أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - نبيل بكاني - -تشرميل- الدولة المغربية















المزيد.....

-تشرميل- الدولة المغربية


نبيل بكاني

الحوار المتمدن-العدد: 4426 - 2014 / 4 / 16 - 17:52
المحور: المجتمع المدني
    


بقدر الاستحسان الذي لاقته الخطوات الأمنية الأخيرة للتصدي لما بات يطلق عليه "التشرميل"، من خلال الحملات التي تباشرها السلطات الأمنية لاحتواء العناصر المشبوهة و الضالعة في اقتراف كل ما من شأنه إقلاق راحة المواطن، بقدر ما خلفته بعض السلوكات الأمنية المنافية لروح القانون التي رافقت هذه الحملات في مدن عدة من المغرب، من انطباعات سلبية. فظاهرة "التشرميل" أو "المشرملين" التي ظهرت مؤخرا كصور على صفحات الفيسبوك لمراهقين مجهولي الهوية و الملامح، في أوضاع مختلفة يستعرضون من خلالها أسلحة بيضاء تنوعت بين السكاكين الضخمة و السيوف الحادة، ما جعل مناظرهم تبدو أقرب إلى فرسان النينجا، بعضلاتهم و قصات شعرهم المثيرة. و هي الظاهرة الفيسبوكية التي أخذت اسمها من الوجبة الشعبية الشهيرة، و يبدو أن مبدعيها أرادوا تصوير ما يمكن أن يصير إليه وجه أو جسد من يسقط بين أيديهم، بعد أن تختلط ملامحه و أطرافه ببعضها ليتحول إلى أشبه بأكلة "التشرميلة" المغربية المختلطة الخضر. هذه الظاهرة و ما تنطوي عليه من سلوك إجرامي، لا تخفى خطورتها على أمن المجتمع و ما قد تقود إليه من تشجيع على اقتراف أفعال خارجة عن القانون. إلا أن الأمر لا ينبغي، بأي حال من الأحوال، أن يصل بالدولة هي الأخرى، إلى درجة خرق القانون و الاستهجان بالالتزامات التي وقع عليها المغرب و الملزمة بصون كرامة المواطن و احترام حريته و حقوقه.

فمواجهة هذه الظاهرة الإجرامية من طرف أجهزة الأمن بالوسائل المشروعة هو أمر محمود و مرغوب، بغاية نبيلة و هي الحفاظ على أمن المواطن. إلا أن ضرب القانون بعرض الحائط، و استغلال الحملة الأمنية في شن الاعتقالات العشوائية في صفوف القاصرين و المراهقين، و استباحة الحقوق الفردية للمواطن، يعتبر تجاوزا لا يمكن السكوت عنه، و لم يعد من الممكن تقبله. فبماذا إذن، يختلف "تشرميل" مراهقي الفيسبوك عن هذا ال"تشرميل" الذي تقوم به الدولة عبر أجهزتها الأمنية في حق أطفال و شبان قاصرين، لم يثبت تورطهم في أي عمل يعاقب عليه القانون، بل ذنبهم الوحيد أنهم أحبوا أن تكون لديهم قصات شعر مثيرة، و في أغلب الأحيان طويلة، و هي شيء طبيعي لشبان في مثل هذا العمر معرضين لتحولات فيزيولوجية و نفسانية و تغيرات في شخصياتهم تخلف في أغلب الأحيان انعكاسا على المظهر الخارجي. فالخروقات الأمنية التي أطلقت عليها الصحافة المغربية "حرب حلق الرؤوس"، لا يمكن قبولها تحت أي عذر من الأعذار. و لا يمكن إيجاد تفسير مقبول لحرب حلق الرؤوس هاته، التي تشنها السلطات الأمنية - ربما بأوامر من وزارة الداخلية- من خلال توقيفات عشوائية بالجملة لأطفال و مراهقين قاصرين لمجرد الشك في هوياتهم بسبب مظاهرهم الخارجية التي قد تبدو أحيانا أقرب إلى مظاهر شبان"التشرميل" أو "المشرملين" المتواجدة في صفحات الفيسبوك، ليتم حلق بقعة من فروة رأس كل من تم توقيفه من أصحاب هذه القصات بداخل سيارة الأمن من طرف رجال الشرطة أو أفراد القوات المساعدة، و ذلك قصد تشويه معالم تسريحة شعره ليضطر إلى حلقها عند الحلاق بعد إطلاق سراحه.

