أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - عبد الخالق محجوب - دفاع عبد الخالق محجوب أمام المحكمة العسكرية















المزيد.....



دفاع عبد الخالق محجوب أمام المحكمة العسكرية


عبد الخالق محجوب

الحوار المتمدن-العدد: 4926 - 2015 / 9 / 15 - 14:22
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


دفاع الاستاذ عبد الخالق محجوب - سكرتير الحزب الشيوعي السوداني" السابق" - في قضية (الشيوعية الكبري) أمام المحكمة العسكرية لديكتاتورية نظام الفريق ابراهيم عبود بتاريخ 13/3/ 1959م
*واليوم عندما أنظر من وراء هذه الســــــــنوات الطويلة، أشعر بالسعادة والفخـــــــر بفكر تقبلته مختارا وبمنهج سلكته عن أقتناع تام، وأرتاع لمجرد التفكير في أنني لو لم أكن شيوعيا ماذا كنت أصبح ؟
*أنني لم أصل إلى النظرية الماركسية اللينينية عبر طريق النضـــــــال السياسي وحسب رغم أن هذا وحده يكفي ، ولكني توصلت إليها في بحثي وراء الثقافة التي تنسق عقل الانســــــــان ووجدانه وتباعد بينه وبين التناقضات العقلية والعاطفية التي عاشها جيلنا.
دفاع الاستاذ عبد الخالق محجوب:
منذ أن تم القبض علينا صباح 18 من شهر يونيو المنصرم ونحن نشهد مظاهرة كبرى ينظمها المختصون في جهاز الأمن بالأثارة في بعض الصحف مرة وبالاشاعات مرة أخرى وفي المحاكم أخيرا . وهذه المظاهرة والجلبة لا هدف لها سوى التهويل ومحاولة التأثير على الرأي العام والمحكمة بأن ثمة شخصيات خطيرة على الوطن تم القبض عليها وأن ثمة قضية كبرى تتعلق بأمن البلاد . ولكن المظاهرات المصطنعة والضوضاء الجوفاء لا يمكن أن تلهى شخصا عاقلا ولا يمكن أن تصرف فكرة عن الحــــــق فالحق أبلج والباطل لجلج ـ انني فيما سأتلو سأحاول ببساطة أن أكشف الحقائق في يسر ، هدفي في ذلك أن تصل المحكمة والرأي العام للحق بأبسط الطرق
وأسهلها . لماذا كل هذه الضجة ؟ إن في قمة جهاز الامن شخصيات يهمها الدعاية لنفسها بكل الطرق حتى توهم الناس بجدارتها وكفاءتها وهذه الشخصيات حاولت عبثا أن تنال من حريتي الشخصية فترة سبعة أشهر ولكن رغم ذكائها المزعوم ورغم ما وضع تحت أيديهم من أعتمادات مالية وأموال سرية ورغم القفزة التي أصابتها ميزانية الامن في إعتمادات 59 /60 إلى مايقارب 54% بالنسبة للعام المالي المنصرم فشـــلت فيما تريد وبأعدت بينها وبين هدفها في إعتقالي ولهذا تجرعت كأس الفشـــــــــــل مريرا وأصبحت تعاني من العقد النفسية تجاهي ، ولهذا كانت المظاهرة والجلبة ، وكان القبض على وعلى زميلي الوسيلة هو غاية الاستقرار وخلاصة التجارب التي نالوها بين شرطة أسكوتلنديارد وألمانيا الغربية .
أن هذه القضية المعروضة أمامكم باسعادة القاضي تمس مباشرة نشاطي السياسي ونشاط زملائي ، ذلك الرهط من الرجال الشرفاء الذي قام على أكتافهم حزب الجبهة المعادية للاستعمار ، وفي جلاء جوانب هـــــذا النشاط وأركانه المختلفة ما هو ضروري لسير العدالة وإعلاء كلمة الحق إنني أعيذ نفسي من الدعاية لشخصي فما إلى هذا أهــــــدف وما كنت إلى ذلك أقصد في يوم من الايام ، ولكن سير القضية يجبرني على التكلم عن نفسي جريا وراء الحقيقة .
أنني أنتمي لذلك الجيل من الشــــــــباب الذي تفتحت أذهانه وتنبهت آذانه على صوت الوطنية السودانية في الاربعينيات في تلك الفترة ونحن في ميعة الصبا نتلقى العلم في المدارس الثانوية أتســــــع نطـــــــــاق تفكيرنا من محيط جدران قاعة الدرس إلى نطاق وطننا بأسره . فعرفنا أن الجـــــــــو الخانق الذي كنا نحس به في المدرسة وألقحط الثقافي الذي نعيشه والتعليم المبتسر الذي نتلقاه والتزييف الفاضح لتأريخ بلادنا الذي كنا نطالعه في الكتب الانجليزية ، كل هذه لم تكن سوى حلقة وأحـــــــدة من سلسلة يشد بعضها بعضا ويحكم وثاقها المستعمر الدخيل فيكبل شعبنا بأسره ويذل بها وطنا بأجمعه . وعندما يصل الشباب إلى هذه الحقيقة البسيطة في معناها المروعة للخيال والعاطقة والعقل فلن تحده الحدود أو تقف دونه السدود ـ فأنطلقنا نكون الجمعيات ونتجاوب مع الحركة الوطنية الناشئة . وسأهمت بجهدي المتواضع في بناء حركة الطلبة التي كان لها الفضل الاول في تنظيم أول مظاهرة ضد المستعمرين أول عام 1946 ، وكانت تلك المظاهرة الاولى من نوعها بعد الضربة العنيفة التي وجهها الاستعمار لشعبنا عام 1924 ، والشرارة التي ألهبت الحماس الوطني فأنتظمت البلاد على أثرها حركة وطنية مستمرة ضـــــــد بقاء الاستعمار حتى نالت البلاد أستقلالها في مطلع عام 1956 .
إن النشاط الوطني الذي قام به شباب الطلبة في مطلع عام 1946 كان لابد أن يكسب كل المشتركين فيه تجارب جديدة لأنه إحتكاك مباشر بالحياة العملية ـ وقد كنت ضمن مئات الطلبة الذين يراقبون في الصفوف الخلفية المحاولات المستميتة المخلصة التي بذلها قادة الطلبة من أجــــــــل توحيد الاحـــــزاب وأتفاق كلمتها لتشكل وفدا للسودان يواجه المفاوضات الانجليزية المصرية الجارية في القاهرة في تلك الفترة من عام 1946 ـ وقد كانت التجربة مذهلة ومدهشـــــــة لعقولنا المتفتحة ـ علمنا والاسف يغمر أفئدتنا أن بين الاحزاب السودانية من لا هم لهم غير خدمة المستعمرين فقد تجردوا من الغيرة الوطنية ونزعوا جذورهم من ثري هذا الوطن وربطوا مصيرهم بالمستعمر الاجنبي واصبحوا أدوات له يسخرهم في حرب بنى وطنه وفي عرقلة سير الحركة الوطنية ، لقد تبينت لنا هذه الحقائق المريعة من سير المفاوضات التي كان يجريها قادة الطلبة مع الاحـــــــــزاب الاخرى وأصرار ذلك النفر على وجوب النص في وثيقة الاحزاب المشهورة ،
على مبدأ التحالف مع بريطانيا إلى درجة التهديد بتكوين وفد آخر منفصل عن وفد الاحزاب الوطنية ، لماذا هذا الاصرار ؟ وأية مصلحة وطنية يخدم ، أسئلة دارت برؤوسنا وبددت أفكارنا الخيالية وأستقرت في ضمائرنا نقلبها . أذن ليس كل من يشمله الوطن السوداني يعتبر وطنيا راغبا في أستقلال بلاده ؟ أن هناك مصالح أخرى تدفع بأربابها لتنكر لمصلحة المجموعة ؟ ماهي تلك المصالح ؟ ومن ضمن مئات الطلبة قلبت هذه التساؤلات في ذهني فلم أجد لها تفسيرا معقولا قائما على المنطق والحقائق وكيف نجد التفسير وكل مفهومنا للحركة الوطنية لم يتعد أعتبارها حربا بين السودانيين والمغتصبين ؟ مثل تلك النظرية تفشل في تفسير مايشذ على قاعدتها وما أكثر الشذوذ . وفي هذه النقطة الحرجة وقفت كثيرا وفكرت كثيرا فرجعت أقرأ كل ما وقعت عليه يدي من تأريخ للنضال الوطني في الهند ومصر وأوروبا فما وجدت ما أصبو أليه من حل ـ ثم كنت سعيدا حينما عثرت على كتاب عند صديق ، كتاب بسيط في طباعه متواضعة أسمه (( المشكلة الوطنية ومشكلة المستعمرات ))بقلم جوزيف ستالين . هنا لمحت الحل ووصل إلى رد حاسم لتساؤلي ، فعرفت كنه الاستعمار وأنه لا يعني فقط أحتلال الجنود لبلادنا بل يعني سيطرة رأس المال الاجنبي على مقدرات وطننا وأن هذا الاخطبوط من شأنه أن يحيط نفسه بطبقات من داخل البلاد بوساطة بنوكه وشركاته ، طبقات تشمل الاقطاعيين وكبار الرأسماليين ، وأن هذه المصالح هي التي تحرك تلك الطبقات وتقتلع جذورها من أرض الوطن . وكانت تلك الافكار النيرة فاتحة لنافذة كبرى نطل بها على العالم ونتبصر بها طريق حركتنا الوطنية وقد تداول هذا الكتاب وقتها عشرات من الطلبة كل يتطلع لايجاد حل لمشاكل الحركة الوطنية السودانية ويتلمس فيه أنجع الطرق لحرب المستعمرين وتحقيق الحرية والاستقلال . ومنذ ذلك التاريخ وأنا أتطلع كل صباح لمعرفة المزيد من النظرية الماركسية اللينينية التي أتخذتها منهجا لحياتي محاولا تطبيقها على ظروف بلادنا وفق تقاليدنا السودانية وماتتطلبه مصالح شعبنا الحقيقية ـ إن تأريخ حياتي يؤكد بما لا يدع مجالا للشك إنني لم أطرق باب الماركسية جريا وراء نفع شخصي أو غرض زائل بل وراء البحث المخلص الامين لوسائل تحرير الوطن من نير المستعمرين والمساهمة في بناء جمهورية سودانية مستقلة حقا ينعم فيها أبناء الشعب بخيرات بلادهم . واليوم عندما أنظر من وراء هذه الســــــــنوات الطويلة أشعر بالسعادة والفخـــــــر بفكر تقبلته مختارا وبمنهج سلكته عن أقتناع تام وأرتاع لمجرد التفكير في أنني لو لم أكن شيوعيا ماذا كنت أصبح ؟
