أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نواف خلف السنجاري - قصة قصيرة العرّاف














المزيد.....

قصة قصيرة العرّاف


نواف خلف السنجاري

الحوار المتمدن-العدد: 1383 - 2005 / 11 / 19 - 08:01
المحور: الادب والفن
    


جلس أمام زوجته المريضة يحدّق في عينيها الغائرتين، كأنهما قبرين لنجمتين..وشفتيها الذابلتين كحقلين لم تمطر فوقهما السماء منذ سنين، نظر الى شعرها الذي تساقط بفعل الجُرع الكيماوية وتعجّب كيف يمكن للمرض أن يغير ملامح إنسان الى هذه الدرجة ؟

عادت به ذاكرته الى أيام الخطوبة، عندما خرج مع خطيبته للنزهة أول مرة، وكيف تنبأ لها بأمور لم يتحقق منها شيء حتى الآن، كان أول تنبؤ له عندما شاهدا رجلاً ومعه زوجته الحامل " ستصبحين مثلها السنة القادمة " فتحوّلت خطيبته الى زهرة حمراء من شدة الخجل . وبينما هو مستغرق في أفكاره فتحت زوجته عينيها بتثاقل وقالت له: لماذا لا تخرج قليلاً ؟ الم تضجر من الجلوس قبالتي طوال هذه السنين ؟ فضحك ضحكة بريئة غطّت جو الغرفة الكئيب بسحابة حنان كأنها مغناطيس يجذب كل ألألم من جسد هذه المخلوقة الهزيل، قال لها وهو يخفي حزنه العميق بابتسامة خفيفة: ستتحسنين وتستعيدين نشاطك عمّا قريب. فأجابته بفتور: لقد ذوّبتني الأدوية، اللعنة على العلاج.. انظر إليّ لقد تساقط شعري بفعل تلك الجرعات الكيماوية اللعينة، وأصبحتُ اقرب الى مومياء منّي الى إمرأة، وتابعت تقول وكأنها تقرأ ما يجول في أفكاره: أتذكر تنبؤاتك أيها العرّاف العجوز قبل أكثر من عقدين من السنين لمّا مرّت من أمامنا امرأة تحمل طفلاً ومعها زوجها الذي كان يمسك بيده طفلاً آخر؟

بدت علامات الدهشة على وجه زوجها، وهزّ رأسه في تأسٍ.

وأكملت: وقتها قلت لي، سنصبح مثلهم بعد بضعة سنوات، ثم مررنا بعائلة تتكون من زوجين ومعهم فريق من الأطفال، فقلت لي سنصبح مثل هؤلاء بعد خمسة عشر سنة..! وإستمرينا في نزهتنا تلك، وعندما شاهدنا عجوزين، قلت لك لن نُصبح مثلهم أبداً، فضحكتَ وقلتْ، سنشيخ أكثر منهم..

قالت الزوجة وقد سالت على خدّها دمعة اكبر من حجم عينها: لقد خابتْ كل تنبؤاتكَ ولم يتحقق منها شيء.. كم تمنيتُ أن أنجب لك طفلاً يحقق أحلامك.. وكم مرة عرضتُ عليك أن تتزوج بأخرى علّها تحقق ما عجزتُ أنا عن تحقيقه لك.. ولكنك كنت ترفض دائماً.

قال الزوج بحسرة وكأنه يحمل في داخله جرحاً بحجم البحر: دعكِ من هذه السخافات..! هذه هي قسمتنا من الحياة..

عندما عاد في مساء ذلك اليوم الخريفي من جنازة زوجته، أحسّ بثقل السرّ الخطير الذي يملأ تجاويف روحه، كأنه إثم وخطيئة، وقد تحمّل عبء كتمانه وحده دون أن يشاركه احد .. كم تمنى لو انه استطاع أن يبوح به لزوجته ويخبرها بأنه هو وليست هي من يكمن فيه الخلل والعقم، وان عدم تحقق نبوءاته أيام الشباب وكل الحزن الذي رافقه طوال تلك السنين إنما كان بسبب عجزه هو وذلك بشهادة أكثر من طبيب، تلك الحقيقة التي أخفاها على الجميع وأولهم زوجته، التي ماتت وهي تعتقد بأنها السبب الأول في تعاسة الإنسان الذي أحبته بصدق، جلس وحيداً في زاوية غرفته.. حزيناً يجترّ تنبؤاته الخاطئة.. إمرأة حامل.. طفل.. طفلان.. ثم دزينة أطفال.. و لا شيء غير شيخوخة وتجعدات و وحدة قاسية..



#نواف_خلف_السنجاري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صدى وسكون
- قصاصات من دفتر قديم
- الرجل الغريب


المزيد.....




- مسؤولة في الخدمة العالمية البريطانية: نحن المنصة الوحيدة الت ...
- التراث الإيراني في مرمى النيران.. أرقام صادمة تكشف حجم الدما ...
- نص سيريالى (رَايَة تَأْكُلُ صَاحِبَهَا)الشاعرمحمدأبوالحسن.مص ...
- -السيد لا أحد ضد بوتين-.. فيلم قاد صاحبه إلى خانة -العملاء ا ...
- سوريا.. وفاة الفنان السوري عدنان قنوع
- وفاة الفنانة المصرية الشهيرة بـ-فاطمة كشري-
- وزارة الثقافة المغربية تتجه لوضع هندسة جديدة لمستقبل المسرح ...
- حفل توزيع جوائز الأوسكار يغادر هوليوود لهذا السبب
- شهوة الخلاص: لماذا يبحث الإنسان العربي عن نافذة نجاة؟
- بواقعية سينمائية.. إنفيديا تبدأ عصر -الذكاء التوليدي- في بطا ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نواف خلف السنجاري - قصة قصيرة العرّاف