هذا الأسلوب الجديد في معالجة الظواهر الأمنية و الذي يذكرنا بحالات الاستثناء التي كانت تفرضها الداخلية في سنوات السبعينات و الثمانينات من القرن الماضي، لا يجد اليوم، مكانا له بين التصنيفات، غير تصنيفه في إطار أشكال التعذيب المحرمة دوليا؛ و هو ما يدخل في خانة التعذيب النفسي، فهي تمثل خرقا سافرا للقوانين المغربية و المعاهدات الدولية التي وقع عليها المغرب، و الملزمة له باحترام حقوق الأفراد و الحريات الفردية، و تمنع إخضاع أي فرد مهما كانت الظروف لأي سلوك مهين. خاصة، و أن الأمر هنا، يتعلق بقاصرين. و لنتخيل الوضعية النفسانية لهذا الطفل و هو محشور داخل سيارة شرطة من الحجم الكبير، محاط برجال أمن يخضعونه لعملية جز لفروة رأسه بآلة حلاقة مررت على عشرات الرؤوس، و ليس معلوما إن كان يتم تعقيمها بعد كل عملية جز، أم لا، و ما لمثل هذه السلوكيات المهينة من مخلفات سلبية على نفسانية هذا الطفل، و هو بالضبط ما أفصحت عنه تصريحات المراهقين ممن ادعوا تعرضهم لهذا الصنف من التعذيب النفسي على أيدي أمنيين داخل سيارات الشرطة، و التي استقتها بعض الجرائد الوطنية، و منها على سبيل المثال رواية الضحية، لصحيفة "الصباح"، الذي عبر بحرقة مؤلمة، عن حالته النفسية بعد أن فقد خصلة شعره الطويلة و التي قال عنها انه كان يفضل انتزاع قلبه على حلق خصلته التي ظل يحتفظ بها منذ طفولته و يعتني بها كل صباح. فهذا الخرق القانوني هو بمثابة اعتداء شنيع على الحقوق الفردية للأشخاص و منهم الأطفال، لأنه لا يستند لأي قانون، كما أنه ليس من حق رجل الأمن الإقدام على سلوك من هذا القبيل، و هو الذي ينحصر دوره في الحفاظ على الأمن العام بتطبيق القانون على من ثبت تورطه في فعل يدينه القانون وفقا للإجراءات المنصوص عليها رسميا، و لا يحق له المساس بأي شكل من الأشكال بكرامة الشخص الموقوف أو إلحاق أي أذى به، سواء كان هذا الأذى ماديا أو جسديا أو معنويا –بمعنى نفسيا-. فمن جهة إذا بحثنا في قانون الحريات العامة لن نجد ما من شأنه أن يثبت وجود توجه محدد فيما يخص المظهر الخارجي للأفراد، مثلما هو عليه الحال مثلا في كوريا الشمالية، التي يفرض فيها القانون صراحة، على المواطنين الذكور الالتزام بقصة شعر محددة وفق ضوابط و معايير، و هي القصة الرسمية و التي يظهر بها زعيم الدولة. و قانون الأخلاق العامة في المغرب أيضا، لا يمنع أي شخص كان، من اختيار الشكل المظهري الذي يحلو له أو يتماشى مع شخصيته في إطار ما حدده القانون.

إن الحكومة التي لا تنأى بنفسها عن التغني، في مناسبة أو بدون مناسبة، بحالة الاستقرار التي ينعم بها المغرب وما حققه من تقدم ديمقراطي يحسده عليه بعض جيرانه، هي اليوم مجبرة على الإجابة عما يحدث في الشارع العام من خروقات وتجاوزات أمنية في حق أبناء المغاربة، و إيجاد تفسير مقبول لهذا الوضع المرفوض، بعد المكتسبات التي تحققت في مجال الحقوق و الحريات و منها حقوق الطفل بفضل التضحيات النضالية للمغاربة؛ و يبقى الواجب الأخلاقي و المهني فارضا نفسه على السيدة وزيرة المرأة و الطفل و التضامن، للإدلاء بدلوها حول هذه النازلة التي أثارت الرأي العام و خلفت امتعاضا شديدا، و هو ما يدخل في صلب الدور المنوط بوزارتها، خاصة و أن المستهدف هي فئة اجتماعية تتمتع بوضعية حساسة، و هي فئة الأطفال و القاصرين. هذه التجاوزات، و إن لم يستطع أحد تحديد مجالها، إن كانت حالات منعزلة ناتجة عن قرارات فردية لمسؤولين أمنيين محليين، أم تعليمات قيادات مركزية؛ إلا أن الشيء الذي لا يختلف حوله اثنان، هو أن مثل هذه السلوكيات اللاقانونية، أنها لا شك، ستترك مخلفات وخيمة على نفسيات هؤلاء الأطفال لأن ما تعرضوا له سيلاحقهم بين أقرانهم و رفاقهم في الدراسة مثل العار و المهانة.

