أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حبيب عبدالرب سروري - ماركس محلقا فوق سماء بنما















المزيد.....

ماركس محلقا فوق سماء بنما


حبيب عبدالرب سروري

الحوار المتمدن-العدد: 5172 - 2016 / 5 / 24 - 08:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



جبال من الوثائق السريّة (11.5 مليون وثيقة) تابعة لمكتب محاماة “موساك فونسيكا” البنمي، تمّ الوصول لها بخفاء ودهاء، قبل أن تحلِّلها ميكروسكوبات لجنةٍ من عشرات الخبراء والصحفيين، بمهنيّة وسريّة كاملة خلال 9 أشهر!

النتيجة: “فضيحة بنما” التي كشفت النقاب عن مليارات تنطح مليارات، تُخفَى بعيداً عن الضرائب، أو تبيّض لتستر أصولها المظلمة الآثمة.

ثمّة ما يستحق التأمل مليّاً وبعمق في هذه الفضيحة التي هزّت العالم، وما زلنا في مستهل تداعياتها ونتائجها.



قد يظن البعض أولاً أن شلالات الدولارات هذه تتدفق الآن في بنما. كلا، لو كان ذلك لكانت بنما أغنى دولةٍ في العالم.

دور بنما هنا يشبه دور “شاهدي الزور” الفقراء، الذين يقبعون بجانب محاكم بعض الدول الإسلامية الفقيرة الفاسدة: يمكن جلب أحدهم إلى قاعة المحكمة ليشهد زورا على قضية لا يعرف عنها شيئاً قبل ذلك، ويحلف بالمصحف الكريم مقابل مبلغٍ زهيد يسمح له بأكل لقمتين، يعطيه إياه المتهم سرّاً، لِينقذ نفسه من العقوبة بفضل شهادة كاذبة!

كذلك هو دور بنما في هذه الفضيحة الدولية.



لتوضيح ذلك، يلزم التذكير بأن ما كانت تسمّى ب “الجنّات المالية”، كسويسرا ولوكسمبورج، وجدت نفسها، بعد الأزمة المالية في 2008، ملزمةً، حسب القوانين الأوربية التي لحقت الأزمة، بالإفصاح للدول الأوربية بأسماء كل من يودعون أموالهم في أقبية بنوكها، للتأكد من شفافيتها وقانونيتها.

ذلك يعني أن على أموال الغشاشين، ممن يريدون إخفاء مبالغهم المالية على الضرائب أو استخدامها في أمور مظلمة، أن تكون باسماء ملاك وهميين، يلعبون دور شاهدي الزور تماما.



ذلك ما تقوم به شركة المحاماة البنمية: تسهل للغشاشين خلق “مرايا شركات” كما تسمّى، أي شركات سرابية تدير أموالهم المودعة في البنوك، باسماء ملاك بنميين لهذه الشركات، فيما يظل الغشاشون المالكين الحقيقيين لهذه الأموال، يستخدمونها خلف الأقنعة كما يحبّون. ما يهم فقط أن لا يظهرون على السطح، وأن لا يمسّهم مكروه لذلك.

إحدى النساء البنميات تمتلك باسمها 34000 شركة؛ راتبها الشخصي مقابل تصريح اسمها كمالكة زور لكل هذه الشركات: 1000 دولار لا غير. وما يدفعه الغشاش، مقابل اخفاء اسمه: حوالي 700 دولار سنويا لكل شركة، لمكتب المحاماة البنمي الذي يتولّى خلق وتنظيم وإدارة لعبة الزور هذه!



أما المليارات، كل المليارات، فلا تدخل بنما بالطبع. تسيل وتشتغل في الجنّات المالية في الدول الغنية، مجراها ومرساها، كما كانت دوماً قبل القوانين التي لحقت أزمة 2008، وقادت لتصميم تلاعبات البهتان اللئيمة هذه!



نحن هنا أمام شلالات نياجارا من مليارات الدولارات في الحقيقة، لم يُتعب أحدٌ نفسَه حتى الآن ليحسب كم سترفع من مستوى معيشة الناس في هذا العالم، وكم ستدعم التعليم والثقافة في كوكبنا المنهوب، فيما إذا طبِّق القانون على من يخفونها وتمّ استعادة ما يلزم استعادته منها وفقه.



