أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حميد لشهب - تسونامي الحب















المزيد.....


تسونامي الحب


حميد لشهب

الحوار المتمدن-العدد: 4088 - 2013 / 5 / 10 - 17:15
المحور: الادب والفن
    


عندما يكون قلبك بركانا من العواطف يغلي بين ضلوعك و يشعل نيرانا جهنمية في وجودك و لا تكفي كل بنات حواء اللائي تلتقي بهن صدفة في بحر الحياة لإخماد هذا السيل العرمرم من العواطف النبيلة التي تمر على الأخضر و اليابس من هشيم أحاسيسك، تراكم الحجر و الرمل و التراب على فواهة هذا البركان لكي لا ينفجر و تصعد لافاه في الأجواء لتحكي لملائكة و شياطين السماء بأن الحب ليس مغامرة كبرى، بل زلزالا داخليا لا يشعر به إلا من اكتوى بنيرانه، و لو تسارعت كل نساء القبيلة بجرات ماء كل محيطات و بحار الكون لما استطعن إخمادها.

عندما يتصاعد دخان هذا البركان في الأجواء العليا يسبب في دماسة الأرض كلها و تصبح الدنيا عتمة في عيون المحبين، لا تكفي كل كفاءات رجال المطافئ في العالم لكي تتحكم في الإتجاهات المختلفة، اختلاف الرياح التي تحمل هذا الدخان على أجنحة ملائكة الرحمان لتوصلها كقرابين لباب السماء و يشهد الرب بنفسه بأن أخطر و أعذب شعور غرسه في روح الإنسان هو هذا الشعور الغريب الذي نسميه الحب. هذا الشعور الذي يقتات من أوهامنا و حياتنا الداخلية الواعية و اللاواعية.

عندما يصعد رماد هذا البركان في الهواء و تتناثر ذراته كحبات فضة متناهية في الصغر لتحكي لشياطين الرحمان بأن الحب رماد مقدس تكون بدايته نهايته و نهايته بداية في ذهاب و إياب روحي سرمدي، يعم الأرض صمت رهيب يشبه ذاك الصمت السابق ليوم القيامة "الياسينية" و يهرع المرء للهروب السريع خشية الطامة الكبرى، بينما يكتفي شيوخ الحب بالتكثير من الركوع و السجود و الدعاء بالنجاة لكل المحبين العميان، لكي لا يغشي هذا الدخان عيونهم أكثر لمعرفة حقيقة الحقائق: الله حب و يحب الحب.

كلما تصاعد دخان بركان الحب كلما صفقت حور الجنة مستقبلين إياه بالأناشيد المقدسة قائدين "الباتول" إلى محراب المحارب للتهليل بقدسية الحب و فتح باب القصر السماوي حيث يقطن و نشر السجاد الأحمر في طريقه كملك ملوك أحاسيسنا الإنسانية ليستريح و لو برهة من تصريف فعل "أَحب" لكل الضمائر الحية منها و الميتة.
يعود رماد الحب بعد تعميده من طرف السيد المسيح في سواقي الجنة الزكية محملا بالخير و البركة ليتساقط على الأرض و يصبح سمادا قدسيا صالحا لإخصاب تربة النفس الإنسانية لتنمو فيها شُجيرات جذورها من الجنة و أغصانها من الفردوس المفقود، اختارت أمنا حواء منها غصنا لتستر عورتها عندما اكتشفت بأن الله خلق الإنسان عاريا، وجها لوجه مع حقيقة الفانية.

هشمني هذا البركان، قطعني تقطيعا و لم أستطع التحكم لا في نيرانه و لا في دخانه و لا في رماده، و أنى لي هذا و "ليليت" لي بالمرصاد. أرغمني على الخروج من وجودي المتوازن ليرمي بي في فوضى وجودية، تعتبر فوضى المراهقة ذرة صغيرة منها. هي فوضى من طبيعة تلك الفوضى التي تسبب الشيطان فيها و هو يحرض الحية لتدفع بحواء نسج مخطط جهنمي للإطاحة بآدم المخذول بحبها و السابح في هواها بعدما دفع بـ "ليليت" العظيمة إلى الهجرة في فيافي الخلود تائهة على وجهها و منتحبة على مصيرها و قلبها مليئ بحب آدم المفقود. الحب الذي أوصلها إلى حافة الخلود، فما استطاعت الإنتحار و ما استطاعت الإنتقام، لأن كليهما عقوبة لا مثيل لها بالنسبة لآدم.

