أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - كارل كاوتسكى - فى الاصول التاريخية والاسطورية للشعب اليهودى - ترجمة : سعيد العليمى















المزيد.....



فى الاصول التاريخية والاسطورية للشعب اليهودى - ترجمة : سعيد العليمى


كارل كاوتسكى

الحوار المتمدن-العدد: 7780 - 2023 / 10 / 30 - 11:32
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


القسم الثالث
اليهــود
ترجمة : سعيد العليمى

الفصل الأول
شعب إسرائيل
أ - الهجرات القبلية السامية
إن بدايات تاريخ إسرائيل غارقة فى ظلمة عميقة، ربما حتى أكثر مما هو الحال مع التاريخ الإغريقى والرومانى. ليس فقط لأن هذه المرحلة الباكرة قد نقلت خلال عدة قرون شفاهة فحسب، إنما حتى لأنه حينما بدأت الخرافات القديمة تجمع وتسجل فقد شوهت بأسوأ الطرق دعائية. ليس هناك خطأ أشد من الافتراض بأن تاريخ الكتاب المقدس هو تسجيل لأحداث فعلية، قد تحتوى قصص الكتاب المقدس على نواة تاريخية، ولكن تحديد هذه النواة غاية فى الصعوبة.
لم تتخذ الكتابات "المقدسة" الخاصة باليهود الشكل الذى لدينا اليوم إلا بعد العودة من المنفى البابلى، فى القرن الخامس قبل الميلاد. كانت كل المأثورات القديمة فى هذا الوقت قد جرى التلاعب بها واستكملت بانتحالات، بأعظم جسارة، حتى تلبى متطلبات الفئة الكهنوتية الناشئة. وهكذا فإن تاريخ اليهود قد انقلب رأساً على عقب؛ وهذا صحيح بصفة خاصة فيما يتعلق بما روى لنا عن ديانة إسرائيل قبل المنفى.
حين أسس اليهود جماعة خاصة بهم، بعد المنفى، فى أورشليم وفى الريف المتاخم، سرعان ما أثرت هذه الجماعة فى القبائل الأخرى بخصوصياتها، كما يظهر عدد من السجلات، ولكن لم تحفظ مثل هذه السجلات بالنسبة إلى الفترة السابقة على المنفى. قبل تدمير أورشليم من قبل البابليين، كان الإسرائيليون يعتبرون من قبل الشعوب الأخرى أمة كغيرها من الأمم، لم يبد أن هناك سمات خاصة تميزهم عن الآخرين ولدينا كل الأسباب لنفترض أن اليهود حتى آنذاك لم يظهروا بالفعل أية خواص استثنائية.
إنه من المستحيل، بالنظر إلى ضآلة وعدم جدارة المصادر المتاحة بالثقة، أن نرسم صورة دقيقة عن إسرائيل القديمة. ان النقد البروتستانتى للكتاب المقدس، كما مارسه اللاهوتيون، قد أثبت بالفعل أن الكثير قد زُيف واصطنع، ولكن الكثير مازال يُقبل حسب قيمته الظاهرية لأنه لم يُكشف بعد باعتباره تزييفاً ظاهراً فحسب.
ليس لدينا عملياً شيء سوى فرضية نهتدى بها فى محاولتنا لرسم تطور المجتمع الإسرائيلى، وروايات العهد القديم سوف تقدم لنا خدمة قيمة حيثما نكون قادرين على مقارنتها بأوصاف الشعوب فى مواقف مماثلة.
لايبدأ الوجود التاريخى لليهود حتى ينفذوا إلى بلد الكنعانيين. كل الحكايات عن فترة تبديهم هى اما خرافات قبلية قديمة، ذات زخرفات دعائية، أو حكايات خرافية، أو اختراعات لاحقة. انهم يظهرون فى التاريخ أولاً باعتبارهم منطوين ضمن هجرة سامية عظيمة للأمم.
تلعب هجرات الأمم فى العالم القديم نفس الدور الذى تقوم به الثورات اليوم. رصدنا فى القسم السابق سقوط الإمبراطورية الرومانية وتتبعنا المراحل الأولية قبل اجتياحها من البرابرة التيوتون، وهو الحدث الذى يسمى "هجرة الأمم". ليست هذه ظاهرة فريدة، لقد سبق للشرق القديم أن عرفها فى مناسبات متكررة، على نطاق أصغر، ولكن نتيجة لنفس الأسباب.
تطورت الزراعة فى كثير من الأحواض الخصبة للأنهار الشرقية الكبرى، فى زمن باكر، مقدمة فائضاً من المواد الغذائية ومتيحة وجود أعداد كبيرة من السكان متفرغة لمهن أخرى إضافة لتلك الخاصة بالزراعة. ازدهرت الفنون والحرف، والعلوم، وتطورت ارستقراطية، لديها فرصة أن تكرس وقتها على سبيل الحصر لفنون الحرب، وأصبحت هذه الارستقراطية غاية فى الضرورة حيث أن ثروة إقليم النهر بدأت تغرى الجيران البدو شبه المحاربين بأن ينخرطوا فى غارات لصوصية. احتاج الفلاح الذى رغب فى أن يفلح حقوله فى سلام لحماية مثل هذه الارستقراطية، الذى كان عليه أن يدفع لها. ولكن بمجرد أن باتت الارستقراطية أقوى، فقد خضعت بسهولة لإغراء أن توظف قوة ميولها الحربية لغرض زيادة دخلها، خاصة لأن تقدم الفنون والحرف نهض سنداً لكل انواع الترف التى يمكن أن يحصل عليها مالكى الثروة فقط. يبدأ قمع الفلاحين ويبدأ الأرستقراطيون في القيام بالحملات، وهم الأكثر مهارة فى حمل السلاح مع رعاياهم ضد الشعوب المجاورة بغرض أسرهم كعبيد. يبدأ العمل القسرى، ويُدفع المجتمع تدريجياً لنفس المضيق المسدود الذى كان عليه فيما بعد أن يكون المرحلة الأخيرة للمجتمع فى العصر الإمبراطورى الرومانى أيضاً. دُمر الفلاح الحر، حل محله العمل الاجبارى؛ وبشكل متزامن دُمر أساس القوة الحربية للإمبراطورية. وبالمثل تفقد الارستقراطية بالرغم من تفوقها فى السلاح براعتها الحربية التى تقوضت بفعل تزايد الترف.
لقد فقدوا القدرة المطلوبة لتأدية الوظائف التى تطلبها مركزهم الاجتماعى: أى الدفاع عن الرفاه العام ضد غزوات الجيران الناهبين. يصبح هؤلاء الجيران واعين تدريجياً بالغنيمة الثرية والمغرية التى فى متناول اليد، ويحتشدون تدريجياً أقرب فأقرب على الحدود وأخيراً تفيض بهم وهكذا يدشنون اتجاها يضم قبائل أكثر فأكثر تتدافع خلفهم انتهاء إلى أن هذه الحركة لاتنتهى لبعض الوقت. يستولى بعض الغزاة على الأرض وهكذا يخلقون طبقة فلاحية حرة جديدة. يؤسس آخرون، وهم الأكثر قوة، ارستقراطية حربية جديدة، بينما الارستقراطية الأقدم حارسة الفنون، وعلوم الحضارة القديمة، قد تستمر فى الاحتفاظ بوضع أرفع بالنسبة للغزاة البرابرة ولكنها لم تعد طائفة محاربين وإنما بالأحرى طائفة كهنة.
حين توقفت حركات الهجرة هذه يمر مجرى التطور مرة أخرى خلال نفس الدورة، التى ربما تقارن بنفس دورة الازدهار والأزمة فى المجتمع الرأسمالى؛ ولكن الدورة القديمة لم تكن تتكرر فحسب فى كل عقد، وإنما كانت تغطى عدة قرون، دورة لم يجر تجاوزها حتى تدخل نمط الإنتاج الرأسمالى، تماما مثل دورة أزمات اليوم التى لن يجرى تجاوزها حتى يقام الإنتاج الاشتراكى.
استمر مجرى التطور هذا فى مختلف أقاليم آسيا وأفريقيا الشمالية لآلاف الأعوام، لقد كان محسوساً أكثر فى البقاع التى أنتجت فيها أودية الأنهار العريضة الخصبة ثروة ضخمة، ولكن أفضت هذه الثروة إلى فساد ووهن عميقين بينما أنتجت الأقاليم الأقل ملائمة قبائل رعوية فقيرة غير انها شبه محاربة، مستعدة دوما لتغيير موطنها حين تدعوها الغنيمة، والتى يمكن أن تتجمع فى فرصة مواتية بسرعة بأعداد لاحصرلها فى أية بقعة حتى تخترق الإقليم بعنف مدمر. إن أودية هوانج - هو ويانجستى يانج، التى تطورت فيها الأمة الصينية هى أمثلة لهذا الوضع، أيضاً وادى الجانج حيث تركزت ثروة مغرية، (أودية) دجلة والفرات، حيث ظهرت الإمبراطوريتين القويتين بابل وآشور، واخيراً وادى النيل الذى هو مصر.
ولكن لدينا فى إحدى الحالات آسيا الوسطى وفى (حالة) أخرى الجزيرة العربية التى كانت احتياطيا لاينضب من القبائل الرعوية شبه المقاتلة، والتى مثلت خطراً دائماً على جيرانها وأحياناً استغلت ضعفها كفرصة لتبدأ فى هجرات مكثفة.
فى مثل فترات الضعف هذه سوف تخترق سيول من المغول من آسيا الوسطى وفى مناسبات معينة أيضاً من يسمون الهنود - الجرمان حواجز الحضارة. جاءت من الجزيرة العربية هذه القبائل التى تندرج تحت الاسم العام الساميين. كانت أهداف الغزاة الساميين بابل، وأشور، ومصر، والإقليم المتوسط من البحر الأبيض.
تبدأ واحدة من هذه الهجرات السامية الكبيرة فيما يقرب من أكثر من ألف عام قبل ميلاد المسيح تتقدم نحو مابين الرافدين، سوريا، مصر، وربما تنقطع فى وقت ما فى القرن الحادى عشر ق.م. كان العبرانيون من بين القبائل السامية التى غزت إقليماً حضارياً مجاوراً فى ذاك الزمن. بالنظر لولعهم البدوى بالترحال فربما كانوا قد واجهوا الحدود المصرية وجبل سيناء قبل هذا ولم تتخذ الجماعة العبرانية شكلاً محدداً الا بعد أن استقرت فى فلسطين تاركة وراءها مرحلة عدم الاستقرار الرعوى التى لم تكن هناك فى ظلها إمكانية تشكيل امة كبيرة.

ب- فلسطين
منذ هذا الزمن فصاعداً، لم يعد تاريخ وسمات الإسرائيليين محددة فقط بالخصائص المكتسبة فى المرحلة البدوية، وربما احتفظوا بها لبعض الوقت بعد ذلك، وإنما أيضاً بطابع وموقع فلسطين.
يجب أن نكون حذرين إزاء المبالغة فى تقدير أثر العامل الجغرافى فى التاريخ. فى الأزمنة التاريخية يستمر العامل الجغرافى - الموقع - طبيعة التربة، المناخ، اجمالاً بلا ريب كما هو فى معظم البلدان، هذا العامل قائم قبل أن يبدأ التاريخ وبالتأكيد له أثر قوى على الأخير. ولكن الطريقة التى سوف يؤثر بها العامل الجغرافى فى تاريخ بلد كثيرا ما تعتمد على المستوى الذى جرى إحرازه بواسطة المهارة التقنية والأوضاع الاجتماعية فى ذلك البلد.
هكذا، على سبيل المثال، لم يكن الإنجليز ليصلوا لمركزهم المهيمن فى العالم فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلا بسبب الطابع الخاص لبلدهم، بثروته فى الفحم والحديد وموقعه الجزيرى. ولكن طالما أنهما لم يلعبا الدور الهام الذى لعباه فى عصر البخار فى الصناعة، فإن هذه الكنوز الطبيعية للتربة كانت ضئيلة الأهمية. وقبل أن تُكتشف أمريكا والطريق البحرى للهند وقبل أن تصبح إسبانيا، وفرنسا وألمانيا متحضرة بدرجة عالية، بينما كان لا يزال يسكن هذه البلدان مجرد برابرة، وكانت التجارة الأوربية متركزه حول البحر الأبيض وقامت بها بصفة رئيسية سفن تسيرها المجاديف، كان مازال موقع إنجلترا عاملا قطعها عن الحضارة الأوروبية وأبقاها فى وضع من الضعف والبربرية.
قد يكون لنفس الخصائص المعينة لبلد ما من ثم نتائج غاية فى الاختلاف فى ظل ظروف اجتماعية مختلفة، حتى حيث لم تتحول طبيعة البلد بتغير نمط الإنتاج، لن يكون تأثيرها بالضرورة نفس الشيء. إننا نواجه مرة بعد أخرى مجمل الشروط الاقتصادية باعتبارها العامل المقرر.
وهكذا فإن تاريخ إسرائيل من ثم لم يتحدد فقط بطبيعة وموقع فلسطين منظوراً إليه على نحو مطلق وإنما بواسطة الأخيرين فى ظل شروط معينة محددة للمجتمع.
تَمَثَل الموقع الخصوصى لفلسطين فى أنه كان إقليما حدوديا تواجهت فيه العناصر المتعادية وحارب كل منها الآخر. انه يقع من ناحية فى نقطة تنتهي فيها الصحراء العربية وتبدأ أراضى الزراعة السورية، وحيث، تصادم من ناحية أخرى مجالى نفوذ هاتين الإمبراطوريتين العظيمتين، اللتان تقفان عند بداية حضارتنا وتهيمنان على هذه البداية أى المصرية الناشئة فى وادى النيل، والرافدية الناشئة على دجلة والفرات، بمركزها حيناً فى بابل وحيناً فى نينوى.
كعنصر أخير فإن فلسطين قد اجتازتها طرق تجارية غاية فى الأهمية، لقد سيطرت على المواصلات بين مصر من جانب وسوريا وما بين الرافدين من جانب آخر، وكذلك التجارة الفينيقية مع الجزيرة العربية.
دعنا نزن أولاً أثر العامل الأسبق. كانت فلسطين بلداً خصباً، لم تكن خصوبتها استثنائية على الإطلاق، ولكنها بدت خصبة بالضرورة على نحو غير عادى حين قورنت مع الأقاليم المقفرة الصخرية والرملية المجاورة. اعتبرها سكانها أرضاً تفيض لبناً وعسلاً.
أتت القبائل العبرانية باعتبارها من مربيى الماشية البدو وباتت فى نزاع دائم مع سكان فلسطين، الكنعانيين، الذين غزوا منهم مدينة بعد أخرى، مخضعين إياهم أكثر فأكثر لحكمهم. استقرت هذه القبائل العبرية تدريجياً. ولكن ماغزوه فى حرب دائمة كان يجب أن يحتفظ به بحرب دائمة لأن بدوا آخرين كانوا يدفعونهم من الخلف، تائقين بالمثل لهذه الأرض الخصبة، الأدوميين، والموآبيين، والعمونيين، وآخرين.
بقى العبرانيون فى البلد المغزو رعاة لمدة طويلة، بالرغم من أن لهم الآن مواطن محددة. ولكنهم اكتسبوا تدريجيا ممارسة الزراعة التى كان قد مارسها السكان الأصليون، استنبات الحبوب، والكروم وزراعة الزيتون واشجار التين، وتزاوجوا مع السكان الأوائل. ولكنهم احتفظوا لوقت طويل بسمات حياة البدو الرعوية التى كانت لهم.
لا يبدو ان تربية الماشية الرعوى بالصحراء موات بصفة خاصة للتقدم التقنى والتطور الاجتماعى. ان نمط حياة البدو فى الجزيرة العربية اليوم مازال يعيد إلى الذهن بقوة ذلك النمط الذى وجد فى الخرافات الإسرائيلية القديمة عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب. ينتج التكرار الابدى لنفس النشاطات والمحن نفس الحاجات والأفكار، عبر آلاف الأعوام، من جيل إلى جيل ينتج أخيراً نزعة محافظة عنيدة، متجذرة على نحو أعمق عند الراعى البدوى أكثر منها حتى عند الفلاح وهى مواتية للغاية للاحتفاظ بالمؤسسات والعادات القديمة حتى بعد إدخال تعديلات كبيرة. قد نعتد بحقيقة أن الموقد ليس له مكان محدد فى منزل الفلاح الإسرائيلى، وحيث لايوجد لذلك مغزى دينى، كتعبير عن هذا التقليد الرعوى. يقول فلهاوزن: "فى هذه المسالة يشبة الإسرائيليين العرب ويتميزون عن الإغريق الذين يقفون أكثر قربا منهم فى امور الحياة اليومية الأخرى" ومضيفا: "قد يقال بالكاد ان للعبرانيين كلمة تقابل لفظة "الموقد" وكلمة "ashfot، بينة بما فيه الكفاية، فقد اتخذت معنى "كوم النفاية". يختلف هذا تماما عن الموقد الهندوأوروبى، "المذبح المنزلى، لدى العبرانيين المصباح الأبدى بدلا من نار الموقد التى لاتطفأ ابداً .
قد يكون من بين العادات التى احتفظ بها الإسرائيليون من مرحلتهم البدوية، الميل والولع بالتجارة فى السلع الأكثر أهمية.
لقد أشرنا قبلاً، فى دراستنا للمجتمع الرومانى، كيف تطورت التجارة باكراً بين الشعوب، بالمقارنة (بالتجارة) بين الافراد. من المحتمل أن أول من مارس التجارة كانوا من الرعاة البدو الذين يعيشون فى البرية. أجبرتهم طريقتهم فى تحصيل عيشهم على ان يتجولوا من مرعى إلى آخر دون موطن ثابت. ولابد ان المصادر الشحيحة لبلدهم قد أثارت فى وقت أبكر الحاجة بينهم لمنتجات بلدان أكثر ملائمة من حيث موقعها، التى واجهوا حدودها. من المحتمل أنهم قايضوا الحبوب، الزيت، التمر، الادوات الخشبية، الحجر، البرونز، والحديد بالماشية، التى انتجوها بوفرة. ولكن تنقلهم قد سمح لهم أيضاً ليس فقط أن يحوزوا منتجات لأنفسهم من بعيد، ولكن أيضاً أن يقايضوا منتجات كان الطلب عليها شديداً، وتُنقل بسهولة لحساب الآخرين، بمعنى آخر، ليس بغرض الاحتفاظ بمثل هذه المنتجات لاستعمالهم أو استهلاكهم الشخصى، وإنما لتمريرها فى معاملات تالية. وهكذا فقد أصبحوا أوائل التجار، ومادامت لم تكن هناك طرق وكانت الملاحة بائسة التطور، كان هذا الشكل من التجارة مهيمناً بالضرورة، وربما قاد إلى حيازة ثروة ضخمة من قبل هؤلاء الذين مارسوها. فيما بعد، حيث زادت التجارة البحرية، وحيث شيدت الطرق الدائمة والسالكة، فان التجارة التى مارسها البدو الرحل سابقاً تناقصت بالضرورة، واقتصر الأخيرون مرة أخرى على منتجات بريتهم وأصبحوا أكثر فقرا. يجب أن نعزوا لهذا الشرط جزئياً على الأقل التدهور العظيم للحضارة القديمة فى آسيا بعد اكتشاف الطريق البحرى للهند. أصبحت الجزيرة العربية مقفرة بالفعل لنفس السبب؛ واشتغل بدوها الرحل بتجارة مربحة للغاية مع المدن الفينيقية حين كانت الأخيرة فى أقصى ازدهارها. لقد زودوا الفينيقيين بالأجزاء الأسطوانية من المجاديف (looms) التى أنتجت للتصدير إلى الغرب، والصوف الثمين لاغنامهم، ولكنهم احضروا أيضاً منتجات العربية الجنوبية "السعيدة"، الغنية والخصبة، البخور، التوابل، الذهب، الأحجار الكريمة، وبالإضافة إلى ذلك أحضروا من الحبشة، المفصولة عن العربية السعيدة بممر ضيق فقط، سلعاً ثمينة مثل العاج والأبنوس. عبرت التجارة بالنسبة لقسمها الأعظم مع الهند أيضاً من خلال الجزيرة العربية، على امتداد سواحلها التى تواجه الخليج الفارسى والمحيط الهندى، كان يؤتى بالبضائع على السفن من مالابار وسيلان، ومن ثم تنقل عبر الصحراء إلى فلسطين وفينيقيا.
اغتنت كل القبائل التى مرت عبر أرضها هذه التجارة كثيرا بسببها، جزئياً من خلال أرباحها كتجار، وجزئياً من خلال المكوس التى كانت تفرض على السلع العابرة. "إنها لظاهرة عامة أن نجد قبائل غاية فى الثراء بين الأعراق". يقول هيرين: "يبدو أن لاأحد من القبائل بين العرب الرحل قد حقق أرباحاً ضخمة بشكل أبكر بواسطة تجارة القوافل أكثر من المديانيين، الذين اعتادوا على الترحال على طول الحدود الشمالية لهذا البلد، من ثم بالقرب من فينيقيا. لقد كانت قافلة من التجار المديانيين، محملة بالتوابل، والبلسم، والمر، فى طريقها من الجزيرة العربية إلى مصر، هى التى بيع لها يوسف. (سفر التكوين 37،28). الغنيمة التى حازها جدعون حين صد هجوما للمديانيين على كنعان "التى أخذها الإسرائيليون من هؤلاء القوم بشكل ذهب كانت عظيمة جدا إلى حد اثارة الدهشة، وهذا المعدن كان شائعاً للغاية بينهم حتى إنهم لم يجعلوه زينة لأنفسهم فقط، ولكن حتى أطواق حيواناتهم كانت من الذهب. وهكذا نقرأ فى سفر القضاة، 8: "فقام جدعون وقتل زبح وصلمناع وأخذ الأهلة التى فى أعناق جمالها.... ثم قال لهم جدعون أطلب منكم طلبة أن تعطونى كل واحد أقراط غنيمته. (لأنه كان لهم أقراط ذهب لأنهم اسمعيليون).... وكان وزن أقراط الذهب التى طلب ألفاً وسبعمائة شاقل ماعدا الاهلة والحلق وأثواب الأرجوان التى على ملوك مديان وماعدا القلائد التى فى أعناق جمالهم".
يناقش هيرين الآن الأدوميين ويواصل: "صنف اليونانيون كل القبائل الرعوية التى تجولت عند شمالى الجزيرة العربية تحت اسم الأنباط العرب. ديودوروس، الذى يصف بشكل ممتاز نمط حياتهم لايخفق أيضاً فى ذكر قوافل تجارتهم مع اليمن. يقول "ليس عددا ضئيلاً منهم يجعلونه عملهم أن يجلبوا للبحر الأبيض المتوسط، البخور، المر، والتوابل الثمينه الأخرى التى يتلقونها منهم وقد أتت من العربية السعيدة" (ديودورس، 2، ص93).
"كانت الثروة التى أحرزتها هكذا قبائل الصحراء المتنوعة عظيمة إلى حد اثارة جشع المحاربين الإغريق - كانت مدينة بترا المحصنة واحدة من مراكز تصدير البضائع العابرة لمنطقة الأدوميين، التى سمى وفقا لها شمال غربى الجزيرة العربية بترا العربية. حاول "ديمتريوس بوليوركيتس أن ينقض على ويخرب هذه المدينة" .
يجب ان نُعد الإسرائيليين فى مرحلتهم الرعوية مثل جيرانهم المديانيين. حتى إبراهام فقد روى أنه كان غنياً جداً، ليس فقط فى الماشية، وإنما أيضاً فى الفضة والذهب (تكوين 8، 2). امكن للرعاة المرتحلون أن يجنوا الثروة من خلال التجارة فقط. ولكن لم يكن فى الحسبان على أية حال أن يحد أو يضعف وضعهم اللاحق فى كنعان الروح التجارية التى اكتسبوها من وضعهم الرعوى. لأن موقع هذا البلد سمح لهم أن يستمروا فى دورهم التجاري بين مصر وبابل، وأن يربحوا بهذه التجارة جزئياً، بالقيام بها وتطويرها، وجزئياً بازعاجها بمهاجمة القوافل التجارية من حصون جبالهم، ونهبها أو فرض المكوس عليها. لايجب أن ننسى أن التجارة واللصوصية كانتا حرفتين مرتبطتين بوثوق. "حتى قبل أن يأتى الإسرائيليون إلى كنعان، كانت التجارة غاية فى التطور فى هذا البلد. ذكرت رسائل تل العمارنة (من القرن الخامس عشر قبل المسيح ) أن قوافل سافرت عبر البلد تحت حماية مسلحة" .
ولكن لدينا سجلا باكرا يرجع لعام 200 ق.م يتعلق بالعلاقات التجارية الحميمة بين فلسطين ومصر وكذلك بلدان الفرات.
يقتبس إرميا (وهو أستاذ فى جامعة ليبزج، وليس النبى العبرانى المعروف ) من محتويات بردية من تلك الفترة بكلماته هو ما يلى: "القبائل البدوية فى فلسطين هى من ثم على صلة حميمة بالأرض الحضارية لمصر. شيوخهم كما نعلم من البردية يترددون أحيانا على بلاط فرعون وهم ملمون بأوضاع مصر. المبعوثون يسافرون جيئة وذهابا برسائل مكتوبة بين منطقة الفرات ومصر. هؤلاء البدو الآسيويون ليسوا بأية حال برابرة. القبائل البربرية التى ناهضها الملك المصرى مذكورة بوضوح باعتبارها متضادة معهم. اتحد شيوخ البدو أيضاً بغرض القيام بحملات عسكرية ضد أمراء الشعوب" .
يعالج هير تسفليد فى كتابه التاريخ التجارى لليهود فى العصور القديمة، بالتفصيل طرق القوافل التى تمر خلال أو بجوار فلسطين. وهو يحدس ان هذه الاتصالات "ربما كانت ذات اهمية تجارية أعظم فى العصور القديمة من سكك حديدنا بالنسبة لنا".
"امتد مثل هذا الطريق من جنوب غربى الجزيرة العربية، بموازة ساحل البحر الأحمر وخليجه الايلىaelanitic، حاملاً منتجات العربية السعيدة، وكذلك إثيوبيا وعددا من مناطق الأخيرة الداخلية (hinterlands)، بعيداً حتى سيلاsela، التى أسميت فيما بعد بترا، حوالى سبعين كيلومترا جنوب البحر الميت. أتى طريق قوافل آخر بالمنتجات البابلية والهندية من الجرعاء gerrha، على الخليج الفارسى، مباشرة عبر الجزيرة العربية، وبالمثل إلى بترا. تتفرع من بترا ثلاث طرق: واحد إلى مصر مع فروع على اليسار إلى الموانئ العربية على البحر الأبيض المتوسط، وثان إلى غزة مع وصلة هامة بالشمال، وثالث على طول الشطآن الشرقية للبحر الميت والأردن، نحو دمشق. أصبحت ايلات على قمة الخليج الايلى التى أعطته اسمه مركز تصدير لبضائع بلدان ابعد نحو الجنوب، وكانت متصلة أيضاً بطريق قصير مع بترا. مر الطريق الذاهب من غزة إلى الشمال، المذكور سلفاً، خلال وهاد اليهودية والسامرة، منتهياً إلى سهل يزرعيل jisreel، حيث قابل طريقاً آخر من الشرق متجها إلى عكاacco. من البضاعة التى تدفقت من هذه الطرق المتعددة، التى قصدت بها فينيقيا كان يعاد نقلها جزئياً فى الموانئ العربية المذكورة آنفاً، أو فى غزة أو عكاacco، لأن الطريق من المدينة الأخيرة إلى صور وصيدون كان طريقاً صخرياً جداً ولم يكن صالحا للاستخدام للمواصلات البرية حتى وقت متأخر للغاية. اتجه طرق القوافل الأكثر اعتياداً من الشرق، المذكور سابقاً، من بابل إلى مجرى الفرات الأوسط، وعندئذ عبر الصحراء السورية العربية، التى ازدهرت فيها بالميرا لاحقا، وبعد الانطلاق لمسافة قصيرة على طول الضفة الشرقية للأردن الأعلى، عبر هذا النهر وجرى خلال سهل يزرعيل jisreel، حتى وصل إلى البحر داخل الطريق الذى ذكرناه آنفا قبل أن يمس الاردن بقليل، مؤديا من جلعاد، التى رأينا أنها كانت تستخدم بالفعل فى زمن يوسف، وقد علمنا سلفاً أن هذا الطريق قد التقى فى سهل يزرعيل jisreel، بالطريق الآتى من غزة، ولكن بافتراض أن هذا الطريق الذى مر فى فلسطين إلى مصر وفقاً (لسفر التكوين 37، 25، 41، 57) بدأ أيضاً من غزة..... لانستطيع ان نثبت أن هذه (الطرق التجارية والأسواق التى أقيمت فى تقاطعاتها) كان لها لوقت طويل أى تأثير، على الإسرائيليين، من أية وقائع سجلت فى التاريخ، ولا نستطيع أن نقدر مثل هذا التأثير، ولكن مما لاشك فيه أنه كان موجودا بالضرورة، وهذا الافتراض سوف يلقى الضوء على كثير من النصوص القديمة المتواضعة التى تعكس مثل هذا التأثير .
ازدهر الترف وصناعات التصدير، والفن أيضاً، على نحو اقل كثيرا بين الإسرائيليين من التجارة، من المحتمل ان يكون ذلك بسبب أن الإسرائيليين قد كفوا عن أن يكونوا رُحَّلاً فى الوقت الذى كانت قد تطورت فيه الحرف اليدوية بالفعل إلى مستوى عال بين جيرانهم. كانت مواد الترف التى يحصلون عليها بواسطة التجارة أفضل وارخص من تلك التى صنعها الحرفيون المحليون. كانت النتيجة أن مثل هذا العمل كان مقصوراً على أبسط المواد. حتى الفينيقيون الذين أصبحوا أمة حضارية فى تاريخ أبكر بكثير، أعيق تقدم صناعتهم بسبب المنافسة بين السلع المصرية والبابلية التى تاجر فيها الفينيقيون. يحتمل بالكاد أن كان الفينيقيون متفوقين فى مجال الصناعة بالنسبة إلى بقية سكان سوريا. من المحتمل أن يكون هيرودوت محقاً حين يقول إن أول الفينيقيين الذين رسوا على ساحل بلاد الإغريق عرضوا سلعهم التى لم تكن منتجات وطنهم، انما منتجات مصر وأشور، بمعنى آخر الخاصة بالمنطقة الداخلية(hinterlands) لسوريا. لم تصبح مدن فينيقيا الكبرى مدناً صناعية مهيمنة حتى فقدت استقلالها السياسى وجزءاً مهماً من علاقتها التجارية" .
ربما أعاق تطور الحرف اليدوية فعلاً أيضاً وضع الحرب الدائم. كيفما كان الأمر فمن المؤكد أن الحرف اليدوية لم تتطور لحد بعيد. يصف النبى حزقيال فى رثاءه لصور tyre، بغاية الكمال تجارة الأخيرة بما فيها التجارة مع إسرائيل. كانت صادرات الإسرائيليين زراعية على وجه الحصر فى طبيعتها: "يهوذا وأرض إسرائيل هم تجارك. تاجروا فى سوقك بحنطة منيت وحلاوى وعسل وزبيب وبلسان ". (27، 17)
حين جعل داود أورشليم عاصمته ، فإن حيرام ملك صور أرسل له "خشب أرز، ونجارين، وبنائين، فبنوا لداود بيتاً. (صامويل الثانى 5، 11) وقد حدث نفس الشيء فى زمن سليمان عند بناء الهيكل. ودفع سليمان لحيرام سنوياً بالمقابل عشرين ألف كر حنطة طعاماً لبيته وعشرين كر زيت رضٍ. (ملوك أول 5، 11)
بدون حِرَف ترف يدوية عالية التطور، بمعنى آخر بدون حرف فنية، لايمكن أن تزدهر فنون الحفر والفنون التشكيلية وتحقق حتى تمثيلاً للشكل الإنسانى، وتتجاوز مجرد الإشارة للنموذج الإنسانى، تُفَرِد وتؤمثل موضوعاتها.
يمكن لمثل هذا الفن أن يؤسس فقط على مستوى عال من التجارة، مزوداً الفنان بأكثر المواد اختلافاً ذات النوعيات الكثيرة، وهكذا تمكنه من اختيار الأكثر ملائمة لأغراضه. أضف إلى ذلك فمن الضروري وجود تخصص عميق، ومجموعة من الخبرات راكمتها اجيال فى معالجة هذه المواد المتنوعة، مقترنة فى النهاية بتقدير رفيع للفنان، رافعة إياه فوق مستوى الاضطرار للعمل، مانحة إياه وقت الفراغ، والبهجة والطاقة.
نحن نجد كل هذه العناصر مجتمعه فى المدن التجارية الكبرى فقط مع حرف يدوية قوية وقديمة . حازت فنون الحفر ذروة تطورها على أساس نظام حرفى يدوى حيوى فى طيبة وممفيس، وفى اثينا، وفيما بعد، بدءا بالعصور الوسطى، فى فلورنسا، أنتويرب وأمستردام . لقد افتقر الإسرائيليون لهذا، وقد كان لهذا الافتقار أثرة أيضاً على دينهم.

ج - مفهوم الرب فى إسرائيل القديمة
مفاهيم الإله بين الشعوب البدائية الطبيعية غاية فى الغموض والاضطراب، وليست محددة بأية حال بدقة شديدة كما نجدها فى الميثولوجيات التى قُلِبت ظهراً لبطن من قبل الباحثين. ولم يتم تصور الآلهة المتعددة بأشكال واضحة، ولاحتى مُيزَّ الواحد منها عن الآخر بدقة، إنها غير معروفة، شخصيات غامضة، لها تأثير على الطبيعة والإنسان، تمنح السعادة أو التعاسة للأخير ولكنها بالفعل أكثر ضبابية وعدم تحدد فى صورتها فى البداية، أكثر من رؤى الأحلام.
تكمن التمييزات المحددة الوحيدة بين الآلهة المختلفة في مواطنهم. كل موضع أثار خيال الإنسان البدائى بصفة خاصة بدا له أنه موطن إله معين. الجبال العالية أو منحدر صخرى، البساتين فى المواقع الغريبة وأحياناً حتى شجرة عتيقة، الينابيع، والكهوف، تحوز هكذا نوعاً من القدسية باعتبارها بيوت الآلهة. ولكن حتى حجر تشكِّل بغرابة أو قطعة من الخشب ربما تعتبر موطن إله ، موضوعاً مقدساً، تؤمن حيازته لمن يملكونه مساعدة هذا الإله الذى يكتنفه. كل قبيلة، كل عرق حاول أن يقتنى مثل هذه الموضوعات المقدسة، مثل هذا الوثن. ويصدق هذا أيضاً على العبرانيين الذين كان مفهومهم عن الرب فى البداية على المستوى الذى ذكرناه لتونا، غاية فى البعد عن التوحيد. تبدو المعتقدات المقدسة للإسرائيليين فى البداية وكأنها لم تكن شيئا أكثر أو أقل من أوثان. بدءاً "بالصنم" teraphim (ترافيم)، الذى يسرقه يعقوب من صهره لابان، حتى تابوت العهد الذى يسكن فيه يهوه، والذى يمنح النصر والمطر والثروة لمن يعتصم به بحق. كانت الأحجار التى عبدت من قبل الفينيقيين والإسرائيليين تسمى "بيت إيل" أو بيت الله.
ليست آلهة المواضع المختلفة والأوثان متفردة فى هذه المرحلة بعد، غالباً ما لا تختلف أسمائها، على سبيل المثال، بين الإسرائيليين والفينيقيين. كثير من الآلهة كانت تسمى إيل el (الجمع إلوهيم) بينما سميت أخرى بعل (السيد) من قبل الفينيقيين. "بالرغم من أسمائها المتطابقة كانت كل هذه البعول تعتبر أصلاً أنها كائنات متميزة على نحو مطلق.وكثيراً ما لانجد طريقة أخرى لتمييزها الا بأن نضيف لأسمائها اسم المكان الذى عُبد فيه الإله المعنى" .
لم يصبح وجود تفريق أكثر تمييزاً بين الآلهة المختلفة فى الوعى الشعبى ممكناً الا بعد أن تطور فن الحفر والفن التشكيلى إلى حد القيام بتفريد وأمثلة الأشكال الإنسانية، لخلق شخصيات محددة، ذات سمات شخصية، ولكن متضمنة أيضاً، جاذبية، وجلالة، وعظمة، أو رهبة جعلتها أسمى بالنسبة لأشكال البشر العاديين. هكذا أعطى الشرك أساساً مادياً، أصبح غير المرئيين الآن مرئيين، ومن ثم بمقدورهم أن يكونوا حاضرين بنفس الطريقة فى عقول الجميع. تميزت الآن الآلهة المختلفة دوماً كل منها عن الآخر، واختفى كل الاختلاط بينها. أصبح من الممكن منذ الآن فصاعدا التمييز والتفريد من كتلة الكائنات الروحية التى لاتحصى الساكنة فى فوضى عظيمة فى ذهن الإنسان البدائى، شخصيات نوعية محددة.
نستطيع أن نتتبع بجلاء فى مصر الزيادة فى عدد الآلهة النوعية اذ تنطلق فنون الحفر والفنون التشكيلية فى تطورها. وليس من قبيل المصادفة أننا نجد أن بلاد الإغريق لم تحرز فقط أعلى تطور فى صناعات الفن وفى تصوير الكائنات الإنسانية فى الفنون التشكيلية، وانما أيضاً أقصى تفريد متعدد الجوانب ومتميز لآلهتها، وقد تحقق كلا هذين المكتسبين بشكل متزامن.
التقدم الذى حققته الأمم المتطورة صناعياً وفنياً، فى استبدال الوثن، مسكن الروح أو الإله، بصورة الإله، لم يكن قد أنجزه الإسرائيليون بسبب تخلف صناعتهم وفنهم. انتهى تطورهم فى هذا الصدد أيضاً إلى توقف عند مستوى نمط التفكير البدوى. لم يطرأ لهم أبداً أن يمثلوا آلهتهم الخاصة فى صور. فالصور الإلهية التى ألموا بها كانت صور آلهة قبائل أجنبية فقط، خاصة بالأعداء، آلهة مستوردة من الخارج أو نقلت عن نماذج أجنبية. من هنا الكراهية التى يظهرها الوطنيون لهذه الصور.
كان هذا راجعاً لتطور معاق، الذى أدى بالمثل على أى حال إلى أن ينجز الإسرائيليون بشكل أسهل الخطوة التى حررتهم من الشرك حيث أصبحوا ملمين بالتوحيد الفلسفى والأخلاقى الذى ظهر فى عدة مدن كبرى، فى ذروة الحضارة القديمة، لأسباب سبق وأن أشرنا اليها. حيثما تجذرت صورة الإله فى خيال الناس، أحرز الشرك هكذا، الذى لم يضعف بسهولة موطئ قدم ثابت. من ناحية أخرى فإن ضبابية الصورة الآلهية، وكذلك تطابق أسماء الآلهة فى أكثر المواضع تنوعاً، مهدت الطريق لجعل فكرة إله واحد شعبية، باعتبارها معارضة لمن تمثل له كل الأرواح اللامرئية الأخرى كائنات خاضعة فقط. ليس من قبيل المصادفة بأى حال أن كل الديانات التوحيدية القومية قد انبثقت عن أمم كانت لا تزال فى المرحلة الرعوية للفكر ولم تطور صناعة أو فنا ذوى أهمية: إضافة لليهود، كان هناك الفرس، وفيما بعد العرب المسلمون الذين اعتنقوا التوحيد بمجرد أن اتصلوا بحضارة مدينية أعلى. ليس الإسلام فقط بل أيضاً ديانة الزند يجب أن تعد من الديانات التوحيدية. فالأخيرة تعرف أيضاً سيداً وخالقاً واحداً للعالم، اهورامزدا. انجروماينجو (أهرمان) هو روح أدنى والى حد ما مثل الشيطان.
حقيقة أن المراحل المتأخرة تستوعب التقدم في داخلها على نحو أكثر سهولة وتطوره قياساً بتلك المراحل الأكثر تقدما، ربما تبدو متناقضة ظاهرياً، ولكنها حقيقة لدينا دليل عليها حتى فى تطور العضويات الفيزيائية. كثيرا ماتكون الأشكال عالية التطور اقل قابلية للتكيف وتهلك على نحو أكثر سهولة، بينما الأشكال الأدنى، التى تكون أعضاءها أقل تخصصاً قد تكون قادرة على أن تكيف نفسها بسهولة أكثر للظروف المتغيرة، وهى من ثم فى وضع افضل لأن تدفع أبعد مجرى التطور.
ولكن تطور أعضاء الإنسان ليس (تطوراً) غير واع فحسب، فإضافة إلى أعضاءه البدنية يطور الإنسان بوعى (أعضاء) اصطناعية أخرى، قد يتعلم إنشاءها من الآخرين. بمقدار ما يتعلق الأمر بهذه الأشكال الاصطناعية، فإن أشخاصا مفردين أو مجموعات قد تتخطى من ثم مراحل كاملة من التطور، ولكن بالطبع بعد أن يكون قد تم الوصول إلى المراحل الأعلى قبل ذلك بواسطة الآخرين التى اكتسبوها منهم فقط. انها مسألة معرفة عامة، على سبيل المثال، الإضاءة الكهربائية قد أدخلت على نحو أكثر سرعة فى كثير من القرى الفلاحية منها فى المدن الكبرى، التى كانت قد استثمرت بالفعل كميات كبيرة من رأس المال فى الإضاءة الغازية. يمكن للقرية الفلاحية أن تقوم بالقفزة من مصباح البترول إلى الإضاءة الكهربائية بتخطى مرحلة الإضاءة بالغاز، ولكن هذا بات ممكنا فقط بواسطة حقيقة أن التقدم التقنى فى المدن الكبرى قد امتلك القدرة على إنتاج الضوء الكهربائى بالفعل. لم تكن القرية الفلاحية لتطور هذه المعرفة لحسابها الخاص. وهكذا قبلت جماهير اليهود والفرس التوحيد بسهولة أكثر مما قبلته جماهير المصريين، والبابليين والهيلينيين، ولكن فكرة التوحيد كان يجب أن تنشأ أولاً على يد فلاسفة هذه الأمم الحضارية رفيعة التقدم.
ولكن الفترة التى نعالجها الآن، أى فتره ما قبل المنفى، لم تبلغ مرحلة التوحيد بعد. مازال هناك عالم بدائى من الآلهة سائداً.

