون عند نُقطةٍ واحدةٍ وليس غيرها، رغم أنَّني تناولتُ الموضوع من عدَّة جوانبٍ، ومن عدَّةٍ نقاطٍ، واستدللتُ بعدةٍ شواهد. ولشعوري بشدَّة تمسُّك المسلمين بهذه الحجَّة، على اعتبار أنَّها حجَّة قويَّةٌ، ودامغة، ونظرًا لإصرار الكثيرين على تكرارها، فقد أحببتُ أن أفرد لهذه الحجَّة مقالًا خاصًا، لأنَّ الرَّد فيه سيكون مطولًا، ومُفصلًا، وسوف أُحاول فيه تفنيد الحجَّة من أوجهها المختلفة، سواءٌ التي طُرحت في هذا الموقع، أو في الموقع الآخر. والحجَّة التي احتَّج بها المسلمون، هي أنَّ الخطاب في بعض الشَّواهد التي استخدمتها، كانت خاصةً بنساء النَّبي وزوجاته، وكان الخطاب فيها مُوجهًا إليهن حصرًا. وسوف أُحاول تناول هذه الحجَّة بالتَّفنيد والتَّفصيل. فيما يلي سوف أفرد الآيات التي استشهدتُ بها، ومن ثمَّ سوف أفرد بيان ما فيهما من تفصيل.
1- [وَإِذَا سَأَلْتُمُوُهُنَّ مَتَاَعًا فَاَسْأَلُوُهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوُبِكُم وَقُلُوُبِهِنَّ]
2- [وَقِرْنَ فِي بُيُوُتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُوُلَى]
3- [وَليَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جِيُوُبِهِنَّ ]
4- [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ]

وفي استشهادي بالآية رقم (1) كان المغزى الإشارة إلى أنَّ المقصود بكلمة (حِجَاب) ليس مقصودًا به اللباس؛ بل هو كُلُّ شيءٍ يحجب شيئين عن بعضهما، كالجدار ونحوه، ومنه استنتجنا أنَّ هذا الحُكم لمرأة داخل منزلها، وأنَّه ليس من المقبول عقلًا ألَّا يُسمح برُؤية شيءٍ من المرأة، وهي داخل بيتها، ثم يكون الأمر على غير ذلك خارجه، فيكون الواجب أن ينطبق الحُكم داخل البيت وخارجه، بألَّا يرى الرَّجل شيئًا من المرأة إطلاقًا، فإنَّ كان الحُكم كذلك في البيت، فخارج البيت من باب أولى. واستشهادي بالآية رقم (2) كان من باب التَّلميح إلى أنَّ الأصل في المرأة المُسلمة القرار في البيت، لأنَّه حِجابها؛ لاسيما وأنَّ الآية ربطت بين القرار في البيت والتَّبرُّج تبرج الجاهليَّة الأولى. بينما جاء الاستشهاد بالآيتين (3) و (4) بيان ما يكون من لبس المرأة مُوافقًا لمواصفات الحجاب عندما تكون خارج البيت، وقلنا إنَّ لبس الجلباب وإسدال الخمار على الجيوب فيه توصيفٌ لما يجب أن يكون عليه لباس المرأة المُسلمة خارج البيت، فيقوم بذلك مقام الحجاب الذي يحجبها عن أعين الرجال.

قامت حجَّة المسلمين على أنَّ المُخاطب في الآيتين (1) و (2) هنَّ نساء النَّبي، وأنَّ الخطاب فيهما مُوجَّهٌ لهنَّ دونًا عن نساء المسلمين، وأنَّهن -أي نساء المسلمين- لسن مُلزماتٍ بما جاء في هاتين الآيتين؛ إلَّا أن يكون الأمر بدافعٍ شخصيٍ، وليس كحُكمٍ مُلزم. وبالطَّبع فإنَّ حُجَّتهم هذه قائمة استنادًا على نص الآيتين، وفيما يلي أفرد نص الآيتين:
1- [يَا أَيُّهَا الذَّيِنَ آمَنُوُا لَا تَدْخُلُوُا بُيُوُتَ النَّبِيِ إلَّا أَنْ يُؤذَنَ لَكُم إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِيِنَ إِنَاهُ وَلَكِن إِذَا دُعِيِتُم فَادْخُلُوُا فَإِذَا طَعِمْتُم فَانْتَشِرِوُا وَلَا مُسْتَأنِسِيِنَ لِحَدِيِثٍ إِنَّ ذَلِكُم كَاَنَ يُؤُذِي النَّبِيَ فَيَسْتَحِيِي مِنْكُم وَاللهُ لَا يَسْتَحِيِي مِنَ الحَقِ وَإذَا سَأَلْتُمُوُهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوُهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُم أَطْهَرُ لِقُلُوُبِكُم وَقُلُوُبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُم أنْ تُؤُذُوُا رَسُوُلَ اللهِ وَلَا أنْ تَنْكِحُوُا أَزْوَاجِهِ مِنْ بَعْدَهُ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُم كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيِمًا]
2- [يَا نِسَاءَ النَّبِيِ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنْ اتَقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الذَّيِ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلُا مَعْرُوُفًا (*) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا]