أنا آدم القرن الواحد و العشرين. كآدم لم أقاوم في الحب و لم أعترض أبدا و لم أزح الستار لأرى و أعي و أفهم حيلة حواء الجهنمية على الرغم من أن كل القبيلة كانت تحذرني من عواقب هذا الحب الشيطاني و أنا أغني أنشودة الأناشيد و لم أكن أعي بأنني سأنتهي بغناء "ليطانيات" "للباتول" تحسرا على شنق الحب في محرابه و تركه يتدحرج في دمائه لتروي قطعة الطين التي اختارها الله لصنع أدم قبل أن ينفخ فيه من روحه نفخات حب و عطف و حنين.

أنا آدم القرن و العشرين الذي و عندما شاهد بأم عينيه "تسونامي" الحب يداهمه على حين غرة، فتح فاه فرحا كالأبله و عوض الإسراع للصعود في سفينة نوح، ارتمى في هذا "التسونامي" ليهشم قلبه على صخرة الواقع السوداء، التي اختير منها حجر مكة، سواد قلب أهل "الباتول" عندما دفعوها للهروب بالجنين في بطنها إلى فيافي الصحراء دون مؤونة و لا عون، منتحبة على مصيرها و مصير اليسوع، و ما كان له أي ذنب إلا كونه نُفخ من الحب في رحم مريم، اليسوع الذي خلق ليذكر بأن الله حبا و يحب الحب، و بأن الله حبا و قد حلل الحب. و عندما هزت بجذع الشجرة متذكرة سؤالهم لها: أنى لك هذا؟ هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء من غير حساب" ، تيقنت بأن لا قدر لنا إلا ما قدر الله، و هو قدر يكون دائما خيرا، إلا إذا فتح الإنسان قلبه على مصراعيه للشيطان.

أنا يسوع القرن الواحد و العشرين، قاده حبه للبشر إلى الصليب و لم يسمع ابن آدم أنين خشب الصليب و لا عويل المسامير التي غرست في جسده و لم ير بأن قطرات نزيف الدم من جسده كانت شاهدة عند الله بأن دم المحبين لا يهذر عبثا و بأنه يسقي أديم الأرض ليغذي الشجرة المباركة التي تغذت منها "الباتول" بعدما كانت متأكدة بأن نهايتها آتية لا محالة. اختار المسيح الصمت و هو يحاكم و يعذب لا لذنب إلا لحبه للبشر و تعالت أبواق القبيلة منكلة به و ساخطة عليه. و ككل المحبين، فإنه لم يستنجد و لم يدافع عن نفسه، لأنه كان يعلم في قرارة نفسه بأن قاضي القضاة لن يتركه لوحده في محنته و بأنه سوف يتدخل لا محالة لينقذه بالحب و يضمن له محاكمة عادلة، لن يقتص فيها من أعدائه، لأن الحب الحقيقي لا يسمح بالإقتصاص و لا بالعنف و لا بالأخذ بالثأر.

كل شيء يبدأ من و في القبيلة و ينتهي فيها. و للقبيلة قوانين غير مكتوبة في أي كتاب قانون. تتغير هذه القوانين و تتطور و تندمج في نسيج القبيلة في تطورها. هي قوانين، و حتى و إن وعى ابن من أبناء القبيلة عدم جدواها، فإنها تبقى سارية المفعول و تتحكم في نبضات و خفقات قلوب أبناء و بنات القبيلة ليل نهار. لا شيئ يفلت لعيون قانون القبيلة حتى و إن أمهلت لبعض الوقت في إصدار حكمها على الخارج من هذا القانون.

