أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مختار سعد شحاته - الجنة بين الحلم والخيال والواقع.















المزيد.....

الجنة بين الحلم والخيال والواقع.


مختار سعد شحاته

الحوار المتمدن-العدد: 3963 - 2013 / 1 / 5 - 21:41
المحور: الادب والفن
    


* لماذا ترك آدم الجنة؟

لعله كان يبحث عن جنة جديدة، أو حلم بها حين تعلم أن يحلم، من يدري فعل آدم؟ أو من يقدر أن ينظر له، فهو الإنسان الأول".
هكذا بدأت الرحلة فى التمحور بإشكالياتها العجيبة، حين بدأ أبو البشرية –من صُنع بيد الإله مباشرة وفيه من روحه- حين بدأ بحلم الخروج من الجنة، فعرفنا في جيننا البشري مفهومًا أول عن الحياة هو الأحلام، وارتبط بها كل جنون. من يضحي ليكسر سيمترية الجنة، ويسعى وراء حلم؟! من يفعل ذلك سوي هؤلاء الذن ورثوا جين الجنون عنه، بامتداد عمر البشر وحتى الزوال النهائي لحضارتهم.

*نعمة المعصية:

وأنا مثل أبي أحمله معي، فأميز به نفسي وروحي، أتماهي بين الناس حين يتعثرون فيه وقتما يفيض الجنون، فيُمسك البعض عني، ويستلهمني آخرون، هكذا بدأت الحكاية. وتشكلت أبعاد الحياة بزوايا ومستويات عديدة، فتخلق عوالمًا متماسة، برغم البعد، هي التماس –أيضًا- الذي تعلمته من آدم، حيث عاش واقعًا في الجنة، ثم تعلم الحلم، فاقترف معصيته النعمة، فعلمنا كيف نحلم، ثم تمادى في أحلامه فتخيل جنته الجديدة الموعود بها في دنيا الأحلام ليخلق بعدًا ثالثًا هو الخيال. وكله مُتهم بالجنون الفضيلة المثلى للبشر وبينهم.


كأن أمثالي من عُشاق الأحلام والخيال كان يلزمهم أن يُأصلوا لحالهم، فيعيدوا قراءة تاريخهم الأول، ويسجدون في إجلال لمعلمهم الأول، هذا الذي أهداهم عوالمهم الثلاثة، فوحدهم مثله- عرفوا أن حياة الواقع وحدها لا تكفيهم، فحلموا بجنة أحلامهم، وجالوا بخيالهم بين بيازنها، مدركين للأبعاد الثلاثة وما حولها من أطر تفصل أو شعرات تصل.


واقع أم حلم أم خيال؟

فواقعنا جنتنا الأولى التي دربتنا، وعلمتنا كل الأحلام، لولاها لما كان الحلم، وحقيقة الأمر أن أحلامنا كلها مدينة لهذا الواقع بالدفع الحثيث نحوه بإرادة قدرية لا مهرب منها لكل هؤلاء المجانيين بالخروج من واقعهم حيث الحلم والخيال. فأنت حين تصحو من نومك، تمارس يومك الاعتيادي، لتنتهي إلى النوم مكللا براحة الضمير نحو هذا الواقع وشخوصه، فأنت ابن واقعك بحلوه ومره كيفما اتفق، أو حسبما سعيت لصنعه، فُكلنا يشترك فيه هذا المستوى من الواقع.

حين يقصر الواقع عن عطائك المتزايد، وتلبية هذا الجين فيك، تأتي بهدوء نحو المستوى التالي، فتندفع نحو الحلم، وفيه الجنة وحدك من تصنعها بكل أحلامك وبكل تفاصيلها الدقيقة، وتختر من يشاركك فيها من بشر وأشياء أُخر، وتستمر في السعي نحوها حتى تتحقق أو تدرك بعضها، وكل ما تحققه منها تحوله بمرارة إلي رصيد المستوى الأول الدافع نحو الحلم، من هذا الواقع بتجديد مستمر، كانها جدلية فواقعك يغذي حلمك، وأحلامك كلما تتحقق منها غذى واقعك وجمّله.

بينما في المستوى الثالث وهو مقصور على الجنون المحض، حين يتحول الحلم إلى الخيال، يظل عالمه السحري ممتدًا، لا يضاهيه أي شيء، بل مميز كونه لا يسمح لغيرك بان يشاركك فيه، وهو أنانية محببة للنفس، لا يدركها سوى هؤلاء الذين وصلوا إليها ممن ترقى في دنيا الحلم حتى الخيال. كأن الفارق بين الحلم والخيال، أن أحلامك قد تتحقق او منها ما يتحقق، بينما لعبة الخيال من بدايتها تعلم شروطها، انها لا تتحقق سوى في خصوصية جنونك وحدك، وأنها شفير بين عالمين متباينين ومختلطين في آن، مما يجعل الكثيرين يخلط بين مستوى الحلم والخيال.


