أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - فضيلة يوسف - اتفاق اوسلو ( الصعود والسقوط) 1















المزيد.....



اتفاق اوسلو ( الصعود والسقوط) 1


فضيلة يوسف

الحوار المتمدن-العدد: 4998 - 2015 / 11 / 27 - 11:12
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


مقدمة
الشرق الأوسط أكثر نظام فرعي مخترق من النظام السياسي الدولي. منذ نزلت قوة التدخل السريع لنابليون في مصر عام 1798، وكان موضوعاً للتنافس بين القوى العظمى. بلغت الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط كبيرة كبوابة بين أوروبا والشرق الأقصى. وعزز اكتشاف النفط، في وقت مبكر من القرن العشرين، أهمية المنطقة بالنسبة للاقتصاد العالمي. أصبح الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، أحد المسارح الرئيسية في الحرب الباردة. وتمت السيطرة عليه باستمرار في التنافس بين الدول العظمى على النفوذ السياسي والقوة والهيبة. أنتجت المصادر الخارجية للصراع جنباً إلى جنب مع النزاعات داخلية الأزمات المتكررة والعنف والحروب. وأحد أهم العوامل المزعزعة للاستقرار في المنطقة هو النزاع بين إسرائيل والعرب.
الصراع العربي الإسرائيلي واحد من أكثر الصراعات مرارة ، التي طال أمدها، والمستعصية على الحل في العصر الحديث. كما أنه أحد القضايا الرئيسة في العلاقات الدولية في الشرق الأوسط. هناك مستويان رئيسيان لهذا الصراع : المستوى الأول بين الدول والمستوى الثاني الإسرائيلي - الفلسطيني. الأصل والجوهر في هذا الصراع هو الصدام بين الحركات القومية اليهودية والفلسطينية على أرض فلسطين. لذا تبقى مشكلة فلسطين جوهر الصراع. ولكن البحث عن تسوية مسألة معقدة بسبب العلاقات بين الدول العربية وإشراك القوى الخارجية. والغرض من هذا الفصل هو دراسة عملية السلام التي انطلقت في أعقاب حرب الخليج، وبشكل أكثر تحديداً، السعي للتوصل إلى تسوية بين إسرائيل والفلسطينيين.
عملية السلام:
أخذت الولايات المتحدة زمام المبادرة في عقد مؤتمر دولي لمعالجة النزاع العربي الإسرائيلي في أعقاب طرد العراق من الكويت. وقد عقد المؤتمر في مدريد في نهاية تشرين أول 1991. وفي المؤتمر تبنت الولايات المتحدة نهجاً غير متحيز وتعهدت بتشجيع التوصل إلى تسوية من شأنها أن توفر الأمن لإسرائيل والعدالة للفلسطينيين. واستندت المفاوضات على قرار الأمم المتحدة 242 الصادر في تشرين ثاني 1967 ودمج مبدأ الأرض مقابل السلام .
دُعيت جميع أطراف النزاع إلى مدريد وتم استبعاد منظمة التحرير الفلسطينية على افتراض أنها دعمت العراق بعد غزوه الكويت في 2 آب 1990. وشارك الشعب الفلسطيني بوفد من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة ذهبوا لمدريد كجزء من وفد مشترك مع الأردن وليس وفداً مستقلاً. هكذا قدّم الأردن مظلة للمشاركة الفلسطينية في محادثات السلام. على الرغم من أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في تونس، حظرت رسمياً حضور هذا التجمع الدولي الكبير، وأبقت المفاوضين الفلسطينيين على اتصال وثيق مع زملائهم في تونس.
ترأس الوفد الإسرائيلي إلى مدريد ، رئيس الوزراء إسحاق شامير، زعيم حزب الليكود اليميني. في حين أن حزب العمل ، حزب براغماتي ملتزم بالتسوية الاقليمية، الليكود هو حزب ايديولوجي ملتزمة بالحفاظ على الضفة الغربية كجزء من أرض الأجداد "إسرائيل". اتخذ شامير في مدريد وضعية صارمة لا هوادة فيها. بالقول أن المشكلة الأساسية ليست الأرض لكنها رفض العرب لحق إسرائيل في الوجود مقترباً من رفض مبدأ الأرض مقابل السلام.
نشأ مساران للمفاوضات في مدريد: مسار عربي-إسرائيلي ومسار فلسطيني - إسرائيلي. أما المرحلة الثانية من عملية السلام فستكون مفاوضات ثنائية بين إسرائيل والأطراف العربية كل بمفرده . وعقدت هذه المحادثات الثنائية برعاية أمريكية في واشنطن، ابتداء من كانون ثاني 1992. وعقدت عدة جولات من المفاوضات في العاصمة الأميركية، ولكن ، لم يحدث سوى تقدم ضئيل على أي مسار خلال وجود حزب الليكود في السلطة. إلا أنه بعد فوز حزب العمل على الليكود في حزيران 1992 بدأ تعديل على الموقف الإسرائيلي ، على الأقل في المسار العربي. وحدث تغيير في الموقف الإسرائيلي من القضية الفلسطينية بعد صعود حكومة حزب العمال بقيادة اسحق رابين. وبناء على ذلك، بدأت مباحثات رسمية بين الوفدين الإسرائيلي والفلسطيني في واشنطن وكان التقدم فيها بطيئاً للغاية.
