أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حميد لشهب - الفلسفة و الأيديلوجيا: أية علاقة؟















المزيد.....

الفلسفة و الأيديلوجيا: أية علاقة؟


حميد لشهب

الحوار المتمدن-العدد: 2995 - 2010 / 5 / 4 - 13:16
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


عرفت الماركسية نشاطا كبيرا وانتشرت هيمنتها إلى أقصى بقاع العالم كأيديولوجيا حاولت أن تُنظر لعالم أفضل. وقد استطاعت السيطرة على الحكم في بقاع عديدة من المعمور لمدة تناهز القرن من الزمن. وعند انهيار المعسكر الشرقي اعتقد جل الباحثين في صحة نبوءة ماركس في نهاية الأيديولوجيا. وقد تعرضت الماركسية لانتقادات كثيرة من طرف الماركسيين أنفسهم في السنين الأخيرة، وهي انتقادات ذهبت في غالب الأحيان إلى لب الأيديولوجيا الماركسية لمحاولة معرفة سبب العطب ومحاولة إصلاحه، إذا كان هناك شيء ما قابل للإصلاح.

وقد كانت مساهمة الفلاسفة المعاصرين في إعادة النظر في الأيديلوجيا الماركسية جد ضئيلة بالمقارنة مع باحثين آخرين في ميادين أخرى. ومن بين الفلاسفة الأوروبيين القلائل الذين اهتموا بهذا الموضوع هناك الفيلسوف يوسف سايفرت . ولقد انصب اهتمامه أساسا على محاولة التفريق بين الأيديلوجيا والفلسفة، حتى ليمكن القول أن عمله في هذا الاتجاه يمكن أن نسميه "دفاعا عن الفلسفة". وما دفعنا للاهتمام بمثل هذه الإنتاجات هو اقتناعنا من جهة أن المفكر العربي المعاصر في حاجة للاطلاع على ما جد في الساحة الفكرية العالمية، ليس فقط للاستهلاك، بل أيضا لكي يؤثر في هذه الساحة. ولكي تكون عملية التأثير والتأثر متوازنة وطبيعية، وبالتالي إيجابية، قد تؤدي إلى فتح حوار حقيقي على مستوى الفكر العالمي، لكي تقطع الطريق على المساجلات الأيديلوجية في مختلف ألبستها، والتي لا ترى إلا مصالحها المادية الضيقة - لحد الساعة يكون العربي في كل الحالات هو الخاسر-، من أجل كل هذا إذن على المفكر العربي مسايرة ما ينتجه المفكر الغربي.

من جهة أخرى وجدت أغلبية المفكرين العرب "الممركسين" أنفسهم "متجاوزين" أو على الشرط عند انهيار المعسكر الشرقي. ولا يخفى على أحد الدور والتأثير الكبيرين اللذين خلفتهما الماركسية في العالم العربي لما يناهز النصف قرن من الزمن. وقد كان بعض المفكرين العرب أكثر ماركسية من ماركس نفسه. فقد كانت الماركسية تعني بالنسبة لأغلبية معتنقيها في العالم العربي ليس فقط التقدمية، بل أيضا التقدم والتحرر والعدالة الخ.

لكل هذه الأسباب نقدم للقارئ العربي هذا النص الفلسفي ليوسف سايفرت ، وهدفنا الأساسي هو محاولة فتح أفق جديد لفهم الماركسية اللينينية في علاقتها بالفلسفة.

يحدد سايفرت في مستهل نصه السبب الذي دفعه إلى الإهتمام بموضوع الأيديلوجيا والفلسفة. ويتمثل هذا السبب في كون الأيديلوجيا قد بسطت نفوذها على كل الميادين الأخرى سواء أكانت فلسفية أو سياسية أو دينية. وقد أصبح بسط النفوذ هذا موضوع دراسة وبحث وتنقيب المفكر المعاصر، لكي يتمكن من فهم طبيعة هذا الأخطبوط الذي يحاول امتصاص جوهر ما يؤسسه ليصبح بدوره عدما، وما أكثر المنظرين الذين تحدثوا عن نهاية الأيديلوجيا، ونهاية التاريخ، ونهاية التربية الخ.