العرب بين الحلم والخيال والواقع:
نضرب مثلا يُقرب الصورة، واقع المجتمع العربي، دفع بشعوب الربيع العربي إلى حلم الخلاص من طغاته، لكنه أبدًا ما كان خيالا، وهنا نكتشف خطا من زعم ان التغيير كان خيالا، فهو للحقيقة حلم قد تحقق كله أو بعضه، بينما الخيال هو الذي يستحيل بآليته على الواقع، لذلك كان الثوار يحلمون بالتغيير، بينما العامة يتخيلون التغيير في خيالهم الخاص، وهو بون كبير.
نقرب المسألة من زاوية أخرى، نضرب جدلا لواقع التقاء شاب، ولنعطه مثلا لقب "رمول"، وشابة نعطها مثلا لقب "المحارة"، في الواقع هما موجودان، قد يدفعهما الواقع نحو أولى خطوات الحلم حين تبدا حكايتهما بجنون مفرط، فيحلمان باللقاء، حين يحدث هذا اللقاء على مستوى ما صوتي أو بصري، فهو ينقل كثير من الافتراض المتولد عن لحظات الجنون إلى واقع، فيصير واقعا في حياتها، وتتحول هي من افتراضه إلى واقعه، وحتى يستمر زخم علاقتهما، فهما يدفعان بها نحو أقصى غايات الجنون فيدشنون أحلامهم التي يراها كل الآخرين دربًا من خيال، ولو عُدنا لواقعهم الأول، لربما كان التقائهما في عقيدة الكثير أبعد من الحلم، فهو خيال محض، لا ضير منه، لكنهما وحدهما يعلمان أنه حلم، أي أنه قابل للتحقق شيئًا فشيئًا، ويحرصان كل الحرص على حدود هذا الحلم، حتى لا يتحول إلى خيال صرف، وهنا قد تبرر تصرفات الآخرين، الذين تعاملوا باعتبار حدوث اللقاء وباعتماد الواقع هو الخيال، بينما صاحبا التجربة عرفا منذ اللحظة الأولى أنه الحلم، والمدفوع بالجنون.

* عبقرية الجنون:

لعل الجنون هو ما يجعل المرء شديد الوعي للتفريق بين الحلم والخيال، وهذا هو المُدهش في هذا الجنون، فهؤلاء أصحاب العقول الحصرية للواقع، أبدًا لن يروا إلا الخيال واستحالات عديدة، وتنظيرات تقطع لا تصل، بينما هؤلاء المجانيين بالحلم وحدهم من يؤمن ويدرك بالفارق الهين بين أحلامهم وخيالهم.

وما دام للجنون حضور طاغ هنا فهم محط هجوم كل عقلاء الواقع، بمنطق يراه كل مجنون منطق عقلي سخيف حيث خلط جهلا ما بين الحلم والخيال. والجنون ذات أصل في الحكاية الأولى، وإلا فبما نسمي آدم حين قرر بارادته أن يترك جنة واقعه، سوي بأنه محض مجنون، لكن مجنون يحلم وله خيال خاص، والامر تراه يستمر طوال التاريخ البشري، فتجد كل هؤلاء المتهمين بالجنون، هم من يقود على الدوام، تأمل الاتهامات الأولى للأنبياء، للعلماء، للعباقرة، للمبدعين، للمغيرين، اتهام واحد في حقيقته، اتهام الجنون، حين يتعدي عقله – كما يسب الآخرون – حدود الواقع ومنطقه، وهؤلاء هنا لا يدركون أن العقل في الحلم لا وجود له، فهو متقلص الدور، كومبارس في دنيا الحلم والخيال، فكلاهما – الحلم والخيال – يعتمدان على القلوب والأرواح أكثر من اعتمادهما على العقل، لانهم يدركون عجزه عن إدراك ما أعلى من واقعهم من دنيا الحلم ودنيا الخيال.

لعل تلك البداية نقطة ارتكاز جيدة نحو عالم مجنون قررت الخوض فيه، آملا أن أظل على وعي بواقعي وحلمي وخيالي، ومدركًا للمسافات المتولدة بين كل مستوى وآخر، غير غافل عن رابط الجنون بينهم، وقانعًا بأن الواقع يظل ويبقى واقعًا جميلا تدين له أحلامنا بالظهور، حتى وغن تحول بعضها إلى واقع جديد مُضاف، أو كابوس محزن، وسيظل حدسي يعلم كيف يمايز بين الحلم والخيال، فأنتقي خيالاتي، وأسعي وراء أحلامي، فكلها مني قلبا وروحًا قبل أن تكون عقلا مما يفرضه الواقع.

مختار سعد شحاته
روائي
الإسكندرية-مصر.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- .من تاريخ العُري الوطني.
- اقرأ .. وحاجة إلى إعادة فهمها القرآني.


المزيد.....




- وفاة الممثلة البريطانية هيلين ماكروري بسبب السرطان
- مصر.. وفاة زوجة الفنان الراحل خالد صالح متأثرة بفيروس كورونا ...
- الموت يفجع الفنان المصري أحمد خالد صالح
- كاريكاتير -القدس- لليوم السبت
- ملف عمر الراضي.. السلطات المغربية تكذب مغالطات منظمات غير حك ...
- وفاة الفنان السوري كمال بلان في موسكو
- قصر أحمد باي يوثق حياة آخر حكام الشرق في -إيالة الجزائر-
- عرض مسرحية جبرا في بيت لحم
- فيما تؤكد الحكومة أن العلاقة مع المغرب وثيقة..خطط ستة وزراء ...
- القضاء المكسيكي يأمر منصة -نتفليكس- بإزالة مشهد يخرق قانون ا ...


المزيد.....

- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مختار سعد شحاته - الجنة بين الحلم والخيال والواقع.