حسنًا؛ بالطَّبع فإنَّ الخطاب في الآيات أعلاه مُوجهَّة إلى مُحمَّدٍ وزوجاته، ولكن هذا لا يعني أن المسلمين لا علاقة لهم بهذا الخطاب، أو أنَّه لا يشملهم، وفيما يلي بيان ذلك من عدَّة أوجه:
أولًا: مقالي لم يكتف بإيراد الآيات التي يُظنُ أنَّها موجهةٌ فقط إلى زوجات مُحمَّد؛ بل استشهدتُ بآياتٍ تُوضح اللباس الذي يتوجَّب على المرأة ارتداؤه، وهي آياتٌ ليست خاصة بزوجات مُحمَّد؛ بل جاء الخطاب فيه إلى نساء المؤمنين [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا] وقد أوضحتُ في المقال معنى الجلباب، وقد جاء في لسان العرب أنَّ الجلباب ثوبٌ أوسع من الخمار، وقيل أنَّه الثوب الواسع، وقيل إنه ثوبٌ دون الرداء ودون الملحفة تُغطي به المرأة رأسها وصدرها، وقيل أنَّها عباءة تشتمل به المرأة، والخمار هو غطاء الرَّأس، وإسدال غطاء الرَّأس على الجيب، يُؤدي غلى تغطية الوجه بالضَّرورة، ولباس بهذه الطَّريقة، وبهذا التَّوصيف يُؤدي تمامًا دور الحجاب؛ فيحجب المرأة عن أعين الرجال، وهو ما لا نجد له شبيهًا في عصرنا الحالي إلَّا (النقاب). ومن هنا جاء الرَّابط الذي يربط بين كلمة (الحجاب في غير اللباس) التي وردت في الآية التي جاء الخطاب فيها لنساء محمَّد، وبين (الحجاب في اللباس) ما جاء مُشتملًا على نساء محمد وغيرهن من نساء المسلمين أيضًا.
ثانيًا: أيضًا ذكرنا أنَّ المرأة لا يجوز لها إظهار زينتها لغير محارمها، ولقد عرفنا أنَّ الزينة سواءٌ كان حُليةً أو جزءًا من جسد، فإنَّه لا يحل للمرأة إظهارها إلَّا للمحارم فقط [وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] والشَّاهد من ذلك هو قوله [وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ] فإبداء الزينة مُحرَّم بنص هذه الآية، وإن نحن أضفنا إلى ذلك قوله [وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ] فإنَّنا نعلم أنَّ اللباس الذي ترتديه المرأة يحجب حتَّى حُليتها، سواءٌ أكانت هذه الحُلية أقراطًا، أو عِقدًا، أو أسوار أو خُلخال، فاللباس يُخفي ويحجب هذه الحليَّة، ولا يجوز للمرأة حتَّى أن تُصدر صوت هذه الحُلي والمُجوهرات، وبإمكاننا تصوُّر شكل اللباس الذي يُخفي هذه الحُلي التي يحرم على المرأة ضرب أرجلهن حتَّى لا يُعلم [مَا يُخْفِينَ] تحت لباسهن، فالحُلي (مخفيَّة) تحت اللباس، وهو ما يُعضّد وصفنا للباس بمعنى النقاب كما ذكرنا، ومن هنا جاء الرَّابط الذي يربط بين كلمة (الحجاب في غير اللباس) التي وردت في الآية التي جاء الخطاب فيها لنساء محمَّد، وبين (الحجاب في اللباس) ما جاء مُشتملًا على نساء محمد وغيرهن من نساء المسلمين أيضًا.