د - التجارة والفلسفة
تُطور التجارة خواص عقلية مختلفة عن ما تطوره الحرف اليدوية والفن. فى نقده الاقتصاد السياسى وفى أعقاب ذلك فى رأس المال، يشير كارل ماركس للطابع المزدوج للعمل كما يتمثل فى السلع. كل سلعة هى مادة استهلاك ومادة تبادل، ومن ثم يمكن للعمل المتضمن فيها ان يعتبر كنمط نوعى خاص من العمل - مثل عمل النسيج، أو صنع الأوانى، أو الحدادة - وكعمل إنسانى مجرد بصفة عامة فى آن معاً.
النشاط الإنتاجى النوعى الذى ينتج مواداً معينة للاستهلاك مثير لاهتمام المستهلك الذى يتطلب مثل هذه القيم الاستهلاكية النوعية بصفة خاصة. اذ يحتاج إلى قماش، فانه يهتم بالعمل المبذول فى إنتاج هذا القماش لسبب بسيط هو أنه هذا العمل النوعى المنتج للقماش. ولكن بالنسبة لمنتجى السلع أيضاً - يعنى كقاعدة، فى مرحلة التطور التى نعالجها الآن، فهم ليسوا بعد عمالاً مأجورين، وانما فلاحون مستقلون، حرفيون، فنانون، أو عبيدهم - العمل هام فقط باعتباره النشاط النوعى، الذى يُمكِّن المُنتِج من ان ينتج منتجات نوعية.
ولكن موقف التاجر مختلف. يكمن نشاطه فى شراء السلع رخيصة وبيعها غالية. أى تنويعه معينة من السلع يشتريها أو يبيعها غير ذات أهمية بالنسبة له فى التحليل الأخير، شرط ان يجد مشترياً فقط. مما لاشك فيه، انه مهتم بكمية العمل الضرورى اجتماعياً، لإنتاج السلع التي يتعامل فيها، في كل من موضعي الشراء والبيع، لأن هذا العنصر له تأثير فى تحديد أسعارها. ولكنه مهتم بهذا العمل فقط باعتباره عملاً إنسانياً عاماً يضفى القيمة على السلع، تجريدياً، ليس بوصفه عملاً عينياً، منتجاً قيماً استهلاكية نوعية. لايفكر التاجر بالطبع فى الأمر بكثير من الكلمات، فقد استغرق الإنسان وقتاً طويلاً حتى يُكشف تحديد القيمة بواسطة العمل الإنسانى العام. وفى الحقيقة، لقد تطلب الأمر عبقرية كارل ماركس، فى مرحلة عالية التطور فى إنتاج السلع، لتحليل هذا الشرط بشكل كامل. ولكن حتى قبله بآلاف الأعوام، يحوز العمل الإنسانى العام المجرد تعبيراً ملموساً باعتباره متعارضاً مع الأشكال العينية للعمل، لرصد ما ليست ادنى قوة للتجريد ضرورية لإدراكه، أى، فى النقود .
النقود هى ممثل العمل الإنسانى العام المتضمن فى كل سلعة، انها لاتمثل نوعاً خصوصياً من العمل، ليس عمل النساج أو الفخارى او الحداد، إنما أى عمل، كل عمل، اليوم نوع معين، غدا آخر. ولكن التاجر مهتم بالسلعة فقط باعتبارها تمثل نقوداً، وليس بفائدتها النوعية، وإنما ثمنها النوعى.
المُنتِج – سواء كان فلاحاً، حرفياً، فناناً - مهتم بالطابع الخاص لعمله، بخصوصية المادة التى سوف يعالجها، وسوف يزيد إنتاجية عمله أكثر، كلما أصبح أكثر تخصصا فيه. يقيده عمله النوعى، على أى حال، بمكان معين، بأرضه أو ورشته. ومن ثم فإن الحد الخاص للعمل الذى هو منخرط فيه سوف ينتج حدا عقلياً معيناً أعطاه الإغريق اسم banausia (مشتق من banausos، الحرفى ). يقول سقراط فى القرن الخامس قبل عصرنا: "رغم ان الحدادين، والنجارين، وصانعى الأحذية قد يكونون ماهرين فى اختصاصهم، فإن أغلبهم نفوس وضيعة، لايعرفون ماهو الجميل والخير والعادل". وقد عبر اليهودى عيسى سيراخ حوالى عام 200 ق.م عن نفس الفكرة . يقول رغم أن الحرف اليدوية قد تكون نافعة، فإن الحرفى مع ذلك لانفع فيه فى السياسة، وفى القانون وفى نشر الثقافة الأخلاقية.
الآلة فقط سوف تجعل من الممكن إزالة هذا الحد العقلى بالنسبة لجماهير العمال، ولكن إزالة نمط الإنتاج الرأسمالى فقط هى التى تخلق الشروط التى يمكن للآلة فى ظلها أن تنجز بأكثر الطرق كمالاً مهمتها العظيمة فى تحرير الجماهير العاملة.
أنشطة التاجر لها تأثير مختلف تماماً عليه أكثر مما(لأنشطة) الحرفى. فليس بمقدوره أن يكتفى بمعرفة فرع خاص من الإنتاج فى إقليم معين، فكلما توسع اهتمامه لأبعد، وشمل فروعا للإنتاج أكثر، وأقاليم أكثر، بشروطها النوعية للإنتاج ومتطلباتها النوعية، كلما سيكون قادراً على نحو أفضل أن يختار تلك السلع التى يكون بيعها فى الوقت الحاضر الأكثر ربحاً، وتلك الأسواق، التى يمكن ان يشترى منها بأقصى ربحية وكذلك التى يستطيع ان يقوم فيها بأكثر المبيعات ربحاً. ولكن رغم القيمة الكبيرة للمنتجات والأسواق التى هو معنى بها، فإنه مهتم فى التحليل الأخير بشروط الثمن، بمعنى آخر، بشروط الكميات المتنوعة للعمل الإنسانى المجرد، أي، بالعلاقات العددية المجردة. كلما تتطور التجارة أكثر فأكثر، كلما انفصل الشراء والبيع أكثر عن بعضهما فى المكان والزمان، وكلما اختلفت أكثر أوضاع النقود التى يجب ان يتعامل بها التاجر، وكلما أصبح الاختلاف أعظم بين زمن الشراء والدفع، وكلما كانت مرحلة تطور نظام الائتمان ودفع الفوائد أكثر تقدما، كلما تصبح هذه العلاقات العددية بالفعل أكثر تعقيداً وتنوعاً. وهكذا لابد أن تحفز التجارة التفكير الرياضى، وفى نفس الوقت التفكير المجرد. ولكن بينما توسع التجارة فى نفس الوقت الأفق ماوراء الحدود المحلية والمهنية، مانحة التاجر معرفة بأكثر المناخات والترب تنوعاً، وأكثر مراحل تطور الحضارة وأنماط الإنتاج تبايناً، فانها تحفزه على أن يقيم المقارنات، وتمكنه من اكتشاف العنصر العام فى جملة التفصيلات الخاصة، العنصر الضرورى فى جملة العوارض، العنصر المتكرر الذى سوف ينتج مرة بعد أخرى من شروط معينة. تطورت قوة التجريد فيما يتصل بذلك لحد هائل، وكذلك بواسطة التفكير الرياضى، بينما تُطَور الحرف اليدوية بالأحرى الحس بالعينى، وكذلك أيضاً لسطح بالأحرى منها لجوهر الأشياء. ليست الأنشطة "الإنتاجية"، الزراعة والحرف اليدوية، وإنما التجارة "غير المنتجة"، هي التى تطور مثل هذه الخواص العقلية التى تكمن فى أساس الدراسة العلمية.
ولكن هذا لايعنى أن التجارة تخلق من ذاتها مثل هذا البحث العلمى. الفكر النزيه، البحث عن الحقيقة، وليس للنفع الشخصى - هذا تحديداً ما يفتقر التاجر إليه بشدة. يعيش الفلاح وكذلك الحرفى من عمل أيديهما فقط. للثروة المتاحة لهما حدود غاية فى التحدد، ولكن ضمن هذه الحدود من المؤكد انه يمكن ان يحصل عليها أى فرد متوسط معافى، مالم تقوض وتفقر الحرب أو قوى طبيعية عاتية الجماعة بكاملها. أن تكون هناك طموحات تبدو أعلى من المتوسط فى مثل هذه الظروف ليست ضرورية ولا واعدة. تتميز هذه الحرف من ثم بقبول مبتهج لمكانتها الموروثة، طالما أن رأس المال، عادة فى شكل رأس مال ربوى، لايقهرها ويضطهدها هو أو من يحكمونها.
ولكن التجارة، بتوظيفها العمل الإنسانى العام، تنطلق على نحو مختلف تماماً عن الحرف اليدوية، بعملها العينى المفيد. إن نجاح الأخيرة محدود بصرامة بقدرة الفرد، نجاح التجارة لايعرف حدوداً. يجد الربح فى التجارة حدوده فقط فى كمية النقود، في رأس المال، الذى يملكه التاجر، وقد تزداد هذه الكمية إلى مالانهاية. من ناحية أخرى تتعرض هذه التجارة لتقلبات أعظم مدى ومخاطر أكثر من الرتابة الثابتة فى عمل الفلاح الحرفى فى إنتاج السلع البسيط. يتأرجح التاجر بشكل دائم بين طرفى الثروة المترفة والخراب الكلى. تثار الرغبة فى الكسب فى مثل هذه الحالات على نحو أكثر فعالية منها بين الطبقات المنتجة. يتميز التاجر بجشع ونهم، وكذلك أيضاً بأكثر القساوات وحشية، تجاه كل من منافسيه واتجاه موضوعات استغلاله. حتى هذا اليوم فإن الوضع واضح باشمئزاز بالنسبة لهؤلاء الذين يعيشون من عملهم الخاص، فى كل الأماكن حيث لايواجه الميل الاستغلالى لرأس المال مقاومة نشيطة، وذلك على سبيل المثال، فى المستعمرات.
ليس هذا نمطاً للتفكير يشجع على دراسة نزيهة، علمية. تُطور التجارة القدرة الضرورية لهذا الغرض، ولكن ليس تطبيقها للأغراض العلمية. على النقيض من ذلك، حين تؤمن التجارة نفوذا على التعليم، يتقوم تأثيرها فى اتجاه تكييف نتائج التعليم من اجل أغراض خاصة فقط، الذى يقدم له تعليمنا البورجوازى الراهن أمثلة عدة.
يمكن أن يتطور الفكر العلمى فقط فى طبقة منحت كل المواهب، الخبرات والمعرفة المتضمنة فى التجارة، وكذلك أيضاً المتحررة من ضرورة كسب العيش، ومن ثم تملك وقت الفراغ الضرورى، الفرصة، والمتعة فى البحث النزيه، فى حل المشاكل دون النظر لنتاجها المباشر، العملى، والشخصى. تطورت الفلسفة فقط فى المراكز التجارية الكبرى، وفقط فى تلك المراكز التى كانت فيها عناصر أخرى فضلاً عن التجارة حاضرة، التى أعطتها ثروتها أو مركزها الاجتماعى وقت الفراغ والحرية. فى عدد من المدن الإغريقية كان هؤلاء هم الملاك العقاريون الكبار، الذين حررهم عبيدهم من الحاجة إلى العمل، والذين لم يعيشوا فى الريف، وإنما فى المدينة، الذين لم يكونوا محدودين بالشجاعة البدنية الفظة للمالك الريفي، ولذلك كانوا معرضون أيضاً لتأثيرات المدينة وللتجارة واسعة النطاق.
مثل هذه الطبقة من كبار الملاك العقاريين، تحيا وتتفلسف فى المدن، يبدو أنها ظهرت فقط فى المدن البحرية التى كانت مناطقها الداخلية كبيرة بما يكفي تماماً لتنتج نبالة ريف كهذه، ولكن لم تكن كبيرة بما يكفى لأن تبتعد الأخيرة عن المدينة وأن تحول انتباهها لتوسيع ملكيتها فى الأرض. توجد هذه الأوضاع بصفة خاصة فى مدن الموانئ الإغريقية. ولكن كانت المناطق الداخلية لمدن الموانئ الفينيقية غاية فى الضآلة لتنتج مثل هذه الملكيات العقارية الكبيرة. عاش كل واحد فى هذه الجماعات بواسطة التجارة.
من ناحية أخرى، فى تلك المدن، التى كانت محاطة بنطاق أرضى كبير، بدا أن كبار الملاك العقاريين قد بقوا أكثر تحت تأثير حياة الريف، وأنهم طوروا بالأحرى نمط تفكير المالك الريفى فى المراكز التجارية الكبيرة لآسيا الوسطى، وتمتع كهنة الأماكن المختلفة للعبادة بأعظم درجة من التحرر من العمل، واقل تعرض لمتطلبات الأعمال العملية. ليس قلة من هذه الأماكن أصبحت هامة وثرية بما يكفى لتكون قادرة على أن تعول بشكل دائم عددا من الكهنة كان مطلوبا منهم عمل قليل. كانت نفس المهمة الاجتماعية التى وقعت على عاتق الارستقراطية فى مدن اليونان البحرية من نصيب الكهنة فى أماكن العبادة فى المراكز التجارية الكبرى للقارة الشرقية، خاصة مصر وبابل، أى تطور التفكير العلمى، والفلسفة، ولكن هذا الوضع فرض حداً على التفكير الشرقى بقى التفكير الإغريقى متحرراً منه: الارتباط والمرجعية للعبادة الدينية. كانت خسارة الفلسفة كسباً للدين، وكسباً للكهنة. بينما الكهنة اليونانيون مرافقون بسطاء للعبادة، حراساً لأماكن العبادة والقائمين على الشعائر الدينية فيها، أصبحوا فى المراكز التجارية الكبرى فى الشرق حفاظاً وقائمين على كل المعرفة العلمية، وكذلك الاجتماعية: الرياضيات، علم الفلك، الطب، التاريخ، الشريعة. تزايد تأثيرهم من ثم على الدولة والمجتمع إلى حد ضخم. وقد تمكن الدين ذاته فى هذه الأقاليم من أن يحقق سلطة روحية لم تكن الميثولوجيا اليونانية قادرة على مثلها، حيث سرعان مارفضت الفلسفة الهيلينية الميثولوجيا. ولم تقم بمحاولة لأن تصبغ مفاهيمها الساذجة بمعرفة أكثر عمقاً، أو أن تؤلف بها بين الاثنين.
من المحتمل أن ديانة بلاد الإغريق القديمة قد تلقت قوتها الحسية، وطابعها الفنى الفرح بسبب السمو الذى بلغته الفنون، وكذلك بسبب حقيقة أن فلسفتها ابتعدت عن الكهنة. من ناحية أخرى، فى إقليم ذو تجارة دولية نشيطة، ولكن لايملك الفنون، بدون ارستقراطية دنيوية لديها ميول ثقافية وحاجات، ولكن ذو كهانة متطورة تماماً، ديانة تثمر تطوراً باكراً للشرك، ذات شخصيات إلهية قاطعة التحدد، سوف تتخذ بسهولة أكثر طابعاً روحياً مجرداً، بينما يمكن للإله أن يتغير بسهولة أكثر من شخصية إلى فكرة أو مفهوم.

هـ - التجارة والقومية
للتجارة أثر آخر على الفكر الإنسانى بالإضافة إلى ماحللناه لتونا. إنها حافز ضخم للشعور القومى. لقد ذكرنا سلفا حدود الافق الفلاحى والبورجوازى باعتبارهما متعارضين مع الأفق الواسع للتاجر. يكتسب الأخير هذا الافق الواسع بسبب حقيقة أن طموحاته تتزايد على الدوام، تنقله من المكان الذى وضعته فيه واقعة ميلاده. لقد بدا هذا أكثر وضوحاً فى حالة الأمم البحرية، وجد فى الأزمنة القديمة الفينيقيون والإغريق، يغامر الأولون ماوراء البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلنطى، ويكتشف الأخيرون البحر الأسود. لم تسمح التجارة عبر البر بمثل هذه الحملات التوسعية. وقد استلزمت التجارة البحرية درجة عالية من المهارة، خاصة فى بناء السفن، وقد جرت التجارة بين أمم عظمى وصغرى، حيث أخضع الأخيرون بسهولة، مما أدى إلى تأسيس مستعمرات من قبل الشعوب التجارية. كانت التجارة عبر البر هى الأبكر. وأدارتها على نحو غاية فى البساطة (القبائل) الرعوية التى زارت القبائل الأعلى تطوراً بكثير، ووجدت بينها بالفعل فائض منتجات الزراعة والصناعة. لم تكن هناك إمكانية فى حالات كهذه لتأسيس مستعمرات بواسطة الحملات المعزولة. ربما يتحد عدد من القبائل الرعوية عرضاً من اجل أن ينهبوا أو يخربوا البلدان الأكثر ثراءاً وتطوراً، ولكن حتى آنئذ فإنهم لم يأتوا كمستعمرين، باعتبارهم حملة حضارة أعلى. ولكن مثل هذه الاتحادات للقبائل الرعوية قد تحققت على نحو غاية فى الندرة، وعندئذ فى ظل ظروف استثنائية فقط، ما دامت الطبيعة الخاصة لتربية الماشية الرعوى تعزل القبائل المختلفة والأشخاص gentes، حتى الأسر، كل منها عن الأخرى مفرقة إياهم فوق مساحات شاسعة . يمكن للتجار الذين ينتمون لهذه القبائل كقاعدة أن ينفذوا داخل الجماعة الغنية والقوية التى كانوا يتاجرون معها فقط باعتبارهم مستجيرين جرى التسامح معهم.
هذا حقيقى أيضاً فيما يتعلق بالتجار الذين ينتمون للقبائل الصغيرة الذين استقروا فى معبر الأمم بين مصر وسوريا. أسست هذه القبائل أيضاً مثل الفينيقيين والأغارقة مستوطنات فى البلدان التى كانت تتاجر معها، من بابل حتى مصر ولكنهم لم يكونوا مستعمرين بالمعنى الدقيق للكلمة، ليست مدناً قوية، ليست أدوات للتحكم واستغلال البرابرة من قبل أمة متحضرة، ولكن جماعات ضعيفة من المستجيرين، محاطة بمدن قوية غاية فى التحضر. لقد كان في غاية الضرورة لأعضاء هذه الجماعات أن يبقوا ملتحمين معاً في مواجهة الغرباء الذين عاشوا بينهم، لذا أصبحت رغبتهم أقوى فى تأمين القوة والمكانة لأمتهم، لأن سلامتهم الخاصة ومكانتهم وسط الغرباء ومن ثم أيضاً ظروف نشاطهم التجارى تعتمد على مثل هذا الاعتراف.
فى كل مكان، حتى فى القرن التاسع عشر، كما سبق وان أشرت فى كتابى عن توماس مور فإن طبقة التجار هى القسم الأكثر أممية والأكثر قومية فى المجتمع فى آن معاً. ولكن فى حالة التجار الذين ينتمون إلى الأعراق الصغيرة الذين كانوا معرضين بدون دفاع لكثير من سوء المعاملة فى الخارج تزايد هذا الشعور القومى، هذا التوق لتلاحم قومى ومكانة قومية، وكذلك زادت كراهيتهم للأجانب بالضرورة على نحو أكثر قوة.
هكذا كان حال التجار الإسرائيليين. من المحتمل أن الإسرائيليين ذهبوا لمصر بالأحرى باكراً فى تاريخهم، ربما حينما كانوا رعاة ماشية متجولون فحسب، قبل أن يصبحوا سكاناً دائمين فى كنعان بزمن طويل. لدينا أدلة تتعلق بمهاجرين كنعانيين إلى مصر تعود لتاريخ مبكر للغاية، ربما تعود إلى الألف الثالثة قبل المسيح. يقول ادوارد ماير حول هذا الموضوع: "إن رسما شهيرا فى مقبرة امنحوتب، فى بنى حسن يظهر لنا أسرة بدوية تتكون من 37 شخصا، يقودهم رئيسهم الباشا، راحلون نحو مصر فى السنة السادسة من حكم سنوسرت usertesen الثالث . ويسمون عامو amu، التى تعنى الكنعانيين، وملامح وجوههم تعينهم بوضوح باعتبارهم ساميين. وهم يرتدون حللا متعددة الألوان كانت مألوفة فى آسيا منذ أقدم الأزمنة، ومسلحون بالأقواس والرماح ويقودون بغالاً وماعزاً معهم، واحد منهم قادر أيضاً على أن يلعب على القيثارة، وقد أتوا وفي حيازتهم المادة الثمينة meszemut، لصبغ حواجبهم. وهم الآن يطلبون الدخول وفى هذا الصدد يتقدمون إلى كونت مينا تخوفوmenatchufu ، امنحوتب، الذى تخضع له أراضى الجبال. يقدمهم الكاتب الملكى نفرحوتب للأخير من اجل بعث رسالة رسمية ولتقديم تقرير إلى الملك. مناظر أخرى مثل تلك التى رسمت هنا ربما تكون غالباً قد حدثت والتجار والحرفيين الكنعانيين بلا ريب استقروا فى المدن الشرقية للدلتا بأعداد كبيرة، حيث ستكون لدينا الفرصة أن نجدهم ثانية. وبالعكس كثيراً ما أتى التجار المصريون بالتأكيد إلى المدن السورية. بالرغم من أن التجارة المصرية كان عليها أن تمر خلال أيدى كثير من الوسطاء، فمن المحتمل جداً أنها قد امتدت بعيداً إلى بابل حتى فى هذه الفترة الباكرة.
بعد بضعة قرون من هذا الوقت، حوالى العام 1800 ق.م، فى الوقت الذى كان يتحلل فيه المجتمع المصرى، غزا الهكسوس مصر الشمالية، وهي القبائل الكنعانية المتجولة بلا شك، التى أغواها ومكنها ضعف الحكومة المصرية من أن تغزو أراضى النيل الغنية، حيث بقوا لأكثر من قرنين. تكمن أهمية حكم الهكسوس فى تاريخ العالم فى حقيقة أنهم كانوا من أسس الرابطة النشطة التى لم تنقطع بين مصر والمقاطعات السورية منذ آنذاك. أتى التجار والحرفيون الكنعانيون إلى مصر بأعداد كبيرة، ونصادف الأسماء الأولى الكنعانية وأشكال العبادة من ثم فى الإمبراطورية الجديدة، بدأت الكلمات الكنعانية تتسلل إلى اللغة المصرية. يتبين لنا كيف كان هذا الاتصال نشطاً من خلال كشفنا لمؤلف طبي كُتب حوالى عام 1550 ق.م يحتوى على وصفة للعيون كتبه عامو من كبنىamu from kepni، وأغلب الاحتمال أنها المدينة الفينيقية بيبلوس .
ليس لدينا سبب لنفترض أن العامو، البدو الساميين وسكان المدن فى الشرق والشمال الشرقى من مصر، الذين ذهبوا إلى مصر، لم يشتملوا أيضاً على العبرانيين، بالرغم من أن الأخيرين لم يسموا تعييناً. من ناحية أخرى، فإنه من الصعب أن نحدد اليوم ما يمكن أن نعده النواة التاريخية فى خرافات يوسف، وإقامة العبرانيين فى مصر، وخروجهم بقيادة موسى. أن نفترض أنهم هم الهكسوس، كما يفعل يوسيفوس، ليس محتملاً. ولكن يبدو الكثير مؤكدا، أنه ليس كل إسرائيل، وإنما أسراً معينة وقوافل العبرانيين أتت إلى مصر فى تاريخ مبكر، حيث عوملوا، اعتماداً على الظروف المتنوعة للأحوال فى البلد، بشكل ملائم بهذا القدر أو ذاك، فحيناً يستقبلون بأذرع مفتوحة، وبعدئذ يعذبوا ويطردوا باعتبارهم أجانب "غير مرغوب فيهم" .
هذا هو النصيب النموذجى لمستوطنات التجار الأجانب هذه، الآتية من قبائل ضعيفة، بعد استقرارهم فى الإمبراطوريات القوية. الـ "شتات"diaspora، أي تبدد اليهود عبر العالم لايبدأ بالتأكيد متأخراً مع تدمير أورشليم من قبل الرومان، ولا مع المنفى البابلى، وإنما أبكر كثيراً، إنه نتيجة طبيعية للتجارة، وهي ظاهرة اشترك فيها اليهود مع أغلب الشعوب التجارية. ولكن لاينبغى أن ننسى أن الزراعة، كما فى حالة معظم هذه القبائل، بقيت المصدر الرئيسى للعيش، وللإسرائيليين أيضاً حتى زمن نفيهم. شكلت التجارة سابقاً هواية فقط لمربى الماشية الرعويين. بعد أن استقروا وأدخل تقسيم للعمل، وأصبح التاجر المرتحل متميزاً عن الفلاح، الذى عاش على الأرض، بقى عدد التجار صغيراً نسبياً، حيث يحدد الفلاح طابع الشعب. وكان عدد الإسرائيليين الذين عاشوا فى الخارج قليلاً على أى حال بالمقارنة مع هؤلاء الذين بقوا فى الوطن. لم يكن العبرانيون مختلفين عن الشعوب الأخرى فى هذا الصدد.
ولكنهم كانوا يعيشون فى ظروف سببت كراهية نحو الغرباء، والشعور القومى القوى، حتى الحساسية القومية، التى حُفزت فى التاجر، قد انتقلت إلى جسم السكان أكثر مما هو الحال عادة بين الشعوب الفلاحية.
و - كنعان ، معبر الأمم
لقد رأينا كيف كانت عظيمة أهمية فلسطين فى التجارة بين مصر، وبابل وسوريا. ومنذ وقت لا تعيه الذاكرة جهدت هذه الدول لامتلاك هذا البلد.
تطورت روح حربية فى مصر فى الصراع ضد الهكسوس، الذين ذكروا سلفاً (حوالى 1800 ق.م إلى 1530 ق.م)، ولكن طور الهكسوس فى نفس الوقت التجارة كثيراً بين مصر وسوريا. ظهرت من ثم بعد طرد الهكسوس الرغبة فى التوسع الحربى بين المصريين، خاصة بغرض التحكم فى الطريق التجارى إلى بابل. لقد تقدموا نحو الفرات واحتلوا فلسطين وسوريا. وقد أجبروهم الشيتا على التقهقر من البلد الأخير cheta، ولكن بقوا فى فلسطين (لفترة) أٍطول من القرن الخامس عشر حتى الثانى عشر ق.م. سيطروا أيضاً على عدد من المعاقل هناك، وكانت أورشليم من بينها. لكن تدهورت فى النهاية القوة الحربية المصرية، وبدءاً من القرن الثانى عشر، لم تعد مصر قادرة على الاحتفاظ بفلسطين وبالمثل. أضعف الشيتيون cheitites السوريين فى نفس الوقت بسبب الانتشار الأولى للأشوريين، ومُنعوا من النفاذ أبعد نحو الجنوب.
هُجر الحكم الأجنبى فى فلسطين هكذا لبعض الوقت. وكانت هذه هى الفرصة التي سنحت لمجموعة من القبائل البدوية، تحت الاسم العام للإسرائيليين، لأن تدخل البلد كغزاة لتحتله تدريجياً. لم يكونوا قد أكملوا هذه العملية تماماً بعد، وكانوا مازالوا منخرطين فى نزاع نشيط مع سكان البلد السابقين، حين نهض أعداء جدد ليواجهونهم فى شكل قبائل بدوية أخرى كانت تدفعهم نحو "الأرض الموعودة". واجهوا فى نفس الوقت على أية حال، على خطهم الأمامى عدوا فى شكل سكان الأودية التى تفصل بلد الجبل الواقع تحت سيطرة الإسرائيليين عن البحر. كان هؤلاء هم الفلستينيين. لابد أن الأخيرين قد شعروا بالتهديد بجدية بسبب تقدم شعب شديد العدوانية كالإسرائيليين. من ناحية أخرى فإن سهل الساحل لابد وأن كان مغرياً بصفة خاصة فى عيون الإسرائيليين، حيث مر عبر هذا السهل الطريق الرئيسى الذى يربط مصر بالشمال. ومن تحكم فى هذا الطريق تحكم فى نفس الوقت من ثم فى كل تجارة مصر الأجنبية مع الشمال والشرق. كانت التجارة البحرية لمصر فى البحر الأبيض المتوسط فى هذا الوقت ضئيلة الأهمية للغاية. ولكن إذ ظهر أن سكان هذه التلال التى طوقت السهل شعب مقاتل وسلاب، فلا بد أن يبقى ذلك بالضرورة تهديداً دائماً للتجارة من وإلى مصر، وللثراء الناجم عن تلك التجارة. وقد كانوا مقاتلون وسلابين. رُوى لنا مرارا عن تشكيل عصابات اللصوص فى إسرائيل، على سبيل المثال، يفتاح، الذى حوله: "اجتمع رجال بطالون وكانوا يخرجون معه" (قضاة،3،3). ونسمع أيضاً عن غزوات عصابات داخل بلد الفلستينيين. وهكذا فنحن نقرأ فيما يتعلق بشمشون أن "وحل عليه روح الرب فنزل إلى اشقلون وقتل منهم ثلاثين رجلاً وأخذ سلبهم وأعطى الحلل لمظهرى الأحجية" (قضاة 41، 91) الذى يعنى أنه كان يسرقهم من أجل أن يدفع ديناً. داود يصور فى بداياته أيضاً بوصفه قائداً لمجموعة لصوص "واجتمع إليه كل رجل متضايق وكل من عليه دين وكل رجل مر النفس فكان عليهم رئيساً وكان معه نحو أربع مئة رجل". (صموئيل الأول، 22 /2)
ليس هناك مايدعو للتعجب من وضع كهذا حيث ساد عداء دائم بين الفيلستينيين والإسرائيليين، انتهاءاً إلى أن الأولين قد بذلوا كل جهد للقضاء على جيرانهم المزعجين. مضغوطين من جانب من قبل البدو، ومن جانب آخر من قبل الفيلستينيين أكرهت إسرائيل على أن تكون في وضع من التبعية والخطر. لقد خضعت للفيلستينيين باستعداد أكبر مادام إقليم الجبل الذي سكنوه شجع تكوين روح محلية ذات خصوصية، وانقسام للعشائر، بينما كانت السهول على الأرجح تلائم توحيد القبائل والجماعات المتنوعة الخاصة بالفيلستينيين لأجل عملية عظيمة مفردة. حينما نجحت مملكة داود العسكرية القوية فقط فى صهر مختلف قبائل إسرائيل فى وحدة صلبة كفت إسرائيل عن أن تُضطهد.
أطيح بالفيلستينيين الآن، وهزمت آخر المدن المحصنة فى نجد كنعان، التى كانت ماتزال تقاوم الإسرائيليين، بما فيها أورشليم، ذات الموقع الجيد الاستثنائي، بقعة منيعة تقريباً. التى قامت بأطول مقاومة للإسرائيليين، والتى تحكمت فى كل الطرق الداخلية لفلسطين من الجنوب. وقد أصبحت عاصمة المملكة ومرتكز الوثن الاتحادى، تابوت العهد، الذى سكن فيه إله الحرب يهوه.
سيطر داود الآن على مجمل التجارة التى تمر بين مصر والشمال، وقد درت عليه هذه التجارة غنيمة غنية، مكنته من زيادة موارده الحربية وتوسيع حدود دولته باتجاه الشمال وباتجاه الجنوب، حيث أخضع القبائل اللصوصية بعيداً حتى البحر الأحمر، وجعل طرق التجارة آمنة إلى هذا البحر، بمساعدة الفينيقيين، لأن الإسرائيليين لم يكونوا ذوى معرفة بالإبحار، بدأ يواصل التجارة على البحر الأحمر، التى كانت قد مرت سابقاً بقرب الطريق البرى من العربية الجنوبية (سبأ) تجاه الشمال. لقد كان العصر الذهبى لإسرائيل، التى كان بمستطاعها، بسبب موقعها المهيمن على واحد من أكثر الطرق التجارية أهمية لهذا العصر، أن تحقق درجة مفسدة من القوة والثروة.
ومع ذلك فإن هذا الموقع المواتى تحديداً كان مقدراً له أن يسبب خرابها. لأن الأهمية الاقتصادية لهذا الموضع لم تكن سراً بالنسبة للدول الكبرى المجاورة. كلما ازدهر البلد فى ظل داود وسليمان، كلما أثار بالضرورة جشع جيرانه الأقوياء، الذين كانت قوتهم الحربية تتحسن مرة أخرى فى هذا الوقت تماماً، خاصة فى مصر بسبب حقيقة أن الميليشيا الفلاحية كانت تستبدل بالمرتزقة الذين يمكن استخدامهم بسهولة أكثر فى الحروب العدوانية، ومما لا ريب فيه، لم تكن لدى مصر قوة كافية لغزو فلسطين بشكل دائم. ولكن الأمر الأكثر سوءاً بالنسبة لإسرائيل هو أنه بدلاً من أن توضع فى حالة اعتماد دائم على أمة كبرى، تمنحها قوتها على الأقل السلام والحماية ضد الأعداء الخارجيين، فقد أصبحت كرة اللعب للمتنافسين المصريين والسوريين وفيما بعد الأشوريين أيضاً، وشكلت فلسطين مسرح الحرب التى حوربت عليها معارك هذه القوى المتعادية. إضافة إلى دمار الحروب التى كان عليها أن تحاربها دفاعاً عن مصالحها الخاصة، كان هناك الآن أيضاً دمار الجيوش الكبيرة التى كانت تتصارع هناك من أجل مصالح غريبة تماماً عن سكان البلد، ولم تخف أعباء الجزية الإلزامية والتبعية، التى فُرضت على الإسرائيليين من وقت لآخر، بسبب حقيقة أن الأعباء لم تكن مفروضة دائماً من قبل نفس السادة، وأن السادة كانوا يتغيرون دوماً وفقاً لحظوظ الحرب المتغيرة، وأن كل سيد اعتبر حيازته قصيرة وأنها يجب أن تُستغل حتى الحد الأقصى على الفور.
كانت فلسطين فى هذا الوقت فى مركز مشابه إلى حد ما لمركز بولندا فى القرن الثامن عشر أو إيطاليا، خاصة إيطاليا الشمالية، من العصور الوسطى حتى القرن التاسع عشر. إيطاليا وبولندا فى هذين الموضعين الأخيرين، مثل فلسطين فى زمن أبكر، وجدتا نفسيهما غير قادرتين على فرض سياسة من صنعهما، ومن ثم قدمتا مسرحاً للحرب وموضوعاً لاستغلال القوى الأجنبية. بولندا لها ذات العلاقة مع روسيا، والنمسا، إيطاليا مع إسبانيا وفرنسا، وكذلك مع سادة الإمبراطورية الألمانية، ولاحقا النمسا. وكما فى حالة إيطاليا وبولندا، حدث انقسام قومى فى فلسطين أيضاً ، ومن المحتمل أنه يرجع لنفس السبب: فى فلسطين، كما فى إيطاليا كانت الأجزاء المختلفة للبلد متأثرة بتنوع الأجناس المجاورة. كان الجزء الشمالى من الإقليم، الذى احتله الإسرائيليون أكثر عرضة للخطر وأيضاً كثيراً ما حكمه السوريون ولاحقاً الأشوريون. الجزء الجنوبى، بما فيه فلسطين والبلد المجاور، بمعنى آخر، على وجه التقريب إقليم سبط يهوذا، كان بالأحرى معرضاً لأن تهدده مصر أو أن يكون تابعاً لها، حسب مقتضى الحال. بدت إسرائيل بالمعنى الضيق للكلمة من ثم أحياناً وكأنها تتطلب سياسة خارجية مختلفة أكثر مما فعلت يهوذا. من المحتمل أن هذا الاختلاف فى السياسة الخارجية قد أصبح السبب الرئيسى لانقسام إسرائيل إلى مملكتين، على نقيض الوضع السابق، الذى كانت فيه السياسة الخارجية سبب وحدة الأسباط الاثنى عشر ضد العدو المشترك الوحيد الذى يهدد الجميع بشكل متساو، أى، الفيليستينيين.
ولكن أنتجت الأوضاع المماثلة لفلسطين وإيطاليا وبولندا بالضرورة تأثيرات متشابهة فى حقل آخر أيضاً: نجد فى كل هذه البلدان نفس الشوفينية القومية، نفس الحساسية القومية، نفس الكراهية للأجانب، التى هى إلى حد ما أكثر تكثيفاً من المشاعر المرتبطة التى تأتت عن التعارضات القومية عند أجناس أخرى في ذلك الزمن. لابد أن تتزايد هذه الشوفينية، حيث يستمر الوضع غير المحتمل للبلد، وخضوعه بلا توقف لنزوات جيرانه الكبار، جاعلين إياه مسرحاً للحرب من أجل غزواتهم اللصوصية.
بالنظر للأهمية التى حازها الدين فى الشرق، لأسباب جرى تعيينها قبلاً عبرت الشوفينية بالضرورة عن نفسها حتى فى الدين. أتت العلاقات التجارية النشطة مع جيرانها أيضاً بوجهات نظرهم الدينية، أشكال العبادة، والصور الإلهية إلى إسرائيل، لكن كراهية الأجانب، من ناحية أخرى، اتخذت أيضاً شكل كراهية لآلهتهم، ليس لأن وجودهم كان مشكوكاً فيه، ولكن بسبب أنهم كانوا يعتبرون مساعدين فعالين للعدو.
لا تميز هذه المسألة العبرانيون عن الشعوب الشرقية الأخرى. كان سوتيخ SUTECH الإله السلفى للهكسوس فى مصر. حين طرد الهكسوس فى النهاية، عزلوا الإله السلفى أيضاً. حيث طابقوا بينه وبين إله الظلام، ست أو سوتيخ، الذى نظر إليه المصريون بمقت.
من المحتمل أن وطنيي إسرائيل وقادتهم الأنبياء كانوا حانقين بنفس القدر على الآلهة الأجنبية مثل الوطنيين الألمان فى أيام نابليون الذين كانوا حانقين على الموضات الفرنسية والكلمات الفرنسية فى اللغة الألمانية.

ز- الصراعات الطبقية فى إسرائيل
ولكن لم يكن الوطنيون راضين بكراهية الغرباء فحسب. لقد شعروا أيضاً بأنهم ملزمين بتجديد الدولة، بتزويدها بقوة أكبر. حيث أصبح القهر أكثر حدة من الخارج، فقد تزايد التحلل الاجتماعى داخل الجماعة الإسرائيلية. أتى نمو التجارة منذ زمن داود بثروة عظيمة إلى البلاد. ولكن، كما فى كل مكان آخر فى العالم القديم بقيت الزراعة فى فلسطين أيضاً أساس المجتمع، وكانت ملكية الأرض الشكل الأكثر أمناً وشرفاً للامتلاك. وكما فى أماكن أخرى، سعت هذه العناصر التى أصبحت ثرية فى فلسطين لحيازة ملكية عقارية، أو إذا كانت تمتلكها بالفعل، أن تزيدها. هنا أيضاً نلاحظ بدايات اتجاه نحو تكوين اللاتيفونديا ( الضيعة - العزبة ). لقد جرى تشجيع هذا الاتجاه بحقيقة أن الفلاح كان "سائراً للهلاك" فى ظل الظروف الجديدة، كما هو الحال فى بلدان أخرى،. بينما كانت صراعات الإسرائيليين سابقاً مجرد ضغائن محلية صغيرة، لاتتطلب غياب جندى الميليشيا الفلاحية لوقت طويل، ولا لمسافات بعيدة من وطنه، تغير هذا الشرط بمجرد أن أصبحت إسرائيل دولة كبرى، وانخرطت فى صراعات الدول الكبرى. كانت الخدمة العسكرية الآن تدمر الفلاح وتجعله معتمداً على الجيران الأقوياء الذين امتلكوا النقود والذين واجهوه باعتبارهم مرابين، لهم سلطة طرده من أرضه أو سامحين له أن يبقى فيها كعبد مدين، لدفع ديونه. من المحتمل أن الوسائل الأخيرة هي التي فضلوها غالباً، لأننا نقرأ قليلاً عن عبيد ينتمون لأعراق أخرى فى فلسطين. إذا كان للعبيد المشترين أن يكونوا أكثر من رفاهية مكلفة للاقتصاد المنزلى الخاص، إذا كان لهم أن يصبحوا وسائل مربحه للاستثمار فى الإنتاج، فإنهم يفترضون مسبقاً بالضرورة حروب دائمة ناجحة، متيحة مادة وفيرة رخيصة من العبيد. لم تكن هناك إمكانية لهذه العملية بين الإسرائيليين. لقد انتموا فى قسمهم الأعظم لتلك القبائل التعيسة التى قدمت العبيد، ولم تصنعهم. كان ملاك اللاتيفونديا، الذين احتاجوا لأيدى عاملة رخيصة ومعتمدة، يفضلون كثيراً بالضرورة عبودية المدين من مواطنيهم، نظام يلقى فى بلدان أخرى أيضاً - على سبيل المثال فى روسيا فى الوقت الراهن ، منذ إلغاء القنانة - تحبيذا بين الملاك العقاريين الكبار المحتاجين للعبيد أو الأقنان.
حيث تنامى هذا التطور، تناقصت قوة إسرائيل العسكرية بالضرورة بالمثل مع تناقص الفلاحين الأحرار، وما ترتب على ذلك من ضعف ناجم لقدرتها على مقاومة الأعداء الخارجيين. اتحد، من ثم الوطنيون مع المصلحين الاجتماعيين والشعبيين، من أجل كبح هذا الاتجاه الكارثى. لقد دعوا الشعب والمملكة أن يكافحوا كلا من الآلهة الأجنبية، وكذلك أعداء الفلاحين فى بلدهم، وتنبأوا بدمار الدولة إذا لم يكن من الممكن وضع حد لقهر وإفقار الطبقة الفلاحية. يصرخ إشعيا "ويل للذين! يصلون بيتاً ببيت ويقرنون حقلاً بحقل حتى لم يبق موضع. فصرتم تسكنون وحدكم وسط الأرض. فى أذنى قال رب الجنود ألا أن بيوتاً كثيرة تصير خراباً (بيوتاً) كبيرة وحسنة بلا ساكن ". (الإصحاح الخامس، 8،9)
وأعلن النبى عاموس:
" اسمعى هذا القول يا بقرات باشان التى فى جبل السامرة الظالمة المساكين الساحقة البائسين القائلة لسادتها هات لنشرب. قد أقسم الرب بقدسه هو ذا أيام تأتى عليكن يأخذونكن بخزائم وذريتكن بشصوص السمك ". (الإصحاح الرابع، 1، 2).
"اسمعوا هذا أيها المتهمون المساكين لكى تبيدوا بائسى الأرض. قائلين متى يمضى رأس الشهر لنبيع قمحاً؟ والسبت لنعرض حنطة. لنصغر الأيفة ونكبر الشاقل ونعوج موازين الغش؟ لنشترى الضعفاء بفضة والبائس بنعلين ونبيع نفاية القمح ؟ قد أقسم الرب بفخر يعقوب أنى لن أنسى إلى الأبد جميع أعمالهم. أليس من أجل هذا ترتعد الأرض وينوح كل ساكن فيها؟" (عاموس، الإصحاح الثامن، 4- 8)
حقيقة أن المُلاَّك والحكام كانوا يُوظفون جهاز الحكومة لإقرار النظام الجديد للأشياء فى شكل جبايات، هو أمر واضح من العويل الذى لايتوقف للأنبياء فيما يتعلق بالشرائع القائمة: يصرخ إشعيا الفصيح "ويل للذين، يقضون أقضية البطل وللكتبة الذين يسجلون جوراً ليصدوا الضعفاء عن الحكم ويسلبوا حق بائسى شعبى، (الإصحاح العاشر، 1): صهيون تفدى بالحق، (الإصحاح الأول، 72). "حقاً أنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة" (إرميا، الإصحاح الثامن، 8). "حولتم الحق سما وثمر البر افسنتينا". (عاموس، الإصحاح السادس، 21)" .
من حسن حظ الأنبياء أنهم لم يعيشوا فى بروسيا أو ساكسونيا وإلا لما كانوا قد رأوا أبداً نهاية لمحاكمتهم بالتحريض على العنف، وإهانة الملك lese - majeste، والخيانة العظمى.
ولكن رغم أن تحريضهم كان حيوياً، وضاغطاً كما كانت الحاجات التى نبع منها، فقد كان مستحيلاً أن يلقى الأنبياء أى نجاح فى المجتمع، على الأقل نجاح دائم، رغم أنهم قد يكونوا قد نجحوا عرضاً فى فرض تشريع لتخفيف العوز أو لإزالة التضادات الاجتماعية. لقد كان بمقدورهم أن يهدفوا فقط لاستعادة السلام، وإعاقة مد التطور الاقتصادى. لقد كان مستحيلاً عمل هذا، فجهود الجراكشى gracchi المماثلة فى روما كان محكوماً عليها مقدماً بالإخفاق.
إن تدمير الفلاحين، والدولة أيضاً مع الفلاحين، كان ينطلق بلا مقاومة فى إسرائيل كما كانت الحالة فيما بعد فى روما. ولكن تدمير الدولة لم ينطلق بنفس العملية البطيئة من التحلل كما فى إمبراطورية روما العالمية. لقد أزالها فجأة الخصوم العتاة. الأرفع فى القوة، قبل أن تصل نهاية اختمارها المحلي بزمن طويل. كان هؤلاء الخصوم هم الأشوريين والبابليين.

