أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سهير فوزات - بحيرة الحقيقة














المزيد.....

بحيرة الحقيقة


سهير فوزات

الحوار المتمدن-العدد: 4363 - 2014 / 2 / 12 - 20:59
المحور: الادب والفن
    


-ها هو الدرب الترابي المؤدي إلى البحيرة العجيبة اتبعاني
خاطبت السائحين المرافقين لي بلغة فرنسية, بينما كنت أمسك يد طفلتي ذات الثلاث سنوات وأخطو.
-تذكرا أن سفحَ التلة شديدُ الانحدار وأن الضفة المحاذية للبحيرة لا تتجاوزعرض نصف متر بطول عشرة أمتار قبل أن نصل إلى متسع من الشاطئ.
كثيرون هم من سقطوا في البحيرة قبل أن يصلوا ضفة الأمان... بعضهم اعتقد أن الأمر نذير شؤم وآخرون أخذوها على محمل الدعابة وتابعوا سباحةً إلى الشط الأقرب أو الأبعد.
مشينا في الدرب الملتف حول التلة بين الأشجار الكثيفة التي تطوق المكان وتحجب عنه الشمس ككتيبة من قوى حفظ السلام.
بدأنا نحن الثلاثة نحس ميول الأرض تحت أقدامنا يزداد كلما اقتربنا من البحيرة, ووبشكل طبيعي نميل أجسامنا في الاتجاه المعاكس لنتوازن.
فقط طفلتي كانت -ربما بحكم صغر قدميها- تمشي باتزان. كنت أمسك بها مسكًا خفيفًا من كتفيها كي لا أحجز حريتها وكي أحافظ على توازنها ...وربما -لا أدري- لأتوازن بها.
كانت هي مشغولةً بمراقبة الزهور وتفاصيل نباتات الدرب وكنت أنا مشغولة بالتوازن... أما السائحان فقد كانا يتعجبان من كل شيء, يتلفتان كثيرًا, وينظران إلى الأمام بلهفة.
خرجنا من بين الأشجار إلى ضفة البحيرة, ولازلنا على الدرب الأحادي الاتجاه حيث أصبحت التلة المشجرة على يميننا, والسماء الخريفية المزاج تضفي الكآبة على المكان. لمحت عن بعد منظرًا دب الرعب في أوصالي لكني لم أتبينه وهدّأت نفسي :
- أيكفي أن أكون سورية حتى تملأني الهواجس وكوابيس الأشلاء الخيالية؟!
كنت أعرف أن هذا المكان -ككل الأماكن السياحية في هذا البلد- مهمل من قبل الدولة وقد أصادف فيه ما يحرجني أمام سائحين استعانا بي عن طريق صديق مشترك بيننا لأكون دليلهما في رحلتهما السياحية السنوية التي حطت رحالها هذا العام في بلد الحضارات المتعاقبة والإرث البشري العتيق والتنوع البيئي والإنساني المثير.
وقد قررت البدء بهما من هنا, من بحيرة طبيعية في مدينتي الواقعة جنوب (سوريا) ,بحيرة توصف بجمالها وغناها البيئي ومناظرها المتفردة, وتُحبَك حولها الأساطير حتى ليطلق عليها اسم (بحيرة الحقيقة).
صرنا نلتف أكثر فأكثر وتنكشف أمامنا البحيرة, وبدأت الأمور تزداد سوءاً إذ صار المشهد يتضح... طفلتي مازالت مشغولة بتفاصيل الدرب وأنا أنظر يميناً ويسارًا علني أفهم ما أرى ...
كانت تنتشر في البحيرة أشلاءٌ بشرية, أيدٍ مقطوعة بمحاذاة أرجلٍ أو رؤوسٍ ملطخة بالدم المتخثر وعلى إحدى الصخور كانت هناك جثة مرمية وقد تجمدت صرخة مذعورة في وجه صاحبها والغريب أنه كان فيها أناس يسبحون بجانب الجثث غير مكترثين حتى أن أحدهم كان يتكئ بمرفقيه إلى الشاطئ ويدس جسده في الوحل... نعم! لم يكن ما في البحيرة ماءً بل وحلاً. هنا صار كل تفكيري ينحصر في حماية طفلتي من رؤية أي مشهد يرعبها ويشوه طفولتها.