من كشف هذا السّر؟

سؤال هامٌ يلزم لاستيعابه ملاحظة أن عالمنا اليوم يغرق في أمواج متلاطمة من المعلومات التي تتقاذفها شبكة الإنترنت. أضحى، بعد أن دخل عصر البيانات العملاقة Big Data الذي تناولنا معالمه في مقالات سابقة، مسرح صراع بين قوّتين:

الأولى قوّة التجسس الآلي للاستخبارات الدولية، لاسيما الأمريكية، التي تشبه اليوم أذناً هائلة تغلف الكرة الأرضية، تشفط من العالم الرقمي كل بيانات صغيرةٍ وكبيرة تخصّنا فيه، كل معلومة، وتقدّمها إلى برامج ذكيّة تستخلص منها معارف فطينة دقيقة عن كل حركاتنا وسكناتنا، ونوايانا المستقبلية أيضاً.

والثانية قوّة شبكة مناضلين مقاومين لهذه السلطات، تراقب، تتقصي، تدين، وتعطي تقييمات لما تمارسه السلطات السياسية والمالية من انتهاك للديموقراطية والقوانين.

منظمة الصحفيين والمتخصصين التي ساهمت بتقصي وكشف فضيحة بنما تنتمي لهذه القوة الثانية التي تنظّم نفسها اليوم أكثر فأكثر من أجل الديموقراطية والإنسان.



الهاكرون اللاخلاقيون على الإنترنت الذين يختفون في الأوكار والمستنقعات ينتمون للقوة الأولى، والهاكرون الأخلاقيون الذي يعقدون اجتماعاتهم الدولية الدورية تحت الشمس ينتمون للثانية.

بين هؤلاء وهؤلاء لم يعد مفهوم السر اليوم كما كان عليه قبل زمن الإنترنت: كل ما يبعثه الإنسان من إيميلات، كل ما يكتبه، كل حركات مبالغه المالية، كل ما يقوله في مكالماته، تتلقفه آذان، هي الأخرى محل مراقبة آذان مقاومة مضادة.

غفرانك فرويد: غرفة الأسرار في النفس البشرية لم تعد مقدسة مغلقة بالأقفال في عصر البيانات العملاقة و”الأخ الأكبر” الذي تنبأ به جورج أوريل في روايته الفذّة: 1984!



ربما لن يعرف أحدٌ كيف وصلت القوّة الثانية إلى كمبيوترات شركة موساك فونسيكا، أو هل تمّ ذلك بمجرد تسريب، أو عبر هكر برامج كمبيوتر مضادة ذكيّة تتقصّى الدول والشركات المتعددة الجنسية وتراقب اختراقاتها للقوانين.



لا تهمّ كثيرا هذه التفاصيل. ما يهمّ اليوم هو أنها حقّقت نصراً هاما للإنسان المقاوم.

كثير من اللصوص لم يناموا بعد هذه الفضيحة. بعضهم أعاد لبلده كل ما نهبه بشكلٍ لا قانوني، قبل انفتاح الملفات القضائية عليه؛ تسترد فرنسا مثلاً حوالي 6 مليارات يورو من هؤلاء. وبعضهم تنتظره السجون بكل بساطة.

علاوة على ذلك، تمّ تشكيل لجنة أوربية، بميزانية خاصة، لتدرس ملف كل أوربي مسّته الفضيحة. كذلك فعلت أمريكا…



غير أنه لا ينبغي المبالغة: لن تمسّ هذه المتابعات القانونية كبار الدناصير، لاسيما في الدول التي لا سلطة حقيقية للقانون فيها، كروسيا التي لجأ بوتين فيها لمبدأ الإنكار، على الطريقة السوفيتية، واعتبر هذه الفضيحة مؤامرة غربية ضد روسيا. أو كدولنا العربية، التي لم تكلف نفسها عناء الالتفات لما يمسّها من فضائح شاسعة، فما بالكم ببث البرامج التلفازية الاستقصائية الكاشفة.



