أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - عدنان اللبان - كان شهيدا وهو في عز الشباب















المزيد.....

كان شهيدا وهو في عز الشباب


عدنان اللبان

الحوار المتمدن-العدد: 3923 - 2012 / 11 / 26 - 11:32
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    



انتظرناه اكثر من عشرة دقائق ولم يظهر , الاستراحة نصف ساعة من التاسعة والنصف الى العاشرة , وهي الفترة التي نأكل فيها وجبة الفطور بعد ان نبدأ عملنا في السابعة والنصف . كنا قد فرشنا الجريدة انا ودريد , وقشرنا البيض , وكاد الشاي ان يبرد بعد ان ملئنا اقداحنا من الترمز الذي نأتي به معنا من البيت . كنا خمسة عمال عراقيين نلتقي تحت سقيفة الجينكو عند استراحة الصباح هذه واستراحة الظهر التي نتناول فيها غذائنا , اليوم نحن الثلاثة فقط , والاثنان الاخران عرفنا منذ البارحة انهما لن ياتيا اليوم , فقد سرحا من العمل .
رغم تأخره جاء عبد الحسن متباطئا , ومظهره يدل على ان فكرة , او مشكلة تستحوذ على تفكيره . في الصباح عندما جئنا سوية كان طبيعيا جدا , خفت ان يكون قد بلّغوه باستغنائهم عنا ايضا , خاصة وانه يعمل مع الشيف . ظهر ان " الشيف " عامل لا يختلف عنا , ولكونه الماني , جعلوه مسؤول علينا نحن العراقيين بعد ان علمنا اوليات العمل , ولكننا استمرينا في تسميته ب" الشيف " لما يخلق عندنا من اهمية بعملنا .
سأله دريد : اشو تأخرت , اكو شي ؟!
عبد الحسن: لا , بس هذا الشيف دوخني .
عاجلته وقصدي ان اخفف عنه : حتى اذا يردون يبطلونه شكو دايخ ؟
عبد الحسن : لا هو بس احنه باقين عدهم . ( واخرج من جيبه مبلغ كبير من الدنانير ) هذا يريدني اشتريله بيهن دولارات من السوكَ يعني مو تصريف رسمي . اخبرني ان اذهب بعد الريوك , يريد ان يسأل صديقه اذا كان بحاجة ان يصرّف ايضا .
اجبته : شكو بيها اذا تعرف واحد يصرّف بالأسود .
دريد : واكَفين على الرصيف بالرشيد بصف مصرف الرافدين , وإذا تريد نص الصياغ وره البنك بشارع النهر يصرفون .
عبد الحسن باستغراب : المشكلة مو وين اصرف ؟ انتوا تحجون وكأن المسألة عادية ؟؟!
سألته : شنو الغريب البيها ؟! الرجال عنده ثقة بيك وكلفك .
عبد الحسن : ونسيتوا ليش احنه متهجولين ونشتغل هنا ؟
نحن الثلاثة خريجي اكاديمية الفنون الجميلة قسم المسرح , انا اعمل في التدريس , ودريد ابراهيم في التلفزيون التربوي التابع لوزارة التربية , وعبد الحسن سميسم يعمل في الاذاعة مراقب لبرامج الاذاعة الايرانية بعد ان عزلوه من الاخراج الاذاعي . تركنا دوائرنا واختفينا بعد ان اشتدت الحملة البعثية في مطاردة الشيوعيين عام 1978 و ما بعدها . عبد الحسن عن طريق احد معارفه الذي يعمل مترجم في هذه الشركة الالمانية الشرقية , والتي تعمل في انشاء مخازن كبيرة في الزعفرانية المحاذية لمعسكر الرشيد , استطاع ان يشغلنا عمالا باجور يومية , وعملنا تحت اشراف " الشيف " هو تثبيت صفائح السقوف البلاستيكية على الواح الركائز وجسور السقف .
عبد الحسن : هو عنده نسبة من راتبه يصرّفها بالبنك ارخص من التصريف خارج البنك , بعدين هذي فلوس هواي .
دريد : احتمال النسبة المحددة الهم اقل من الفلوس اللي يوفروها .
عبد الحسن : النسبة محدديها مع حكومتهم حسب ما كَال المترجم غسان , يعني نخون حكومة المانيا الديمقراطية مو غيرها , راس الحربة بوجه الغرب ؟!
كان عبد الحسن " حنبليا " في استقامته مع النص , جدي في كل شئ , من شدة جديته لا يستجيب للنكته او اللطيفة ان لم يكن مستعدا لتقبلها , كأن تقول له : احجيلك نكته . كانت احلامه الصوفية التي اكتسبها من البيئة الدينية المحافظة في النجف , قد فرضت عليه سلوكية صلبة في توجهاتها , وحرمته من الانشغال في الهوايات البريئة , وكان يستغرب كوننا نذهب لمشاهدة مباراة كرة القدم في ملعب الشعب وسط هذا الازدحام والحر الخانق . حتى في دراسته الفن المسرحي كان لا يترك النقطة او الفارزة لتستريح بين جملتين , كان يطلب من الممثل ان يمنحها حركة السكون ونوعيته ليؤكد معناها . لم يكن حتى يبتسم عند مشاهدته افلام شارلي شابلن , بل كان يتألم . كان شهيدا وهو في عز الشباب . وهذه الجدية هي التي مكنته من استيعاب الموسيقى الكلاسيكية والسمفونيات التي كنا ندرسها في الاكاديمية , فكان اشطرنا في فهمها والتمتع بها , وكانت ام كلثوم الوحيدة التي تجعله يحلق فوق السحاب .
عبد الحسن : لو الحكومة الالمانية تريد تحويل للدولار اكثر جان هيه رفعت نسبة التحويل , اكيد هي اللي تريد ان ما يغزو الدولار اسواقها , تمام لو لا ؟
ترددنا انا ودريد في اجابته , فمعرفتنا بسوق العملة تكاد ان تكون صفر , وكيف نعلن جهلنا والمسألة متعلقة بدولة اشتراكية ؟! تحليله بلبل تفكيرنا , وببساطة مثلما يقول : هل معقول ان تسمح الدول الاشتراكية لغزوها بالدولار الامريكي ؟! كنا نتيجة تربيتنا الاممية وقسوة ضربة البعث لنا نشعر بحرص مضاعف على سلامة وسمعة الدول الاشتراكية , كنا نشعر انها السند الوحيد الباقي لنا .
دريد : احنه وين والتصريف وين , بالكَوّه حصلنه الشغله وما نعرف شوكت يسرحونه , تعال النوب صرفلهم دولار . روح اليوم , وكَله بعد ما اروح لان الشرطة بالمنطقة .
عبد الحسن : ما اروح , من يجي راح اواجهه , هو ابن النظام الاشتراكي ولازم يلتزم اكثر من عدنه .
اجبته : صدك جذب , روح اول مرّه وأخير مرّه , قابل يومية راح يصرف ؟ ومثل ما كَال دريد الشرطة بالمنطقة وأخاف اصرفلّك بعد .

