أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد عادل زكى - المختصر فى تاريخ الشيعة الفرس القديم والمعاصر















المزيد.....



المختصر فى تاريخ الشيعة الفرس القديم والمعاصر


محمد عادل زكى

الحوار المتمدن-العدد: 4271 - 2013 / 11 / 10 - 22:58
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


المختصر فى تاريخ الشيعة الفرس القديم والمعاصر
1- بلاد فارس
إيران، أو بلاد فارس، هى بلا ريب من البلدان العريقة، وحضارتها من أقدم الحضارات على وجه الأرض، بل أن الفرس ينسبون أول نسلهم إلى آدم، عليه السلام، وقد ذكر المسعودى:" ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى فى كتابه فى ((أخبار الفرس)) الذى رواه عن عمر كسرى أن الفرس طبقات أربع ممن سلف وخلف: فالطبقة الأولى: من كيومرث إلى كرساب، والطبقة الثانية: من كيان بن كيقباذ إلى الإسكندر، وآخرهم دارا، والطبقة الثالثة: وهم الأشغانية ملوك الطوائف، والطبقة الرابعة: سماهم ملوك الاجتماع، وهم الساسانية". ويذكر الفردوسى، فى الشهنامة:" أول من مَلك العالم جيومرت، وكان الله قد سخر له جميع الجن والإنس، وخصه من عنايته بمزيد من القوة والشهامة، وروعة الجلالة وبهاء المنظر، وهو أول من لبس جلود السباع، وكان كل يوم يحضر الجن والإنس ببابه ويصطفون صفوفاً على رسم الخدمة له". ولدى ابن خلدون، فى تاريخه:"أن علماء الفرس يرون أول النسب هو كيومرث (الذى هو أدم أول الخليقة) وأن طبقات الفرس أربع: الأولى: البشدانية، والثانية: الكينية: لأن إسم كل واحد مضاف إلى كى، والمضاف عند العجم متأخر عن المضاف إليه. والثالثة: الاشكانية: يعرفون بالاشكانية، وكافها أقرب إلى الغين، من ولد اشكان بن دارا الأكبر، كانوا من أعظم ملوك الطوائف. ويحكى ابن خلدون قصة ما أشار به أرسطوطاليس على الإسكندر من تشتيت طوائف الفرس. أما الطبقة الرابعة: الساسانية. ويذكر أبو بكر الدوادارى أول طبقة من ملوك الفرس هم الفيشدادية، وأولهم كيومرث. والطبقة الثانية: الكيسانية، وأولهم كيقباد. والطبقة الثالثة: وأول ملوكها الإسكندر ذو القرنين. والطبقة الرابعة الساسانية: وأولهم أردشير بن بابك.
والقلقشندى يُلخص تاريخ الفرس، قبل الإسلام وبعده، ويذكر طبقاتهم وفقاً لما أستقر لدى المؤرخين، فيذهب إلى أن طبقات الفرس قبل الإسلام كانت على النحو التالى: الطبقة الأولى: الفيشدادية: سموا بذلك لأنه كان يقال لكل ملك منهم فيشداد، ومعناه سيرة العدل، أولهم أوشهنج، وآخرهم كرشاسف. والطبقة الثانية: الكيانية: سُموا بذلك لأن فى أول اسم كل واحد منهم لفظة كى، ومعناه الروحانى وقيل الجبار، أولهم كيقباذ. والطبقة الثالثة: الاشغانية: أولهم اشغان بن اشغان، وآخرهم اردوان الأصغر. والطبقة الرابعة: الأكاسرة، أولهم أردشير بن بابك وآخرهم يزدجرد، أما بعد الإسلام فكانت طبقاتهم كالأتى: الطبقة الأولى: عملاء الخلفاء، الطبقة الثانية: خلفاء بنى العباس، الطبقة الثالثة: ملوكهم من بنى جنكيز خان، أولهم هولاكو، وآخرهم أبو سعيد بن خدابندا.
معنى ذلك أن أى محاولة لتلخيص تاريخ إيران، وتجريده منهجياً، لن تكون علمية، مهما إدعت لنفسها تلك الصفة، إلا أن تكون واعية بأن البحث فى التكوين الاجتماعى الإيرانى يبدأ من حيث عصور سحيقة موغلة فى القدم، على أقل تقدير 2000سنة قبل ميلاد المسيح، عليه السلام، إذ نشأ فى تلك الحقبة، فى العالم القديم، شعب لم يعره، آنذاك، أحد قبلاً كبير اهتمام، وينتمى هذا الشعب إلى الأرومة الهندو-أوروبية، وكان قد استقر فى الألف الثانى قبل الميلاد فى جهات هضبة إيران الغربية، وجاوره جنوباً السوزيون الذين كانوا قد اقتبسوا حياة سكان بلاد الرافدين منذ زمن قديم، ولكن فصلت سلسلة جبال زاجروس بين هذا الشعب وبلاد ما بين النهرين، وحالف هؤلاء البابليين واسهموا، بقيادة الماديين، بالاستيلاء على نينوى وتدميرها، وقد نالوا مناطق بلاد الرافدين العليا عندما قسمت الإمبراطورية الأشورية. ولم يكفهم هذا. وكان عليهم أن ينتظروا أكثر من ستين عاماً ليظهروا قوتهم الحقيقية دون حاجة إلى حلفاء. وفى هذه الأثناء إنتقلت القيادة إلى الفرس الذين حققوا غرباً فتوحات ساحقة: فاستولى كوروش أول ملك من السلالة الأخمينية، على إقليم ليديا ثم بابل، واخضع ابنه قمبيز مصر والقيروان، وغدا الملك الثالث داريوس الأول سيد الجزر فى بحر إيجه، وأثر غزوة بعد أخرى دانت لهم هضبة ايران حتى تركستان ونهر الهندوس.