ح - سقوط إسرائيل
تبدأ السياسة الإمبريالية للأشوريين فى الاشتغال بطريقة عظمى حوالى زمن تيغلث فلاصر (حوالى 1115 - 1050 ق.م) وبالرغم من المعوقات المؤقتة، فإنها تأتى بالجيوش الأشورية أقرب فأقرب إلى كنعان. ولكن هؤلاء الغزاة الأقوياء أتوا معهم بطريقة جديدة لمعاملة المهزومين، التى قدر أن يكون لها تأثير الكوارث على الإسرائيليين. خلال مرحلتهم الرعوية، كان مجمل الشعب مهتما بالميزة التي يحصل عليها كل منهم من الحملة العسكرية. كان مقصوداً بمثل هذه الحملة إما مجرد النهب، أو غزو بلد خصب، قد يستقر فيه المنتصرون باعتبارهم المستغلين الأرستقراطيين للسكان المحليين. ولكن فى مرحلة الزراعة المستقرة، لم يعد لدى جماهير السكان، الفلاحين والحرفيين أى اهتمام بحرب غزو لبلد خصب، ولكن اهتمامهم بأى حرب دفاعية ناجحة أصبح بالضرورة أعظم، لأنه فى مثل هذه الحرب كانوا مهددين بفقدان حرياتهم وأراضيهم حال الهزيمة. كان التجار الكبار، على أى حال، محبذون للتوسع الخارجى بالقوة، لأنهم احتاجوا الأمان لطرقهم التجارية وأسواقهم بالخارج، الأمر الذى يمكن إحرازه فى اغلب الحالات بالاحتلال العسكرى فقط على الأقل لبعض الأماكن الأجنبية. كانت نبالة الأرض متطلعة أيضاً لغزو حربى، لأنها رغبت فى أرض أكثر وعبيد جدد، وبالمثل كان الملوك محبين للحرب، متطلعين لزيادة عوائد الضرائب.
ولكن مادام لم يكن هناك جيش دائم ولا بيروقراطية يمكن أن تُنزع من الوطن وتنقل إلى أى موضع، فقد كان الاحتلال الدائم وإدارة الإقليم المغزو من قبل المنتصر يواجه بصعوبات كبرى فى هذه المرحلة الاقتصادية. ارتضى المنتصر من ثم كقاعدة بنهب شامل وإضعاف الشعب المهزوم، وبوعد من الأخير بأن يدعمه وأن يدفع جزية معينة محددة له، غير أنه ترك الطبقات الحاكمة للبلد المأسور فى مركزها الاجتماعى، دون أن يجرى أى تغييرات فى مؤسسات البلد السياسية.
تمثلت نواقص هذا الوضع فى حقيقة أن المهزوم سوف يقتنص أول فرصة تلوح ليتخلص من النير المكروه، وهكذا فسوف يكون مطلوباً حملة عسكرية جديدة لإخضاعه مجدداً، ومن الطبيعى ألا تنته مثل هذه الحملة دون إنزال أشد العقوبات تطرفاً بـ"المتمردين".
ابتكر الأشوريون طريقة وعدت بإعطاء غزواتهم دواماً أعظم: حينما واجهوا مقاومة عنيدة، أو حينما لقوا انتفاضات متكررة، فكانوا يضعفون الشعب بقطع رأسه، بمعنى آخر، بحرمانه من طبقاته الحاكمة، بنفى السكان الأكثر تميزاً، الأكثر ثراءاً، ذكاءاً، الميالين للحرب، خاصة من العاصمة، إلى أحد الأقاليم البعيدة، حيث لا يملك الأشخاص المنفيون، فئة خاضعة يحكمونها، كانوا عاجزين بشكل مطلق. شكل الفلاحون الباقون والحرفيون الصغار، على أى حال، الآن كتلة غير متماسكة، غير قادرة على تقديم أى مقاومة قوية للغزاة.
كان شلمنصر الثانى (859 - 825 ق.م) أول ملك أشورى اخترق سوريا بالمعنى الضيق للكلمة (حلب، حماة، دمشق) وأيضاً أول من أعطانا أية أنباء عن إسرائيل. يذكر، فى تقرير مسمارى من 248 ق.م، من بين أشياء أخرى، جزية دفعها الملك الإسرائيلى، ياهو. وله صورة تمثل حاوية هذه الجزية، وهى أقدم تمثيل تصويرى لأفراد إسرائيليين نملكها الآن. انتهت إسرائيل منذ هذا الوقت فصاعداً إلى اتصال أوثق مع أشور، إما فى مدفوعاتها للجزية، أو فى انتفاضاتها، بينما كانت الممارسة الموصوفة أعلاه بنفى الطبقات العليا من المهزومين، خاصة من الشعوب المتمردة، تتطور أكثر فأكثر بين الأشوريين. لقد كانت فقط مسألة وقت حينما يأتى أيضاً تدمير إسرائيل على أيدى الأشوريين غير المهزومين وغير القابلين للهزيمة بوضوح. لم تكن هناك حاجة لهبة النبوءة غير العادية بصفة خاصة للتمكن من التنبؤ بتحقق هذا الذى رآه الأنبياء اليهود مقدماً بهذه الحيوية.
لقى القسم الشمالى من مملكتهم مصيره فى ظل الملك هوشع، الذى رفض دفع الجزية لأشور فى 427 ق.م، معتمداً على مساعدة من مصر، لم تأت. انطلق شلمنصر الرابع إلى إسرائيل وهزم هوشع، وجعله سجيناً، وحاصر عاصمته السامرة، التى لم يتمكن من أخذها، على أية حال، إلى مابعد ثلاث سنوات من الحصار من قبل سرجون (722 ق.م) خلف سنحريب. "زهرة السكان" (وفقاً لفلهازون) 290و27 شخص، وفقاً للتقارير الأشورية، كانوا قد نُقلوا الآن للمدن الأشورية والمديانية. وضع ملك أشور مكانهم أشخاصاً أحضرهم من المدن البابلية المتمردة، "وأسكنهم فى مدن السامرة عوضاً عن بنى إسرائيل فامتلكوا السامرة وسكنوا مدنها" (الملوك الثانى، الإصحاح السابع عشر،42). لم يكن كامل سكان القبائل العشرة الشمالية لإسرائيل من ثم قد نقلوا بالقوة، وإنما فقط أكثر سكان المدن تميزاً، التى سكنها آنئذ الغرباء، ولكن هذا كان كافياً تماماً لتدمير قومية هذه القبائل العشرة، لأن الفلاح وحده غير قادر على إنشاء حياة جماعية خاصة. إن سكان المدن الإسرائيليين والارستقراطيين الذين نقلوا إلى أشور وميديا (ماداى) من ناحية أخرى، اختفوا فى محيطهم الجديد فى مجرى الأجيال، مندمجين فيه.

ط - التدمير الأول لأورشليم
بقى هناك من شعب إسرائيل مدينة أورشليم فقط مع مقاطعتها يهوذا. لقد ظهر كما لو أن هذه البقية الصغيرة سوف تشارك فى مصير الكتلة الأعظم، وان اسم إسرائيل سوف ينمحي هكذا من وجه الأرض. ولكن لم يكن مقدراً للأشوريين أن يأخذوا أورشليم ويدمروها. ممالاريب فيه، حقيقة أن جيش الأشورى سنحريب، الذى انطلق ضد أورشليم فى 701 ق.م، كان مضطراً إلى العودة للوطن بسبب اضطرابات فى بابل، وهكذا كان الإبقاء على أورشليم، إرجاءاً فحسب. بقيت يهوذا دولة تابعة لأشور يمكن أن تبتلع فى أى لحظة.
ولكن بدءاً من زمن سنحريب تحول انتباه الأشوريين تدريجياً نحو الشمال، لأنه كانت هناك قبائل حربية تتقدم أكثر فأكثر مهددة، تتطلب قوة عسكرية أكبر فأكبر لصدها: الكيمريون cimmerians، والماديون medes، والسكيثيين scythians. دخل الأخيرون غرب آسيا حوالى 625 ق.م، متقدمين فى مجرى نهبهم وتخريبهم حتى حدود مصر، ولكن تبددوا، فيما بعد بحوالى ثمانية عشر عاماً، بدون أن يؤسسوا أية إمبراطورية تخصهم. ولكن لم يختفوا دون أن يتركوا آثاراً معتبرة وراءهم؛ هز غزوهم الملكية الأشورية حتى أسسها. كانت الأخيرة معرضة من ثم لهجوم أكثر نجاحاً من قبل الميديين medes؛ انسحبت بابل وأصبحت حرة، بينما استغل المصريون الوضع ليحوزوا السيطرة على فلسطين. هزم المصريون الملك اليهودى هوشع وقتل فى مجدو (609ق.م) حيث عين نخاو، ملك مصر، يهوياكين كتابع له فى أورشليم، أخيراً، فى عام 606 ق.م دمرت نينوى من قبل تحالف من البابليين والماديين medes، وبلغت الإمبراطورية الأشورية نهايتها.
ولكن هذا لم يُنقذ يهوذا. اقتفت بابل الآن خطى آشور وحاولت على الفور أن تحرز سيطرة على الطريق إلى مصر. عارض نخاو جهد البابليين تحت (قيادة) نبوخذنصر، الذى تقدم بعيداً حتى سوريا الشمالية. هُزم المصريون فى معركة كركميش (506 ق.م)، وأصبحت يهوذا دولة تابعة لبابل فى اعقاب ذلك فوراً. كانت يهوذا تنتقل بوضوح من يد إلى يد، ففقدت كل استقلالها. رفضت يهوذا أن تدفع الجزية للبابليين، بعد أن حرضتها مصر، ولكن إنهار هذا التمرد تقريباً بلاصراع، كانت أورشليم محاصرة من قبل نبوخذنصر واستسلمت بلاشروط. فى ذلك الزمان صعد عبيد نبوخذنصر ملك بابل إلى أورشليم فدخلت المدينة تحت الحصار.( وجاء نبوخذنصر ملك بابل على المدينة وكان عبيده يحاصرونها. فخرج يهوياكين ملك يهوذا إلى ملك بابل هو وأمه وعبيده ورؤساؤه وخصيانه وأخذه ملك بابل فى السنة الثامنة من ملكه. وأخرج من هناك جميع خزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك وكسر كل آنية الذهب التى عملها سليمان ملك إسرائيل فى هيكل الرب كما تكلم الرب. وسبى كل أورشليم وكل الرؤساء وجميع جبابرة البأس عشرة آلاف مسبى وجميع الصناع والأقيان. لم يبق أحد إلا مساكين شعب الأرض. وسبى يهوياكين إلى بابل وأم الملك ونساء الملك وخصيانه وأقوياء الأرض سباهم من أورشليم إلى بابل. وجميع أصحاب البأس سبعة آلاف والصناع والأقيان ألف وجميع الأبطال أهل الحرب سباهم ملك بابل إلى بابل. (الملوك الثانى، الإصحاح الرابع والعشرون، 12 - 16)
كانت بابل مستمرة فى ممارسة الطريقة الأشورية القديمة، مرة أخرى لم يقوموا بتهجير كامل السكان، وإنما هجروا فقط البلاط الملكى، الارستقراطيين، الرجال القادرين على حمل السلاح والمواطنين المدنيين الأثرياء 10000 شخص إجمالاً. "مساكين شعب الأرض" من المحتمل أيضاً الذين من المدينة، تركوهم وراءهم، وبالتأكيد يشمل ذلك أيضاً قسماً من الطبقات الحاكمة. لم تكن يهوذا قد دمرت بعد. لقد أعطاها سادة بابل ملكاً جديداً. ومرة أخرى، للمرة الأخيرة، كانت الدورة الأخيرة تتكرر. حرض المصريون الملك الجديد، صدقيا على أن ينفصل عن بابل.
عندئذ ظهر نبوخذنصر خارج أورشليم، هزمها ومحا تماماً هذه المدينة، التى كانت عنصراً عنيداً ومثيراً للاضطراب بسبب موقعها المهيمن على طول معبر الأمم من بابل إلى مصر (586 ق.م).
"وفى الشهر الخامس جاء نبوزرادان، رئيس الشرط عبد ملك بابل، إلى أورشليم، وأحرق بيت الرب، وبيت الملك، وكل بيوت أورشليم، وكل بيوت العظماء أحرقها بالنار. وجميع أسوار أورشليم مستديراً هدمها كل جيوش الكلدانيين الذين مع رئيس الشرط. وبقية الشعب الذين بقوا فى المدينة والهاربون الذين هربوا إلى ملك بابل وبقية الجمهور سباهم نبوزرادان رئيس الشرط. ولكن رئيس الشرط أبقى من مساكين الأرض كرامين وفلاحين". (الملوك الثانى، الإصحاح الخامس والعشرون، 8-21)
نقرأ فى إرميا بالمثل 39، 9، 10: "وبقية الشعب الذين بقوا فى المدينة والهاربون الذين سقطوا له وبقية الشعب الذين سباهم نبوزرادان رئيس الشرط إلى بابل. ولكن بعض الشعب الفقراء الذين لم يكن لهم شيء تركهم نبوزرادان رئيس الشرط فى أرض يهوذا وأعطاهم كروماً وحقولاً فى ذلك اليوم ".
بقى من ثم عدد من العناصر الفلاحية. كان سيكون بلا معنى إفراغ البلاد من السكان كلية، وتركه بغير مزارعين، لأنه لم يكن ليتمكن آنئذ من دفع أية ضرائب. لقد رغب البابليون بوضوح أن ينقلوا خاصة هذا القسم من السكان، وفق ممارساتهم، الذى كان قادراً على توحيد وقيادة الأمة، ويمكن من ثم أن يصبح خطراً على الهيمنة البابلية. نادراً ما كان الفلاح وحده قادراً على تحرير نفسه من الحكم الأجنبى.
يصبح من السهل فهم المعلومات الواردة فى إرميا 93 إذا ماتذكرنا تشكيل اللاتيفونديا الذى كان يأخذ مجراه فى يهوذا أيضاً. لقد كان من الطبيعى الآن أن تقسم اللاتيفونديا وتوزع على الفلاحين المجردين من الملكية، أو أن يصبح العبيد المدينين والمستأجرين ملاكاً أحراراً للأرض التى زرعوها. لأن طغاتهم قد كانوا قادة يهوذا فى صراعها ضد بابل.
طبقاً للتقرير الأشورى، كان سكان يهوذا فى ظل سنحريب 20000 دون احتساب (سكان) أورشليم، الذى ربما يقدر بـ 25000. عدد الملاك العقاريين الكبار قدر بـ15000؛ نقل نبوخذنصر 7000 من هؤلاء بعد الغزو الأول لأورشليم . وقد ترك وراءه من ثم 8000. مع ذلك يقرر كتاب الملوك الثانى، 24، 14، أن الذين بقوا بالفعل كانوا هم فقط "مساكين شعب الأرض". هؤلاء الثمانية آلاف قد سبوا لاحقاً فى التدمير الثانى. من المحتمل أنها كانت كرومهم وحقولهم هى التى أعطت إلى مساكين الشعب، الذين لم يملكوا شيئاً.
اقرب الاحتمال أنه لم ينقل كامل السكان هذه المرة أيضاً، ولكن كل سكان أورشليم قد نقلوا. على أية حال، معظم سكان البلد قد بقى. ولكن ما بقى كف عن أن يشكل مجتمعاً يهودياً نوعياً. كانت كامل الحياة القومية لليهود قد تركزت فى سكان المدن الذين يعيشون الآن فى المنفى.
لقد اكتسبت الحياة القومية الآن مسحة خصوصية، بسبب الوضع الخصوصى لليهود المدنيين. بينما كان الإسرائيليون حتى الآن عرقاً لم يختلف بقوة عن الأعراق الأخرى المحيطة به، ومن ثم لم يثر أى انتباه خاص وسط هذه الأعراق، فإن بقاياه، التى استمرت الآن فى عيش حياة قومية منفصلة، تطورت إلى عرق مختلف عن أى (عرق) آخر فى الوجود. لم يكن متأخراً عن تدمير أورشليم من قبل الرومان، بل باكراً عند تدمير أورشليم من قبل نبوخذنصر، أن باتت لدينا بدايات الوضع غير الطبيعى لليهود الذي يجعلهم ظاهرة فريدة فى التاريخ.
*****





الفصل الثاني

اليهود بعد المنفى

أـ النفي
من الواضح أن يهوذا لاقت نفس المصير بعد تدمير أورشليم كما جرى لأسباط إسرائيل بعد تدمير السامرة. ولكن ذات المصير الذي محا إسرائيل من التاريخ رفع يهوذا من شيء خامل عديم الأهمية إلى أن تصبح واحدة من العوامل الأكثر قوة في تاريخ العالم، بسبب الظروف التي تعود لعظم المسافة من أشور، وللتحصينات الطبيعية لأورشليم، وكذلك بسبب غزو القبائل الشمالية، فإن تدمير أورشليم قد جرى عقب مائة وخمسة وثلاثين عاماً بعد تدمير السامرة.
تعرض اليهود لمدة أربعة أجيال أطول من الأسباط العشر لكل هذه التأثيرات التي ذكرناها باعتبارها حافزة للتعصب القومي لأعلى درجة. لهذا السبب، إن لم يكن لآخر، ذهب اليهود إلى المنفى بمشاعر قومية متطورة أكثر بما لا يقاس من إخوانهم الشماليين. ولكن كان عامل آخر يعمل في نفس الاتجاه وهو حقيقة أن الجماعة اليهودية تألفت في الأساس من مدينة كبيرة مفردة فقط، تطوقها المنطقة المحيطة، بينما كانت الإمبراطورية الشمالية تجمعاً من عشرة أسباط، ليست بأي حال مرتبطة بوثوق الواحدة مع الأخرى. ألفت يهوذا من ثم كتلة أكثر توحداً واندماجاً إلى حد بعيد من إسرائيل.
مع ذلك كان اليهوذيون سيفقدون قوميتهم أيضاً في المنفى إذا كانوا قد بقوا تحت الحكم الأجنبي بنفس طول إقامة القبائل العشرة. إن من يُنفى بين الغرباء ربما يحن لموطنه القديم ويكون غير قادر على أن يضرب بجذوره في محيطه الجديد. ربما يقوي نفيه حتى المشاعر القومية. ولكنه من غير العادي أن تجد مثل هذه المشاعر القومية بين الأطفال الذين ولدوا في المنفى، الذين نشأوا في البيئة الجديدة وعرفوا الظروف القديمة من خلال حكايات آبائهم فقط. إلا إذا أبقي توقع عودة باكرة لموطنهم السابق حياً بسبب الحرمان من الحقوق، أو المعاملة غير الملائمة في البلد الأجنبي. سوف يتذكر الجيل الثالث، بدوره، بالكاد قوميته، إذا لم يكن كما صرحنا سلفاً، قد بقى دائماً في تبعية لمحيطه، منزوع بالقوة عن بقية السكان كعرق منفصل أدنى، معرض هكذا للقهر وسوء المعاملة من قبل العرق المهيمن. يبدو أن الحال لم يكن كذلك مع اليهود الذين نقلوا إلى أشور وبابل، وأنه قد كان من المحتمل من ثم أن يفقدوا قوميتهم ويختفوا وسط البابليين، إذا كانوا قد بقوا بينهم لأكثر من ثلاثة أجيال. ولكن عقب تدمير أورشليم مباشرة بدأت الإمبراطورية المنتصرة تتداعى، وأتيح للجماعات المنفية أن تأمل في عودة باكرة لأرض آبائها. وبالفعل في مجرى الجيل الثاني كان هذا الأمل قد تحقق، تمكن اليهود من العودة إلى أورشليم من بابل. لأن القبائل التي احتشدت في ما بين الرافدين من الشمال ودمرت أشور لم تهدأ على نحو غاية في السرعة. كان الأكثر قوة بينها قبيلة الفرس الرعوية، التي دمرت وارثي الحكم الأشوري، مملكتي الميديين والبابليين، ولم تعد فقط تأسيس الإمبراطورية الأشورية البابلية في شكل جديد، وإنما حتى وسعتها إلى حد ضخم، غازية مصر وآسيا الصغرى أيضاً، وخالقة للمرة الأولى نظاماً عسكرياً وإدارة قومية قادرة على تأمين أساس متين لإمبراطورية عالمية، صاهرة إياها بحزم ومحتفظة بسلام أهلي دائم داخلها.
لم يكن لدى غزاة بابل سبب للاستمرار في أن يبعدوا عن موطنهم هؤلاء الذين قهروا ونفوا إلى الخارج من قبل هذه الدولة. غزا الفرس بابل في 538 ق.م. بدون ضربة سيف، مما يظهر إلى أي حد كانت المدينة ضعيفة، وفي العام التالي يسمح كورش، الملك الفارسي، لليهود بأن يعودوا للوطن بالفعل. لم يستمر نفيهم نصف قرن، ومع ذلك، كان كثير منهم قد كيفوا أنفسهم للظروف الجديدة حتى أن قسماً منهم فقط استغل الإذن، وبقي غير قليل منهم في بابل، حيث شعروا أكثر بأنهم في وطنهم. هناك شك غاية في الضآلة في أن اليهود كانوا سيختفون تماماً لو أن أورشليم شاركت مصير السامرة. إذا كانت الفترة بين تدميرها وغزو بابل من قبل الفرس قد كانت فترة مائة وثمانين عاماً بدلاً من خمسين عاماً فقط.
ولكن رغم قصر فترة النفي اليهودي، إلا أنها أنتجت مع ذلك أكثر التغيرات بُعداً في مداها في اليهودية، حافزة عدداً من الاتجاهات، وبدايات صغيرة كانت قد أنتجت قبلاً في ظروف يهوذا لأن تتطور وتقوى إلى أقصى مدى مضفية أشكالاً متميزة متطرفة على تلك الخصائص، بسبب الوضع الخصوصي الذي وُضع فيه اليهود منذ هذا الوقت فصاعداً.
استمروا في المنفى في الوجود كأمة، أمة بغير فلاحين، أمة تتشكل على سبيل الحصر من السكان الحضريين. هذه واحدة من أكثر الملامح أهمية عند اليهود حتى هذا اليوم، التي أسست عليها أشد "ملامح العرق" أساسية، التي تمثل بالفعل لا شيء أكثر من العادات المعتادة لسكان المدن أكدتها فترة طويلة من الحياة الحضرية، وبغياب عناصر جديدة يقدمها الفلاحون كما أشرت باكراً في 1890 .
تغير هذا الظرف وإن على نحو طفيف وفقط بشكل مؤقت بعد عودتهم إلى فلسطين من منفاهم كما سنعلم في التكملة.
ولكن اليهود أصبحوا الآن ليس فقط أمة من سكان المدن، وإنما أيضاً من التجار. لم تكن الصناعة متطورة لحد بعيد في يهوذا، كما رأينا، لقد كانت كافية بالكاد لاحتياجات الاقتصاد المنزلي البسيطة. كان اليهود من ثم في وضع غير موات وسط البابليين المتطورين صناعياً، حيث كانت الخدمة العسكرية وإدارة الحكومة مغلقة أيضاً بالنسبة لليهود بسبب فقدان استقلالهم: فأي عيش آخر بقي لسكان المدن سوى التجارة؟
إذ كانت التجارة مهمة جداً في فلسطين منذ أزمان باكرة، فقد أصبحت بالضرورة المهنة الأساسية لليهود في منفاهم.
ولكن مع الزيادة في تجارتهم تضمن هذا بالضرورة زيادة في ذكاء اليهود، وحسهم الرياضي، قدرتهم على التركيب والتجريد العقليين. ولكن سوء حظهم القومي زود فطنتهم في نفس الوقت بموضوعات أنبل تتجاوز مجرد الكسب الشخصي. يصبح أعضاء القبيلة متحدين على نحو أكثر وثوقاً في بيئاتهم الأجنبية. حتى مما هم عليه في الوطن. يصبح شعورهم بالتماسك باعتبارهم متعارضين مع الأجانب أقوى، لأن الفرد يشعر بنفسه ضعيفاً وأكثر عرضة للخطر حين يقف وحيداً. تصبح المشاعر الاجتماعية، والشفقة الأخلاقية، أكثر قوة، مشربة الإبداع اليهودي بأكثر الأفكار عمقاً بالنسبة لأسباب التعاسة القومية ووسائل إصلاح الأمة.
كان قد حفز الفكر اليهودي بالضرورة، في نفس الوقت، على أية حال، فخامة مدينة بابل المتروبوليتانية، مواصلاتها العالمية، حضارتها القديمة، علمها وفلسفتها. كما ارتقى في النصف الأول من القرن التاسع عشر، المفكرون الألمان إلى أعلى وأفضل إنجازاتهم بإقامتهم في بابل على السين، وهكذا فإن إقامة في بابل على الفرات في القرن السادس ق.م لابد وأنها قد أثرت بالضرورة بالمثل على اليهود ووسعت فجأة أفقهم لحد ضخم.
لكن بالطبع، كما في كل المراكز التجارية الشرقية التي لا تقع على شطئان البحر الأبيض المتوسط وإنما في الأراضي الداخلية بقى العلم مرتبطاً بالدين ـ مقيداً بالدين ـ لأسباب سبق وأن أشرنا إليها. ومن ثم فإن كل الانطباعات القومية الجديدة عبرت عن نفسها في شكل ديني بين اليهود، في الواقع، أصبح الدين الآن بالضرورة الأكثر بروزاً بين اليهود بسبب حقيقة أن تدمير استقلالهم القومي لم يترك إلا عبادتهم القومية العامة بوصفها الرابطة الوحيدة التي ما زالت توحد الأمة. شكلت كهانة هذه العبادة الآن التنظيم المركزي الوحيد الذي يحتفظ بسلطة ما في عيون كامل السكان. يبدو أن التنظيم القبلي قد حاز على حيوية جديدة في المنفى.
تركيب الدولة قد اختفى . ولكن الخصوصية القبلية لم تكن عاملاً يلحم الأمة. سعت يهوذا الآن أن تحفظ وتنقذ أمتها في الدين، ترتب على ذلك أن حصلت الكهانة على القيادة بينها.
استعارت الكهانة اليهودية من الكهانة البابلية دعاواها المتغطرسة، وكذلك أيضاً كثير من أفكارها عن العبادة. فعدد يعتد به من الخرافات التوراتية ذو أصل بابلي، على سبيل المثال، تلك التي تتعلق بخلق العالم، الجنة، السقوط من النعمة الإلهية، إنشاء برج بابل، الطوفان. وليست المراعاة الصارمة للسبت بأقل بابلية من ناحية أصلها. لم يجر التأكيد على السبت بمثل هذه القوة من جانب اليهود قبل فترة نفيهم.
"التأكيد الذي وضعه حزقيال من ثم لحفظ السبت مقدساً هو شيء جديد تماماً لا أحد من الأنبياء الأسبق عليه يضع مثل هذا التأكيد على الاحتفال بالسبت. بالنسبة لارميا (17، 19 وما يليها) ليس شاهداً حقيقياً" .
حتى بعد العودة من المنفى في القرن الخامس قبل الميلاد، فقد كان غاية في الصعوبة فرض مراعاة السبت، "لأنه كان متعارضاً بقوة شديدة مع العادات القديمة" .
لكن يمكننا أن نستنتج بأنه من المحتمل أن الكهانة اليهودية اكتسبت من الكهانة البابلية الأعلى تطوراً، ليس فقط الخرافات والعادات الشعبية، وإنما أيضاً مفهوماً أعلى عن الإله وأكثر روحية، رغم أنه ليس لدينا دليل مباشر على هذا الأثر.
لقد كان مفهوم الإله بين الإسرائيليين ولفترة طويلة فجاً تماماً. كانت العناية التي أبداها مراجعو ومحررو القصص القديمة عظيمة، لاستبعاد كل آثار الوثنية منها، مع ذلك ما زال لدينا عدد من هذه الآثار في طبعات هذه القصص التي وصلت إلينا.
دعنا نتذكر، على سبيل المثال، القصص المرتبطة بيعقوب، إله لا يمد له يد العون فقط في معاملات مشبوهة من كل نوع، وإنما يَضَعُ من نفسه إلى حد مصارعة يعقوب، في مناضلة هزم فيها الإنسان الإله: "فبقى يعقوب وحده، وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر، ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه، فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه. وقال أطلقني لأنه طلع الفجر: فقال: لا أطلقك إن لم تباركني. فقال له ما اسمك؟ فقال يعقوب. فقال: لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل: لأنك جاهدت مع الله وقدرت. وسأل يعقوب وقال: اخبرني باسمك. فقال: لماذا تسأل عن اسمي؟ وباركه هناك. فدعا يعقوب اسم المكان فنيئيل: لأني نظرت الله وجهاً لوجه ونجيت نفسي. (تكوين 32/ 24 ـ 30).
العظيم المجهول الذي صارعه يعقوب وانتصر عليه والذي حصل على بركته بالقوة، كان من ثم إله أخضعه إنسان. وهذا يشبه كثيراً جداً صراعات الآلهة والبشر في الإلياذة. ولكن حين ينجح ديوميدس في جر آرس فذلك بمساعدة بالاس أثينا، بينما يسوي يعقوب الأمر مع إلهه دون عون أي إله آخر.
بينما كانت مفاهيم الإله بين الإسرائيليين ساذ جة للغاية، كان للأمم المتحضرة التي تحيط بهم في حالات عديدة طبقات كهنوتية بلغت حد التوحيد، على الأقل في تعاليمها السرية. كان هذا الوضع واضحاً ذات مرة بشكل مؤكد بين المصريين.
"إننا غير قادرين بعد على أن نقدم بالتفصيل أو أن نعدد وفق ترتيب زمني كل أوهام التأمل المتعددة. كل المراحل التي مر بها تاريخ الفكر (بين المصريين). ولكننا انتهينا أخيراً إلى حد إدراك أنه في التعليم السري فإن حورس ورع، الابن والأب، يتطابقان على نحو مطلق، وأن الإله يلد نفسه من أمه. إلهة السماء وهي نفسها تبقى نتاجاً فحسب، خلقاً، للإله الخالد الواحد. هذا المذهب لم يعبر عنه بوضوح وعلى نحو جلي بكل ما يترتب عليه، قبل بداية الإمبراطورية الحديثة (بعد الهكسوس، في القرن الخامس عشر ق.م)، ولكنه يبدأ بالفعل في أن يتخذ شكلاً في الفترة التي تبدأ مع نهاية الأسرة السادسة (حوالي 2500 ق.م) والأفكار التي تكمن في أساسه قد ثبتت على نحو محدد بالفعل في الإمبراطورية الوسطى (حوالي 2000 ق.م) "نشأ المذهب الجديد في أون ـ (تسمى في اللغة المصرية القديمة إيونو Iounu" اشتق منها اسم أون (المذكور في التوراة اليونانية)*، مدينة الشمس (هليوبوليس) .
مما لا ريب فيه، بقى هذا المذهب سرياً، ولكن كان له تطبيق عملي واحد على الأقل. جرى هذا قبل أن يدخل العبرانيون كنعان، في ظل أمينحوتب الرابع، في القرن الرابع عشر ق.م. يبدو أن هذا الأمير كان في نزاع مع الكهانة، التي هددت ثروتها وقوتها بأن تبزه. لم يعرف طريقة أخرى في مكافحتها غير أخذ مذهبها السري بجدية، فأمر بأن يعبد إله واحد فقط، واضطهد بقسوة كل الآلهة الأخرى، الذي بلغ في الحقيقة حد مصادرة الثروة الضخمة المرتبطة بالآلهة الأخرى.
ليس لدينا معلومات تتعلق بتفاصيل الصراع بين الكهانة والملكية. لقد استمر لفترة طويلة، ولكن عقب أمينحوتب الرابع بمائة عام، انتصرت الكهانة تماماً وأعادت تأسيس عبادة الآلهة القدامى كلية.
تبين هذه القصة بمجملها إلى أي حد تقدمت النظرات التوحيدية بالفعل في المذاهب الكهنوتية السرية في المراكز المتحضرة للشرق القديم. ليس لدينا سبب لنفترض أن الكهنة البابليين كانوا أكثر تخلفاً من (كهنة) مصر حيث يبدوا أنهم متكافئين في كل الفنون والعلوم. حتى إرميا يتحدث عن "توحيد مستتر" في بابل. مردوخ خالق السماء والأرض، كان أيضاً سيد الآلهة الذي كان "يرعاهم كخراف"، كانت الآلهة المتعددة تجليات خاصة فحسب للإله الواحد الأحد. وهكذا فنحن نقرأ في نص بابلي يتعلق بالآلهة المختلفة: "نينيب، مردوخ القوة. نرجال: مردوخ المعركة. بل: مردوخ الحكومة. نابو: مردوخ الأعمال. سن: مردوخ يضيئ الليل. سمس: مردوخ الشريعة. اددو: مردوخ المطر".
في زمن نفي اليهود تحديداً، كان هناك نوع من التوحيد يبزغ أيضاً بين الفرس الذين اتصلوا ببابل، لدينا إشارات بأنه "اُختطت في بابل أيضاً بداية نحو التوحيد، يحتمل أنها تبدي تشابهات قوية جداً مع عبادة الشمس الفرعونية، الخاصة بأمينوفيس الرابع (أمينحوتب). هناك نقش على الأقل يعود للفترة القصيرة السابقة على سقوط بابل يمثل إله القمر باعتبار أن له دوراً مشابهاً لدور إله الشمس أمينوفيس الرابع، الذي يتفق تماماً مع أهمية عبادة القمر في بابل" .
ولكن بينما كانت الجماعة الكهنوتية في بابل وكذلك في مصر لها مصلحة حقيقية في الاحتفاظ بوجهات نظرها التوحيدية المحتملة بعيداً عن الشعب، ما دامت كل سلطتها وثروتها تعتمد على التعددية التقليدية، كانت الحالة مختلفة تماماً مع كهانة الوثن الاتحادي في أورشليم.
تزايدت أهمية هذا الوثن حتى قبل تدمير أورشليم، لأن السامرة قد دمرت والإمبراطورية الشمالية لإسرائيل قد ذهبت معها. كانت أورشليم الآن المدينة الوحيدة الكبيرة للقومية الإسرائيلية، وبقيت منطقة الريف المعتمدة عليها، غير ذات أهمية نسبياً. بدأت مكانة الوثن الاتحادي التي كانت عظيمة في إسرائيل، خاصة في سبط يهوذا وربما قديماً من زمن يسبق داود، بدأت الآن تبز وتفوق كل ممتلكات الشعب المقدسة الأخرى، كما فاقت أورشليم كل المدن الأخرى في يهوذا. وبالمثل حازت الكهانة خادمة هذا الوثن بالضرورة مركزاً مهيمناً على الكهنة الآخرين في الريف. نشأ صراع بين كهنة الريف وكهنة العاصمة، انتهى بإيلاء مركز احتكاري لوثن أورشليم، ربما حتى قبل المنفى. هذا ما أشير إليه على الأقل في رواية سفر تثنية الاشتراع، "كتاب المذهب" الذي أكد كاهن أنه وجده في الهيكل عام 621 ق.م. لقد احتوى على الأمر الإلهي بالقضاء على كل أماكن العبادة خارج أورشليم، ونفذ الملك يوشياهو بأمانة هذا الأمر: "ولاشى كهنة الأصنام الذين جعلهم ملوك يهوذا ليوقدوا على المرتفعات في مدن يهوذا، وما يحيط بأورشليم؛ والذين يوقدون للبعل، للشمس، للقمر، والمنازل، ولكل أجناد السماء.... وجاء بجميع الكهنة من مدن يهوذا، ونجس المرتفعات حيث كان الكهنة يوقدون، من جبع إلى بئر سبع... وكذلك، المذبح في بيت أيل، في المرتفعات التي عملها يربعام بن نباط، الذي جعل إسرائيل يخطئ، فذانك، المذبح والمرتفعة هدمهما، وأحرق المرتفعة، وسحقها حتى صارت غباراً، وأحرق السارية" .
ليس فقط الأماكن التي عبدت فيها الآلهة الأجنبية، وإنما الأماكن التي قدست ليهوه نفسه، بما فيها أقدم مذابحه، كانت قد انتهكت قدسيتها هكذا ودمرت.
ولكن من المحتمل أن هذه القصة بكاملها، مثلها في ذلك مثل كثير غيرها في الكتاب المقدس، هي اختراع فقط من فترة ما بعد المنفى، محاولة لتبرير أحداث جرت بعد المنفى، بتصويرها كتكرار لأحداث سابقة، مخترعين سوابق لها، أو على الأقل مضخمين ومبالغين في هذه الأحداث. كيفما كان الأمر، يمكن لنا أن نفترض أنه حتى قبل المنفى فقد وجدت غيرة بين كهنة العاصمة (وكهنة) الولايات التي ربما كانت قد أدت مؤقتاً لإغلاق أماكن مقدسة مثلت منافسة غير ملائمة. في حالة اليهود المنفيين، الذين جاءت أغلبيتهم من أورشليم، لم يكن من الصعب تأمين الاعتراف بحقوق الاحتكار للهيكل في أورشليم. تحت تأثير، الفلسفة البابلية، من ناحية، والخيبة القومية، من ناحية أخرى ـ ومن المحتمل أيضاً الديانة الفارسية التي كانت تتطور في نفس الاتجاه تقريباً مثل الديانة اليهودية، وفضلاً عن، انتهائها لاتصال معها حوالي هذا الوقت، مانحة حافزاً للديانة اليهودية ومتلقية مثل هذا الحافز أيضاً ـ تشجع الكهنوت على اتخاذ خطوة جديدة. بدأ الطموح الذي أتوا به معهم من أورشليم لوضع وثنهم في مركز احتكاري، تحت تأثير كل هذه الأوضاع، في تطوير اتجاه نحو التوحيد الأخلاقي، الذي لن يتجلى فيه يهوه بعد باعتباره إلهاً سلفياً خصوصياً لإسرائيل فحسب، وإنما باعتباره الإله الواحد للعالم، شخصنة الخير، وتجسيد كل الأخلاقية.
حين عاد اليهود من منفاهم إلى أورشليم، تطورت ديانتهم وأصبحت أكثر روحية إلى حد أن بدت لهم المفاهيم الفظة وأشكال عبادة اليهود الفلاحين الذين تخلفوا بالضرورة كشيء وثني بغيض. إذا لم تكن هذه الخطوة قد اتخذت في تاريخ أبكر، فقد كان من السهولة بمكان الآن على كهنة وسادة أورشليم أن يؤمنوا القضاء النهائي على هذه الأشكال الولاياتية من العبادة، وأن يقيموا احتكار كهنوت أورشليم على أساس دائم.
هكذا كانت بداية التوحيد اليهودي. لقد كان أخلاقياً في طابعه مثلما كان أيضاً توحيد فلسفة أفلاطون. ولكن في حالة اليهود لم ينشأ المفهوم الجديد عن الإله خارج الدين كما هو الحال عند الإغريق؛ لم يكن مدعماً من طبقة تقف خارج الكهنوت. وهكذا فإن الإله الواحد لم يظهر كإله جديد، يقف فوق وما وراء عالم الآلهة القديم، ولكن كتركيز لمجموعة الآلهة القديمة في إله واحد أكثر قوة، الذي كان فضلاً عن ذلك أقرب لأفكار سكان أورشليم، الإله السلفي الحربي القديم والمحلي يهوه، الذي كان أي شيء إلا أن يكون أخلاقياً.
أدخلت هذه العملية عدداً من التناقضات الخطيرة إلى الديانة اليهودية. بوصفه إلهاً أخلاقياً فإن يهوه هو إله كل البشرية، لأن مفهومي الخير والشر إذ يفهمان بطريقة مجردة فهما صالحان لكل الأشخاص على السواء. وكونه إلهاً أخلاقياً، شخصنة للفكرة الأخلاقية، هذا الإله الواحد كلي القدرة، لأن الأخلاقية تعتبر صالحة في كل مكان على السواء. ولكن الدين، بمعنى آخر، عبادة يهوه كانت أيضاً الرابطة القومية الأقوى بين يهود بابل، وكانت إمكانية استعادة الاستقلال القومي مرتبطة بشكل لا ينفصم باستعادة أورشليم. أصبح تشييد الهيكل في أورشليم، وصيانته اللاحقة الآن الشعار الذي سوف تلتئم حوله الأمة اليهودية. وأصبح لكهنوت هذا الهيكل بشكل متزامن السلطة القومية الأعلى لليهود، طبقة لديها كل المصلحة في إبقاء احتكار العبادة لهذا الهيكل. وهكذا فإن التجريد الفلسفي الرفيع لإله واحد كلي القدرة، الذي يسأل فقط قلباً نقياً ونمطاً للحياة بلا خطيئة، لا الأضحية، بقى مرتبطاً على نحو مخصوص بالوثنية البدائية القديمة، التي وطنت الإله في مكان معين، المكان الوحيد الذي يمكن فيه تقديم التقدمات من كل الأنواع بشكل مؤثر حتى تكون موضع الاعتبار. بقى الهيكل في أورشليم الموطن المقصور على يهوه، الذي كان على كل يهودي أن يوجه إليه أفكاره، وأن يكون هدف اشتياقه.
كان هناك تناقض آخر لم يكن أقل غرابة: أصبح الإله تجسيد المطالب الأخلاقية التي كان لها صلاحية عامة بالنسبة لكل البشر، ومع ذلك فقد بقي الإله السلفي لليهود. لقد جرت محاولة إزالة هذا التناقض بإعلان أن الإله بالفعل هو إله لجميع البشر، وبجعل واجب كل البشر أن تحبه وتوقره، ولكن جعل أيضاً اليهود الشعب الوحيد الذي اختاره كتجل لهذا الحب والتوقير، الشعب الوحيد الذي أظهر له عظمته، تاركاً الوثنيين على ضلالهم. كان ذلك تحديداً خلال زمن المنفى، عند أدنى نقطة من ذلهم ويأسهم، أن ظهر هذا الشعور الغريب بالتفوق على بقية الإنسانية بداية بين اليهود. كانت إسرائيل قبلاً، شعباً لا يختلف عن الشعوب الأخرى، ويهوه إلهها يشبه الآلهة الأخرى، ربما أقوى من الآلهة الأخرى، كما كان طبيعياً تماماً الاعتقاد بأن أمة المرء أقوى من الأمم الأخرى، ولكن بالتأكيد ليس الإله الحقيقي الوحيد، وإسرائيل ليست المالك الوحيد للحقيقة بالتأكيد.
"لم يكن إله إسرائيل الكلي القوة، ولكن الأكثر قوة فقط بين الآلهة. لقد كان في نفس المستوى معها وكان عليه أن يصارع ضدها، خاموس وداجون وحدد كانوا مساوين له تماماً، أقل قوة ولكن ليس أقل حقيقية منه، يبعث يفتاح هذه الرسالة للشعوب المجاورة التي تخترق الحدود "ما أعطاكم إلهكم خاموس لتقهروا" فهي تخصكم، وما قهره إلهنا يهوه من أجلنا، فهو لنا"، إن ممالك الآلهة من ثم متميزة بوضوح كممالك الشعوب، ليس لأي إله حقوق في أراض تعبد إلهاً آخر" .
ولكن تغير هذا الوضع الآن. مؤلف أشعيا، بدءاً من الإصحاح الأربعين، الذي كتب في نهاية فترة المنفى أو في أعقابها بوقت قصير، قد جعل يهوه يعلن: "أنا الرب، هذا اسمي، ومجدي لا أعطيه لآخر، ولا تسبيحي للمنحوتات... غنوا للرب أغنية جديدة، تسبيحة من أقصى الأرض، أيها المنحدرون في البحر، وملؤه، الجزائر، وسكانها. لترفع البرية ومدنها صوتها، الديار التي سكنها قيدار: لتترنم سكان سالع، من رءوس الجبال ليهتفوا. ليعطوا الرب مجداً، ويخبروا بتسبيحه في الجزائر" .
لم يعد هناك ما يفيد تحديد سلطة الإله بفلسطين، أو حتى بمدينة أورشليم بمفردها. ولكن يقول يهوه عند نفس المؤلف: "وأما أنت، يا إسرائيل عبدي، يا يعقوب الذي اخترته، نسل إبراهيم خليلي. الذي أمسكته من أطراف الأرض، ومن أقطارها دعوته، وقلت له أنت عبدي اخترتك ولم أرفضك، لا تخف لأني معك. لا تتلفت لأني إلهك.... يكون محاربوك بلا شيء وكالعدم... أنا أولاً قلت لصهيون ها هم ولأورشليم جعلت مبشراً .
هذه تناقضات غريبة، ولكنها تناقضات ترجع إلى الحياة الفعلية لهذه الأزمنة، تعود إلى الوضع الشاذ لليهود في بابل، الذين كانوا قد نقلوا إلى حضارة جديدة، كانت الانطباعات الكثيفة تُثِور كامل نمط تفكيرهم، بينما كانت كل ظروف حياتهم لا تزال تضطرهم للإبقاء على تقاليدهم القديمة، ما دامت هذه كانت الطريقة الوحيدة للاحتفاظ بوجودهم القومي الأكثر أهمية بالنسبة لهم مما للقبائل الأخرى، إزاء وضع مؤلم استمر لقرون مما طور حساسيتهم القومية، بطريقة عارمة ومؤكدة بصفة خاصة.
لقد أصبحت مهمة المفكرين اليهود الآن توحيد الأخلاق الجديدة مع الوثنية القديمة، ليوفقوا فلسفة وحكمة الحضارة الضخمة التي تركزت في بابل واحتضنت أعراقاً عديدة، مع ضيق أفق قبيلة صغيرة من الجبليين نظرت للأجانب باستهجان. وقد كان من الضروري تحقيق هذا التوفيق على أساس الدين، بمعنى آخر، الإيمان التقليدي. لقد كان واجبهم من ثم أن يثبتوا أن الجديد لم يكن جديداً، ولكن غاية في القدم، إن حقيقة هؤلاء الغرباء، التي بدت لا تقاوم، لم تكن لا جديدة ولا غريبة، وإنما ملكية يهودية حقيقية، لم يعن اعتراف اليهود بها هجراً لقوميتهم في وعاء الإذابة البابلي، ولكن بالأحرى تقوية وتمتيناً نهائياً لقوميتهم.
لقد كانت هذه المهمة محسوبة جيداً لشحذ الذكاء، لتطوير فن التفسير، والجدال في أمور تافهة، الذي تطور منذ هذا الوقت فصاعداً إلى حد الكمال، خاصة بين اليهود، وكان هذا ما وضع علامته الغريبة على الأدب التاريخي لليهود.
والآن تبدأ عملية كثيراً ما جرت، والتي حللها ماركس في بحثه لوجهات النظر الخاصة بالشروط الطبيعية للإنسان كما جرى تبنيها في القرن الثامن عشر. يتحدث ماركس عن هذه العملية على النحو التالي:
"الفرد والصياد المعزول وصياد السمك الذي يشكل نقطة الانطلاق مع سميث وريكاردو ينتمي إلى الأوهام التافهة للقرن الثامن عشر. إنهم روبنسيون، الذين لا يمثلون بأي طريقة كما يتخيل دارسو تاريخ الحضارة، رد فعل ضد رهافة زائدة وعودة إلى حياة طبيعية أسيئ فهمها. إنهم ليسوا مؤسسين على مثل هذه النزعة الطبيعية أكثر من العقد الاجتماعي لروسو، الذي يجعل الأفراد المستقلين طبيعياً يتواصلون ويتصلون بواسطة عقد. إنهم خيال والخيال الجمالي فقط للروبنسيين الصغار والكبار. إنهم، إضافة إلى ذلك، استباق "المجتمع البورجوازي" الذي كان في مجرى التطور منذ القرن السادس عشر وحقق خطوات تجاه النضج في الثامن عشر. في مجتمع المنافسة الحرة هذا يبدو الفرد حراً من روابط الطبيعة، الخ، التي جعلته في أحقاب التاريخ السابقة جزءاً من مجموعة بشرية محددة. بالنسبة لأنبياء القرن الثامن عشر، الذين ما زال يقف على أكتافهم سميث وريكاردو، يؤلف فرد القرن الثامن عشر هذا، النتاج المشترك لانحلال الشكل الإقطاعي للمجتمع ولقوى الإنتاج الجديدة التي تطورت منذ القرن السادس عشر، يظهر كمثال ينتمي وجوده إلى الماضي، ليس نتيجة للتاريخ، وإنما كنقطة انطلاقة منذ أن بدا هذا الفرد على اتساق مع الطبيعة وتوافق مع مفاهيمها عن الطبيعة الإنسانية، كان ينظر إليه ليس باعتباره نتاجاً للتاريخ، وإنما للطبيعة. هذا الوهم مميز لكل حقبة جديدة .
هكذا كان الوهم الذي عاناه المفكرون الذين طوروا أفكار التوحيد والهيمنة الكهنوتية بين اليهود، خلال وبعد فترة المنفى. لم تبد لهم هذه الفكرة بوصفها نتاجاً لتطور تاريخي، وإنما كشرط معطى منذ البداية، ليس باعتبارها "نتيجة تاريخية" وإنما باعتبارها "النقطة الاستهلالية للتاريخ". إن التاريخ ذاته يتصور الآن بمعنى مماثل ويكيف بشكل أكثر سهولة للأوضاع الجديدة مادام قد كان إلى حد كبير مجرد مأثور شفوي وبالنسبة للقسم الأعظم لم يكن مؤسساً على دليل وثائقي. الإيمان بإله واحد وسيطرة كهنة يهوه على إسرائيل جعل الآن نقطة انطلاق تاريخ إسرائيل، الشرك والوثنية، التي لم يكن ممكناً إنكارها كلية قد صورت باعتبارها انحرافات لاحقة عن إيمان الآباء، وليس بوصفها هذا الإيمان البدائي نفسه، الذي كانته بالفعل.
وقد كان لهذا المفهوم ميزة عظيمة في امتلاك جاذبية مغرية على نحو استثنائي، كما فعل أيضاً إعلان العرق لنفسه شعب الله المختار. الافتراض بأن يهوه قد كان فقط الإله السلفي لإسرائيل جعل من الضروري تفسير هزائم هذا الشعب باعتبارها هزائم وفيرة لإلههم، الذي تبين أنه الأضعف في الصراعات مع الآلهة الأخرى، لقد توفرت من ثم كل الأسباب للشك في يهوه وكهنته. ولكن الحالة أصبحت مختلفة تماماً عندما لم يكن هناك إلهاً غير يهوه، إذا كان يهوه قد اختار الإسرائيليين قبل الشعوب الأخرى فكافئوه بعدم الامتنان وبالارتداد (عن دينه)، لظهر كل سوء حظ إسرائيل ويهوذا الآن بوصفه عقوبات عادلة شديدة الكثرة لخطاياها، لإهمالها كهنة يهوه، وهكذا تصبح أدلة لا على ضعف الإله وإنما على غضبه، لأنه لن يُسخر منه هزواً. ولكن كانت هناك نتيجة لازمة طبيعية لهذه الفكرة وهي أن الإله سوف يرحم مرة أخرى شعبه، سوف ينقذه ويخلصه بمجرد أن يتشرب ثانية بالإيمان الصحيح به وبكهنته وأنبيائه. إذا لم يكن للحياة القومية أن تنقرض أصبح مثل هذا الإيمان أكثر ضرورة حيث أصبح مركز الجماعة الصغيرة، "دودة يعقوب ويا شرذمة إسرائيل" (إشعيا، 41/ 14) أكثر يأساً بين الجماعات المعادية للقوة الأعظم.
قوة ما فوق طبيعية، ما فوق إنسانية، إلهية، منقذ، مخلص مرسل من الله فقط، يمكن أن ينقذ الآن ويحرر يهوذا وأخيراً يرفعها لتكون سيدة كل الشعوب التي تسيء معاملتها. يظهر الإيمان بالمخلص متزامناً مع التوحيد، وهو مرتبط به بوثوق. لهذا السبب بالذات فإن المخلص لا يُتخيل باعتباره إلهاً، وإنما باعتباره إنساناً أرسل من قبل الإله. لأن وظيفته كانت أن يقيم مملكة أرضية، وليس مملكة الله، لأن الفكر اليهودي لم يكن قد وصل بعد هذه المرحلة من التجريد، أي مملكة اليهود. في الواقع كانوا قد حيوا كورش بالفعل، الذي حرر اليهود من بابل وأعادهم إلى أورشليم بوصفه المرسوم من يهوه، المخلص، المسيح. (إشعيا 45/ 1).
تَحُول الفكر اليهودي هذا، الذي تلقى أقوى حوافزه خلال المنفى، والذي لم يحقق بالتأكيد شكله النهائي في تلك الفترة، لم يكن بإمكانه أن يجري في لحظة واحدة أو بوسائل سلمية. لا يمكن لنا أن ننسى أن هذا التحول كان يعبر عن نفسه في جدالات قوية في أسلوب الأنبياء، في شكوك عميقة وتأملات على طراز سفر أيوب، وأخيراً في شخصنة تاريخية في أسلوب المكونات المختلفة لأسفار موسى الخمسة التي دونت في هذا الوقت.
لم تنته هذه الفترة التوراتية إلا بعد وقت طويل من المنفى. برزت وجهات نظر معينة محددة عقائدية، إلهية، شرعية وتاريخية. وقُبلت باعتبارها صائبة من قبل الكهنوت الذي نال السيطرة على الشعب وكذلك من جماهير الشعب نفسه. أُعلن أن كتابات معينة وهي التي كانت تتوافق مع هذه النظرات شديدة القدم ومقدسة ونقلت بوصفها كذلك إلى الخلف. ولكن شعروا أنه من الضروري إدخال بعض الوحدة على المكونات المختلفة لهذا الأدب، الذي كان ما زال مليئاً بالمتناقضات، مردداً داخله بأشد الطرز تنافراً عناصر قديمة وجديدة، مفهومة بصواب وغير مفهومة على الإطلاق، حقيقية ومصطنعة، وتحقق هذا الغرض عن طريق "التحرير" الشامل، والبتر والإدراج. برغم كل هذا "العمل التحريري" فإن لدينا لحسن الحظ نتيجة له، العهد القديم، ما يكفي من المادة الأصلية لتمكننا من أن نتعرف فيها على أثر على الأقل ـ من بين وفرة التزييفات الكثيرة ـ عن طابع الشعب العبراني القديم ما قبل المنفى، ذلك الشعب العبراني الذي ليس اليهود المحدثون استمراراً له، وإنما أيضاً النقيض تماماً منه.