أما الهدف الأساسي لهذا النص فهو محاولة التفريق بين الفلسفة والأيديلوجيا، لإعادة الاعتبار للأولى بتقليص الثانية وإعادة موضعتها في حدودها الأصلية. ومن أجل تحقيق هذا الغرض ركز سايفرت تحليله على "الأيديلوجيا الألمانية" لماركس وأنجلز وعلاقتها بالفلسفة.

ما هي الأيديلوجيا؟ يخصص سايفرت جزءا مهما من نصه لمحاولة الإجابة عن هذا السؤال بمحاولة تعريف المصطلح في صيرورته التاريخية، وتحليل مختلف مضامينه، مركزا أساسا على التعريف الذي قدمه ماركس وانجلز للايديلوجيا. ظهرت الأيديلوجيا في الغرب المسيحي في القرن 18 عند كل من Condillac and Destutt de Tracy . وكانت تعني ببساطة "عقلنة الأفكار Logos von den Ideen". من هنا فقد كان كل الموسوعيون الكبار لذاك القرن أيديلوجيون، وباحثوا أفكار. وقد حملت الأيديلوجيا تعاريفا مختلفة منذ ظهورها إلى غاية اكتشافها كظاهرة من طرف ماركس وانجلز. وهي نفس الظاهرة التي انتبه إليها نتيشه وشيلر في أعمالها. وتتمظهر الأيديلوجيا في وجوه عديدة حصرها سايفرت في التالي:

1-"تكون نظرية ما أيديلوجيا في مضمونها عندما لا تكون محددة "بالأشياء نفسها"، يعني أنها لا تكون محددة من طرف الحقيقة الموضوعية، لكن بالعوامل الخارجية التي حددها ماركس وانجلز في "العوامل الاقتصادية وظروف الإنتاج". وينبه سايفرت على أن ماركس بقي غير واضح فيما الذي يتحكم في الأيديلوجيا كظاهرة أ الأساس النفسي وسلوك الطبقات الاجتماعية التي انتقدها بحدة في كتابه "Kommunistische Manifest"، أو الأساس المادي التاريخي؟ ولنفترض مع سايفرت أن الأساس الأخير هذا هو الذي يعنيه ماركس فإنه: "لا يمكننا أن نتفق على أن هذا الأساس المادي مستقل تماما عن الأسس الأخرى التي تتأسس عليها الاديلوجيا. ولهذا، وكما سوف نرى، فإن الظاهرة التي انتبه لها ماركس وانجلز تجد جذورها الحقيقية في السلوكات والأفعال الشخصية المحددة بأهداف معينة وليس فقط بعوامل ذهنية أو بعلاقة كيفية الإنتاج وسبل الإنتاج".

2- يستنتج سايفرت من النقطة الأولى هشاشة أطروحة ماركس المتعلقة بعدم تبعية الأحكام الأيديلوجية التي لا تملك ذاك الاستقلال الذي خصصه لها ماركس، بل أنها على العكس من هذا تابعة ومستقبلة في نفس الوقت.

3- وعلى اعتبار أن الأيديلوجيا نسق، محكوم بعوامل خارجة عنه، فإن حقائقها تكون في الغالب خاطئة، وإذا كانت صحيحة فإن ذلك يكون بمحض الصدفة ودون أساس عقلي. من هنا فإن حقيقة الأيديلوجيا تكون مخالفة لحقيقة الفلسفة.