الطريق إلى أوسلو
أدى الجمود في المحادثات الرسمية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى السعي لقناة خلفية للاتصال. وكان قرار اجراء محادثات مباشرة مع منظمة التحرير الفلسطينية ثورة دبلوماسية في السياسة الخارجية الاسرائيلية ومهدت الطريق لاتفاق أوسلو في 13 أيلول 1993. وكان ثلاثة رجال مسؤولين عن هذا القرار: اسحق رابين، و شمعون بيريز وزير الخارجية، و يوسي بيلين ، نائب وزير الخارجية الشاب. كان رابين ضد المحادثات المباشرة مع منظمة التحرير الفلسطينية. وتبنى بيريز الرأي القائل بأنه لن يكون تسوية دون منظمة التحرير الفلسطينية . وقال إنه يتوقع أن منظمة التحرير الفلسطينية ستمكن القادة الفلسطينيون المحليون من التوصل الى اتفاق مع اسرائيل وقال في إحدى المرات، إنه مثل توقع مساعدة تركيا في إعداد عشاء عيد الشكر. طالما بقي ياسر عرفات، رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبقي في تونس، وقال، انه يمثل "الغرباء"، والشتات الفلسطيني، وأنه سيبذل قصارى جهده لإبطاء محادثات السلام.
كان يوسي بيلين أكثر جزماً في رأيه أن المحادثات مع منظمة التحرير الفلسطينية شرطاً ضرورياً للتوصل الى اتفاق مع الفلسطينيين. وكان بيلين ينتمي دائما إلى جناح الحمائم المتطرف في حزب العمل. وكان المهندس الحقيقي وراء اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية. أيدّه بيريز على طول الطريق ونجح الاثنين في إقناع زملائهم المترددين .
جرت محادثات سرية في أوسلو في أواخر كانون الثاني عام 1993 مع تشجيع ايجابي من يوسي بيلين وكان شمعون بيريز على علم تام. وإجمالاً، تم عقد أربعة عشر جلسة من المحادثات على مدى فترة ثمانية أشهر، وراء ستار كثيف من السرية. وقام وزير الشؤون الخارجية النرويجي ووزير العلوم الاجتماعية بدور المضيفين السخيين والميسرين . اللاعبان الرئيسيان هما الأكاديميان الإسرائيليان، الدكتور يائير هيرشفيلد والدكتور رون باندك ، ومن منظمة التحرير الفلسطينية أمين الصندوق أحمد قريع، المعروف باسم أبو علاء. وبعيدا عن مرأى ومسمع من الدعاية والضغوط السياسية، عمل هؤلاء الرجال الثلاثة دون كلل لوضع الإطار المفاهيمي لاتفاق بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. سارت مناقشاتهم بالتوازي مع المحادثات الثنائية في واشنطن لكنها كانت دون علم المفاوضين الإسرائيليين والفلسطينيين الرسمي.
وتناولت المحادثات غير الرسمية في البداية التعاون الاقتصادي ولكن سارت بسرعة نحو حوار حول إعلان مبادئ مشترك. أصدر بيريز في آذار، قراراً هاماً للغاية: أمر أوري سافير، المدير العام لوزارة الخارجية، ويوئيل سينغر، وهو محام أمضى عشرين عاماً في الدائرة القانونية في جيش الدفاع الإسرائيلي، للانضمام إلى هيرشفيلد وباندك بالسفر إلى اوسلو في عطلة نهاية الأسبوع . في هذه المرحلة بدأ بيريز يقدم بانتظام تقارير إلى رابين عن التطورات في القناة النرويجية. أبدى رابين في البداية القليل من الاهتمام بهذه القناة لكنه لم يعترض على استمرار عملية الاستكشافات. وتدريجياً، أصبح أكثر انخراطاً في التفاصيل، وتولى دوراً نشطاً في توجيه المحادثات جنباً إلى جنب مع بيريز. وكان أبو علاء يقدم تقاريره مباشرة إلى عرفات، وقد تم إنشاء خط مباشر من التواصل بين القدس ومقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس.
كان معلماً آخر في تقدم المحادثات فشل الجولة العاشرة من المفاوضات الرسمية بين إسرائيل والفلسطينيين في واشنطن. لإغراء الفلسطينيين للتحرك إلى الأمام، طرح بيريز فكرة "غزة أولاً". وأعرب عن اعتقاده بأن عرفات كان يائساً ويحتاج لتحقيق تقدّم ملموس لتعزيز مكانته لتراجع حظوظه السياسية ومن شأن غزة تزويده بأول موطئ قدم له في الأراضي المحتلة. كما عرف بيريز ان الانسحاب الاسرائيلي من غزة سيرضي الغالبية العظمى من مواطنيه . ومع ذلك، لم يبلع عرفات الطعم، وشكّ في الخطة الإسرائيلية التي ستحصر حلم الاستقلال الفلسطيني على شريط ضيق من الأراضي يمتد من مدينة غزة إلى رفح. كانت الفكرة جذابة لبعض الفلسطينيين، خصوصاً سكان قطاع غزة، ولكن ليس للسياسيين في تونس. بدلاً من رفض العرض الإسرائيلي من جهة، عرض ياسر عرفات من تلقاء نفسه: غزة وأريحا أولاً. بدا اختياره بلدة صغيرة وهادئة في الضفة الغربية ملتوياً لأول وهلة ولكنه كان بمثابة رمز للدعوة الى كل الضفة الغربية.