عند الثامنة مساءا جاءني عبد الحسن الى البيت , واخبرني انه تشاجر مع المترجم غسان بعد ان اخبره برفضه تصريف المبلغ الذي اخذه من الالماني .
يقول عبد الحسن : انه ثار بشكل غير معقول , ولم يترك لي اية فرصة كي اوضح له ان الشرطة كانت موجودة في الشارع ومن الصعوبة اجراء التصريف .
اخذ المبلغ , وطلب مني ان لا نعود ثلاثتنا الى العمل , يعني مطرودين , وأجور اليومين الاخيرين غدا سيأتي بها .
غسان كان سابقا شيوعي ايضا , وأرسله الحزب لدراسة الاقتصاد في المانيا الديمقراطية , اكمل دراسته وعاد الى بغداد قبل ثلاث سنوات , اي بعد قيام الجبهة الوطنية بسنتين . لم يعد الى الحزب , ولم يعمل في دائرة حكومية ايضا . عمل في ادارة معمل المنيوم مع احد اقربائه في بغداد الجديدة , وعند قدوم الشركة الالمانية لتنفيذ مجموعة عقود في العراق عمل فيها مترجم . ومن خلال علاقة عبد الحسن به شغلنا في الشركة وهو يعرف بوضعيتنا . توصلنا انا وعبد الحسن الى نتيجة : انه يشعر بورطته بعد ان شغلنا في الشركة , وذلك لاشتداد مطاردة الشيوعيين في الفترة الاخيرة من قبل الامن . وإلا بماذا تفسر عصبيته وثورته وهو اللطيف الذي لم نره يوما عصبيا , بالعكس كان يميل الينا , وجلسنا معه في جلسة شرب , ورفض ان ندفع اي فلس , حتى علبة السكاير التي طلبها عبد الحسن دفع ثمنها . وفي تلك الجلسة حدثنا عن الحياة في المانية الديمقراطية , ونبهنا على ان لا نصرف كل هذا الجهد بعد ان رآنا نأتي حتى قبل الدوام بنصف ساعة , ولا نعطي لأنفسنا اية راحة في العمل , كنا نعتقد ان اخلاصنا بالعمل هو اخلاص لقضيتنا . ذهب عبد الحسن الى البيت ليخبر دريد الذي يسكن حاليا عنده , ودريد شقيق زوجته .