وقفت قوانين القبيلة في وجهي و أنا أتغنى على الربوة حيث كان بركان حبي يسكن. جَرَتْ القبيلة من ورائي بالمعاول و المناجل محذرة إياي خروج حبي عن كل أعرافها و كل قوانينها. استخففت بالقبيلة و بقوانينها واعيا بأن الحب الحقيقي هو الذي يتحدى القبيلة و قواعدها دون أن أعي نتائج هذا التحدي. و الحب هو خمر الخمر و لا فائدة من الحديث مع مخمور ثمل بهذه الخمرة، لأنه لا يعي الميكانيزمات التي توظفها القبيلة للدفاع عن قوانينها.

مشيت، من أجل هذا الحب دون تردد في حقول القبيلة المدسوسة بآلاف الألغام و كلما تفجر لغم، كلما ضحكت على ذقن القبيلة و من قوانينها. تسلقت الحائط الحدودي للقبيلة محاولا فتح هذه الحدود لترى القبيلة نور الحب الذي ظل مخفيا عليها لآلاف السنين الضوئية، دون أن أعي بأن هذا الصور الواقي هو الضمانة المضمونة في يد القبيلة، التي لم تعرف في حياتها من الحب إلا ما يحسب و ما يُقمطر و يضمن و يخزن، حسابها لشياها و قمطرتها لثيابها و حاجاتها الأساسية و ضمانها لغذائها و مائها. لا تعتقد القبيلة عندي في الحب من أجل الحب، لأن ذلك في عرفها من باب الخيال و ضرب من السحر و الجن. فقد شنقت قبلي للعبرة حب محبين في مغارة "فريواطو" و نحتهم أيما تنحية ليسود حب المصالح و إحصاء نبضات القلوب المحبة إحصائها لعدد رؤوس ماشيتها.

الحب في قبيلتي هو اختيار أحسن الزرع و اختيار أحسن تربة ليكون المبدأ هو "الأصل" و النتيجة ذرية مُنتخبة لتقوي عضلات القبيلة، و لو كان الأمر بيد قبيلتي لسارعت إلى الإستنساخ لتضمن تكرار الدورة الإنتاجية البشرية أزليا. من ارتمى في قبيلتي في مغامرة الحب دون الأخذ بعين الإعتبار للهدف الأخير في عرف قبيلتي، يكون مصيره الرجم الرمزي بحصى معنوية أكبر بكثير من تلك التي يُرجم بها الشيطان في موسم الحج.

الحب عند قبيلتي مباهات و استعراض للخيرات الفانية، لأن القبيلة عندي لا تعرف الحب الفرومي و أنا لها ذلك و هي مدفونة بين الجبال، ينتهي العالم عندها في أفق حدودها الجغرافية على الرغم من تزيين سطوح منازلها بالصحون المقعرة التي تقتحم عالمها و تغير بخطى حثيثة عالمها الرمزي. الحب في عرف قبيلتي هو أعراس و أكل و شرب و لباس فاخر للتباهي، لأن قبيلتي لا تعرف أن الجوهر أهم بكثير من المظهر و لم تتصفح أبدا كتاب: "الإمتلاك أو الوجود" ، لأن وجودها مبني على الإمتلاك، و لأن مبدأ هذا الأخير يعشش في ثنايا و عيها و لاوعيها أكثر من مبدأ الوجود، حارمة كل من يريد التمتع بهذه الأزهار في الطبيعة.

حب القبيلة، حب مراقبة مستمرة و احتراس من الآخر، لأن العقلية السائدة رضعت من ثدي مقولة هوبز: "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان". عقلية تتأسس دائما على مبدأ عدم الثقة و الشك في خيرة الإنسان و حتى و إن ثبتت عند واحد منهم ـ كاستثناء ـ فلا يمكن للقبيلة أن تومن بأن هناك عمل الخير من أجل الخير و من أجله فقط.