2- التفاعل الحضارى
ولقد تأثرت الحضارة الفارسية بالحضارات الشرقية العظيمة، ونهلت منها الكثير، وجعلت الفتوحات الكبرى من الفرس ورثة أعظم الإمبراطوريات القديمة، ومع أن هذه الحضارات كانت أشرفت على المغيب فإنها تركت تقاليد ونظم وشرائع باهرة حقاً. فلقد رأى الفرس أن مدينة بابل كانت مدينة عظيمة مهيبة حولها أسوارها الضخمة التى أقامها نبوخذ نصر، والتى كانت تمتد من النهر إلى النهر. كما شاهدوا مبانيها الهائلة التى يراها الناس من مسافة بعيدة فى السهل البابلى. وكانت هذه المدينة المركز التجارى الأول فى غرب آسيا، وكانت أعظم سوق عرفه الشرق القديم.
أما على ضفاف النيل فقد حكم الأباطرة الفرس المدن الرائعة التى تزخر بالآثار العظيمة ، ولا شك فى أن تلك الحياة المتحضرة التى رآها الفرس على ضفاف النيل وما رأوه على ضفاف الفرات كان لها أثر كبير عليهم فيما بعد، حينما شرعوا فى تأسيس إمبراطوريتهم. فلم يتوقف الأمر عند حد التأثر بشرائع الشرق ومعماره وتحضره، وإنما كانت اللغة الأرامية، وهى اللغة التى كان يتكلم بها التجار الأراميون الذين كانوا يملأون الأسواق البابلية، قد أصبحت فى ذلك الوقت لغة الهلال الخصيب بأسره. وكانت الوثائق التجارية تكتب بالأرامية بالقلم والمداد على أوراق من البردى ولهذا رأى الموظفون الفرس أنهم مضطرون لتأدية أعمالهم الحكومية، مثل جمع الضرائب، باللغة الأرامية فى جميع أنحاء النصف الغربى للإمبراطورية الفارسية، وكانوا يبعثون برسائلهم الحكومية إلى بلاد النيل وغرب آسيا الصغرى باللغة الأرامية، لأنها كانت اللغة العالمية فى جميع الأعمال الخاصة بالتجارة والإدارة.
وإذ يظل هذا التفاعل الحضارى فى إطار من حروب مستعرة وفتوحات لا حد لها، يأتى الإسلام برسالته العالمية، ولم يكن العرب والفرس، قبل الإسلام، غرباء عن بعضهم البعض، وإنما عرف الفرس العرب عن طريق العلاقات التجارية تارة، وعن طريق رد غارات العرب عن أرضهم تارات أخرى، إذ يقول أبو جعفر بن جرير الطبرى:" وكانت بلاد العرب أدنى من البلاد إلى فارس، وكانوا من أحوج الأمم إلى تناول شىء من معايشهم وبلادهم، لسوء حالهم وشظف عيشهم، فسار جمع عظيم منهم فى البحر من ناحية بلاد عبد القيس والبحرين وكاظمة، حتى أناخوا على أرشهر وسواحل أردشير وأسياف فارس، وغلبوا أهلها على مواشيهم وحروثهم ومعايشهم، وأكثروا الفساد فى تلك البلاد..."
ولكن، بعد الإسلام، لم يكن مبتغى العرب النهب أو السرقة هذه المرة، كما لم يكن هجومهم موزعاً بين الإقدام والإحجام، الإقدام يؤججه العوز، والإحجام تقويه الرهبة من هذه الحضارة المهابة، التى تتنافس على بسط الهيمنة على العالم القديم بأسره مع قوة لا تقل قوة ونفوذا ومَهابة. إنها حضارة الروم. نقول أن هذه المرة كان الهدف هو نشر الإسلام وتوصيل دين الله إلى العالم القديم وبسط سلطان العقيدة الإسلامية العالمية على جميع ممالك وإمبراطوريات العالم الضال أو المشرك أو الكافر. ولم تكن الرهبة من تلك الإمبراطورية تُذكر بجوار التطلع إلى نشر دين الله أو الشهادة فى سبيل رفعة هذا الدين. ومن هنا إنطلق المسلمون الأوائل بحماس شديد إلى جميع الإتجاهات شرقاً وغرباً وشمالأ وجنوباً، هدفهم نشر الإسلام والتمكين لدين الله فى الأرض. فوصل نفوذ الخلافة الراشدة إلى أقاصى الصين شرقاً، وشمال أفريقية غرباً. وفى تلك الحقبة التاريخية إختفى إسم إيران، كى يحل محله دار الإسلام، وكان للفرس مكانة لا تقل عن مكانة العرب أو الروم ممن أسلموا، وعلى سبيل المثال نجد سلمان الفارسى، والذى كان صاحب مكانة لدى النبى محمد صلى الله عليه وسلم. وعاش الفرس فى كنف الدولة الإسلامية الأولى، وإندمجوا فى النسيج الاجتماعى الذى أعاد صوغه دين سماوى عالمى يسوى بين الناس أجمعين. ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى. وكان للرقيق والموالى الدور الكبير فى عملية المزج بين العرب والفرس، فالكثير من أسرى الفرس، نساء ورجالاً، وزعوا غنائمهم على المجاهدين العرب وغيرهم. وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية. وهكذا انتشر الرقيق والموالى فى المجتمع العربى، بحيث لم يعد بيت من بيوت العرب يخلو من بعضهم. وكان أن شهد الجيل الأول، فى صدر الإسلام، إنجاب أبناء يجمعون بين الدماء العربية من جهة الأب والدماء العجمية، ومنها الفارسية، من جهة الأم، ولسوف يقوم هذا الجيل بدور خطير فى عملية المزج بين العرب وغيرهم.