ب ـ الشتات اليهودي
في عام 538ق.م، أذِنَ كورش لليهود البابليين أن يعودوا إلى أورشليم، ولكننا قد رأينا سلفاً أنه لم ينتهزوا جميعاً بأي حال فرصة هذا الإذن. كيف كان يمكن للجميع أن يعيشوا في أورشليم؟ كانت المدينة مخربة وفي حاجة لوقت لجعلها قابلة للسكنى، ومحصنة، وإعادة بناء معبد يهوه. ولكن حتى آنذاك فهي لن تقدم لكل اليهود فرصة للعيش، من المحتمل أنه كان حقيقياً آنذاك مثله الآن أن يميل الفلاح للتوجه نحو المدينة، بينما الانتقال من الحياة الحضرية إلى الزراعية صعب كما أنه نادر.
من المحتمل أن اليهود قد حازوا بالكاد مهارة صناعية لا تذكر في بابل، ومن الممكن أن يكونوا قد عاشوا هناك وقتاً قصيراً جداً. لم تحصل يهوذا على أي استقلال قومي، بقيت معتمدة على الغزاة الأجانب، أولاً على الفرس، ثم، بدءاً بالإسكندر الأكبر، على الإغريق، وأخيراً بعد فترة استقلال قصيرة، ومن الثورات الأشد تنوعاً وتدميراً، باتت تحت سيطرة الرومان. كانت كل الشروط كقاعدة مفتقرة لوجود مملكة حربية، تحوز الثروة بإخضاع ونهب الجيران الأضعف.
بينما لم تقدم الزراعة، والصناعة، والخدمة العسكرية، مجالات شديدة الاتساع لليهود بعد المنفى فإن أغلبيتهم لم تكن لديهم وسائل للعيش عدا التجارة، الذي كان بالفعل واقع الحال في بابل. لقد اهتبلوا هذه الفرصة بسهولة أكثر ما داموا كانوا يمتلكون المؤهلات والأداة العقلية الضرورية لقرون.
ولكن تصادف في هذه الفترة تماماً بدءاً من الأسر البابلي أن كانت تجري تغيرات عظيمة في السياسة والتجارة التي كانت لها تأثيرات كارثية على الوضع التجاري في فلسطين. الزراعة الفلاحية وأيضاً الحرف اليدوية هي مهن محافظة للغاية. نادراً ما يجري تقدم فيها، ونادراً ما يثير حتى التقدم اهتمامها، حيث يغيب حافز المنافسة ـ هكذا كما هو الحال دائماً في الشروط البدائية ـ بينما تقدم في المجرى العادي للأحداث، حين لا يكون هناك تلف في المحاصيل، أوبئة، حروب وسوء حظ جماعي مماثل، لكل عامل يشتغل بالطريقة التقليدية، خبزه اليومي، بينما الجديد وغير المجرب قد يكون مناسبة للإخفاق والخسارة.
لا تنشأ التطورات التقنية في الزراعة الفلاحية وفي الحرف اليدوية عادة من ثم مباشرة من هذه المصادر، وإنما من التجارة، التي تأتي بمنتجات جديدة وعمليات جديدة من الخارج، التي تعطي سبباً للفكر وأخيراً تنتج زراعة جديدة مربحة وطرائق جديدة.
التجارة أقل محافظة إلى حد بعيد، منعتقة من البداية من الحدود المحلية والمهنية، وهي بطبيعتها ناقدة لتقاليد الوطن، لأنها قادرة على مقارنتها وقياسها بالمستوى الذي جرى بلوغه في أماكن أخرى، وفي ظل ظروف أخرى. أضف إلى ذلك، يخضع التاجر لضغط المنافسة بسهولة أكثر من المزارع أو الحرفي لأنه يلتقي بمنافسين من أشد الأمم اختلافاً في المراكز الكبرى للتجارة. إنه مضطر من ثم إلى أن يكون دائماً في نقطة المراقبة لشيء جديد، خاصة أن يعمل من أجل تحسين وسائل المواصلات، ولتوسيع دائرة علاقاته التجارية. ما دامت الزراعة والصناعة لا تدار باستخدام رأس المال ولم تبن على أساس علمي، تكون التجارة هي العنصر الثوري الوحيد في الاقتصاد، والتجارة البحرية بصفة خاصة لها أثر أقوى في هذا الاتجاه. تجعل الملاحة البحرية من الممكن تغطية مساحات أعظم وتؤمن الاتصال بين شعوب أكثر تنوعاً بخلاف ما هو عليه الحال في التجارة البرية. لأن المحيط في البداية يفصل الأعراق أكثر مما يفعل البر، وهكذا يجعل تطور كل شعب أكثر استقلالاً وخصوصية عن الآخرين. ولكن مع تطور التجارة البحرية التي تقيم الاتصال بين شعوب منفصلة حتى حينها، كثيراً ما تلتقي التطرفات المتباعدة أكثر من التي تقترن معاً في التجارة البرية. ولكن يستلزم الإبحار أيضاً متطلبات أعلى في شكل مهارة تقنية، لذا تتطور التجارة البحرية متأخرة كثيراً عن التجارة البرية، حيث تفترض سيطرة شاملة على الطبيعة أكثر بكثير حال إنشاء سفن جديرة بالإبحار منها في عملية ترويض حمل أو بغل. من ناحية أخرى، إنها تحديداً الأرباح الضخمة لتجارة البحر، التي يمكن اجتناؤها على أساس درجة عالية من القدرة على بناء السفن وحدها، التي تشكل واحداً من أقوى الدوافع لتطوير هذه القدرة. من المحتمل أن المهارة التقنية للأزمنة القديمة لم تتطور إلى حد بعيد، أو تحقق مثل هذه النجاحات في أي مجال آخر، مثلها في حقل إنشاء السفن.
لا تقوم التجارة البحرية عائقاً أمام التجارة البرية، على النقيض من ذلك، فإنها تشجع التجارة البرية. يتطلب عادة ازدهار مدينة ذات ميناء بحري وجود أرض داخلية Hinterland تقدم السلع التي تحمل على السفن في ميناء بحري، والتي تشتري السلع التي يؤتى بها إلى الميناء بواسطة السفن. يجب أن يسعى الميناء البحري لتطوير تجارته البرية مع تجارته البحرية، ولكن الأخيرة تستمر في الاستحواذ على أهمية أكثر فأكثر، إنها تصبح العامل الحاسم، بينما تبقى الأولى معتمدة عليها. إذ تتغير طرق التجارة البحرية، فإن (طرق) التجارة البرية ينبغي أن تتغير أيضاً. قدمت فينيقيا التي تقع بين مركزي الحضارة القديمة على النيل والفرات، وتسهم في تجارتهما، أول البحارة الذين قاموا برحلات كبرى في البحر الأبيض المتوسط. كان لهذا البلد مدخل جيد إلى البحر الأبيض المتوسط كما كان لأرض المصريين، ولكن الأخيرة دعت سكانها بصفة رئيسية للزراعة، التي كان إنتاجها، بسبب فيضانات النيل، لا ينضب، وليس للإبحار. افتقرت مصر للخشب الضروري لإنشاء السفن، ولكنها افتقرت أيضاً لحافز الضرورة وهو الدافع الوحيد الذي يمكن أن يُغري الإنسان في مرحلة مبكرة لأن يعرض نفسه لمخاطر البحر المفتوح. مع أن تطور الملاحة النهرية كان عظيماً بين المصريين، فقد بقيت ملاحة أعالي البحار لديهم ملاحة ساحلية ذات دورات قصيرة. لقد طوروا الزراعة والصناعة، خاصة النسيج، وازدهرت مواصلاتهم التجارية، ولكنهم لم يسافروا إلى الخارج كتجار، لقد انتظروا الأجانب لإحضار سلع إليهم. بقيت الصحراء والبحر عنصرين معاديين في نظرهم.
عاش الفينيقيون من ناحية أخرى، على شُقِة من الأرض على طول الساحل، التي دفعتهم بالمعنى الحرفي نحو البحر، لأن هذه الشقة تقع على طول أسفل سلسلة صخرية من الجبال التي قدمت فرصاً وإن قليلة لزراعة، وهكذا جعلت من الضروري أن تكمل مردودها غير الكافي باصطياد السمك، والتي قدمت أيضاً خشباً فاخراً لبناء السفن. كانت هذه هي الشروط التي اضطرت الفينيقيين الي أن يلجأوا إلى البحر. وحقيقة أنهم وضعوا بين أقاليم ذات صناعة عالية التطور قد حفزتهم فيما بعد لتوسيع حملات الصيد إلى عمليات تجارية بواسطة البحر. وهكذا أصبحوا حملة المنتجات الهندية، والعربية، والبابلية والمصرية، خاصة سلع النسيج والتوابل، إلى الغرب، حيث أتوا بالمقابل بمنتجات من نوع آخر، خاصة المعادن.
ولكن في مجرى الزمن واجهوا منافسين خطرين في شخص الإغريق، سكان أقاليم جزرية وساحلية كانت أرضها الزراعية شحيحة تقريباً (كأراضي) فينيقيا، وصولاً إلى أن الإغريق كانوا مضطرين أيضاً لأن يقوموا بعمليات صيد الأسماك والإبحار. نمت هذه إلى نسب أكبر وأكبر وأصبحت خطرة أكثر فأكثر على الفينيقيين. سعى الأغارقة في البداية لتجنب الفينيقيين واختطاط طرق جديدة نحو الشرق. وقد اخترقوا البحر الأسود، حيث أسسوا من موانيه البحرية تجارة مع الهند عن طريق آسيا الوسطى. حاولوا في نفس الوقت أن يقيموا علاقات مع مصر وأن يفتحوا هذا البلد لتجارتهم البحرية. نجح الأيونيون Ionians والكاريائيون Karians في هذه المحاولة قبل فترة السبي البابلي لليهود بالضبط. بدءاً من زمن بسماتيك كان لهم (663ق.م) موضع قدم ثابت في مصر، غامرينها تقريباً بتجارتهم. في ظل أمازيس (569-525 ق.م) كانوا قد أُعطوا بالفعل منطقة على طول الذراع الغربي للنيل، ليؤسسوا عليها مينائهم البحري الخاص على طرازهم الخاص. والذي كان يسمى نقراطيس Naukratis. كان هذا يخدم باعتباره المركز الوحيد للتجارة مع بلاد الإغريق. بعد ذلك سرعان ما خضعت مصر للفرس (525 ق.م) كما خضعت بابل قبلاً. ولكن لم يتغير مركز الأغارقة في مصر بسبب هذا الظرف. أُعطي الأجانب من ناحية أخرى الآن حقوقاً كاملة للتجارة مع كل مصر، وقد ربح الأغارقة كثيراً من هذا الترتيب. حالما ضعف النظام الفارسي، وأصبحت الروح الحربية للشعوب الرعوية السابقة واهنة بسبب الحياة في المدن الكبيرة هب المصريون متمردين وحاولوا استعادة استقلالهم وهي المحاولة التي نجحوا فيها لبعض الوقت (404-342 ق.م). لم يكن ممكناً أن يتم هذا دون مساعدة الأغارقة، الذين كانوا في هذه الأثناء قد أصبحوا أقوياء بما يكفي لأن يدفعوا خلفاً الفرس العتاة في البر والبحر، وليس الفرس فقط، وإنما أيضاً رعاياهم، الفينيقيين. يبدأ المجتمع الإغريقي في ظل الإسكندر المقدوني، في 334 ق.م، في اتخاذ موقف هجومي ضد الإمبراطورية الفارسية، ويضمها، ويضع نهاية لمجد المدن الفينيقية، الذي كان يتدهور لزمن طويل.
تدهورت تجارة فلسطين على نحو أكثر سرعة من (تجارة) فينيقيا وهجرت المواصلات العالمية طرق فلسطين، ليس فقط صادرات الهند، وإنما أيضاً (صادرات) بابل، الجزيرة العربية، الحبشة ومصر. حيث أن فلسطين هي الحاجز بين مصر وسوريا، بقيت المسرح الذي خيضت عليه الحروب بين أمراء سوريا ومصر في الأغلب، ولكن التجارة بين هذين الإقليمين جرت الآن عبر البحر مع إهمال لطريق البر. لقد احتفظت فلسطين ببساطة بكل مساوئ مركزها الوسيط فاقدة كل الميزات. بينما كانت أغلبية اليهود مدفوعة أكثر فأكثر إلى التجارة كمهنة، كانت إمكانية ممارستها التجارية في بلادها تتناقص بشكل متلاحق. ما دامت التجارة، من ثم، لم تأت إليهم فقد كانوا مضطرين للسعي إليها في الخارج، بالتجارة مع أمم كتلك التي لم تطور طبقة تجارية تخصها، وإنما انتظرت التجار ليأتوا إليها. كان هناك عدد كاف من هذه الأعراق. حيث أعالت الزراعة غالبية السكان، حيث لم يكن ضرورياً استكمالها بواسطة تربية الماشية أو صيد الأسماك، وحيث أشبعت الأرستقراطية رغبتها للتوسع بمراكمة اللاتيفونديات في الوطن وشن الحرب في الخارج، فقد كان من المفضل بشكل عام انتظار التجار ليأتوا إلى البلد بدلاً من الارتحال لتأمين السلع الأجنبية بالخارج. كانت هذه ممارسة المصريين، وكان لها أن تكون ممارسة روما، وفي كلتي الحالتين كان التجار أجانب، خاصة أغارقة ويهود. وكان أعظم ازدهار صادفه تجار كهؤلاء في بلدان من النمط المذكور آنفاً.
الشتات، تَبَدُدَ اليهود خارج وطنهم، يبدأ من ثم بالضبط في الوقت الذي يعقب المنفى البابلي، بمعنى آخر، في الوقت الذي كان قد سمح فيه لليهود بالعودة لوطنهم. لم يكن هذا التبدد نتيجة لعمل عنف، مثل تدمير أورشليم، وإنما لتحول غير محسوس كان يتفاعل آنذاك، أي تحول طرق التجارة. وحيث أن طرق التجارة العالمية لم تؤثر فلسطين أبداً منذ آنذاك، فقد جرى تجنب هذا البلد حتى الآن من قبل غالبية اليهود، حتى حين أتيحت لهم فرصة الاستقرار في أرض آبائهم. لن تغير الصهيونية شيئاً في هذا الشرط إذا لم تمتلك القوة على تحويل مركز التجارة العالمية إلى فلسطين.
جرى أعظم تجمع لليهود في المدن التي تميزت بأكثر الأنشطة التجارية، والتراكم الأعظم للثراء، أي في الإسكندرية ولاحقاً في روما. تزايد اليهود في هذه الأماكن، ليس فقط من ناحية العدد، وإنما أيضاً في الثروة والقوة. صهرهم شعورهم القومي القوي أيضاً بقوة معاً، الذي كان عاملاً ذو أهمية أعظم ما دامت الروابط الاجتماعية في أيام التحلل الاجتماعي العام والمتزايد الذي كان مميزاً للقرون السابقة مباشرة على المسيح، كانت تتحلل كلياً وتختفي. وكما كان ممكناً أن نجد يهوداً في كل المراكز التجارية لمجمل الحضارة الهيلينية والرومانية كما وجدت في ذلك الوقت، فإن روابط قرابتهم امتدت خلال هذه المنطقة، مكونة أممية قدمت المساعدة لكل أعضائها، بغض النظر عن البلد الذي أتى منه، إذ نأخذ في الاعتبار بالإضافة إلى ذلك القدرات التجارية التي حازوها في مجرى قرون عديدة، والتي كانت تتطور منذ نفيهم تحت أثر الضغط في اتجاه واحد، فسوف نفهم هذه الزيادة في قوتهم وثروتهم.
يقول مومسن عن الإسكندرية إنها: "كانت تقريباً مدينة اليهود بقدر ما كانت مدينة للأغارقة، لابد أن اليهود السكندريين كانوا على الأقل مساوين (ليهود) أورشليم في العدد، والثروة، والذكاء، والتنظيم. قدر أنه كان هناك مليون يهودي في العصر الإمبراطوري الأول، مقابل عشرة مليون مصري، ومن المحتمل أن نفوذهم كان أعظم من أن يمثل بهذه النسبة.... هم، وهم فقط، كان مسموحاً لهم بأن يشكلوا جماعة داخل المجتمع إن جاز القول، وبينما كان غير البلديين Non-Burgesses الآخرين يُحكمون من قبل سلطات الهيئة البلدية، فقد سمح لهم إلى مدى معين أن يحكموا أنفسهم.
يقول سترابو: "اليهود لهم قائد (ξ---θ---υ---ά---ρ---χ---η---ς---) قومي خاص بهم في الإسكندرية الذي يرأس الشعب ويقرر العمليات وينظم العقود والترتيبات كما لو كان يحكم جماعة مستقلة". وقد جرى هذا لأن اليهود أعلنوا أن مثل هذا القضاء النوعي كان متطلباً لقوميتهم، أو ما يساوي نفس الشيء، لديانتهم. أضف إلى ذلك أولى التنظيم العادي الانتباه لدرجة بعيدة للوسواس القومي والديني لليهود، ومنحت الإعفاءات الضرورية حيثما كان ذلك ممكناً. حقيقية أنهم عاشوا معاً قوت هذا المركز الخصوصي، على سبيل المثال، في الإسكندرية، كان اثنان من الأحياء الخمسة للمدينة، يسكنها اليهود بصفة أساسية" .
أصبح بعض يهود الإسكندرية ليسوا أثرياء فقط وإنما حازوا أيضاً سمعة حسنة عالية ونفوذاً بين حكام العالم.
على سبيل المثال، مستأجر الجمارك العليا في الجانب العربي من النيل، الألبارخ الإسكندر، كان له نفوذ ضخم. أجريبا الذي أصبح فيما بعد ملك اليهودية، اقترض مائتي ألف دراخمة منه في ظل حكم طيباريوس. أعطاه الإسكندر خمسة تالنتات Talents نقداً وأمراً بدفع المتبقي في ديكارشيا Dekarchia. يظهر هذا كيف كانت العلاقات التجارية وثيقة بين اليهود في الإسكندرية وهؤلاء الذين في إيطاليا. لقد كانت هناك جماعة يهودية مهمة في ديكارشيا أو بوتيولي، قرب نابولي. يروي لنا يوسيفوس المزيد عن نفس اليهودي السكندري: "هو، الإمبراطور، كلوديوس، حرر مرة أخرى الألبارخ الإسكندر ليسيماخوس، صديقه الطيب القديم، الذي كان أميناً Trustee لأمه أنطونيا وكان قد سجن من قبل كايوس في نوبة غضب. تزوج ابن الإسكندر ماركوس فيما بعد بيرينيس، ابنة أجريبا" .
ما كان صحيحاً بالنسبة للإسكندرية هو صحيح أيضاً بالنسبة لأنطاكية: "لقد منح اليهود استقلالاً معيناً كجماعة، ومركزاً متميزاً، ليس فقط في عاصمة مصر، وإنما أيضاً في (عاصمة) سوريا، والمركز الذي احتلته هاتين المدينتين كمركزين للشتات اليهودي لم يكن أقل العناصر التي أسهمت في تطورهم" .
نستطيع أن نتتبع في الماضي وجود اليهود في روما حتى القرن الثاني قبل الميلاد. في 139 ق.م نفي البريتور الروماني الموكل بالأجانب يهوداً أدخلوا مهتدين جدداً إيطاليقيين Italic للاحتفال بسبتهم. ربما كان هؤلاء اليهود أعضاء سفارة أرسلت من قبل شمعون المكابي للحصول على تأييد الرومان، الذين استغلوا هذه الفرصة للقيام بالدعاية لأنفسهم. سرعان ما نجد في أعقاب ذلك اليهود متوطنين في روما، وأصبحت الجماعة اليهودية هناك قوية تماماً حين غزا بومبي أورشليم في 63 ق.م. لقد أحضر عدداً كبيراً من أسرى الحرب اليهود إلى روما، الذين استمروا في العيش هناك كعبيد أو كمعتقين. أصبحت هذه الجماعة ذات نفوذ. اشتكى شيشرون حوالي العام 60 من أن قوتهم كان يحس بها حتى في الساحة العامة Forum. استمرت هذه القوة في التزايد في ظل قيصر، ووصفها مومسن بهذه الكلمات:
"كيف كان السكان اليهود عديدين حتى في روما بالفعل قبل زمن قيصر، وكيف كان اليهود في هذا الوقت قد انصهروا حتى كمواطنين، يتبين بملاحظة أبداها مؤلف من هذه الفترة، مفادها أنه كان خطيراً لحاكم أن يؤذي يهود مقاطعته، حيث يعتقد بالتأكيد أنه كان سيستهجن بعد عودته من عامة الناس في العاصمة. حتى في هذا الوقت كان العمل الغالب لليهود هو التجارة. تحرك التاجر اليهودي في كل مكان مع التاجر الروماني الغازي عندئذ، بنفس الطريقة التي صحب بها فيما بعد الجنوي Genoese والبندقي Venetian، وفاض رأس المال في كل الأيدي إلى اليهودي، بجانب التجار الرومان. نواجه في هذه الفترة، أيضاً، النفور الخاص للغربيين نحو هذا العرق الشرقي الأصيل وآرائه وعاداته الأجنبية. هذه اليهودية رغم أنها ليست الملمح الأكثر إرضاءاً في الصورة غير المرضية في أي مكان من خليط الأمم الذي ساد حينئذ، كانت مع ذلك عنصراً تاريخياً يطور نفسه في المجرى الطبيعي للأشياء، الذي لم يستطع رجل الدولة أن يتجاهله ولا أن يكافحه، والتي تبناها قيصر على العكس، تماماً مثل سلفه الإسكندر، بقوة تمييزه الصائبة للظروف، إلى أبعد حد ممكن. بينما لم يفعل الإسكندر، بوضعه أساس اليهودية السكندرية، أقل مما فعله داودها الخاص بتخطيط هيكل أورشليم، دفع قيصر أيضاً مصالح اليهود في الإسكندرية وفي روما بالمكرمات والامتيازات، وحمى بصفة خاصة عبادتهم ضد الرومان وكذلك ضد الكهنة الأغارقة المحليين. لم يفكر الرجلان العظيمان بالطبع في وضع القومية اليهودية على قدم المساواة مع القومية الهيلينية أو الإيطالية ـ الهيلينية. ولكن اليهودي الذي لم يتلق مثل الغربي هدية بانادورا من التنظيم السياسي، ويقف بقدر عظيم في علاقة من عدم الاهتمام بالدولة، المتردد فضلاً عن ذلك، في التخلي عن جوهر خصوصيته القومية، والمستعد لتلبيسها بأي قومية حسب الطلب وأن يكيف نفسه إلى درجة معينة للعادات الأجنبية ـ كان اليهودي لهذا السبب بالذات إذا جاز القول قد صنع من أجل دولة، كان عليها أن تُبنى على أنقاض آلاف المنظمات القائمة، وأن يضفي عليها، من البداية، قومية مجردة ملطفة. كانت اليهودية حتى في العالم القديم خميرة مؤثرة للنزعة الكوسموبوليتانية وللتفسخ القومي، ولهذا المدى عضو متميز بصفة خاصة في الدولة القيصرية التي كانت حكومتها تتحدث بصرامة عن لا شيء عدا مواطنية العالم، والتي لم تكن قوميتها في الأساس غير الإنسانية" .
ينجح مومسن هنا في أن يأوي في جملة واحدة ثلاث تنويعات متميزة من الحكمة التاريخية الأستاذية. في المحل الأول، هناك مفهوم أن الملوك يصنعون التاريخ، حتى إن بضعة مراسيم من الإسكندر الأكبر خلقت اليهود في الإسكندرية، وليس تغير الطرق التجارية الذي أتى بمستوطنة يهودية كبيرة إلى مصر واستمرت في التطور والتقوية بعد موت الإسكندر، أو أننا سوف نعتقد أن كل عالم تجارة مصر، الذي استمر لعدة قرون، قد خلقه الغازي المقدوني، كنتيجة لهوى عارض خلال إقامته المؤقتة في ذلك البلد؟
هذا الاحترام الخرافي للمراسيم الملكية تلاه مباشرة خرافة العرق. إن أعراق الغرب مجهزة بالطبيعة بـ"هدية بانادورا" من التنظيم السياسي، التي يفتقر إليها اليهود منذ الميلاد. تعرض الطبيعة بوضوح بوصفها خالقة ميولاً سياسية من مصادرها الخاصة، قبل أن يوجد أي شيء كالسياسة وعندئذ توزعها بشكل نزوي بين "الأعراق" المختلفة، أيا ما كان يعني هذا. هذه النزوة الغامضة للطبيعة هنا هي أكثر كوميدية في أثرها حين نتذكر أن اليهود حتى زمن نفيهم امتلكوا وطبقوا نسبة كبيرة تماماً من "هدية بانادورا" من التنظيم السياسي كما فعلت كل الأعراق الأخرى في مرحلتها المعينة من الحضارة. حرمهم ضغط الظروف الخارجية فقط من دولة وهكذا من المادة الضرورية للتنظيم السياسي.
بالإضافة إلى هذه المفاهيم الملكية والأنثروبولوجية عن التاريخ، يزودنا مومسن بمفهوم ثالث، يعرض فيه جنرالات ومنظمي الدولة بوصفهم متأثرين بعمليات عقلية مشابهة لتلك التي أفرخها الأساتذة الألمان في دراساتهم. يمثل المختلس عديم الضمير، وجندي الثروة، يوليوس قيصر، باعتباره راغباً في خلق قومية مجردة لمواطنية عالمية وإنسانية، وحيث أدرك ذلك فقد فَضَّل اليهود باعتبارهم أكثر الوسائل فائدة في إحراز هذه الغاية!
حتى إذا كان قيصر قد تظاهر بأنه يتصرف بهذه الروح، فلا ينبغي أن نشعر بأننا ملزمين باعتبار مثل هذا التعبير متوافقاً مع أفكاره الحقيقية، بقدر ما أننا غير مستعدين بالمثل تماماً أن نأخذ بجدية عبادة نابليون الثالث. الأساتذة الليبراليون للفترة التي كتب فيها مومسن تاريخ روما سوف يسمحون لأنفسهم أن ينخدعوا بسهولة بالمجاز النابوليوني، ولكن هذا الاتجاه لم يشكل فضيلة سياسية. كما أن قيصر لم يقل حتى كلمة واحدة توحي بأي فكرة كهذه. لم يستخدم القياصرة أي عبارة عدا تلك التي راجت وقتها التي يمكن أن تستخدم لأغراض ديماجوجية، بين البروليتاريين السذج أو الأساتذة السذج. حقيقة أن قيصر لم يتسامح مع اليهود فقط وإنما فضلهم يمكن أن تفسر على نحو أكثر بساطة، رغم أنها ليست بهذه العظمة تماماً، بواسطة ديونه الأبدية وشهوته الأبدية للنقود. أصبحت النقود القوة الحاسمة في الدولة. لقد حماهم قيصر ومنحهم امتيازات لأن اليهود كانت لديهم النقود وقد أصبحوا مفيدين له، وليس بسبب أن مميزاتهم قد تكون ذات قيمة في خلق "قومية جاهزة مجردة".
قدر اليهود هذا الصنيع، وقد تفجعوا بعمق في وفاته. "في الحداد العام الكبير فقد رثاه أيضاً السكان (في روما)، من كل أمة وفقاً لأسلوبها، خاصة اليهود، الذين ذهبوا إلى حد زيارة غرفة حفظ الجثث عدة ليال متلاحقة . قدر أغسطس أيضاً أهمية اليهود. "حاولت جماعات آسيا الصغرى في ظل أغسطس أن تثقل على مواطنيها اليهود بالمثل في جباية الضرائب، وألا يسمح لهم بمراعاة السبت، ولكن أجريبا اتخذ قراراً ضدهم وأبقى الوضع القائم Status Quo في صالح اليهود، وربما، قنن الآن بالأحرى، للمرة الأولى إعفاء اليهود من الخدمة العسكرية وميَّز سبتهم، التي سبق وإن منحت وفقاً للظروف فقط من قبل حكام أفراد أو جماعات الولايات اليونانية. وجه أغسطس أبعد من ذلك حكام آسيا بألا يطبقوا القوانين الإمبراطورية الصارمة فيما يتعلق بالاتحادات والجمعيات ضد اليهود.... تكشف أغسطس عن كونه ميالاً باستحسان للمستوطنة اليهودية الكائنة في ضواحي روما على الضفة الأخرى من التيبر، وسمح لهؤلاء الذين أهملوا في قبض هباته بسبب السبت، أن يتلقوا حصتهم فيما بعد" .
لابد وأن اليهود في روما كانوا غاية في الكثرة في هذا الوقت. أكثر من ثمانية آلاف (رجال فقط؟) اشتركوا من مجمعهم في وفد يهودي توجه إلى أغسطس في عام 3 ق.م حديثاً جداً، اكتشفت مرة أخرى أماكن دفن يهودية متعددة في روما.
أضف إلى ذلك، بينما كانت التجارة مهنتهم الرئيسية، لم يكن كل اليهود الذين يعيشون في الخارج تجاراً. حيث عاش كثيرون معاً، فقد وظفوا أيضاً حرفيين يهوداً، الأطباء اليهود مذكورين في نقوش أفسس والبندقية . يخبرنا حتى يوسيفوس عن ممثل في البلاط يهودي في روما: "في ديكارشيا، أو بيتولي، كما يسميها الإيطاليون تعرفت على الممثل (μ---ι---μ---ο---λ---ό---γ---ο---ς---) ألبيتوروس الذي كان من أصل يهودي وذا حظوة عند نيرون. وقد تعرفت من خلاله على الإمبراطورة پوبايا .


