أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الحريبات - دجاجُ المُدُن














المزيد.....

دجاجُ المُدُن


محمد الحريبات

الحوار المتمدن-العدد: 4323 - 2014 / 1 / 1 - 20:32
المحور: الادب والفن
    


بين حياةِ الريف وصَخَب المدينة كُنتُ نشأت، في المدينة وقد تَقنّعت قناعَ الريفِ لتمسَحه لاحقاً عن بِكرة أبيه كنت نشأت، فرصةٌ لم تُتَح للكثير من سنّي أن يحيا عَيشَ الرّيفِ في وسط عاصمة الحجر والإسمنت والكراهية ، أذكُر جبلاً خصباً مزروعاً بالقمحِ، أدخله آكل من سبلاته في نزهةٍ بينها غالباً ما تطول، قِنُّ الدجاج وحرارةُ البيضِ صباحاً تحت الدجاج، حليبُ الماعزِ وملمس أثدائها وقد تعلّمت حَلبَها من تراتيلِ الجدّة، رائحة "الزِّبل"، بئرُ الماء ، قِفلُ الحظيرة، الجَدْيُ الشاميُّ ورائحته، أكياس التّبنِ والخبز المتيبّس، نبشُ الأرضِ، قطفُ الزيتون، رائحةُ الترابِ بعد السِقاية، صاجُ الخبزِ وطعم ورائحةُ أول الخبيز، نفخُ الخِراف عُقب الذبح تمهيداً لسلخها أثرَتني به تراتيل الأب ، "المنسف" المنزلي الصُنع بالكامل عدا الأرز ، مُطرّزات الأم من وسائدَ وأثواب، طعمُ السّمن البلدي ، كأسُ اللبنِ البارد صيفاً والحليب الساخن شتاءاً ، " جَعجولُ "  الجميد ، الزُبدة والرغيف الساخن ، " الإلبة "- حليب الماعز بعد ولادتها مباشرة - ،، كلّ هذا وأكثر عايشتُه وكوّنت تجربتي الخاصة مع كلّ شيءٍ فيه وفي كلّ ثناياه ، محضُ ذكرياتٍ وبائسٍ إستيقظ باكراً ليكتُب بنهمٍ عن حنينهِ لريفه هي كلّ ما بقيَ منذ زمنٍ بعد زيارة الآلاتِ والإسمنتِ وسياساِت أسمتةِ الريفِ وكلّ ما يرتبط به.

جبلُ القمحِ أصبح أراضٍ مجرّفة تملؤه مكعباتٌ إسمنتية ذاتُ نوافذ يقطنها بنو البشر، قطيع الأغنام تبدّد بالتأكيد دون مرعىً ودون جبل السبلات الذي مات قبله، وأُغلقَ للأبدِ بابُ القِنِّ والحظيرة، وأشجار الزيتون تجرّفت وما بقي منها مات حُزناً على أخواته، شيئاً فشيئاً مُسِحَت تفاصيلُ حياة ريفيٍّ داخل المدينة.

أخالهم نجحوا في تدجيني وتحويلي من ريفيٍّ إلى دجاجةٍ في سجن المدينة، شأنه شأنُ كلّ دجاج المُدُنِ الذي دَخل معيشة المدينة ووظيفتها التأديبية، وإستأنف حياتَه كما تشكّلت من جديدٍ بدون أيّ إنفعال، وهذا السّجن ما هو إلا دَوْرُ راحةٍ وهدوءٍ ونظامٍ ووظيفة، لكن يملؤه الإسمنت والكربون، وإن كانَ من بَوحٍ فإنّي أنا السجينُ الدجاجة في هذه المدينةِ المُغلقةِ الضيقةِ لأشعر بالحنين الجارف للحرّية من رتابة الوظيفة وروتين دجاجِها، وأتوقُ العودةَ لقِنّي الذي صُنِعَ من بقايا فرنٍ عربيٍّ إنتهى أجله، ولمشربي أيضاً تلك نصف "التنكة" في الزاوية، ولرائحة كلّ شيء إلا هواءَ المدينة ، ولكلّ الدجاج من جنسي إلا دجاج المدينة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أرض منكوبة وعامٌ جديد
- الأسرى الأردنيين الطريق من الكيان إلى عمّان


المزيد.....




- ترمب ينوي إحياء حفل الاستقلال بعد انسحاب فنانين: أنا أشهر من ...
- فنانون في حديقة الحيوانات هذه يحوّلون النفايات إلى منحوتات ف ...
- وزير الثقافة اللبناني: مدينة صور تواجه خطرا يهدد إرثها العال ...
- من الرحلة إلى المجاورة.. كيف صانت التراجم المغربية ذاكرة بيت ...
- قصة حب شبيهة بالأفلام.. كيف غيرت رحلة على متن طائرة حياة هذا ...
- المتنبي الخفي.. كيف تصنع الثقافة سوقا موازية وسط بغداد؟
- شاهد.. فنان يحوّل أقدم جسر في باريس إلى كهفٍ هوائيٍّ ضخم
- من مقاومة النازية إلى التضامن مع فلسطين ونقد الحداثة.. رحيل ...
- -لم نكن نعرف-.. لماذا تتوالى انسحابات الفنانين من احتفالات أ ...
- -في أصول الفقه السياسي-.. كتاب يكشف مواطن القوة والضعف في مش ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الحريبات - دجاجُ المُدُن