أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عزالدين عناية - زمن ما بعد المسيحية














المزيد.....

زمن ما بعد المسيحية


عزالدين عناية

الحوار المتمدن-العدد: 4478 - 2014 / 6 / 10 - 17:52
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



لا تزال المقولة الرائجة في أوساط علماء الإناسة إن الإنسان مهيأ أنثروبولوجيا للاعتقاد الديني تنطبق على الإنسان الغربي، رغم التبدل الهائل الذي ألمّ بالدين والمتديّن على حدّ سواء. وفي ظل تلك التحولات العميقة، جدير التساؤل إلى أين يسير "الكائن المتدين" في الغرب؟ ربما كانت الأحكام متسرعة وقتما شاع ان العلمانية، أو بالأحرى اللاتدين، هو قدر الإنسان؛ ولم يشهد هذا القرار الحاسم فتورا سوى مع ظهور ردات كبرى، أبرزت حضور الدين كقوة فاعلة ومصيرية في التحولات الاجتماعية (إيران -1979- وبولندا -1980- على سبيل الذكر).
ما يعنينا أساسا في حديثنا هنا وهو المصائر التي تتربص بالتدين التقليدي في الغرب، المتمثل في المسيحية، والذي يبدو سائرا نحو حقبة ما بعد المسيحية، أو إن شئنا وبشكل أدق نحو ما بعد الكاثوليكية، ونحو ما بعد الأنغليكانية، وما شابهها من الانشقاقات الأخرى. المتابعون للتحولات الدينية، من اللاهوتيين والعلمانيين، باتوا يتقاسمون الرأي حول هذا الوضع المستجد، الذي تفقد فيه مؤسسة الكنيسة ألقها ودورها وسطوتها. لم تعُد الكنيسة مظلة المجتمع، بعد أن فقدت احتكار المقدس الذي بقي طويلا رهن أمرها.
في فترة سابقة كان يُنظر إلى أشكال الجزر الديني، الحادثة مع الثورة الفرنسية، ثم لاحقا مع الثورة البلشفية، أنها أوضاع ناشئة بموجب عوامل العسف والقهر والاجتثاث التي رعتها السلطات القائمة، ولم تأت جراء تحولات عميقة مسّت وعي الإنسان بذاته وبالعالم. لكن رصد علماء الاجتماع تواصل تراجع المسيحية، وبشكل بارز في ظل الأوضاع الديمقراطية، وفي أجواء انفتاح السوق الدينية على التنافس الحر، دفع إلى البحث عن تفسيرات مقنعة لهذا "الانسلاخ المسيحي" -decristianizzazione-.
ففي أعقاب التحولات التي تلت انتفاضة 1968، كتب المؤرخ الفرنسي جون دوليمو مؤلفا بعنوان: "هل المسيحية بصدد لفظ أنفاسها الأخيرة؟" فحواه ما يشبه النُّذُر للأوساط اللاهوتية. حوصل الرجل مبررات التراجع، منطلقا من فترة "مناهضة الإكليروس" -anticlericalismo- حتى بلوغ مرحلة "الانسلاخ المسيحي". وللذكر المؤرخ دوليمو هو امرؤ مؤمن لم يهجر الإيمان الكاثوليكي. أقرّ في حديثه عن التحولات الجارية بحقيقة تحول المجتمعات الأوروبية إلى مجتمعات لاأدرية دون لفّ أو دوران. كان الإقرار بذلك الواقع، من قبل مثقف مؤمن، شجاعةً دينيةً حينها.
ومن جانب آخر، وكسبيل للخروج من حالة "الانسلاخ المسيحي" اقترح اللاهوتي الفرنسي بول فالانديي في مؤلفه "مسيحية المستقبل" (1999) تحالفا جديدا بين العقل والإيمان، بين منطق العقل وإرشاد النقل. ففي زمن الشك والعدمية لا ينبغي التهوين من قدرات العقل، موردا في مؤلفه المذكور: "نتخبط في عالم يائس تغمره ثقافة الموت، وفي غياب للمعنى بما يماثل الوقوف على عتبات البربرية. ينبغي أن يكون ذلك حافزا لتفادي بثّ اليأس في قدرات العقل: لسنا الآن في زمن التفاؤل غير المشروط، ولكن بالعكس في زمن انقشاع الأوهام والعدمية".
وأمّا عالم الاجتماع الألماني هانس جواس، المتابع النبيه للتحولات الدينية، فهو يقرّ في مؤلفه "الإيمان كخيار: فرصة المستقبل للمسيحية" (2012) بحقيقة تراجع أعداد المؤمنين –أي المسيحيين- في أوروبا، وبالمثل يقرّ أيضا بأن العلمانية تتراجع. سقنا هذه الإشارات بشكل مقتضب حتى نبيّن أن "الانسلاخ المسيحي" بات أمرا واقعا، وأن هناك حقبة جديدة نعيشها في الغرب تتجاوز الضوابط التقليدية للدين. ولكن إن كان الناس للكنائس يهجرون ومن العلمانية يفرون فإلى أين يذهبون؟ على ما يبدو أن الغربيَّ قد صار متدينا "مترحلا" ينشد الاعتقاد وينفر من الانتماء، يتطلع إلى المتعالي ويهجر المؤسسة الواحدة الجامدة، يصغي إلى الدالاي لاما ويتتبع خطى البابا، على حد سواء، ويهتم بالـ"نيو آيج" ويرتاد نوادي التأمل البوذي، دون أن يحس بالتناقض أو التضارب في هذا الخليط الاعتقادي.
خلف محل سكناي الواقع في حي شعبي في مدينة روما تنتصب كنيسة الحي على مرمى حجر من بيتي، لم يترك الكهنة الساهرون على شأن القداس وسيلة إلا توسلوا بها لردّ الخراف الضالة. ربما نجح الخوري في استدراج الناس للهو والحفلات والتجمعات المنعقدة في الحديقة الخلفية، لكن المصلين انفضوا إلى شأن آخر، فالمذبح خاو على عروشه.
لكن هذه المؤشرات المابعد مسيحية لو أضفنا إليها بعض الأرقام لبات الأمر أكثر جلاء، فوفق إحصاء أجرته صحيفة "لوسّرْفاتوري رومانو"، لسان حاضرة الفاتيكان، سنة 1997، بلغ عدد رجال الدين الكاثوليك الذين هجروا الكنيسة 46 ألفا من العام 1970 إلى العام 1995. وخلال شهر أبريل من العام الحالي، وصف روان وليامز رئيس أساقفة كانتربري الأسبق المملكةَ المتحدةَ، بأنها دخلت مرحلة ما بعد المسيحية، وأن نعت أنجلترا بالبلد المسيحي هو بمعنى اختزانها قيماً مسيحية وليس بمعنى أن البلد مأهول بالمؤمنين، وذلك في تعليق له على نتائج سبر للآراء أجرته صحيفة "الصانداي تليغراف" أبرزت أن 14 بالمائة فقط من الأنجليز يعرّفون أنفسهم بأنهم على شعائرهم يحافظون، وأن 38 بالمائة لا يؤدونها، وأن 41 بالمائة ممن شملهم السبر صرحوا بأنهم لا يتبعون أي دين.
ورد في إنجيل متى (21: 44): "لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره".
أستاذ تونسي بجامعة روما-إيطاليا
[email protected]