أنني لم أصل إلى النظرية الماركسية اللينية عبر طريق النضـــــــال السياسي وحسب رغم أن هذا وحده يكفي ، ولكني توصلت إليها في بحثي وراء الثقافة التي تنسق عقل الانســــــــان ووجدانه وتباعد بينه وبين التناقضات العقلية والعاطفية التي عاشها جيلنا وما زالت تعيشها الاغلبية من المثقفين السودانيين ـ نشوء الحركة الوطنية الحديثة في بلادنا وخاصــــــــة في الاربعينيات ســــارت إلى جنبها حركة ثقافية ترجع أصولها إلى ماقبل الحركة الوطنية بكثير ولكنها توهجت ولمعت مسايرة الحركة الوطنية . وكان يتجاذب تلك الحركة تياران أومدرستين أحداهما تنادي بالرجوع إلى الماضي العربي وتراثه والتقيد به ـ كانت المدرسة الاولى تربط نفسها بالماضي ولا ترى البشائر المرتقبة ولا تفكر فيها . وكانت المدرسة الثانية يبهرها تقدم أوربا الغربية وتشعر بضآلة شرقنا أزاءها فشدت نفسها نحو الغرب فعاشت بجسدها في أرض الوطن وبعقلها وعواطفها في الغرب . وبين هاتين المدرستين عاش جيلنا في حيرة ردحا من الزمن إلا من أنحاز منه إلى هذه المدرسة أو تلك فالنعكس ذلك في تحيزها لمدرستي العقـــــــاد والرافعي وطفحت الصحف المدرسية بما يكتبه أولئك المفكرون . وأندفعت ضمن من الدفع أبحث عن مضمون فكري أعيشه ومنهج ثقافي مكتمل منسق يشبع جوانح الفكر ويشفي جموح العواطف الخيرة ـ وقد سلكت في هذا السبيل طريقا صعبا وركبت مركبا شاقا أتعب وأبحث أقلب وأفكر فرجعت إلى الماضي العربي آخذ منه ماتيسر فوجدت فيه تراثا مجيدا ولكني لم أصل بوساطته وحده إلى ما أصبو أليه ، ولم أجد عنده الحل لمشاكلنا بعد الحرب الثانية وخلالها وما نجم عنها من أحداث فكرية وسياسية ـ فالشرق العربي قد وقف عن التطور أحقابا من الزمن تبدلت فيها معالم كوكبنا وشارفت فيه البشرية مشارق جديدة وأندفع الانسان خطوات واسعة في ســــــــيل التحرر من الحاجـــة ، في سبيل السيطرة على قوانين الطبيعة ـ فالرجـــــــــوع إلى الماضي وحده يعني دفن الرؤوس في الرمال والتخلف وهو أمــــــــر لايمكن حدوثه في عالم اليوم . وثقافة الأمس وحدها لن تصلح للمجتمع الحديث ولن تحل مشاكل الرجل الحديث الروحية والمادية ـ وطفت ابحث ضمن الباحثين في ثروة الغرب وخاصة ما أتصل منها بالثقافة الانجليزية التي أصبحت في متناول أيدينا بفضل السياسة التعليمية المرسومة والاساتذة الانجلز ـ
كان الكثير من أبناء جيلنا يذهبون مذاهب شتى من الاخذ بالثقافة الانجليزية ويتطلعون من خلالها إلى ثقافة أوربا خاصة ما وصل منها إلى الثورة الفرنسية وكتابها السابقين واللاحقين فتداولت الايدي مؤلفات روسو وفولير ومونتيسيكو ـ لقد بهر الكثيرين منا تراث الغرب أبان الثورة الصناعية في القصة والشعر والتأريخ ووجدنا فيه الكثير من معاني الحرية التي كنا نصبو أليها ، وقيم الجمال التي كنا ننعطش للارتواء منها . وقد وقف البحث ببعضنا عند تلك النقطة فأثروا التعميم وخلعوا على الثقافة الانجليزية كل صفات التبجيل وتوهموا فيها حلا لمشاكل البلاد ولتكوينهم الفردي روحيا وفكريا . ومن هؤلاء الكثير اليوم من أبناء جيلنا يضربون في دروب الحياة المختلفة يعيشون بفكرهم خارج نطاق السودان وفي حدود بعيدة وتنكشف كل يوم تحت أقدامهم هوة واسعــــــــة من التناقض بين الحياة حولهم وبين الابراج العاجية التي وضعوا فيها عقولهم وعواطفهم . ولكن ايضا كانت هناك جماعة من ذلك الرهط وأنا من بينهم لاتقف عند ذلك الحد يدفعها في ذلك كونها لم تطرق أبواب المعرفة والبحث من أجل تكامل شخصي منفرد بل من اجل تكامل شخصي مرتبط بالجماعة وناجح في حل المشاكل التي كانت ومازالت تلاقيها بلادنا من فقر مادي وقحط ثقافي وأهتزاز في القيم الروحية ـ وقد راع تلك الجماعة التباين والتناقض الكامنان في الثقافة الانجليزين التي وصلت إلى أيدينا . فالحديث عن الجمال والحرية وهي أسمى ماتهدف إليه الفنون والمعرفة يسايرها القهر والاستعباد للشعوب ومن ضمنها شعبنا ، والدفاع الجاد عن حرية الرأي يطبقه حملة الثقافة الانجليزية نظاما تعسفيا قائما على مصادرة كل رأي معرض ونابعا من أرادة هي أبعد ماتكون عن أرادة الشعوب . والثقافة الحقة هي سلوك ومنهج قبل أن تكون معلومات تكدس في الرؤوس ولا خير في معرفة لا يلزمها التطبيق ـ فإذا كان أحفاد ((الماجناشارتا)) وورثة الحرية والانطلاق والجمال من عهد شكسبير أنطلقوا يشوهون قيم الحرية والجمال في بقاع الارض في أفريقيا وآسيا والشرق العربي فلا بد أن يكون هناك داء عضال أصـــــــــابهم وثقافتهم في الصميم . فالجمال لايورث القبح ، والحرية لاتورث العبودية ، والانطلاق لايخلف القيد . وعند تلك النقطة وقف الكثير منا يفكر ويضرب في متاهة الفكر فالبعض آثر السير إلى نهاية الشوط فوصل إلى قاع الغموض والتصوف الذي اصاب الثقافة البريطانية في العهود الحديثة والبعض الآخر وقف لاهثا في عالم الشك حتى ظهرت له مشارق النظرية الماركسية فأشبعت تعطشه وأتخذها منهجا في حياته وقضت على التناقض في ثقافة الغرب . فعرفت وغيري من خلال هذه النظرة الانسانية الحديثة ألا فائدة لفـــــــــكر لا ينتقل بالبشر إلى الامام ماديا وروحيا ، وأن قيم الحرية والجمال لا تقتصر على المتعة الذهنية التي يصيبها الفرد بل لابد أن تظل المجتمع بأسره بأجنحتها ، وأن الحديث عن العدل والمساواة والاخاء لايبحث عنه الانسان في الماضي ، فالعالم يسير إلى الامام ، بل يبحث عنه المرء في حاضره ومستقبله وهو ممكن التحقيق على وجه كوكبنا الارضي لا في جمهورية أفلاطون والاقاصيص المثالية ، وأن الطريق لتحقيق قيم الجمال الاجتماعية في ذروتها المتلخصة في العدل الاجتماعي طريق شائك ولكنه ممكن ، وأن البشرية التي بذلت الكثير في سبيل ذلك الهدف ، وأنتكست الامور فتحولت أماني شعب فرنسا الثائر إلى ديكتاتورية بونابرت ، وتراجعت حركة الشعب البريطاني إلى إمبراطورية تقهر ولا تنصف تذل ولا تكرم ، وأنقلب حداء الثوار الامريكان وملاحم توماس بين إلى أحتكار بشع وأستعمار أرزل ـ إن هذه البشرية ستصل إلى ماتهفو إليه ، وقد وصلته بالفعل في ظل النظام الاشتراكي في أراضي بعيدة قريبة للافئدة .
وهكذا طرقت مع أخواني باب الاشتراكية بعد تعب وجهد وليال من الشك وصراع بين مدرستين فكريتين ، فوجدت فيها راحة (( طاب مراحها والمشرب )) وبلسما شافيا للتناقضات التي عشنا فيها وعاملا حاسما للتكامل الشخصي والارتواء العاطفي والفكري ورابطة شديدة بين نمو الفرد والمجموعة ، تلك المشكلة التي وقف دونها الكثير حيارى وسلكوا
وبا وعرة دامية ـ لقد رأيت وما زلت أرى أن الانسان حينما يتوصل إلى سر الكلمة المكتوبة ، يضع أقدامه في طريق شاق تحفه المسئوليات الاجتماعية ، وخاصة في بلد مثل السودان تتفشى فيه الامية وأن الامانة التي يتحملها المتعلم تنوء تحتها الجبال ، فعليه أن يعد نفسه لتحملها ويسعى ويجاهد نفسه لكي يصبح صالحا لاحتمال المسئولية الاجتماعية أمام مواطنيه ، فهو رائد والرائد لا يكذب أهله . فالمتعلم الذي يضع نفسه في قفص عليه قضبان من المصالح الشخصية والتعصب الفردي عضو مشلول يتهرب من المسئولية وبعض اليد التي طالما أسدت إليه الجميل .