لم يرفض رابين العرض . وكان سابقاً يدعم تسليم آريحا إلى الحكم الأردني مع الحفاظ على غور الأردن في يد اسرائيل. لكنه وضع شرطاً واحداً : أن يكون موطئ قدم الفلسطينيين في الضفة الغربية جزيرة داخل الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل ويبقى جسر اللنبي أيضاً في يد اسرائيل. كانت الأردن ، تفضل وجود إسرائيل في الطرف الآخر من الجسر أيضاً. ولذلك وافق عرفات على التسوية الإسرائيلية "غزة وأريحا أولاً".
وقد اقتنع رابين بفكرة توقيع اتفاق مع منظمة التحرير الفلسطينية بعد أربعة تقييمات وصلت إليه بين أواخر أيار وشهر تموز ، أولها نصيحة ايتامار رابينوفيتش، رئيس الوفد الاسرائيلي الى المحادثات مع سوريا، بأن التوصل إلى تسوية مع سوريا قابلة للتحقيق ولكن بناء على انسحاب إسرائيلي كامل من هضبة الجولان فقط. و الثانية تقارير من مختلف الجهات أن القيادة الفلسطينية حيّدت القيادات المحلية أخيراً. و ثالثاً تقييم مدير المخابرات العسكرية لجيش الدفاع الإسرائيلي أن وضع عرفات مزري ، وربما انهياره وشيك ، وجعل ذلك منه المحاور الأكثر ملاءمة لإسرائيل في تلك المرحلة بالذات. اما التقرير الرابع فكان عن التقدم الباهر الذي تحقق من خلال قناة أوسلو. وأشارت تقارير أخرى وصلت رابين خلال هذه الفترة إلى نمو ينذر بالخطر في شعبية حماس والجهاد الإسلامي في الأراضي المحتلة. أكد له كل من قادة الجيش وقادة الأجهزة الأمنية الداخلية مراراً على الحاجة الملحة لإيجاد حل سياسي للأزمة في العلاقات بين إسرائيل وسكان الأراضي المحتلة. ولذلك أعطى رابين الضوء الأخضر للفريق الإسرائيلي وانتقلت الدبلوماسية السرية في أوسلو إلى أعلى.
اعتقد رابين وبيريز أن التقدم نحو التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين من شأنه تخفيض ثمن التسوية مع سوريا عن طريق الحد من قدرة الأخيرة على المساومة. أطلق بيريز على الرابط بين مجموعتين من المفاوضات ما أسماه "مبدأ دراجة": عندما تضغط على دواسة واحدة، تتحرك الدواسة الأخرى لوحدها . ولم يكن المعنى موجهاً للتوصل إلى اتفاق منفصل مع الفلسطينيين لكنه في حركة تدريجية نحو التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، والسوريين، والأردنيين.
في 23 آب، قال رابين علناً للمرة الأولى أنه " لن يكون هناك مفر من الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية". وفي الأحاديث الخاصة، قال انه اسرائيل وضعت الثمن الذي يمكن أن تحصل عليه مقابل هذا الاعتراف. وفي تقديره، أن منظمة التحرير الفلسطينية معلقة "على الحبال"، وبالتالي فإنه من المحتمل جدا أن تتخلى عن بعض مبادئها المقدسة لضمان الاعتراف الإسرائيلي. ووفقاً لذلك، أصر على تغييرات في الميثاق الوطني الفلسطيني كجزء من صفقة شاملة ، حين المصادقة على إعلان مبادئ مشترك على الحكم الذاتي الفلسطيني في غزة وآريحا والاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية،
توجه بيريز الى ولاية كاليفورنيا لشرح الاتفاق لوزير الخارجية الأمريكية، وارن كريستوفر. فوجئ كريستوفر بمجال الاتفاق والطريقة غير التقليدية التي تم بها إنجازه . وكان يفترض بطبيعة الحال أن أمريكا تحتكر عملية السلام. يسمى مساعدوه في وزارة الخارجية "معالجو عملية السلام". الآن تم قصقصة أجنحتهم لأن النرويجيين استحوذوا على العملية . كان جميع المشاركين في أوسلو عبر قنوات خلفية، من ناحية أخرى، راضون عن أنفسهم لأنهم توصلوا إلى اتفاق دون أي مساعدة من وزارة الخارجية. أظهر نجاح الاتفاق أن مصير عملية السلام يكمن في أيدي أطراف النزاع وليس في أيدي وسطاء.
اتفاق أوسلو
كان إعلان المبادئ المتعلق بترتيبات الحكم الذاتي المؤقت أساساً في جدول أعمال المفاوضات، التي يحكمها جدول زمني ضيق، بدلاً من اتفاق شامل. أرسى الإعلان أنه في غضون شهرين من حفل التوقيع، ينبغي التوصل إلى اتفاق بشأن الانسحاب العسكري الاسرائيلي من غزة وآريحا وأن يستكمل الانسحاب خلال أربعة أشهر. وتتكون قوة الشرطة الفلسطينية، في معظمها من المقاتلين الفلسطينيين الموالين لعرفات ، والتي سيتم إدخالهم للحفاظ على الأمن الداخلي في غزة وأريحا، مع احتفاظ إسرائيل بالمسؤولية الكاملة عن الأمن الخارجي والشؤون الخارجية. وفي الوقت نفسه، وفي أماكن أخرى في الضفة الغربية، قامت إسرائيل بنقل السلطة إلى "الفلسطينيين المعتمدين " في خمسة مجالات: التعليم، الصحة، الشؤون الاجتماعية، الضرائب المباشرة والسياحة. وفي غضون تسعة أشهر، كان الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة يستعدون لإجراء انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني وتحمل المسؤولية عن معظم الوظائف الحكومية باستثناء الدفاع والشؤون الخارجية. وافقت إسرائيل والفلسطينيون على بدء المفاوضات حول الوضع النهائي للأراضي في غضون عامين، ، وفي نهاية خمس سنوات تدخل تسوية دائمة حيز التنفيذ. وباختصار، وعد إعلان المبادئ في تحريك عملية من شأنها أن تنهي الحكم الإسرائيلي على مليوني فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة.