ومهما يكن من أمر، فإنه منذ فجر الدولة الإسلامية غدت بلاد الحجاز ملتقى المسلمين الوافدين من قريب أو بعيد إما لأداء فريضة الحج أو لطلب العلم والتفقه فى الدين بعد أن أمست المدينة عاصمة الدولة الإسلامية، مركز الخلافة. وأدى هذا الإختلاط بين مختلف الأجناس والقوميات واللغات تحت مظلة الإسلام، إلى تداخل العادات والتقاليد والتيارات الحضارية، أحكام الفرس بأحكام الشريعة الإسلامية، التى هى فى مرحلة التكون، ببعض عادات وتقاليد العرب التى لا تتعارض مع روح الدين. وتأثرت نظم الحكم والإدارة فى الدولة العربية الوليدة بما كان سائداً عند الفرس من أوضاع. ولذا فإن الوضع فى هذه الحالة، كما يقول د. سعيد عاشور، لم يكن تأثر المغلوب بحضارة الغالب، وإنما محاكاة المتخلف لمن هو أرقى منه فى المستوى الحضارى، ولكنه يقول أيضاً أن التاريخ لا يُنظر إليه من وجه واحد. ولذا تنبغى الإشارة إلى أنه إذا كان الفرس قد انتصروا فى مجال الحضارة ونظم الإدارة والحكم. ومجال العلوم والفنون. فإن العرب انتصروا فى مجالين عظيمين هما اللغة والدين. ذلك أن اللغة العربية صمدت لتصبح أداة الحضارة الإسلامية الجديدة فى شتى ميادينها. فى حين اكتسح تيار الإسلام الديانات التى كانت سائدة فى بلاد فارس، كالزارادشتية والمانوية والمزدكية.
3- الدولة الأموية كإمبراطورية عالمية
وبعد عصر الخلافة الراشدة، فلم يكن القرن الثامن الميلادى لينتصف دون أن يُنظر إلى دولة الخلافة الأموية كإمبراطورية عالمية مهيمنة تَبسط نفوذها على قلب العالم وأطرافه المترامية، وتمد سلطانها إلى حدود بلاد وأمصار تبعد عشرات الأيام وآلاف الأميال عن عاصمة الخلافة فى دمشق، فلقد بلغ نفوذ هذه الإمبراطورية حدود كل من بلاد الغال وبلاد الفرس ووسط أسيا وشمال الهند.
وفى خِضم هذا التوسع العالمى أخذت فى التشكل تركيبة طبقية تقوم بالأساس على السياسة الاستبعادية لكُل مَن هو غير أموى عن المناصب الهامة، وبصفة خاصة جنرالات الجيش والقادة السياسيين والقائمين على أمور مؤسسات نظام الحُكم فى الدولة، إذ كانت تلك المواقع بالذات قاصر شغلها على مَن هو أموى فقط، ويليهم باقى الرعايا من المسلمين الأجانب الذين صاروا فى وضعية طبقية متدنية، ومنهم الفرس، وبصفة خاصة بعد أن إتسعت أراضى الإمبراطورية كى تشغل مساحة شاسعة قدرها 13 مليون كيلو متر مربع، وتضم نحو 90 مليون مواطن ينتمون إلى أجناس شتى وأعراق متعددة وديانات مختلفة، وهو الأمر الذى أدى إلى إتخاذ الحكم النخبوى على يد الصفوة فى دمشق أشكالاً أكثر تطرفاً هدفها قمع أى محاولة من قِبل هؤلاء الموالى، المسلمين الأجانب وبصفة خاصة الفرس، لبسط سلطانهم أو إظهار قوتهم. وهو الأمر الذى قاد بدوره إلى إزدياد الاستقطاب الاجتماعى، وهو كذلك ما سوف يستغله الخصم التاريخى المتربص، آنذاك، والذى يسعى إلى إسقاط دمشق، عاصمة الخلافة، بأى وسيلة كانت بغض البصر عن مدى شرعية هذه الوسيلة.
فمن جهة أولى، وجد العباسيون، كخصوم تاريخيين للبيت الأموى، أن الواقع الاجتماعى قد صار مهيّئاً تماماً لإسقاط النظام الحاكم فى دمشق وإستبداله بنظام حُكم جديد يستمد نفوذه الروحى من علاقة القرابة الحميمية التى تمتد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، مِن جهة عمه العباس.
ومن جهة ثانية، فقد كان للموالى من الفرس، بقيادة إبى مسلم الخرسانى، الدور الحاسم بعد أن أعلن العباسيون التحالف معهم والدخول فى إتفاقيات تقسيم للسلطة والثروة فيما بينهم. بعد أن تدنى وضع الفرس على الصعيد الاجتماعى والسياسى، وراحو يتطلعون إلى مجدهم القديم، وحضارتهم التى هدمها المسلمون.
وفى ظل هذا الإرتباك وتلك الفوضى، وفى الوقت نفسه الذى تأهب فيه البيت العباسى كى ينقض البيت الأموى؛ فقد أعلنت الإمارات الشمالية وهى الأجزاء التابعة للدولة الأموية فى شمال إفريقيا وفى الأندلس إستقلالها عن دمشق؛ إيذاناً بعصر جديد تتحدد معالمه التاريخية من خلال الصراع الدامى بين ملوك الطوائف والمرابطين والموحدين. وغيرهم من القوى الاجتماعية المعززَة بقوة السلاح؛ إبتداءً من المغرب الأقصى مروراً بقرطبة وأرض الأندلس وإنتهاءً بحدود دولة شارلمان والإمبراطورية الكارولينجية.
وإن هذا التفكك، الذى أصاب الدولة الأموية، لم يكن بين عشية وضحاها؛ وإنما هو نِتاج تاريخ طويل من الصراع على السلطة والنفوذ بين أكبر فصيلين متخاصمين بعد وفاة النبى مُحمد صلى الله عليه وسلم، البيت الأموى والبيت العباسى، وعلى ضفاف نهر "الزاب" أحد روافد نهر دجلة حقق العباسيون، بمساعدة الفرس، نصراً كاسحاً على الأمويين، إلا أن العباسيين لم يبتهجوا كثيراً بهذا الإنتصار، إذ لم يزل أمامهم مهمة أكبر بكثير من مجرد الإنتصار فى موقعة حربية، الأمر الذى جعل بنى العباس يُفكرون، وإنما بذهنية فارسية، فى إنهاء تلك المهمة فى أسرع وقت ومرة واحدة دون توابع. وكانت المهمة تتلخص، ببساطة، فى مسح الدولة الاموية مِن على خريطة العالم وإبادة جميع أهل البيت الأموى؛ ولأجل ذلك قاموا، العباسيون، بتوجيه دعوة إلى جميع أفراد البيت الأموى بغية التصالح فيما بينهم والتفكير معاً فى مستقبل الإمبرطورية المترامية الأطراف، ولم يجد أهل البيت الأموى، المهزوم، إلا تلبية الدعوة على الرغم مما كان يُخالجهم من شكوك فى نوايا أعدائهم التاريخيين!!