في اليوم الثاني لم يأتي غسان كي يعطينا اجرة اليومين الاخيرين , وأراد عبد الحسن الذهاب الى الشركة في اليوم الثاني بعد الموعد لأنه يشعر بالحرج كونه هو الذي يعرفه , ولكننا منعناه , لانه اولا يعرف بوضعيتنا , وثانيا لا نستطيع ان نجبره على اي شئ , وحوّلنا القضية الى تصنيف وسخرية : من ان اجرة اليومين فلوس كَعدتنه مال الشرب, او حتى فلوس الالماني راح ياخذها , ويخبر الالماني باننا سرقناها ولم نعد الى العمل , وإخلاصنا بالعمل كلاوات للإيقاع بالألماني لكي يثق بنا .

بعد فترة ليست بالقصيرة تأكدت صحة تعليقاتنا على غسان , فقد ظهر انه فعلا اخذ فلوس الالماني ولم يعدها له . الاثنان الآخران اللذان كانا يعملان معنا وتركا العمل قبل يوم من طردنا , كان احدهم ويدعى حميد ابن خالة غسان , والاثنان شيوعيان ايضا ’ كانا طلاب غير معروفين او مطلوبين للأمن مثلنا .
يقول حميد : بعد فترة من عمل غسان في الشركة الالمانية اخذوه الى الامن العامة وطلبوا منه ان يتعاون معهم , ولكنه رفض , وبعد ثلاثة ايام من التعذيب وإلصاق تهمة التعاون مع دولة اجنبية وهذه عقوبتها الاعدام , اضطر للتوقيع والتعاون معهم . في الاسبوع الاخير الذي سبق تركنا للعمل عرفوا بوجود عراقيين يعملون في الشركة , فطلبوا منه ان يزودهم بأسمائهم , تأخر عليهم يومين فطلبوه بالتلفون يستعجلوه . سلمهم الاسماء وطلب منا ان نترك العمل مباشرتا , كان متوترا ولا يعرف كيف سيخبركما , كان خائفا عليكم , وخائفا فيما اذا وقع احد منكم في قبضتهم واعترف على علاقته بكم .
يضيف حميد : في اليوم الثاني من ترككم العمل جاءت مفرزة امن للقبض عليكم , ولم تجد احد منكم , اعتقلت غسان وقد ظنوا به انه اخبركم , وبعد تحقيق عدة ايام جاءت مفرزة الامن الى الشركة مرة اخرى , وحققت مع احد العمال الالمان كونكم سرقتموه وهربتم , وأكد لهم العامل الالماني ذلك . وعندما خرج غسان من الامن ترك العمل في الشركة بعد عدة اسابيع , وغير حتى مكان سكنه .