غير أنَّ المسلمين لم يلتفتوا كثيرًا إلى هذه الشَّواهد، وركزوا جُلَّ اهتمامهم في الآيات التي ادعوا بأنَّ المخاطب فيها نساء مُحمَّد حصرًا، دونًا عن بقيَّة نساء المُؤمنين. وبعد أن عرفنا -مما سبق- الرَّابط القوي بين فكرة الحجاب في غير اللباس، وفكرة الحجاب في اللباس من خلال الآيتين اللتين جاء فيهما الخطاب عامًا، نأتي الآن للرَّد على حجَّة المسلمين فيما يتعلَّق بالآيات التي يزعمون أنَّها حصر على نساء مُحمَّد.
أولًا: وجود ذكر نساء مُحمَّد في الآية لا يعني أبدًا أنَّ الخطاب التَّشريعي مُوجه لهن حصرًا، وكذلك إن الخطاب موجهًا إلى مُحمَّد؛ لاسيما إن كان الخطاب محتويًا على (تشريع) و (حُكم)، فالقرآن ليس رسالةً خاصةُ من الله إلى مُحمَّد، ولكنه كتاب تشريعي معنيٌ به المسلمون جميعًا، وإن جاء الخطاب فيه إلى مُحمَّد فالواجب فيه أنَّه يشمل المسلمين أيضًا، وإن لم يكن من باب اللزوم المباشر، فمن باب الاقتداء المُلزم بنص القرآن: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا] فيكون التَّطبيق للرسول حتَّى يقتدي به المسلمون، لأنَّ القرآن أرسل محمَّدًا بالقرآن ليتبعه المسلمون.
ثانيًا: هنالك آياتٌ في القرآن جاء فيها الخطاب مُوجهًا إلى مُحمَّد، ورغم ذلك فهي مُلزمةٌ للمسلمين، من حيث أنَّها (تشريع) و (حكم)، ومن ذلك قوله: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا] فلا يجوز القول بأنَّ تقوى الله مخصوص بالنَّبي لأنَّ الآية تُخاطب النَّبي؛ بل المعنى أنَّه إذا كان الرَّسول (وهو من هو) مأمورًا بتقوى الله، فالمسلمون أولى بهذه التَّقوى، إن لم يكن إلزامًا مُباشرًا، فمن باب الاقتداء والتَّقليد. وكذلك قوله: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] فلا يجوز أيضًا القول إنَّ التَّحريم الوارد في الآية خاصٌ بالنَّبي، بحجَّة أنَّ المخاطب في الآية هو النَّبي، أو أنَّ الآية نزلت في مُناسبةٍ تخص النَّبي وحده؛ بل الصَّحيح أنَّ سبب نزول الآية كانت مُناسبةً لوضع تشريعٍ عام، وإلَّا فهل يجوز القول بأنَّه يحل للمسلم أن يُحرّم ما أحل الله لأي سببٍ كان؟ بالتأكيد هذا مُحرَّم ومنهيٌ عنه بنص هذه الآية، والدَّليل على عموم النَّص هو الآية التَّالية لهذه الآية مباشرةً، والتي تقول: [قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ۚ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ] فجاءت الآية بصيغة الجمع، مما يُؤكد أنَّ الآية ليست خاصةً بالنَّبي، وكذلك كما في قوله: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا] فلا يجوز أيضًا القول إنَّ زوجات المسلمين لسن حلالٌ لهم، أو أنَّ المسلمين لا يحل لهم الزَّواج من بنات العمَّة والعم، أو بنات الخالة والخال، فالصَّحيح أنَّ هؤلاء النساء حلالٌ على مُحمَّدٍ وعلى المسلمين جميعًا، بدليل أنَّ الآية في نهايتها جاءت بصيغة الجمع، ولم تأتِ بصيغة المفرد [قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ] فهذا دليلٌ على أنَّ الآية فيها فرضٌ عامٌ للمسلمين في أزواجهم، وليس فرضًا خاصًا للنَّبي؛ رغم أنَّ الآية خاطبت النَّبي بقولها [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ ...] ولم تقول: "إنَّ أحللنا لكم ..." ورغم ذلك فإنَّ الفرض عامُ للمسلمين. على أنَّ الآية نفسها اشتملت على تخصيصٍ يخصُّ مُحمَّد، ولكن جاءت قرينةٌ دالةٌ على هذا التَّخصيص [إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ]، فقوله [مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ] خصَّصت جزءًا من الفروض الواردة في الآية، وهذا لم يمنع الآية من أن تكون عامةً بدلالة استخدام صيغة الجمع في نهاية الآية.
ثالثًا: الآن؛ وبعد أن عرفنا أنَّ تخصيص الخطاب في الآية لا يعني تخصيص الحُكم أو التَّشريع، يُمكننا استنتاج أنَّ آية الحجاب، وآية القرار في البيت، ليست خاصةً بنساء مُحمَّد، وإنَّما تشمل سائر النساء المسلمات أيضًا، فإن لم يكن من باب الإلزام المباشر، فمن باب الاقتداء والتقليد الواجب على كل مُسلمٍ ومُسلمة، وهو ليس أمرًا متروكًا لمزاج المسلم على أيَّة حال؛ وإلا لكان الأمر فيما عداه أيضًا متروكًا لمزاج المسلم، وهذا لا يستقيم.
رابعًا: فيما يخص آية [وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ] فرغم أنَّ الخطاب مُوجه إلى نساء النَّبي [يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ]؛ إلَّا أنَّ (الحُكم) و (التَّشريع) الوارد في الآية عام بجميع نساء المسلمين، لأنَّ الآية نفسها احتوت على أمرٍ لنساء النَّبي بالصلاة والزكاة وطاعة الله [وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ] ولا يجوز أن نقول إنَّ هذا الأمر مخصوصٌ لنساء النَّبي، وأنَّ أمر الاقتداء هنا متروكٌ لخيار المسلمة؛ إن شاءت اقتدت وإن شاءت لم تقتد، بل هو (حُكم) واجبٌ ومُلزم. والدليل على أنَّ جميع ما ذُكر في الآيات ليس خاصًا بنساء النَّبي، هو ما جاء في الآية التَّالية: [إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا] فجاء الخطاب بصيغةٍ عامةٍ، رغم أنَّها جاءت في بدايتها بخطابٍ موجهٍ إلى نساء النَّبي، فما علاقة المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات إذا كانت الآيات خاصةً بنساء النَّبي؟ فها مما يدلُّ على خصوص الخطاب، وعموم الحُكم.
خامسًا: فيما يخص آية [وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ] فالأمر أيضًا سيان، فالآية في الأساس تتكلَّم عن آداب المنازل، أن يستأذن الإنسان قبل الدخول في البيت، وألَّا يدخل قبل أن يُؤذن له، وهذا الحُكم ليس حصرًا على من دخل بيت الرَّسول؛ بل هو يشمل كل البيوت الأخرى، فهو حُكمٌ عام، ودليل ذلك هو سياق الآيات التي تنتهي بقوله [إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا] ففيه حُكم من يلتزم بهذه الآداب مع الرَّسول، ثم جاءت بعد هذه الآية، آيةٌ أخرى [وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا] فما علاقة المؤمنين والمؤمنيات في قضيَّةٍ خاصة بالنَّبي ونسائه وأهله بيته؛ إلَّا أن يكون المعنى والحكم عامًا وليس مخصوصًا؟ وليس من باب الصُّدفة أن تأتي آية اللباس العامة تاليةً مُباشرةً على هذه الآيات [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا]