وحينما إطمئن العباسيون إلى أن أفراد البيت الأموى جميعاً صاروا بداخل القصر تلبية للدعوة، فقد قرروا تنفيذ المهمة الأخيرة؛ فغلّقوا الأبواب وأصدروا الأوامر بإبادة البيت الأموى عن بكرة إبيه، ولم تستغرق مهمة فصل رقاب أفراد البيت الأموى عن أجسادهم وقتاً طويلاً، ما أن إنتهت حتى أعلن العباسيون إقامة دولتهم الجديدة على أنقاض البيت الأموى الذى تم تدميره منذ قليل، وكان من لوازم تدشين دولة الخلافة الجديدة إتخاذ عاصمة جديدة بدلاً من دمشق؛ وبالفعل وقع إختيار المنصور، وهو الخليفة الجديد، على بغداد كى يُعلِن منها بداية عصر، ولمدة 500 عام، من أعظم عصور البشرية، وعلى الرغم من التاريخ الدموى البشع بالمقاييس كافة، فقد وُلِدت، فيما بعد، حضارة مثّلت لحظات تنبيه وإستيفاق فى تاريخ الإنسانية.
وفى غمرة إنشغال بنى العباس بإزهاق أرواح بنى أمية، فى مذبحة قصر الخلافة فى دمشق؛ فقد تمكنَ من الهربِ فتيان صغيران أحدهما يُدعى عبد الرحمن، والآخر يُدعى يحيى، ومعهما تابعهما ويُدعى بدراً، وهو من أصحاب الأدوار التاريخية فى حياة عبد الرحمن، إذ مَثلَ بدر هذا بمفرده كتيبة إستطلاع لمجريات الأمور المرتَبكة فى الأندلس، وكان بمثابة عين الأمير القادم: عبد الرحمن. أنه عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك.
أخذ الفارون من مذبحة دمشق طريقهم نحو الشمال بإتجاه شمال أفريقية، إلا أن المرور بأرض فلسطين فرضَ على الفارين الثمن الفادح من حياة يحيى، إذ تمكن العباسيون منه فقتلوة، ونجح عبد الرحمن الداخل وتابعه فى الهروب مرة ثانية، وقد قررا إستكمال رحلتهما إلى المجهول نحو الشمال؛ أملاً فى حماية أمراء الشمال، بيد أن الامراء فى شمال أفريقية والذين كانوا يدينون بالولاء للأمويين قد وجدوا، كما ذكرنا منذ قليل، فى حالة الفوضى السائدة فى أرجاء دولة الخلافة فرصة عظيمة كى يَنفَصلوا بإماراتهم ويُعلنوها ممالكاً مستقلة عن دولة الخلافة. بل وكاد عبد الرحمن ذاته أن يَلحق بأخيه يحيى فى عالم الأموات؛ على أرض شمال أفريقية نفسها!
وإذ يخدم الحظ عبد الرحمن مرة فى دمشق، ومرة أخرى على أرض شمال أفريقية، ويَنجو من القتل فى المرتين؛ فإن الحظ يُقدِم له كذلك خدمة أجلّ وإنما فى الأندلس هذه المرة، فلقد كانت الأرض مهيأة هناك أيضاً لحدوث إنقلاب سياسى شامل، طبقاً لإستطلاع "بدر" الذى أخبر به عبد الرحمن؛ فحاكم الأندلس يوسف الفهرى، وبعد أن أعلن تحالفه مع قبيلة القيسية أحد قبائل الشمال العربية، إتبع، هو الآخر، سياسة الاستبعاد لكُل مَن هو يمنى، إذ قام بإقصاء اليمنيين جميعهم والذى تمكنوا من أن يُكونوا طبقة من كبار ملاك الأراضى، وهى الأراضى التى تملكوها مكافأة لهم من طارق بن زياد، على دورهم الرئيسى والحاسم فى إخضاع البلاد المفتوحة وعلى رأسها الأندلس، إلا أن سياسة الاقصاء كانت هى السياسة العامة المتَبعة من قِبل تحالف الفهرى/القيسية. وهو الأمر الذى أججَ الواقع الاجتماعى وأَلهب الصراع بين القوى الاجتماعية، وهى القوى المتناحرة بالأساس.
ولقد وجد عبد الرحمن، الذى دعاه أتباعه بالأمير، الفرصة سانحة كى يُبحر، برفقة المتمردين عبر مضيق جبل طارق إلى الأندلس فى أواسط القرن الثامن الميلادى، وبينما هم يمضون نحو الشمال إنضم إلى صفوفهم الألاف من الأندلسيين الساخطين.