ماذا كان سيقول ماركس عن فضيحة بنما؟

ماركس، مكتشف دور المال في حياة البشر، مثل اينشتاين مكتشف نسبية الزمن، داروين مكتشف أصل الأنواع، وفرويد مكتشف خبايا اللاوعي، هم عمالقة فكر وعلم العصر الحديث.

الأوّل هذا قضّى حياته فقيراً مطارداً، متنقلاً مع زوجته جاني وأطفالهما الستة من شقّة إلى شقّة لا يمتلكون ثمن إيجارها، اعتبرته سلطات الغرب حينها: الإرهابي الأوّل في العالم، فيما كان يقضي حياته يكتب، في غرفٍ بائسة، مؤلفات خالدة، مثل “رأس المال”، لم يكسب مقابلها رأس مال علب سجائره!

لكنها هزّت العالم وغيّرت حركته، وما زالت محل اهتمام ودراسات طلاب الثانويات والجامعات والفلاسفة، أكثر صحّةً وحيويّة من أي وقتٍ مضى رغم تشويه التجربة السوفييتة لها، لاسيّما فيما يتعلق بتحليلها لبنية الرأسمالية وعطبها الجذري.

إمتحان الفلسفة (المادة الوحيدة المشتركة في كل أقسام الثانوية العامة الفرنسية الأدبية والعلمية والمهنيّة) كانت قبيل سنوات حول حصيلته الفلسفية.



كان ماركس سيقرأ لنا نصّه هذا الذي كتبه بلسان حال رجل مال مافياوي، كهؤلاء الذين مسّتهم فضيحة بنما:

((قوّتي تنبع من المال. محاسن المال محاسني وسلطتي الجوهرية. كينونتي ومقدراتي لا ترتبط بذاتي: أنا قبيح، لكني أستطيع شراء أجمل نساء الكون. لذلك لستُ قبيجاً، لأن مفعول القبح وقوّته الطاردة يلغيها المال. أنا شرير، غير أمين، بدون روحٍ وضمير، لكن الناس تعبد المال، ولذلك تعبدني.))



خلاصة القول: ما كان ماركس سيندهش من فضيحة بنما، هو الذي يعرف أكثر من أي إنسان أن هوس رجل المال لإضافة المليار العاشر، لمليارات دولاراته التسعة، لا يقل عن هوس جائع فقير يسعى للبحث عن عشاء ليلته. لكنه هوسٌ أكثر شراسة ومكراً.



#حبيب_عبدالرب_سروري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حبيب عبدالرب سروري - بروفيسور جامعي ومفكر وباحث يمني- في حوا ...
- توضيح حول جائزة ابن رشد 2014
- اليمن منجم بلا قاع وأحلم بالتفرغ للكتابة
- فصلان من رواية -ابنة سوسلوف-
- ما الفرق بين الدولة العلمانية والدولة المدنية؟
- ترسيمات حواريّة لمزيد من الابتزاز والنهب
- هدهد سليمان، عظمٌ في حنجرةِ التعليم
- من كتبَ التوراة؟، وأسئلةٌ قرآنيةٌ مجاورة


المزيد.....




- سقط 71 مرة.. رجل عمره 91 عاماً يحقق إنجازاً تاريخياً في المش ...
- مع اقتراب الانتخابات.. بن غفير يطرح خطة لإفراغ قطاع غزة من ا ...
- إسرائيل تعلن إخلاء تلة -علي الطاهر- من مقاتلي حزب الله.. نتن ...
- استطلاع: أغلبية الألمان تعتقد أن روسيا تشكل تهديدًا لأمن بلا ...
- روسيا تحذر.. خطر الصدام مع الناتو يتصاعد
- هجمات نظام كييف تحصد أرواح مدنيين وتخلف خسائر مادية في بيلغو ...
- ترامب: أعتقد أننا سننجح في إنهاء الأزمة الأوكرانية
- اعتراف مفاجئ من فانس يسقط قناع دقة الصواريخ الأمريكية
- -خنق منافذ الحياة-.. وزير يمني يحذر عبر RT من مخطط حوثي يطال ...
- -تايمز-: بريطانيا تلغي مناورات عسكرية كبرى لتوفير النفقات في ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حبيب عبدالرب سروري - ماركس محلقا فوق سماء بنما