لم يتم تحديد شكل التسوية الدائمة في إعلان المبادئ ولكن تُركت للمفاوضات بين الطرفين خلال المرحلة الثانية. كان الإعلان صامتاً تماماً حول القضايا الحيوية مثل حق العودة للاجئين عام 1948، في حدود الكيان الفلسطيني، ومستقبل المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة، ووضع القدس. ومن السهل أن نفهم السبب في هذا الصمت: لو تم مناقشة هذه القضايا، فلن يكن أي اتفاق. وأبدى الجانبان مخاطرة محسوبة، مدركين أن قدراً كبيراً سيعتمد على ممارسة تجربة الحكم الذاتي الفلسطيني. وقد عارض رابين بشدة قيام دولة فلسطينية مستقلة كونه يحبذ الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية في نهاية المطاف. وكان عرفات ملتزماً بقوة بقيام دولة فلسطينية مستقلة، والقدس الشرقية عاصمة لها، لكنه لم يستبعد فكرة كونفدرالية مع الأردن.
على الرغم من كل القيود والغموض، كان إعلان المبادئ للحكم الذاتي الفلسطيني في غزة وأريحا انفراجاً كبيراً منذ قرن من الزمان في الصراع بين العرب واليهود في فلسطين. وفي يوم الاثنين 13 أيلول، 1993، تم توقيع الإعلان في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض واختتم التوقيع بالمصافحة التاريخية بين رئيس الوزراء رابين والرئيس عرفات.
تألف اتفاق أوسلو من جزأين، نتاج دبلوماسية سرية في العاصمة النرويجية. الجزء الأول يتكون من الاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. وكان على شكل رسالتين، على ورق عادي وبدون خطابات، وقعه الرئيس عرفات ورئيس الوزراء رابين على التوالي يومي 9 و 10 ايلول. ركزت كل الدعاية تقريباً على توقيع إعلان المبادئ، ولكن دون الاعتراف المتبادل لن يكون أي اتفاق ملموس على الحكم الذاتي الفلسطيني.
في رسالته إلى رابين، لاحظ عرفات ان التوقيع على إعلان المبادئ علامة حقبة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط. ثم أكد التزام منظمة التحرير الفلسطينية بالاعتراف بحق إسرائيل في العيش في سلام وأمن، وقبول قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242 و 338، ونبذ استخدام الإرهاب وأعمال العنف الأخرى، وإلى تغيير تلك الأجزاء من الميثاق الوطني الفلسطيني التي كانت تتعارض مع هذه الالتزامات. وفي جملة مقتضبة، ردّ رابين في جملة واحدة لعرفات، "في ضوء هذه الالتزامات، قررت حكومة إسرائيل أن تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني وبدء المفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية في إطار عملية السلام في الشرق الأوسط ".
كان اتفاق أوسلو "تاريخياً" لأنه وفقّ بين الأطراف الرئيسية للصراع العربي الإسرائيلي. وكان الصدام بين القومية اليهودية والفلسطينية دائماً قلب وجوهر الصراع الإسرائيلي العربي. كانت الحركتان الوطنية اليهودية والفلسطينية، تنفي حق الآخر في تقرير المصير في فلسطين. وكان تاريخ واحد من الإنكار المتبادل والرفض المتبادل. الآن : الاعتراف المتبادل. لم تعترف إسرائيل بالفلسطينيين كشعب له حقوق سياسية ولكنها اعترفت رسمياً بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً له. المصافحة بين رابين وعرفات في حفل التوقيع، وعلى الرغم من لغة الجسد غير الملائمة ، كانت رمزاً قوياً للمصالحة التاريخية بين البلدين.
واستندت المصالحة التاريخية على حل وسط تاريخي: قبول مبدأ تقسيم فلسطين. قبل كلا الجانبين التسوية الاقليمية كأساس لتسوية صراعهما الطويل والمرير. من خلال قبول مبدأ التقسيم، علق الجانبان الخلاف الأيديولوجي " من هو المالك الشرعي لفلسطين" وتحولا إلى إيجاد حل عملي لمشكلة من يعيشون في مكان ضيق بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. رضي كل جانب بفراق الأراضي التي كانت تعتبر في وقت سابق ليس إرثاً فقط ولكن جزءاً حيوياً من هويته الوطنية. وعزى كل جانب هذه التسوية التاريخية بعدم قدرته على فرض رؤيته الخاصة على الجانب الآخر. لاقت فكرة التقسيم أخيراً قبولاً من قبل الجانبين، بما يدعم ما قاله ( ابا ايبان ) بأن الرجال والدول غالباً ما تتصرف بحكمة بعد أن تستنفذ جميع البدائل الأخرى.