تنقلنا بين عدة اعمال يدوية , وجميعها لا نملك اساس فيها , وكل محاولات تعلمنا لا تتعدى ان تكون عمالا مرضيا علينا, كان آخر عمل حصلنا عليه سوية هو تصحيف الكتب , مع احد الرفاق الذي حصل على تصحيف اربعة كتب من احد الاصدقاء من ابناء عائلة بربوتي الطباعية .
حصل عبد الحسن على سكن آخر اقل كلفة , وكانت غرفة مع منافعها الصحية ومطبخ صغير , ولا تبعد كثيرا عن سكنه القديم في بداية الكرادة عند نصب الاربعين حرامي . عبد الحسن متزوج من اخت دريد وعندهم ولد واحد اسمه سلام , واستطعنا ان ننقل كل مقتنياتهم نحن الثلاثة في ثلاث تحميلات لعربة دفع استعرناها من احد الحمالين .
كان بين العفش حقيبة ذات لون رماني لفتت انتباهي , ولم تكن موجودة عندما نقلنا عفشهم في المرتين السابقتين .
سألت عبد الحسن : انت مشتري جنطة مشتري , الا هذا اللون الطايح حظه ؟!
عبد الحسن : مو مالتي , هاي امانة .
انت يومية ابمكان , امانة المن ؟
اجابني : مال الجماعة . ويقصد الحزب .
وشبيها ؟
عبد الحسن : والله ما اعرف .
افتحها شوف شكو بيها , اذا شي يسوه مسألة اخرى .
عبد الحسن : لا يمعود , شيكَولون بعدين ؟
تقول زوجته : بعد عدة ايام وعند عودته من العمل , لم يجد زوجته وطفله , وآثار التفتيش والعبث واضحة بمحتويات البيت , واختفاء الحقيبة الجلدية ذات اللون الرماني , فأدرك ان البيت اقتحم من قبل مفرزة امن وان زوجته رهن الاعتقال . عبد الحسن شعر بعد ان رأى غياب الحقيبة انه السبب في اعتقال زوجته وابنه , وذلك لانه اصر على الاحتفاظ بها لفترة طويلة دون ان يعرف ماذا بها . وكان قد تركها عنده احد الرفاق من الناصرية , وظهر انها تحتوي على مجموعة من الوثائق تخص المنظمة المحلية في الناصرية , تركها عندهم ولم يعد لأخذها او لإتلافها . استمر عبد الحسن جالسا في البيت بانتظار قدوم مفرزة الامن مرة ثانية , فلم يستطع الهرب بجلده ويترك زوجته وطفله رهائن عند هذه الوحوش , الى ان عادت المفرزة واعتقلته , ولم يعرف عنه شئ لحد الآن .


[email protected]






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعد ربع قرن-رأي في حركة الانصار الشيوعيين( 2 )
- بعد ربع قرن - رأي في حركة الأنصار الشيوعيين


المزيد.....




- أمين عام -الشيوعي الفرنسي- يعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية 20 ...
- س?رکوت و ه?رش ب?دژي هاو??گ?زخوازان س?رک?ن? د?ک?ين
- البوليساريو: التفاوض مع المغرب لن يتم والبنادق الصحراوية صام ...
- الدولة المغربية والإذعان لإرادة الرأسمال الأجنبي
- العدد 404 من جريدة النهج الديمقراطي كاملاً
- لقاح الفصل العنصري الذي أوجدته الإمبريالية
- الإكوادوريون يصوتون للاختيار بين عودة اليسار أو اليمين
- حوار مع الصحفي غسان بن خليفة حول: عودة الاحتجاجات الشعبية بت ...
- البوليساريو: التفاوض مع المغرب لن يتم والبنادق الصحراوية صام ...
- نجل جمال عبد الناصر يرصد خطأ بروتوكوليا ارتكبه الرئيس التونس ...


المزيد.....

- قناديل شيوعية عراقية / الجزءالثاني / خالد حسين سلطان
- الحرب الأهلية الإسبانية والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين ... / نعيم ناصر
- حياة شرارة الثائرة الصامتة / خالد حسين سلطان
- ملف صور الشهداء الجزء الاول 250 صورة لشهداء الحركة اليساري ... / خالد حسين سلطان
- قناديل شيوعية عراقية / الجزء الاول / خالد حسين سلطان
- نظرات حول مفهوم مابعد الامبريالية - هارى ماكدوف / سعيد العليمى
- منطق الشهادة و الاستشهاد أو منطق التميز عن الإرهاب و الاستره ... / محمد الحنفي
- تشي غيفارا: الشرارة التي لا تنطفأ / ميكائيل لووي
- وداعاً...ايتها الشيوعية العزيزة ... في وداع فاطمة أحمد إبراه ... / صديق عبد الهادي
- الوفاء للشهداء مصل مضاد للانتهازية..... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - عدنان اللبان - كان شهيدا وهو في عز الشباب