ونحن المتعلمين في السودان ماكان واحدا منا يحلم بدخول المدارس والوصول إلى مستوى الجامعة لو كان يعتمد على مصادر عائلته المادية فمعظمنا نشأ نشأة متواضعة فيها الكثير من الحرمان وشظف العيش ، فما وصلنا إلى ما وصلنا إليه إلا بأموال الشعب ونتاج كدحه . ومن هنا تنشأ المسئولية الاجتماعية التي دفعتني والكثير من أخواني إلى البحث والتنقيب لاعداد أنفسنا . وهل كان لنا أن نصل لغير الاشـــــــتراكية والماركسية في أعداد أنفسنا لرد الجميل لشعبنا ؟ لقد وصلنا إلى الماركسية وأتخذناها منهاجا لنا ، لابدافع غريب أو بوحي أجنبي كما يحــــــاول البعض التدليس والكذب ، ولكن بدافع من مسئولياتنا أزاء وطننا ، ذلك الدافع الذي تمتد جذوره في أعماق تربة بلادنا الغبراء هذه قصة وصولي إلى المنهج المادي الجدلي ـ لب النظرية الماركسية وهي قصة بسيطة تعكس النزوع نحو الحرية وخدمة وطني ، وهي تدمغ بالكذب كل تهويل وقصص خيالية مريضة يبتدعها بعض المسئولين في أجهزة الامن قصد التضليل والتشويه . وهي أيضا قصة جيل من الرجال والشباب وذوي الفكر الاشتراكي الماركي الذين يعملون اليوم في أخلاص وتفان من أجل بناء السودان الحديث ، وحماية أستقلاله ، وبعثه في طريق الاشتراكية في ميادين الحياة المختلفة . أما العناوين المثيرة التي تبرز على أعمدة بعض الصحف تلبية لاشارة كبار المسئولين في أجهزة الامن حول ((جذور الشيوعية والقضية الكبرى التي تكشف تســــلل الشيوعية للسودان )) فلا تصلح لأي شئ اللهم إلا للدعاية لأفلام الجريمة الامريكية ورعاة البقر .
وفي سبيل أعداد نفسي لخدمة مواطني والقيام بما يفرضه القلم على كل متعلم سوداني من مسئولية شددت الرحال إلى مصر الشقيقة سنة 1946، بحثا وراء جو أفضل وأكثر تحررا ، للتعلم ، ولكي أنال قسطا نت تجارب ذلك الشعب المناضل في سبيل حريته وأستقلاله . ولم أكن أنا وأخواني بناكري الجميل لشعب مصر ولا ناسين ألتزاماتنا أزاء شعبنا ـ فهناك ونحن بعيدون عن أرض الوطن بذلنا جهدنا من أجل أستقلال السودان ومن أجل حريته وحرية مصر ـ وتشهد السنوات التي قضاها أبناء جيلنا النازحون للقاهرة على النشاط الدائب المخلص الذي قمنا به من أجل توضيح قضية وأستقلال السودان ومن أجل أزالة الحكم الملكي الرجعي في القاهرة ـ ذلك الحكم الذي كان يعوق تطور قضية السودان ويأمل في هضم حقوقنا وتحقيق وحدة وادي النيل تحت التاج والمستعمرين لقد ساهمت مع أخواني في القاهرة بشرح قضية شعب السودان أمام الهيئات الشعبية المصرية وأنشأنا أتحاد للطلبة السودانيين وقف أعضاؤه في رجولة وأستقامة ضد كل أنواع الاضطهاد والملاحقة التي فرضـــــــها البوليس المصري ، ويكفي دليلا على ذلك السنوات العديدة التي قضاها أبناء السودان في سجون مصر ، وأستشهاد الطالب السوداني الشيوعي صلاح بشرى في السجن متهما بمحاربة الملكية . لقد أستطاع أخواني في القاهرة وأنا من بينهم أن يعلنوا لاول مرة شعار حق تقرير المصير لشعب السودان ، ودافعوا عن هذا الحق المقدس وسط موجة الاضطهاد ، وصبروا وصابروا حتى أصبح ذلك الاتجاه سياسة مصر الرسمية في أتفاقية السودان . أن تأريخي وأخواني من الطلبة السودانيين ذوي الفكر الاشتراكي الماركسي طيلة الفترة التي بقيناها في القاهرة تؤكد جهادنا وتضحيتنا بكل شئ في سبيل أستقلال السودان ، وفي سبيل دعم أواصر الصداقة بين الشعبين الشقيقين المصري والسوداني . والفضل الاول في هذا يرجع إلى منهجنا الماركسي في الحياة . إلى فهمنا لقضية التحرر الوطني على ضوئه . وفي يوم من الايام عندما يزول التضليل والتزييف المؤرخ المخلص لقضية أستقلال السودان بأحرف من نور جهاد الطلبة السودانيين في القاهرة وفي مقدمتهم الطلبة ذوو التفكير الشيوعي سيذكر جميع من شرد منهم من دور العلم لدفاعه عن أستقلال السودان وحرية شعب مصر ، سيذكر العرق والتعب والتضحيات التي بذلتها تلك العصبة من صحتهم وشبابهم في سبيل السودان ...
لقد أكتسبت وأخواني الكثير من التجارب بالتصاقنا بنضال شعب مصر وعمال مصر المكافحين الاشتراكيين هنال . وأقر في إعتزاز أنني لم أبخل في يوم من الايام بتلك التجارب على وطني ، بل أنني إنتهزت أول فرصة للعطلة المدرسية للحضور إلى السودان وتقديم خبرتي ومعرفتي المتواضعة لبني وطني . أنني أذكر بالفخر أن على رأس تلك الاعمال التي اسهمت فيها مساعدة الطبقة العاملة السودانية في بناء منظماتها عام 1947 فقد عشت فترة في مدينة عطبرة خلال ذلك العام وعاصرت تكوين اول منظمة نقابية سودانية هي (( هيئة شئون عمال السكة حديد )) وكانت تلك بحق فترة عزيزة في حياتي لن أنساها فقد عرفت فيها عن كثب أستقامة وشرف ورجولة عمال السودان . ولمست بيدي حيوية الطبقة العاملة السودانية ، وقوتها وأنها الطبقة الوحيدة التي تحمل بين يديها مستقبل السودان الزاهر . أستقلال معزز وأشتراكية سمحة . وعرفت كل هذه القيم الوضاءة والمعاني السامية في قائد كبير هو ـ الشفيع أحمد الشيخ الذي بنى لعمال السودان مجدا مشرقا سيظل كذلك رغم السحب ـ فالسحاب أمره لزوال والشمس باقية مابقيت الكواكب . لقد أثمر الجهد الذي بذل عام 1947 ، وشيد عمال السودان نقاباتهم بالتضحية والبذل ، وكل مؤرخ منصف لابد أن يذكر أن أساس الديمقراطية الحديثة في بلادنا إرتكز ويرتكز على حيوية النقابات العمالية السودانية في سبيل الاستقلال مؤكدا أن عمال السودان أكثر الطبقات بذلا وتضحية في سبيل الاستقلال ، أذ دفعوا ضريبته سجنا وحرمانا من الرزق ودما مراقا يمثله العامل الشهيد قرشي الطيب الذي صرعته قنابل المستعمرين في عطبرة عام 1948 . إن قادة النقابات العمالية الذين خاضوا نضالا طويلا شاقا منذ عام 1947 وتكونت شخصياتهم في التنظيم النقابي وأكتسبوا تدريبا في النظم الديمقراطية ، ساهموا بنصيب وافر في الدفاع عن إستقلال السودان في الداخل وعلى نطاق عالمي ، حيث أكتسبوا لبلادنا أصدقاء أقوياء في مختلف البلدان ـ في العالم الاشتراكي وبلدان أوربا الغربية ، فكانوا بذلك خير سفراء السودان . اليس فخرا للسودان أن يحتل منصب نائب الرئيس لأكبر منظمة عمالية عالمية ـ أتحاد النقابات العالمي ، الذي يسهم بقدر وأفر في أستقرار السلام العالمي ـ أن يحتل هذا المنصب السيد الشفيع أحمد الشيخ عامل السكة الحديد السوداني الذي كان ضمن الطليعة الاولى النقابية عام 1947 !
هذا هو نشاطي في المرحلة التي قضيتها في الدراسة والتي أتصلت حياتي فيها لغير أنفصام بالفكر الاشتراكي الماركسي وهي مرتبطة بأشراق الثقافة الماركسية في بلادنا . هذه جذور الفكر الشيوعي في بلادنا قامت في أرض طاهرة وأرتوت بالاخلاص والتضحية والوطنية ، فكر ظاهرة ودعوة واضحة لا يأتيها الغموض من بين يديها ولا من خلفها .