تم تحقيق اختراق في أوسلو عن طريق فصل تسوية مؤقتة من التسوية النهائية. رفض الفلسطينيون في الماضي دائماً النظر في أي اتفاق مؤقت ما لم يتم الاتفاق على مبادئ التسوية الدائمة مقدماً. وأصرت إسرائيل من ناحية أخرى، أن فترة انتقالية مدتها خمس سنوات ينبغي أن تبدأ دون اتفاق مسبق حول طبيعة التسوية الدائمة. في أوسلو قبلت منظمة التحرير الفلسطينية الصيغة الإسرائيلية. وعلى النقيض من الموقف الفلسطيني الرسمي في واشنطن، وافقت منظمة التحرير الفلسطينية على فترة انتقالية مدتها خمس سنوات دون التزامات واضحة من إسرائيل لطبيعة التسوية الدائمة.
ردود الفعل على أوسلو
ترتب على الاتفاق بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية آثاراً بعيدة المدى على الصراع العربي الإسرائيلي. شاركت الدول العربية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بالتضامن مع العرب الفلسطينيين ضد الدخلاء الصهاينة. وحال الالتزام بالقضية الفلسطينية دون اعتراف الدول العربية، باستثناء مصر بالدولة اليهودية، وكانت مساعدة الفلسطينيين في النضال من أجل فلسطين من المهام الرئيسية لجامعة الدول العربية، التي تأسست في عام 1945. بعد عام 1948، أصبحت الجامعة منتدى لتنسيق السياسات العسكرية ولشن الحرب السياسية والاقتصادية والأيديولوجية ضد الدولة اليهودية. في عام 1974 اعترفت جامعة الدول العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. والآن بعد أن اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل رسمياً، لم يعد هناك أي سبب مقنع للدول العربية للاستمرار في رفض إسرائيل.
بوضوح، تم كسر أحد المحرمات الهامة. كان اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل معلماً هاماً على طريق اعتراف الدول العربية بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها. مصر، التي كانت أول من أخذ زمام المبادرة مرة أخرى في أواخر السبعينيات ، شعرت بالارتياح وكانت معجبة بهذا الانفراج. عندما توقف رابين في الرباط في طريقه إلى إسرائيل بعد حضور مراسم التوقيع في واشنطن، كان في استقباله مثل أي رئيس وزراء آخر، يزور دولة الملك الحسن الثاني ملك المغرب. سمح الأردن للتلفزيون الاسرائيلي بث أول تقرير حي من قبل أحد مراسليه في عمان. وبدأت بعض الدول العربية، مثل تونس والمملكة العربية السعودية، التفكير جدياً في إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. وبدأت الجامعة العربية مناقشات بشأن رفع المقاطعة الاقتصادية التي كانت سارية المفعول منذ إنشاء إسرائيل.. تغيرت قواعد اللعبة في الشرق الأوسط كله تغيراً جذرياً. لا شيء في العالم العربي بقي كما كان نتيجة الاتفاق بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
وحدث تغيير في نهج اسرائيل تجاه خصومها العرب أيضاً. ارتكزت السياسة الصهيونية، قبل وبعد عام 1948، على افتراض أن الاتفاق على تقسيم فلسطين سيكون سهل التحقيق بالتعاون مع حكام الدول العربية المجاورة وليس مع العرب الفلسطينيين. كانت مغازلة إسرائيل للقادة العرب المحافظين، مثل الملك حسين ملك الأردن والرئيس المصري أنور السادات، محاولة لتجاوز العرب المحليين، وتجنب الاضطرار إلى تناول المسألة الجوهرية للصراع. كان اعتراف الدول العربية، سيساعد على التخفيف من حدة الصراع دون التنازل عن حق تقرير المصير الوطني للفلسطينيين. الآن وقد عكست هذه الاستراتيجية. مهّد اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل الطريق لاعتراف أوسع من قبل الدول العربية من شمال إفريقيا إلى الخليج الفارسي. أعرب رابين عن هذا الأمل عند توقيع الاتفاقية ، التي اعترفت فيها إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية. قال رابين : "اعتقد أن هناك فرصة كبيرة للتغيير ليس فقط في العلاقات بين الفلسطينيين وإسرائيل، ولكن لحل الصراع بين إسرائيل والدول العربية والشعوب العربية الأخرى."
أثارت صفقة رابين-عرفات على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، معارضة قوية وشرسة من جانب المتشددين. وأُتهم كلا الزعيمين بالخيانة وبيع القضية. هاجم قادة الليكود، والأحزاب القومية إلى أقصى اليمين، رابين لتخليه المفاجئ عن سياسة الحزبين الرافضة للتفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية واتهمته بالتخلي عن 120 ألف من المستوطنين في الأراضي المحتلة ووضعهم تحت رحمة الإرهابيين . واعتبروا خطة الانسحاب من غزة-أريحا بمثابة جسر للدولة الفلسطينية وبداية نهاية إسرائيل الكبرى. ومع ذلك ففي استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب، أشارت إلى دعم شعبي كبير لرئيس الوزراء. قال 65 في المائة من الإسرائيليين الذين شملهم الاستطلاع " 1000"،انهم يوافقون على اتفاق السلام، وكان 13 في المائة فقط ضده.
واجه الاتفاق داخل المعسكر الفلسطيني أيضاً معارضة صاخبة ولكن غير فعالة. انقسمت منظمة التحرير الفلسطينية على نفسها، اتهم القوميون الراديكاليون عرفات بالتخلي عن المبادئ للاستيلاء على السلطة. وتشمل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بزعامة نايف حواتمة. نجح عرفات في حشد الأغلبية اللازمة لصالح الصفقة في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية المكونة من 18 عضواً ولكن فقط بعد معركة مريرة واستقالة أربعة من زملائه. أثارت هذه الصفقة خارج منظمة التحرير الفلسطينية، غضب العديد من حركات المقاومة المسلحة، مثل حماس والجهاد الإسلامي، الذين يعتبرون أي حل وسط مع الدولة اليهودية لعنة.