ج ـ الدعاية اليهودية
لم يتكاثر شعب إسرائيل حتى نفيه بمعدل غير عادي، ليس أكثر من الأعراق الأخرى. ولكن بدءاً من هذا الوقت فصاعداً فقد تزايد إلى حد ملحوظ. وعد يهوه الذي زعموا أنه أعطاه لإبراهام قبلاً، قد تحقق الآن: "أباركك مباركة، وأكثر نسلك، تكثيراً، كنجوم السماء، وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك باب أعدائه، ويتبارك من نسلك جميع أمم الأرض" .
هذا الوعد، عملياً مثل كل وعود الكتاب المقدس الأخرى، لم يصطنع إلى أن تحقق الوضع المتنبأ به بالفعل ـ مثل النبوءات التي يتمتم بها بعض الأبطال الإلهيين المختارين في الدرامات التاريخية الحديثة. لم يكن من الممكن أن يكون وعد يهوه لإبراهيم قد كتب حتى ما بعد المنفى، لأن التصريح لا معنى له قبل هذه الفترة، ولكن عندئذ كان ملائماً بروعة. زاد عدد اليهود بالفعل، مؤسسين أنفسهم في كل المدن المهمة لعالم البحر الأبيض المتوسط، ممتلكين أبواب أعدائهم "حافزين تجارتهم في كل مكان" ومباركين كل الأمم في الأرض".
يقول الجغرافي سترابو، الذي كتب حوالي الوقت الذي ولد فيه المسيح عن اليهود: "دخل هذا العرق كل مدينة ومن الصعب أن تجد بقعة واحدة من الأرض المسكونة لم تستقبل هؤلاء القوم ولم تحكم (مالياً) بهم".
من المحتمل أن هذه الزيادة السريعة في السكان اليهود يجب أن تعزى جزئياً إلى خصوبتهم الشديدة. ولكن حتى هذه الخصوبة التي قد تؤخذ باعتبارها ملمحاً عرقياً خاصاً ـ في هذه الحالة لكانت قد جذبت الانتباه من الأزمنة الأبكر ـ هي بالأحرى ملمحاً خاصاً للطبقة التي تمثل الآن بصفة رئيسية بواسطة اليهود، الطبقة التجارية.
ليس فقط كل شكل المجتمع، وإنما كل طبقة ضمن المجتمع المعطى لها قانونها الخاص للسكان. البروليتاريا المأجورة الحديثة، على سبيل المثال، تتزايد بسرعة، بسبب حقيقة أن البروليتاريين، الأنثى وكذلك الذكر، يصبحون مستقلين اقتصادياً منذ سن مبكر ولديهم فرصة أن يؤمنوا أعمالاً لأطفالهم بينما ما زالوا صغاراً؛ أضف إلى ذلك، ليس لدى البروليتاري ممتلكات لتقسم، التي قد تغريه بأن يحدد عدد أطفاله.
القانون الذي يحكم الزيادة في السكان المزارعين المستقرين متغير، حيثما يجدون أرضاً خالية. كما هو الحال دائماً حين يغزون بلداً جديداً، يستوطنها حتى حينها، الصيادون أو الرعاة فإنهم يتكاثرون بسرعة عظيمة، لأن شروط وجودهم أكثر مواتاة بكثير لتنشئة أطفالهم من شروط الصيادين الرحل ذوي موارد الغذاء غير المؤكدة والافتقار للتغذية في شكل لبن بخلاف لبن الأم على سبيل المثال، وهو شرط يجبر الأمهات على حضانة أطفالهن لعدد من السنوات. ينتج المزارع وفرة من الغذاء على فترات منتظمة وتنتج الماشية التي يربيها أيضاً لبناً وفيراً، أكثر من ماشية الرعاة الرحل، الذين يستنفدون كثيراً من طاقتهم في البحث عن المرعى.
ولكن الأرض المتاحة للزراعة محدودة، والتحديدات التي تفرضها الملكية الخاصة ربما تصبح أعظم من تلك التي تفرضها الطبيعة. بالإضافة إلى ذلك فإن التطور التقني للزراعة بالنسبة للقسم الأعظم بطئ جداً. آجلاً أم عاجلاً من ثم فإن أمة من الفلاحين سوف تصل إلى مرحلة لا تجد فيها أي أراض جديدة لتأسيس بيوت وعائلات جديدة. هذا يجبر الفلاح، ما لم يكن لنسله الزائد أن يوظف في حرفة أخرى، الخدمة العسكرية، أو الصناعة الحضرية، على سبيل المثال، على أن يفرض حدوداً اصطناعية على عدد الأطفال. الفلاحون الذين يواجهون بهذا الوضع هم نماذج للمالثوسيين.
ولكن مجرد الملكية الخاصة في الأرض ربما يكون لها نفس الأثر، حتى وإن لم تكن كل الأرض الصالحة للزراعة قد فُلحت. حيازة الأرض هي الآن مصدر للقوة، كلما امتلك المرء أرضاً أكثر، كلما كان للمرء قوة وثروة أكبر في المجتمع. وتصبح الآن رغبة الملاك العقاريين أن يزيدوا ممتلكاتهم في الأرض، وحيث أن نطاق البلد ثابت وليس قابلاً للتوسع فإن الملكية الفعلية يمكن أن تزداد فقط بواسطة ضم الأرض الموجودة بالفعل. ربما تشجع قوانين الميراث أو تعوق هذه العملية، ربما تشجعها بواسطة الزواج، إذا ورث كلا الطرفين أرضاً، التي يمكن عندئذ أن تضم معاً، وربما تعوقها حيثما يجب أن تقسم قطعة من الأرض على عدة ورثة. ومن ثم سوف ينتهي الملاك العقاريون الكبار وكذلك الفلاح المالك إلى مرحلة، سوف يحد فيها من عدد ذريته، من أجل أن يحافظ على ملكيته كبيرة بقدر الإمكان، أو أن يحرم كل الذرية من الميراث عدا واحد. حيثما تبقى قسمة الميراث بين الذرية هي القاعدة، سوف تؤدي الملكية الخاصة في الأرض عاجلاً أم آجلاً إلى تحديد عدد ذرية ملاك الأرض، وفي ظل ظروف معينة إلى تناقص معتبر في هذا العدد. هذا هو أحد الأسباب التي أدت إلى تناقص سكان الإمبراطورية الرومانية، لأن الإمبراطورية كانت مؤسسة بصفة أساسية على الزراعة.
كانت خصوبة العائلات اليهودية تتعارض بقوة مع هذا. كف اليهود تواً عن أن يكونوا أناساً منخرطين بصفة رئيسية في الزراعة. وكانت الأغلبية العظمى منهم تجاراً ورأسماليين. ولكن رأس المال يختلف عن الأرض في أنه يمكن زيادته. حين تزدهر التجارة فربما تتزايد على نحو أكثر سرعة من ذرية التجار، الأخيرون من ثم ربما يتزايدون بسرعة تماماً، بينما تتزايد ثروة كل (منهم). ولكن كانت الزيادة الملحوظة في التجارة قد جرت فقط في القرون التي تبدأ بالمنفى وتمتد إلى القسم الباكر من العصر الإمبراطوري. تزايد بسرعة استغلال العمال المنخرطين في الزراعة ـ العبيد، المستأجرين، الفلاحين، بينما كان نطاق هذا الاستغلال يتسع. استمر استغلال المناجم في الزيادة إلى أن انخفض الإمداد بالعبيد. أدى هذا الأخير، كما رأينا، إلى تدهور الزراعة، وتناقص سكان الولايات، وفي المدى الطويل إلى إضعاف القوة العسكرية، متضمنة أيضاً وقف التزويد بالعبيد، الذي كان مرتكزاً على حروب مستمرة ناجحة، ومن ثم مرة أخرى إلى تدهور التعدين. ولكن مر وقت طويل قبل أن تستشعر هذه العواقب، تراكم الثروة في أيدي قليلة، وتزايد ترف الأغنياء بينما أصبح السكان ككل مفقرين. ولكن كانت التجارة عندئذ تجارة في الأشياء المترفة بصفة رئيسية. لم تكن طرائق المواصلات قد تطورت بعد إلا قليلاً، كانت الشحنات الرخيصة ذات الأحجام الكبيرة قد بدأت تصبح ممكنة. حققت التجارة التي حملت الحبوب من مصر إلى إيطاليا بعض الأهمية، ولكن بقيت أدوات الترف الموضوع الرئيسي للتجارة بصفة عامة. بينما التجارة الحديثة معنية بصفة أساسية بإنتاج واستهلاك جماهير كبيرة، فقد كانت معنية سلفاً بالأحرى بغطرسة وتبذير عدد قليل من المستغلين. بينما تعتمد التجارة اليوم على زيادة استهلاك الجماهير، فقد اعتمدت سابقاً على الاستغلال والتبديد. إنها لم تجد شروطاً أكثر مواتاة للأخير منها في الفترة التي تبدأ بتأسيس الإمبراطورية الفارسية وتنتهي بزمن أول القياصرة. بينما فرض تحول طرق التجارة معاناة كبيرة على فلسطين، فقد حفزت التجارة بكثافة بصفة عامة من الفرات إلى النيل، إلى الدانوب والراين، من الهند إلى بريطانيا. الأمم التي كان أساسها الاقتصادي زراعياً ربما تنقص وتخسر السكان، ولكن أمة من التجار ازدهرت بالضرورة حيث لم يكن لديها ما يستلزم فرض أي حد مهما صغر على زيادتها الطبيعية في السكان. كما لم يكن هناك أي ضغط خارجي يسهم في تخفيض هذه الزيادة.
ولكن بغض النظر عما قد يكون عليه تقديرنا العالي للخصوبة الطبيعية للشعب اليهودي، فإن هذه الخصوبة بمفردها لن تكون تفسيراً كافياً لزيادته السريعة. لقد تعزز هذا العامل إلى حد بعيد بسبب قوة الدعاية اليهودية.
إن مشهد أمة يزيد عددها بوسائل الدعاية اليهودية هو أمر استثنائي مثله في ذلك مثل الوضع التاريخي لليهود أنفسهم.
مثل الأمم الأخرى، فقد تماسك اليهود في البداية بواسطة روابط الدم، حل التركيب العشائري في ظل الملوك محل التنظيم الإقليمي، الدولة ومقاطعاتها. كفت هذه الرابطة عن أن تكون فعالة حين جر اليهود إلى المنفى، استعادت العودة إلى أورشليم هذه الرابطة لشق صغير من الأمة فقط. كان القسم الأعظم والمتزايد دائماً من القوم يعيش خارج الدولة القومية اليهودية، في الخارج، ليس فقط بشكل مؤقت كما يفعل تجار الأمم الأخرى، بل على نحو دائم. غير أن هذا قد أدى إلى خسارة رابطة إضافية للقومية، أي، اللغة المشتركة. لقد كان على اليهود الذين يعيشون في الخارج أن يتحدثوا بلسان أجنبي، وإذا كانت عدة أجيال قد عاشت بالفعل في الخارج، فإن الأجيال الأصغر في النهاية سوف تتمكن من أن تتحدث فقط بلغة بلدها المحلية، ناسية لغتها الأم. أصبحت اللغة الإغريقية بصفة خاصة شديدة الشعبية بينهم. بالفعل، ترجمت الكتابات المقدسة لليهود إلى الإغريقية في القرن الثالث ق.م. ويحتمل بسبب أن قلة فقط من اليهود السكندريين هي التي كانت لا تزال تفهم العبرية، ويمكن أيضاً أن يكون لأغراض الدعاية بين الأغارقة. أصبحت الإغريقية لغة الأدب اليهودي الجديد، حتى لغة الشعب اليهودي الذي يعيش في إيطاليا. "كان للجماعات (اليهودية) المختلفة في روما مدافن مشتركة، خمسة منها معروفة. خطت النقوش بصفة أساسية بالإغريقية، وقد كتب بعضها تقريباً بلغة مضطربة غامضة، بعضها باللاتينية، لا شيء بالعبرية" . لم يكن اليهود قادرين على إبقاء استخدام لغتهم العبرية حتى في فلسطين حيث تبنوا لغة السكان المحيطين بهم، والتي كانت الآرامية.
قبل عدة قرون من تدمير أورشليم من قبل الرومان، كفت العبرية بالفعل عن أن تكون لغة حية. لم تعد تخدم كوسيلة اتصال بين أعضاء الأمة، وإنما فقط كوسيلة للوصول للكتابات المقدسة للعصور القديمة، التي لم يكن عمرها حقيقة عدة قرون أو كثرة من آلاف السنين كما زُعم أنها كذلك، لقد ضمت معاً حديثاً من بقايا قديمة واصطناعات جديدة.
يزعمون أن ديانتهم قد أوحي بها لآباء إسرائيل الأوائل، ولكنها تشكلت بالفعل خلال وبعد فترة المنفى، أصبحت مع نشاطهم التجاري الرابطة الأقوى بين اليهود، العلامة الوحيدة التي تميزهم عن الأمم الأخرى.
ولكن الإله الواحد لهذه الديانة لم يعد واحداً من كثرة من الآلهة الأسلاف كما كان ذات مرة، لقد أصبح الآن الإله الوحيد للعالم، إله كل البشر، الذي تنطبق وصاياه على كل البشر، اختلف اليهود عن كل الآخرين فحسب بحقيقة أنهم قد اعترفوا به بينما أخفق الآخرون في أن يفعلوا ذلك بسبب عماهم. كان الاعتراف بهذا الإله الآن علامة اليهودية: إن من اعترف به وبوصاياه كان من بين المختارين من الإله، كان يهودياً. خلق التوحيد من ثم الإمكانية المنطقية لتوسيع حدود اليهودية بنشر هذه الفكرة. ربما ما كانت لتوظف هذه الإمكانية إذا لم تكن قد توافقت مع اتجاه اليهود للتوسع. عرضتهم أعدادهم الصغيرة لأعمق إذلال، مع ذلك لم يدمروا. لقد تجاوزا أسوأ المحن، ووجدوا مرة أخرى موقع قدم راسخ، وكانوا قد بدأوا يحوزون القوة والثروة وسط أكثر البيئات اختلافاً. أوحى لهم هذا الظرف بالثقة الفخورة بأنهم كانوا بالفعل الشعب المختار، قدر لهم حقاً أن يحكموا الأمم الأخرى، ولكن كما كان إيمانهم عظيماً بإلههم وبالمخلص الذي سوف يرسله إلههم، لم يكن من الممكن أن يخفقوا مع ذلك في إدراك كيف كان وضعهم ميئوساً منه إذا بقوا أمة غاية في الصغر وسط ملايين الوثنيين الذين أصبح تفوقهم العددي بالضرورة أكثر وضوحاً لهم حيث اتسعت دائرة علاقاتهم التجارية. كلما كانت رغبتهم في القوة والرفعة أقوى، كلما كانوا مضطرين لأن يزيدوا بعناية عدد شعبهم، وأن يجدوا أتباعاً بين الأمم الأجنبية. إننا نجد من ثم بين اليهود في القرون التي تسبق مباشرة تدمير أورشليم اتجاهاً قوياً للتوسع.
في حالة سكان الدولة اليهودية، كانت أبسط طريقة لتحقيق هذا التوسع بواسطة التحويل بالقوة. لم يكن شيئاً غير عادي أن تقهر شعباً؛ حينما نجح اليهود في هذا فقد حاولوا أن يفرضوا ديانتهم عليه. لقد حدث هذا في عصر المكابيين وخلفائهم، الذي امتد تقريباً من 165 حتى 63 ق.م. حين أتاح سقوط الإمبراطورية السورية للشعب اليهودي مجالاً واسعاً للحركة لبعض الوقت، التي وظفوها ليس فقط للإطاحة بالنير السوري، وإنما أيضاً ليوسعوا إقليمهم الخاص. غزوا الجليل التي لم تكن يهودية قبلاً، في هذه الفترة، كما أبان شورر . أخضعت أدوميا والأرض التي تقع شرق الأردن، وأحرز حتى موطئ قدم على الساحل، في يافا. لم تكن سياسة غزو كهذه غير عادية؛ ولكن كان من غير العادي تماماً لسياسة كهذه أن تتطور إلى غزو ديني. كان على سكان الأقاليم المغزوة حديثاً أن يقبلوا (كإله) من كان يعبد في الهيكل في أورشليم، كان عليهم أن يقوموا بالحج إلى أورشليم لعبادته، وأن يدفعوا عشور الهيكل إلى أورشليم، وأن يصبحوا مميزين عن الأمم الأخرى وذلك بممارسة الختان وبمراعاة الشرائع الطقسية اليهودية الخاصة.
كان مثل هذا الإجراء غير معروف على الإطلاق في العالم القديم، حيث سمح الغازي عادة بحرية دينية وأخلاقية كاملة للمقهورين وطلب من الأخيرين فقط جزية في الثروة والدم.
كان مثل هذا الشكل من التوسع اليهودي ممكناً فقط لبعض الوقت. على أية حال، حدث ذلك حينما كانت قوة السوريين غاية في الضعف، و(قوة) الرومان لم تكن بعد قريبة بما يكفي لتعوق التقدم العسكري ليهوذا. حتى قبل أن يحتل بومبي أورشليم (63 ق.م) فإن تقدم اليهود في فلسطين كان قد انتهى بالفعل إلى توقف. كان توسع الجماعة الدينية اليهودية بواسطة القوة قد توقف بفعالية من قبل القوة الأعظم للرومان.
بدءاً من هذا الوقت فصاعداً لجأ اليهود بأعظم طاقة إلى الطريقة الأخرى لزيادة عدد مؤمنيهم، أي للدعاية السلمية، كانت الأخيرة أيضاً ظاهرة استثنائية في عصرها. طورت اليهودية أبكر من المسيحية، نفس الدرجة من الحماس التبشيري كالأولى، ولقيت نجاحاً ذو وزن. لقد كان من الطبيعي، وإن لم يكن بالطبع منطقياً جداً، أن لام المسيحيون اليهود على حماسهم الذي طوروه هم أنفسهم بمثل هذا التناسب مع ديانتهم الخاصة:
"ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون والمراؤون!". يضع الإنجيلي هذه الكلمات في فم يسوع. "لأنكم تطوفون البحر والبر لتكسبوا دخيلاً واحداً ومتى حصل تصنعونه ابناً لجهنم أكثر منكم مضاعفاً". (متى، 23، 15).
هكذا كانت النغمات المسيحية التي عبر فيها حماس المنافسة عن نفسه.
لابد وأن المصلحة المادية وحدها قد قادت بعضاً من الأتباع من المحيط "الوثني" إلى اليهود. أن يكونوا أعضاء في تنظيم تجاري مزدهر متشعب بهذا الحد من الاتساع لابد وأنه كان منظوراً مغرياً لفئة غير قليلة. لايهم أين أتى يهودي، فقد كان يمكنه الاعتماد على دعم حيوي وتشجيع من زملائه المؤمنين.
أسهمت أسباب أخرى أيضاً في قوة اليهود في الدعاية. لقد رأينا آنفاً كيف أن موقفاً ملائماً معيناً تجاه التوحيد الأخلاقي قد تولد من مرحلة معينة في تطور حياة المدينة. ولكن كان توحيد الفلاسفة يتعارض مع الدين التقليدي، أو على الأقل خارج مجاله. تطلب هذا التوحيد استقلال الفكر. ولكن أدى نفس التطور الاجتماعي الذي ميز الفكرة التوحيدية أيضاً، كما رأينا، إلى تحلل الدولة والمجتمع، إلى عزلة متزايدة للفرد، لحاجة ناشئة إلى سلطة حازمة؛ في الموقف تجاه الحياة، إنه لم يؤد من ثم إلى الفلسفة، التي تجعل الفرد معتمداً على ذاته، وإنما إلى الدين، الذي يقارب الفرد كنتاج ناجز وثابت لسلطة ما فوق بشرية.
توصلت أمتان فقط من الحضارة القديمة، وهما الفرس واليهود، بسبب ظروف خاصة، إلى التوحيد ليس كفلسفة وإنما كدين. ديانتا الاثنتين أحرزتا تقدماً جديراً بالاعتبار بين أمم العالم الهيليني وفيما بعد الإمبراطورية الرومانية. ولكن بسبب وضعهم المحزن كشعب، اندفع اليهود بحماس عظيم إلى التبشير، واتصلوا في الإسكندرية بالفلسفة اليونانية بشكل وثيق.
تمكن اليهود هكذا من تقديم الغذاء العقلي الأكثر قبولاً لأذهان العالم القديم المنحل، الذي شكك في آلهتهم التقليدية الخاصة، والذي لم يمتلك طاقة كافية لأن يخلق نظرة عن الحياة بدون إله أو بإله واحد فقط، زاد هذا منذ أن قرن اليهود مع اعتقادهم في قوة أخلاقية بدائية مفردة، اعتقاداً أيضاً في مجيء مخلص كان يتوق إليه كل العالم آنئذ.
كانت الديانة اليهودية بين الديانات العديدة التي تلاقت في الإمبراطورية الرومانية هي التي أجابت بشكل أفضل على فكر وحاجات الحقبة؛ لقد كانت أرقى ليس بالنسبة لفلسفة "الوثنيين"، وإنما لديانتهم ـ نكاد لا نتعجب من أن اليهود قد شعروا بفخر بأنهم أرقى من الآخرين وأن عدد أتباعهم كان يتنامى بسرعة. قال السكندري اليهودي فيلون: "كل البشر تغزوهم اليهودية وتحثهم على الفضيلة، البرابرة، الهيلينيون، الساكنون في القارات والجزر، أمم الشرق والغرب، أوروبيون، آسيويون، أعراق الأرض". لقد توقع أن تصبح اليهودية دين العالم؛ وقد كان هذا في زمن المسيح .
لقد أشرنا سلفاً إلى أنه باكراً في 139 ق.م جرى ترحيل اليهود من روما لأنهم قاموا بالتبشير في إيطاليا. لقد روي عن أنطاكية أن أغلبية المجتمع اليهودي في هذه المدينة يتألف من يهود متحولين وليس يهوداً بالمولد. لابد وأن الأوضاع كانت متماثلة في أماكن أخرى كثيرة. تبين هذه الحقيقة وحدها عبث الجهد المبذول لتفسير ملامح اليهود على أساس عرقهم.
حتى الملوك تحولوا إلى اليهودية: إيزاتس Izates ملك مقاطعة أديابين Adiabene في أشور، أغرته باعتناق اليهودية عدة نساء كن قد تحولن إلى هذا الإيمان، الذي اعتنقته أيضاً أمة هيلينا. لقد أخذه الحماس إلى حد أن يُختن، بالرغم من أن معلمه اليهودي قد أشار عليه بخلاف هذا، لأنه قد يعرض وضعه للخطر بغير ضرورة. أصبح أخوة الملك يهوداً أيضاً، كان هذا في زمن طيباريوس وكلاوديوس.
أتت اليهوديات الجميلات بعدد كبير من الملوك الآخرين لأذرع اليهودية.

وهكذا، فإن الملك عزيز، من اميسا Emesa، تحول إلى اليهودية حتى يتزوج دورسيلا، أخت أجريبا الثاني. لقد كافأت هذه السيدة تفانيه بالأحرى فيما بعد بدناءة بهجر سيدها الملكي من أجل ضابط مالي روماني يدعى فيلكس. أختها بيرينيس، التي تختن الملك بولمون من أجل خاطرها لم تتصرف بشكل أفضل. في الواقع أصبح بولمون مشمئزاً من خلاعة زوجته، وليس فقط من الزوجة، وإنما أيضاً من ديانتها. ولكن السيدة بيرينيس، التي اعتادت تغيير الرجال لم تفتقر للعزاء. تزوجت في البداية واحداً (اسمه) ماركوس، وبعد موته عمها هيرود. بعد أن مات هو أيضاً عاشت مع أخوها أجريبا حتى زواجها من المذكور آنفاً بولمون. ارتقت في النهاية على أية حال، إلى منصب عشيقة الإمبراطور تيتوس.
بينما كانت هذه السيدة غير مخلصة لشعبها، كانت هناك كثيرات أخريات اعتنقن اليهودية التي كان لها سحر معين بالنسبة لهن. كانت من ضمنهن زوجة نيرون بويباسابينا، التي قيل لنا عنها إنها يهودية متحمسة، التي لم تحسن، على أي حال سلوكها الأخلاقي.
يروي يوسيفوس عن سكان مدينة دمشق أنهم قد نووا بمناسبة الانتفاضة اليهودية في ظل نيرون، أن يقضوا على اليهود الذين عاشوا في المدينة. "لقد كانوا خائفين فقط من زوجاتهم، لأن كل واحدة منهن تقريباً كانت ذات اعتقاد يهودي. وقد احتفظوا بخطتهم سرية عن الأخيرات، وقد كانت ناجحة. لقد قتلوا 10000 يهودي في ساعة واحدة" .
تنوعت الأشكال التي أعلن بها التحول إلى اليهودية إلى حد بعيد. قبلها المتحولون الجدد الأكثر تحمساً بمجملها. وقد كان دخولهم مؤسساً على ثلاث متطلبات؛ في المحل الأول، الختان؛ الثاني، غمر (في الماء) من أجل تطهيرهم من الخطيئة الوثنية؛ أخيراً، أضحية. كانت النساء، بالطبع معفيات من المتطلب الأول.
ولكن لم يكن كل المتحولين ليكرهوا أنفسهم على الالتزام بكل قواعد الشريعة اليهودية بلا استثناء. لقد رأينا اليهودية مليئة بالمتناقضات، حتى أنها تضمنت من ناحية توحيداً عالمياً رفيع الاستنارة، ومن ناحية أخرى توحيداً قبلياً ضيق الأفق إلى حد متطرف، وهكذا وحدت أخلاقاً مجردة مع استبقاء هلوع للعادات التقليدية، ومن ثم معتنقة ليس فقط أفكاراً ظهرت حديثة للغاية وأرقى بالنسبة لأناس ذلك العصر، ولكن أيضاً مفاهيم لابد وأنها ظهرت شديدة الغرابة وحتى منفرة، خاصة بالنسبة إلى الهيلينيين أو الرومان، والتي جعلت من ثم الاتصال الاجتماعي بين أعضاء الجماعة اليهودية وغير اليهودية صعباً إلى أبعد الحدود. كانت من بين هذه، على سبيل المثال، شرائع التغذية، والختان، والمراعاة الصارمة للسبت، وغالباً ما ينتهي الأخير إلى تطرفات مثيرة للسخرية.
نعلم من جوڤ---ينال أن الموقد غير الناري، الذي يعتبر الآن اختراعاً حديثاً للغاية في التدبير المنزلي، كان معروفاً بالفعل لليهود القدامى. في عشية السبت وضعوا طعامهم في سلال مملوءة بالقش، حتى يحفظوه دافئاً. يقال أن مثل هذه السلة يفتقر إليها في الاقتصاديات المنزلية غير اليهودية. وهذه إشارة لعدم الملائمة المتضمنة في مراعاة السبت الصارمة. ولكن كان يغالى في هذه المراعاة أحياناً إلى حد تصبح فيه ذات طابع كارثي لليهود. لم يكن المحاربون الورعون اليهود، الذين هاجمهم العدو في (يوم) السبت، ليدافعوا عن أنفسهم ولا أن يقاتلوا، وإنما قبلوا أن يصرعوا دون مقاومة، حتى لا ينتهكوا وصايا الرب.
لم يكن بمستطاع الكثيرين الشعور بمثل هذا التعصب والإيمان بالرب.
ولكن لم يكن حتى تنفيذاً أقل صرامة للشريعة اليهودية ليلائم ذوق كل واحد. إننا نجد من ثم، معاً هؤلاء اليهود الذين دخلوا المجمع اليهودي وقبلوا كل نتائج الشريعة اليهودية، مع عدد ممن شاركوا في الخدمة الإلهية اليهودية وحضروا في المعابد، رفضوا القواعد اليهودية. كان هناك خارج فلسطين حتى كثيرون بين اليهود أنفسهم لم يعنوا بهذه القواعد. لقد قنعوا في حالات عديدة بعبادة الإله الحقيقي، معتقدين في مجيء المخلص، مستغنين عن الختان وكانوا راضين أن يطهر صديقهم المنضم حديثاً إلى المجمع نفسه من خطاياه بالغمر (التعميد). يحتمل أن هؤلاء الرفاق "الورعون" Sebomenoi لليهودية قد شكلوا غالبية هؤلاء الوثنيين الذين اعتنقوا الإيمان. من المحتمل أنهم شكلوا أيضاً أرضية للتجنيد أكثر أهمية للمجمع المسيحي حينما بدأ الأخير في الاشتغال خارج أورشليم.

د ـ كراهية اليهود
رغم عظمة قوة الدعاية اليهودية، إلا أنه لم يكن لها بوضوح نفس التأثير على كل الطبقات. لابد أن كثيرين قد نفرتهم اليهودية، خاصة الملاك العقاريين الكبار، الذين كانت عاداتهم الدائمة في التوطن وضيق أفقهم المحلي متعارضان للغاية مع الطابع غير المستقر والأممي للتاجر. أضف إلى ذلك أن التاجر قد حقق قسماً من ربحه على حساب مالك الأرض، لأن التاجر سوف يحاول أن ينقص بقدر الإمكان ثمن المنتج الذي يبيعه مالك الأرض، وأن يرفع بقدر الإمكان أثمان تلك المنتجات التي يشتريها مالك الأرض. لقد كان الملاك الكبار دائماً في توافق عظيم مع رأس المال الربوي، لقد رأينا أنهم يستمدون كثيراً من قوتهم من الربا وذلك في فترة باكرة. ولكن كان ملاك الأرض، كقاعدة، معادين للتجارة.
على أي حال، كان العمال الصناعيون الذين يعملون في تجارة التصدير في علاقة عداء مع التاجر، تماثل تلك التي بين العمال المنزليين تجاه تجار الجملة.
اتخذت هذه المعارضة للتجارة بصفة رئيسية شكل معارضة لليهود، الذين تشبثوا بحزم بقوميتهم، والذين وإن خدمت لغتهم على نحو أقل في تمييزهم عن محيطهم، إلا أنهم بقوا مرتبطين على نحو أكثر حزماً بالعادات القومية التقليدية، التي التحمت الآن على نحو أكثر صميمية مع الرابطة القومية، الدين، والتي جعلت اليهود موضوعاً لمثل هذا الاهتمام المكثف لجمهور السكان خارج فلسطين. بينما استدعت مثل هذه الخصوصيات في معظم الأحيان سخرية الغوغاء فقط، مثل كل شيء أجنبي، إلا أنه قد نظر إليهم بعدواة حينما شُعر الناس أنهم يمثلون طبقة تعيش على الاستغلال، وهو الحال مع كل التجار، الذين كانوا في نفس الوقت قد التحموا معاً في تنظيم أممي وثيق باعتباره معارضاً لبقية السكان، وكان يتزايد في الثروة والامتيازات بينما كان يصبح بقية السكان أفقر بجلاء يتمتعون بحقوق أقل فأقل.
"أدخل موسى عادات دينية جديدة، تعارضت مع عادات البشر الآخرين، كل شيء مدنس بينهم مقدس بالنسبة لنا؛ وكل شيء مسموح به بينهم مثير للاشمئزاز بالنسبة لنا" ويذكر من بين مثل هذه الأعراف الامتناع عن لحم الخنزير، الصيامات المتواترة، السبت.
"لقد دافعوا عن هذه العادات الدينية، أياً ما كان أصلها، على أساس قدمها العظيم. ظهرت عادات أخرى كريهة وممقوتة بسبب شرهم، ولهذا فقد تسببوا في أن أصبح أسوأ الأشخاص غير مؤمنين بديانة آبائهم وأتوا لهم بتبرعات وهبات، وهكذا: تزايدت ثروة اليهود. وذلك يرجع أيضاً إلى حقيقة أنه بينهم تسود أشد أمانة وأشد النزعات توقاً للخير، مقرونة بعداء كريه للآخرين. إنهم ينفصلون عن الآخرين في وجباتهم، وهم يحجمون عن التعاشر مع نساء ينتمين للعقائد الأخرى. ولكن بينهم لا يوجد شيء غير مسموح به. لقد أدخلوا الختان، كوسيلة لتمييز أنفسهم عن الآخرين. يقبل أيضاً هؤلاء الذين يلتحقون بمراتبهم الختان، وهم غير مفعمين بشيء سوى باحتقار الآلهة، تخلوا عن أرض آبائهم، عقوا الوالدين، والأولاد والأخوة، وهم يحاولون دوماً زيادة أعدادهم، ويبدو لهم أن قتل ذرية الإنسان جريمة. إن أرواح هؤلاء الذين قتلوا في معركة، أو أعدموا بسبب دينهم، يعتبرون من جانبهم خالدين، من هنا ميلهم لإنجاب الأطفال، واحتقارهم للموت".
يناقش تاسيت عندئذ رفضهم لكل عبادة للصور ويستنتج: "إن عادات اليهود بلا معنى وخسيسة (Judoeorum mos absurdus sordidusque) .
سخر الهجاؤون من اليهود، ووجدت النكات عن اليهود دائماً جمهوراً تواقاً. يصور جوڤ---ينال في أهجيته الرابعة عشر تأثيرات مثال الوالدين على الأطفال. الأب الذي لديه ميل نحو اليهودية يقدم مثالاً رديئاً لأطفاله:
"سوف تجد بشراً قدرهم أن لهم أب يحفظ السبت مقدساً. مثل هؤلاء الناس يصلون فقط للسحب ولإله في السماء. إنهم يعتقدون أن لحم الخنازير لا يختلف عن اللحم الإنساني، لأن أباهم لم يأكل لحم خنازير. وسرعان ما يتخلون عن قُلفهم ويحتقرون شرائع الرومان. ولكنهم يتعلمون، ويطيعون، ويشرفون الشرائع اليهودية، باختصار، كل شيء، سلمه موسى في صحفه السرية. إنهم لن يرشدوا أحداً ضل الطريق عدا من يشاركونهم نفس الإيمان، إنهم سوف يقودون المختن (verpos) فقط إلى النبع الذي يشتاق إليه العطشان. هكذا هو تأثير الأب بالنسبة له كل سابع يوم كان يوم راحة (Ignavus)، يمتنع فيه عن أي تعبير عن الحياة" .
مع تزايد البؤس الاجتماعي، تزايدت العداوة لليهود أيضاً.
كانت هذه العداوة في ذلك الزمن الباكر بالفعل أبسط وأقل الطرائق بطولة للتعبير عن عدم الرضى عن انحلال الدولة والمجتمع. لم يكن أمراً سهلاً مهاجمة الأرستقراطيين وملاك اللاتيفونديا، المرابين والقادة العسكريين أو حتى المستبدين على العرش، ولكن اليهود كانوا تقريباً عزلاً عندما تعلق الأمر بسلطة الدولة، بالرغم من امتيازاتهم.
في الأيام الباكرة للعصر الإمبراطوري، حين تلاحق إفقار الطبقة الفلاحية بالفعل إلى حد بعيد، وكان يتراكم جحافل من رعاع المدن، تواقون للنهب، جرى اللجوء عرضاً لمذابح منظمة.
نجد عند مومسن وصفا ممتازا لواحدة من هذه المذابح المنظمة التي جرت في ظل الإمبراطور جايوس كاليجولا (37-41 ب.م)، بمعنى آخر، في حوالي نفس الوقت الذي قيل أن المسيح قد مات فيه.
"حفيد لهيرود الأول والجميلة مريمنة، يدعى هيرود أجريبا، (سمي) على اسم حامي وصديق جده، والذي كان على الأرجح الأشد تفاهة وعدم جدوى من أبناء الأمراء العديدين الذين يعيشون في روما، والذي بالرغم من ذلك، أو ربما لهذا السبب بالذات، كان المفضل وصديق طفولة للإمبراطور الجديد، والذي كان قد عرف حتى آنئذ بخلاعته وديونه فقط، قد تلقى كهدية من حاميه الذي كان محظوظاً جداً لأنه كان أول من أخطره بموت طيباريوس، واحدة من الولايات اليهودية الخالية الصغيرة، بالإضافة إلى اللقب الملكي. وصل هيرود أجريبا في العام 38 ب.م، في رحلته إلى مملكته الجديدة، إلى مدينة الإسكندرية، حيث كان قد حاول قبل بضعة شهور، بعد أن هرب من دفع صكوكه الحالة، أن يقترض نقوداً من الصيارفة اليهود. حين ظهر علناً في الإسكندرية في ثيابه الملكية، وبمطارِده (المِطْرَدْ = رمح وفأس حرب- المترجم) المهيأة بفخامة، ألهم بشكل طبيعي السكان غير اليهود لهذه المدينة العظيمة ـ المغرمون كما كانوا بالسخرية والفضيحة ـ البعيدون عن أن (يكونوا) ودودين مع اليهود، أن ينطلقوا في محاكاة ساخرة حول الوضع، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. لقد تصاعد إلى مطاردة غاضبة لليهود، سرقت وأحرقت مساكن اليهود التي لم تكن قريبة من بعضها، ونهبت السفن اليهودية في الميناء، وأسيئت معاملة اليهود الذين وجدوا في الأحياء غير اليهودية وذبحوا. ولكن كان من المستحيل إحداث شيء بواسطة العنف ضد الأحياء اليهودية الخالصة للمدينة. عثر قادة الاضطهاد بالمصادفة على خطة لوقف المعابد، التي كانوا قد كرسوا لها أقصى عنايتهم، إذا لم تكن قد دمرت بالفعل، كمعابد للحاكم الجديد ولوضع صور الأخير فيها جميعاً، في المعبد الرئيسي تمثال على كدريجة (مركبة بدولابين تجرها أربعة جياد ـ المترجم). كل واحد، بمن فيهم اليهود والحكومة، عرفوا أن الإمبراطور جايوس اعتبر نفسه بجدية ـ جدية بقدر ما تسمح به روحه المضطربة ـ إلهاً حقيقياً بلحمه وشحمه. الحاكم أڤ---يليوس فلاكوس، وهو رجل متمكن وإداري ممتاز في ظل طيباريوس، إلا أنه تعرقل الآن بسبب الفتور الذي اعترى علاقته بالإمبراطور الجديد. وإذ كان خائفاً من أن يُستدعى ويُتهم في أي لحظة، فلم يترفع عن أن ينتهز هذه الفرصة لرد اعتباره. لم يصدر مرسوماً بمنع إبداء أي مقاومة لنصب هذه التماثيل في المعابد فقط. وإنما دخل أيضاً في روح المذبحة المنظمة. أمر بإلغاء السبت، وأعلن بالإضافة إلى ذلك في مراسيمه أن هؤلاء الأغراب الذين جرى التسامح معهم قد حازوا أفضل أقسام المدينة بدون أخذ تصريح؛ وقد عين لهم الآن واحد من الأحياء الخمسة بمفرده وسلمت كل المنازل الأخرى التي تخص اليهود للغوغاء، بينما اضطجع سكانها السابقون دون مأوى على الشاطئ بأعداد كبيرة. ما من توسل أنصت إليه، ثمانية وثلاثون عضواً من مجلس الكبار، الذي حكم الطائفة اليهودية بدلاً من الاثنارخ Ethnarch، ضربوا بالسياط في السيرك المفتوح أمام مجمل السكان. هجع أربعمائة منزل في خراب؛ باتت التجارة والمواصلات في توقف تام، أغلقت دور الصناعة. لم يكن أحد ليستطيع أن يقدم مساعدة سوى الإمبراطور. ظهر وفدان مفوضان سكندريان أمامه، أحدهما من اليهود قادة المذكور عاليه فيلون، عالم من الاتجاه اليهودي الجديد، ذو لطف أكثر منه شجاعة في قلبه، ولكن الذي التمس الرحمة مع ذلك بشجاعة لشعبه في تلك اللحظة العسيرة، وذلك الوفد المعادي لليهود الذي قاده أبيون وهو عالم سكندري أيضاً وكاتب، "ثرثار العالم" (Cymbalum Mundi)، كما اعتاد أن يسميه الإمبراطور طيباريوس، مليء بالكلمات العظيمة وبأكاذيب أعظم، وبأشد (أنواع) الجهل وقاحة وبإيمان لا يساءل بنفسه، ذو معرفة إن لم يكن بالرجال، فعلى الأقل بدوافعهم، ذو باع في البلاغة وكذلك في الديماجوجيا، ذو فهم سريع، حاد، بلا حياء، وموالي دون شروط. ربما أمكننا أن نتوقع نتيجة المعاملة سلفاً؛ أدخل الإمبراطور الحزبين حينما كان يجوس خلال أراضي بساتينه، ولكن بدلاً من أن يعطي المتوسلين أذناً صاغية، طرح أسئلة ساخرة عليهم، حياها المعادون لليهود في تحد لكل قواعد اللياقة مع ضحك صاخب، وحيث أنه كان في مزاج طيب فقد قنع بالتعبير عن أسفه عن أن هؤلاء الناس، وهم أصحاب طيبون من نواح أخرى، احتواهم هذا القدر من التعاسة بحيث لم يتمكنوا من رصد طبيعته الإلهية الفطرية، التي عناها بلا شك بجدية. هكذا حصل إبيون على البرهان الأفضل، وفي كل الأماكن حيث شعر المعادين لليهود بميل شديد لذلك، تحولت معابد اليهود لجايوس" .
هل هناك أحد لا يُذكِّره هذا الوصف بالأوضاع الراهنة في روسيا؟ والتشابه ليس مقصوراً على المذابح. لا نستطيع أن نذكر جايوس، الوحش المجنون للعرش الإمبراطوري، دون أن نفكر في الحماة رفيعي المولد للمذابح المنظمة في روسيا. إن هؤلاء الأوغاد ليسوا حتى أصيلين في طرائقهم!
كانت القوة العسكرية المتاحة في روما نفسها عظيمة للغاية، وكان الأباطرة معارضون بقوة شديدة لأي حركة شعبية، أو أن يسمحوا لمثل هذه المناظر أن تجري في تلك المدينة، ولكن منذ أن تمتنت السلطة الإمبراطورية، ولم يعد القياصرة يحتاجون اليهود، قمعوهم. وبالنظر إلى عدم الثقة التي راودت القياصرة إزاء كل التنظيمات، حتى أكثرها براءة، لابد أن هذا التنظيم الديني الأممي قد أثر فيهم على نحو غير ملائم للغاية.
بدأت اضطهادات اليهود بالفعل في ظل طيباريوس.
يصف يوسيفوس قضيتهم كما يلي: "كان هناك يهودي في روما، رجل لا إله له لحد بعيد، كان قد اتهم بعدة انتهاكات في مسقط رأسه، وأصبح هارباً ليتفادى العقوبة. هذا الرجل أعد نفسه ليصبح معلماً للشريعة الموسوية، ومنضماً مع ثلاثة شركاء أغوى فلڤ---يا، وهي سيدة أرستقراطية اعتنقت الإيمان اليهودي، ووضعت نفسها رهن تعليماته، بأن تقدم هدية تتكون من الذهب والأرجوان إلى الهيكل في أورشليم. عندما تلقوا هذه الهدية من السيدة استخدموها لأنفسهم، لأنه لم يكن لهم غرض آخر. اشتكى ساتورنينوس، زوج فلڤ---يا، من هذا لصديقه الإمبراطور طيباريوس، بناء على طلبها، وأمر طيباريوس على الفور بنفي كل اليهود من روما. جعل أربعة آلاف يهودي جنوداً وأرسلوا إلى ساردينيا" .
هذه القصة نموذجية في بيان ميل السيدات المتميزات في مجتمع البلاط الإمبراطوري لاعتناق اليهودية. إذا كانت هذه الحادثة قد خدمت كفرصة لاتخاذ مثل هذه الإجراءات القاسية ضد مجمل اليهود في روما، فلم يكن من الممكن بالتأكيد أن تكون السبب الحقيقي بالنسبة لهم. لم يكن جايوس كاليجولا أقل عداء كما رأينا آنفاً. طرد اليهود في ظل كلاوديوس (41-54 ب.م) كما يفيد سويتنيوس (كلاوديوس، الفصل الخامس والعشرون)، فقد أثاروا اضطرابات تحت قيادة من يدعى خريستوس. لم يكن الأخير يهودياً بالمولد، وإنما إغريقي تحول إلى اليهودية. تخدم هذه الحادثة مرة أخرى كمثال توضيحي على كل من كراهية اليهود وكذلك على قوة الدعاية اليهودية.


هـ أورشليم
من الظاهر أن هذا الموقف تجاه اليهود من جانب الطبقات الحاكمة وكذلك الناس أنفسهم لابد وأن جعل اليهود يتطلعون بتوق ناحية أورشليم ومحيط بلدها، الركن الوحيد في العالم الذي كانوا فيه على الأقل بقدر ما سادة منازلهم، التي يكون فيها مجمل السكان من اليهود، الركن الوحيد الذي كان على الإمبراطورية العظيمة الموعودة أن تنبثق منه، وحيث المخلص الذي تطلعوا إليه سوف يؤسس مملكة يهودية. وهذا، بالرغم من الاستحالة المتزايدة لإيجاد وسائل كافية للعيش في وطنهم الأم.
بقيت أورشليم المركز، وظلت عاصمة اليهودية، تنمو مع نمو الأخيرة. أصبحت مرة أخرى مدينة ثرية، مدينة من حوالي 200000 من السكان، ولكنها لم تعد تؤسس عظمتها وثروتها على القوة الحربية أو تجارة شعوب فلسطين، كما كانت في ظل داود وسليمان، وإنما فقط على هيكل يهوه، كل يهودي، لا يهم أين قد يعيش، كان عليه أن يسهم في الحفاظ عليه، لهذا الغرض كان مضطراً أن يدفع سنوياً ضريبة معبد, دراخمة مضاعفة، كانت ترسل إلى أورشليم.
أضف إلى ذلك، تلقى الحرم كثيراً من الهدايا الاستثنائية الأخرى. لم تكن مثل هذه الهدية تبدد مثل الهدايا الثمينة التي أخذها المحتالون اليهود من فلڤ---يا، طبقاً ليوسيفوس. لكن إضافة لهذا، كان كل يهودي ورع مضطراً مرة واحدة في حياته على الأقل لأن يقوم بالحج إلى المكان الذي سكن فيه إلهه والذي كان المكان الوحيد الذي يتلقى الرب فيه هذه التقدمات. كانت معابد اليهود في مختلف المدن خارج أورشليم أماكن للتجمع والصلاة فقط. وكذلك مدارس، ولكن ليست معابد تصنع فيها التقدمات إلى يهوه. أتت ضرائب المعبد والحجاج بالضرورة بكميات ضخمة من النقود إلى أورشليم وأعالت عددا كبيرا من الأشخاص العاملين على نحو مجز. عاش مباشرة أو غير مباشرة، ليس فقط كهنة الهيكل والكتبة على عبادة يهوه، إنما حتى البدالين والصيارفة، الحرفيون، المزارعون، الفلاحون، مربو الماشية، الصيادون من يهوذا والجليل، الذين وجدوا في أورشليم سوقاً ممتازاً لقمحهم وعسلهم، لحملانهم وجديانهم، وكذلك للسمك الذي كان يجري اصطياده على ساحل البحر وفي بحيرة جينيسارت(بحر الجليل)، وأرسل مجففاً أو مملحاً إلى أورشليم. حينما وجد يسوع باعة ومشترين في الهيكل، صيارفة وبائعي حمام، كان هذا يتفق تماماً مع المهمة التي أوليت للهيكل من أجل أورشليم.
إن ما كان قد صُوِّر في الأدب اليهودي باعتباره وضع الأسلاف الأقدم، كان حقيقياً بالفعل عن الفترة التي أنتج فيها هذا الأدب: عاش كامل السكان اليهود الآن بالمعنى الحرفي على عبادة يهوه، وكانوا مهددين بالدمار بمجرد أن تخمد هذه العبادة، أو حتى تتخذ أشكالاً مختلفة. لم يكن هناك افتقار في محاولات تأسيس أماكن أخرى لعبادة يهوه في أورشليم.
وهكذا فإن (شخصاً) يدعى أونياس، ابن حبر يهودي، أقام معبداً ليهوه في مصر في ظل بطليموس فيلوميتر (173-146 ق.م)، بمساعدة الملك، الذي توقع أن يكون اليهود أكثر رعاياه أخلاصاً إذا كان لهم معبد يختصون به في بلده.
ولكن المعبد الجديد لم يحرز أي أهمية، ويحتمل لأن غرضه كان أن يضمن فقط ولاء يهود مصر كرعايا مخلصين. استمروا في البقاء غرباء في مصر، أقلية يجرى التسامح معها: كيف يمكن أن يظهر مخلصهم من مصر، الذي كان عليه أن يأتي بالاستقلال والعظمة القومية لشعبهم؟ ولكن كان الإيمان بالمخلص واحداً من أقوى الدوافع المحركة في عبادة يهوه.
كان وجود معبد منافس ليس بعيداً عن أورشليم على جبل جرزيم بالقرب من شكيم، الذي كان قد بني من قبل الطائفة السامرية غير ملائم تماماً، كما يروي يوسيفوس، في زمن الإسكندر الأكبر ـ وفقاً لشورر، قرن أسبق ـ حيث قامت الطائفة بعبادتها ليهوه. ليس مما يثير الدهشة أن أشد العداوات حدة نشأت بين هذين المتنافسين. ولكن كان العمل المؤسس القديم غنياً جداً وتمتع بسمعة رفيعة حتى ليتأثر كثيراً بالمشروع الأصغر. بالرغم من كل دعاية السامريين فإنهم لم يتزايدوا بسرعة كما فعل اليهود الذين اعتبروا أن إلههم سكن في أورشليم.
ولكن كلما أعيق الاحتكار في أورشليم كلما راقب السكان أكثر "نقاوة" عبادتهم وكلما عارضوا على نحو أكثر تعصباً أي جهد لتغيير أي شيء بشأنها، أو الذهاب بعيداً إلى حد فرض تغيير عليها بالقوة. من هنا التعصب الديني وعدم التسامح الديني ليهود أورشليم، وهما بمثل هذا التضاد الغريب مع الليبرالية الدينية للأمم الأخرى لذاك الزمن. اعتبرت الأمم الأخرى آلهتهم وسائل لتفسير الظواهر الغريبة، وأيضاً كوسيلة للعزاء والعون في الحالات التي بدت فيها القوة الإنسانية غير كافية. ولكن لاذ يهود فلسطين بإلههم باعتباره الوسيلة التي يتعيشون منها. كان لديهم الآن موقف تجاه الرب الذي هو عادة موقف كهنته فقط. أصبح التعصب الكهنوتي في فلسطين تعصب مجمل السكان.
ولكن بالرغم من أن هؤلاء السكان كانوا متحدين في الدفاع عن عبادة يهوه، وبالرغم من أنهم عارضوا كرجل واحد من حاول أن ينتهكها، بالرغم من ذلك فقد شعروا بالتمايزات الطبقية، حتى أورشليم لم تتفاداها. سعت كل طبقة لإرضاء يهوه وحماية هيكله بطريقة أو بأخرى. وكانت كل طبقة تنتظر، على طريقتها، المخلص الذي كان سيأتي.