تحقيقا للعدالة فان المحكمة يهمها أن تعرف نشاطي منذ أن أستقرت بي الاحوال في السودان دون أنقطاع منذ آخر عام 1948 ، أذ أن هــــــــذه الفترة نالت الاهتمام من جانب الاتهام في القضية المعروضة أمامكم ـ وقد لاقيت فيها الكثير من ملاحقات البوليس ومطاردته خلال عهد الاستعمار وفي فترات ما بعد الاستقلال ، وخاصة في عهدي السيد عبدالله خليل والوزارة الراهنة لقد ألقى على السيد المحقق في هذه القضية سؤالا أظنه فيما أعتقد ـ وآمل أن أكون صائبا ـ محرجا : كيف تعيش كل هذه المدة ولا عمل لك ؟ وحق له أن يدهش قليلا فقد تساءلت أنا نفسي بعد عودتي من الدراسة في القاهرة ماذا أعمل ؟ ولم يطل بي التفكير فقررت دون تردد أن أكرس حياتي لما أعددت له نفسي مجاهدا في سبيل أستقلال الوطن ومن أجل الاشتراكية . أليست هذه قضية تستحق التفرغ وتكريس الجهد ، وأن يهب المرء حياته من أجلها ؟ كم هو رائع ماقاله الكاتب السوفيتي نيكولاي أستروفسكي في هذا الصــــــــدد (( أن أثمن ما يمتلك الانســـــــــان حياته وهي تعطى له مرة واحدة لا عودة لها ، فعليه أن يعيشها حتى لايشعر بالندم والمرارة وهو مسجي على فراش الموت ، بل عليه أن يعيشها حتى يقول : لقد قضيت حياتي في سبيل أنبل وأعظم قضية قضية تحرير البشرية )) ... واليوم ، ورغم أنني ما زلت حيا . فانني أقول عندما أرجع بالنظر عبر السنين ، إنني قضيت تلك الفترة في سبيل قضية نبيلة هي قضية أستقلال السودان وسيره في طريق التطور الاشتراكي وفي هذا السبيل لم أنل مغنما شخصيا من الاستقلال ، بل أنني أعيش كما يعيش بسطاء الناس في هذه البلاد ، ولا أشعر بالندم على الجهد الذي قمت به والتضحيات التي بذلتها في سبيل أستقلال السودان رغم أن الذين تعايشوا وأستفادوا من ذلك الاستقلال هم بعينهم الذين كانوا يسخرون منا عندما كنا نخرج في المظاهرات والحركات الشعبية ضد المتسعمرين ، هم بعينهم الذين كانوا يلقون علينا القبض خضوعا لرؤسائهم المستعمرين ، وما زالوا يقومون بنفس الدور في عهد الاستقلال . لست بنادم لانني أعــــــــــرف أن الايام القريبة ســـــــتطهر البلاد وأجهزة الدولة المختلفة من كل الذين حاربوا الحركة الوطنية من قبل وأنحاذوا إلى جانب المستعمرين ضد بني وطنهم .
كيف دعوت لمبادئي ، في الاستقلال والاشتراكية ؟ وإلى أي مدى وصلت ؟
لقد سلكت منذ أول يوم رجعت فيه لبلادي طريق الشرح والاقنــــــاع للدعوة للمبادئ الاشتراكية ، ولم يثبت على ولن يثبت أنني سلكت طريق الارهاب أو تسببت في أراقة دماء المواطنين ، كما أنني لم اسلك السبيل الذي سلكه غيري في الرشـــــوة والاغـــــراء والافـــســــــــــاد ، فمبادئي طاهرة تتنافى مع العمل الاجرامي ، تهدف إلى بناء سودان قوي حر، والافــــساد لاينتج عنه غير الفساد ، ومن يزرع الشوك لن يجني منه وردا .. لقد دعوت إلى رأيي بوضوح بقلمي ومجهوداتي ، وطلبت في الاسبوع الاول من وصولي لوطني التصديق لي بأصدار صحيفة ، ولكن الســـــــلطات البريطانية رفضت هذا الطلب رغم أنها صدقت للكثير ممن هم أدنى مني ثقافة وشعورا بالمسئولية . ورغم هذا زاولت العمل الصحفي المستديم ودعوت بمقالات في جريدة المؤتمر والجهاد والصراحة إلى رأيي شاكرا لاصحابها سعة صدورهم ووطنيتهم . لقد دافعت منذ أول يوم عن الحقوق الديمقراطية لكل الوطنيين وعن حرية الرأي وتبادل الثقافة ـ وقد أستطعت أن أجلب كتبا شيوعية للسودان أعطيها لمن يشاء وأباحثه في أمرها ليقتنع بمبادئئ ، وقد أستطعت عام 1953 بالرغم من مضايقات البوليس الخاضع للانجليز أن أترجم وأطبع أول كتاب شيوعي في مطبعة قانونية وأعرضه للسوق ، وهو كتاب (( في علم اللغات )) لمؤلفه جوزيف ستالين . لقد ساهمت بمجهودي ومناقشاتي ودراساتي في إقناع الكثيرين من الشبان والرجال المناضلين بالنظرية الماركسية لا عن وعد أووعيد ، فما أملك لذلك وسيلة ، وليس سبيلي ، بل بالجدل والمناقشة الحـــرة والاقناع والاقتناع ـ واليوم يعمل هؤلاء ، في كل ميادين الحيـــاة في السودان تربطني بهم رابطة الفكر والثقافة ذات المنبع المشترك ، ويؤدون للبلاد خدمات جليلة في ميادين الانتاج والحياة الاجتماعية والخــــــــدمات الاجتماعية ، يتفانون تضحية في خدمة الاستقلال ، لم يفسد أحدهم ولم يهمل في عمله ـ تواضع جم وأحترام عميق لشعب السودان .
أنني أعلم أن حرية المواطن في الدعوة لما يرى لاقت تعنتا كثيرا من جانب المستعمرين ، رغم أن هذا ضد كل القوانين والعرف ، ولهذا أندمجت في الحركة الشعبية المطالبة بتوفير الحريات الديمقراطية وكان أول أنتاج لتلك الحركة الشعبية دستور الحكم الذاتي ، الذي طبق على بلادنا أول عام 1954 ، ومنذ الفترة وأنا أســــــــاهم جاهدا مع كل العاملين لتغيير قوانين الاستعمار بالطرق الديمقراطية حتى أتمكن من تأليف حزب شيوعي دستوري . وقد أنتهزت الفرصة عندما صرح وزير خارجية السودان السيد محمد أحمد محجوب في اليونان في منتصف عام 1957 بأن سياسة حكومته تهدف للسماح للشيوعيين بمزاولة أي نشاط يريدونه في ظل الدستور فحررت خطابا إلى رئيس الوزراء عبدالله خليل أطلب منه أن يقرن قول السيد المحجوب بالعمل وان يتقدم للبرلمان بالغاء المادة 4 من قانون الجمعيات غير المشروعة ، فصمت عن لا أو نعم . أن هذه الواقعة تؤكد أنني سعيت وأسعى لايجاد وضع ديمقراطي حق يكفل حرية التنظيم الدستوري لكل مواطن أو جماعة من المواطنين .
إن تأريخ حركتنا الوطنية الحديثة يثبت أن المناضلين ذوي الفكر الاشتراكي الماركسي ساهموا بقسط وافر في استقلال السودان وضربوا أمثله محترمة في التضحية ونكران الذات وخدمة الجماعة ، لقد وقفوا في مقدمة القوى التي ناهضت الجمعية التشريعية تلك المؤسســـــــــة التي التي صنعها الانجليز والتي لو كان قدر لها أن تبقى وتنال التأييد لبقى السودان حتى يومنا هذا مستعمرة بريطانية . ولا أكون مغاليا إذا قلت أن هذا النفر من ذوي الفكر المتشابه كانوا أول من رفعوا راية المعارضة وسيروا أول مظاهرة أم درمان صيف 1948 وسجن عدد كبير منهم وقد كانت مظاهرة أم درمان الشرارة التي أندلعت منها نيران مقاومة الجمعية التشريعية حتى تمت مقاطعتها بنجاح ، وخرجت جثة لا روح فيها . وفي المقاومة الباسلة لتلك الجمعية أستشهد الشيوعي قرشي الطيب في عطبرة وشرد الكثيرون من ذوي الفكر الشيوعي وحرموا من أرزاقهم وعاشوا في شظف من العيش وضيق بالغ وتحملوا كل ذلك في أستقامة وثبات . مما لا شك فيه أن نجاح حركة مقـــــــــاومة الجمعية التشريعية أدى إلى قلب الخطط البريطانية في السودان رأسا على عقب وكان العنصر الاول في وصول البلاد إلى أستقلالها .
لقد ساهمت النظرية الماركسية في توسيع نظاق الحركة الشعبية في البلاد ، أذ أن الرجال الذين أتخذوها منهجا في حياتهم نظموا الطبقة العاملة السودانية في نقابات متينة كانت قاعدة ثابنة وصلبة للنضال من أجل الاستقلال ، وطبعت الحركة الوطنية بطابع الجد منذ نشأتها عام 1947 . بهذا أصبح المستعمرون يواجهون حركة قوية لا تقتصر على المثقفين وأقســـــــــام من سكان المدن بل تمتد جذورها فتشمل طبقة تحرك قطاعا أقتصاديا في الصــــــــناعة والمواصلات .
وتشـــــــــــــهد السنوات المتعاقبة على الاضرابات العمالية المتوالية في الحقلين الاقتصادي والسياسي ، مما كان له فضل كبير في زعزعة الادارة البريطانية وأضعافها . وقد دفع زعماء النقابات العمالية الثمن غاليا ، سنوات عديدة قضوها في السجون . لا تدانيها الفترات التي قضاها الزعماء الوطنيون الآخرون ، أن تلك الاستقامة والتضحية لم تكن نتاجا للدافع الوطني التلقائي ، بل كانت تستند النظريات قوة ورسوخا في النضال من أجل التحرر الوطني .