كانت معارضة الاتفاق متوقعة من جهات الرفض، سواء العلمانية أو الدينية، وكان أكثرها إثارة للقلق معارضة شخصيات التيار الرئيسي مثل فاروق القدومي، "وزير الخارجية" في منظمة التحرير الفلسطينية والمثقفين البارزين مثل البروفسور إدوارد سعيد والشاعر محمود درويش. وُجهت بعض الانتقادات المتعلقة بأسلوب عرفات الاستبدادي، الفقهي، وتعلّق بعضها الآخر بجوهر الصفقة. وكان معظم الانتقادات الأساسية أن الصفقة التي تفاوض عليها عرفات لم تحمل الوعد، ناهيك عن الضمان، بدولة فلسطينية مستقلة.
أخذ هذا النقد أشكالاً مختلفة. قال فاروق القدومي أن الصفقة تمّس بالحقوق الوطنية الأساسية للشعب الفلسطيني وكذلك الحقوق الفردية للاجئين 1948.انتقد إدوارد سعيد عرفات لإلغاءه الانتفاضة من جانب واحد ، ولعدم تنسيق تحركاته مع الدول العربية، وإدخال الفوضى المروعة في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية. وكتب سعيد، "تحولت منظمة التحرير الفلسطينية من حركة تحرر وطني إلى نوع من الحكومة في بلدة صغيرة، مع نفس الحفنة من الناس في قيادتها ." وبالنسبة للصفقة نفسها، كتب سعيد ساخراً: "كل الصفقات السرية بين طرف قوي جداً وشريك ضعيف جداً تنطوي بالضرورة على تنازلات مخبأة من الطرف الضعيف ، "صفعت الصفقة أمامنا قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي تعاني العزلة، وأظهرت دهاء إسرائيل". كان حكم محمود درويش دامغاً على الصفقة "غزة وأريحا أولاً ... وأخيراً".
وكانت ردود الفعل العربية على الاتفاق الإسرائيلي الفلسطيني مختلطة نوعا ما. حصل عرفات على استقبال مهذب ولكنه بارد من 19 من وزراء خارجية جامعة الدول العربية الذين اجتمعوا في القاهرة بعد أسبوع من حفل التوقيع في واشنطن. استاءت بعض الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، وخصوصاً الأردن وسوريا ولبنان، من طريقة الدبلوماسية المنفردة التي قادها رئيس منظمة التحرير الفلسطينية والتي تنتهك التعهدات العربية لتنسيق استراتيجية تفاوضية. دافع عرفات عن قراره بالتوقيع على الاتفاق بتقديمه كخطوة أولى نحو سلام أكثر شمولاً في الشرق الأوسط ، لم يكن الاتفاق المؤقت سوى خطوة أولى نحو التوصل إلى تسوية نهائية للقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي الذي ينطوي على الانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي المحتلة ، بما فيها "القدس الشريف" كما قال. وبرر اللجوء لقناة سرية بالقول أن ما يقرب من عامين من المفاوضات العامة برعاية الولايات المتحدة قد وصلت إلى طريق مسدود. اتفق بعض من وزراء الخارجية العرب مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية أن الاتفاق كان خطوة أولى مهمة.
تنفيذ إعلان المبادئ
تم إنشاء لجنتين في أوائل تشرين أول 1993 للتفاوض على تنفيذ إعلان التفاصيل النبيلة للاتفاق الموقع في واشنطن. وترأس اللجنة الأولى شمعون بيريز ومحمود عباس، الذي وقع على البيان نيابة عن منظمة التحرير الفلسطينية. كان من المفترض أن تجتمع اللجنة في القاهرة كل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع على المستوى الوزاري. وتألفت اللجنة الأخرى من الخبراء الذين كان من المفترض أن يجتمعوا لمدة يومين أو ثلاثة أيام من كل أسبوع في منتجع طابا المصري على البحر الأحمر. وكان رؤساء الوفود إلى هذه المحادثات نبيل شعث واللواء أمنون شاحاك الرجل رقم اثنين في جيش الدفاع الإسرائيلي ورئيس الاستخبارات العسكرية. تمكن الجانبان من التوصل الى جدول أعمال وشكلت مجموعتين من الخبراء، إحداها للتعامل مع الشؤون العسكرية، والأخرى لنقل السلطة.
اتخذ ضباط جيش الدفاع الإسرائيلي موقفاً متشدداً عادة في المفاوضات. استُبعد هؤلاء الضباط من المحادثات السرية في العاصمة النرويجية وشعروا بالمرارة لعدم استشارتهم حول الآثار الأمنية المترتبة على الاتفاق. اعتقد رئيس هيئة الاركان ايهود باراك ، ان السياسيين كانوا في عجلة لتأمين مكانهم في التاريخ بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية وأنه عندما يحين الوقت لتنفيذ الاتفاق، سيكون من مسؤولية الجيش التعامل مع المشاكل الأمنية .