وصرت أفكر كيف أهرب بها من هنا والطريق أحادي الاتجاه! فالعودة تعني أن أرمي السائحين- الأمانة- خلفي في وحل البحيرة والتقدم يعني المزيد من المفاجآت المرعبة.
أدرتها نحوي في حركة سريعة, لكن! يبدو أنها لمحت تلك الجثة على الصخرة فراحت تتملص من ذراعي وتسأل بصوت عال :
لمذا يصرخ ذلك الشخص ماما, أما رأيته ؟
ضممتها إلى صدري دون أن أجيب وبدأت أحاول تسلق التلة المنحدرة المزلقة بفعل الرطوبة وخلفي السائحان مذهولان بما يريان يلتقطان الصور ويتحادثان بصوت بين الفحيح والصراخ. لم أعد أفكر إلا في الهروب من هذا الكابوس بأقل دمار.
بعد جهد عظيم في التسلق بيد واحدة, وقدمين غير ثابتتين وحنجرة مخنوقة.
قطعت الأمتار القليلة رجوعاً وبقيت أعصر طفلتي ولا أجيب على أسئلتها الغزيرة. ثم حين تجاوزنا المحدر الضيق, ضممتها بكلتا يدي وركضت خارج الغابة نحو الصخور البازلتية الصلبة وأنا أحاول الابتعاد عن هذا المكان المرعب قدر المستطاع
هنا بدأت السماء تتلون وتقذف نيازك ودخاناً كثيفاً.
سمعت دوي رعد وضوء برق وبدأ الوحل بالهطول كثيفاً تمنيت للحظة أن أصحو من هذا الكابوس وأعود إلى مكان آمن لا أشلاء فيه ولا قصف ولا خيال...وتساءلت :
أتراني حقاً في كابوس أم فيلم ثلاثي البعد من إنتاج أميركي ...أم هذه نهاية الأرض التي تحدث عنها العلماء كثيرًا؟!
تمنيت حقًا أن تكون نهاية الأرض, رفقًاً بما تبقى من إنسانية في هذا العالم. ومع أني لست مؤمنة بالحياة الخالدة , لم أخش الجحيم ولا أشك أنه يمكن أن يكون أبشع من هذا.
رحت أنتحب بشدة أمام طفلتي التي بدأت تشاركني البكاء دون أن تفهم السبب...بقيت أنتحب طويلاً حتى غفوت على كتفها, أو...لا أدري ربما غبت عن الوعي. حين رن منبه الصباح ليدخلني في حلم الحياة الرتيبة الآمنة بعيداً عن الأشلاء والجثث والحقيقة المرعبة.



#سهير_فوزات (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة لن تنتهي
- قيس وليلى...والذئب


المزيد.....




- أموريم يحدد معضلة ميلان الفنية ويؤكد: تجاوزنا نشوة الفوز على ...
- اعتراف بجميع كتّاب القصة.. كريستينا فرنانديث كوباس تفوز بجائ ...
- كتاب -إمبراطورية الأكاذيب- لتشارلز غويِت.. تشريح حروب الدولة ...
- حوار مع الأديبة الشاعرة والمترجمة تغريد بومرعي
- توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا ...
- تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت ...
- السيسي يستقبل بطلة -تحدي القراءة العربي- ويمنحها نوط الامتيا ...
- إيمري بيلوز أوغلو يتولى القيادة الفنية لفناربخشه قبيل مواجهة ...
- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سهير فوزات - بحيرة الحقيقة