إن الشباب والرجال السودانيين ذوي الفكر الاشتراكي الماركسي العاملين في شتى ميادين الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لعبوا دورا مرموقا في التفاف الشعب السوداني حول راية حق تقرير المصير والاستقلال . فالحركة السياسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إنقسمت إلى معسكرين ـ معسكر وطني تنتظمه الاحزاب الاتحادية ينادي بوحدة وادي النيل ، ومعسكر آخر يدعو للاستقلال . لقد كان المعسكر الاول يرمي إلى أهداف وطنية ويحارب العدو الاول للشعب السوداني المتمثل في السيطرة البريطانية ، ولكنه في نفس الوقت كان يهول من قوة المستعمرين ويرى ألا طريق لحرية السودان إلا بالاندماج في مصر على الدرجات المتفاوتة لذلك الاندماج أما المعسكر الثاني فقط ربط نفسه بكل المشاريع البريطانية من مجلس أستشاري إلى جمعية تشريعية ، كل ذلك تحت ستار الاستقلال ، ولهذا صرف السودانيون عن تلك الدعوة ، وأصبحت كلمة الاستقلال ترتبط في أذهان الناس بذلك الاتجاه المتعاون مع الادارة البريطانية . لقد كان لدعوة المناضلين ذوي الفكر الماركسي بحق تقرير المصير للسودان وأستقلاله أثر حاسم في سير الحياة السياسية في السودان وفي الاستقلال الذي يتكلم عنه الكثيرون اليوم . إذ أنه لأول مرة تنشأ دعوة إستقلالية متحررة تناضل المستعمرين الانجليز ولا تهادنهم ولا يشك أحد في إستقامة وأخلاص القائمين بأمرها ، الكل يشاهد أعمالهم المتواصلة الجليلة ضد المستعمرين الانجليز . بهذا الوضع أبتدأت الجماهير الوطنية تفكر في الاستقلال ، وجرى تحول هائل في كل المعسكر الوطني وخاصة خلال عام 1954 . وشعرت أغلبية السودانيين أنه في الامكان التحرر من السيطرة الاستعمارية وبناء سودان مستقل يحميه أبناؤه . لست في حاجة إلى أن أذكر كيف كان وضع السودان اليوم لو أن اليلاد أستمرت في حالة المعسكر الاول ، وماذا كان المصير الذي تتردى فيه هذه البلاد الطيبة فجدير بالذين يتكلمون اليوم عن أستقلال السودان وكأنه ضيعة لهم ، وجدير بالمتباكين على الاستقلال والمدعين الحدب عليه ، أن يقفوا قليلا ويتحرروا من أهوائهم وينظروا في أعمال الرجال الذين عملوا في صمت ونزاهة لهذا الاستقلال ، والذين مازالو يعملون لحمايته خارج السجون والمعتقلات وفي داخلها .
إننا لم نسلك هذا الطريق الذي حول الاتجاه السياسي في البلاد نحو الاستقلال إلا على هدى النظرية الماركسية التي تؤكد حق كل شعب في تقرير مصيره ، وأن تكوين دولة مستقلة لشعب ماهو طريق تطوره ، وأن الشعب الذي يحصل على أسقلاله قادر على المحافظة عليه بامكانياته وبمساندة قوى التحرر الوطني والاشتراكية في العالم . وإذا تخيل شخص في هذه البلاد أنه يستطيع محو الفكر الاشتراكي الماركسي من الرؤوس فعليه أن يدير الساعة للوراء إلى عام 1954 ليقضي على التحول الذي تم آنذاك نحو الاستقلال وليهدم الاستقلال نفسه ، حتى لا نستظل باستقلال لعبت فيه (( النظريات الهدامة المخربة التابعة للكمنفورم )) الدور الرئيسي الفعال , ولكن أستقلال السودان باق وسيقوى على مر الايام حتى ولو كره من في قلوبهم مرض ، حتى ولو كره أبطال محاربة الفكر الشيوعي .
وقد لعب الفكر الماركسي أيضا دوره البارز في الوضع الاقتصادي لأقسام كبيرة من المواطنين ويكفي أن أذكر ان النقابات العمالية وعلى رأسها قادة ماركسيون أستطاعت أن تحصل على تشريعات متعددة منها قانون المخدم والشخص المستخدم ، الذي أدخل الكثير من التحسينات على حياة العمال ، ولم يقتصر أثر الاضرابات العمالية المتواصلة والنشاط النقابي على ذلك بل أتسع نطاقه وأدى إلى تحسين ملحوظ في مستوى معيشة الموظفين ورجال الخدمة المدنية على أساس مقررات ويكفيلد وميلز ـ واليوم ينعم الكثيرون بنتاج ملز الذي جاء نتيجة للنشاط المتزايد للنقابات ، وأمتداد أثرها لغير العمال الصناعيين ، ولم أسمع في يوم من الايام أن أحد الذين طفرت بهم مقررات ملز رفض الطفرة لأن المبادئ الهدامة ساهمت بل فرضت مقررات ملزمة ، حتى ولو كان ذلك الشخص من كبار حفظة الامن الذين يحملون حملة صليبية على تلك المبادئ .
هذه صورة مقتضبة لما قدمته النظرية الشيوعية لوطننا ، وخدمة للاستقلال وفي سبيل حياة أحسن للمواطن السوداني . وأنني فخور لهذا السجل ومعتز بدوري الذي قمت به في التبشير بهذه النظرية الانسانية السامية ـ هذا السجل الذي يقدم اليوم للمحاكمة تحت قوانين وضعها الدخيل وأخرى أملاها الحقد والتشفي والتعجل وعدم التبصير بنائج الامور .
تبلورت هذه الاهداف والمعاني ، التي كافحت وأخواني من أجلها ، في حزب الجبهة المعادية للاستعمار ، الذي ساهمت في تأسيسه وتشرفت
بمنصب الامين العام له . كان ميلاد هذا الحزب نتيجة للحركة الواسعة التي أبثقت من صفوف الشعب تهدف لحرية التنظيم ، وحق كل مواطن في أبداء رأية ، وقد كسبت تلك الحركة جولات ضد المستعمرين وهزت من كيانهم . فنظمنا هذا الحزب خلال عام 1953 بأهداف صريحة واضحة لالبس فيها وببرنامج منشور ومعلوم وقد كان الحزب الوحيد آنذاك الذي نشر برنامجا مفصلا يشمل قضية الاستقلال والحياة الاقتصادية في البلاد ورغم حملات التخويف التي شنتها الادارة البريطانية بقصد أبعاد الناس عن حزبنا إلا أننا أستطعنا بمجهودنا وبوجود لجنة دولية للانتخابات أن نكسب حق التنظيم والبقاء . وقد كانت الجبهة المعادية للاستعمار حزبا عماليا يهدف إلى خلق كيان مستقل للطبقة العاملة السودانية ومفتوح العضوية لكل ابناء الشعب المؤمن بالاتجاهات الاشتراكية النابعة من صفوف العمال بغض النظر عن ظلال تلك الاتجاهات . المهم في العضو أن يكون ميمما وجهة شطر الطبقة العاملة بغض النظر عن الخلافات الايدولوجية ، فهذه أمرها يمكن حله طالما آمن الكل بأستقلال الطبقة العاملة السودانية .
أمتاز حزب الجبهة المعادية للاستعمار منذ أعلانه بوقوفه بثبات من أجل أستقلال البلاد ومن أجل الديمقراطية وتحسين حياة الكادحين ـ لا أريد أن أعيد ، ولكنني أذكر أن ذلك الحزب كان له الفضل الاول في إجراء تحولات سياسية وأســـــــعة بين الوطنيين في أتجاه الاستقلال وقد أيد سياسته وتعاون معه تعاونا مخلصا أغلبية نواب الحزب الحاكم وقتها ـ الحزب الوطني الاتحادي الذي أعلنت حكومته أستقلال السودان .ولولا ذلك التعاون ولولا المجهود الذي قام به حزب الجبهة المعادية للاستعمار في أقناع العديد من نواب الحزب الوطني الاتحادي لما تم الاستقلال .
وفي سبيل الوصول إلى الاستقلال ثم المحافظة عليه نادي حزب الجبهة المعادية للاستعمار بقيام أتحاد وطني يشمل كل المناضلين ضد الاستعمار ولو قدر لهذا العمل الجليل أن يتم بنجاح ، لكانت بلادنا تقفز اليوم قفزات هائلة في طريق التطور المستقل وبناء إقتصاد معزز . وسيحكم التاريخ حكما قاسيا على كل من ساهم في تفويت الفرصة على شعب السودان لتوحيد صفه الوطني ، فقد دفعت البلاد ثمن الانقسام في صفوف الوطنيين المناهضين للاستعمار غالبا ـ أضعاف للاستقلال وأقتصاد خرب وطريق وعر شائك سارت فيه بلادنا ـ أن حزب الجبهة المعادية للاستعمار يحق له ان يقول أنه كام حزب الوحدة الوطنية ـ يوحد ولا يفرق ويجمع ولا يشتت ، فليبحث الباحثون في غيره عن دعاة الفتنة والانقســـــــــام . وقد كان حزب الجبهة المعادية للاستعمار مستعدا للاشتراك في ذلك الاتحاد الوطني حتى ولو أصابه الغرم , وما مسلكنا في الانتخابين للبرلمان ببعيد عن الاذهان ، وفي سبيل أنجاح الكثير من المرشحين الوطنيين بذلنا الجهد لا نرجو من وراء ذلك جزاء ولا شكورا ، وهذا لعمري هو النظام الحزبي النظيف ذو المبادئ السامية .
وقف حزب الجبهة منذ قيامه في الصفوف الاولى دفاعا عن الديمقراطية في البلاد ، وأستطاع بمجهود أعضائه المتواصل حماية الديمقراطية مما كان يدبره المستعمرون والحكام الذين ساروا وراء خطواتهم . ففي النصف الاخير من عام 1953 ، والبلاد تقترب نحو تطبيق الحكم الذاتي ، سنت الادارة البريطانية ما اسمته بقانون النشاط الهدام وذلك القانون الذي كان يهدف لوضع اللبنة الاولى في بناء دولة بوليسية تجرد الاستقلال من معناه وتجعله جثة لاروح فيها . وكان لنشاط حزب الجبهة الفضل الاول في ألغاء ذلك القانون مما سمح للجماهير بالانطلاق خلال فترة الانتقال ، وأجراء تحولات في الجو السياسي لصالح الاستقلال . وفي مختلف المراحل سعت الجبهة لاعلاء كلمة السلطة التشريعية فوق السلطة التنفيذية وقد أبتدأت تظهر نتائج هذا الاتجاه الديمقراطي السليم في الاشهر القليلة التي سبقت الانقلاب العسكري ، ولو وصلت الامور إلى نتائجها المنطقية لكانت البلاد تتمتع اليوم بنظام برلماني أكثر ديمقراطية مما مضى .