و ـ الصدوقيون
يروي يوسيفوس في الفصل الثامن من الكتاب الثاني من تاريخه عن الحرب اليهودية، أن هناك ثلاث تيارات بين اليهود؛ الفريسيون، والصدوقيون، والإسينيون. فيما يتعلق بالأولين ينطلق في القول:
"بالنسبة إلى الطائفتين الأخريين، يُعتقد أن الفريسيين يفسرون الشريعة على نحو أكثر صرامة. لقد كانوا أول من شكل طائفة اعتقدت أن كل شيء محدد بالقدر وبالرب فقط. في رأيهم قد يتوقف بالفعل على الإنسان ما إذا كان يصنع الخير أم الشر، ولكن للقدر أثر على أفعال الإنسان. ويعتقدون، فيما يتعلق بروح الإنسان، أنها خالدة، وأن أرواح الخيرين سوف تدخل في أجساد جديدة، بينما (أجساد) الأشرار سوف تعذب بمعاناة أبدية.
الطائفة الأخرى هي الصدوقيون. وهم ينكرون أن للقدر أي أثر على الإطلاق ويعلنون أن الرب لا يلام على الأفعال الخيرة أو الشريرة للفرد، فالإنسان مسئول عنها حيث أنه يقوم بالأفعال الخيرة ويمتنع عن الأفعال الشريرة، بالتوافق مع إرادته الحرة الخاصة. وهم ينكرون أيضاً أن الأرواح خالدة وأنه سوف تكون هناك أية مكافأة أو عقاب بعد الموت.
"الفريسيون خيرون ويحاولون أن يعيشوا في اتفاق مع جماهير الشعب. الصدوقيون، من ناحية أخرى، قساة حتى الواحد منهم مع الآخر، وصارمون فيما يتعلق بكل من مواطنيهم وكذلك تجاه الغرباء".
تصور هذه الطوائف هنا باعتبارها تجسد وجهات نظر دينية معينة. ولكن بالرغم من أن التاريخ اليهودي قد درس لهذا المدى تقريباً على نحو حصري من قبل اللاهوتيين الذين تمثل الديانة لهم كل شيء بينما التضادات الطبقية لا تعد شيئاً، حتى هؤلاء المؤرخين قد اكتشفوا أن التضاد بين الصدوقيين والفريسيين ليس في الأساس (تضاداً) دينياً، وإنما تضاداً طبقياً، عداوة يمكن أن تقارن بتلك (العداوة) التي بين النبالة والطبقة الثالثة قبل الثورة الفرنسية.
كان الصدوقيون ممثلي النبالة الكهنوتية، التي أحرزت السيطرة على الدولة اليهودية، ومارست هذه السلطة، أولاً في ظل الهيمنة الفارسية، وفيما بعد في ظل (هيمنة) خلفاء الإسكندر الأكبر. كانت هذه الكهانة سيدة مطلقة للهيكل. عبر سيطرتها على الهيكل حكمت أورشليم إضافة إلى كل اليهودية. كانت للكهانة كل الضرائب التي تدفع للهيكل، ولم تكن بأية حال طفيفة. حتى المنفى، بالطبع، كانت عائدات الكهانة متواضعة وغير منتظمة، ولكن منذ هذا الوقت فصاعداً تزايدت إلى حد هائل. لقد ذكرنا سلفاً ضريبة الدراخمة المزدوجة (أو نصف الشاقل الذي يساوي حوالي أربعون سنتاً من النقد الأمريكي). حيث كان على كل يهودي ذكر، غنياً أو فقيراً يتجاوز من العمر عامين، أن يدفعها سنوياً إلى الهيكل، لقد ذكرنا أيضاً الهدايا التي تفيض إلى الهيكل. سوف نعطي بعض أمثلة فقط لنشير إلى الكميات التي تلقاها الهيكل. صادر ميتراداتس في إحدى المناسبات ثمانمائة تالنت في جزيرة كوس، كانت مخصصة للهيكل" .
يقول شيشرون في خطبة ألقيت في 59 ق.م دفاعاً عن فلاكوس، الذي كان حاكماً لولاية آسيا قبل عامين: "حيث أن نقود اليهود تتسرب خارج إيطاليا وكل الولايات كل عام لدفعها إلى أورشليم، أمر فلاكوس بعدم تقديم أي نقود (إلى أورشليم) من ولاية آسيا (غربي آسيا الصغرى)". يواصل شيشرون روايته بأن فلاكوس صادر الأموال المخصصة للهيكل التي تجمعت في مدن مختلفة في آسيا الصغرى، وقد صادر في أفامية وحدها مائة رطل من الذهب.
أضف إلى ذلك، كانت هناك الأضاحي. سابقاً كان هؤلاء الذين يصنعون التقدمات يستهلكونها في احتفال فرح، قد يشترك فيه الكاهن فقط. ولكن يجري بعد المنفى تحديد نصيب هؤلاء الذين يصنعون الأضاحي أكثر فأكثر بينما تزايد (نصيب) الكهنة. بعد أن كان إسهاماً في مأدبة مرحة، تستهلك من قبل المانحين أنفسهم في صحبة مفرحة، وأن تكون سروراً ليس فقط للرب وإنما أيضاً للإنسان، تصبح هذه الهدية مجرد ضريبة نوعية، يطلبها الرب لنفسه، أي، الكهنة، وتزايدت كمية هذه الضريبة أكثر فأكثر. ليس فقط التقدمات في الحيوانات ومواد الأغذية الأخرى تخص الآن أكثر فأكثر الكهنة على سبيل الحصر ولكن كانت قد أضيفت مدفوعات العشور (الجزء العاشر) من كل المدفوعات الزراعية وكذلك مدفوعات البكر من كل حيوان. البكر من كل حيوان "طاهر"، الماشية، الماعز، بمعنى آخر، مثل هذه الحيوانات التي كانت تؤكل، كان يجب أن تُدفع عيناً في بيت الرب. ويمكن أن تستبدل الحيوانات "النجسة" الجياد، والبغال، والإبل بالنقود، كما كان الحال أيضاً مع البكر البشري الذكر، حيث كان يُدفع للأخير خمس شواقل.
هذا يعطينا فكرة طيبة عن كم حصلت الكهانة اليهودية من الشعب، وتزايدت هذه الكميات فيما بعد، وهكذا فإن الجزء الثالث من شاقل سرعان ما جرت زيادته إلى نصف شاقل، كما أشير في نحميا الإصحاح العاشر، 32-39:
"وأقمنا على أنفسنا فرائض أن نجعل على أنفسنا ثلث شاقل كل سنة لخدمة بيت إلهنا.. وألقينا قرعاً على قربان الحطب بين الكهنة واللاويين والشعب لإدخاله إلى بيت إلهنا حسب بيوت آبائنا في أوقات معينة سنة فسنة لأجل إحراقه على مذبح الرب إلهنا كما هو مكتوب في الشريعة ولإدخال باكورات أرضنا وباكورات ثمر كل شجرة سنة فسنة إلى بيت الرب وأبكار بنينا وبهائمنا كما هو مكتوب في الشريعة وأبكار أبقارنا وغنمنا لإحضارها إلى بيت إلهنا إلى الكهنة الخادمين في بيت إلهنا وأن نأتي بأوائل عجيننا ورفائعنا وأثمار كل شجرة من الخمر والزيت إلى الكهنة إلى مخادع بيت إلهنا وبعشر أرضنا إلى اللاويين واللاويون هم الذين يعشرون في جميع مدن فلاحتنا. ويكون الكاهن ابن هرون مع اللاويين حين يعشر اللاويون ويصعد اللاويون عشر الأعشار إلى بيت إلهنا إلى المخادع إلى بيت الخزينة. لأن بني إسرائيل وبني لاوي يأتون برفيعة القمح والخمر والزيت إلى المخادع وهناك آنية القدس والكهنة الخادمون والبوابون والمغنون ولا نترك بيت إلهنا".
من الواضح أن هذا الهيكل لم يكن ليقارن تماماً مع صرح كنيسة. لقد اشتمل على مخازن ضخمة، احتوت مخزوناً عظيماً من المنتجات الطبيعية، وأيضاً من الذهب والفضة. وفقاً لذلك كان لابد أن يحصن بقوة وأن يحرس جيداً. كان يعتبر مثل المعابد الوثنية مكاناً تحفظ فيه النقود والممتلكات جيداً بصفة خاصة. وبطريقة مماثلة، من ثم، فقد كان غالباً ما يستعمل حتى من الأشخاص الخاصين كمكان تودع فيه كنوزهم. من المحتمل أن يهوه لم يأخذ على عاتقه القيام بهذه الوظيفة كبنك إيداع دون مكافأة.
أياً ما كان الأمر، فمن المؤكد أن ثروة كهانة أورشليم قد تزايدت إلى حد ضخم. استغل ماركوس كراسوس، الزميل المتآمر مع قيصر، الذي تعرفنا إليه سلفاً، هذا الظرف حينما شرع في حملته اللصوصية ضد الفرثيين، ففي رحلته، عرج على أورشليم ووضع في جيبه كنوز الهيكل اليهودي.
"حينما كان كراسوس على وشك أن يبدأ رحلته ضد الفرثيين، أتى إلى يهوذا وأخذ كل النقود (χ---ρ---η---μ---α---τ---α---) من الهيكل، التي تركها بومبي لم تمس، ألفي تالنت، وكذلك الذهب غير المسبوك، الذي بلغ ثمانية آلاف تالنت. أضف إلى ذلك، أنه سرق قضيباً من الذهب يزن ثلاثمائة ميناي، ولكن المينا عندنا تزن رطلان ونصف" .
يبلغ هذا حوالي اثني عشر مليون دولار إجمالاً: مع ذلك سرعان ما ملئ المعبد بالذهب مرة أخرى.
كانت عضوية الكهانة مقصورة على عائلات معينة. لقد شكلت أرستقراطية بالمولد، كان داخلها هذا المنصب وراثياً. وفقاً ليوسيفوس، الذي يشير إلى هيكاتيوس (جدال ضد أبيون، 1، 22)، "هناك ألف وخسمائة كاهن يهودي يتلقون الضرائب ويديرون الجماعة".
نشأ تدريجياً وسط هذه الكهانة انقسام بين أرستقراطية عليا ودنيا. تمكنت عائلات معينة من أن تنتحل لنفسها سلطة الحكومة الكاملة بشكل دائم، وهكذا زادت من ثروتها، التي عنت بالمقابل زيادة أكثر في نفوذها. لقد شكلت عصبة متماسكة بحزم التي عينت دائماً الحاخام الأعلى من مراتبها الخاصة. ومتنت سلطتها باستئجار المرتزقة وبالدفاع عن سلطتها ضد الكهنة الآخرين، التي نجحت في إنزالهم لمركز أدنى.
وهكذا يروي يوسيفوس: "حوالي هذا الوقت منح الملك أجريبا الحاخامية لإسماعيل، ابن فابي، ولكن الحاخامات دخلوا في صراع مع الكهنة وكبار الشعب في أورشليم. كل واحد أحاط نفسه بعصابة من الأشخاص الخارجين عن القانون والمزعجين، وصار قائدهم. وكان لهم عرضاً منازعات كلامية، قدح فيها الواحد في الآخر ورموا حجارة الواحد على الآخر. لم يكن أحد قادراً على إيقافهم، لقد بلغت أفعالهم حداً من العنف وصل إلى المدى الذي بدا فيه بأنه لم تكن هناك سلطة في المدينة. أصبح الحاخامات أخيراً متهورين للغاية إلى حد أنهم لم يترددوا في إرسال جنودهم إلى الأهراء، لينتزعوا العشور التي تخص الكهنة، حتى مات بسبب ذلك بعض الكهنة المفقرين جوعاً" .
بالطبع لم تصبح الظروف سيئة هكذا حتى جرى بلوغ المراحل الأخيرة للمجتمع اليهودي.
ولكن منذ بداياتها الأولى، رفعت الأرستقراطية الكهنوتية نفسها فوق جماهير الشعب وأصبحت مشربة بنظرات وأهواء معارضة (لنظرات وأهواء) الشعب، خاصة المنسوبة للسكان اليهود في فلسطين. أصبح هذا واضحاً بصفة خاصة في سياستها الخارجية.
لقد رأينا أن فلسطين، بسبب وضعها الجغرافي، كانت خاضعة دوماً للحكم الأجنبي أو على الأقل لخطر الحكم الأجنبي. كانت هناك طريقتان يمكن بها مقاومة هذا الوضع أو على الأقل إضعافه: الديبلوماسية أو الانتفاض بالقوة.
حينما كانت الإمبراطورية الفارسية ما زالت قائمة، لم تعد أياً من هاتين الطريقتين بأي نجاح، ولكن الموقف أصبح مختلفاً تماماً بعد أن دمر الإسكندر هذه الإمبراطورية. تحلل الشكل الجديد للدولة الذي أقامه مكانها بعد موته ومرة أخرى نجد إمبراطورية سورية بابلية تناضل ضد إمبراطورية مصرية من أجل السيادة على إسرائيل. ولكن كلتاهما الآن حكمتا من قبل إمبراطوريتين إغريقيتين، واحدة من قبل السلوقيين، والأخرى من قبل البطالمة، وأصبحت كلتاهما مشربتان أكثر فأكثر بالروح الإغريقية.
لقد بدا غير ذي جدوى محاولة هزيمة أي من هاتين القوتين بوسائل عسكرية؛ ولكن كان الأكثر إمكاناً هو الحصول على مكاسب من خلال ديبلوماسية ذكية، بالانضمام للأقوى محققة هكذا وضعاً متميزاً كجزء من إمبراطورية الأخير. ولكن بسبب كراهية الأجانب ورفض الحضارة اليونانية الأرقى، وأدوات سلطتها، لم يجر القيام بهذا، أضف إلى ذلك، فقد كان من الضروري امتصاص هذه الحضارة.
كانت الأرستقراطية في أورشليم مدفوعة في اتجاه قبول الثقافة الإغريقية، بسبب معرفتها بالأشياء الأجنبية، التي كانت ميزة نالتها بسبب وضعها الاجتماعي مقارنة بجمهور السكان؛ ولكن دفعتها ثروتها أيضاً في هذا الاتجاه. لم تزدهر الفنون المنتجة، وكذلك فنون المتعة، في فلسطين؛ ولكن الأغارقة بلغوا بهذه الفنون مستوى تجاوز أي شيء تحقق في أي بلد في هذا الزمن أو لعدة قرون فيما بعد. كانت الطبقات الحاكمة لكل الأمم، حتى لروما المنتصرة، تستعير أشكال الأبهة والاستمتاع بالحياة من بلاد الإغريق. تماماً كما جرى تبني الأشكال الفرنسية في القرن الثامن عشر من قبل كل المستغلين الأوروبيين.
مع تزايد استغلال اليهود من قبل أرستقراطيتهم، ومع الثروة المتنامية للأخيرة، أصبحت هذه الأرستقراطية أكثر توقاً للثقافة الهيلينية.
وهكذا، ينوح الكتاب الأول من المكابيين فيما يتعلق بفترة أنطيوخس إبيفانس (175-164 ق.م):
"وفي تلك الأيام خرج من إسرائيل منافقون فأغروا كثيرين قائلين هلم نعقد عهدا مع الأمم حولنا فإنا منذ انفصلنا عنهم لحقتنا شرور كثيرة. فحسن الكلام في عيونهم وبادر نفر من الشعب وذهبوا إلى الملك فأطلق لهم أن يصنعوا حسب أحكام الأمم. فأبتنوا مدرسة في أورشليم على حسب سنن الأمم (بمعنى آخر، مجتلد ظهر فيه مصارعون عراة). وعملوا لهم غُلَفاً وارتدوا عن العهد المقدس ومازجوا الأمم وباعوا أنفسهم لصنع الشر"..
كان هناك أشخاص شريرين غاية في الشر، صنعوا لأنفسهم قلفاً اصطناعية، لقد أنكروا حتى أسمائهم اليهودية، واستبدلوها بأسماء إغريقية. حاخام دُعي يسوع سمى نفسه جاسون، حاخام آخر دعي إلوخيم سمى نفسه ألكيموس، (واحد يدعى) منسي أعاد تسمية نفسه مينيلاوس.
ولكن تأذت جماهير الشعب اليهودي بسبب هذا التشجيع للأساليب الهيلينية الأجنبية. لقد أشرنا عدة مرات إلى كيف كان ضئيلاً تطور الصناعة والفن في يهوذا. عني تقدم التأثير الهيليني إدخال منتجات أجنبية محل المنتجات المحلية. ولكن الهيليني أتى دائماً كمضطهد ومستغل، سواء جاء كملك سوريا أو ملك مصر. يهوذا التي استُنزفت حتى الجفاف بالفعل من قبل أرستقراطيتها شعرت بشكل طبيعي أن الجزية ستكون عبئاً أعظم حيث كان ينبغي الآن أن تدفع إلى الملوك الأجانب ورسمييهم. وتمكن الأرستقراطيون كقاعدة من أن يقوا أنفسهم بجعل أنفسهم يعينون كممثلين وجباة ضرائب للسادة الأجانب؛ أضف إلى ذلك، فقد كانوا قادرين على الإثراء بتطبيق ممارسات ربوية على هؤلاء المضطهدين بالضرائب. ولكن شعر الناس بعبء الحكم الأجنبي فقط.
جرى هذا بالفعل في ظل الحكم الفارسي، كما وصف بدقة شديدة في تقرير قدمه اليهودي نحميا، الذي عينه الملك أرتاكسيركيس ليكون حاكمه في يهوذا (445ق.م) وهو يعطينا السجل التالي عن نشاطاته الخاصة:
"وكان صراخ الشعب ونساؤهم عظيماً على أخوتهم اليهود. وكان من يقول بنونا وبناتنا نحن كثيرون. دعنا نأخذ قمحاً فنأكل ونحيا. وكان من يقول حقولنا وكرومنا وبيوتنا نحن راهنوها حتى نأخذ قمحاً في الجوع. وكان من يقول استقرضنا فضة لخراج الملك على حقولنا وكرومنا. والآن لحمنا كلحم أخوتنا وبنونا كبنيهم وها نحن نخضع بنينا وبناتنا عبيداً ويوجد من بناتنا مستعبدات وليس شيء في طاقة يدنا وحقولنا وكرومنا للآخرين.
فغضبت جداً حين سمعت صراخهم وهذا الكلام. فشاورت قلبي وبكت العظماء والولاة وقلت لهم إنكم تأخذون الربا كل واحد من أخيه وأقمت عليهم جماعة عظيمة. وقلت لهم نحن اشترينا إخوتنا اليهود الذين بيعوا للأمم حسب طاقتنا. وأنتم أيضاً تبيعون إخوتكم فيباعون لنا. فسكتوا ولم يجدوا جواباً. وقلت ليس حسناً الأمر الذي تعملونه أما تسيرون بخوف إلهنا بسبب تعيير الأمم أعدائنا؟ وأنا أيضاً وإخواتي وغلماني أقرضناهم فضة وقمحاً. فلنترك هذا الربا. ردوا لهم هذا اليوم حقولهم وكرومهم وزيتونهم وبيوتهم والجزء من مئة الفضة والقمح والخمر والزيت الذي تأخذونه منهم ربا. فقالوا نرد ولا نطلب منهم. هكذا نفعل كما تقول. فدعوت الكهنة واستحلفتهم أن يعملوا حسب هذا الكلام. ثم نفضت حجري وقلت هكذا ينفض الله كل إنسان لا يقيم هذا الكلام من بيته ومن تعبه وهكذا يكون منفوضاً وفارغاً. فقال كل الجماعة آمين وسبحوا الرب. وعمل الشعب حسب هذا الكلام.
وأيضاً من اليوم الذي أوصيت فيه أن أكون واليهم في أرض يهوذا من السنة العشرين إلى السنة الثانية والثلاثين لارتحشستا الملك اثنتي عشرة سنة لم آكل أنا ولا إخوتي خبز الوالي. ولكن الولاة الأولون الذين قبلي ثقلوا على الشعب وأخذوا منهم خبزاً وخمراً فضلاً عن أربعين شاقلاً من الفضة حتى إن غلمانهم تسلطوا على الشعب. وأما أنا فلم أفعل هكذا من أجل خوف الله. وتمسكت أيضاً بشغل هذا السور (جدران مدينة أورشليم) ولم أشتر حقلاً. وكان جميع غلماني مجتمعين هناك على العمل. وكان على مائدتي من اليهود والولاة مائة وخمسون رجلاً فضلاً عن الآتين إلينا من الأمم التي حولنا. وكان ما يعمل ليوم واحد ثوراً وستة خراف مختارة. وكان يعمل لي طيور وفي كل عشرة أيام كل نوع من الخمر بكثرة. ومع هذا لم أطلب خبز الوالي لأن العبودية كانت ثقيلة على هذا الشعب. أذكر لي يا إلهي للخير كل ما عملت لهذا الشعب" .
مدح للذات كهذا ليس أمراً غير اعتيادي في الوثائق القديمة، خاصة في الشرق. ولكن سوف يكون من المغالاة إذا افترضنا دائماً أن الرسمي المعني قد استحق فعلاً وكذلك من شعبه ما تظهره قصته المتبجحة. ولكن شيء واحد نتبينه بوضوح من خلال هذه الحكايات، أي: الطريقة التي استغل واضطهد بها الحكام والنبلاء الشعب كقاعدة. لم يكن لدى نحميا سبب ليتبجح بأفعاله إذا لم يكن قد اعتبرها استثنائية. لن يعلن أحد بتبجح أنه لم يسرق ملاعق شاي (مصنوعة) من الفضة إذا لم تكن مثل هذه السرقات شيئاً منتظم الحدوث في المجتمع الذي هو جزء منه.
عدلت ضرائب فلسطين في ظل الملوك السوريين والمصريين. وكان جابي الضرائب كقاعدة هو الحاخام. ولكنه واجه عرضاً منافسون من طبقته، وعندئذ كان هناك دائماً شجار وسط الكهانة الموقرة.
من ثم، كان لدى جمهور الشعب في يهوذا سبب أكبر بما لا يقاس لمعارضة الحكم الأجنبي أكثر مما فعلت الأرستقراطية التي استفادت منه. أثير غضبهم تجاه الأجانب إلى مدى أبعد بجهلهم انحياز القوى الحقيقي. لم يعرف جمهور اليهود في فلسطين كيف كانت قوة الخصم أرقى إلى حد هائل. لكل هذه الأسباب احتقروا الدبلوماسية وطلبوا الإطاحة بالنير الأجنبي بالقوة. ولكنهم لم يذهبوا أبعد من هذا؛ لم يتحدثوا عن نير الأرستقراطية. كانت الأخيرة عبئاً ثقيلاً على الشعب، ولكن بعد كل شيء، ففي كل من أورشليم والريف المجاور، حصل الناس معاشهم بسبب الهيكل، بسبب مغزى عبادته وكهانته. من ثم، فإن كامل الغضب الذي سببه بؤسهم كان مركزاً بالضرورة على المستغلين الأجانب فقط. تحولت الديمقراطية إلى شوفينية.
بسبب انعطاف مواتٍ في الأحداث، توجت انتفاضة لهذا الشعب الصغير ضد قاهريه العتاة بالنجاح في إحدى المناسبات ـ كما أشرنا سلفاً، جرى هذا الحدث في الزمن، الذي كانت فيه إمبراطورية السلوقيين مضطربة بعمق، بسبب الحرب الداخلية، وكانت منخرطة في عملية تحلل كامل، مثل (عملية تحلل) البطالمة، بينما كانت كلتا الإمبراطوريتين تقاتل الواحدة الأخرى بشراسة، وتمهدان الطريق لإخضاعهما الكامل من قبل حكام الشرق والغرب الجدد، الرومان.
مثل أي نظام مضمحل، زاد هذا النظام من إجراءاته القمعية، التي أنتجت مقاومة على نحو طبيعي. أصبح موقف الوطنية اليهودية متمرداً أكثر فأكثر ووجد مركزه وقيادته في تنظيم الحسيديين ASIDOEANS.
ربما كان سفر دانيال واحداً من منتجات النشاط الحسيدي، لقد كتب حولي هذا الوقت (بين 176 و164 ق.م)، وهو كتيب يتنبأ للمضطهدين بأن إسرائيل سرعان ما ستنهض وتحرر نفسها. ستكون إسرائيل منقذة نفسها، مخلص نفسها. هذه هي سلسلة كتيبات الدعاية الخلاصية التي أعلنت هزيمة الحكم الأجنبي وانتصار اليهود، تحررهم وسيادتهم على أمم الأرض.
ولكن في سفر دانيال، ما زال يعبر عن هذه الفكرة في شكل ديموقراطي. ما زال المخلص يصور مثل الشعب نفسه باعتباره "شعب قديسي العلي" والمملكة والسلطان، وعظمة المملكة تحت كل سماء تعطي لشعب القديسي العلي. ملكوته ملكوت أبدي وجميع السلاطين إياه يعبدون ويطيعون" .
سرعان ما ظهر أن هذه النبوءة الخلاصية قد أنجزت على نحو رائع. كانت حرب العصابات ضد المضطهدين تتخذ أبعاداً أعظم فأعظم، إلى أن نجم رؤساء بيت الحشمونيين المحظوظين، بمن فيهم في المحل الأول يهوذا المكابي، وشرعوا في إثبات همتهم في الصراعات في المعارك المكشوفة مع القوات السورية، وأخيراً في غزو أورشليم، التي كان يسيطر عليها السوريون. أصبحت يهوذا حرة ووسعت حتى حدودها. بعد أن سقط يهوذا المكابي (160ق.م)، كان لدى أخوه شمعون ما يكفي من الشجاعة لينجز مهمة حققها قبل ذلك قادة عديدين للديمقراطية. فبعد أن انتزع الحرية لشعبه بواسطة حرب ناجحة، سلب هذه الحرية ووضع التاج على رأسه الخاص. أو بالأحرى، سمح شمعون للشعب بأن يضع التاج على رأسه. قرر تجمع عظيم من الكهنة والشعب (141ق.م) أنه يجب أن يكون حاخاماً، سيداً أعلى للحرب، وأميراً للشعب (archiereus, strategos and ethnarches, 141 B. C). هكذا أصبح شمعون مؤسس السلالة الحشمونية. من المحتمل أنه شعر كيف كان الاستقلال الذي أحرز حديثاً غير آمن، لأنه اندفع لالتماس دعم أجنبي. نجد في عام 139 وفداً، أرسله إلى روما، بغرض أن يطلب من الرومان أن يضمنوا (أمن) المنطقة اليهودية. كان هذا هو الوفد الذي أشرنا إليه سلفاً، الذي جرى ترحيل بعض أعضائه بسبب نشاطاتهم التبشيرية، لكن الوفد حقق غرضه.
ولكن شمعون لم يتخيل أن هذا الحكم سوف يكون لمدة قصيرة، حتى تبين له أن أصدقاء يهوذا الجدد هم أشد الأعداء خطراً، فقد كان مقدراً لهم في النهاية أن يدمروا الدولة اليهودية إلى الأبد. ما دامت هناك حروب رومانية جارية بين مختلف القادة الرومان، كان مصير يهوذا ما زال متقلباً. غزا بومبي أورشليم في 63 ق.م، وأخذ أسرى حرب كثيرين وأرسلهم إلى روما كعبيد؛ وقصر المنطقة اليهودية على يهوذا، والجليل، وبيرايا PERAEA وفرض جزية على اليهود. نهب كراسوس الهيكل في 54 ق.م، بعد هزيمته، تمرد اليهود ضد الرومان في الجليل، وأُخمدوا، بيع كثير من السجناء كعبيد، عامل قيصر، بدوره، اليهود بشكل أفضل، جعلهم أصدقاءه. خربت الحروب الأهلية بعد موت قيصر يهوذا أيضاً وفرضت عليهم أعباء ثقيلة. بعد انتصار أغسطس، بدا الأخير ثانية، مُحبذاً لليهود، ولكن يهوذا بقيت معتمدة على الرومان، احتلت مرة أخرى بواسطة الفيالق الرومانية، وباتت تحت إشراف روما وأخيراً تحت الإدارة المباشرة للرسميين الرومان، وقد رأينا سلفاً كيف أن هؤلاء الرفاق المرحين قد (انهمكوا) في اللهو في المقاطعات التي استنزفوها تماماً حتى الجفاف. نمت العداوة من ثم ضد الرومان بسرعة، خاصة بين جماهير السكان، الملوك الدمى والأرستقراطيون الكهنوتيون الذين حكموهم حاولوا أن ينالوا عطف السادة الرومان الجدد، كما أنهم حاولوا أن يداهنوا السادة الرومان قبل الانتفاضة المكابية، رغم أنه لابد وأن كثيراً منهم قد كرهوا الأجانب بمرارة في أعماق قلوبهم. ولكن حزبهم، (حزب) الصدوقيين، كان جديراً بتقديم مقاومة أقل من الحزب الديموقراطي الوطني، أي (حزب) الفريسيين.
يروي يوسيفوس فيما يتعلق بفترة باكرة جداً، تعود لعام 100ق.م في آثاره: "كان الأغنياء في جانب الصدوقيين، ولكن جمهور الشعب مال إلى الفريسيين" (13، 10، 6) وهو يخبرنا أيضاً فيما يتعلق بفترة هيرود (زمن المسيح):
"ليس لطائفة الصدوقيين سوى أتباع قليلين، لكنهم الناس الأكثر تميزاً في البلد. على أية حال فإن أمور الدولة لا تدار وفق وجهات نظرهم. فبمجرد أن يحوزوا منصباً عاماً عليهم أن يتصرفوا طوعاً أو كرهاً بالاتفاق مع وجهات نظر الفريسيين، وإلا لن يحتملهم الناس العاديين". (الآثار، 18، الأول 40).
كان الفريسيون يصبحون تدريجياً الحكام العقليون للشعب اليهودي، آخذين مكان أرستقراطيتهم الكهنوتية.