ما يلحم جسد القبيلة هو مراقبة البعض للبعض الآخر و النميمة في الغائب بحق و دون حق و هذا النوع الشبه الطبيعي من الحسد و الحسد المضاد، لأن قلب القبيلة مليئ بالضغن و كراهية الآخر، لأنها كلما ابتعدت عن الله، كلما ابتعد هو كذلك عنها لتَسْبَحَ في ظلمات أخلاقية مبللة حتى النخاع في النرجسية الجماعية و حب الذات و قضاء المصالح الشخصية الآنية و لو كان ذلك على حساب التضحية برقاب كل القبيلة.

انتحر الضمير عند القبيلة في أتون ماديات و مظاهر دنيوية حقيرة و أصبح بإمكان الشيطان شراء ذمم غالبية أفراد القبيلة بثمن بخس و زج هذه الدمم في دهاليز الرذيلة، التي أصبحت في أعراف القبيلة بقدرة قادر فضيلة. و عندما تسود السلبية أخلاق القبيلة، فصل على هذه الأخيرة صلاة الجنازة دون تردد.

عقلية القبيلة مؤسسة على مبدأ: "و ليحل الطوفان من بعدي!"، لأن منظور القبيلة غير مستقبلي، بل حيني، ما يهم هو الخير الفردي و ليس الخير العام. ما يهم في العلاقات الإنسانية عند القبيلة هو المبدأ النفعي و ما يحصل عليه المرء في الراهن سواء أكان ذلك ماديا أو معنويا، لذا تجد هناك تكتلات مصالح في القبيلة و "اتحادات" الهدم السلبي و العدمي.

ما يميز القبيلة هو الغياب التام للنقد الذاتي و حط الفس محط تسائل و محاسبتها إذا كان الأمر يستدعي ذلك. النقد الذاتي في قبيلة ما تزال تعيش في القرون الوسطى المبكرة، يعني في منطق هذه القبيلة الضعف، لأن الله حرم القبيلة ـ لسبب يعرفه ـ ملكة العقل و الإحتكام إليه. فحتى و إن كان المرء في القبيلة يعرف حق المعرفة بأنه على خطأ، فإنه يسبق "الجبهة" الفارغة من أي دماغ و يقسم بكل آلهة الكون بأن الحق بجانبه و أنه على صواب.

تعيش القبيلة في بحر من تدليس الحقائق و قلبها و تسقط باستمرار في الكذب و البهتان السري و العلني و ينتهي بها الأمر إلى الإعتقاد هي نفسها في أكاذيبها و تزيينها بما اشتهت من الديكورات و تدعو الجيران ليتفرجوا على أكاذيب مزوقة و مطلية بكل أنواع الصباغات.

مبدأ دفاع القبيلة عن نفسها هو مبدأ الهجوم و الصراخ و اتهام الآخر بحق و دون حق و نشر الإشاعات و حمل لوائها، لأن القبيلة لا تفهم بأن أرجل الإشاعة و لو على تعددها قصيرة و بأن عمرها زائل. الهجوم على الخصم بمقاليع الإشاعة كسلاح لا يمكن أن ينم إلا عن نفوس فقيرة، ملأ الشيطان ربوع قلبها و زين لها الخطيئة و وسوس لها بما وسوس به لحواء. و يرقص الشيطان فرحا و ينتشي بنشوة النشوات عندما يلاحظ بأن مخططه مع القبيلة قد نجح و بأن الشر يربح يوما بعد يوم مساحات شاسعة على رقعة شطرنج أرواح أفراد القبيلة. لذا فقد غادر الشيطان القبيلة، لأنه ترك فيها و معها ممثلين عنه: "أبنائه" يعيثون في القبيلة فسادا.