أن نشاطنا الايجابي البناء لم يقتصر على المساهمة في أحراز الاستقلال بل أمتد وتزايد مداه بعد أعلان الاستقلال ، من أجل المحافظة على الاستقلال ودعم البلاد اقتصاديا . أن تاريخ الحياة السياسة في بلادنا يشهد بأن حزبنا أول مؤسسة دعمت لمناهضة الاحلاف العسكرية الاستعمارية منذ زمن بعيد حتى اصبحت تلك الدعوة ، التي تشكل حجرا اساسيا في بناء الاستقلال ، السياسة المحببة وسط الشعب ، والتي لايمكن لأي حاكم أن يتخطاها إلا أذا أراد أن يدق عنقه وينهي مستقبله السياسي . وكنا الحزب الوحيد الذي يمتلك برنامجا أيجابيا لما بعد الاستقلال يشمل راينا في التطور السياسي المستقل وفي البعث الاقتصادي والاجتماعي والثقافي مما يؤكد أننا لم نكن حزبا يعيش على ماضيه أو يلعب على العواطف بالتهريج والدجل السياسي والديني ـ لقد كنا نحس كحزب بالمسئوليات أزاء الشعب فمنذ أعلان الاستقلال وحتى يوم مصادرة دستور السودان المؤقت )) ما من أسبوع ألا وكان هناك أجتماع جماهيري مفتوح يتحدث فيه قادة الجبهة عن المشاكل التي تواجه اليلاد ، فشرحنا للشعب أهمية الديمقراطية وتعديل القوانين التي ورثت في عهد الاستعمار حتى يستطيع الشعب أن يؤثر في مجرى الحياة السياسية في البلاد ، وشرحنا خطر المعونات الامريكية التي تشد البلاد إلى المستعمرين وتجعل من الجمهورية السودانية كلبا لاهثا وراء سيده لايطعمه إلا بمقدأر مايجعله يعاني الجوع مرة أخرى ، بأختصار بصرنا الشعب بكل الاخطار المحدقة بأستقلاله وكرامته .
وبهذا النشاط المتزايد وخاصة خلال عام 1958 وبالتعاون مع كل الوطنيين المخلصين أبتدأت تحدث تحولات عميقة في النظام ابرلماني . فلأول مرة أبتدأت كتلة من نواب الاحزاب الحاكمة تنظر لمصالح الشعب الناخب وتتحرر من نفوذ التعصب الحزبي . وهذا الامر خطوة حاسمة في دعم النظام الديمقراطي البرلماني ورفع مستوى السلطة التشريعية فوقع السلطة التنفيذية. ولو قدر للبرلمان أن يعقد جلساته ، كما أعلن في يوم 17 نوفمبر عام 1958 ، لكنا شهدنا هزيمة الحكومة في كل مشاريعها المتنافية مع الاستقلال والكرامة ، وعلى رأسها المعونة الامريكية وهدية الاسلحة البريطانية ، وكنا شهدنا إنبثاق حكومة لا تعتمد على تاييد حزب واحد بل على كتلة من النواب المتحدين ، أن حزبنا قد ساهم بنصيبه في هذا المضمار ، وجاهد لازالة التعصب الحزبي بين كتلة كبيرة من النواب ليصبح رائدهم خدمة الجمهور الناخب لا خدمة المتزعمين من بعض قادة الاحزاب .
والحزب الذي يناضل من أجل الديمقراطية هكذا حزب واضح ومفهوم لدي الشعب لا يحتاج لاخفاء نفسه عن الجماهير الشعبية . وهل يتبجج اي حزب يضع بينه وبين الشعب حائطا سميكا وستارا لا تنفذ أليه رقابة الشعب ؟
أنني أود ان أذكر للمحكمة أن نشاط حزبنا وخاصة في الشهرين اللذين سبقا الانقلاب العسكري هو السبب الاول والرئيسي في تلفيق هذه القضية ضدنا . ولقد وصل إلى علمي من مصدر موثوق أن أنقلابا ما سيتم في البلاد . حدث هذا في الاسبوع الثالث من شهر أكتوبر وقد دعوت المكتب السياسي للجبهة للتشاور في هذا الامر وأتخذنا قرارنا بما نراه في مصلحة الاستقلال والديمقراطية . لقد أنتهزت فرصة أول أجتماع سياسي فنوهت بما يدبر للديمقراطية والاستقلال وهاجمت في عنف ذلك التدبير وتساءلت لمصلحة من تتخذ تلك الخطوة وقد أشرفت البلاد على التخلص من حكومة السيد عبدالله خليل , ووضع حكومة أكثر ديمقراطية وتجاوبا مع أهداف الشعب الوطنية ؟ وقد وأصلت تلك الحمــــــــلة بطريقة لا تعرضنا للقوانين في أكثر من أربعة أجتماعات سياسية عامة ودفعنا جريدة الميدان في هذا الاتجاه فأشارت بأستمرار إلى ذلك التدبير ودمغته وطالبت الشعب أن يتيقظ ونظمت حملة من الاحتجاجات الشعبية توجه إلى رئيس الوزراء عندما قرر متحديا الرغبة الشعبية بتأجيل البرلمان من الانعقاد يوم 17 نوفمبر ، وكنا نحن نلمح الخطة من وراء ذلك . في نفس الوقت قمت بأتصالات متعددة مع بعض الاخوان في قيادة الحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي والكتلة الحرة في حزب الامة والجنوبيين ووضحت لهم ماوصل إلى علمنا وطلبت منهم أن نتعاون لانقاذ النظام البرلماني وأستقلال البلاد ـ ولو أن أولئك الاخوان أخذوا ما قلت مأخذ الجد وقاموا بما يفرضه الدفاع عن الاستقلال والديقراطية لكنا نعيش اليوم في ظروف تختلف عن الظروف الرأهنة ، وبالطبع لم يكن السادة الذين عملوا للانقلاب العسكري بغافلين عن آرائنا ونشاطنا ولهذا فرغم قرار حل الاحزاب صباح 17 نوفمبر ورغم تطبيق هذا القرار على كل الاحزاب بالطبع بمافي ذلك حزب الجبهة إلا أن أجراءات شاذة وقعت على أعضاء حزبنا وقادته دون بقية الاحزاب . دون أبدأ الاسباب قفلت جريدة الميدان في الوقت الذي سمح فيه لكل الصحف الحزبية بمعاودة الظهور . وقبل أن يمضي أسبوع على الانقلاب دبرت حملة من الاعتقالات شملت رئيس الحزب وعديد من زعماء الجبهة . وتوالت أخيرا الاعتقالات دون سبب مفهوم وأصبح أعضاء الجبهة يساقون إلى مراكز البوليس لأخذ صور لهم وكانهم من عتاة المجرمين . وهكذا أصبح معروفا منذ أول أسبوع أن الانقلاب العسكري يناصب حزب الجبهة العداء في الوقت الذي خصص فيه من أموال الشعب معاشا مترفا لرئيس الوزراء السابق السيد عبدالله خليل .
الذي أعلن قبل يوم واحد من الانقلاب ، وقد سألته الصحف عن مقالة نشرتها جريدة النيويورك هيرالد تربيون حول أعتماده على الجيش بأن الذين يتحدثون عن إحتمال أنقلاب لا يعرفون أخلاق السودانيين التي تتعارض مع الانقلابات .
إذن ما هي الاسباب التي دفعت لتدبير حملة على حزبنا من بين جميع الاحزاب ولما يمضي أسبوع على الانقلاب ؟ هل لأن منشورات صدرت من الحزب الشيوعي والبوليس يتهمنا بها ؟ أن منشورات الحزب الشيوعي التي يوزعها ويرسلها لكل المهتمين بالشئون السياسية لم تظهر إلا بعد أكثر من شهر على الانقلاب ـ ألا تؤكد هذا أن النظام الراهن كان يضمر العداء لحزب الجبهة من بين جميع الاحزاب وأننا كنا سنقدم للمحاكمة فور حدوث الانقلاب لو تمكن البوليس من أنتهاك حريتنا الشخصية ؟
أما الحديث عن أدارة الحزب الشيوعي السوداني فعلى الاتهام أن يثبت ذلك . ونحن نرى أن ذلك مجرد ستار لمحاكمتنا على رأينا المعروف سلفا في النظام العسكري الرأهن . وأنا شخصيا لم أخف رأيي ؟ فما من قوى على الارض تستطيع إجار رجل حر على ذلك . وقد وضحت راي كله في أنقلاب17 نوفمبر لعضوين من المجلس الاعلى العسكري خلال شهر أبريل المنصرم عندما جمعتني بهما الظروف . لم أنافقهما كما يفعل الكثير لأن لي وازعا من مبادئي ورجولتي ولم أجاملهما لأن المجاملة في المبادئ ضعف مابعده ضعف .
ياسعادة القاضي أننا نعاقب على راينا المعروف في الانقلاب قبل شهرين من حدوثه والذي جاهدنا كثيرا لمنعه لايماننا بأنه مضر بقضيتي الاستقلال والديمقراطية ـ وأعاقب لأنني لم أخف رأيي فيما بعد حتى أمام عضوين في المجلس الاعلى العسكري . إنني لن أغير رأيي الشخصي فما خلق الرجل الذي يجبرني على ذلك بعد ، وسيتغير رأيي فقط حينما يطرأ تغيير جوهري في سياسة الحكم في طريق الديمقراطية وإنهاء كافة القيود التي كبل بها أستقلال البلاد .
كل هذه الحوادث التي وقعت على أعضاء حزب الجبهة زادتني ايمانا بأن شيئا ما يدبر ، وأن الاعتداءات المتكررة على حريات مواطنين عرفوا بدفاعهم المستميت عن إستقلال السودان ما هي إلا مقدمة لخطب جلل يصيب الاستقلال .
وكما قال شيكسبير (( ما الفترة التي تفصل بين التدبير والاقدام على إرتكاب الاثم إلا كليل من الشك مظلم أو كحلم مزعج مخيف )) .