ز ـ الفريسيون
لقد تعرفنا سابقاً، في الصراعات المكابية، بالورعين، الحسيديين. عقب بضعة عقود في ظل يوحنا هيركانوس (135-104ق.م)، يظهر حملة هذا المذهب تحت اسم الفريسيين، حملة المذهب المعاكس يأخذون للمرة الأولى اسم الصدوقيين.
أصل الاسم الأخير ليس واضحاً، ربما كانت الكلمة مشتقة من (اسم) الكاهن صادوق، الذي أسميت الكهانة بعده سلالة الصدوقيين، الفريسيون (perushim) هم بالفعل المعتزلون، ولكنهم دعوا أنفسهم "الرفاق" (chaberim) أو الشركاء.
يخبرنا يوسيفوس في إحدى المناسبات أنه كان هناك حوالي 6000 منهم وهذا يعد لحد بعيد تنظيماً سياسياً لمثل هذا البلد الصغير. وهو يروي في زمن هيرود (37-4ق.م):
"ولكن عاش عندئذ أناس بين اليهود كانوا فخورين بمراعاتهم الصارمة لشريعة آبائهم، والذين اعتقدوا أن للرب تعلق خاص بهم. كان هؤلاء الناس يسمون فريسيون. كانت لهم سلطة عظيمة وكانوا قادرين بشكل أفضل على معارضة الملك، ولكنهم كانوا حكماء بما يكفي لينتظروا فرصة تبدو ملائمة لمثل هذه الانتفاضة. حينما أقسم كامل الشعب اليهودي أن يكون مخلصاً للإمبراطور (أغسطس) وأن يطيع الملك هيرود، رفض هؤلاء الرجال أن يقسموا، وكان هناك منهم أكثر من 6000" .
لم يجرؤ المستبد القاسي الذي كان مستعداً دائماً لأن يلجأ لعقوبة الإعدام أن يعاقب بقسوة هذا الرفض لأخذ قسم الخضوع، الذي هو علامة احترامه لنفوذ الفريسيين على جماهير الشعب.
أصبح الفريسيون السادة الروحيين للجماهير، وبين الفريسيين "الكتبة" أو الطبقة المثقفة، الذين يذكرون دائماً في العهد الجديد كان الحاخامات (الحاخام/ الرِبي Rabbi = ) هم المجموعة المهيمنة.
كانت طبقة المثقفين أصلاً هي الفئة الكهنوتية وسط اليهود وكذلك في كل مكان آخر في الشرق. ولكن عانت هذه الطبقة في يهوذا مصير كل أرستقراطية. ترافق مع تزايد ثروتها زيادة إهمالها للوظائف التي تأسس عليها مركزها المتميز. يمكن بالكاد أن يقال إنهم قد فعلوا أكثر من تنفيذ الاحتفاليات الروتينية للعبادة التي تخصهم. لقد أهملوا أكثر فأكثر أنشطتهم العلمية، الأدبية، التشريعية، والقضائية، انتهاءاً إلى وقوع الأخيرة كلية تقريباً في أيدي العناصر المتعلمة المنبثقة من الشعب.
حازت الأنشطة القضائية والتشريعية أهمية خاصة. المجموعات التشريعية غير معروفة لأمم الشرق القديم. كل شريعتهم تأخذ شكل سابقة، من شريعة قديمة. مما لا ريب فيه قد يستمر التطور الاجتماعي، قد ينتج شروطاً جديدة، تتطلب صيغة قانونية جديدة، ولكن الشعور بأن الشريعة تبقى أبداً نفس الشيء، أي من الرب، متجذر بشكل عميق في العقل الشعبي حتى أن الشرائع الجديدة تكون مقبولة برضى أكبر حين تتخذ شكل الشريعة الاعتيادية، الشريعة التقليدية، الموجودة منذ زمن لا تعيه الذاكرة. وتبدو جديدة فقط لأنها كانت مهجورة.
أبسط الوسائل في جعبة الطبقات الحاكمة لصنع شريعة جديدة تبدو كالشريعة القديمة هي تزوير الوثائق. إن كهانة يهوذا، كما رأينا سلفاً في حالات عديدة، استفادت من هذه الممارسة. لم يكن هذا صعباً في بلد شعرت فيه الجماهير بأن طبقة حاكمة بمفردها هي التي ظهرت بصفتها خبيرة وحافظة للتقاليد الدينية. ولكن في البلدان التي كانت تنشأ فيها طبقة جديدة من أشخاص ذوي تعليم أدبي جانب الكهانة القديمة، فقد أصبح من الصعب تماماً لأي من هاتين الطبقتين أن تحاول إدخال أي بدعة بوصفها عملاً خلقه موسى أو بعض الحجج الثقات في الأزمنة القديمة. لأن الطبقة المنافسة كانت تراقب بشدة ممارسات مثل هؤلاء المزورين.
هناك جهد لا ينقطع من جانب الحاخامات خلال القرنين السابقين على تدمير أورشليم من قبل الرومان لأن يسدوا الخرق في قانون الكتابات المقدسة الذي وضعته الكهانة وأن يزيدوه بإضافة نتاجات أدبية جديدة كان عليها أن تقدم باعتبارها قديمة، ومن ثم تستحق نفس الاحترام مثل الكتابات الأولى، لكن هذا الجهد لم يلق نجاحاً.
في جداله ضد أبيون (1، 7 و8) يفحص يوسيفوس جدارة الكتابات اليهودية بالتصديق: "لأنه ليس لكل إنسان الحق في أن يكتب كما يسره، لأن الحق يخص فقط الأنبياء الذين سجلوا بإخلاص أشياء الماضي في ظل وحي الرب، وكذلك أحداث زمنهم. لهذا السبب نحن لا نملك آلاف الكتابات، التي يناقض وينكر بعضها الآخر، ولكن اثنين وعشرين كتاباً فقط، التي تسجل الذي حدث منذ بدء العالم، وهي تعتبر عن حق من أصل إلهي"؛ أي كتب موسى الخمسة، ثلاثة عشر كتاباً للأنبياء، التي تضم الفترة من موت موسى حتى أرتاكسيركيس وأربعة كتب للمزامير والأمثال.
"مما لا ريب فيه، أن كل شيء قد سجل أيضاً، منذ زمن أرتاكسيركيس حتى الوقت الحاضر، ولكنه ليس جديراً بالثقة جداً.. الاحترام الرفيع الذي كان لدينا لكتاباتنا المقدسة يتبين من حقيقة أنه ولوقت طويل لم يجرؤ أحد على إضافة أي شيء، أو استبعاد أي شيء، أو تغيير أي شيء".
لا شك أن هذا كان هو الحال في أيام يوسيفوس. حتى أصبح أكثر صعوبة تغيير الشريعة القائمة كما تضمنها الأدب الذي عددناه أعلاه، كان المبتكرون مضطرين للجوء أكثر فأكثر إلى تفسير الشريعة من أجل تكييفها للأوضاع الجديدة. ناسبت كتابات اليهود المقدسة جيداً هذه الممارسة، ما دامت لم تكن كلاً موحداً، وإنما شكلت الرواسب الأدبية لأكثر الفترات والشروط الاجتماعية اختلافاً. لقد ضمت خرافات من الفترة البدوية البدائية وكذلك الحكمة المتروبوليتانية رفيعة الثقافة لبابل، والكل قد جرى تحريره في ظل هيئة تحرير كهنوتية في الفترة ما بعد البابلية، هيئة تحرير غالباً ما كانت فجة وغير لبقة للغاية، متيحة لتناقضات صريحة بأن تمر دون مسائلة. جسماً لـ"شريعة" من هذا النوع سوف يسمح بإثبات أي شيء، إذا امتلك المُوظِف الحدة الضرورية وقوة الذاكرة الضرورية لتعلم كل صفحات الشريعة غيباً واحتفظ بها دوماً على طرف لسانه، وهكذا كانت بالفعل طبيعة الحكمة الحاخامية. لم يجعلوا مهمتهم درس الحياة، وإنما أن يُشَرِّبوا دراسيهم بمعرفة محددة بالكتابات المقدسة، أن يوظفوا قواهم لأعلى درجة في حضور البديهة وحدة ذهنهم في تفسير هذه الكتابات. بالطبع، لقد بقوا بلا وعي تحت تأثير الحياة التي كانت تصطخب من حولهم، ولكن كلما مضى قدماً تطور الحكمة الحاخامية المتحذلقة، كلما كفت أكثر عن أن تكون وسيلة لفهم الحياة، ومن ثم في السيطرة على الحياة؛ لقد أصبحت من ناحية فن خداع كل الآتين بمن فيهم الإله نفسه، باشتغال بالتوافه قضائي فطن، ذكاء مختلق، ومن ناحية أخرى فن تعزية وتهذيب الذات في أي وضع في الحياة بواسطة اقتباس ورع. إنها لم تسهم في معرفتنا بالعالم، في الحقيقة، كان جهلها بالعالم يتزايد بثبات. أصبح هذا واضحاً تماماً في الصراعات التي أسفرت في النهاية عن دمار أورشليم.
كان الصدوقيون الحكماء والمتحذلقون ملمين جيداً بميزان القوة في زمانهم. لقد عرفوا أنه من المستحيل إبداء مقاومة جدية ضد الرومان. حاول الفريسيون، من ناحية أخرى، بكل نشاط أن يتخلصوا من النير الروماني، كلما ثقل الأخير بكل وزنه على يهوذا ودفع الناس إلى اليأس. أعطت الانتفاضة المكابية مثلاً رائعاً لكيف كان على الشعب وأمكن له أن يدافع عن حريته ضد طاغية.
أصبحت الآمال في مجيء المخلص، التي أعطت دعماً قوياً لتلك الانتفاضة، والتي تقوت بدورها كثيراً بنجاحها، أقوى مع نمو الرغبة المتزايدة في التخلص من النير الروماني. مما لا ريب فيه أن الرومان كانوا خصوماً أكثر هولاً من الإمبراطورية السورية المنحلة، وتزايدت الثقة في قدرة الأمم على العمل لنفسها عبر العالم القديم منذ أيام المكابيين. كان ما سمي بالحروب الأهلية هو في الواقع صراعات قادة ناجحين معينين لتحقيق سلطة عالمية. وهكذا فإن مفهوم المخلص لم يعد مفهوم شعب يهودي يحرر نفسه، وإنما (مفهوم) بطل قوي، مليئ بطاقة عجائبية، أرسل بواسطة الرب لينقذ ويخلص الأمة المعذبة من المختارين والمتقدسين من محنهم وبلاياهم.
حتى الفريسيين الأكثر شغفاً لم يعتبروا من الممكن هزيمة مضطهديهم دون عون قائد عجائبي كهذا. ولكنهم لم يبنوا آمالهم عليه فقط. من المحتمل أنهم تطلعوا إلى الزيادة الدائمة في عدد أتباعهم في الإمبراطورية، خاصة بين الشعوب المجاورة، ولقوتهم العددية في الإسكندرية، بابل، دمشق، وأنطاكية. ألن يأتي الأخيرون لنجدة وطنهم الأم المضطهد إذا كان سيتمرد؟ وإذا نجحت مدينة واحدة، مثل روما في إحراز سلطة عالمية لم لا تكون أورشليم العظيمة الفخورة قادرة على أن تفعل نفس الشيء.
إن أساس رؤيا القديس يوحنا هو وثيقة دعاية يهودية على طراز سفر دانيال. من المحتمل أنها كتبت في الوقت الذي كان فيه ڤ---سباسيان ثم تيتوس يحاصران أورشليم. تنبأت الرؤيا بنزاع بين روما وأورشليم، ناظرة لروما، "المرأة الجالسة على التلال السبعة"، "بابل (أي روما)، العظيمة، أم الزواني ورجاسات الأرض" التي زنى معها ملوك الأرض"، "ويبكي تجار الأرض وينوحون عليها لأن بضائعهم لا يشتريها أحد فيما بعد"، سوف تأخذ مكانها مدينة أورشليم المقدسة، "وتمشي شعوب المخلصين بنورها وملوك الأرض يجيئون بمجدهم وكرامتهم إليها". (21، 24). لم تكن أورشليم في الحقيقة مدينة يمكن أن تبدو في عقول الأشخاص بسطاء العقول، غير الملمين بقوة روما، كمنافس خطير لسيدة العالم على التيبر.
يروي يوسيفوس أن الكهنة أحصوا ذات مرة عدد الأشخاص الذين وجدوا في أورشليم في مناسبة عيد الفصح. "أحصى الكهنة 256500 حمل فصح. ولم يكن هنا أقل من عشرة أشخاص على مائدة واحدة يحتفلون على كل حمل. ولكن أحياناً كان هناك عدة منهم تبلغ عشرين شخصاً على حمل واحد. ولكن إذا عددنا عشرة أشخاص فقط لكل حمل، سوف نصل إلى رقم 2700000 شخص" بدون حساب النجسين والكفار، الذين لم يكن مسموحاً لهم أن يشتركوا في عيد الفصح" .
بالرغم من أن يوسيفوس يشير هنا إلى إحصاء فعلي، فإن معلوماته تبدو مع ذلك غير جديرة بالتصديق، حتى إذا افترضنا أن هؤلاء الـ 2700000 شخص اشتملوا على عديد من الريفيين من المقاطعات المجاورة، الذين لم يتطلبوا لا غذاء ولا مأوى في أورشليم. كانت إرساليات ضخمة من المواد الغذائية من مسافات بعيدة ممكنة فقط في هذا الزمان بواسطة السفن. حيث كانت المدن الكبيرة في ذلك الزمان تقع كلها على الأنهار الصالحة للملاحة أو على ساحل البحر. ولكن لم تكن هناك أية إمكانية لأي مواصلات تصل إلى أورشليم بواسطة الماء، مادام كلاً من البحر ونهر الأردن كانا بعيدين، والأخير، إضافة إلى ذلك، ليس صالحاً للملاحة. لم يكن يمكن لمثل هذه الأعداد الضخمة من الناس أن تزود حتى بماء شرب كاف في أورشليم. نحن نعرف أن المدينة تعتمد جزئياً على إمدادات مياه الأمطار المحفوظة في صهاريج.
بالمثل فإنه من المستحيل تصديق تصريح يوسيفوس الموجود في نفس الصفحة، بأن 1100000 يهودي هلكوا في أورشليم خلال الحصار السابق على تدمير المدينة.
يعطي تاسيت عدداً أصغر بكثير . بلغ عدد السكان المحاصرين الذين يشملون كل الأعمار وكلا الجنسين، وفقاً له 600000. حيث كان هناك كثيرين بين المحاصرين لم يعيشوا بشكل اعتيادي في المدينة، ربما كان من المعقول أن نعين حوالي نصف الرقم المذكور آنفاً باعتباره سكانها العاديين خلال العقود القليلة التي تسبق تدميرها مباشرة. حتى إذا أخذنا ثلث هذا الرقم فقط وهو 600000 فإن عدد السكان بالأحرى عظيم بالنسبة لمدينة في هذا الزمن. ولكن تبين أرقام يوسيفوس كيف تضخم هذا الرقم في خيال الشعب اليهودي.
ولكن، كيفما كانت أورشليم عظيمة وقوية، فلم تكن لديها إمكانية لإحراز نصر دون عون من الخارج، وكان اليهود يعتمدون على مثل هذه المساعدة، ولكنهم نسوا أن السكان اليهود خارج فلسطين كانوا سكان حضريين صرفاً؛ في الحقيقة، سكان المدن الكبرى، أضف إلى ذلك يشكلون أقلية في كل مكان. ولكن في هذا الزمن، وكذلك في الفترات اللاحقة، كان الفلاح هو القادر فقط على احتمال خدمة عسكرية طويلة. لم يكن بمقدور الجماهير في المدن الكبرى، التي تتكون من التجار، والعمال في الصناعات المنزلية وبروليتاريا رثة، أن تشكل جيشاً يمكن أن يصمد في معركة مكشوفة أمام فرق مدربة. ليس هناك شك في أنه في زمن الانتفاضة الكبرى الأخيرة لأورشليم، كانت هناك أيضاً اضطرابات يهودية خارج فلسطين، ولكنها لم تبلغ في أي مكان درجة أن تكون عوناً حقيقياً لأورشليم.
إذا لم يجترح مخلص بالفعل معجزات بدت كل الانتفاضات اليهودية لا أمل فيها، وكلما كان الوضع أكثر تمرداً في يهوذا، كلما كان التعلق بأمل المخلص في الدوائر الفريسية أكثر حيوية. بالطبع، كان الصدوقيون بالأحرى شاكين في هذه الآمال، وكذلك بمذهب القيامة، الذي كان مرتبطاً بوثوق بآمال مجيء مخلص.
كما في بقية ميثولوجيتهم، فإن أفكار بني إسرائيل فيما يتعلق بوضع الإنسان بعد الموت لم تحتو على شيء يمكن أن يميزهم عن الأمم الأخرى على نفس المستوى من الثقافة. أدت حقيقة أن أشخاص المتوفين قد تظهر في الأحلام إلى افتراض أن المتوفي ما زال مستمراً في عيش حياة شخصية، ولكنها غير مادية، وأن له وجوداً شبيه بالظل. من المحتمل أن دفن المتوفى في مدفن مظلم هو الذي قدم أساساً لوجهة النظر القائلة بأن هذا الوجود أشبه بالظل وأنه يرتبط بموضع خفي مظلم. والحب الصاحي للحياة ومسرات الحياة، أخيراً، لم يستطع أن يتخيل أن نهاية الحياة تكون أيضاً نهاية كل الفرح والمسرة، وأن هذا الوجود الظلالي للمتوفى يمكن أن يكون شيئاً عدا (وجود) غير مفرح ومظلم.
نجد هذه النظرات بصفة أصلية بين الإسرائيليين القدماء، وكذلك، على سبيل المثال، بين الإغريق القدماء. إن هاديس الأخيرين تقابل شيول الإسرائيليين، مكان مظلم غاية في الكثافة، بعيداً في باطن الأرض، الذي كان محروساً جيداً حتى لا يتمكن هؤلاء الذين ماتوا وهبطوا إليه من أن يعودوا مرة أخرى. إذا كان ظل أخيل يرثى عند هوميروس حقيقة أن عامل مياومة حي خير من أمير ميت، فإن مبشر سليمان (في سفر الجامعة، وهي وثيقة كتبت في زمن المكابيين) ما زال يعلن: "الكلب الحي خير من الأسد الميت"، ويواصل، "أما الموتى فلا يعلمون شيئاً وليس لهم أجر بعد، لأن ذكرهم نسي. ومحبتهم وبغضهم وحسدهم هلكت منذ زمان ولا نصيب لهم بعد إلى الأبد في كل ما عمل تحت الشمس".
قد لا يتوقع الموتى من ثم أية مكافأة، سواء كانوا طالحين أم صالحين، فهم يعاينون جميعاً نفس المصير في العالم السفلي. ربما كان الفرح والمسرة في الحياة فقط.
"لكل الأحياء يوجد رجاء. اذهب كل خبزك بفرح واشرب خمرك بقلب طيب لأن الله منذ زمان قد رضي عملك. لتكن ثيابك في كل حين بيضاء ولا يعوز رأسك الدهن. التذ عيشاً مع المرأة التي أحببتها كل أيام حيوه باطلك التي أعطاك إياها تحت الشمس كل أيام باطلك. لأن ذلك نصيبك في الحيوه وفي تعبك الذي تتعبه تحت الشمس. كل ما تجده يدك لتفعله فافعله بقوتك لأنه ليس من عمل ولا اختراع ولا معرفة ولا حكمة في الهاوية التي أنت ذاهب إليها". (الجامعة، 9، 4-10).
ما زال لدينا هنا فرح "هيليني" صرف بالحياة، وكذلك أيضاً نظرة "وثنية" خالصة عن الموت. هكذا كانت المفاهيم اليهودية القديمة، كما حفظها الصدوقيون. مفاهيم من نوع مضاد نشأت بالفعل في زمن الجامعة (المبشر). كان هذا الفرح بالحياة في توافق تام مع الشعور الشعبي في زمن طبقة فلاحية صحيحة البدن ومزدهرة. بعد سقوطها، ربما ما زالت الأرستقراطية تجد فرحاً في الواقع، مسرة في الحياة، قد ترفع حتى هذه المباهج إلى درجة الشهوانية، ولكن كانت الطبقات الأدنى تخسرها أكثر فأكثر، حيث صار وجودها أكثر بؤساً. على أية حال، فإنها لم تهبط بعيداً إلى حد أن تشك في كل إمكانية لتحسين الشروط الفعلية. كلما أصبحت الأخيرة أكثر بؤساً، كلما تعلقت بحماس أكثر بأمل الثورة، التي سوف تزودها بحياة أفضل وهكذا بكثير من فرحها. عني المخلص الثورة التي انتهت بالطبع إلى أن تكون مؤسسة أكثر فأكثر على قوى ما فوق إنسانية، على المعجزات، حيث أن ميزان القوى الفعلي تحول تدريجياً في غير صالح الجماهير المستغلة والمعذبة. حيث تزايد الاعتقاد في المعجزات والإيمان بالقوى العجائبية للمخلص الذي كان سيأتي، فإن حجم المعاناة والتضحيات المتطلبة بالصراع ضد الاضطهاد تزايدت بنفس المعيار، أيضاً عدد الشهداء الذين قضوا في هذا الصراع. هل كان من الممكن الاعتقاد بأنهم جميعاً قد أملوا وانتظروا بلا جدوى، وأن الحياة الرائعة التي سوف يأتي بها انتصار المخلص لمختاريه سوف تحجب عن أبطاله الأشد تفانياً وشجاعة؟ أيجب على من تخلوا عن كل مسرة في قضية القديسين والمختارين، الذين ضحوا بحياتهم نفسها، ألا يتلقوا مكافأة على هذه التضحيات؟ هل يجب أن يعاينوا وجوداً مظلماً، وظلالياً في شيول، بينما رفاقهم المنتصرين في أورشليم حكموا العالم واستمتعوا بكل مسراته؟ إذا كان المخلص قد خص بقوة كافية ليقهر روما، فمن المحتمل أن بإمكانه أيضاً أن يقهر الموت، لم يكن يعتبر بعث الموتى عندئذ مستحيلاً.
هكذا تشكلت هذه النظرة تدريجياً ومفادها أن أبطال أورشليم الذين سقطوا في المعركة سوف ينهضون من قبورهم بنشاط جسدي كامل، وسوف يبدأون حياة جديدة من المسرة والمتعة. لم يكن هذا اعتقاداً في خلود الروح، ولكن في إعادة إحياء الجسد، الذي كان عليه أن يتمتع بمسرات حقيقية للغاية في مدينة أورشليم المنتصرة. يعد الاستهلاك الواسع للخمر ملمحاً بارزاً في هذه الآمال. ولكن مسرات الحب لم تنس أيضاً. يروي لنا يوسيفوس عن خصي لهيرود، كسبه الفريسيون لقضيتهم من خلال وعدهم إياه بأن المخلص الآتي سوف يمنحه القدرة على المضاجعة وإنجاب الأطفال .
ولكن إذا كان للمسيح أن يكون قوياً بما يكفي لمكافأة المؤمنين فقد كان من الطبيعي أيضاً أن تعزى إليه قوة مماثلة في أمور العقاب. في الواقع، بينما كانت فكرة أن الشهداء سوف لا يكافئون غير محتملة، فقد كانت غير محتملة بنفس القدر لهؤلاء الذين يقاتلون من أجل اليهودية فكرة أن كل مضطهديهم الذين ماتوا سعداء كانوا الآن معفيين من العقوبة، ما داموا كانوا يعاينون نفس الوجود غير المحسوس في العالم السفلي كما كانت ظلال الصالحين. من ثم فإن أجساد هؤلاء الأشخاص الشريرين كان يجب أيضاً أن تبعث بواسطة المخلص وأن تخص بعذاب مخيف.
تضمن المفهوم الأصلي حتماً بعثاً لكل الموتى. كان على البعث أن يمثل الحصاد النهائي للصراع من أجل الاستقلال والسيادة العالمية لأورشليم، وكان من ثم معنياً فقط بهؤلاء الموتى الذين قاتلوا على أي الجانبين في هذا الصراع. وهكذا فنحن نقرأ في سفر دانيال فيما يتعلق بيوم انتصار اليهودية:
"وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون هؤلاء إلى الحيوة الأبدية وهؤلاء إلى العار للازدراء الأبدي". (12، 2)
إن ما يسمى برؤية القديس يوحنا، كما لاحظنا سلفاً، هي مؤلف ينتمي لنفس الفئة. في الطبعة المسيحية التي وصلت، تميز الرؤيا بين بعثين. الأول لا ينطبق على كل البشر ولكن فقط على الشهداء، في طبعتنا التقليدية، بالطبع على الشهداء المسيحيين، الذين يبعثون لآلاف الأعوام من الحياة في هذا العالم: "نفوس الذين قتلوا من أجل شهادة يسوع ومن أجل كلمة الله، والذين لم يسجدوا للوحش، ولا لصورته، ولم يقبلوا السمة على جباههم وعلى أيديهم فعاشوا وملكوا مع المسيح ألف سنة. أما بقية الأموات فلم تعش حتى تتم الألف سنة". (20، 4، 5)
كان الاعتقاد في البعث مذهب معركة. ولد من تعصب صراع طويل ووحشي مع عدو ذي قوة عاتية، ولا يسبر غوره، على هذا الأساس فحسب، كان هذا الاعتقاد قادراً تماماً على الاستمرار في تعزيز وإعطاء القوة لمثل هذا التعصب.
ولكن واجه هذا الاعتقاد فى العالم غير اليهودى رغبة الإنسان فى الخلود، باستقلال تام عن متطلبات المعركة، نتاج بالأحرى للتعب والنكوص. لهذا تدين المفاهيم الفلسفية لخلود الروح التى وجدت فى المذهبين الأفلاطونى والفيثاغورسى بانتشارها الشديد. ولكن الأمل فى البعث الذى روجه الفريسيون كان له أثر أكثر مباشرة وحيوية بما لايقاس على جماهير البشر فى تلك الأيام، الذين كان لديهم إيمان بالمعجزات، ولكن بغير تدريب على التفكير المجرد. لقد قبلوا بسرور هذا الأمل الذى ترجموه من البيئة اليهودية إلى لغتهم الخاصه المختلفة تماما.
لقد دانت اليهودية فى نجاح دعايتها حتى زمن تدمير أورشليم بقدر كبير إلى الاعتقاد فى البعث. ولكن تدمير هذه المدينة دمر أغلبية هؤلاء الذين توقعوا بحزم مجيء المخلص فى تاريخ مبكر، بينما زعزع أساس الإيمان فى قربة الباكر، بين يهود آخرين.
كف التوقع الخلاصى عن أن يكون قوة دافعة للسياسات العملية فى اليهودية، لقد أصبح رغبة ورعه وتوق هوسي. بالمثل، على أية حال، فقد الاعتقاد الفريسى فى البعث مواقعه فى الفكر اليهودى. حفظ هذا الاعتقاد مع الاعتقاد فى المخلص، فى المجمع المسيحى فقط ، الذى اقتبس هكذا من الفريسيين قسماً من أفضل دعايتهم.
ولكن المجمع المسيحى، اجتذب حتى طاقة أكبر من العناصر البروليتارية فى اليهودية أكثر من الديمقراطية البورجوازية، اذا جاز لنا أن نسميها كذلك.