4- العصر الذهبى وهيمنة الفرس
وفى عام 756م يلتقى جيش الأمير، فى معركة حاسمة خارج قرطبة، جيش يوسف الفهرى/القيسية، ويهزم جيش الأمير جيش الفهرى، ويُعلِن إستعادة الحكم الأموى، وليس ذلك فحسب وإنما ليُعلِن أيضاً عن قيام كيان علمى ومعرفى مؤسسى موازى لبغداد، فى الغرب. كيان لا يَقل فى عبقريتهِ وعظمتهِ عن نظيره فى الشرق الواقع تحت سيطرة بنى العباس. ففى نفس الوقت على بعد 2300 ميل من قرطبة بزغ العصر الذهبى للمسلمين فى بغداد والتى جاء إليها العلماء والمفكرون من مختلف بقاع العالم فى شتى مجالات العِلم والمعرفة بعد أن أعلن الخليفة المأمون الذى تتلمذ على يد المعتزلة وهم الفرقة التى كانت أفكارهم، المقدِمة للعقل على النقل، تُدعم نوع الدولة(ومن ثم نوع الدين) الذى يرغب المأمون فى بنائها، فقد أعلن المأمــون أن لا حدود للعِلم ولا نهائيـــــة فى المعرفة، ولا محظور فى البحث عن الحقيقة وأن الدولة تدعم بلا حساب كل مبدع وكل مفكر يقتحم أسوار المجهول ويسعى لفك طلاسم العلوم، وأختراق أسرار الكون والكشف عنها، أو ينقل إبداعات العالم القديم إلى لغة العرب، وينهض بشرحها. ومع قدوم القرن العاشر شهد التنظيم الاجتماعى فى شمال أفريقيا والأندلس نموذجاً جديداً أفرزه الصراع الاجتماعى بين العديد من الفصائل المتناحرة، إذ ظهرَ التنظيمُ الاجتماعى المبنى على الطوائف. وفى ظل الصراع التاريخى ما بين البيت العباسى والبيت الأموى ظهرت دولة "الأغالبة" (800 – 909 م) فى شمال أفريقية، وقد أعلنت نفسها دولة مستقلة فى مواجهة كل من البيتين العباسى والأموى، على الرغم من أن الظهور الأول للأغالبة كان بمساندة مؤسسية من النظام الحاكم فى بغداد، كى تكون بمثابة الدرع الواقى من هجمات الدويلاتِ الأخرى التى أعلنت إستقلالها عقب إنهيار الدولة الأموية، وكان على رأس تلك الدويلات المستقلة دولة "الأدارسة" الشيعية التى كانت تكن كُل العداوة لبنى العباس، وكانت تُمثل خطراً حقيقياً على الخلافة فى بغداد.
وإن كان الفرس قد إستطاعوا بسط سلطانهم على الدولة العباسية فى عصرها الأول، فلقد تبدل الحال فى العصر العباسى الثانى، فحينما خلف الخليفة المعتصم، وكانت أمه تركية، أخاه المأمون قرر اتباع سياسة جديدة، واتجه نحو الاستعانة بالترك واقصاء العرب والفرس، وبعد وفاة المعتصم (842م) بدأ العصر العباسى الثانى مع الخليفة المتوكل، ولكن الفرس لم يستكينوا لسياسة الاقصاء(26)، واستطاعوا انشاء كيانات سياسية أقوى من دولة الخلافة نفسها، فأقاموا الدولة الطاهرية فى خرسان، والدولة الصفارية فى فارس، والدولة السامانية فى فارس وبلاد ما بين النهرين، والدولة الزيارية فى جرجان، أما بنو بويه، الذي كان ابتداء سلطانهم من شيراز، فقد تمكنوا من الاستيلاء على فارس والعراق(27). فى الوقت نفسه الذى وهنت فيه الخلافة، وتفتت العرب، حتى لم يكن لهم سوى بعض الإمارات الصغيرة مثل إمارة الموصل وحلب التى أقامها الحمدانيين. ولم يجد الخليفة، القائم بأمر الله، سوى الإستعانة بالأتراك السلاجقة للقضاء على نفوذ الفرس المتنامى، وبالفعل لم يمكن الأتراك السلاجقة من إعلان زوال سيادة الفرس فحسب، وإنما العرب أيضاً، وحينئذ لم يقم الأترك بدور الوصى على الخلافة العباسية فحسب، وإنما بدور حماة الإسلام من الخطر الصليبى الذى كان على أبواب الشرق الإسلامى فى القرن الحادى عشر الميلادى. وهو الخطر الذى سوف يتولى المماليك القضاء عليه نهائياً من سواحل بلاد الشام.
5- تأسيس دولة التتار فى إيران
وحينما إجتاح المغول الشرق الأوسط فى القرن الثالث عشر(28)، وتمكن المماليك من الإنتصار عليهم، بركائز شرعية غرسها شيخ الإسلام ابن تيمية(29)، وأكدوا سلطانهم على مصر والشام، تراجع المغول إلى فارس، وقد قرروا تكوين دولتهم فى إيران(1264-1336م) وهنا يتعين أن نلاحظ حدثين مهمين: أولهما: اتخاذ الأسرة المغولية الحاكمة فى إيران للإسلام على مذهب أهل السنة ديناً للدولة بعد مضى ثلاثين عاماً على تأسيس مملكتهم بإيران، فى محاولة منهم إلى الالتحام مع النسيج الاجتماعى المسلم الذى كان يراهم عبدة أوثان كفرة، وربما كمحاولة أخرى كى يقدموا أنفسهم كبديل أفضل بالمقارنة مع حكام مصر والشام الذين كانوا مماليك أرقاء . ثانيهما: تحولهم إلى المذهب الشيعى الإثنى عشرى(30) بعد مضى خمسة عشر عاماً على الخطوة السالفة الذكر. وذلك كى لا يعترفوا بالقاهرة، التى يحكمها المماليك، مركزاً لدار الإسلام، ومن ثم يصيروا، ولو شكلياً، خاضعين للماليك الذين يستطيعون أن يحددوا للخليفة، وهو فى أيديهم، بمن يعترف، وطبيعة الإعتراف، وطبيعة وحدود الألقاب الممنوحة. فمعنى أن المغول لم يستطيعوا إزالة المماليك، فإن الأيديولوجيا السنية التى يمسك المماليك بزمامها لم تعد فى صالحهم، فاقتضى الأمر تغييراً جذرياً سريعاً، فكان التشيع على المذهب الإمامى، وذلك فى عهد أولجاتيو (1304-1316م) ولا شك فى أن تحدر المغول من جنكيز خان، وإحساسهم بأن أسرة جنكيز خان هى صاحبة الحق فى السيطرة على العالم؛ سهل عليهم فهم الأيديولوجيا الشيعية التى تحصر الحق فى السلطة فى الأئمة من آل البيت لذا فإن إنتقال سلاطين المغول من التسنن إلى التشيع، كان يحل مشكلة أيديولوجية لديهم تتعلق بهويتهم(31)، ودورهم الجديد فى دار الإسلام. فقد صار بوسع السلاطين المغول عندما تشيعوا الإدعاء أنهم إنما ينفذون إرادة الله وخطته اللتين تعطلتا عبر التاريخ بسبب السيطرة السياسية لأهل السنة. وهكذا فإن كل السلطات الإسلامية حتى أيامهم هى غير شرعية لأنها أكلت حق الأئمة أو سكتت عن انتهاك هذا الحق. وبمقتضى هذه الرؤية يكون كل الخلفاء السابقين؛ بل والمماليك أيضاً؛ مغتصبين للسلطة والسلطان.