خُلاصة القول: إنَّ الآية قد يكون الخطاب فيها مُوجهًا إلى النَّبي، أو إلى أهل بيته، أو حتَّى نفرٍ مخصوصٍ من المسلمين، ولكن ذلك لا يعني أبدًا أنَّ يكون "الحُكم" الوارد في الآية مخصوصًا أيضًا، فكُل ما يتعلَّق بالأحكام والتَّشريعات الواردة في القرآن هي مخصوصةٌ للمسلمين وليست مخصوصةً لأفرادٍ دون غيرهم، لأنَّ القرآن تشريعٌ للمسلمين كافةً، وليس تشريعًا خاصًا بالنَّبي، ولا بأسرته فقط، وحتَّى عندما تأتي آيةٌ مخصوصة الخطاب، وفي سياقٍ مُحدَّد، فإنَّ خاصيَّة الخطاب، وخاصيَّة المناسبة، لا تعني أبدًا خاصيَّة الحُكم، وذلك كما في قصَّة مُحمَّد وزواجه من زينب بنت جحش، فقد جاءت الآية ذات المناسبة المخصوصة بحُكمٍ عام [وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا] فالقصَّة خاصةٌ بحادثةٍ بعينها، أبطالها أشخاصٌ بعينهم، ولكن جاءت الآية بحكمٍ عام، وهو [لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا]. إنَّ ما قلتُهُ وما أوضحتُهُ هنا، هو -في الحقيقة- مما لا يحتاج إلى توضيحٍ أو إيضاح، ولكن قدرنا مع هؤلاء المُسلمين الذين بدؤوا يتنكرون لدينهم، فيراوغون ويتلفون على النُّصوص، هو أن نلجأ إلى توضيح الواضح، وتفسير المُفسَّر. فيا أيها المُسلمون، عليكم أن تعرف أنَّ مُشكلتكم الحقيقيَّة هي في دينكم نفسه، وفي نصوصكم الواضحة والصَّريحة، وأنَّه لا مناص لكم من مواجهة الحقيقة، عوضًا عن اللَّف والدَّوران، فغير المسلمين لا علاقة لهم بجهلكم باللُّغة العربيَّة وفنونها، ولا بجهلكم بدينكم وتاريخكم. وإنَّه لمن المضحك المُبكي أنَّ مسلمًا يرفض؛ بل ويسخر من أقوال الفقهاء والشيوخ، يُحاول التَّخلُّص من ورطة هذه الآيات باللُّجوء إلى فكرة أنَّ الحجاب في الإسلام جاء للتفريق بين الإماء والحرائر، وهو ما لا دليل عليه في نصوص القرآن، ولا نجد لها أثرًا إلَّا في المرويات التي يرفضونها. على أنَّ استشهادهم بذلك يضعهم في تناقضٍ مُريع، فمن أين يُحاولون رفض أن يكون النَّص القرآني مُحتويًا على فكرة النقاب، وفي الوقت ذاته يقولون بأنَّه للتفريق بين الإماء والحرائر؟ إنَّها روح المرواغة التي تُوضع صاحبها في التَّناقضات، فتُخرجه من ورطةٍ لتُوقعه في ورطةٍ أخرى؛ أفلا يقولون إنَّ الإسلام جاء ليُساوي بين العبيد والأحرار؟ فكيف أصبح فجأة يُشرع الحجاب ليُفرّق بينهم في اللباس؟
التَّبرير لا يُفيد، وإنَّه لأكرم للمرء أن يُواجه الحقيقة على أن يُراوغها، فيقع في أسوأ مما يُحاول الفرار منه.