4- وبما أن الأمر كذلك فإن سايفرت يعري عن مكونين أساسين آخرين للإيديلوجيا ويتعلق الأمر باللاوعي بلاحقيقة الأيديلوجيا. ويعتبر الكذب في نظر سايفرت من الجذور الأساسية للايديلوجيا، وتحاول أن توهم أن هدفها هو معرفة الواقع". ويضيف: "وسبب هذا يمكن من جهة في كون الأيديلوجيا تزعم أنها تمتلك الحقيقة، ومن جهة كون الأيديلوجيا تتضمن مغالطة وكذب واللذان يعتبران جزء لا يتجزأ من جوهرها. إنها "وعي خاطئ" حتى وإن كانت تصريحاتها حقيقية بالفعل، لأنها تقدم نفسها بطريقة مختأة، منافقة وخاطئة، على اعتبار أنها تخبئ النوايا الحقيقية لمخترعيها".

5- يؤكد سايفرت أن المرء يلمس في أيديلوجية ماركس وانجلز ليس فقط أساسها المادي، بل أيضا، تلك العوامل الشخصية والاجتماعية التي تساهم في ظهورها. فبدون حوافز نفسية، فردية كانت أو جماعية، فإن الأيديلوجيا لن تكون أيديلوجيا بل شيء آخر. وهذه العوامل هي التي تؤدي طبعا إلى خلق ذاك السلوك الذي يدفع الايديلوجي للكذب، وادعاء الحقيقة عوض امتلاكها.
6- في هذه النقطة يفصل سايفرت القول في لاوعي الايديلوجي كخاصية أساسية لها، وخاصة عندما تكون مقترنة بالكذب. واللاوعي الايديلوجي لا يأخذ صفة الكذب الفردي أو الشخصي بل أنه ظاهرة ذات جذور اجتماعية جد عميقة.

هناك حسب سايفرت الكذب الموضوعي، وهو تعبير دقيق عن الوعي الخاطئ: "فيما يتعلق باللاوعي الايديلوجي لا بد من التفريق بين معنيين مغايرين تماما: "المغالطة" و"الوعي الخاطئ". فالأول هو ببساطة تعتيم للحقائق، أما الثاني فله علاقة مباشرة بشخصية الممثل لأيديلوجية ما في علاقته بالحقيقة فيما يقوله. وهناك الكذب الذاتي: " إلى هذا الحد نرى بوضوح على أن خاصية الايديلوجيا غير متضمنة فيها كنسق من الأفكار والأطروحات. إننا نلمس في الأيديولوجيات نوع من تعقيد التصريحات والأطروحات وخلطها بعوامل ذاتية للمعرفة وبالدوافع التي تتأسس عليها أطروحات شخص أو طبقة اجتماعية ما. إن الأيديلوجيا، وعلى عكس الحقيقة أو الخطأ، لا تنتمي إلى الأطروحات نفسها التي تنطلق منها، بل أنها تنتمي كذلك إلى العوامل الشخصية الذاتية التي تنطلق منها".

7- ويقود التفكير حول عدم حقيقة الايديلوجيا إلى اكتشاف خاصية أخرى لها، ألا وهي أهدافها الغير المعقلنة. لكل أيديلوجيا هدف، ولعل هذا الأخير في نظر ماركس وانجلز، هو أهم خصائصها. وعلى الرغم من أهمية هذا العامل فإن ماركس وانجلز، حسب سايفرت، لم يفياه حقه في التحليل في المادية التاريخية. إن الأمر لا يتعلق فقط بلا عقلانية مصادر الايديلوجيا، بل إن هذه الاعقلانية تهم كذلك علاقتها بالأهداف التي تريد تحقيقها:" إن التصرف عقلانيا ممكن فقط عندما يخرج فعل ما من حقيقة الأحكام المتعلقة بالقيم التي يريد (الفعل) تحقيقها. أما عندما تستخدم فكرة ما كأداة أو سلاح، بمعنى دون تفكير متعلق بحقيقتها، من أجل تحقيق أهداف سياسية وغيرها، فإن علاقتها (أي الفكرة) بأهدافها تكون علاقة لا عقلانية". ويؤكد سايفرت أن لا عقلانية الايديلوجيا اتجاه أهدافها يمكن أن يكون لها وجهين: فقد تكون أيديلوجيا ما غير عقلانية اتجاه أهدافها، لكنها توظف توظيفا براغماتيا قحا في بعض هذه الأهداف، كما كان الحال في العهد الشيوعي- البلشفي تحت حكم ستالين. كما أن أيديلوجيا ما قد تكون عقلانية-لا عقلانية: "عندما تؤسس أفعالها منطقيا، لكن دون التأكد من صحتها أو عدم صحتها، لأن هدفها الأساسي هو محاولة بناء اللاعقلاني على هذا الأساس المنطقي لكي تبرر سلوكها".