وحينما تمرض دولة المماليك، وتمزق على يد العثمانيين كقوة عسكرية، يظهر إسماعيل الصفوى، ويشرع فى مراسلة ملوك الفرنجة، الذين لم يفقدوا الأول فى بيت المقدس، عارضاً عليهم اقتسام الشرق إذ ما ساعدوه، ولكن السلطان سليم الأول تنبه إلى ذلك، وألحق بالصفويين هزيمة ساحقة فى جالديران 1514. ولم تكن تلك الهزيمة إلا إعادة صوغ لشكل الدولة وحدودها، للمرة الثانية بعد موقعة عين جالوت، إذ تبلورت القومية الفارسية/الإيرانية، وصار الصراع معلناً بين الدولتين العثمانية والفارسية بصفة خاصة حول العراق والعتبات المقدسة(32)، حتى ظهر نادر شاه واستطاع الهجوم على البصرة، ثم احتلال البحرين، كما تطلع إلى ضم عمان فى عام1737م، ونظراً لأن فارس، آنذاك، هى الأكثر حاجة إلى العراق، وإلى العالم السنى، فقد أطلقت على يد نادر شاه أول دعوة للتوفيق بين السنة والشيعة، باعتماد المذهب الجعفرى الذى وضعه الإمام الشيعى جعفر الصادق، ويتميز بأنه وسطى ويحرص على ترك المسائل الخلافية. ولكن فى تلك الفترة أخذ يتشكل على أرض الواقع صراع أيديولوجى جديد بين السلفية الوليدة فى شبه الجزيرة على يد الإمام محمد بن عبد الوهاب، والشيعية الفارسية. فى الوقت نفسه الذى انتقلت التركة الاستعمارية من اسبانيا والبرتغال إلى إنجلترا وفرنسا، بجوار الدولة العثمانية وروسيا، كبلدان إستعمارية توسعية بحكم تكونها التاريخى، وحينما يبسط الفرس سيطرتهم على العراق بقيادة الشاهزاده محمد على والشاهزاده عباس ميرزا، يستنجد السلطان بمحمد على باشا فى مصر، ولكن على ما يبدو أن محمد على لم يكن يرحب بالدخول فى معركة ضد الفرس(33) ونظراً لتفشى الأمراض فى الجيش الفارسى، فقد اضطر الفرس إلى الإنسحاب والعودة إلى فارس، وفضلت الدولتان الإسلاميتان العودة إلى مائدة التفاوض وتوصل الجانبان إلى معاهدة أرضروم الأولى 1823. وإذ تمضى السنون وتأتى الحرب العالمية الأولى بين المحور والحلفاء، وتكون إيران أرض المعركة بشكل واضح، ويبدو جلياً مدى الهيمنة البريطانية، ومدى شقاء الشعب، بل وجوعه، حينما ضربت المجاعات البلاد سنة 1917، تحت رعاية الملكية القاجارية(34)، الأمر الذى قاد إلى ظهور رضا خان (1921-1925) من خلال إنقلاب عسكرى، وبعد رضا خان يتولى زمام السلطة رضا بهلوى (1925-1941) كى تتميز فترة حكمه بالصدام مع رجال الدين، والعمل على المزيد من إدماج إيران، كأحد الأجزاء المتخلفة، فى السوق الرأسمالية العالمية الآخذة فى التشكل. وإذ تنشب الحرب العالمية الثانية تنتهى حقبة رضا بهلوى بالغزو الأنجلو- سوفيتى وتحويل إيران إلى قاعدة لتزويد الحلفاء بالطائرات، وربما بالمقاتلين أيضاً، وفى ظل الإستعمار السوفيتى يتولى الشاه محمد رضا الحكم، وعقب حادثة اغتياله(35)، واتهام التيار الشيوعى، أخذ يعمل على قمع المعارضة وتصفية رموزها ومنها مصدق ومجموعته، وهو الأمر الذى استتبع رد فعل شعبى عنيف، لم يجد أمامه الشاه إلا أن يعين مصدق رئيساً للوزراء، وفور تقلد مصدق زمام الأمور مد جسور التعاون مع الشيوعيين، وقلص مصروفات القصر، وعزل العشرات من الجنرالات الموالين للغرب الإمبريالى، وبدت إيران وكأنها فى طريقها إلى حكم وطنى حقيقى، إذ صار النفط محلاً للتساؤل حول كيف يستفيد الشعب الإيرانى بعوائد هذا الخام؟ وبالطبع لم يكن هذا التوجه كى يرضى أجهزة الإستخبارات الأمريكية، ومن قبلها الإنجليزية، فوضعت الخطة للإطاحة بمصدق، وأرجعت كل السلطات مرة أخرى إلى محمد رضا الذى تعلم الدرس، فأنشأ، برعاية غربية، السافاك(36) بقيادة تيمور بختيار، الذى عمل على قمع أهم زعيمين: على شريعتى، وأية الله الخمينى. والقضاء على أهم تيارين: فدائى خلق، الماركسى. ومجاهدى خلق، التابع لعلى شريعتى. بيد أن القمع المستمر ولّدَ الإنفجار لدى شعب أنهكه الجوع والفقر، فكانت الثورة الإسلامية، كما أطلق عليها، ولكنها تحمل فى طياتها التغيير الإيديولوجى فى عقيدة الشيعة، وبصفة خاصة الإمامة الاثنى عشرية.