تمت المفاوضات في متاهة في طابا، وكان هناك اختلاف مفاهيمي أساسي. أراد ممثلو اسرائيل نقلاً تدريجياً ومحدوداً جداً مع الحفاظ على المسؤولية الكاملة عن الأمن في الأراضي المحتلة في أيديهم. أرادوا إعادة التحزيم بدلاً من إنهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي. وأراد الفلسطينيون نقلاً مبكراً ومكثفاً للقوة لتمكينهم من البدء في وضع الأسس لدولة مستقلة. وكانوا حريصين على التخلص من الاحتلال الإسرائيلي، وكافحوا للحصول على أي رمز ممكن للسيادة. ونتيجة لهذا الخلاف المفاهيمي الأساسي دخلت مفاوضات طابا مراراً وتكراراً في أزمات وأخذت وقتاً أطول من الشهرين المسموح بهما في الجدول الزمني الأصلي.
بعد أربعة أشهر من المشاحنات، تم التوصل إلى اتفاق على شكل وثيقتين، واحدة عن المبادئ العامة، والأخرى عن المعابر الحدودية. تم التوقيع بالأحرف الأولى على الوثيقتين من قبل شمعون بيريز وياسر عرفات في القاهرة يوم 9 شباط عام 1994. وعلى الرغم من تقديم اتفاق القاهرة بلباقة كحل وسط، فإنه يميل بشكل كبير جداً تجاه الموقف الإسرائيلي. فرض الجيش الإسرائيلي مفهومه الخاص للفترة الانتقالية: خطوات محددة لنقل صلاحيات محدودة للفلسطينيين دون التخلي عن مسؤولية إسرائيل الكاملة عن الأمن. قام الجيش الإسرائيلي بإعادة انتشار بدلاً من سحب قواته من قطاع غزة وأريحا. وأعطى اتفاق القاهرة سلطة كاملة للجيش الإسرائيلي على الكتل الاستيطانية الثلاث في قطاع غزة، وتم ضم الطرق الجانبية الأربعة إلى الخط الأخضر و "الأراضي التي تطل عليها". وكانت السمة البارزة للاتفاق بالتالي السماح للجيش الإسرائيلي بالحفاظ على وجوده العسكري داخل وحول منطقة مخصصة للحكم الذاتي الفلسطيني والاحتفاظ بالمسؤولية الكاملة عن الأمن الخارجي والسيطرة على المعابر البرية إلى مصر والأردن. وعلى الرغم من هذه القيود الخطيرة، شكل اتفاق القاهرة خطوة أولى في تنظيم انسحاب الإدارة المدنية الإسرائيلية والمخابرات من غزة وأريحا.
وأسفرت جولة أخرى من المفاوضات عن الاتفاق الذي وقعه اسحق رابين وياسر عرفات في القاهرة في 4 أيار. اختتم اتفاق القاهرة المفاوضات حول غزة وأريحا وحدد شروط توسيع الحكم الذاتي الفلسطيني في باقي الضفة الغربية. كان عقد التوسع في ثلاث مراحل. أولاً، تحويل المسؤولية عن السياحة والتعليم والثقافة والصحة والرعاية الاجتماعية والضرائب المباشرة على أن يتم تحويلها من الإدارة المدنية الإسرائيلية للسلطة الوطنية الفلسطينية. ثانياً ، إعادة نشر القوات المسلحة للجيش الإسرائيلي بعيداً عن "المراكز السكانية الفلسطينية. ثالثاً، إجراء انتخابات في أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة للسلطة الجديدة.
وُصفت وثيقة القاهرة من الجانبين على أنه اتفاق على الطلاق بعد 27 عاماً من التعايش غير المرضي أجبر فيه الشريك القوي الأضعف للعيش تحت نيره. كان هذا صحيحاً، بمنطق أن إسرائيل حصلت على نظام مستقل وقانوني ومصادر ماء وكهرباء وطرق مستقلة للمستوطنات اليهودية. وليس صحيحاً بمنطق أن الوثيقة أعطت سيطرة للطرف القوي على العلاقة الجديدة.
وأكدت وثيقة القاهرة مراراً على ضرورة التعاون والتنسيق والمواءمة في العلاقة الجديدة. وهناك عدد كبير من لجان الاتصال، ومعظمها فيه عدد متساو من الممثلين عن الجانبين، وبشكل سطحي يُظهر التكافؤ. ولكن هذه المساواة مسخرة لصالح الشريك الأقوى من حقيقة أن قوانين الاحتلال الإسرائيلي والأوامر العسكرية ستظل سارية المفعول ما لم يعدل أو يلغ بالاتفاق المتبادل. ويعني هذا من الناحية العملية أن أي قضية لا يمكن حلها عن طريق المفاوضات ستكون خاضعة لأحكام القانون الإسرائيلي بدلاً من القانون الدولي. كان هذا تراجعاً عن المطلب الفلسطيني بأن القانون الدولي، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، وينبغي أن يكون مصدر التشريع والولاية القضائية خلال الفترة الانتقالية.
وبعد أسبوع من التوقيع على وثيقة القاهرة، دخلت قوة رمزية من 30 من رجال الشرطة الفلسطينية إلى قطاع غزة من مصر لتولي السيطرة على الامن الداخلي من الاسرائيليين المنسحبين. وكان هذا أول دليل ملموس على أن الاحتلال الإسرائيلي ينحسر تدريجياً. وحتى في هذه النقطة كانت كل حركة من جانب واحد كما نقل الجيش الإسرائيلي قواته لتوفير الحماية المستمرة للمجتمع الصغير من المستوطنين اليهود في قطاع غزة. الآن تولت قوة الشرطة الفلسطينية الجديدة المراكز السكانية الفلسطينية المجاورة وفقاً لتقسيم الترتيب للعمل. اُستقبل الانسحاب الإسرائيلي بفرح عظيم وابتهاج بين سكان قطاع غزة. وتعرض آخر جندي إسرائيلي انسحب من معسكرات الجيش في رفح والنصيرات لوابل من الحجارة الأخيرة، تم استبدال العلم الإسرائيلي بعلم فلسطين. كانت تجربة عمرها 27 عاماً في فرض السيادة الإسرائيلية على أكثر من مليونين من العرب المتمردين تقترب من نهايتها.