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات دبلوماسي بندقي في إسطنبول
- سفينة النجاة للإسلام السياسي من الانتحار الذاتي هي التمسك بح ...
- الفاتيكانيستا
- الأديان الإبراهيمية: قضايا الراهن
- الرقابة والترجمة
- البابا فرانشيسكو ولاهوت التحرّر: عفا الله عما سلف
- عزالدين عناية في حوار بشأن الحوار الإسلامي المسيحي
- شخصية التونسي الدينية من خلال أمثاله
- المسيحية في بلاد العرب وعلامات الزمن الجديد
- مجلة -أديان- في عدد خاص عن البيئة
- حوار مع د. عزالدين عناية بشأن الإسلام السياسي في كل من تونس ...
- التعليم الديني السقيم: نهضة مؤجَّلة حتى يلج الجمل في سمّ الخ ...
- حركة النهضة وابتلاء السلطة
- عمارة لخوص والرّواية الأنثروبولوجية
- -جمل وسط قطعان الكنغر- رواية في أدب الرحلة موجّهة إلى الناشئ ...
- حاضرة الفاتيكان والإعلام الديني
- ما بعد البابا جوزيف راتسينغر
- مع البابا فرانسيس الأول: -طوبى للمحرومين- تتردّد في أرجاء ال ...
- حكاية الدّهان
- راتسينغر.. الكاثوليكي الأخير


المزيد.....




- الرئيس التونسي يزور كاتدرائية -ميلاد المسيح- في مصر ويتلقى ه ...
- الرئيس التونسي يزور شيخ الأزهر
- -زمان-: أنقرة تمارس ضغوطا على -منظومة الإخوان الإعلامية- عقب ...
- الأوقاف الفلسطينية: فتح المساجد أمام المصلين لأداء صلاة التر ...
- الحاخام الأول لليهود في السعودية قريبًا!
- في إطار زيارته لمصر.. الرئيس التونسي يزور كاتدرائية -ميلاد ا ...
- وقف البث نهائيا في ماي .. قرارات جديدة تنتظر إعلام الإخوان ف ...
- اجتماع حاسم للتحالف المسيحي في ملفي خلافة ميركل وكورونا
- 45 مستوطنا يقتحمون باحات المسجد الأقصى المبارك
- منظمة إسلامية تقاضي فيسبوك... ما السر؟


المزيد.....

- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور
- خَلْق الكون في مقاربته القرآنية! / جواد البشيتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عزالدين عناية - زمن ما بعد المسيحية