أبالسة القبيلة كثيرون، منهم الملوك و الأمراء و الرؤساء و الموظفون الكبار المدرسين و منهم الأجراء البسطاء و الفلاحون و العاطلون عن الشغل. تلفيهم مهرولين إلى المساجد و سبحة في أيديهم، منهم من يؤذن دون التخلص من وسوسة الشيطان و منهم من يقيم الصلاة بالناس و هو يناجي إبليس و منهم من ما أن تنتهي الصلاة حتى يضع بلغة جاره تحت إبطه و يقصد بيته ضاحكا مع الشيطان على ذقن صاحب البلغة. منهم من يعود من صلاة المغرب ليقدم دروسا خصوصية لتلاميذ و تلميذات في مادة ما و يستغل براءة و خوف التلميذات ليفرغ كبته الجنسي عليهن و لو كان متزوجا بلمسات و همسات و غمزات و إرسال قبلات في الهواء الطلق في أقسام الدرس على مسمع و مرأى من العالمين، دون حسيب أو رقيب و لا ضمير مهني أو أخلاقي، لأن الشيطان رفيقهم و حاميهم، و لأن بريئات القبيلة من التلميذات يهبن "الفضيحة" و القيل و القال و الإشاعات اللاذعة التي قد تؤدي بهن إلى معتقل القبيلة و سجنها في البيت في انتظار شيطان من القبيلة قد "يقبل" عليها بالمواصفات التي تحددها القبيلة سبقا للقران. منهم من يبيع و يشتري و ما إن يعلن شيطان أخر عن الصلاة بالآذان بصوت تهرب على إثره الملائكة من المسجد ـ يكون نهيق الحمار و عويل الذئب أحسن بكثير من هذا الصوت ـ حتى ينقض على عصى مكنسته واضعا إياها في باب متجره كعلامة على غيابه منه، ماشيا بخطى حثيثة صوب المسجد و هو يلتفت مرة مرة إلى الوراء مخافة شيطان آخر يستولي على بضاعته. يلج المسجد دون ركعتي التحية و يختار الصف الأخير للمصلين، ليعود إلى متجره قبل أن ينهي الإمام التحية. تلتقيه في محل تجارته بعد الصلاة و يقسم لك بأنه اشترى ما تريد اقتنائه من عنده بثمن كذا، و تبدأ المساومة و الأقسام المتبادلة تحت أعين الشيطان، لينتهي الأمر بالشاري بأخذ البضاعة المرغوب فيها بنصف الثمن المعلن عنه في البداية مشتركا في ذلك في نفاق جماعي لا نظير له. لهذا فقد غادر الله القبيلة و تركها أمام مصيرها النهائي، الذي عبث به و فيه الشيطان بكلتا يديه.

قبيلة تشهد بالإثم و العدوان و شهادة الزور عندها و لو دون علم ثابتة و رائجة و متفشية و مقبولة. و يا ترى كيف تربي مثل هذه القبيلة أبنائها و بناتها في هذه البركة القدرة من سوء الأخلاق و الرذيلة؟ قبيلة تحتكم إلى الشيطان عوض الله و تثق في "اإبليس" عوض الملائكة و تستنجد به عوض سيدنا محمد. قبيلة ختم الشيطان على قلبها ناشرا فيها الفتنة و جاعلا منها حطبا لجهنمة.فاللاهم جنبنا شر خلقك هذا و امنحنا الشجاعة و طول النفس لصارع شيطان القبيلة، الذي نجح في إضرام نار الحقد و الغذر و انعدام الضمير و التهافت على حطام الدينا بين أفراد القبيلة، علني أفلح في إيقاظ ضمير القبيلة و تفعيل مبدأ الخير فيها، لأنك خير و تحب الخير، و أشعل فتيل الحب بين أفراد القبيلة، لأنك حب و تحب الحب. لقد أعلنت الحرب ضد الشيطان و أتباعه منذ أن وعيت النتائج المؤسفة لعمله في القبيلة، و إنني مستعد كجندي متطوع أن أفكك و أفضح كل ميكانيزمات النسق الذي أسس عليه خطته للدفع بالقبيلة إلى الهاوية.