#هشام_آدم (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دردشةٌ فقهيَّة: الحجاب في الإسلام
- نظرة إلى مصطلح الرواية والقصة القصيرة
- الأسئلة الوجوديَّة
- تطبيقاتٌ فقهيَّة - 1
- الحربُ على النَّقد
- جناية الإسلام المُعتدل
- ميكانيزم النفي
- الإيقاع والموسيقى في الشِّعر
- أزمة اللاأدرية العربيَّة
- دكتاتورية -الله- في القرآن – 2
- دكتاتورية -الله- في القرآن – 1
- الكوزمولوجيا الدينية
- هل تذكرون كاجومي؟
- النار كأداة تعذيب
- كشف أكاذيب برنامج الدليل (الأخيرة)
- كشف أكاذيب برنامج الدليل 8
- كشف أكاذيب برنامج الدليل 7
- كشف أكاذيب برنامج الدليل 6
- كشف أكاذيب برنامج الدليل 5
- كشف أكاذيب برنامج الدليل 4


المزيد.....




- عاجل | المرشد الأعلى الإيراني يعفو عن عشرات آلاف المتهمين وا ...
- بمناسبة الذكرى الـ 44 لانتصار الثورة الإسلامية وأعياد شهر رج ...
- بابا الفاتيكان من جنوب السودان: مستقبل البلاد يعتمد على كيفي ...
- الاحتلال يقرر مصادرة 45 دونما من أراضي بلدة -ديراستيا- شمال ...
- -هربت من ظلم طالبان اليهودية ثم أنقذت ابني-
- جنوب السودان - البابا يدعو الكنيسة لرفع الصوت ضد إساءة استخد ...
- البابا فرانسيس خلال لقائه مع اللاجئين بجنوب السودان: أعاني م ...
- بابا الفاتيكان يحيي ذكرى رجال الدين القتلى خلال زيارته لجنوب ...
- الحكيم يطرح مشروع (الوطنية الشيعية)
- بابا الفاتيكان في جنوب السودان من أجل الدعوة للسلام


المزيد.....

- تكوين وبنية الحقل الديني حسب بيير بورديو / زهير الخويلدي
- الجماهير تغزو عالم الخلود / سيد القمني
- المندائية آخر الأديان المعرفية / سنان نافل والي - أسعد داخل نجارة
- كتاب ( عن حرب الرّدّة ) / أحمد صبحى منصور
- فلسفة الوجود المصرية / سيد القمني
- رب الثورة: أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة / سيد القمني
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الأخير - كشكول قرآني / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني عشر - الناسخ والمنسوخ وال ... / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل العاشر - قصص القرآن / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثالث - الأخطاء العلمية / كامل النجار


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - هشام آدم - توضيحاتٌ بخصوص مقال: الحجاب في الإسلام