إعلان حالة الاستثناء التي تبيح لقوات الأمن النط فوق الضوابط الأمنية و القانونية، في صفوف المراهقين و القاصرين، لن يكون الحل لأزمة اجتماعية تعمقت بفعل غياب استراتيجيات أمنية و فشل سياسات حكومية اجتماعية على مدى عقود. لأن مشكلة الجريمة و الانحراف عموما في المغرب، لن يكون حلها ضمن مقاربة أمنية مرتجلة و متهورة في أكثر الأحيان استجابة لأوامر عليا، بشكل منعزل، فالوضع الاجتماعي المتأزم، و الذي زاد تفاقما في ظل السياسات الاجتماعية و الاقتصادية الفاشلة للحكومة الحالية، هذا الوضع هو نتيجة فشل دولة بأكملها، في إيجاد تصور شامل و أفقي لمستقبل مجتمع بكامله، يضمن وضع استراتيجيات و سياسات اجتماعية و تعليمية و اقتصادية ثم أمنية ناجعة و فعالة، يكون المجتمع المدني شريكا رئيسا فيها.

قبل ثلاث سنوات بادرت جهات معروفة إلى الاستعانة بخدمات، لبعض المنحرفين و أصحاب السوابق بمقابل مالي، لتشكيل جبهة احتجاجية ضد التظاهرات السلمية لحركة 20 فبراير التي أثبتت تفوقها على المظاهرات المدعومة من السلطات، حضاريا و تنظيميا، حينها كانت المتظاهرات و المتظاهرون السلميون يلاقون أفظع أصناف التنكيل و الاهانة في الشارع العام، بلغت حد إبراز بعض هؤلاء المنحرفين لأجهزتهم الذكورية في وجه المتظاهرات في صفوف 20 فبراير، كان كل ذلك يتم أمام أنظار و بمباركة رجال السلطة، و وقف رجال الأمن مجبرين تحت هدير الأوامر التراتبية، في الحياد السلبي جدا. اليوم، نكتشف رويدا رويدا، أخطاء الماضي، كل الماضي، بدءا من سنوات الجمر، مرورا بسنوات التمييع و البلقنة السياسية و ما أفرزته من نخبة سياسية فاسدة، و صولا إلى سنوات الضياع التي نعيش اليوم فصولها الرتيبة، بعد أن أضعنا وقتا طويلا و ثمينا و نحن ندور و ندور في حلقة مفرغة.








لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,238,425,196
- قضية فساد.. وزير المالية المغربي الأسبق صلاح الدين مزوار
- محاربة الفساد مع وقف التنفيذ، النموذج محاكمة مسرب وثيقة صلاح ...
- الدورة العشرون للمجلس الوطني للجامعة الوطنية للأندية السينما ...
- عودة باسم يوسف
- معانات الأفارقة غير الشرعيين بالمغرب
- وداعا مانديلا..
- بن كيران، كل شيء مباح في الحب و الحرب
- فاصل و نواصل، مع الشوط الحكومي الثاني
- لا تحزن يا علي، الفرق؛ أن الزنزانة عندك ضيقة، أما الزنازن عن ...
- أكباش فداء ما بعد العفو الملكي
- كيران و التحالف مع العفاريت
- بن كيران و التحالف مع العفاريت
- حتى لا تتكرر مأساة انتفاضة 1981
- المغرب: دستور جديد هو الحل


المزيد.....




- تركيا تمنع مراقبة الاتحاد الأوروبي لحظر الأسلحة المفروض من ا ...
- العفو الدولية تندد بمحاكمة المنامة 4 أطفال على خلفية سياسية ...
- الحوثيون يتهمون الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بالكيل بمكيالي ...
- فرنسا تعترف بتعذيب الزعيم الجزائري علي بومنجل بعد 64 عاما من ...
- وسط غضب إسرائيلي واعتراض أميركي.. الجنائية الدولية تعتزم فتح ...
- فرنسا تحظر جماعة -جيل الهوية- اليمينية المتطرفة المناهضة للم ...
- فرنسا تحظر جماعة -جيل الهوية- اليمينية المتطرفة المناهضة للم ...
- لحظة اعتقال منفذ الهجوم المسلح في فيتلاندا السويدية...صور + ...
- واشنطن: نعارض -بشدة- تحقيق -الجنائية الدولية- في جرائم حرب ب ...
- الخارجية الإسرائيلية تصف قرار المحكمة الجنائية الدولية بالمس ...


المزيد.....

- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي
- فراعنة فى الدنمارك / محيى الدين غريب
- منظمات «المجتمع المدني» المعاصر: بين العلم السياسي و«اللغة ا ... / جوزف عبدالله
- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - نبيل بكاني - -تشرميل- الدولة المغربية