نزع الشيطان الذكاء الطبيعي الذي يهبه الله للإنسان من رؤوس أفراد القبيلة و عوضه بالحيلة، موهما القبيلة بأن الحيلة أحسن من الذكاء، على الرغم من أن الحيلة تتأسس على الخبث و الدهاء و الذكاء يتأسس على محبة الخير و الحكمة. الحيلة تشبه فقاعات صابون يلهو بها الأطفال و سيان عندهم إن تفرقعت هذه الفقاعات أو لم يكتب لها أن تصبح فقاعات. لا يهتم الموظف للحيلة بالحقيقة، بل فقط بما قد يجنيه من الحيلة بوسائل مشروعة أو غير مشروعة. لا يعي بأن هذه الأخيرة قد تنقلب عليه، لأنه لم يتعلم في حياته تحمل مسؤولية عواقب أفعاله، بل تعلم فقط الوصول إلى أغراضه الآنية بأقصر الطرق، حتى و إن كان هذا الطريق قد يؤدي به إلى الهاوية و يبعده عن الله. فقد كان الشيطان يعلم بأن مصيره النهائي المحقق عندما تجبر في وجه الله هو الزج به في الحياة الأرضية، و مع ذلك تطاول بكبرياء و تعجرف على الله متحديا سلطته المطلقة و مالئا نفسه بالحقد و الضغينة ضد الإنسان الذي فضله الله عنه.

يتفرج الذكاء الإلهي الطبيعي الخير على الحيلة في صمت و حسرة، لأنه يعي كامل الوعي بأنه لا يسمح لنفسه الدخول في لعبتها، لأنه مؤسس على الحقيقة و الحقيقة وحدها. يصبح الذكاء حيلة عندما يوظف في التدليس على الحقيقة و محاولة طمسها. الذكاء صمت و من الصمت تنبع الحكمة، و ترمي هذه الأخيرة بجذورها في الذكاء، لأن هذا الأخير بدوره جهر بالحق مهمى كان الثمن، لأن الحق فضيلة خيرة لا يملكها إلا العاقل الذكي. لا يسمح للحيلة الدخول إلى عقله أو قلبه، لأنها رجس من رجس الشيطان، و لأن الذكي في الحياة هو من نقى روحه من الحقد و كراهية الآخرين و الإنتقام و الجري وراء حطام الدنيا.

الذكي العاقل الحق، المالئ قلبه بحب البشر كيفما كانوا و كيفما سلكوا اتجاهه كمسؤولية أخلاقية و سلوكية أمام خالقه، هو ذاك الذي لا يصب الزيت على نار الإشاعة عندما يوظفها صاحب الحيلة للنيل منه بحق أو بدون حق. الذكي الحق هو الذي لا يعطي أهمية تذكر لأقاويل و ادعاءات صاحب الحيلة و خاصة تلك التي يعرف الذكي و صاحب الحيلة و الله نفسه أنها غير صحيحة و أنها تستغل لمحاولة إيصال الشر بالذكي، محبة في الشر و ليس محبة في الوصول إلى الحقيقة.

الذكي الحق لا تراوده فكرة الإنتقام من صاحب الحيلة حتى و إن كان يعلم علم اليقين بأن الهدف الأخيرلهذا الأخير هو محاولة إيذائه و النيل منه، لأن الذكي يعي حق الوعي بأن هناك قاض يحكم بالعدل، لأنه يعرف السري و العلني. لا يحق للذكي تنصيب نفسه قاضيا عوض القاضي الحقيقي، و إلا فإنه يسقط في شراك الشيطان و يصبح بهذا صاحب حيلة و ليس صاحب ذكاء.

الذكي المطبوع بفطرة الله متسامح يقظ حتى و إن كان على وعي بأن صاحب الحيلة قد يفهم تسامحه هذا كسذاجة بدائية قد يستغلها لحفر حفرة ليلقي فيها بالذكي. يترك الذكي صاحب الحيلة يحفر حفره بخبث و مكر و حقد و كراهية، لأنه يعلم بأنه من حفر حفرة سقط فيها. و الذكي لا ينتقم، لأن الإنتقام هو أحط درجات الضعف و هو أرذل عمل إنساني، لأن روح المنتقم معمدة ببول الشيطان، الذي لم يهدأ إلا عندما انتقم من الإنسان لتفضيل الله له عنه. الذكي هو الذي و عندما يلاحظ بأن صاحب الحيلة قد وقع في الحفرة التي كان يحفرها له، لا يضحك عليه و لا يستهزأ منه، بل يحاول مساعدته للخروج من هذه الحفرة و إذا لم يقبل مساعدته هاته يدعو له بالهداية.