8- في هذه النقطة يتطرق سايفرت إلى الأيديلوجيا واللغة، ويؤكد على أن لغة الايديلوجيا لا تأخذ في عين الاعتبار المخاطب، وتعتبره طرفا في النقاش، بل أنها لا تأخذه محل الجد بتاتا لكي تقنعه بالحقيقة. إنها تحاول خداعه بالكلمات. من هذا المنطلق فإن الأيديولجيا تتصرف اتجاه الإنسان وكأنه موضوعا لا عقلانيا أو حيوانا يمكن تدجينه بالحلويات أو بالضرب.

9- يقول سايفرت في هذه النقطة: "إن عدم احترام شخصية الشريك (المخاطَبُ) أو ضحية خداع ايديلوجي يظهر بصورة بشعة في الإكراه، الحرمان من الحرية والاضطهاد. لا يتم النداء على إقناع الآخر أو تركه يختار في حرية أيديلوجية معينة، بل يتم الضغط عليه جسديا ونفسيا وسياسيا لكي يقبل هذه الأيديلوجية ويروج لها". وتتمظهر هذه الخاصية الايديلوجية في الأيديلوجية الدينية خاصة. وينبه سايفرت على أن مثل هذا الإكراه الديني يمكنه أن يتسبب في القضاء على دين معين عندما يصبح أيديلوجيا. فالعقوبة تفترض منطقيا أن المعاقب لابد أن يكون على دراية بالقانون موضع العقوبة لكي يقبل أو لا يقبل العقوبة المنطوقة في حقه. وهذا معناه أن واضع القانون لابد له من التعريف بقوانينه لكي يتسنى للناس الاختيار الحر والمسؤول لأفعالهم. إلا أن الأيديلوجيا تختار القوانين التي تخدمها وتحلها في أي وقت عندما لا تصبح قادرة على مسايرة مصالحها.

10- بناء على كل ما تقدم يؤكد سايفرت على أن كل أيديلوجيا تتجنب الحوار الهادف والمسؤول، الذي يتوخى الوصول إلى الحقيقة عن طريق الإقناع والاقتناع المنطقيين. إن هدف الإيديلوجيا ليس المعرفة والحقيقة كأداتان للحوار، بل الاستلاء على السلطة بالمخادعة في كل صورها.

وعلى الرغم من الانتقادات الكثيرة التي وجهها سايفرت لماركس وانجلز في تناولهما لظاهرة الأيديلوجيا، فإنه يشيد بالمجهود الذي بذلاه لإلقاء المزيد من الضوء على هذه الظاهرة، وإخراجها إلى حيز الوجود كظاهرة مستقلة ذات جذور وأبعاد لا تعتد ولا تحصى: " إن الوعي بوجود الأيديلوجيات بالمعنى الذي سبق لنا وأن حللناه يمكن أن يكون أكبر اكتشاف فلسفي لماركس، وإلى حدود ما لنيشته. إنها محاولة فلسفية قحة يتسحق مكتشوفها الدخول ليس فقط إلى تاريخ الأفكار بل أيضا إلى تاريخ الفلسفة، حتى وإن كان ماركس وانجلز لم يستطيعا أن يحولا مختلف مكونات الأيديلوجيا إلى وعي فلسفي".