هل الدعوة للنظرية الماركسية مخالفة لتقاليد بلادنا كما يدعي البعض ؟
في هذه الايام كثيرا ما نسمع عبارة التقاليد السودانية يرددها البعض دونما سبب ، مظهرين العطف عليها وكأنها قطعة زجاجية معرضة للكسر ، أو كأنها وردة يجرح النسيم خدودها . والغريب أن هذا التباكي والعطف المصطنع يصدر من أولئك الذين داسوا على التقاليد السودانية وكأنهم يقتلون القتيل ويسيرون في جنازته ، مدعين بأن الفكر الشيوعي هو الذي قتل التقاليد السودانية . والغريب في أمر هذا النفر أنهم صمتوا عندما كانت التقاليد السودانية تتعرض لأكبر محنة ، عندما كان الاحتلال البريطاني يدوس على كرامة وطننا ، فيومها صمت هؤلاء صمت القبور وعاشوا ينفذون في مسكنة كل توجيهات رؤسائهم الانجليز وأوامرهم . أين الرجولة والشهامة التي هي على رأس التقاليد السودانية ؟ لقد وقف الرجال ذوو الفكر الشيوعي والوطنيون في رجولة وثبات ضد المحتلين الانجليز لم ينكسوا الجباه ولم ينفذوا أمرا للمستعمرين . وهذه هي التقاليد الســــــودانية التي حق لنا أن ندافع عنها .
إننا نفهم التقاليد السودانية متركزة في حب الحرية والكرامة والصراحة والشهامة ، وفوق كل ذلك في قولة الحق . ونفهم أن هذه التقاليد إنحدرت إلينا من المجتمع القائم على الملكية الجماعية للقبيلة فتأصلت في نفوسنا ، ولكن هذه التقاليد عرضة للانهيار بالتدريج إذا تحطم أساسها وأندفعت البلاد في طريق الانانية والفردية التي تعبر عن المجتمعات الرأسمالية والاقطاعية . والذين يقودون البلاد في هذا الطريق هم المسئولون عن ضياع القيم التي نعتز بها . وهذا ماجرى للكثير من البلدان التي سارت في ذلك الطريق المؤلم الذي تحف به الاشواك من كل جانب ، لا أظن عاقلا يستطيع إتهام الفكر الشيوعي بهذه التهمة فليفتش الباحثون عن غيرنا في هذا السبيل .
إننا نقول الحق ونقول للاعور أنت أعور معبرين بذلك عن أسمى القيم السودانية والقيم البشرية . ولكن إذا أصبحت في بلادنا دولة بوليسية فان قولة الحق تصبح في محنة وتضرب تقاليدنا السودانية في الصميم . والانسان لا يحتاج اليوم إلى مجهود كبير ليرى أنصراف البعض عن الوقوف بجانب الحق ففي الصحافة السودانية الكثير من الامثلة لذلك بالرغم من أحترامي لبعض الاخوان الصحفيين وتقديري لظروفهم ، أذكر أنني كنت أتابع في صحيفة ما حملات عيفة على المعونة الامريكية أيام الوزارة السابقة ولكن بعد أيام من حدوث الانقلاب العسكري وقبول العون الامريكي قرأت لنفس الكاتب مقالة يتكلم فيها عن الجانب الانساني في المعونة الامريكية ، وقد تألمت كثيرا يومذاك لأنني أعرف جيدا خطر هذا الطريق على تقاليدنا ، وأعرف الألم الذي عاناه الاخ الكاتب وهو يكتب أمرا ضد رايه ومعتقداته .
لا إفتخار إلا لمن لا يضام مدرك أم محارب لا ينام
وأحتمال الاذى ورؤية جانيه غذاء تضــــــوي به الاجســـــام
ذل من يغبط الذليل بعيش رب عيش أخف منه الحرام
هذا هو الخلق السوداني المنحدر إلينا من تراث العرب وقد ضمته أرض أفريقيا وغذته .
إن الذي يحاربون الفكر الماركسي ويبنون بليل جهاز دولة بوليسية ويتفننون في التشريعات ضد (( المبادئ الهدامة )) كما يقولون ، هم الذين أيضا يسمحون بأن تجري تحت أعينهم وسمعهم عمليات هدم تقاليد السودان . فالانحلال الذي الذي طغت موجاته في المدن لا يجد علاجا بل هو في نطاق القانون ، وأحراز كتاب ماركسي مدعاة إلى الحجز في السجن التحفظي والتقاط الصور والبصمات ، بينما يلاقي من ينشرون المبادئ الخليعة الهدامة يتغنى بها الشياب في الاماكن العامة مثل :
((يا أستاذ بالقزاز ـ وفي الدروس مافيش ممتاز ، واللي يجينا نصيبه عكاز ـ ويا سحسوح جيناك )) يلاقي هؤلاء حماية القانون لانهم ضمن تقاليد السودان . أية سخرية وأي قلب للاوضاع هذا ؟
لم يقف الفكر الماركسي في الســــودان موقفا سلبيا أزاء الانحلال الذي بدأت موجاته تكتسح أوساط بعض الشباب نتيجة للثقافات السينمائية الضارة وعدم عناية الدولة بهم والضائقة الاقتصادية التي تعانيها البلاد . فعمد الشباب الذي أنتهل من منابع الثقافة الماركسية إلى العمل دون ضجيج وساهم في تأليف حركة شباب متسمة بالجد من تعليم ورياضة وفن رفيع، وبقية حركة الشباب في أزدهار وسجلت عضزيتها ما يربو على عشرة آلاف منتسب في فترة قصيرة . وكان من الممكن أن تؤتي ثمارها لانها حركة أختيارية لا رسمية نابعة من الصفوف لا بموجب قرار رسمي ، لولا أن أمتدت إليها أيدي محاربي المبادئ الهدامة فعطلوا نشاطها وفتحوا الطريق أمام حركات (( يا أستاذ بالقزاز ويا سحسوح جيناك )) أن الحادبين على تقاليد السودان يجب أن يفكروا بعمق في موضوعهم .
فكم من أمم تحدثت عن تقاليدها ثم فقدت الكثير منها عندما سلكت طريقا خاطئا . والاشتراكية التي أدعو لها هي التعبير الحديث للتقاليد السودانية فما من صفة نفخر بها ألا وقد ورثناها عبر التاريخ من عهود ملكية القبيلة لوسائل الانتاج حيث يعيش الناس في عهد الجماعة يساعدون بعضهم البعض ويتعاطفون ولا يخافون على غدهم وتنصهر مصلحة الفرد في المجموعة فلا انانية ولاحسد بل حب للمجموعة وكرم فياض .
وإذا سارت بلادنا في طريق التملك الرأسمالي الفردي نتيجة لكبت رغبة الشعب فأن جميع هذه المعاني تتعرض للانهيار . وإذا أردنا مثلا حيا لذلك فلنقارن بين الوضـــــع في المدينة السودانية وبوادينا لنرى الفرق . نعم أن عجلة التأريخ تسير إلى الامام ولكن طريق التقدم ليس هو النظام الرأسمالي الفردي بل هو الاشتراكية . التي تنتقل بمجتمعنا القبلي إلى نظام الملكية الجماعية الحديثة فتعم بقيمنا الحقة وتقاليدنا مع التقدم المادي الهائل .إن مشاهداتي في أوروبا تؤكد ما أذهب إليه . ففي أوروبا الرأسمالية تقدم مادي وصناعي كبير ولكن الفردية تسيطر على كل شئ ، والنجاح في الحياة يعني نجاح الفرد في تحطيم أخوانه والصعود على أشلائهم ، وأن يرمي غيره (( ويرمي في جهاد العيش غير مقفل )) كما أشار شوقي . أما أوروبا الاشتراكية فأنها اصابت نفس التقدم المادي وفاقت في كثير من النواحي ولكنها أحتفظت بكل القيم الانسانية الطيبة في محبة الغير والكرم . وما ذلك إلا لان الانسان لايخشى غده وطريق النجاح هو التكاتف مع المجموعة لا صراعها .
طريقان لا ثالث لهما لكل من يفكر في مستقبل هذه البلاد والمحافظة على تقاليده الحسنة وتطور إستقلالها طريق الرأسمالية وهو طريث لا منفذ له وطريق الاشتركية الوضاء :
أمامك فانظر اي نهجيك تنهج طريقان شتى مستقيم وأعوج !
وإذا كان السودانيون يمتازون بأحترام أنفسهم والصراحة في الحق فقد أنعكس هذا في تمسكهم بنظام الشورى الذي هو لب الديمقراطية منذ عهود بعيدة تضرب في أعماق التأريخ . فملوك كوش القدماء كان ينتخبهم زعماء القبائل وملوك الفرنج وشيوخ العبدلاب كانوا يختارون بنفس الطريقة . والقبائل نفسها قبل الاحتلال الاجنبي التركي ثم الاحتلال البريطاني كانت تختار زعماءها ولا يفرضون عليها . فالذين يطعنون في الديمقراطية اليوم يوجهون طعناتهم إلى تقاليد السودان التي يتباكون عليها . أن البعض يحاولون أن يوهموا الناس أن الديمقراطية هي نظام غربي لا يصلح لنا . صحيح أن الديمقراطية البرلمانية نشأت في الغرب مع الثورة الرأسمالية وإنهيار العهد الاقطاعي ، ولكننا كنا نمارس مضمون الديمقراطية القائم على الشورى قبل ذلك العهد بكثير جدا .
إن النظام البرلماني ليس بدعة لا تصلح إلا للغرب كما يقول البعض ، وليس هو مرتبطا بمستوى التعليم كما يزعم آخرون . فقد جرت في بلادنا أنتخابات كانت نسبة الناخبين فيها أعلى بكثير من بعض البلاد الاوروبية وشعبنا رغم تفشي الأمية عرف مصالحه أكثر من بعض الشعوب الاوروبية المتعلمة التي تأتي بأحزاب المحافظين للحكم ، أذ أن الشعب السوداني تمكن من أنتخاب أغلبية وطنية في برلمان 1954 حققت الجلاء والاستقلال ، أن أشتراك الشعب إشتراكا واضحا في حكم بلاده بوســـــاطة ممثلين منتخبين أصبح حقا لكل الشعوب ، أما الوصاية على الشعب ما وحرمانه من ذلك الحق فدعوة منهارة مهما أتعب أصحابها الذهن في تسميتها بأسماء براقة . وهذه سنة التطور الانساني التي لن يستثنى منها شعب السودان .