الذكي الحق، الذي يجري من روحه بالهراوة على الشيطان إلى غير رجعة، هو البشوش المحب للحياة، الذي يقابل الناس بالإبتسامة و الضحكة و الدم الخفيف و النكتة للتخفيف عنهم إذا كانوا يحملون وزرا أو غما و يذكرهم بأن رحمة الله قادمة لا محالة.

الذكي المقتدر هو الذي يثيق في الآخرين دون قيد أو شروط، حتى و إن كان يعي بأن صاحب الحيلة قد يستغل هذه الثقة استغلالا سلبيا مادام همه الأول و الأخير هو محاولة الوصول إلى أغراضه المادية و المعنوية بأي السبل. و حتى و إن فطن الذكي باستغلال صاحب الحيلة للثقة التي وضعها فيه، فإنه لا يحزن على ذلك و لا يحاسبه، بل ينبهه بسلوك حضاري مسؤول بأنه اكتشف اللعبة و بأنه لن يجيب بالخبث عن الخبث و لن يترك الشيطان يدق باب قلبه، و لولا ثقة الله في آدم ما كان ليورثه الأرض و هي أحسن ما خلق بعد الجنة، لأنها من نفس الطبيعة التي خلق منها الإنسان. فالأرض ليست فقط ممرا ضروريا لكي يصل الإنسان إلى الآخرة، بل هي ميدان يسمح فيه الله للإنسان بمراجعة نفسه و الرجوع له، ليس بالطريقة الطقوسية الميكانيكية التي تستعملها القبيلة و هي أمام الله و روحها بيد الشيطان، بل بتنقية القلب و الروح لاسترجاع ثقة الله في ابن آدم.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,227,988,822
- في أية حلة عدت يا إمبريالية؟
- البعد الإنساني لحوار الثقافات عند الراحل عبد الهادي بوطالب
- دكتورة شرفية ثانية للفيلسوف النمساوي هانس كوكلر
- محمد سبيلا و الأيديولوجيا
- -قيامة- ياسين عدنان تفتتح الأيام الثقافية العربية بالنمسا
- الأيام الثقافية العربية بالنمسا
- ندوة تكريمية للفيلسوف و المفكر المغربي محمد سبيلا بمكناس
- الفلسفة و الأيديلوجيا: أية علاقة؟
- أيام إيريك فروم بمنطقة الفوخاخلبير النمساوية
- حوار الثقافات و النزعة الإنسانية : إيريك فروم


المزيد.....




- شظايا المصباح.. الأزمي يستقيل من رئاسة المجلس الوطني والأمان ...
- مهرجان برلين السينمائي الـ71 ينطلق الاثنين -أونلاين- بسبب كو ...
- لأسباب صحية.. الرميد يقدم استقالته من الحكومة
- رحيل الفنان الكويتي مشاري البلام.. أبرز أبناء جيله وصاحب الأ ...
- ماردين.. مدينة تركية تاريخية ذات جذور عربية عريقة
- بوريطة في لقاء عقيلة صالح: تعليمات ملكية لدعم حل الأزمة اللي ...
- شاهد: مئات المحتجين المناهضين للانقلاب يتظاهرون مجددا بالعزف ...
- مصدر طبي يتحدث عن تطورات الحالة الصحية ليوسف شعبان
- جورج وسوف ينتظر دوره لتلقي لقاح كورونا ويوجه رسالة
- أحمد عريقات: أدلة جديدة تدحض الرواية الإسرائيلية عن مقتله


المزيد.....

- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- ديوان شعر 21 ( غلاصم الزمن ) / منصور الريكان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حميد لشهب - تسونامي الحب