ويعتقد سايفرت أن ما يدفع إلى الاعتقاد أن الفلسفة أيديلوجيا هو عدم التمييز الدقيق بين العقلنة Intelligibilität وبين الضرورة الداخلية للأشياء نفسها التي تتأسس عليها بعض الاتجاهات الفلسفية. ولتأكيد أطروحته هذه، يقدم سايفرت مثالا حيا من الفلسفة الماركسية نفسها، ويتعلق الأمر بـ "مظهر الإستقلال Schein der Unabhängigkeit". وعندما تختبئ الفلسفة وراء أيديلوجيا ما فإنها تخسر استقلالها. وهنا يعترف ماركس بشيء من الأهمية بمكان يصعب تحليله: "إن الأطروحة القائلة أن "كل فلسفة هي أيديلوجيا" تتناقض مع نفسها في المضمون، لأنها (أي الأطروحة) تقدم نفسها كحكم يمتلك الحقيقة". ومعنى هذا أن هذه الأطروحة ليس لها جوهر منطقي تتأسس عليه، ولم يعمل الذين نادوا بالأطروحة على التحقق منها. أكيد أن هناك فرق كبير بين تبعية حكم عقلي-منطقي- فلسفي وبين حكم أيديلوجي. فالحكم العقلي يبقى وفيا وملتصقا ومعبرا عن الأشياء التي انطلق منها. وحقيقة حكم من هذا القبيل تأتي من الأشياء نفسها وليس من الحكم في حد ذاته. من هنا فإن الحكم العقلي يكون تابعا للأشياء وليس للأهواء كما هو الشأن بالنسبة للحكم الايديلوجي، المؤسس أساسا على مصلحة الفئة الاجتماعية التي ينتمي إليها.

أما مقولة "النهاية المنطقية للأيديلوجيا" فإنها غير مقبولة فلسفيا لأن النهاية التاريخية- السوسيولوجية للايديلوجيا ما هي في واقع الأمر إلا ادعاء فارغ من أي محتوى . ولعله ادعاء يخدم السياسية أكثر منه الفلسفة والحقيقة. وما يعيبه سايفرت على الماركسية هو كونها تنفي نفيا قاطعا الوعي المجرد، ولا تعترف إلا بالوعي المادي. وهذا في حد ذاته تقليص للطبيعة الإنسانية لأن الواقع المجرد هو واقع مستقل تماما عن الواقع المادي. وهو واقع إنساني فعلي سواء أوجد إمكانية تطبيقه وتمظهره في الواقع المادي أو لا. ويعتقد سايفرت أن الخطأ الكبير الذي سقط فيه ماركس وانجلز بتعميمهما للتفسير المادي لكل الظواهر هو أنهما يعتبران الفلسفة محكومة كذلك بالعوامل الاقتصادية. فالايديلوجيا تنادي إلى التغيير عن طريق الثورة، بينما تنادي الفلسفة بالتغيير عن طريق النقد، وهذا ما نلاحظه اليوم في ميدان الفلسفة التحررية.

ويحاول سايفرت في آخر نصه بناء بعض الحجج المنطقية التي تؤكد تناقض الأطروحة الماركسية القائلة بالخصوصية الايديلوجية للفلسفة. وأول حجة ضد هذا الادعاء هو كون عالم الفلسفة هو غير عالم الايديلوجيا لا في المنطلقات ولا في الأهداف . أما الحجة الثانية فهي كون النسبية في النظرية الماركسية لا تعترف بالحقيقة المطلقة، بل تؤسس حقائق مختلفة اختلاف الطبقات الاجتماعية التي تكون شعبا ما. ونسبية الحقيقة هذه تعري عن التناقض الثالث للأطروحة الماركسية السالفة الذكر، ويتعلق الأمر بالوجود العقلي الضروري لأحكام الحقيقة. فهذه الأخيرة، كما يجب أن يفهم في النظرية الماركسية، مرتبطة أشد الارتباط بالأهواء والانفعالات الاجتماعية، وكذا بالوضع الاجتماعي- الطبقي للفرد وبتكوينه وطريقة تفكيره، وإذا كانت كل فلسفة أيديلوجيا، فما هي الايديلوجيا؟ إن طرح السؤال بهذه الطريقة ما هو في حقيقة الأمرإلا ضحدا رابعا لمقولة ماركس –إنجلز.