حظيت سياسة الحكومة للانسحاب من غزة وأريحا بدعم شعبي واسع. حاولت المعارضة بصعوبة ، وفشلت في إثارة الأمة ضد قرارات الحكومة. وفيما يخص الحكومة، كانت المفارقة الحقيقية أنها في حاجة إلى منظمة التحرير الفلسطينية قوية لتنفيذ تسوية غزة وأريحا، ولكن منظمة التحرير الفلسطينية القوية يمكن أن تزيد من عزم الفلسطينيين للقتال من أجل اقامة دولة خاصة بهم.
أصرت الحكومة على التزامها بالسلام مع الفلسطينيين على الرغم من احتجاجات اليمين وعلى الرغم من الهجمات الإرهابية التي شنتها حماس والجهاد الإسلامي بهدف عرقلة محادثات السلام. وفي 29 آب 1994، تم التوقيع على اتفاق نقل السلطات والمسؤوليات من قبل إسرائيل للفلسطينيين. نقل هذا الاتفاق الصلاحيات للسلطة الفلسطينية في خمسة مجالات محددة: التعليم والثقافة والصحة والشؤون الاجتماعية، الضرائب المباشرة والسياحة.
مترجم
Avi Shlaim






إطلاق البث التجريبي لقناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع المرأة في المشرق والمهجرمقابلة مع د. إلهام مانع
في الثامن من مارس لانريد وردا ولامدحا - مقابلة مع د.امال قرامي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,249,180,400
- جريمة حرب في بلاد ما بين النهرين : تدمير نينوى
- الطائرات المسيرة : لا تُعيد التفكير في النمل على الشاشة
- ليلة في قندز ، صباح في نيويورك ( قصف المستشفيات)
- أساطير إسرائيل من منظورين
- كيف تدمّر أسطورة (الجدارة) الطلبة؟
- Mozart وأطفال الحجارة
- تصوير الفلسطينيين كنازيين (نتنياهو يحرض على عنف خارج القانون ...
- إسرائيل تشوّه سمعة الديانة اليهودية
- الأراضي الحدودية : بروسيا المستوطنين
- إسرائيل : الإعلام وتشخيص المجتمع المريض
- الاعتداءات على الأطفال و(الثقافة) في أفغانستان
- هل ترغبون بإصلاح التعليم ؟( اتركوا المعلمين يعلمون)
- لماذا أدعم حركة (BDS) ضد اسرائيل
- 51 يوماً من الحرب على غزة (التدمير والمقاومة)
- غزة (العدوان القادم)
- سوسيا ( هم يهدمون ، ونحن نُعيد البناء)
- أين الأطفال الفقراء في عالم ديزني؟ (الفقر قصاص )
- الرأسمالية ( رواية الأرواح الشريرة ) 3
- الرأسمالية (رواية الأرواح الشريرة) 2
- الرأسمالية ( رواية الأرواح الشريرة ) 1


المزيد.....




- روسيا ستحتل دول البلطيق في يومين وتتولى أمر بولندا؟
- الولايات المتحدة تكشف عن مخزون تعطيل استراتيجي
- بعد 100 عام ونيّف من العثور عليها .. مومياوات تماسيح تكشف ع ...
- شاهد: قاعة حفلات بالعاصمة الهولندية تتحدى كورونا ضمن تجربة ص ...
- البرلمان الأوروبي يرفع الحصانة عن السياسي الكتالوني بوتشيمون ...
- فيروس فتاك يهدد مصير آخر الأسود الآسيوية في الهند
- فتى يبلغ من العمر 12 عامًا يفقد بصره ويصور فيلما قصيرا لمواج ...
- ما هي فوائد رصف الطرق بطبقة من البلاستيك؟
- شاهد: قاعة حفلات بالعاصمة الهولندية تتحدى كورونا ضمن تجربة ص ...
- البرلمان الأوروبي يرفع الحصانة عن السياسي الكتالوني بوتشيمون ...


المزيد.....

- آليات توجيه الرأي العام / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب إعادة التكوين لجورج چرچ بالإشتراك مع إدوار ريج ... / محمد الأزرقي
- فريديريك لوردون مع ثوماس بيكيتي وكتابه -رأس المال والآيديولو ... / طلال الربيعي
- دستور العراق / محمد سلمان حسن
- دستور الشعب العراقي دليل عمل الامتين العربية والكردية / منشو ... / محمد سلمان حسن
- ‎⁨المعجم الكامل للكلمات العراقية نسخة نهائية ... / ليث رؤوف حسن
- عرض كتاب بول باران - بول سويزي -رأس المال الاحتكاري-* / نايف سلوم
- نظرات في كتب معاصرة - الكتاب الأول / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب - دروس في الألسنية العامة / أحمد عمر النائلي
- كارل ماركس و الدين : قراءات في كتاب الدين و العلمانية في سيا ... / كمال طيرشي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - فضيلة يوسف - اتفاق اوسلو ( الصعود والسقوط) 1