ح- الغيورون (القنائيون)
كان الفريسيون ممثلى جماهير الشعب بوصفهم معارضين للأرستقراطية الكهنوتية. ولكن هذه الجماهير شابهت "الطبقة الثالثة" فى فرنسا قبل ثورة 1789 فى أنها كانت مؤلفة أيضاً من عناصر غاية فى الاختلاف ذات مصالح متباينة للغاية، وذات درجات متنوعة من الروح القتالية والقدرة القتالية.
يصدق هذا حتى على اليهود خارج فلسطين. بينما ألف هؤلاء اليهود سكانا حضريين على سبيل الحصر، يعيشون بصفة أساسية على التجارة والمعاملات المالية، وجباية المكوس وما أشبه، مع ذلك سوف يكون خطأ قاتلاً أن نفترض أنهم تألفوا فقط من التجار الأغنياء والصيارفة. لقد سبق وأن أشرنا إلى أن التجارة غير آمنة إلى حد بعيد أكثر من مهنة الفلاح او الحرفى. لقد كان الحال حتى أكثر آنذاك منه الآن، لأن الإبحار كان أقل كمالاً وازدهرت القرصنة على نطاق واسع. والآن كم عدد الأشخاص الذين أفلستهم الحروب الأهلية !
ولكن لابد وأن كان هناك كثير من اليهود الذين كانوا أغنياء وأصبحوا الآن فقراء، وكثيرون لم ينجحوا فى أن يصيروا أغنياء. بينما كانت التجارة المهنة التى منحتهم أفضل الآفاق فى ظل الشروط القائمة، الا أن هذا لايعنى أن كل فرد كان لديه رأس المال المتاح الضرورى للتجارة على نطاق واسع. لابد وأن التجارة التى مارسها معظم اليهود قد بقيت بيعا جوالا صغيراً أو بدالة .
أضف إلى ذلك، أنه من المحتمل أنهم قد مارسوا حرفا كهذه لأنها لم تتطلب مهارة كبيرة أو ذوقا جيدا استثنائيا. حيثما عاش عدد كبير من اليهود معا، فإن خصائص قواعد سلوكهم وعاداتهم فقط لابد وأنها أنتجت طلبا على كثير من الحرفيين الذين ينتمون لعقيدتهم. حين نقرأ أنه كان هناك مليون يهودى بين الثمانية ملايين من سكان مصر، فإنه من المستحيل افتراض أن كل هؤلاء اليهود قد عاشوا على التجارة، ونحن نجد ذكراً بالفعل لصناعات يهودية فى الإسكندرية وكذلك حرفيين يهودا فى مدن أخرى.
لابد وأن اليهود فى عديد من المدن، خاصة فى روما، قد كانوا ممثلين تماما بالأحرى بين العبيد أيضا، ومن ثم ضمن المعتقين. قدمت نضالاتهم المخفقة المتكررة وانتفاضاتهم التى حاولوها مورداً دائم التجدد لأسرى حرب جدد، الذين بيعوا كعبيد.
من كل هذه الطبقات، التى كان بعض منها قريبا تماما بالفعل إلى البروليتاريا، جند ثقل حثالة البروليتاريا، التى أصبحت عند بعض (المراحل) كثيرة العدد. وهكذا على سبيل المثال، يبدو أن المتسولين اليهود قد جذبوا انتباها خاصا بين البروليتاريا الرومانية. يعطينا مارتيال وصفا لحياة الشوارع فى العاصمة: مع الحرفيين العاملين فى الشارع، سلاسل الكهنة، المحتالين والباعة المتجولين، وهو يذكر أيضاً الصبى اليهودى الذى أرسلته أمه ليتسول. يتحدث جوڤ---ينال فى أهجيته عن بستان أجريا Egeria، فيقول: "قد أجره الآن اليهود، الذين تتكون آنيتهم المنزلية من سلة وحزمة من القش. لأن كل شجرة مجبرة الآن على أن تثمر لنا أرباحاً. الغابة الآن يملكها المتسولون، وقد طردت الموزيات (عرائس الشعر) خارجاً .
بالطبع هذا دليل من الفترة التى تعقب تدمير أورشليم، من حكم دوميتيان، الذى أخرج اليهود من روما وسمح لهم أن يقيموا فى هذا البستان على أن يدفعوا جزية رأس. كيفما كان الأمر، فإنها تشير لوجود عدد كبير من المتسولين اليهود فى روما.
كان المتسول Schnorrer (الطفيلى) بالفعل ظاهرة جديرة بالملاحظة فى اليهودية فى هذا الزمن الباكر.
كانت البروليتاريا الرثة بالطبع، عنصراً غير مستقر للغاية.
كان الهدف الرئيسى لحج اليهود المتسولين هو مدينة أورشليم بالتأكيد. هناك شعروا فى قرارة أنفسهم أنهم بموطنهم، ولم يكن لديهم ما يدعوهم لأن يخشوا من أنه سوف يهزأ بهم أو تساء معاملتهم من سكان معادين أو على الأقل غير متعاطفين. تجمع هناك الحجاج الأغنياء من أكثر أجزاء العالم اختلافا بأعداد كبيرة، هناك بلغت دوافعهم الدينية وبالمثل كرمهم أيضاً أعظم الدرجات.
لم تكن هناك فى زمن المسيح مدينة كبرى واحدة لا تملك بروليتاريا رثة كثيرة العدد. ويحتمل أن أورشليم ضمت أكبر بروليتاريا بهذا الوصف بعد روما، على الأقل نسبيا، لأنه فى كلتى المدينتين جندت هذه الغوغاء من كل الإمبراطورية. إن حرفيى هذه الفترة كانوا مازالوا على اتصال وثيق مع هذه البروليتاريا، لقد كانوا كقاعدة عمالا منزليين فحسب، وحتى اليوم فإن العمال المنزليين يعدون ضمن البروليتاريين. لم يكن أمراً غير عادى بالنسبة لهم أن يختلطوا مع المتسولين وحمالى الأثقال.
حيثما تجمعت مثل هذه الطبقات المفلسة من السكان بأعداد كبيرة، أصبحت عدوانية بصفة خاصة. وبخلاف الطبقات المالكة، ليس لديها شئ لتفقده، كان وضعها الاجتماعى غير محتمل، ولم تكن لتكسب شيئا من خلال الانتظار. لقد تشجعت بوعى عددها. أضف إلى ذلك، لم تكن القوة العسكرية لتستطيع أن توظف قوتها بسهولة فى الشوارع الضيقة والمنعطفة لتلك الأيام. وإذ قليلا ما كان البروليتاريون ملائمين للخدمة العسكرية فى المعارك المكشوفة، غير مرض كما كان تصرفهم عادة فى أوضاع كهذه، فإنهم مع ذلك كانوا أندادا لمتطلبات معارك الشوارع. أظهرت الأحداث فى كل من الإسكندرية وأورشليم صواب هذه الملاحظة.
فى أورشليم كانت هذه البروليتاريا مُلهمة، بروح قتال مختلفة تماما عن روح الطبقات المالكة والمثقفة التى قدمت المجندين من الفريسيين. بالطبع، فى الأوقات العادية قبل البروليتاريون أن يقودهم الفريسيون، ولكن حيث احتدمت التناقضات بين أورشليم وروما، وحيث باتت اللحظة الحاسمة أقرب فأقرب، أصبح الفريسيون حذرين وهلعين أكثر فأكثر، وهكذا تنازعوا مراراً مع البروليتاريين المتقدمين.
وجد الأخيرون دعما قويا فى سكان الريف فى الجليل. كان الفلاحون الصغار والرعاة يُستغلون لأقصى حد بواسطة ضغط الجباية والربا، وقد رموا فى براثن العبودية أو صودرت ملكيتهم، حيث أنهم كانوا فى كل مكان فى الإمبراطورية. من المحتمل ان جاء بعضهم إلى أورشليم مزيدين قوة البروليتاريا هناك. ولكن كما فى أقاليم أخرى من الإمبراطورية، لجأ أكثر العناصر طاقة بين هؤلاء الذين صودرت ملكيتهم ودفعوا إلى اليأس إلى الانتفاض العنيف، إلى قطع الطريق، قرب الصحراء، التى مازالت موطنا لأعراف البدو وعاداتهم، وسهل هذا الصراع بتقديم أماكن اختفاء عديدة معروفة فقط لهؤلاء الملمين بالبلد. وقدمت الجليل نفسها، بأرضها غير المستوية وكهوفها العديدة، أوضاعاً لم تكن أقل مواتاة لتجارة قطاع الطرق Bandit. كانت الراية التى حارب فى ظلها هؤلاء اللصوص الأمل فى المخلص. تماما مثلما هو الحال اليوم، فى روسيا، فقد اتخذ كل سارق الثورة ذريعة لتنفيذ "مصادراته"، ومثلما، من ناحية أخرى، تصنع الرغبة فى تعجيل الثورة عصابة من كثير من الثوريين العدوانيين بسطاء العقول هكذا كان الحال أيضاً فى الجليل. أعلن رؤساء العصابات أنهم المخلص أو على الأقل رواده والمتحمسون الذين شعروا بأنهم دعوا لأن يكونوا أنبياء أو مخلصين، أصبحوا رؤساء عصابات.
كانت عصابات الجليل وبروليتاريا أورشليم تتعاون بشكل وثيق كل منها مع الاخري، ويدعم كل منها الآخر، وأخيرا ألفوا حزبا عاما معارضا للفريسيين، أى حزب (الغيورون) zealots، أو هؤلاء المملوئين حماسة. يظهر التضاد بين هاتين المجموعتين كثيرا من نقاط التشابه مع التعارض بين الجيروند واليعاقبة.
تصير الرابطة بين بروليتاريي أورشليم والعصابات المسلحة فى الجليل، وتوقهم للعمل، واضحه بصفة خاصة فى زمن المسيح.
فى خلال مرض هيرود الأخير (4ق.م) تمردت جماهير أورشليم بالفعل فى فتنة عاتية ضد البدع التى قام بها هيرود، فوق كل شيء، ثار غضبهم بسبب نسر ذهبى وضعه هيرود على سقف معبده. أُخمد هذا الشغب بقوة السلاح. ولكن بعد وفاة هيرود ثار الناس مرة أخرى فى عيد الفصح، وفى هذه المرة بطاقة بلغ من عتوها أن فيالق أرخيلاوس، ابن هيرود لم تنجح فى إخماد الانتفاضة إلا بعد إراقة بالغة للدماء فقط ؛ ذبح 3000 يهودى. ولكن حتى هذا لم يثبط الروح العدوانية للجماهير فى أورشليم. حين سافر أرخيلاوس إلى روما حتى يعلن نفسه ملكا، تمرد الناس مرة أخرى، ولكن الآن تدخل الرومان. قادوس، الذى سقط فيما بعد فى معركة ضد الشيروسكيينcherusci، كان عندئذ حاكم سوريا. أسرع إلى أورشليم، أخمد التمرد، ثم عاد إلى أنطاكية، تاركا فيلقا وراءه فى أورشليم بقيادة الضابط المالى سابينوس. الأخير، إضطهد اليهود إلى الحد الاقصى ونهب وسرق بقدر ما استطاع معتمدا على قوته العسكرية. كانت هذه هى القشة التى قصمت ظهرالبعير. تجمع أشخاص عديدون فى عيد العنصرة pentecost فى أورشليم، بمن فيهم عدد كبير من الجليليين. كانوا أقوياء بما فيه الكفاية ليتحلقوا ويحاصروا الفليق الرومانى، ومعه المرتزقة الذين جندهم هيرود، الذين استمروا فى العمل بعد موته. حاول الرومان أن يفتحوا ثغرات بلاجدوى، بالرغم من أن كثيرا من اليهود قد قتلوا فى تلك الجهود. لم يرتد المحاصرين، ونجحوا حتى فى أغواء بعض فرق هيرود فى الالتحاق بهم.
انفجر التمرد فى نفس الوقت فى مقاطعات الريف. وجد قطاع طرق الجليل الآن كثيرا من الأتباع وشكلوا جيوشا نظاميه. أعلن قادتهم أنفسهم ملوكا لليهود، بمعنى آخر مخلصين. من بينهم كان، يهوذا بارزا بصفة خاصة، الذى كان أبوه حزقيا لصاً مشهوراً بالفعل وأعدم بصفته كذلك (47ق.م). فى بيريا جمع عبد سابق لهيرود، شمعون، عصابة أخرى، بينما تأمر على (عصابة) ثالثة الراعى أثرونجيسس.
عانى الرومان مصاعب جمة فى إخماد هذه الانتفاضة، التى جعلت من الضرورى لفادوس أن يأتى بفيلقين وقوى احتياطية عديدة لمساعدة هؤلاء المحاصرين فى أورشليم. بدأ هناك ذبح ونهب لايوصف. صلب ألفان ممن أسروا، آخرين كثيرين بيعوا عبيداً.
كان هذا فى الوقت الذى يعزى عامة لميلاد المسيح.
كان هناك سلام الآن لبضع سنوات، إنما لبضع سنوات فقط. فى 6ب.م، وضعت يهوذا مباشره تحت الحكم الرومانى. كان الإجراء الأول الذى إتخذه الرومان هو القيام بإحصاء، بغرض تقدير الضرائب. تسبب هذا فى محاولة جديدة للانتفاض من قبل يهوذا، الجليلى، من المحتمل أنه نفس يهوذا الذى كان بارزا جدا فى الانتفاضة قبل عشر سنوات. لقد تحالف مع الفريسي صادوق، الذى وجه لأن يثير اناس أورشليم. لم يكن لهذه المحاولة نتائج مهمة، ولكنها أدت إلى خرق بين الطبقات الدنيا من السكان والجليليين المتمردين من ناحية، والفريسيين من ناحية أخرى . كانوا فى انتفاضة 4 ق.م مازالوا يعملون معا. شعر الفريسيون الآن أن لديهم ما يكفى، ورفضوا أن يعملوا مع الآخرين. كان حزب (الغيورون) zealots من ثم قد تشكل فى تعارض معهم. لم تخمد منذ هذا الوقت فصاعدا نيران الانتفاضة أبدا بشكل كامل فى يهوذا والجليل حتى تدمير أورشليم. يصف يوسيفيوس هذا الوضع من وجهة نظره الفريسية:
"عندئذ يهوذا، وهو جولانى، من مدينة جمالا، بمساعدة صادوق، وهو فريسى حرضا الناس على التمرد بدفعهم للاعتقاد أنهم سوف يصبحون عبيدا إذا خضعوا لإحصاء ملكيتهم، وأن عليهم أن يدافعوا عن حريتهم. وأشارا أنهم هكذا لن يحفظوا ممتلكاتهم فقط، وإنما سوف يحصلون على حظ طيب اعظم بما لايقاس، لأن جسارتهم سوف تأتى لهم بشرف وشهرة عظيمتين. لن يساعدهم الإله فى هذا الطموح إلا إذا تبنوا إجراءات فعالة ولم يدخروا وسعا فى تنفيذها. كان الناس سعداء لسماع هذا وأصبحوا ملهمين تماما للقيام بالأعمال الجسورة.
"من المستحيل أن نسهب طويلا جدا فى كمية الشر التى أنتجها هذان الرجلان بين الناس. لم يكن هناك سوء حظ لا ينسب إليهما. لقد أثارا حربا بعد أخرى وكانا يلجآن دوما إلى العنف، من أظهر أنه ضد مثل هذا العنف كان عليه أن يدفع حياته لقاء ذلك. أغار قطاع الطرق على الارض. قتل أكثر الأشخاص تميزا بزعم أن ذلك يُبقى الحرية. كان هذا فى الواقع بسبب الجشع وبسبب الرغبة فى سرقة ممتلكاتهم. وعندئذ تلى ذلك عدة انتفاضات وإراقة عامه للدماء. مادام من ناحية كان أناس البلد هم أنفسهم يتقاتلون الواحد ضد الآخر، ويسعى كل حزب للإطاحة بالآخر، بينما كان الأعداء الخارجيين من ناحية أخرى يصرعونهم. وأخيراً، أضيفت المجاعة لكل هذا، التى أزالت كل الحواجز أمام التدمير، وغمرت المدن ببؤس بالغ، حتى انتهى هيكل الرب فى النهاية إلى رماد من قبل الاعداء. وهكذا فان بدعهم وتغييراتهم للعادات القديمة أضيفت إلى تدمير المتمردين انفسهم. بهذه الطريقة، يهوذا وصادوق، اللذان ادخلا مذهبا رابعا ووجدا أتباعا عديدين، لم يزعجا الدولة فقط فى أيامهما، وإنما أعطيا أيضاً من خلال هذا المذهب الجديد، الذى لم يسمع عنه قبلا، سندا لكل البلايا التى تسربت فيما بعد..... الشباب الذين أصبحوا مرتبطين بهذا المذهب قد أنتجوا دمارناً (الآثار، 81، 1،1).
يتحدث يوسيفوس فى نهاية نفس الفصل على نحو أكثر احتراما عن نفس الغيورين zealots الذى يشجبهم على نحو مشدد فى افتتاحيته. كلماته الآن هى: "إن رابع هذه المذاهب (الثلاثة الأخرى هى مذاهب الفريسيون، والصدوقيون والإسينيون) قد أدخله يهوذا الجليلى. وافق أتباعه الفريسيون فى كل الأمور، عدا أنهم قد أظهروا حبا عنيدا للحرية وأعلنوا أن الإله وحده هو من يجب الاعتراف به كسيد وأمير. إنهم يفضلون أن يعانوا أكثر العذابات فظاعة، وأن يروا أصدقائهم وأقاربهم ذاتهم يعذبون، من أن يسموا أى كائن إنسانى سيدهم. ولكن لن أسهب فى هذا الموضوع باستفاضة، لأنه من المعروف للغاية أى عناد أظهروا فى هذه الأشياء. لست خائفا من أن لاأصدق، ولكن بالأحرى لاننى لن أجد الكلمات التي تعبر بما فيه الكفاية عن البطولة والثبات اللتين تحملا بها أسوأ أنواع التعذيب. أصاب هذا الجنون بالعدوى مجمل الناس كأنه مرض ناقل للعدوى، حين أساء الوالى جيسيوس فلورس (64-66ق.م) استخدام سلطته عليهم إلى حد دفعهم لليأس لأن ينسحبوا من الرومانيين ".
حيث أصبح النير الرومانى أكثر اضطهادا وتزايد يأس الجماهير اليهودية، فقد ابتعدت أكثر فأكثر عن نفوذ الفريسيين وانجذبت إلى الغيورين، بينما كان الأخيرون يطورون بالمثل نتاجات ثانوية من نوع خصوصى.
كانت واحدة من هذه النتاجات هى الوجد الصوفى. فلم تكن المعرفة هي النقطة القوية عند البروليتارى القديم، ولاحتى الرغبة فى المعرفة. إذ كان مُعتمداً على القوى الاجتماعية أكثر من أى شريحة أخرى من السكان، وهي قوى لم يفهمها، فقد بدت خارقة بالنسبة له، مما دفعه إلى اليأس أكثر من أى طبقة أخرى. حيث كان يتعلق بكل قشة، فقد كان ميالا بصفة خاصة إلى الاعتقاد فى المعجزات، استولت علية النبوءة الخلاصية بصفة خاصة، وقد ترك أكثر من أى طبقة أخرى فى جهل تام بكل الظروف الفعلية، ظرف توقع فيه أن يحدث المستحيل.
كل مجنون أعلن نفسه مخلصا ووعد بتحرير الناس من خلال المعجزات التى سوف يقوم بها، وجد أتباعا عديدين، واحد كهذا كان النبى ثيوداس، فى ظل فترة ولاية قادوس (تبدأ من 44ب.م)، الذى قاد حشدا معه إلى الأردن، حيث بددهم فرسان قادوس. وأسر ثيوداس نفسه وقطعت رأسه.
فى ظل الضابط المالى فيلكس (52-60ب.م) أصبحت هذه الممارسات الوجدية حتى أكثر انتشارا.
"كانت هناك عصبة من الأشرار، الذين لم يقتلوا بالفعل، وإنما الذين كانت لديهم أفكاراً ملحدة، والذين جعلوا المدينة (أورشليم) مضطربة وغير آمنه بقدر ما استطاع القتلة أنفسهم أن يفعلوا. لأنهم كانوا مخادعين غواة، بشروا تحت ستار الوحى الالهى ببدع من كل نوع، وحرضوا الناس على الانتفاض. لقد اغووهم بالدخول فى الصحراء وتظاهروا بأن الرب سوف يتيح لهم أن يروا علامة الحرية. وإذ افترض فيلكس أن هذه بداية التمرد، أرسل جنودا ضدهم، فرسانا وكذلك مشاه، وقتل عددا كبيرا منهم".
"مازال هناك سوء حظ عظيم جلبة على اليهود نبى كاذب من مصر (أى، يهودى مصرى، ك.) كان مشعوذا ونجح فى جعل نفسه مقبولا كنبى بسبب السحر. لقد ضلل حوالى ثلاثين ألف شخص، أصبحوا أتباعه؛ قادهم خارج الصحراء إلى ما يسمى بجبل الزيتون، حتى يخترق أورشليم من هذه النقطة، مهيمنا على الفليق الرومانى، وهازما السلطة على الشعب. بمجرد أن تلقى فيلكس أنباءاً عن خطته، انطلق للقائه، مع الجنود الرومان، وكل الناس الذين كانوا مستعدون للقتال من أجل الصالح العام، عاركوه. هرب المصرى مع بضعة آخرين. أسر معظمهم، واختفت البقية فى الريف.
كانت هذه الانتفاضة قد أخمدت بالكاد ومرة أخرى، كما لو كان من جسم عليل مصاب بالعدوى، ظهر طاعون جديد. تجمع بضعة عرافين وقتلة وسايرهم كثير من الأتباع. لقد دعوا كل واحد لأن يقتنص حريته، وهددوا بالموت هؤلاء الذين منذ آنذاك فصاعدا سوف يستمرون في الخضوع مطيعين السلطة الرومانية، قائلين عنهم: يجب أن يحرر المرء، هؤلاء الذين كانوا مستعدين لإحناء رؤوسهم تحت نير العبودية، حتى ضد إرادتهم.
"لقد جاسوا خلال كل الأرض اليهودية، نهبوا بيوت الأغنياء، قاتلين هؤلاء الذين سكنوا فى هذا المكان، أشعلوا النار فى القرى، وأغاروا على الأرض بفظاعة شديدة حتى أنهم مثلوا اضطهادا لكامل الشعب اليهودى، وانتشر هذا الطاعون المدمر يوما بعد يوم" .
لم يكن تمرداً مكشوفاً ضد السلطة العسكرية الرومانية داخل أورشليم أمرا سهلا. هنا لجأ الأعداء الممرورين للغاية من النظام الحاكم إلى الاغتيال. تشكلت فى ظل الوالى فيلكس، الذى أصبح اللصوص والأنبياء أكثر فى ظل ولايته، جماعة إرهابية أيضا. حيث أن المواد المتفجرة لم تكن قد اخترعت بعد، فقد كان السلاح المفضل للإرهابيين خنجر محنى أخفى تحت عباءاتهم؛ هذا الخنجر(sica) أعطاهم اسمهم حاملى الخناجر (sicarians).
الاضطراب اليائس الذى نجم بواسطة كل هؤلاء المدافعين عن قضية الشعب كان فقط الإجابة الحتمية على الغضب الذى لاخجل فيه لمضطهديهم. دع القارئ يلم ببساطة بما يرويه يوسيفوس، الذى شهد كل هذه الأشياء، فيما يتعلق بأعمال الواليين الأخيرين اللذين حكماً يهوذا، قبل تدمير أورشليم:
"أصبح فيستوس حاكما (60-62). لقد قام بمحاولات جادة لمكافحة اللصوص الذين أنزلوا كارثة بالأرض اليهودية، فأمسك وقتل كثيراً منهم. خلفه ألبينوس (62-64) الذي لم يتبع مثاله لسوء الحظ. حيث لم تكن هناك جريمة ولا رذيلة شديدة الفظاعة لا يتورع عنها. فهو لم يختلس فقط الأموال العامة حينما كان يدير الولاية، وإنما اعتدى حتى على الملكية الخاصة لرعاياه، مستولياً عليها لنفسه بالقوة. اضطهد الناس بضرائب ضخمة وغير معقولة. اللصوص الذين ألقتهم سلطات المدن وكذلك أسلافه فى السجن أطلق سراحهم مقابل مبلغ من النقود، وفقط هؤلاء الذين لم يستطيعوا أن يدفعوا كانوا مجرمين وبقوا فى السجن. وهكذا زادت جراءة المتمردين فى أورشليم. لقد تمكن الأغنياء من الحصول على أفضال بواسطة الهدايا والهبات، حتى أنه أغمض عينيه على جمعهم حاشية حولهم. ولكن جماهير الشعب، التى لاتحب السلام، بدأت تربط نفسها بهم، لأن ألبينوس فضلهم. من ثم فإن كل فاعل شر أحاط نفسه بعصابة كان هو نفسه متميزاً فيها باعتباره الوغد الأعظم، الذى جعل المرتزقة تنهب وتسرق كل المواطنين الطيبين. صمت هؤلاء المسروقين، والذين لم يسرقوا بعد نافقوا الوغد أشبه بالشناق، خوفاً من أنهم إذا اعترضوا سيتعرضون لمعاملة مماثلة. لم يجرؤ إنسان على الشكوى، لأن الاضطهاد كان عظيماً للغاية. هكذا زرعت جرثومة دمار مدينتنا".
"بالرغم من أن ألبينوس واصل عمل أسلافه بطريقة مخجلة وخبيثة، فقد فاقه كثيراً خلفه جيسيوس فلورس (64-66)، انتهاءاً إلى أن ألبينوس، فى مقارنة بين الاثنين، سوف يبدو أنه كان الأفضل. لأن ألبينوس واصل أفعاله الرديئة سراً وكان قادراً على أن يخفي كل شيء تحت مظهر عادل، لكن خلفه فعل كل شئ علناً كما لو كان يبحث عن شهرته بإساءة معاملة شعبنا. لقد سرق، ونهب، وفرض عقوبات، وتصرف ليس كما لو كان قد أرسل ليكون حاكماً، وإنما ليكون شناقاً ليعذب اليهود. حينما كانت الرحمة مطلوبة، طبق القسوة، أضف إلى ذلك، كان صفيقاً مخاتلاً، ولم يكن فى مقدور إنسان أن يخترع حيلاً ليضلل الناس أكثر منه. لم يكن يكفيه أن يستنزف الأفراد الخاصين وأن يجنى ربحاً على حسابهم. لقد نهب مدناً وخرب الأمة بكاملها. لقد تفادى فقط أن يعلن على الملأ أن لكل أن يسلب أو يسرق كما يحب بشرط أن يحصل على نصيبه فقط. هكذا انتهينا إلى مأزق أصبحت فيه كل الأرض مهجورة، منذ أن ترك كثيرون وطنهم الأم وذهبوا لمناطق أجنبية" .
ألا يبدو هذا كتقرير يتعلق بفظاعات المائة السود CHIONOVNIKS الروس؟
أخيراً أتت الانتفاضة الكبيرة فى ظل فلورس، التى ثار فيها كل الشعب بكل قوته ضد معذبيه. تمردت أورشليم حينما إقترح فلورس نهب الهيكل، فى مايو، 66ب.م. أو بالأحرى، تمردت الطبقات الدنيا من سكان أورشليم. خاف أغلبية الأثرياء، الفريسيون وكذلك الصدوقيون، من هذا التمرد ورغبوا فى السلام. عنى التمرد ضد الرومان أيضاً بداية الحرب الأهلية. كان حزب الحرب منتصراً، استسلم حزب السلام فى قتال الشوارع، واضطر الفيلق الرومانى فى أورشليم أن يغادر المدينة ومزقت أوصاله حين كان يفعل ذلك.
كان عظيماً حماس القتال عند المنتفضين، حتى أنهم نجحوا فى جعل جيش نجدة مكون من 300000 رجل وصل تحت قيادة الوفد الرسمى السورى سيستوس جالوس، يلوذ بالفرار.
هب اليهود فى كل فلسطين وبعيدا ما وراء حدودها، متمردين. تطلبت انتفاضة اليهود فى الإسكندرية استنهاض كل القوى العسكرية التى كانت للرومان فى مصر.
لم يكن أمرا وارداً بالطبع أن يهزم اليهود روما، لقد كانوا غاية فى الضعف، وكان طابع سكانهم حضرياً للغاية على وجه الحصر. ولكنهم ربما نجحوا مع ذلك فى انتزاع بعض الاعتبار ليهوذا من الرومان لبعض الوقت على الأقل، اذا كان المتمردون قد اتخذوا موقفا هجوميا مباشرة وبحيوية، وتابعوا المكاسب التى أحرزوها. فسرعان ما كانت الأوضاع ستصبح فى صالحهم. فى العام الثانى من الحرب اليهودية، ثار الجنود فى القسم الغربى من الإمبراطورية ضد نيرون، استمر التناضل بين الفيالق المختلفة حتى الى ما بعد موته. (9يونيو، 68ب.م)؛ أولى ڤ---سباسيان، القائد الأعلى للجيش الذى كان سيعيد السلام إلى يهوذا، اهتماما أعظم بما لايقاس للأحداث فى الغرب، التى تضمنت السيطرة على الإمبراطورية، من الحرب المحلية الصغيرة التى جُر إليها.
ولكن الفرصة الضئيلة الوحيدة التى عَرَضَتْ نفسها للمتمردين قد أُهملت. سوف يتذكر القارئ ان الطبقات الأدنى هى التى أعلنت الحرب على الرومان وهزمت حزب السلام اليهودى. ولكن كان لايزال لدى الأثرياء والمثقفين قوة كافية لإحراز السيطرة على إدارة الحرب ضد الرومان، انتهاء إلى ان هذه الحرب لم تكن قد شنت قلبا وقالبا، بغرض هزيمة العدو، وإنما بغرض الوصول إلى تفاهم معه فحسب. بالطبع لم تبقى هذه الطبقة العليا فى موضع القيادة لفتره طويلة، لاحظ المتمردون فى النهاية كيف حارب قادتهم بفتور، ونجح الغيورون zealots الآن فى السيطرة على السلطة العسكرية.
"عزا حزب الشعب المتعصب مجرى الأحداث سيئ الحظ - وقد كان كذلك بحق - إلى الافتقار للطاقة الذى أبدته الإدارة السابقة للحرب. خاطر رجال الشعب من ثم بكل شيء من أجل أن يسيطروا على الوضع بأنفسهم وأن يطردوا القادة السابقين. حيث أن الأخيرين لم يتخلوا طوعا عن مركزهم، أعقب ذلك حرب أهلية دموية فظيعة فى أورشليم فى شتاء 67-68، مع أعمال وحشية يمكن أن نجد شبيهاً لها فقط فى الثورة الفرنسية الأولى" .
فى الواقع، لايستطيع أى مراقب لهذه الأحداث أن يتفادى إجراء مقارنة مع الثورة الفرنسية. ولكن بينما كان حكم الإرهاب فى فرنسا قد استخدم كوسيلة لإنقاذ الثورة وتمكينها من التقدم بنجاح ضد جيوش كل أوروبا، كان مِثْل هذا النتاج ممتنعا مسبقا، بسبب طبيعة الحالة، فى أورشليم. أتى حكم الإرهاب الذى أسسته الطبقات الأدنى متأخرا جدا فى أورشليم ليقتنص فترة راحة قصيرة للدولة اليهودية، لأن أيام الأخيرة كانت معدودة. أفضى اللجوء إلى الإرهاب فقط لإطالة الصراع، مُزيدا معاناته، ومفاقما غضب المنتصر النهائى (للقيام) بفظاعات أسوأ. ولكنه أدى إلى انه ترك للعالم مًعْلًما للاحتمال، والبطولة، والتفانى، التى تتفرد بأثرها لأبعد مدى وسط مستنقع الجبن العام وأنانية هذه الأزمنة.
لم يستمر كل السكان اليهود بأورشليم لثلاث سنوات، حتى سبتمبر، 70 ب.م، في القتال فى المعركة اليائسة ضد عدو متفوق بالطريقة الأشجع، الأشد عنادا، والأشد ذكاءاً، مغطين كل بوصة من الأرض بالجثث، قبل ان يستسلموا، بينما أضنتهم المجاعة والمرض، واستُنفدوا فى الخرائب المحترقة. وجد القسم الأعظم من الكهنة، والكتبة، والتجار، الأمان باكراً فى الحصار. لقد كان الحرفيون الصغار والبدالين وكذلك بروليتاريي أورشليم هم من أصبحوا أبطال أمتهم، مع الفلاحين المتبتلرين proletarised من الجليل الذين وجدوا طريقهم إلى أورشليم.
كان هذا هو المناخ الذى ظهر منه المجمع المسيحى. انه لايقدم على الإطلاق تلك الصورة الباسمة التى صورها لنا رينان فى مؤلفه حياة يسوع، حين يصف بيئته، لأن رينان أسس صُوَرَهُ ليس بالاستناد على التفكر فى الشروط الاجتماعية لهذا الزمن وإنما على الانطباعات الفاتنة التى يتلقاها السائح المعاصر فى الجليل. لهذا يجد رينان من الممكن أن يقول فى روايته عن يسوع (حياة يسوع)، ان هذا البلد الجميل فى زمن يسوع "امتاز بالوفرة، والبهجة، والراحة حتى ان أى تاريخ عن أصل المسيحية يجب أن يتخذ شكل أنشودة رعوية جميلة". لابد وأن أقول، ليس أكثر مدعاة للبهجة، من شهر مايو الجميل فى باريس عام 1871 (يشير كاوتسكي هنا إلى مجازر كومونة باريس ـ المترجم). ط - الإسينيون
ولكن يجب أن نعترف أنه فى وسط الصورة الفظيعة للكارثة والدماء التى تمخض عنها تاريخ يهوذا فى عهد المسيح، هناك مرحلة تخلق الانطباع عن نموذج سلمى. انها طائفة الإسينيين أو الأسيانيين ، التى ظهرت، وفقا ليوسيفوس، حوالى عام 150 ق.م، واستمرت فى الوجود حتى تدمير أورشليم، وإذ ذاك تختفى من التاريخ.
مثل الغيورين zealots، كان الإسينيون ذوى أصل بروليتارى، وإن اختلفوا تماما فى طابعهم. لم يطور الغيورون zealots نظرية خاصة بهم عن المجتمع؛ ولم يتمايزوا عن الفريسيين بالغاية التى استهدفوها، ولكن بوسائلهم، بالقسوة والعنف التى حاربوا بها لتحقيق هذه الغاية. اذا ما تحققت الغاية، إذا ما أخذت أورشليم مكان روما كسيدة للعالم، متلقية كل الكنوز التى تهبط الآن على روما، سوف يتوقف عوز كل الطبقات. بدت القومية عادلة بالنسبة للبروليتاريين لتجعل الاشتراكية غير ضرورية. عَبَّر الطابع البروليتارى عند الغيورين عن نفسه فقط فى الحيوية والتعصب لوطنيتهم .
ولكن لم يكن كل البروليتاريين مستعدين لانتظار المخلص لتحسين وضعهم حتى يأتى بأورشليم جديدة تحكم العالم. سعى الكثيرون لتحسين وضعهم على الفور، وحيث لم يبدو أن السياسة تقدم أى علاج مباشر، فقد بدأوا بمسألة التنظيم الاقتصادى. من المحتمل أن الإسينين قد دانوا بأصلهم لهذا الموقف، ولايخبرنا التراث بشيء عن الموضوع.
ولكن طبيعة تنظيمهم واضحة، لقد كانت شكلا ظاهرا من الشيوعية. فى زمن يوسيفوس كان هناك أربعة آلاف إسينى، يعيشون فى منازل الطائفة فى قرى متعددة ومدن ريفية من يهوذا.
يقول فيلون عنهم: "هناك عاشوا معاً" انتظموا فى جمعيات، اتحادات حرة، نوادى إيواء (κ---α---τ---ά--- θ---ά---σ---ο---ν---ς--- έ---τ---α---ί---ρ---ί---α---ς--- σ---ν---σ---σ---ί---τ---ι---α--- π---ο---ι---ο---μ---ε---ν---ο---ι---) ومنشغلين دائما بمهام مختلفة من أجل الجماعة.
"لأن لاأحد منهم يرغب فى أن تكون له ملكية تخصه، سواء بيت، أو عبد، أو أرض، أو قطعان، أو أى شيء آخر منتج للثروة. وإنما بالأحرى، جامعين معا كل شيء بلا استثناء، كل ربح عام منها لهم جميعهم.
"النقود التى يكسبونها بمختلف أنواع العمل، يودعونها لدى امين منتخب، الذى يتلقاها ويشترى بها ماهوضرورى، مزودا إياهم بطعام وفير وكل شئ مطلوب للعيش ".
ربما نستنتج من ثم أن كل واحد كان ينتج لنفسه أو يعمل بأجر.
يصف يوسيفوس حياتهم كما يلى:
"فور ذلك (بعد صلاة الصباح) ينصرفون (بتوجيه) مشرفيهم وينطلق كل منهم إلى عمله الذى تعلمه، وبعد ان يعمل الجميع باجتهاد حتى الساعة الخامسة (تحسب من شروق الشمس حتى الحادية عشر صباحا) يتجمعون فى مكان معين، يطوقون أنفسهم بملابس كتانية، ويغسلون أجسادهم بماء بارد. بعد هذا التطهر يدخلون فى قاعة الطعام، التى لايسمح بالدخول إليها لمن لم يكن من طائفتهم. يدخلون إليها نظيفين واطهاراً كما لو كانوا يدخلون معبدا. بعد أن يجلسوا فى صمت، يأتى الخباز ويضع خبز كل رجل أمامه، ويضع الطاهى بالمثل أمام كل أناء طعام؛ عندئذ يأتى الكاهن ويبارك طعامهم. وليس من المسموح أن يمس الطعام حتى تنتهى الصلاة. بعد أن تؤكل الوجبة، يقدمون الشكر بالمثل، وهكذا شكروا الرب فى بداية وختام وجبتهم باعتباره واهب كل طعام. وبعد ذلك يضعون عباءاتهم جانبا مرة أخرى، باعتبارها رداءا مقدسا، ويشرعون مرة أخرى فى عملهم حتى المساء. انهم يتشاركون فى عشائهم مثلما فعلوا تماما في غذائهم، واذا كان هناك ضيوف (من المحتمل أعضاء الطائفة من مدن أخرى، لأن الغرباء لم يكن مسموحا لهم بالدخول إلى قاعة الطعام، ك). يسمحون للأخيرين بأن يجلسوا على المائدة معهم. ليس هناك أبدا صراخ ولا أى إزعاج ينتهك قدسية البيت، وإذا تحدث كل منهم مع الآخر، فالواحد يتحدث بعد الآخر، وليسوا جميعا فى نفس الوقت، حتى أن الأشخاص خارج بيتهم يعتبرون الهدوء الذى يخيم على المبنى يثير رهبة توحى بالغموض. سبب حياتهم الصامتة هو اعتدالهم الدائم، فهم لايأكلون ولايشربون أكثر مما هو مطلوب لحفظ حياتهم.
"كقاعدة فانهم لايقومون بعمل سوى ما يكون بتعليمات مشرفيهم، ولكنهم ربما يقدمون تعبيرا حرا عن مشاعر شفقتهم وخيريتهم، حينما يتطلب سوء الظروف ذلك، ربما يقدم كل منهم مساعدة لهؤلاء الذين يحتاجونها ويستحقونها، ويعطون أيضاً الطعام للفقراء. ولكن ربما لايعطون أى شئ للأصدقاء والأقارب بدون أن يخطروا مشرفهم مسبقا أو أمينهم".
دُفعت الشيوعية بينهم إلى الحد الأقصى، وامتدت حتى لأمور الملابس. يخبرنا فيلون: "ليس طعامهم فقط، وإنما أيضاً ملابسهم عامة للجميع. هناك عباءات سميكة لوقت الشتاء، وثياب خفيفة لوقت الصيف، كل واحد مسموح له أن يستخدمها حسب اختياره. لأن ماهو مملوك لشخص، يخص الجميع، بينما ما هو مملوك للجميع يخص كل واحد".
لم يُحبذوا العبودية. كانت الزراعة مهنتهم الرئيسية، ولكنهم عملوا أيضاً كحرفيين. لقد منعوا فقط إنتاج مواد الترف وأدوات الحرب، وكذلك كل تجارة.
كان أساس كل نظامهم الشيوعى جماعية للاستهلاك، وليس للإنتاج الاجتماعى. ممالاريب فيه، أن الأخير حتى قد اقترح، ولكننا قرأنا أيضاً عن مهام أنجزها الفرد أتت له بنقود ، سواء فى شكل أجور، أو كمقابل للسلع المبيعة، ولكن هذه المهام أنجزت خارج هيئتهم الإجتماعية. من ناحية أخرى، كان كل أعضاء الطائفة لهم مأواهم ووجباتهم بشكل مشترك، وهذا هو ما خدم بصفة رئيسية فى إبقاءهم معا. هذه هى شيوعية الاقتصاد المنزلى المشترك، الذى يتطلب التخلى عن الاقتصاد المنزلى المعزول، للعائلة المعزولة، ومن ثم أيضاً عن الزواج الفردى.
نجد فى الواقع أن كل التنظيمات المؤسسة على شيوعية الاستهلاك، على اقتصاد منزلى مشترك، تواجه صعوبات ترجع إلى الزواج الأحادى، وانها تسعى من ثم لإلغائه. هناك طريقتان يمكن بهما عمل ذلك - وهما تمثلان القطبان المتعاكسان فى العلاقات الجنسية، واللتان تبدوان متعارضتان تماما كل منهما مع الأخرى، أى العفة المتطرفة و"الشر" المتطرف. ومع ذلك فان هاتين الطريقتين تتبعان بشكل متساوٍ على الأغلب فى التنظيمات الشيوعية. من زمن الإسينيين، فى كل الطوائف الشيوعية المسيحية، حتى المستعمرات الشيوعية الطائفية فى الولايات المتحدة فى زمننا، ربما نتتبع هذا الاتجاه لرفض الزواج، وهذا الميل لتحبيذ العزوبية أو جماعية الزوجات.
لن يكون هذا متصورا اذا كانت هذه الشيوعية وبناؤها الفوقى العقلى مؤسسان على اعتبارات أيديولوجية فحسب، ولكن من السهل تفسيرها على أساس شروطها الاقتصادية.
لم يحبذ أغلب الإسينيين ملامسة النساء على الإطلاق.
"لقد احتقروا الزواج، ولكنهم تبنوا أطفالا غرباء، اذا كانوا مازالوا صغاراً ولايزال يمكن تعليمهم، احتفظوا بهم كأطفالهم، ووجهوهم فى عاداتهم وقواعد سلوكهم. إنهم لايرغبون فى أن يلغوا أو يمنعوا زواج وتناسل الإنسان. ولكنهم يقولون أن على المرء أن يكون حذرا بسبب عدم طهارة النساء، لأنه لاتوجد إمراة ترضى برجل واحد فقط". وهذا هو يوسيفوس فى الفصل الثامن من الكتاب الثانى من مؤلفه تاريخ الحرب اليهودية، الذى أوردنا منه الاقتباسات الآنفة التى تتعلق بالإسينيين. وفى الكتاب الثامن عشر من مؤلفه آثار اليهود، الفصل الأول، يقول أيضاً حول هذا الموضوع:
"انهم لايأخذون زوجات ولايستبقون عبيدا. وهم يتخيلون أن الأخير ليس عدلا، وأن الأول يثير الخلاف".
فى كلتى الحالتين يعزو يوسيفوس اعتبارات عملية فقط كسبب لمعاداة الزواج، وليس دافعا زهديا، وقد عرفهم يوسيفوس من ملاحظته الخاصة، وكان قد ضم جهوده بالتعاقب، إلى الصدوقيين، الإسينيين، والفريسيين، وفي النهاية بقى مع الأخيرين.
يوسيفوس من ثم هو أفضل من يخبرنا عن سبب معارضة الإسينيين للنساء، الذى لايعنى أن هذه الاعتبارات كانت بالضرورة هي السبب النهائى لهذه المعارضة. يجب أن نميز دائما بين الحجج التى يقدمها الإنسان كأسباب لأفعاله، والدوافع السيكولوجية التى تشترط بالفعل هذه الأفعال. بضعة أشخاص يعون بوضوح هذه الدوافع. يحب مؤرخونا أن يقبلوا الحجج التى وصلتهم باعتبارها الدوافع الحقيقية للأعمال والشروط التاريخية. وهم يدينون "البحث عن الدوافع الحقيقية" باعتباره "إنشاء" تحكميا، أى، إنهم يرغبون فى ألا تحرز معرفتنا التاريخية مستويات أعلى من تلك التى تحققت فى الأزمنة التى يحددها تاريخ مصادرهم. إن كامل المتن الواسع للمادة التى تراكمت منذ هذه الأزمنة، تُمكننا من أن نعزل العناصر الأساسية والنموذجية فى أكثر الظواهر التاريخية تنوعا عن العناصر غير الأساسية والعرضية، وأن نكتشف الدوافع الحقيقية للبشر التى تكمن خلف دوافعهم المفترضة - علينا أن نعتبر كل هذه المادة كأنها غير موجودة !
إن من يعرف تاريخ الشيوعية سوف يفهم على الفور انها لم تكن طبيعة النساء، وإنما طبيعة الاقتصاد المنزلى الشيوعى، التى اثارت اشمئزاز الإسينيين من الزواج. حيث عاش كثير من الذكور والإناث معا فى اقتصاد منزلى مشترك، فان إغراءات الزنا وعدم التوافق الزوجى بسبب الغيرة كانت كثيرة جدا. ما لم يتخل المرء عن مثل هذا الاقتصاد المنزلى، كان المرء مضطرا بالضرورة اما ان ينكر سكن الرجال والنساء معا، أو الزواج الأحادى.
لم يتبنى كل الإسينيين المنحى الأول. يروى يوسيفوس فى الفصل الثامن من الكتاب الثانى من الحرب اليهودية، الذى اقتبسنا منه مرارا كثيرة:
"هناك نوع آخر من الإسينيين، الذين يشبهون الأولين تماما فى نمط حياتهم، عاداتهم وتنظيماتهم، ولكنهم يختلفون عنهم فقط فى النظر إلى الزواج، لأنهم يقولون إن هؤلاء الذين يحجمون عن المعاشرة الزوجية يحرمون الحياة من وظيفتها (μ---έ---ρ---ο---ς---) الأكثر أهمية، فلابد وأن يتناقص النسل بثبات، ويضمحل الجنس البشرى بسرعة، اذا فكر الجميع مثلهم. عند هؤلاء الإسينيون عادة اختبار زوجاتهم لمدة ثلاث سنوات (δ---ο---κ---ι---μ---ά---ι---ο---ν---τ---ε---ς---). إذا أظهرت النساء بعد ثلاثة قروء أنهن صالحات للحمل بالأطفال، يتزوجهم الإسينيون. وبمجرد أن تحمل امرأة، لايعود يباشرها زوجها، غاية هذه الممارسة هو أن يظهروا أنهم "تزوجوا ليس من اجل ملذات الجسد، وإنما من أجل أن ينجبوا أطفالاً".
ليس هذا المقطع واضحا تماما، وكيفما كان الأمر، فإنه يذهب لتبيان أن زواجات الإسينيين هذه كانت مختلفة عن الزواج الشائع. ليست "اختبارات" النساء قابلة لأى افتراض آخر، على أية حال، غير افتراض نوع من مشاعة الزوجات.
من البناء الفوقى الأيديولوجى الذى نشأ على القواعد الاجتماعية، فان فكرة واحدة تستحق الذكر، أى، غياب حرية الإرادة، التى احتفظ بها الإسينيون فى تعارض مع الصدوقيين، الذين اعتقدوا بحرية الإرادة، والفريسيين، الذين أخذوا موقفا وسطيا.
"بينما يدافع الفريسيون عن أن كل شيء يجري بالاتفاق مع القدر، فإنهم رغم ذلك لايلغون إرادة الإنسان الحرة، ولكنهم يعلنون أن الله قد سره أن يحدث نوعا من المزيج بين قرار القدر وقرار الإنسان، الذى يرغب فى أن يفعل الخير أو الشر" .
"الإسينيون من ناحية أخرى، يعزون كل شئ إلى القدر، يعتقدون أن لاشئ يصيب الإنسان اذا لم يكن مقدرا. ولكن الصدوقيون لايعتقدون بالقدر على الإطلاق. يقولون أنه لايوجد شئ كهذا، وانه لايحكم مصير البشر، وهم يعزون كل شيء لإرادة الإنسان الحرة، مما مؤداه ان عليه أن يشكر إن أصابه الخير، بينما عليه أن يعزو الأحداث المعاكسة لحماقته الخاصة" .
يبدو وكأن هذين الموقفين المختلفين نتاج الفلسفة وحدها. ولكن القارئ يعرف بالفعل أن كلا من هذين الاتجاهين يمثل طبقة مختلفة، وإذا قرأنا التاريخ بعناية، فإن الطبقات الحاكمة تميل غالبا لقبول فكرة حرية الإرادة، بينما غالبا ما لاتفضل الطبقات المضطهدة أكثر، من ناحية أخرى، فكرة إرادة حرة.
وهذا سهل الفهم للغاية. تشعر الطبقات الحاكمة بنفسها حرة فى أن تتصرف أو تمتنع عن الفعل، كما يتراءى لها. ليس هذا نتيجة فقط لقوة مركزها، وإنما أيضاً (نتيجة) العدد الصغير لأعضائها. تصبح العملية الضرورية للقوانين الطبيعية واضحة فقط فى ظواهر واسعة النطاق، التى تنفى فيها الانحرافات المتعددة عن العادى كل منها الأخرى بشكل متبادل. كلما قل عدد الأفراد تحت الملاحظة، كلما كانت هيمنة العناصر الشخصية والعرضية أعظم من العناصر الشاملة النموذجية. تبدو الأخيرة فى حالة أحد الملوك غائبة كلية.
من ثم لايجد الحكام من الصعب اعتبار أنفسهم أرفع من التأثيرات الاجتماعية، التى، مادامت لم تدرك، تبدو للبشر وكأنها قوى غامضة، مثل القدر، والمصير. تشعر الطبقات الحاكمة بنفسها أيضاً مدفوعة إلى أن تعزو حرية الإرادة ليس فقط لنفسها، وانما أيضاً للمحكومين من قبلها. يبدو بؤس الإنسان المستغل بالنسبة لهم وكأنه يرجع لخطأه؛ وتبدو كل واحدة من آثامه قاعدة إثم، ناشئة فحسب من فرح شخصى بالشر، وتتطلب عقوبة قاسية.
إن افتراض حرية الإرادة سوف يجعل من السهل على الطبقات الحاكمة أن تنجز وظائفها كقضاة وأوصياء على الطبقات المضطهدة مع شعور بالسمو الأخلاقى، والسخط، الذى لابد وأن يخدم بالتأكيد فى تعزيز طاقتها.
ولكن الكتلة العظمى من الفقراء والمضطهدين لابد وأن تشعر فى كل خطوة بأنها عبيد الظروف، القدر، وقرارته التى قد تكون غامضة بالنسبة لهم، ولكن التي كيفما كان الأمر فهى أقوى منهم. إن أجسادهم قد صنعت لتشعر بعبث المثل الذى ألقى عليهم بشكل خطابى من قبل المحظوظين: "كل إنسان هو مهندس حظه". إنهم يحاولون الهرب بلا جدوى من الشروط التى تضطهدهم. ويشعرون دوماً بضغط هذه الشروط. ويتعلمون من أعدادهم الكبيرة أنه ليس الفرد فقط من بينهم هو الذى يحدث له هكذا، وإنما أنهم يجرون نفس السلسلة. وهم يقدرون تماما أنه ليست أفعالهم فقط ونتائج أفعالهم، وإنما مشاعرهم وأفكارهم واختياراتهم معتمدة تماما على الشروط المحيطة بهم.
قد يبدو مسليا أن نرى الفريسيين بسبب مركزهم الاجتماعى المتوسط قبلوا بالمثل بحرية الإرادة وايضا ضرورة القانون الطبيعى. مع ذلك، فعل الفيلسوف العظيم كانط، تحديدا نفس الشيء بعد زمنهم بألفى عام.
لا يتطلب بقية البناء الفوقى الأيديولوجى المؤسس على التركيب الإسينى للمجتمع معالجة أكثر هنا، رغم أن المؤرخ يولى معظم اهتمامه عادة لهذه النقطة فقط. لأن هذه الأفكار تعطيه فرصة لأن يؤسس أبحاثا عميقة عن أصل الإسينية فى الزرادشتية، أو البوذية، أو الفيثاغورثية، أو فى أى "إيه" ism أخرى.
السؤال فيما يتعلق بالجذور الحقيقية للإسينيية لايمكن أن يحل هكذا. تنشأ المؤسسات الاجتماعية داخل أمة دائما من حاجاتها الحقيقية، وليس من خلال مجرد التقليد للنماذج الأجنبية. ليس هناك شك فى أننا قد نتعلم من البلدان الأجنبية، أو العصور القديمة، ولكننا نقبل منها فقط بقدر مايمكن ان يستخدم، بقدر ما يتوافق مع حاجاتنا الخاصة. وجد القانون الرومانى على سبيل المثال ترحيبا فوريا فى ألمانيا بعد عصر النهضة لسبب وحيد أنه أجاب بشكل يثير الإعجاب على متطلبات طبقات معينة قوية وصاعدة، أى الملكية المطلقة والتجار. يوفر المرء على نفسه بالطبع مشاق اختراع أداة جديدة اذا كانت هناك أداة ناجزة جاهزة فى اليد. ولكن حقيقة أن أداة ما هى من أصل أجنبى لن يفسر لم وجد استعمال لها فهذا يمكن أن يفسر بالاحتياجات الفعلية ضمن الأمة ذاتها فحسب.
أضف إلى ذلك، كل التأثيرات التى تكون قد مورست على الإسينيية من جانب الزرادشتية، البوذية، أو من قبل الفيثاغورثية ذات طبيعة مشكوك فيها للغاية.ليس هناك دليل فى أى مكان على التأثير المباشر لأى من هذه العناصر على الإسينيين. ويمكن أن تفسر التشابهات بينها فقط بحقيقة أنها جميعا قد نشأت تقريبا فى ظل نفس الظروف، التى مارست فى كل منها ضغطا فى اتجاه نفس محاولات الحل.
من المحتمل ان الأكثر معقولية من هذه الصلات هى تلك التى بين الفيثاغورثيين والإسينيين. حتى يوسيفوس يقول (الآثار، 15، 10، 4) أنه كان للإسينيون نمط للحياة يشبة تماما (النمط) الفيثاغورثى. ولكن يمكن لنا أن نسأل كذلك ما اذا كان الإسينييون هم الذين تعلموا من الفيثاغورثيين أم الفيثاغورثيين منهم. بالطبع يدعي يوسيفوس (جدال ضد أبيون،1،22) أن فيثاغورث نفسه قد قبل الأفكار اليهودية ونشرها باعتبارها أفكاره وتلك مبالغة يحتمل أنها تقوم على التزوير، بغرض تمجيد اليهود.
فى الواقع، إننا نعرف بالكاد أى شيء محدد عن فيثاغورث، فقط بعد وقت طويل من موته نبدأ بالفعل فى الحصول على ماده غنية إلى حد معقول فيما يتعلق به، وتصبح الأخيرة أكثر تعددا وأكثر تحديدا - وأيضا أكثر جدارة بعدم التصديق - حيث يستطيل إنصرام الزمن منذ وفاته. لقد أشرنا فى البداية إلى أن فيثاغورث صار حاله حال يسوع، أصبح شخصية نموذجية نسبت إليها كل هذه الخصائص التى كانت مطلوبة من نموذج للأخلاقية، لقد أصبح أيضاً صانع عجائب ونبيا، الذى أعطى دليلا على مهمته الإلهية بواسطة أكثر الإنجازات استثنائية. تحديدا لأن لا شيء محدد قد عرف عنه، يمكن للمرء أن ينسب إليه أيا من الأعمال والكلمات التى ظن المرء أنها أفضل. أيضاً تنظيم الحياة الذين زعموا أن فيثاغورث قد أدخله، كان مشابها جدا (لتنظيم)، الإسينيين، بجماعية طيباته، قد يكون من أصل متأخر، ربما ليس أقدم كثيرا من الإسينى.
من المحتمل أن لهذه الفيثاغورثية أصل فى الإسكندرية . واتصال ما مع اليهودية كان أمراً طبيعيا جدا فى ظل هذه الظروف؛ وعليه من المحتمل تماما أن وجهات النظر الفيثاغورثية قد تسربت إلى فلسطين. العملية المعاكسة ممكنة أيضا. أخيرا، ليس أقل احتمالا أن كلا النظامين كانا ينهلان من مصدر مشترك، من ممارسة المصريين، لانه فى مصر انتهت المرحلة العليا للتطور الاجتماعى بالأحرى باكراً بالمقارنة إلى أن تأخذ خطوة تأسيس المؤسسات الرهبانية.
إذا كانت الثقافة القديمة لمصر، وعملية انحلالها التى طالت، قد أنتجت ابكر من أى من أقسام الإمبراطورية الرومانية كرها لمسرات الحياة والملكية الخاصة، ورغبة فى الهرب من العالم، فان هذه الرغبة لايمكن أن تنفذ بملائمة فى أى مكان آخر أكثر من مصر، حيث بدت الصحراء دانية من مرتكزات الحضارة. فى أى قسم آخر من الإمبراطورية، يجد من يهرب من المدينة الكبيرة ملكية خاصة حتى فى الريف، وهذه كانت الأكثر اضطهادا من بين كل أشكال الملكية الخاصة، إنها الملكية العقارية، بخلاف ذلك فقد كان من الضرورى لمثل هذا الإنسان أن يعتزل فى البرية، أميالا عديدة بعيدا عن الحضارة، التى يمكن جعلها قابلة للسكن فقط بواسطة العمل الأكثر نشاطا، وشكل للعمل كان أقل مايكون ملائمة للساكن فى المدينة.
فى الصحراء المصرية، كما فى كل الصحراوات الأخرى، لم تكن هناك ملكية خاصة للأرض. مع ذلك لم يكن صعباً العيش فى الصحراء. لم يتطلب مناخها نفقات عظيمة للبناء، الملابس، الوقود، حماية ضد قسوة الطقس. وكانت الصحراء غاية فى القرب من المدينة حتى أن الناسك يمكن فى أى وقت أن يتزود بسهولة باحتياجات الحياة من أصدقاءه، فى الواقع انه قد يؤمن حتى هذه المواد بنفسه بجهد المشى ساعة.
بدأت مصر من ثم فى عهد مبكر فى تطوير نظام نسك شبيه بنظام الرهبان. عندئذ ظهرت الفيثاغورثية الجديدة فى الإسكندرية، وأخيرا نشأت، فى القرن الرابع من عصرنا، الرهبانية المسيحية فى نفس المدينة. ولكن اليهود السكندريين طوروا أيضاً طائفة خاصة من الرهبان، أى (طائفة) المداوين THERAPEUTE. كتاب فيلون حول حياة الحكمة، الذى يروى لنا فيه عنهم، قد اعلن أنه منحول، ولكن يبدو الشك بلا اساس فى هذه الحالة.
وفقا لهذا التقرير فقد تخلوا عن كل الممتلكات كما يفعل الحكيم، مقسمينها بين أقاربهم وأصدقائهم، هجروا إخوتهم، وأطفالهم، وزوجاتهم، وأصدقائهم، وآبائهم ، ومسقط رؤوسهم ووجدوا موطنهم الحقيقى بالتشارك مع آخرين من ذوى العقول المشابهة. وجدت هذه الجمعيات فى كثير من أجزاء مصر، خاصة بالقرب من الإسكندرية. هنا يعيش كل واحد منهم بنفسه فى صومعة بسيطة قريبة من صوامع الآخرين، ولكنه يقضى وقته فى تأمل ورع. غذائهم بسيط للغاية يتكون من الخبز، والملح والماء. فى السبت يتجمع الكل، رجالا ونساء، فى قاعة طعام عامة، التى ينفصل فيها الجنسين، على أية حال، بحاجز، ليغنوا ويسمعوا خطبا ورعة. وهم يدينون أكل اللحم، شرب الخمر، والعبودية ولكن لانسمع شيئا عن العمل فى نظامهم؛ من المحتمل أنهم يعيشون على الصدقات من أصدقائهم والراغبين فى الخير.
من المحتمل تماما أن اليهود السكندريون اتوا بأفكار االمداوين THERAPEUTAE إلى فلسطين، وهكذا مارسوا تأثيرا على الإسينيين، ومع ذلك فان الاثنين مختلفان بصفة أساسية. المداوون THERAPEUTAE عاشوا فى بطالة تأملية على عمل الآخرين، وعمل الإسينيين بكد وكسبوا ما يكفى ليس فقط ما يمكنهم من العيش عليه، وانما حتى ان يعطوا المحتاج من فائضهم. كلاهما ادان الملكية الخاصة، ولكن المداوين لم تكن لديهم فكرة عما يمكن عمله بطيبات هذا العالم. كما كان العمل كريها بالنسبة لهم كالمتعه، لقد عاشوا دون أدوات إنتاج او استهلاك ووزعوا ممتلكاتهم على الأصدقاء والأقرباء. عمل الإسينيون، لذا فقد احتاجوا الأدوات، ومن ثم فإن أعضائهم لم يوزعوا هذه الممتلكات على أصدقائهم، إنما جمعوها للاستعمال المشترك.
فى العمل، يجب أيضاً ان يبقوا أكفاء، لابد وان يتناولوا غذاء كافياً. الزهد المتزمت مستحيل بالنسبة لهؤلاء الذين يعملون.
الفرق بين المداوين من ناحية - خاصة الفيثاغورثيين الجدد - الذين بالنسبة للقسم الأعظم منهم ثرثروا حول الزهد فحسب، والروحانية، والتخلى عن الملكية، والإسينيين من ناحية أخرى، يدل على التضاد بين يهود فلسطين وبقية حضارة روما القديمة فى الزمن الذى نشأت فيه المسيحية.
نلتقى فى الإسينية بنفس النشاط الذى صادفناه عند الغيورين، والذى يرفع بعظمة كبيرة يهود هذا العصر فوق كثرة الشكوى الجبانة للشعوب المتحضرة الأخرى، التى هجرت المتعة والغواية لانها خافت من الصراع، حتى اتجاهاتهم الشيوعية اتخذت طابعا جبانا وزهديا.
كان الشيء الذى جعل الإسينية ممكنة، الحيوية اليهودية، ولكن ليست وحدها، فعوامل أخرى مسئولة أيضاً عن جعل هذه الظاهرة تتجلى بين اليهود أكثر منها فى اى مكان آخر.
نجد فى القرن الأخير قبل المسيح، أن الفقر المنتشر قد ترافق مع رغبة متزايدة عند البروليتاريين وأصدقائهم لعلاج الشر بواسطة تنظيماتهم. تخدم الوجبات المشتركة، وهي البقية الأخيرة من الشيوعية الأصلية، أيضاً كبداية للشيوعية اللاحقة.
ولكن كانت الحاجة بين اليهود للاتحاد والمساعدة المتبادلة عظيمة بصفة خاصة. ابناء البلد الذين يعيشون فى الخارج سوف يتضامنون على نحو أكثر قربا مما فى الوطن، ولم يكن هناك احد لامأوى له، وأكثر دواما فى البلدان الأجنبية من اليهودى خارج يهوذا. ومن ثم كان اليهود بينهم أنفسهم يتسمون بفعل الخير الذى كان ملفتا للنظر بقدر امتناعهم عن ذلك فيما يتعلق بغير اليهود. يذكر تاسيت فى نفس الوقت كراهيتهم نحو كل الأمم الأخرى، وخيريتهم الحاضرة دائما كل منهم نحو الآخر .
يبدو أنهم تشبتوا بعناد خاص بتنظيماتهم لتناول وجبات مشتركه. بخلاف ذلك سوف يكون من المستحيل تفسير لماذا كان على قيصر، الذى منع كل التنظيمات التى لم تكن ذات عمر كبير، ان يقوم باستثناء التنظيمات اليهودية.
"بينما جعل تأسيس كل التنظيمات المستقلة الأخرى التى تحوز ملكية خاصة بها تعتمد على اقرار من مجلس الشيوخ، فلم يضع شيئا فى طريق تشكيل التنظيمات اليهودية ذات الوجبات المشتركة وملكيتها الخاصة. بالنظر إلى الرغبة فى الزمالة واسعة الانتشار التى وسمت التنظيمات التى خشيت منها الدولة كثيرا واضطهدت من قبل الدولة، فإن هذا التفضيل للتنظيمات الدينية اليهودية أدى بعدد كبير من الوثنيين لطلب الالتحاق بالجماعة اليهودية، الذى منح لهم دون صعوبة .
لقد كان من الطبيعى لمثل هذا الاتحاد، اذا كان بروليتياريا، أن يتخذ طابعا شيوعيا خالصا. لكنه كان من الصعب للتنظيم فى مدينة كبرى أن يفعل أكثر من تقديم وجبات مشتركه من المؤن المشتركة. ولم تكن هناك حاجة شديدة لأكثر من ذلك، لم يكن ارتداء الملابس أمرا مهما بين البروليتاريين فى اوربا الجنوبية، لقد كان زينة أكثر منه حماية من الطقس. استطاع بروليتاريو المدينة دائما ان يجدوا ركنا يناموا فيه. أضف إلى ذلك، فان مهنهم وزعتهم عادة على أقسام المدينة المختلفة، وتمثلت فى التسول، السرقة، البدالة، حمل الاثقال إلى آخره.
الوجبة المشتركة للتنظيم - التى أسهم فيها كل عضو بحصته والتى حضرها كل عضو، بغض النظر عن انه صادف ان يكون فى مركز من يساهم ام لا - كانت الرابطة الأشد أهمية التى تلحم التنظيم، أكثر الوسائل أهمية فى حماية العضو الفرد ضد تقلبات الحياة، وهى شديدة الخطر بالنسبة لهؤلاء الذين لم تكن لهم ملكية.
ولكن لم يكن نفس الشيء فى المدينة كما فى الريف. فى المدينة، الاقتصاد المنزلى، والحرفة مرتبطان بوثوق. تتطلب الوجبات المشتركة أيضاً سكنا مشتركا وإدارة مشتركة. لم تكن المؤسسات الزراعية الكبيرة شيئا غير عادى فى هذه الازمنة: تدار إما بواسطة العبيد أو عائلات شيوعية كبيرة، أخويات المعيشة، إنها (سمة) خصوصية لتلك المرحلة من المجتمع.
ولكن كانت فلسطين الإقليم الوحيد الذى كان لليهود فيه طبقة فلاحية، الأخيرة، كما رأينا، كانت على اتصال وثيق دائم مع مدينة أورشليم الكبيرة والبروليتاريا فيها. لقد كان من ثم من غير الصعب للاتجاهات الشيوعية، وهي أكثر طبيعية بالنسبة للبروليتياريا اليهودية أكثر من أى أحد آخر فى هذه الفترة، ان تتسرب إلى مقاطعات الريف وتحرز هناك التطور الذى يميز الإسينيين.

كان الأساس الاقتصادى للتنظيم الإسينى الاقتصاد الفلاحى. "لقد انخرطوا جميعا فى الزراعة". هو تصريح يوسيفوس المبالغ فيه إلى حد ما. (الآثار،18،1، 5).
ولكن مثل هذا التنظيم كان من الممكن أن يحافظ على نفسه فقط فى الولايات التي تتسامح فيها معه الدولة. لا يمكن ان يوجد تنظيم تعاونى إنتاجى كجمعية سرية، خاصة فى الريف.
كانت الإسينية من ثم مرتبطة بوجود الحرية اليهودية. عنى تدمير الأخيرة تدمير الأولى ايضا. ولم تكن قادرة على الوجود فى مدينة كبرى، خارج فلسطين حرة، كجمعية سرية.
كان مقدرا لمدينة أورشليم الكبيرة بالرغم من ذلك أن تطور شكلا من التنظيم تبين أنه أكثر قابلية للتكيف من اى تنظيم آخر لاحتياجات البروليتياريا الحضرية عبر الإمبراطورية، وأخيرا حتى أكثر قابلية للتكيف أكثر من أى تنظيم آخر لاحتياجات الإمبراطورية ذاتها.
ولد هذا التنظيم من اليهودية، وامتد على اتساع الإمبراطورية بكاملها وتمثل كل العناصر ذات الموقف الجديد تجاه الحياة، الذى نشأ من التحول الاجتماعى وتحلل العصر.
علينا الآن أن ندرس هذا التنظيم، وهو المجمع المسيحى.
*****
يمثل هذا النص القسم الثالث من كتاب كاوتسكى : اسس المسيحية الصادر عام 1908 - ورغم مرور اكثر من قرن على صدوره فمازال يحتفظ بقيمته الفكرية من زاوية انه المحاولة الاولى الموسعة لتطبيق المادية التاريخية على الدينين اليهودى والمسيحى .



#كارل_كاوتسكى (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يسوع الإنجيل ويسوع التاريخ - كارل كاوتسكى
- التناقض بين المثقف والبروليتاري
- الدين والصراع الطبقى فى المجتمع الشرقى العبودى القديم - ترجم ...


المزيد.....




- صدور أسبوعية المناضل-ة عدد 18 أبريل 2024
- الحوار الاجتماعي آلية برجوازية لتدبير المسألة العمالية
- الهجمة الإسرائيلية القادمة على إيران
- بلاغ صحفي حول اجتماع المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ...
- من اشتوكة آيت باها: التنظيم النقابي يقابله الطرد والشغل يقاب ...
- الرئيس الجزائري يستقبل زعيم جبهة البوليساريو (فيديو)
- طريق الشعب.. الفلاح العراقي وعيده الاغر
- تراجع 2000 جنيه.. سعر الارز اليوم الثلاثاء 16 أبريل 2024 في ...
- عيدنا بانتصار المقاومة.. ومازال الحراك الشعبي الأردني مستمرً ...
- قول في الثقافة والمثقف


المزيد.....

- مساهمة في تقييم التجربة الاشتراكية السوفياتية (حوصلة كتاب صا ... / جيلاني الهمامي
- كراسات شيوعية:الفاشية منذ النشأة إلى تأسيس النظام (الذراع ال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- lمواجهة الشيوعيّين الحقيقيّين عالميّا الإنقلاب التحريفي و إع ... / شادي الشماوي
- حول الجوهري والثانوي في دراسة الدين / مالك ابوعليا
- بيان الأممية الشيوعية الثورية / التيار الماركسي الأممي
- بمناسبة الذكرى المئوية لوفاة ف. آي. لينين (النص كاملا) / مرتضى العبيدي
- من خيمة النزوح ، حديث حول مفهوم الأخلاق وتطوره الفلسفي والتا ... / غازي الصوراني
- لينين، الشيوعية وتحرر النساء / ماري فريدريكسن
- تحديد اضطهادي: النيوليبرالية ومطالب الضحية / تشي-تشي شي
- مقالات بوب أفاكيان 2022 – الجزء الأوّل من كتاب : مقالات بوب ... / شادي الشماوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - كارل كاوتسكى - فى الاصول التاريخية والاسطورية للشعب اليهودى - ترجمة : سعيد العليمى