أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عمر حَمَّش - ظهرُ جدتي ..














المزيد.....

ظهرُ جدتي ..


عمر حَمَّش

الحوار المتمدن-العدد: 5264 - 2016 / 8 / 24 - 17:34
المحور: الادب والفن
    


ظهرُ جدتي ..


عمر حمَّش


في طفولتي كنتُ حائرا في أمرِ ظهرِها المنحني، وكانت حيرتي تشتدّ كلما أمَّي تقول:
من اليهود.
فتتدافعُ صورُ عسكرٍ يثنون ظهر جدتي الصبيّة ..
قالت أمي: جدك هاجر إلى الخليل من بعد طردِه من المجدل.
قالت: سنة فقط، نصب نوله في بيت أمر، ثمّ دهمه السرطان، فتسلل بعائلته إلينا.
قالت: قال فلأمت جوار عائلة ابنتي في غزة ..
ومكثتُ أنا، أتخيل جدي الذي لم أره، مريضا يقودُ زوجه المنحنية، في ممر الجبال ومعهما أخوالي الثلاثة ..
كانت أمّي تقول: اليهود. ولا تزدني، وكنت أرقبُ جدتي بوجهها المريمي، ناصعا صافيا، وأستمع لطريقتها في لفظ الحروف وهي تخاطبني، فأخاطبها بلساني، وعقلي هناك شارد في سبب انكسار ظهرها ..
كثيرا ما تخيلت الجند يقصفونها بالعصي، أو يدقونها بأعقاب البنادق، وتصورت ضابطا يأمر: كفى. من بعد سماعه لفرقعة عمودها الفقري، حتى جاء يوم كنت فيه مع رفقتي، جاءت جدتي زقاقنا، ظهرها مشرعٌ إلى السماء، ووجهها في الأرض، يرمقُ التراب، هرولتُ لأمسك بيدها، وأستمعُ إلى دعائها الرب: أن يحفظني. ولما قدتها، وجدتني أسارعُ بالسؤال: جدتي، كيف كسر اليهودُ ظهرَك؟
رمتني بنظرة، وخلتُ عينيها الزرقاوين ترقرقان دمعتين، صمتُ في حضرة صمتِها، وفي كوخنا ألقت بجسدها النحيل على فرشةِ فنائنا الصغير، دارت بعينيها، وسألتني عن أمِّي. قلت: أمي في سوق المخيم. فوجدتها، تأمرني بالهبوط جوارها، لأكتشف رغبتها بالكلام.
قالت جدتي، وقد اعتدل ظهرها لبرهةٍ:
كنا في حظر تجوال، وكانوا قد جمعونا كلنا نحن المتبقين في حارة واحدةٍ من حاراتِ المجدل ..
من بعد تنهيدة، أكملت:
كنا ستة، أنا وجدك، وأخوالك الأربعة، وطال الأمر، وامتدّ الحظرُ أسبوعا كاملا، في اليوم السابع، خالك الرضيع انطلق يبكي، كان يصيح بتواصلٍ، كمن ينادي القدر.
صمتت جدتي، صمتت طويلا، وأنا مأخوذ للآتي، كنت أعلمُ بهولِ ما ستلقيه على مسمعي.
قالت: فجأة، وبدون حساب، وجدنا خالك الأكبر يحمل أخاه، ليفتح الباب، كان خالك ينوي إسكات أخاه مع رؤية مشهد الشمس والهواء ..
قالت واهتزّت كمن يسمعُ الأمر، ويراه للمرة الأولى:
فتح خالك باب الدار، وسمعنا الرصاصة.
قالت: رأينا الاثنين يهويان على العتبة.
ورأيتُها تختنق، رأيت جدتي تعود إلى نواحٍ صامت، وأنا سمعتُ نواح الدنيا، ورأيت حمما تهوي.
قالت: في دقيقةٍ وصلوا، سحبوا جثة خالك إلينا، ثمَّ أغلقوا الباب.
قالت: أنا انثنيتُ، ولم يرتفع ظهري .. كنت فوق ابني، حين عادوا بأربعة من الجيران مع أربعة معاول .. سحبوه ثانية، ليدفنوه هناك بصمت..
قالت جدتي: دفنوه، ثمّ طردونا كلنا، وكان ظهري قد تيبس، ووجهي ثابتٌ في الأرض






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أزمنة ..
- وسيلةُ عبور
- كَشفُ العارفين
- واحةُ الخالصين
- إطعام


المزيد.....




- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
- الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب
- وزيرة الثقافة المصرية تطمن جمهور هاني شاكر على صحته
- السينما في زمن القلق: مهرجان سالونيك يعيد فتح دفاتر التاريخ ...
- موسم العمالقة.. 10 أفلام تشعل مبكرا سباق السعفة الذهبية في - ...
- صراع الأجيال في الرواية: قراءة نقدية بين المركزية الغربية وا ...
- ما وراء الرصاص: التداعيات الفكرية والمذهبية للمواجهة مع إيرا ...
- صدريات مخملية وعطور وسلاسل ذهبية تكشف شغف تشارلز ديكنز بالمو ...
- بين الموسيقى والوجوه.. الذكاء الاصطناعي يغزو الدراما المصرية ...
- رمضان في مرآة الأدب.. قراءة في أربع تجارب إسلامية


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عمر حَمَّش - ظهرُ جدتي ..