6- ضبط الإصطلاح
فإن مصطلح الشيعة أطلق فى القرن الأول الهجرى على أتباع الإمام عليه السلام، فى مقابل شيعة معاوية أو آل إبى سفيان، أما مصطلح الإمامية فقد أطلق فى القرن الثانى على الشيعة الذين قالوا باشتراط العصمة والنص فى الإمام، وإن أئمة البيت أحق من غيرهم بالإمامة. وأما مصطلح الاثنى عشرية فقد أطلق فى القرن الرابع الهجرى على الشيعة الذين قالوا بولادة ووجود الإمام الثانى عشر(محمد بن الحسن العسكرى) واستمرار حياته إلى يوم الظهور أو العودة من الغيبة. والمصطلح الأخير إنما يعنى سقوط نظرية الدولة، إذ فى عصر الغيبة من المفترض، وفقاً للمعتقد، أن تتوقف الدولة عن ممارسة نشاطها حتى عودة الإمام الغائب. ومن ثم تُعطل الحدود، وتمتنع صلاة الجمعة، وجمع الزكاة، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والجهاد(37)، وإلى غير ذلك مما يستلزم وجود الإمام الغائب. بيد أن الواقع كان أقوى من دوجما العقيدة، فلم تكن الإنتفاضة، فى تقديرى، ضد الشاه التى قادها الخمينى موجهة فحسب ضد نظام حاكم فاسد موالى للغرب الإمبريالى، وإنما ثورة فقهية وفكرية على نظرية "التوقف والانتظار" حتى عودة الإمام من الغيبة، إذ رأى الخمينى(38) ومَن معه مِن المفكرين/الفقهاء أن نظرية الانتظار تكبلهم وتمنعهم من النشاط السياسى الفاعل، ومن ثم كانت ثورتهم الثانية التى وجهت ضد نظرية الغيبة، بأن تم ابتكار نظرية بديلة على مرحلتين: الأولى هى افتراض النيابة العامة للفقهاء عن الإمام الغائب، ثم، ثانياً، تطوير نظرية النيابة إلى نظرية ولاية الفقيه(39). وهى تعنى، من ضمن ما تعنى: أن ليس للشعب دور فى اختيار الولى الفقيه، وان أهل الخبرة (الصفوة الأخيار) هم الذين يكتشفونه. وأن الولى الفقيه (المصطفى) أهم من القانون الأساسى. وأن حكومة العدل الإسلامية بديل للنظام الجمهورى. وأن تصدير الثورة من مهام الحكومة الإسلامية التى يديرها الولى الفقيه (وهذا المعنى دعائى وغير حقيقى، ويخضع لإعتبارات سياسية بحتة وليس عقائدية أو أيديولوجية) وأخيراً فليس للأحزاب السياسية أن تنحرف عن الخط الذى رسمه الإمام. ولقد نصت المادة الخامسة من الدستور الإيرانى على تلك الهيمنة إذ جاء فيها أن :"فى زمن غيبة الإمام المهدى (عجّل الله تعالى فرجه) تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة فى جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل، المتقى، البصير بأمور العصر، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير...".
إن هذا التطور، وهو فى تصورى برجماتى جداً، إنما يبعد شيعة اليوم عن التسمية الموروثة والشائعة (الإمامية) ويمكن أن يسمى الشيعة اليوم بأنهم جعفرية، أى يتبعون فقه الإمام جعفر الصادق، كما يتبع المسلمين الأحناف أو المالكية...
7- ملاحظات ختامية
يبقى أن نشير إلى أن النظام الإيرانى القائم ليس نظاماً ثورياً كما يتم تسويقه. لأن الثورة التى إنتصرت سنة 1979، كانت ثورة "جماهيرية" بالمعنى الحقيقى، إذ شهدت مشاركة جميع فئات الشعب من عمال إلى فلاحين وشباب وجنود ونساء، وجميع الأتجاهات من أجل إيقاف نزيف نهب الثروة القومية، والذى قام بالدور المحورى فى هذه الثورة هم عمال النفط حيث قام ملايين العمال بتنظيم أنفسهم على هيئة لجان المصانع والمعامل وأعلنوا فرض سيطرتهم على تلك المصانع والمعامل، فى الوقت نفسه الذى قام فيه ملايين الفلاحين بالدخول إلى أراضى كبار ملاك الأراضى وإعلان سيطرتهم عليها كذلك، والطلاب أيضا قاموا بفرض سيطرتهم على مدارسهم وجامعاتهم وعملوا على تسييرها بشكل ديمقراطى وأنهوا نظام التعيين الذى كان سائداً فيها، والجنود بدورهم شيدوا (مجالسهم) وبدءوا فى تطهير الجيش من الضباط الموالين للنظام النهبوى السابق. وتمكن الشعب الإيرانى كُله من إسقاط الديكتاتورية.
بيد أن الملاحظة واجبة بأن تدعيم أسس النظام القائم حالياً فى إيران، لم يتحقق ما بين سنوات 1979 و1983، إلا على قاعدة السحق الفعلى لهذه الثورة من جانب التيار الدينى الإسلامى الأصولى ورجالاته (على الرغم من التطور الذى لحق لغة ومضمون الخطاب الدينى الشيعى) وخلال سنوات معدودة باتت الثورة ومنجزاتها هباءً منثوراً. فقد تم إعادة الأرض إلى كبار الملاك، وتم طرد الفلاحين منها، والذين سبق وأن أعلنوا بسط سلطانهم عليها. وكذلك تم القضاء على مجالس المصانع والمعامل وحلت محلها المجالس الإسلامية، وتم قمع العمال وحرمت الطبقة بأكملها من جميع الحقوق، بما فيها طبعاً الحق فى التنظيم والاضراب. وتم فرض تفسير محدد للإسلام على جميع المواطنين، فوضعت أشد القيود على النساء، وخلق مناخ من القمع الأيديولوجى للأغلبية الساحقة من السكان.