أنني أؤمن بكافة حقوق الشعب الديمقراطية وأرى أن نظام حكم الفرد في بلد كالسودان متعدد القوميات ولما تتلاحم أجزاؤه يهدد وحدة البلاد بخطر ماحق وخاصة في مشكلة الجنوب التي تتطلب الديمقراطية حلا لا القوة والتعسف والقرارات الادارية الفردية ، تتطلب التراضي والتطور الحر للقوميات في السودان في ظل وطن واحد مشترك بين الكل أشتراكا على قدم المساواة .
والنظام البرلماني في السودان لم يفشل في بلادنا كما يدعي البعض نفاقا وتهربا من قولة الحق ، بل نجح إلى حدود بعيدة , فعن طريق البرلما أستطعنا أن نحقق أعز أمنيتين راودتا الوطنيين وهما الجلاء والاستقلال . صحيح أن الفساد كان موجودا في البرلمان ولكن هل كان النظام البرلماني أصل الفساد ؟ كلا . أن أصل الفساد كان يكمن في تدخل المستعمرين في شئون بلادنا ، وما الحوادث التي أوردتها الصحف وقتها حول الحفلات التي كان يقيمها رجالات السفارات الاستعمارية لبعض النواب والاتصالات المريبة التي كانوا يقومون بها لخدمة أغراضهم إلا صورة لذلك الفساد . ولكن النظام البرلماني أنتهى ، فهل أنتهى نشاط تلك السفارات ؟ أنهم ما زالوا يفعلون ما كانوا يفعلونه بالامس بتغيير بسيط هو إنتقال ذلك النشاط إلى دوائر أخرى , والفساد أصله طبقات غنية تسيطر على بعض الاحزاب وتفسد بعض النواب بالمال الحرام وتعميهم عن مصالح الناخبين وتحولهم إلى رجال ((نعم )) وإلى إمعات , ولكن النظام البرلماني إنتهى فهل إنتهت تلك الطبقات من الاقطاعيين والاثرياء ؟ أنهم ما زالوا يباشرون نشاطهم فسادا وتخريبا للذمم في محيط آخر . وإذا كنا نريد محاربة الفساد فيجب إقتلاع الاصل وإجتثاث جذوره وسيبقى الفساد ويستفحل طالما بقيت طبقات الاقطاعيين وأستمر نشاط المستعمرين وخبرائهم الفنيين في بلادنا . أن البرلمان هو مرآة تعكس القبيح والجميل في ظل الديمقراطية . والعقل يقول أذا لم تقبل نفسك رؤية القبيح في المرآة فأبعده عنها , ولا تكن كالطفل فتحطم المرآة وتصبح كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى .
وبالفعل كان النظام البرلماني يسير نحو الاصلاح والكمال ، أذ أن النصف الاخير من عام 1958 شهد تمرد النواب على قادة أحزابهم وخاصة في موضوع المعونة الامريكية مقدرين مصلحة الناخب لامصلحة حفنة من السياسيين المرتزقة ، وبرزت كتلة كبيرة من نواب الجنوب تقف في أصرار ضد الاغراء والمال الحرام . وبهذا أبتدأت السلطة التشريعية تعلو السلطة التنفيذية وكانت المصلحة الوطنية توجب هذا التقدم للامام ، وقد ساهمنا نحن في الجبهة المعادية الاستعممار مع كل الوطنيين وأنصار الديمقراطية في ذلك الاتجاه . وفي هذا الوقت لاغيره وفي الساعات التي أبتدأ فيها النظام البرلماني يسير في طريق أقرب إلى الصواب حدث الانقلاب العسكري صباح 17 نوفمبر .
إن الديمقراطية في نظري هي الضمان لمكافحة الفساد ، فما من قوة تستطيع مراقبة الفساد وأجتثاثه غير رقابة الشعب ، ولا رقابة للشعب إلا إذا تمتع بحرياته كاملة وأصبحت له سلطة تغيير الحاكمين . والفساد هو الفساد أذا جاء عن أغراء ووعد أو عن تهديد ووعيد .
وأخيرا أود أشير إلى (( أتهام )) سمعته كثيرا ، لنشاطي الشخصي في التبشير بالاستراكية الماركسية ، من بعضهم ، فهم يقولون أنها فكرة مستوردة . والعجيب أن الذين يتكلمون عن استيراد الافكار يتكلمون وهم يدخنون التبغ الانجليزي وبعاقرون الويسكي الاسكتلندي ويشربون البيبسي كولا ويركبون العربات من طراز الشفرولية ، والهمير ويقرأون آخر عدد من جريدة التايمز وربما قالوا تعليقهم نفسه باللغة الانجليزية
تحلونه يوما وتحرمونه يوما !.. أن سنة التطور تقضي في عالم اليوم أن نأخذ من غيرنا من الشعوب أحسن ما عندها ، والمعرفة الانسانية رصيد لكل البشرية .
والنظم القائمة في السودان مستوردة فنظام الادارة الحكومية والتعليم الغربي والتنظيم الاقتصادي كلها من الخارج أن الفكرة الشيوعية نتاج لنضال الشعوب للخروج من الضيق وتحكم الملكية الفردية . وهي فكرة تتماشى في إتجاهها مع أماني بلادنا الوطنية ومع طريق الاشتراكية الذي سيسلكه شعبنا حتما ـ نأخذ منها كل مايناسب تطور بلادنا وتقدمها وتقاليدها ويرفع الشقاء عن كاهل شعبنا . أما الافكار المستوردة بحق فهي التي تسندها دول معينة وتخصص لها الاموال وتحول الناس إلى عملاء لا إرادة لهم متجردين عن الوطنية وأماني شعبهم . وهؤلاء يبحث عنهم في غير أوساط الرجال ذوؤ الفكر الاشتراكي الماركسي ، فالاتحاد السوفيتي الذي وقع على شعبه العظيم وأجب بناء أول دولة اشتراكية ليس بين الدول التي تخلق العملاء ، لأنه لا يضم بين حدوده أحتكارات رؤوس أموال تطمع في استعمار الشعوب الاخرى فتمهد لذلك بالعملاء والجواسيس ولكنه دولة أشتراكية أنبثقت من النضال ضد الاستعمار والرأسمالية والانتصار على شرورهما . والاتحاد السوفيتي هو الصديق المخلص لشعب السودان أذ آزره في الامم المتحدة عام 1947 حينما وقف ضدنا (( أصدقاء )) اليوم في نظر البعض . الاتحاد السوفيتي هو الذي وقف إلى جانب العالم العربي في كل محنة ألمت به . ولهذا فهو صديق أمين لجمهوريتنا .
ياسعادة القاضي !
هذا هو طريقي وهذا هو نشاطي الذي يحاول الاتهام أن يعطيه ظلالا يريدها هو ويشتهيها . هذه هي فلسفتي في الحياة ومن أراد إقناعي بغيرها فليعرض بضاعته . ولا أظنني أقتنع بفلسفة ارسلت الوطنيين الشرفاء إلى السجون وظلت تحاول كتم حريتي الشخصية أكثر من نصف عام ثم ألقت بي في الزنزانة شهورا فيلبحثوا عن غيرها






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف أصبحت شيوعيا؟
- الرجل الشريف يحارب الفكرة بالفكرة
- حول المؤسسات المؤممة والمصادرة
- أنا لا أحتاج لشاهد عند قبرى
- الثورة السودانية وأزمة الوسط
- كيف ولد شعار الدستور الاسلامى؟
- عبد الخالق يعلق على خطاب الدكتور منصور خالد فى الملتقى الفكر ...


المزيد.....




- حزب العمال وفعاليات شبابية ومستقلّين/ات يطلقون حملة الكترون ...
- صمود أهالي حي الشيخ جراح ضد محاولات قوات الاحتلال الصهيوني ل ...
- نظرات استدراك إلى التعبئات الاجتماعية التاريخية في الهند
- إصابات بالرصاص المطاطي بمواجهات مع الجيش الإسرائيلي غرب رام ...
- بن جبير يطالب بإطلاق النيران الحية على المتظاهرين في القدس
- المغرب غاضب من إسبانيا لاستقبالها زعيم البوليساريو ويصف الفع ...
- المغرب غاضب من إسبانيا لاستقبالها زعيم البوليساريو ويصف الفع ...
- دادگاي ت?ه??چوون?و?، پ?سندکردني د?ستدر?ژي?کاني د?س??ات ب?س?ر ...
- Victory to strikes and protests of wage and contract workers ...
- نقابة التوجه الديمقراطي تطعن في قرار التقسيم الانتخابي للجان ...


المزيد.....

- قناديل شيوعية عراقية / الجزءالثاني / خالد حسين سلطان
- الحرب الأهلية الإسبانية والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين ... / نعيم ناصر
- حياة شرارة الثائرة الصامتة / خالد حسين سلطان
- ملف صور الشهداء الجزء الاول 250 صورة لشهداء الحركة اليساري ... / خالد حسين سلطان
- قناديل شيوعية عراقية / الجزء الاول / خالد حسين سلطان
- نظرات حول مفهوم مابعد الامبريالية - هارى ماكدوف / سعيد العليمى
- منطق الشهادة و الاستشهاد أو منطق التميز عن الإرهاب و الاستره ... / محمد الحنفي
- تشي غيفارا: الشرارة التي لا تنطفأ / ميكائيل لووي
- وداعاً...ايتها الشيوعية العزيزة ... في وداع فاطمة أحمد إبراه ... / صديق عبد الهادي
- الوفاء للشهداء مصل مضاد للانتهازية..... / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - عبد الخالق محجوب - دفاع عبد الخالق محجوب أمام المحكمة العسكرية