سيبقى السؤال الأخير مفتوحا ومطروحا على الايديلوجيا لأنه يمس أساسا جوهرها، وهي مطالبة أن تجيب عنه. وهذه الإجابة تعني من بين ما تعنيه أنها مدفوعة بحكم الطبيعة المكونة لها أن تكف عن السلوك "الامبريالي" الذي تتعامل به مع تخصصات أخرى وعلى رأسها الفلسفة. ومهمة الفيلسوف هي تقليص نشاط الايديلوجيا في الميدان الفلسفي، مادامت الفلسفة تحمل على عاتقها منذ غابر الأزمان مهمة البحث عن الحقيقة. وعلى الفيلسوف العربي الذي يعنينا هنا الاحتراس واليقظة لأن الثلث الأخير للقرن الماضي قد فاجئه بتحديات لا تعد ولا تحصى، ومن بينها الانتشار السريع لايديلوجيات مختلفة، ومتناقضة في بعض الأحيان. وقد سقط بعض الفلاسفة العرب المعاصرين إن عن وعي أو دون وعي في شراك عراك الاديلوجيات، وبذلك فقدوا هويتهم كفلاسفة حاملي رسالة حضارية وإنسانية، إلى مروجين لايديلوجية بعينها، و"مهرولين" وراء سراب الحقيقة الضائعة. أن الايديلوجيا تقيس الزمن بعدد الأيام والشهور والسنين، لأن هاجسها الأساسي هو الوصول إلى السلطة. أما الفلسفة فإنها تركن إلى التريث لأن طريق البحث عن الحقيقة شائك وجد طويل لا يمكن أن يقاس بالأعوام. ومادام السبيل الوحيد للبحث عن الحقيقة يكمن في الأشياء نفسها، فعلى الفلسفة ألا تترك الايديلوجيا تبتلعها. وسوف لن تتركها تفعل.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أيام إيريك فروم بمنطقة الفوخاخلبير النمساوية
- حوار الثقافات و النزعة الإنسانية : إيريك فروم


المزيد.....




- دبي تنفي إصدار تصاريح للمقامرة: شائعات لا أساس لها من الصحة ...
- الإمارات تقرر تعليق جميع الرحلات القادمة من الهند ضمن إجراءا ...
- دبي تنفي إصدار تصاريح للمقامرة: شائعات لا أساس لها من الصحة ...
- الإمارات تقرر تعليق جميع الرحلات القادمة من الهند ضمن إجراءا ...
- بوتين: مستعدون لاستقبال زيلينسكي في موسكو بأي وقت إن كان يرغ ...
- آلة حاسبة تحدد مقدار فيتامين D الذي تحتاجه يوميا
- إيطاليا: حرفيو الشوارع نابولي يواجهون خطرا كبيرا بسبب الجائح ...
- روسيا تبدأ سحب جزء من قواتها من مناطق قرب حدود أوكرانيا
- روسيا تعلن بدء سحب قواتها مع انتهاء تدريباتها العسكرية بالقر ...
- إيطاليا: حرفيو الشوارع في نابولي يواجهون خطرا كبيرا بسبب الج ...


المزيد.....

- الماركسية كعلم 4 / طلال الربيعي
- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حميد لشهب - الفلسفة و الأيديلوجيا: أية علاقة؟