ويمكننا القول بأن إستيلاء رجال الدين الإسلاميين الأصوليين على ثورة العمال وباقى فئات الشعب وقمعها، لم يكن ممكناً إلا بسبب السياسات الخاطئة التى نهجتها المنظمات اليسارية ذاتها، التى إعتقدت فى إمكانية تشكيل جبهة متحدة مع رجال الدين الإسلاميين(كقوة إجتماعية) الذين كان يترأسهم أية الله الخمينى. وقد دفعت التيارات اليسارية، على ما أظن، ثمن أخطائها.
وهكذا تمكنت الجمهورية الإسلامية خلال سنوات معدودة، من قمع اليسار، بل وباقى الفصائل الوطنية التنويرية من تدعيم أركانها والإستيلاء على ما كانت فى البداية ثورة عمالية شعبية معادية للدكتاتورية وهيمنة الإمبريالية والرأسمال على السلطة. ولكى يتمكن النظام المتأسلم من بسط نفوذه على الشعب قام رجال الدين برفع شعارات معاداة الإمبريالية، وإستخدام نفس لغة اليسار تقريباً، ويستعمل الرئيس أحمدى نجاد مثله مثل رجال الدين، لغة معادية للإمبريالية فى محاولة لكسب التأييد من جانب الجماهير، مع المزيد من السحق اليومى للعمال وباقى فئات الشعب.
واليوم يمكن حصر الإتجاهات السياسية فى إيران فى ثلاثة إتجاهات(40): الأول: اليمين المحافظ واليمين المتشدد، وهو يرى أصالة النظام الإسلامى وولاية الفقيه المطلقة (الخمينى، منتظرى، خامنئ) الثانى: اليسار المحافظ واليسار المعتدل، وهو يتخذ موقف وسط ومعتدل، ويبدو متخلياً عن توجهاته الثورية. الثالث: التيار الوطنى الليبرالى، وهو التيار الرافض ولاية الفقيه، وهو غالباً خارج حسابات مؤسسة الحكم فى الدولة.
أن الملاحظة الواجبة هنا، بصدد النظام السياسى فى إيران، هى أن منذ قيام الثورة عام 1979 استمرت عملية إقامة المؤسسات السياسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، على شكل هياكل مستقلة. وحالف رجال الدين التوفيق(حتى الآن) فى المحافظة على مؤسسات الجمهورية الإسلامية. وعلى عكس ما كانت عليه إيران فى عهد الشاه، فإن مؤسسة مجلس الشورى تتمتع اليوم بدور أكثر استقلالاً إلى حد بعيد(41). ولكن المشكلة الرئيسية التى من المحتمل أن تهدد مؤسسات الحكم فى الدولة قد تأتى من تعدد المؤسسات التى تخدم متوازية، فهناك مجلس الخبراء مقابل مجلس الشورى، والمرشد الأعلى مقابل رئيس الجمهورية، والحرس الثورى الإسلامى مقابل القوات المسلحة النظامية، وممثلو الإمام لدى الوزارات مقابل الوزراء المعينين. الأمر الذى يعنى أن إحتمال التصادم وارد، وبصفة خاصة إذ ما كان لدينا الوعى بأن التاريخ الإيرانى، كما رأينا، لا يتطور إلا من خلال انعطافات حادة، وتغيرات راديكالية.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,227,723,826
- التجريد كمنهج فى التفكير
- 500 سنة من الانحطاط
- ماركس المسكوت عنه
- الشروح على قانون القيمة
- الشروح على الاقتصاد السياسى الكلاسيكى
- الهوامش على ريكاردو
- البيان الشيوعى
- بصدد القمع فى إيران
- قانون الصكوك، فى مصر، بين الشريعة والاقتصاد
- السودان: التخلف والتبعية
- نقد قانون القيمة
- نقد الرأسمال التجارى عند ماركس
- الإعدام اليومى للطلبة
- الرأسمال المتاجر: نقد الطبيعة والماهية
- ما هو الاقتصاد السياسى؟
- إلى روح تشافيز
- بصدد منهجية طرح إشكالية التخلف الاقتصادى العربى
- ماركس. أيقونة لا وثن
- الفكر الاقتصادى عند يحيى بن عمر الكنانى الأندلسى
- نقد نظرية التخلف


المزيد.....




- الأمير هاري يتحدث عن -الجو السام- في بريطانيا الذي أجبره لاص ...
- توب 5: ضربات أمريكا بشرق سوريا.. وانفجار سفينة في خليج عمان ...
- البيت الأبيض: وكالة الاستخبارات الوطنية ستصدر تقرير جمال خاش ...
- شركة بريطانية تعتزم اختبار مركبتها الفضائية السياحية في مايو ...
- شاهد: عاصفة ثلجية تدفن عشرات السيارات تحت الثلوج في تشيليابي ...
- 3 سنوات سجن لإيطالي هدد بتفجير مستشفى بريطاني إذا لم يحصل عل ...
- 3 سنوات سجن لإيطالي هدد بتفجير مستشفى بريطاني إذا لم يحصل عل ...
- يعانون فقراً ورعباً..كيف سيستفيد مزارعو القنب في المغرب من ا ...
- الأمير هاري تخلى عن الحياة الملكية خوفا على -صحته النفسية-
- وكالة: بايدن يبحث وقف اتفاقات أسلحة -تساعد السعودية على مهاج ...


المزيد.....

- تشكُّل العربية وحركات الإعراب / محمد علي عبد الجليل
- (ما لا تقوله كتب الاقتصاد) تحرير: د.غادة موسى، أستاذ العلوم ... / محمد عادل زكى
- حقيقة بنات النبى محمد / هشام حتاته
- كيف ومتى ظهرت العربية بصورتها الحالية / عزيزو عبد الرحمان
- الحلقة المفرغة لتداول السلطة في بلدان الوطن العربي و العالم ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دور الزمن في تكوين القيمة / محمد عادل زكى
- مستقبل اللغات / صلاح الدين محسن
- ألدكتور إميل توما وتاريخ الشعوب العربية -توطيد العلاقات الاج ... / سعيد مضيه
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد عادل زكى - المختصر فى تاريخ الشيعة الفرس القديم والمعاصر